بحوث في علم الأصول - ج2

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
242 /
53

قد يتفق لنا أن لا نسمع الزئير بل نسمع صوتا شبيها بالزئير، بأن كان إنسان يقلّد (الأسد)، حينئذ ينتقل الذهن فورا إلى صورة (الأسد)، و هذا تطبيق لكلا القانونين معا؛ لأنّ الذهن انتقل من شبيه الزئير إلى الزئير، و هذا تطبيق للقانون الثانوي التكويني الأول، و انتقل الذهن من الزئير إلى (الأسد)، و هذا تطبيق للقانون الثانوي التكويني الثاني، لأنّ الزئير مقترن (بالأسد) مرارا عديدة.

و أيضا لو أنّ إنسانا لا يعرف اللغة، و أراد أن يفهم إنسانا آخرا، أنّ هناك أسد، فيصدر صوتا شبيها بالزئير، و ذاك يلتفت فورا إلى أنّ هناك (أسد)؛ فهنا بحسب الحقيقة، دلالة هذا الصوت الشبيه تتم ببركة ضم أحد هذين القانونين الثانويين إلى الآخر. و كذلك يضم هذان القانونان، لو أردنا أن نعبر بهذا الصوت عن رجل شجاع، و هذه الدلالة، و هي دلالة الصوت الشبيه بصوت (الأسد)، على الرجل الشجاع، تكون بتطبيقات عديدة لهذين القانونين، لأنّ الصوت الخارج من الإنسان يدل على الزئير من باب دلالة الشبيه على الشبيه الآخر، و الزئير يدل على (الأسد)، و (الأسد) يدل على الرجل الشجاع؛ فبتطبيقات عديدة لهذين القانونين أصبح هذا الصوت يدلّ على الرجل الشجاع.

و إلى هنا نرى أن الإنسان بلا عناية من قبله، و في حدود هذين القانونين الثانويين التكوينيين المخلوقين من قبل اللّه تعالى، أمكن أن يوجد لنفسه لغة، لأنّه بأصوات متعددة يمكن أن يفهم أشياء متعددة، فهو يفهم إمّا أصحاب الأصوات أنفسهم، و هذا تطبيق للقانون الثاني، أو يفهم ما يشبه أصحاب الأصوات، و هذا ضم لأحد القانونين إلى الآخر.

و هكذا و بلا إعمال عناية من قبل الإنسان، حصلت لغة، و هذه اللغة و هذه الدلالة- دلالة اللفظ على المعنى- لا يتدخل فيها أي عناية من قبل الإنسان، لا في الكبرى و لا في الصغرى؛ لا في كبرى القانون، لأنها تكوينية مجعولة من قبل خالق الإنسان، و خالق العالم، و لا في صغرى القانون- الزئير

54

قد اقترن مرارا عديدة- لأنها أمر طبيعي صدفتي، فصدفة اقترن الزئير مع (الأسد) لا بفعل أي إنسان في العالم، و بدون أي تصرف من أحد.

الوضع التعييني و التعيّني:

إذن صار واضحا أن بعض الدلالات التي تواضع عليها الناس، ما يكون تطبيقا للقانونين الثانويين الأول و الثاني، كما في مقام تفهيم الرجل الشجاع، حيث أن الإنسان يستعمل صوتا شبيها بصوت الأسد لتفهيم شخص آخر بأن زيدا من الناس شجاع. فلو فرضنا أن هذا المستعمل للصوت الشبيه بالزئير، كرّر هذه العملية، مرارا و تكرارا، بحيث اقترن هذا الصوت مع هذا المعنى في الذهن، مرارا عديدة، حينئذ يصبح هذا بنفسه تطبيقا للقانون الأول، بلا حاجة إلى ضم مسألة المشابهة، و حينئذ يصبح هذا الصوت بنفسه يدل ابتداء على الرجل الشجاع، بلا حاجة إلى توسط أن هذا شبيه بالأسد، و إلى أن هذا صوت شبيه بصوت الأسد، بل بتكرره يصبح هذا الصوت بنفسه دالا على الرجل الشجاع، و هذا هو معنى الوضع التعيّني فالوضع التعييني الذي نقول بأنه ينشأ من كثرة الاستعمال، حقيقته هذا النحو، يعني إيجاد صغرى من قبل الإنسان للقانون الثاني، و هو أن إدراك أحد المتقارنين بوجه مخصوص، يؤدي إلى الانتقال إلى مقارنه و تصوره، فمثلا: الإنسان يوجد الصغرى- التقارن بين هذا الصوت الفلاني و بين الرجل الشجاع- فإذا أوجد هذا التقارن متكررا، فقد أوجد الصغرى من القانون الثاني، و هذه الصغرى هي الوضع التعيّني.

إذن فالوضع التعيّني: هو إيجاد صغرى للقانون الثاني، إيجاد تقارن متكرر بكثرة الاستعمال بين اللفظ و المعني‏

ثم إنّ الإنسان يصبح عنده ألفة و استيناسا بأن ينتقل من الأصوات إلى المعاني بحيث يصبح هذا الأمر مألوفا، فإذا سمع صوتا يعرف أن هذا لا بد له من معنى، هنا يجي‏ء الوضع التعييني، فحينئذ الواضع طبقا للحاجة يضع بعض الألفاظ لبعض المعاني، يعني يقرن ما بينهما قرنا آنيا دفعيا في عملية ملفتة للنظر مؤكدة، من قبيل عملية المرض «ببغداد».

55

فالوضع التعييني يحسب الحقيقة هو: إيجاد صغرى لكبرى القانون التكويني الثانوي الثاني، و ليس فيه أي تصرف من قبل الواضع، سوى إيجاد صغرى لهذا القانون، بأن يقرن أحدهما بالآخر قرنا أكيدا شديدا.

و من هنا يتضح من أن إتعاب النفس، في أنّ الواضع هل يعتبر اللفظ على المعنى، أو تحت المعنى، أو أداة للمعنى، أو وجودا تنزيليا للمعنى، كل هذا لا معنى له، لأن النكتة المطلوبة من الوضع، هي إيجاد صغرى لهذا القانون التكويني في نفسه. و إيجاد الصغرى، بأن يوجد حادثة، بحيث يقترن فيها اللفظ مع المعنى، اقترانا أكيدا شديدا، و هذا الاقتران الأكيد الشديد، تارة يحصل بكثرة الاستعمال، و أخرى يحصل بإنشاء، كإن يرزق ولد مثلا و يقول:

سمّيته عليا. هذا هو الوضع التعييني.

توضيحات و تفريعات:

اتضح مما تقدم، أنه بالإمكان، تعريف الوضع: بأنه جعل اللفظ بحيث يقترن اقترانا مؤكدا في تصور الإنسان و ذهنه، فيدخل حينئذ في صغرى قانون ثانوي تكويني، و هو قانون الانتقال من تصور أحد المتقارنين إلى تصور مقارنه، و هذا التأكيد في الاقتران.

إمّا أن يكون بلحاظ تكرّره كما هو الحال في الوضع التعيّني.

و إمّا بلحاظ كيفية مخصوصة فيه كما هو الحال في الوضع التعييني.

و بناء على ذلك تتضح أمور:

أ- الأمر الأول: أنّ الوضع ليس من الأمور الإنشائية التسبيبية التي تحصل بالإنشاء من قبيل البيع و نحوه من العناوين المعاملية و الإنشائية: فالبيع لا إشكال في أنه عنوان إنشائي، و إن وقع الكلام في المنشأ، فهل المنشأ بالبيع تمليك المال بعوض، أو المنشأ عنوان مبادلة مال بمال، إلى غير ذلك مما ذكر في المكاسب؟. فالبيع أمر إنشائي لكن يقع الكلام في تشخيص ذلك‏

56

المعنى المنشأ الذي يوجد بالبيع و ينشأ بالبيع.

و أمّا الوضع فهو ليس أمرا إنشائيا.

