الفتوح - ج2

- ابن الأعثم الكوفي المزيد...
569 /
567

بأصحابه: احملوا على هؤلاء الكلاب!قال: فحمل القوم بعضهم على بعض، فاقتتلوا قتالا شديدا[ (1) ]، و جعل الأشتر يقول لأصحابه: ويلكم!أروني أبا الأعور هذا الذي بدأنا به معاوية حتى أنظر إليه، فقالوا: هو الواقف على التلّ صاحب الفرس الأشقر، فقال الأشتر لرجل من أصحابه يقال له سنان بن مالك‏[النخعي‏]: اذهب إلى أبي الأعور فادعه إلى المبارزة!فقال له سنان: إلى مبارزتك أو إلى مبارزتي؟ فقال الأشتر: و لو أمرتك بمبارزته لفعلت؟قال: نعم، و الذي لا إله إلا هو لو أمرتني أن أعترض صفهم هذا بسيفي لما رجعت عنهم أو أضرب فيهم ضربا يرضيك ذلك مني!فقال له الأشتر: يا ابن أخ!و اللّه لقد زدتني فيك رغبة!و لكني لا آمرك بمبارزته، إنما أمرتك أن تدعوه إلى مبارزتي، و ذلك أنه لا يبارز إلا ذوي الأسنان و الأكفاء من الفرسان، و أنت بحمد اللّه من الكرامة و الشرف، و لكنك حدث السنّ، و أعلم أنه لا يبارزك، و لكن اذهب إليه و ادعه إلى مبارزتي.

قال: فأقبل الفتى حتى وقف قريبا من عسكر أهل الشام ثم قال: إني رسول و لا تؤذوني، فقال له أهل الشام: أنت آمن فهلمّ و قل ما أحببت، قال: فجاء الفتى إلى أبي الأعور فقال: إن الأشتر يدعوك إلى مبارزته، قال: فسكت أبو الأعور ساعة ثم قال: إن جهل‏[ (2) ]الأشتر و سوء رأيه هو الذي حمله على ما فعل‏[ (3) ]بعثمان بن عفان، أنه قبّح محاسنه‏و أظهر عداوته، ثم سار إليه في داره و قراره حتى قتله، انصرف عني فلا حاجة لي في مبارزته، فقال سنان: إنك قد تكلمت فاسمع الجواب‏[ (4) ]، فقال: لا حاجة لي في جوابك، انصرف من حيث جئت.

قال: فرجع سنان إلى الأشتر فأخبره بذلك، فتبسم الأشتر و قال: إنه نظر لنفسه، و لو بارزني لبريت يديه، و لكن احملوا عليهم!قال: فحملت أهل العراق على أهل الشام و اقتتلوا قتالا عظيما يوم ذلك إلى الليل.

فلما كان وجه السحر انهزم أبو الأعور في أصحابه، حتى سار إلى معاوية فأخبره بما كان من أمره، فقال معاوية: فكيف رأيت حرب القوم؟فقال: يا معاوية [ (1) ]اقتتلوا مساء اليوم الأول ساعة، و اقتتلوا يومهم الثاني و صبر بعضهم لبعض ثم انصرفوا. (الطبري- ابن الأثير) .

[ (2) ]الطبري 5/239 ابن الأثير 2/363: خفة.

[ (3) ]في الطبري: حمله على إجلاء عمال عثمان بن عفان عن العراق.

[ (4) ]في الطبري: اسمع حتى أجيبك. و في وقعة صفين ص 156 حتى أخبرك.

568

لا تسأل عن شي‏ء، فإن الخطر عظيم، ثم جعل يرتجز و يقول‏[ (1) ]:

[و]إن للحرب عراما شررا # و إن فيهم فارسا عشنزرا[ (2) ]

ينصف من أحجم‏[ (3) ]أو تنمّرا # إذا ونى برمية تعسّرا[ (4) ]

ثم رجعنا إلى الحديث‏

قال: و سار علي رضي اللّه عنه من موضعه ذلك و بين يديه جرير بن سهم التميمي‏[ (5) ]و هو يقول:

يا فرسي سيري و أمي الشاما # و اقطعي الأحقاف و الأعلاما[ (6) ]

و قاتلي‏[ (7) ]من خالف الإماما # إني لأرجو إن لقينا العاما

[جمع بني أمية الطغاما # أن نقتل العاصي‏[ (8) ]و ذا الأجراما]

قال: و أشرف عساكر عليّ و أصحابه على أهل الشام، فلما نظر معاوية إلى إبل مجنبة بالخيل أقبل على عمرو بن العاص فقال: أبا عبد اللّه!أما أبو الحسن فقد وفى لك بما قال إنه يجنب الخيل بالقلاص، فقال عمرو بن العاص: صدقت يا معاوية! و لكن اشدد حيازيمك لملاقاته، فإنك تعلم ما قد وافاك وفاك، و اللّه من لو لقي أهل الشام بأجمعهم و هو وحيد لم يخالجه خوف و لا رهبة!فقال معاوية: صدقت، و لكن معه رجال و معنا رجال، قال: ثم جعل معاوية يرتجز و يقول‏[ (9) ]:

أتاكم الكاشر عن أنيابه # ليث العرين جاء في أصحابه

كالسيف إذ ينزع من قرابه # فليأتنا الدهر بما أتى به‏

[ (1) ]الأرجاز في وقعة صفين ص 159 و نسبها إلى علي أنه كتب بها إلى معاوية.

[ (2) ]وقعة صفين: قائدا عشنزرا، و العشنزر: الشديد.

[ (3) ]وقعة صفين: أجحر.

[ (4) ]بدله في وقعة صفين:

على نواحيها مزجّا زمجرا.

[ (5) ]عن تهذيب التهذيب 2/73، و بالأصل: «التيمي» . و في وقعة صفين: ص 133 الحر بن سهم بن طريف الربعي (بيعة تميم) .

[ (6) ]وقعة صفين ص 133:

و قطعي الحزون و الأعلاما.

[ (7) ]وقعة صفين: و نابذي.

[ (8) ]وقعة صفين: «العاصي و الهماما» و فيه شطر آخر:

و أن نزيل من رجال هاما

[ (9) ]الأرجاز في وقعة صفين ص 159 و نسبها إلى علي بن أبي طالب (رض) . باختلاف ألفاظ و سقوط و زيادة شطور.

569

قال: و نزل علي رضي اللّه عنه بالعساكر و الأثقال، و ذلك في النصف من المحرم سنة ثمان و ثلاثين، و أمر معاوية أصحابه فنزلوا على شاطئ الفرات‏[ (1) ]و حالوا بين عليّ و أصحابه و بين الماء. و أرسل أصحاب عليّ بالعبيد و الأحرار ليستقوا الماء من الفرات، فإذا هم بأبي الأعور و قد صف خيله على شاطئ الفرات و حال بينهم و بين الماء، قال: فرجع العبيد إلى مواليهم يخبرونهم بذلك، و وثب الناس إلى علي يخبرونه بذلك.

[ (1) ]و كان معاوية قد سبق عليا إلى صفين فنزل منزلا بسيطا واسعا أفيح على شريعة الفرات، و ليس في ذلك الصقع شريعة غيرها، و ما عداها أخراق عالية و مواضع إلى الماء و عرة. و جعل معاوية أبا الأعور السلمي عليها-في أربعين ألفا-يحميها و يمنعها (الطبري-ابن الأثير-مروج الذهب-الإمامة و السياسة) .