و أما الوضع التعيّني فهذا فيه واضح، حيث لا إنشاء، و لا جعل من قبل إنسان مخصوص.

و أما الوضع التعييني فيما إذا حصل الاقتران الأكيد بين اللفظ و المعنى بعملية واحدة دفعية آنيّة، حينئذ، قد يصدر إنشاء من قبل الواضع كأن ينشئ و يسمّي ولده زيدا مثلا. لكن هذا الإنشاء له حيثيتان:

الحيثية الأولى: حيثية إنشائية إيجادية لمعنى اعتباري، كأن يقول جعلت اسم زيد وجودا تنزيليا لابني، فهذا الإنشاء يلحظ بلحاظ هذه الحيثية باعتباره إيجادا إنشائيا لمعنى خيالي، و هو أن هذا اللفظ عين ذاك المعنى، و هو بلحاظ هذه الحيثية لا يوجد شيئا، فلا يكون وضعا، و لا يكون ميزانا للدلالة بين اللفظ و المعنى.

الحيثية الثانية: حيثية إنشائية تكوينية، بحيث أن هذا الإنشاء يوجد تكوينا نحو اقتران في ذهن السامع بين اللفظ و المعنى، و هذا الاقتران المتعمّق المتأكد الذي يوجد بين اللفظ و المعنى، يكون الميزان فيه، دلالة اللفظ على المعنى، لصيرورته حينئذ صغرى من ذلك القانون الثانوي التكويني.

و على هذا الأساس فالوضع التعييني بما هو وضع، و بما هو ميزان لدلالة اللفظ على المعنى ليس وضعا إنشائيا بلحاظ الحيثية الأولى الاعتبارية، لأنه لا يوجد شيئا، و لا يكون ميزانا للدلالة.

و على هذا، لا يهم التحدث عمّا هو المنشأ في هذا الإنشاء، سواء أ كان المنشأ هو جعل اللفظ على المعنى، أو أداة لتفهيم المعنى، أو وجودا تنزيليا للمعنى.

57

بل المهم في المقام: هو الحيثية الثانية لهذا الإنشاء، الحيثية التكوينية لا الحيثية الاعتبارية الجعلية.

و على هذا البناء، فالوضع بما هو وضع، و ميزان لدلالة اللفظ على المعنى، ليس أمرا إنشائيا اعتباريا، لا الوضع التعيّني، و لا الوضع التعييني.

ب- الأمر الثاني: إنّ دلالة اللفظ على المعنى التي تنشأ من الوضع، هي دلالة تصورية، و ليست دلالة تصديقية، فإنّ الدلالة كما أشرنا سابقا على نحوين:

النحو الأول: دلالة تصورية، بمعنى متى ما سمعنا لفظ (الأسد) و انتقش في ذهننا، انتقل إلى تصور الحيوان المفترس.

النحو الثاني: دلالة تصديقية، بمعنى أن لفظ (الأسد) يدل على أنّ المتكلم أراد بهذا الكلام تفهيم الحيوان المفترس.

إذن بناء على ما أوضحناه في حقيقة الوضع، صار معلوما أنّ الوضع لا يوجد إلّا الدلالة التصورية، لأن الوضع ليس إلّا إيجاد صغرى للقانون الثانوي التكويني، لأن مفاده، إنه متى ما اقترن شيئان: (السكوني، و النوفلي) اقترانا أكيدا، و تصورنا أحدهما، تصورنا الآخر، سواء سمعنا لفظ (السكوني) من عاقل، أو نائم، أو من اصطكاك حجرين، انتقل ذهننا إلى تصور (النوفلي).

هذا هو معنى الدلالة التصورية.

و أمّا الدلالة التصديقية: معناها، إنه متى ما سمعنا إنسانا عاقلا ملتفتا يقول: (أسد)، نعرف أنه قد أراد بهذا اللفظ تفهيم المعنى الذي وضع له في لغة العرب، و هذه الدلالة ليست مربوطة بالوضع، و إنما هي باعتبار ظهورات حالية و سياقية و عقلائية، زائدا على الوضع.

58

و قد اعترض على ذلك، السيد الأستاذ (1)، بأن الدلالة التي تحصل من اصطكاك حجرين، لا ينبغي أن تكون دلالة وضعية و مجعولة من قبل الواضع، فإن الواضع حكيم لا يعقل أن يجعل اللفظ دالا على المعنى مطلقا، حتى لو صدر اللفظ من اصطكاك حجرين، لأن مثل هذا الإطلاق لغو، و غرض الواضع هو أن يتفاهم الناس العقلاء فيما بينهم، لا أن يتفاهم الناس مع الأحجار.

إذن فلا بدّ و أن يكون المجعول من قبل الواضع مخصوصا بخصوص ما إذا صدر اللفظ من العاقل الملتفت، لا فيما إذا صدر من قبيل الحجر، و نحوه.

و هذا الإشكال كأنه مبني على التصور القديم لمعنى الوضع، فإذا كان الوضع عبارة عن أمر إنشائي مجعول من قبل الواضع، من قبيل جعل الملكية في باب البيع من قبل البائع، و هكذا من المجعولات التشريعية الإنشائية التي يتصور فيها الإطلاق و التقييد، حينئذ يقال: بأن هذا المجعول الإنشائي من قبل الواضع- دلالة اللفظ على المعنى- مطلقا، حتى لما إذا اصطك حجر بحجر، أو يجعله لخصوص ما إذا صدر من إنسان عاقل ملتفت؟.

حينئذ قد يقال: لا معنى لأن يجعله الواضع مطلقا، بل ينبغي جعله مقيدا، لأن مثل هذا الإطلاق لغو، إذن فيجعله مقيّدا، فيختص مجعوله الإنشائي بخصوص اللفظ الصادر من العاقل.

و لكن بناء على ما أوضحناه، من أنّ الوضع ليس مجعولا إنشائيا من قبيل مجعولية التمليك بعوض في باب البيع، حتى يتصور له الإطلاق و التقييد، و إنما هو أمر تكويني قد يستعان في مقام تحقيقه بعبارة إنشائية، فيقول مثلا: سمّيت ولدي زيدا.

فالوضع بحسب الحقيقة هو عبارة عن أن يقف إنسان أمام إنسان آخر

____________

(1) محاضرات في أصول الفقه- فياض: ج 1/ ص 52.

59

فيقرن اللفظ مع المعنى، و بعد لا يفرّق بين أن يصدر هذا اللفظ من إنسان أو حيوان أو حجر، فيدل هذا اللفظ على هذا المعنى، و لا معنى لأن يشكل على الواضع بأنه لا فائدة من انتقال اللفظ من الحجر إلى معناه، فيقول: بأن هذا أمر لا يتبعّض و لا يتجزّأ إذ إنّ هذا ليس بابه باب المجعولات الإنشائية حتى أقيّده و أخصّصه بمقدار الحاجة، بل هذه عملية واقعية تكوينية، أقرن اللفظ مع المعنى فحينئذ يقترن اللفظ مع المعنى على أيّ حال.

و لهذا قد يحصل هذا الاقتران من قبل الواضع التعييني بلا إنشاء أصلا، و بلا جعل، كما هو الحال في الاقترانات التي تلقى في أذهان الأطفال بين الألفاظ و المعاني، فكما ينشأ في نفس الطفل دلالة (الماما، و البابا، و الحليب) بسبب هذه الاقترانات، بأن تمسك الأم القارورة بيدها و تقول له (حليب) عدة مرات، دون أن تستعمل أي إنشاء، و دون أن تقول له وضعت لفظة (حليب) لهذا السائل تحته، أو جعلتها معنى تنزيليا له، فبحسب الحقيقة، أن يقترن أحدهما بالآخر، كما لو كتب لافتة و جعل فيها صورة القارورة، و إلى جانبها لفظة (حليب)، فحينئذ، متى ما رأينا صورة القارورة، يقترن في ذهننا لفظة (حليب) مع الحليب، و هكذا، متى ما سمعنا هذه الكلمة انتقل ذهننا إلى هذا المعنى.

إذن فالوضع ليس مجعولا إنشائيا ليتصور فيه الإطلاق و التقييد، ليقال:

بأن هذا إطلاقه لغو.

ج- الأمر الثالث: يتساءل فيه، أ ليس من المعروف أن العلم بالوضع له دخل في الانتقال إلى المعنى؟ فما هو معنى هذا؟.

يتضح مما ذكر و هو أن العلم بالوضع له دخل في الانتقال إلى المعنى، معناه: إن الوضع بوجوده النفس الأمري، لا يوجد اقترانا في الذهن ما بين اللفظ و المعنى، إذ إنه موجود في المنجد. فما لم يوجد اقتران في ذهني بين اللفظ و المعنى، لا يصير هناك وضع حقيقة بالنسبة لي، و إنما يكون وضعا بالنسبة إلى الغير الذي اقترن اللفظ و المعنى في ذهنه بشكل متعمق متأكد.

60

و هذا الاقتران المتأكد يحصل غالبا بالنسبة إلى الإنسان العاقل بالعلم بالوضع، و يحصل أحيانا للصغار و الكبار بغير طريق العلم بالوضع، بطريق التلقين من دون أن يعلم بالوضع، لعجز الطفل عن إدراك أن اللفظ الفلاني موضوعا للمعنى الفلاني، لكن بالتلقين و التكرار، يحصل له ما يجعل اللفظ و المعنى، مقترنين في ذهنه من دون أن يعلم بالوضع، و مع هذا ينتقل من اللفظ إلى المعنى، لأنه حصّل بدلا عن العلم بالوضع، التلقين بالنسبة إلى الطفل، فتمّت دلالة اللفظ على المعنى.

و بهذا تم الكلام في الجهة الأولى و هي: حقيقة الوضع. و بتمام الكلام في الجهة الأولى، يتضح الكلام في الجهة الثانية إجمالا، و لذلك سوف يكون الكلام في الجهة الثانية مختصرا. في تشخيص حقيقة الواضع، و من هو؟ هل هو اللّه تعالى؟ أو هو شخص مخصوص من الناس؟. أو الجماعة البشرية.

بمجموعها على امتداد تاريخها؟.

61

الجهة الثانية في تشخيص الواضع‏

من هو الواضع؟.

كان الكلام في الجهة الأولى عن حقيقة الوضع، و أنه كيف تنشأ الدلالة و السببية في عالم الذهن بين اللفظ و المعنى.

و صار واضحا أنّ الوضع حقيقته القرن الأكيد الشديد، حينئذ يقع الكلام في الجهة الثانية، من هو هذا الواضع الذي قرن الألفاظ الكثيرة بمعانيها الكثيرة، فجعل لكل معنى لفظا مخصوصا يفهم منه ذلك المعنى عند إطلاقه؟.

ذهب جملة من المحققين، و منهم المحقق النائيني‏ (1) ((قدّس سرّه)) إلى استقراب أن يكون الواضع هو اللّه تعالى، و الذي يظهر من كلماتهم أن هذا الاستقراب مبني على استبعادين، لفرض أن يكون الواضع إنسانا، و من أجل هذين الاستبعادين يرجّح أن يكون الواضع هو اللّه تعالى، و هذان الاستبعادان هما:

الاستبعاد الأول: إننا لو نظرنا إلى اللغة، لوجدنا أن ما تشتمل عليه من ألفاظ، و خصوصيات، و نكات، يستبعد أن يكون تحت سيطرة شخص واحد، و قدرة شخص واحد، فكريا و ذهنيا، إذن فلو فرض إنّ الواضع إنسان، حينئذ

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي: ج 1/ ص 10

62

لا بدّ و أن يكون هذا الإنسان، سنخ إنسان له من الاطلاع على دقائق المعاني، و خصوصياتها، و شوارد الأفكار، ما لا يوجد إلّا في الأنبياء، و أشباه الأنبياء، بخلاف ما لو قلنا إنّ الواضع هو اللّه تعالى، فيناسب حينئذ مع سعة اللغة و شمولها، و إحاطتها.

و هذا الاستبعاد أجاب عنه بعضهم‏ (1). بما يرجع حاصله، إلى أنه لو فرضنا أنّ شخصا واحدا أنشأ لغة بتمامها، فهذا الاستبعاد في محله، لو أن شخصا واحدا هو بنفسه قام بعهدة إنشاء لغة بكاملها، بكامل موادها، و نحوها، و صرفها، و اشتقاقاتها، هذا المطلب مستبعد جدا وفاء عهدة إنسان واحد به.

و لكن الأمر ليس هكذا، فإن اللغة لم توجد في يوم واحد، و دفعة واحدة، و إنما وجدت على مراحل، و بالتدريج حسب حاجة الناس، فإن اللغة نتيجة لاحتياجات الناس، و احتياجاتهم ليست من اليوم الأول واسعة، بحيث تحتاج إلى لغة واسعة، بل احتياجات الناس تبدأ قليلة، ثم تتسع بالتدريج، و كذلك اللغة تبدأ محدودة، ثم تزداد و تتكاثر بالتدريج.

إذن فلا بأس بأن يقال: إنّ الإنسان هو الذي صنع اللغة و وضعها، لأن واضع اللغة هو عبارة عن مجموع الأجيال المتعاقبة على طول الزمن، و هذا المجموع المتعاقب، لا استبعاد بأن يقع على عهدته وضع هذه اللغة، فالجيل الأول وضع مقدارا بقدر حاجته، و الجيل الثاني أضاف مقدارا آخر، و الجيل الثالث أضاف مقدارا ثالثا، و هكذا حتى تكونت لغة بهذا العرض العريض‏ (2).

الاستبعاد الثاني: إنّ الوضع لو كان من قبل إنسان معيّن، إذن لكانت هذه حادثة مهمة ملفتة للنظر، تسجل في التاريخ و تذكر (3)، بأنّ فلانا هو الذي‏

____________

(1) منهاج الأصول- الكرباسي: ج 1/ ص 23- 24

(2) بدائع الأفكار- الآملي: ج 1/ ص 28.

(3) بدائع الأفكار- الآملي: ج 1/ ص 28.

63

وضع اللغة الفلانية مثلا، مع أنه لم يسجل شي‏ء من هذا في التاريخ، و منه يعرف بأنّ اللغة ليست من صنع إنسان، بل هي من إلهام اللّه تعالى، و من وضعه.

و هذا الاستبعاد أجاب عنه بعضهم: بأن اللغة لو كانت من صنع إنسان واحد، بأن يقول أنا وضعت لكم لغة، ثم يقدم قاموسا بها، مع أن هذه حادثة ملفتة للنظر ينبغي أن يشار إليها في التاريخ و تسجل، و لكن الأمر هذا ليس واقعا يقينا، بل لو أن إنسانا فعل هذا لا تهم في عقله.

و إنما اللغة نشأت بالتدريج بمعنى أن كل جماعة أو فرد في كل زمان، وضعوا بعض الألفاظ، ثم جاء فرد آخر فأزاد لفظا، و هكذا حتى نشأت هذه اللغة، فليست اللغة برمتها مستندة إلى شخص واحد بعينه، حتى يقال لما ذا لم يذكر اسمه في التاريخ‏ (1).

و تحقيق الكلام في هذه المسألة: إنّ هذه الاستبعادات التي نواجهها على فرض أن يكون الواضع هو الإنسان، لا تنحصر في هذين الاستبعادين ليجاب بهذه الأجوبة، بل هناك استبعادات، ببيانات أخرى، و إشكالات لا بد من التعرض لها، و التأمل فيها، نحن نضيفها إلى ما ذكر:

الاستبعاد الأول: إنه قد يقال، بأن الإنسان لو قطع عن اللّه تعالى، فيأتي هذا السؤال: كيف التفت الإنسان إلى أنه يملك أصواتا متعددة، و أنه قادر بهذه الأصوات على أن يجعلها أدوات لتفهيم المعاني، و ما هي النكتة في ذلك، و في بادئ الأمر كيف توجّه إليها؟.

الآن تبدو هذه النكتة واضحة و بديهية، باعتبار أن كل إنسان ينشأ في داخل لغة، لكن إذا تكلمنا قبل فرض أي لغة، حينئذ كيف التفت الإنسان أنه بالإمكان أن يستخدم الأصوات ليجعلها دالة على المعاني المختلفة؟. من قبيل‏

____________

(1) بدائع الأفكار- الآملي: ج 1/ ص 28.

64

أن يقال: إن الإنسان كيف التفت إلى أنّ حبة الحنطة إذا وضعت تحت التراب، و سقيت بالماء، حينئذ تكبر و تنتج حنطة، هذا المطلب كيف التفت إليه أول فلّاح في العالم؟. و هذا المطلب لا يظهر بالتأمل و البحث الأصولي، إذن كيف التفت أول فلّاح إلى هذا المطلب؟. و هنا كيف التفت أول لغوي إلى أنّ الأصوات مجال واسع لتفهيم المعاني، و قابل لأن يجعل أداة لتفهيم المعاني؟. هذا استبعاد.

هذا الاستبعاد حينئذ بالإمكان أن يجعل شاهدا على أنّ ذلك كان بإلهام منه تعالى، فكما يقال مثلا في حبة الحنطة: إنه تعالى ألهم الإنسان، و خلق في نفسه شعورا و خطورا، بأن هذه الحبة إذا جعلت تحت التراب، و سقيت بمقدار من الماء معين، حينئذ يتولد منها حنطة، كذلك ألهم الإنسان و جعل في ذهنه، بأن هذه الأصوات تقترن مع هذه المعاني، قرن في ذهنه صوت (ماء) مع معناه، و صوت (هواء) مع معناه، فنشأ عنده دلالة هذه الأصوات على هذه المعاني.

هذا الاستبعاد قد يجعل شاهدا على أنّ الواضع هو اللّه تعالى.

و هذا الاستبعاد، يمكن رده على أساس ما أشرنا إليه سابقا، من أن دلالة الأصوات على المعاني بدأت في حياة الإنسان بلا وعي من قبل الإنسان في البداية، حيث أن أصوات الزئير، و النهيق، و الخرير، و غيرها من الأصوات، اقترنت في حياة الإنسان مرارا بمعانيها، حينئذ بمقتضى القانون التكويني الثاني، صار لها دلالة على تلك المعاني المعنية، من دون تدخل من قبل الإنسان.

كما إن الإنسان انتبه فجأة، إلى أنه، متى ما سمع الزئير يلتفت إلى كلمة (الأسد، و يتصور الأسد، لأنه اقترن في ذهنه. إذن فصوت الزئير يسبب تصور الأسد، فحينما أراد أن يفهم شخصا آخرا معنى الأسد استعمل الزئير، فلعلّ النكتة التي نبّهته إلى المطلب هو عبارة عن تلك الاقترانات الطبيعية الصدفية التي وقعت في حياته بين أصوات الحيوانات، و اشباهها، و بين معاني تلك الحيوانات، و من هنا التفت إلى أنه بالإمكان أن يدل الصوت على معنى،

65

فانفتح بذلك عليه باب الخيرات، فلا يحتاج تفسير ذلك إلى إلهام مباشر من قبل اللّه تعالى.

الاستبعاد الثاني: و هو مبني على مسالك الأعلام في باب الوضع، من كون الوضع عبارة عن التعهد، أو عبارة عن كون اللفظ وجودا تنزيليا للمعنى:

حينئذ يقال: بأنه لو كان الإنسان هو الواضع فهذا معناه أنّ الإنسان قبل أن يتكلم بأي كلام، اتصف بصفة الواضعية، يعني صار واضعا قبل أن يصير مستعملا، لأن الإنسان إذا كان هو الواضع، فمعنى هذا أنه قبل أول وضع لا استعمال لا محالة، لأن الاستعمال دائما في طول الوضع. إذن فالإنسان كان في وقت ما صامتا ساكتا لا يستعمل أصلا، و لا يتكلم بشي‏ء، ثم وضع ألفاظا للمعاني، فأصبح يتكلم حينئذ، و أصبح يستعمل هذه الألفاظ في هذه المعاني.

حينئذ نسأل: كيف وضع هذا الإنسان؟.

وضع بالتعهد، أو بالاعتبار! بهذه المعاني الدقيقة التي هي موقوفة على أن يكون الإنسان له مرتبة عالية من التصرف في المعقولات و المحسوسات، بحيث ينشئ ملازمات و تعهدات و اعتبارات ما بين الألفاظ و المعاني!.

و من البعيد جدا، أن الإنسان يصل إلى هذه الدرجة الذهنية، و العقلانية، بحيث يصدر منه التعهدات و التنزيلات الاعتبارية، و هو بعد حتى الآن لا يملك لغة، فهو صامت ساكت لا يتكلم مع أحد، إلى أن يبلغ هذه المرتبة من التعقل و التفكر و التفلسف، حينئذ بعد هذا يضع الألفاظ للمعاني، و يشرع في الكلام.

و من البعيد جدا تصور الإنسان قبل أن يتكلم بأي شي‏ء، أنه كان مركزا للاطلاعات و لأفكار عالية بهذه الدرجة و الترتيب، و من كانت له أفكار عالية بهذا الترتيب كيف بقي ساكتا طول هذه المدة؟. أ لم ينقدح حينئذ في نفسه أمور و رغبات و حاجات؟!. و هذا بخلاف، ما إذا قلنا: بأن هذه المعاني العقلانية (الدقيقة، قام اللّه تعالى بعهدتها، و ليس الإنسان منشئا لها، لأن اللّه‏

66

تعالى يمكن أن يقوم بعهدة هذه الاعتبارات، و التعهدات، و الخصوصيات، و هذا الاستبعاد في محله.

إلّا أن هذا الاستبعاد، لا يأتي على مبنانا في تصور الوضع، لأن الوضع ليس اعتبارات و تعهدات من هذا القبيل، بل هو عبارة عن قرن اللفظ بالمعنى في تصور الإنسان، و هذا مطلب يمكن أن يحصل حتى من الأطفال في يومنا هذا، بأن يقرن ما بين اللفظ و المعنى مرارا عديدة، فينتقل من اللفظ إلى المعنى، فالبشر اقترن في أذهانهم ألفاظ متعددة بمعان متعددة على سبيل الصدفة، بلا دخل منهم، اقترن صوت الزئير بمعنى الأسد، و بالتالي مع الرجل الشجاع، و بهذا تكونت اللغة، ثم توسعت بالتدريج. فهذا الإشكال في غير محله‏

الاستبعاد الثالث: و هو أيضا مبني على مباني العلماء في باب الوضع:

و الآن نفرض بأن الناس كانوا صامتين، حتى بلغوا درجة من الوعي، بحيث أنهم وضعوا تعهدات و اعتبارات من هذا القبيل.

حينئذ نسأل: بأن هذه الاعتبارات و التعهدات كيف أبرزوها؟ و بأي لغة أبرزوها خارجا؟ كيف قال المتعهد- تعهدت متى ما قصدت تفهيم المعنى أتيت باللفظ-؟ أ ليست هذه كلها ألفاظا؟ أ ليست الألفاظ في دلالتها على المعاني محتاجة إلى أوضاع و تعهدات سابقة؟.

إذن قبل أي وضع عند ما بدأ بالوضع الأول، عند ما كان يريد أن يضع المفردات الأولية (ماء، هواء .... إلخ)، حينئذ أيّ جملة كان يبرزها في مقام توضيح مراده! سواء أ كانت لفظية، أو جملة إشارية، أ ليست هذه الجملة بنفسها بحسب الحقيقة لغة، خصوصا أن هذه الجملة لغة، و محتوية على نكات كثيرة من الإسم، و الفعل، و المادة، و الهيئة، و النسبة التامة، و الناقصة، هذه الجملة محتوية على نفائس اللغة، بحيث لا يحصل عليها إنسان إلّا بعد أن يكون قد قطع أشواطا كثيرة في باب الوضع، فكيف يكون قد حصل عليها إنسان إلّا بعد أن يكون قد قطع أشواطا كثيرة في باب الوضع، فكيف يكون قد

67

استعمل هذه الجملة في أول وضع! خصوصا، أنّ بعض المواد في هذه الجملة غير محسوسة من قبيل التعهدات القلبية، و الأمور الاعتبارية.

و من المعلوم أن تفهيم هذه الأمور الغير محسوسة لا يكون إلّا بالتشبيه بالأمور المحسوسة، و إلّا كيف يعبّر ابتداء عن المعنى النفسي الغير المحسوس؟

إذن: فينبغي أن يقال بناء على هذا لاستبعاد: إن اللّه تعالى هو الذي قام بهذه المهمة بدلا عن الإنسان، و هذا الاستبعاد أيضا وجيه، و في محله، بناء على مبانيهم في باب الوضع.

و أما بناء على مبنانا: فلا يأتي هذا السؤال، لأنه لو طرح هذا السؤال كيف نشأت اللغة؟.

لقلنا: إنها نشأت من حيث لا يدري الإنسان، لأن خلال تجربة الإنسان، «الزئير بالصدفة»، أصبح دالا على معنى من المعاني، لأنه اقترن مع الأسد كثيرا، فأصبح دالا عليه، و بالتالي صار دالا على الرجل الشجاع، و هكذا نشأت اللغة و تكونت ألفاظ، و أخذ الواضع بعدها يستعين بهذه الألفاظ في مقام الوضع، إذن فلا إشكال.

الاستبعاد الرابع: هو أننا نعرف أنّ اللغة تنشأ بين جماعة كثيرة من الناس، و حينئذ نسأل: إنه حينما وضعت كلمة (ماء) مثلا لمعنى الماء، هذا المطلب، و هو اقتران اللفظة مع معناها، هذا المطلب، هل حصل مع إنسان واحد في ذهنه. أو أن كل الناس صدفة و من باب توارد الخواطر حصل عندهم و في أذهانهم نفس هذا المطلب نفسه، بحيث كل واحد منهم قال ماء؟.

فإن كان هذا المطلب، قد حصل عندهم بلا ربط واحد منهم بالآخر، و من باب توارد الخواطر، إذن فهذا هو الإلهام و معناه أن اللّه تعالى ألهمهم جميعا، إذن فالواضع هو اللّه.

و إن كان هذا المطلب حصل عند واحد من الناس، بحيث فكرّ، و بطريقة

68

لا شعورية صار يقول (ماء)، كذلك هناك إنسان آخر يفكر و يضع كلمة أخرى للمعنى نفسه، و آخر، ثالث، يضع كلمة أخرى لهذا المعنى نفسه، و هكذا، فما هو هذا التنظيم الدقيق بين جماعة بدائية من هذا القبيل، بحيث إن أي واحد منهم حينما كان يضع كلمة لمعنى، كان الآخرون كلهم يسلّمون معه و يقترحون اقتراحه؟.

فلا بد و أن يكون هناك سر إلهي، بحيث أن اللّه أودع في طباعهم و غرائزهم قبول هذا المطلب، و أن هذه الكلمة تناسب مع هذا المعنى. و مثل هذا ليس إلّا إلهاما من قبل اللّه تعالى.

و هذا الاستبعاد في محله، و جواب العلماء عليه في غاية الاشكال، لكن على مبنانا: هذا الاستبعاد لا يأتي، لأننا نقول حينئذ: بأن هؤلاء الناس كلهم صدفة هكذا صاروا باعتبار أن اللغة تنشأ بحسب الحقيقة عن طريق اقترانات حادثة نوعية في حياتهم، لا عن تحكّمات شخصية و فردية، بل هناك نوع من الملابسات و الظروف اقترنت فيما بينهم بمعان.

69

الجهة الثالثة الأقسام الممكنة للوضع‏

بعد أن انتهى الكلام في الجهة الأولى و الثانية، صار الكلام في الجهة الثالثة، في الأقسام الممكنة للوضع، حيث تكلم العلماء في هذه الجهة فقالوا: بأن الوضع- و يقصدون الوضع التعييني- لا بد أن يتصور المعنى، ثم يضع اللفظ له، و من هنا قالوا: بأنه توجد أربعة أقسام متصورة بدوا (1):

1- الوضع العام، و الموضوع له العام.

2- الوضع الخاص، و الموضوع له الخاص.

3- الوضع العام، و الموضوع له الخاص.

4- الوضع الخاص، و الموضوع له العام.

أما القسمان الأولان: فالجامع بينهما هو أن الواضع يتصور شيئا، و يضع اللفظ لنفس ما تصوره بلا عناية، بحيث يكون المتصور حقيقة هو الموضوع له حقيقة، سواء أ كان هذا المتصوّر عاما فيكون الوضع عاما، و الموضوع له عاما، أو خاصا فيكون الوضع خاصا، و الموضوع له خاصا، و هذا ممّا لا إشكال في معقوليته.

و إنما وقع الكلام في القسمين الأخيرين: في أنه هل يعقل أن يتصور

____________

(1) فرائد الأصول- الكاظمي: ج 1/ ص 10.

70

الواضع معنى عاما، و يضع اللفظ لأفراده و مصاديقه، بحيث يكون الوضع عاما، و الموضوع له خاصا؟ أو بالعكس يتصور الواضع المعنى الخاص، و يضع اللفظ للعام، بحيث يكون الوضع خاصا، و الموضوع له عاما؟.

فالقول الغالب في القسم الثالث هو الإمكان‏ (1) و هناك من قال بالامتناع‏ (2)، و القول الغالب في القسم الرابع هو الامتناع، و هناك من قال بالإمكان‏ (3).

و نتكلم في القسم الثالث، و هو الوضع العام، و الموضوع له الخاص، و بتحقيقه يظهر حال القسم الرابع:

القسم الثالث: الوضع العام و الموضوع له الخاص:

ذهب المشهور إلى إمكان ذلك بدعوى أو وضع اللفظ للمعنى، و إن كان يحتاج إلى تصور المعنى، و لكن يكفي في تصور المعنى التصور الإجمالي.

و من المعلوم أنّ تصور العام تصور إجمالي للخاص يعني للأفراد- فالواضع إذا تصور العام و الجامع، فقد تصور تصورا إجماليا تمام أفراد الجامع، و مثل هذا التصور الإجمالي يكفي لوضع اللفظ لتلك الأفراد.

هذا هو صورة التقريب الابتدائي للقول بإمكان الوضع العام، و الموضوع له الخاص، و ما يعترض به على ذلك اعتراضان:

الاعتراض الأول:

و هذا الاعتراض مركب من شقين:

الشق الأول: إنّ الجامع إنما يعقل أن يكون حاكيا إجمالا عن الأفراد فيما إذا كان منطبقا على الأفراد بخصوصياتها، حينئذ يعقل أن يكون حاكيا

____________

(1) بدائع الأفكار: ج 1/ ص 34.

(2) فوائد الأصول: ج 1 الكاظمي/ ص 10.

(3) فرائد الأصول: ج 1/ ص 10.

71

عنها بخصوصياتها، باعتبار انطباقه عليها.

و أما إذا كان الجامع غير منطبق على الأفراد بخصوصياتها، بل كان منطبقا عليها بعد تجريدها عنها، حينئذ لا يكون الجامع حاكيا عن الأفراد، لأنه إنما كان منطبقا بعد تجريدها عن الخصوصيات، فلا يكون للجامع حكاية عنها. بينما إنما يعقل الجامع إذا حكى عن الأفراد بخصوصياتها.

الشق الثاني: إنّ الجامع دائما و أبدا يكون منطبقا على الأفراد، لا بخصوصياتها، بل هو ينطبق على الحيثية المشتركة بين الأفراد، لا على الأفراد بخصوصياتها، ببرهان أن الجامع إنما ينتزع عن الأفراد بلحاظ تجريدها عن الخصوصيات، و عمّا به الامتياز، فإذا كان انتزاع الجامع باعتبار تجريد الأفراد عمّا به الامتياز من الخصوصيات، إذن فهو لا ينطبق على تلك الخصوصيات، لأنها قد جرّدت و أسقطت من الحساب، إذن فلا يكون الجامع منطبقا عليها.

إذن فيتبرهن بمجموع هذين الشقين من الاعتراض: إنّ الوضع العام، و الموضوع له الخاص، غير معقول، لأننا بينّا في الشق الأول:

إنّ الجامع إن كان ينطبق على الفرد بخصوصياته، فيعقل أن يكون حاكيا عنه.

و إن كان غير منطبق على الفرد بخصوصياته، فلا يعقل أن يكون حاكيا عنه.

و بينا في الشق الثاني: إنّ الجامع دائما لا ينطبق على الفرد بخصوصياته، لأن الجامع إنما ينتزع بعد تجريد الأفراد عن الخصوصيات، فكيف يعقل انطباق الجامع على الخصوصيات؟. إذن فالجامع لا يكون حاكيا عن الخصوصيات، و إذا لم يكن حاكيا عنها، فالوضع العام و الموضوع له الخاص، غير معقول.

72

و المحقق العراقي ((قدّس سرّه))، أجاب عن هذا الاعتراض بما حاصله يرجع إلى التفرقة بين سنخين من الجوامع، و حاصل كلامه إن الجامع على قسمين‏ (1):

القسم الأول: جامع يأخذه العقل من الأشياء نفسها، يعني يستحضر الأشياء، و يجردها عن الخصوصيات، و ينتزع منها جامعا بحيث يكون الجامع مأخوذا من الأفراد، هذا الجامع دائما يكون كما قيل في الإشكال، لا يمكن الحصول عليه إلّا بتجريد الأفراد عن الخصوصيات و المشخّصات، كجامعية الإنسان- بتجريد زيد من سواده، و عمر من طوله، و بكر من قصره- فلا يعقل في مثل هذا الجامع الوضع العام، و الموضوع له الخاص.

القسم الثاني: جامع لا ينتزعه العقل من الأفراد، بل يعطيه للأفراد، و لا يأخذه منها، من قبيل بعض العناوين الانتزاعية، كعنوان الخاص و الفرد:

فعنوان الخاص جامع بين جميع الخواص- بين هذا الخاص، و ذاك الخاص- و عنوان الفرد جامع بين جميع الأفراد- فزيد فرد، و بكر فرد- و عنوان الخاص و الفرد، جامع نحن أنشأناه بخيارنا، و ألبسناه للأفراد، نحن نخيطه و نلبسه للفرد بتمام خصوصياته، فيكون مثل هذا الجامع منطبقا على هذا الفرد بخصوصيته، و على ذاك الفرد بخصوصيته.

إذن: فإذا كان منطبقا على كل فرد بخصوصيته، فيمكن للواضع أن يتصور مثل هذا الجامع، و يضع اللفظ للأفراد، لأن هذا الجامع ينطبق على الأفراد بخصوصياتها.

و ظاهر كلام (المحقق العراقي) الذي تصدّى لدفع هذا الاعتراض إنه:

سلّم الشق الأول من الاعتراض، يعني: سلّم أن الجامع إنما يعقل أن يحكي عن الأفراد إذا كان منطبقا على الفرد بخصوصيته فيشترط إذن في تعقل‏

____________

(1) بدائع الأفكار- الآملي: ج 1/ ص 39.

73

الوضع العام و الموضوع له الخاص، أن يكون الجامع منطبقا على الأفراد بخصوصياتها.

و كذلك سلّم الشق الثاني من الاعتراض و هو: إن الجامع لا يعقل أن ينطبق على الأفراد بخصوصياتها، لكن على تفصيل في ذلك، فإنه فصّل بين الجوامع الأخذية الانتزاعية، و بين الجوامع الإعطائية الإنشائية من قبل النفس، فقال: بأن الجوامع الأخذية الانتزاعية لا تنطبق على الأفراد بخصوصياتها، لأنها لا تنتزع إلّا بعد التجريد، و حينئذ لا تكون حاكية عنها، و في مثلها لا يعقل الوضع العام، و الموضوع له الخاص، و قال: بأن الجوامع الإنشائية الإعطائية التي نعطيها للأفراد فهي تنطبق عليها بخصوصياتها، لأن النفس تنشئها بنحو تنطبق هذه الجوامع على الأفراد بخصوصياتها، و في مثل هذه الجوامع الإنشائية الإعطائية يعقل الوضع العام، و الموضوع له الخاص، و ذلك كما إذا تصور الواضع الجامع الإنشائي كعنوان الخاص و الفرد، فيمكنه أن يضع اللفظ للأفراد و للخصوصيات.

و يتضح من ذلك إنّ المحقق العراقي قد اتفق مع صاحب الاعتراض في جهة، و خالفه في أخرى:

فأمّا جهة الاتفاق: فهي في الجوامع الانتزاعية الأخذية، حيث سلّم كل منهما فيها بعدم معقولية الوضع العام، و الموضوع له الخاص.

و أما جهة الاختلاف: فهي في الجوامع الإنشائية الإعطائية، حيث ذهب المحقق العراقي فيها إلى معقولية الوضع العام و الموضوع له الخاص.

و نحن نتكلم أولا في جهة الاختلاف، ثم في جهة الاتفاق ثانيا:

الكلام في جهة الاختلاف: ذهب المحقق العراقي‏ (1) إلى أنه إذا كان الجامع عنوانا انتزاعيا أخذيا، حينئذ يمكن الوضع العام، و الموضوع له‏

____________

(1) بدائع الأفكار ج 1 ص 39.

74

الخاص، و لكن هذا الكلام ممّا لا يمكن المساعدة عليه، و ذلك لأن الجامع كما صوّره المحقق في هذه الجهة، لا يمكن الالتزام بكونه أمرا إنشائيا و اعتباريا محضا من قبل النفس، و ذلك ببرهان أنه لو كان كذلك، لما صحّ حمله على الأفراد إلّا بالعناية و التجوز، لأنّ ملاك الحمل هو الاتحاد. فلو كان بعض العناوين كعنوان الخاص و الفرد أمرا خياليا اعتباريا، نحن ننشئه إنشاء، و نعتبره اعتبارا، كما نعتبر و ننشئ بحرا من زئبق، لما أمكن حمله على الخارج، إلّا بالعناية، مع أنه لا إشكال في صحة حمل الجامع على الخارج، سواء أ كان أمرا إنشائيا اعتباريا، أو كان أمرا أخذيا انتزاعيا، فكما يصح أن نقول عن زيد إنه إنسان بالحمل الشائع، كذلك يصح أن نقول إنه فرد و خاص بالحمل الشائع.

فهذه العناوين سواء أ كانت أخذية أو إعطائية، يصح حملها حقيقة على زيد الخارجي، و هذا لا يكون مع فرض كونها من إنشاء النفس محضا، و من اعتبارها صرفا.

إذن لا بد من الالتزام بكون الجامع مطلقا بكلا قسميه، يصح حمله على الخارج، فهو بحسب الحقيقة منتزع من خارج وعاء عالم الذهن، لا إنه مخلوق لعالم الذهن، و معطى إلى الخارج، هو مأخوذ لا معطى.

إذن فجواب المحقق في دفع الاعتراض غير تام، و أيضا هذا الاعتراض غير صحيح، كما سوف يظهر.

الكلام في جهة الاتفاق: اتفق المحقق العراقي مع صاحب الاعتراض، بأن الجوامع الأخذية الانتزاعية، لا يعقل فيها الوضع العام، و الموضوع له الخاص، مثلا، الإنسان جامع أخذي لا إعطائي، و هو لا ينطبق على الأفراد بخصوصياتها، لأنه أخذ بعد تجريدها، فإذا كان هكذا، فهو لا يحكي عن الأفراد، فكيف يتصور الواضع الجامع و يضع للأفراد.

و هنا، نحن، و إن كنا نقبل هذا الكلام بحسب الحقيقة، و لكن نناقش هنا

75

مناقشة مسلكية فقط، أي: المناقشة في الوجه و للوجه، لا للمدّعى، فنقول في المقام:

إنّ النكتة التي ذكرت غير تامة. فإنّ هؤلاء قالوا: بأنّ عنوان الإنسان لا ينتزع من الأفراد بخصوصياتهم، و إنما ينتزع منها بعد التجريد عن الخصوصيات، فهو لا ينطبق على الفرد بخصوصيته. فكيف يعقل أن يكون حاكيا عن الفرد؟ و توضيح الحال في هذا الكلام، إن الفرد له اصطلاحان:

الأول: هو هذا الفرد المخصوص المنضم إليه عوارض مخصوصة من قبيل البياض، و العلم، و نحو ذلك من المقولات العرضية، و إن شئتم قلتم الاصطلاح الأول هو الإنسانية المقيدة بالعوارض و الطوارئ.

الثاني: الفرد الذي هو بمعنى الحصة، يعني شخص هذه الإنسانية المشار إليها حينما نشير إلى خالد مثلا، بدون إدخال العوارض و الطوارئ. و بعبارة أخرى شخص هذه الإنسانية و حصة منها، و هذه الحصة من الإنسانية، متميزة عن الحصة الأخرى حتى لو قطعنا النظر عن العوارض، فهذا الإنسان غير ذاك الإنسان.

فإن أريد بالفرد، الفرد بالاصطلاح الأول، و بالخصوصيات، الأعراض و المقولات العرضية، يعني لا ننتزع عنوان الإنسان إلّا بعد قطع النظر عن بياض زيد، و سواد عمر، فهذا صحيح، لأن البياض و السواد ليسا داخلين في ماهية الإنسان، فلا بد من قطع النظر عنهما في مقام الانتزاع. لكن حتى بعد قطع النظر هذا، يوجد عندنا فرد بالمعنى الثاني، و هو الحصة، لأنه بعد قطع النظر عن بياض زيد، و سواد عمر، فإنه توجد عندنا حصتان إنسانيتان كل منهما متميزة عن الأخرى.

و إن أرادوا هنا، أيضا تجريد هذه الحصة عن خصوصياتها، فهذا معناه أن هذه الحصة فرضوها مركبة من أمرين: خصوصية و حيثية مشتركة، مع أن الأمر ليس كذلك. إذ لو كانت الحصص مركبة من أمرين، فبعد قطع النظر عن‏

76

الخصوصية، فما يبقى في خالد عين ما هو موجود في زيد! طبعا ليس هذا عين ذاك، فإنسانية خالد مهما أفرزنا و أسقطنا منها، هي غير إنسانية زيد بالعدد بحسب الخارج، و إن كان ينتزع عنهما مفهوم واحد و هو مفهوم الإنسانية، و هذا معناه، أنّ الجامع حينما يلحظ و ينتزع من الأفراد، نحن نجرد الأفراد من الخصوصيات العرضية بالمعنى الأول للفرد، حتى نبقّي الحصص، و بعدها لا يوجد تجريد آخر، إذ إنّ الحصة ليست مركبة من أمرين، بل هي ليست إلّا صرف الإنسانية هنا، و صرفها هناك.

إذن فالجامع بالنسبة إلى الحصص ينطبق عليها بتمامها، لا أنه ينطبق على جزء منها دون جزء.

و عليه: لما ذا لا يعقل الوضع العام و الموضوع له الخاص للحصص بهذا المعنى؟.

و هذه المناقشة حاصلها هو: إنّ الجامع إن لوحظ بالإضافة إلى الفرد بالمعنى الأول، فهذا له صورة، و هي أن الجامع لا ينتزع من الفرد إلّا بعد تجريده عن الخصوصيات، فلا يكون حاكيا عنها. و أمّا إذا لوحظ الجامع بالإضافة إلى الفرد بالمعنى الثاني- الحصص- فهنا لا معنى لأن نقول إنّ انتزاع الجامع يتوقف على تجريد الحصص عن الخصوصيات، لأن الحصة صرف الإنسانية و ليس عندنا أمران حتى نجردهما عن الخصوصية.

إذن فالجامع ينطبق على الحصة بتمامها فهو حاك عنها بتمامها، و حينها لما ذا لا يعقل الوضع العام و الموضوع له الخاص بالنسبة إلى الحصص- المعنى الثاني- و بعبارة أخرى: إنّ الجامع بالنسبة إلى الفرد بالمعنى الأول، و إن لم يكن منطبقا عليه تمامه، فإنّ عنوان الإنسان ليس منطبقا على زيد بتمامه، و بما فيه من بياض أيضا، لوضوح أن البياض ليس جزءا من الإنسانية، فلا بد من تجريد هذه الخصوصيات في زيد، لكن بالتالي بعد أن نجرد زيدا عن تمام هذه الخصوصيات، بحيث لا يبقى إلّا بحت الإنسانية الذي يبقى بعد التجريد عن الخصوصيات، هذا بحسب الحقيقة حصة متميزة عن بحث ما

77

يبقى في خالد بعد تجريده عن بياضه و علمه و طوله، و هذا هو معنى الحصص، و هذه الحصص ينطبق عليها الجامع بتمامها لا محالة، إذ لم يبق في الخارج سوى الإنسانية، فلا محالة ينطبق جامع الإنسانية على هذه الحصص بتمامها فإذا كان ينطبق عليها بتمامها، فيكون حاكيا عنها أيضا، فيعقل أن يتصور الواضع، الجامع، و يضع اللفظ لهذه الحصص، باعتبار كونها بتمامها محكيا عنها بالجامع، حينئذ لما ذا لا يعقل الوضع العام و الموضوع له الخاص؟.

و هكذا يتضح أن النكتة الملحوظة في هذا الاعتراض غير وافية للبرهنة على الإبطال أصلا.

الاعتراض الثاني:

إنّ العام و الخاص، يعني المفهوم العام كمفهوم الإنسان، و مفهوم الخاص كمفهوم زيد، و بكر، و خالد، هذان المفهومان، و إن كانا موجودين بوجود واحد في الخارج، لكنهما بما هما مفهومان في عالم الذهن، و في عالم المفهومية، هما متباينان لا محالة.

و بناء عليه يقال في المقام: بأن الواضع إذا تصور الجامع- يعني الإنسان- و هو المفهوم الكلي، حينئذ لا يعقل أن يضع اللفظ للأفراد، و ذلك لأنّ دعوى هذا لا يخلو من أحد وجوه بحسب الواقع:

الوجه الأول: إما أن يدّعي أنّ حضور الجامع و تصوره له، صار حيثية تعليلية لتصوره للفرد، يعني أنّ تصور مفهوم الإنسان صار سببا في انتقال الذهن إلى مفهوم خالد، و مفهوم زيد، هذا معنى الحيثية التعليلية. فإن أريد هذا المعنى فهو خارج عن محل الكلام، لأن هذا يدخل في الوضع الخاص، و الموضوع له الخاص، و هذا لا يحقق المقصود.

الوجه الثاني: أن يدّعى بأن مفهوم الإنسان، و مفهوم زيد، يوجدان بحضور واحد، و بتصور واحد، عند الإنسان، بحيث أنّ الإنسان بتصور واحد يرى كلا المفهومين معا، و هذا أمر غير معقول، ببرهان أنّ مفهوم زيد، و مفهوم الإنسان، متباينان في عالم المفهومية، فكيف يوجدان بحضور واحد و بتصور واحد في الذهن؟ إذن هذا الوجه الثاني غير متصوّر.

78

الوجه الثالث: أن يفرض أنّ مفهوم زيد لم يحضر بسبب تصور مفهوم الإنسان نفسه، و لا في طوله، بل هو غائب مطلق عن أفق الذهن، لكن مع هذا الواضع أصدر حكمه على شي‏ء لم يحضر في أفق نفسه، هذا أيضا أمر غير معقول، لأن الحاكم حينما يصدر حكمه، لا بد و أن يكون موضوع حكمه حاضرا في أفقه. و إذا بطل هذا الوجه الثالث، تعيّن الوجه الرابع.

الوجه الرابع: إنّ الواضع أصدر حكمه على نفس الإنسان نفسه- الجامع- الذي تصوره، إذن فيكون الوضع عاما، و الموضوع له عاما، أيضا، لأنه تصور العام، و أصدر حكمه على الجامع العام.

إذن فحاصل هذا الإشكال، هو: إن الواضع حينما يتصور الجامع:

فإن قيل: بأنه ينتقل من تصور الجامع إلى تصور زيد، فهذا خلف، لأن هذا معناه الوضع الخاص، و الموضوع له الخاص.

و إن قيل: إن مفهوم زيد و مفهوم الإنسان، يحضران بحضور واحد، و بشخص تصور واحد، فهذا غير معقول لتباين المفهومين.

و إن قيل: أن مفهوم زيد غائب عنه بقول مطلق، و مع هذا يصدر حكمه عليه، فهذا أيضا غير معقول لأن الحاكم كيف يصدر حكمه غيابيا على شي‏ء لم يتصوره؟.

و إن قيل: إنه يصدر حكمه على نفس ما تصوره، و هو الجامع. إذن فقد صار الوضع عاما و الموضوع له عام.

و عليه: لا يمكن تصور الوضع العام و الموضوع له الخاص.

و في مقام الجواب على هذا الإشكال، نختار الوجه الرابع، و هو: إن الواضع يتصور الجامع و يضع اللفظ له، لكن مع هذا يصير الوضع من باب الوضع العام، و الموضوع له الخاص، بمعنى أنه يصدر حكمه على العام، لكن بحسب الحقيقة هذا الحكم يستقر على الخاص، لا على العام، و إن كان هذا

79

يبدو تناقضا في بادئ الأمر، و هو أنه كيف يصدر الحكم على العام، و يستقر على الخاص، و لكن هذا هو واقع المطلب، و توضيح ذلك يكون ببيان مقدمتين:

المقدمة الأولى: إنّ العناوين كل العناوين، إذا لوحظت بالنظر التصوري، و بالنظرة الأولية، فهي واجدة لحيثياتها المقومة لها لا محالة. فمثلا: عنوان- الإنسان، الممكن، الواجب، الكلي، الجزئي- أي عنوان من العناوين التي تتصورها، حينما ننظر إليه بالنظر التصوري و بالنظرة الأولية نراه واجدا لخصوصيته المقومة له، فالكلي واجد للكلية، و الجزئي واجد للجزئية، و هكذا بالنظر الأولى التصوري، يستحيل أن نراه فاقدا لمقوماته بأن نقول: الإنسان ليس واجدا للإنسانية، أو الكلي ليس بكلي، لأن هذا تناقض، و اجتماع النقيضين مستحيل.

لكن بنظر ثانوي تصديقي تختلف العناوين، فبعضها واجدة لحيثياتها، و بعضها فاقدة لها و واجدة لضد حيثياتها، مثال ذلك الجزئي، و الكلي، فالجزئي و الكلي بالنظر التصوري، حينما نتصور الجزئي نكون قد تصورنا الجزئي، فبهذا التصور نرى الجزئي جزئيا واجدا للحيثية. لكن حينما ننظر إلى الجزئي بنظرة ثانية- بنظر تصديقي ثانوي- نرى، أن الجزئي هو بنفسه من المفاهيم الكلّية، لا من المفاهيم الجزئية، مفهوم الجزئي ليس من قبيل مفهوم خالد و زيد، بل هو من قبيل مفهوم إنسان و حيوان، مفهوم يقبل الصدق على كثيرين، إذن فمفهوم الجزئي بالنظر التصوري الأولي، نراه واجدا للجزئية، لكن بالنظر التصديقي الثانوي نراه كليا فاقدا للجزئية- لأن هذا جزئي و هذا جزئي و هكذا- إذن فمفهوم الجزئي يحمل على كثيرين، و يصدق على كثيرين، فهو بالنظر التصديقي الحقيقي فاقدا لنفسه بالجزئية، و إن كان بالنظر التصوري الأولي واجدا لنفسه- يعني للجزئية.

و في مقابل ذلك عنوان الكلي، مثلا: لو نظرنا إليه بالنظر التصوري‏

80

الأولى، نراه كليا، و لو نظرنا إليه بالنظر التصديقي الثانوي الحقيقي أيضا، نراه كليا. فإنّ مفهوم الكلي هو بنفسه أيضا من الكليات حقيقة، لأنّ الإنسان كلي، و الحصان، و الهواء كلي، و هكذا. فمفهوم الكلي كلي، و هذا معنى قولنا إنّ العناوين طرّا بالنظر التصوري الأولي، واجدة لحيثيات أنفسها، و إلّا يلزم اجتماع النقيضين لو كانت فاقدة لها بهذا النظر.

و أمّا بالنظر التصديقي الحقيقي الثانوي، و بنظرة ثانية و حقيقية، تختلف هذه العناوين، فبعضها واجدة لأنفسها كالكلي مثلا، و بعضها فاقدة لأنفسها كالجزئي مثلا. هذا هو حاصل المقدمة الأولى.

المقدمة الثانية: و مضمون هذه المقدمة أنه يوجد في القضية مرحلتان:

المرحلة الأولى: هي مرحلة عقد الحكم، و إصداره من قبل النفس.

المرحلة الثانية: هي مرحلة ثبوت المحكوم به حقيقة للموضوع، بمعنى أن ما حكم به هو ثابت و جار على الموضوع حقيقة.

ففي المرحلة الأولى و هي مرحلة إصدار الحكم، لا يحتاج إلّا إلى إحضار موضوع القضية بالنظر التصوري، فلو أحضر موضوع القضية بهذا النظر، فهذا يكفي ليحكم الحاكم عليه، لأن الحكم يتوقف على تصور الموضوع، و هذا بالنظر التصوري قد أحضر الموضوع، إذن فيكفي في مقام إصدار الحكم إحضار الموضوع بالنظر التصوري. فمثلا: الذي يحكم بوجوب الحج على المستطيع، يكفيه في مقام إصدار الحكم أن يتصور الاستطاعة، و لا يحتاج إلى أن يأتي بإنسان، و يقول: هذا مستطيع- تاجر غني- بل يكفي أن يحضر الموضوع بالنظر التصوري، بهذا النظر يصح له حينئذ أن يحكم عليه.

و أما في المرحلة الثانية و هي مرحلة جريان الحكم على موضوعه و ثبوت المحكوم به على الموضوع، في هذه المرحلة المحكوم به، إنما يثبت على الموضوع على ما يكون هو الموضوع بالنظر التصديقي الواقعي الحقيقي، يعني‏

81

لا بد و أن نقول- زيد مستطيع و عنده مال و راحلة، حينئذ يثبت عليه وجوب الحج-.

إذن هناك مرحلتان: مرحلة إصدار الحكم، و عقد القضية في أفق النفس. و مرحلة ثبوت المحكوم به خارجا و واقعا على الموضوع. في المرحلة الأولى: لا يتوقف إصدار الحكم إلّا على إحضار الموضوع، و لو بالنظر التصوري. و في المرحلة الثانية: المحكوم به لا يثبت إلّا لما يكون هو الموضوع بالنظر التصديقي الحقيقي.

و بعد أن تمت هاتان المقدمتان و اتضحت، نأتي إلى مثال، و نطبق عليه كلتا المقدمتين، و من هذا المثال يتضح محل الكلام أيضا و يندفع الإشكال:

و المثال هو قولنا:- الجزئي لا ينطبق على كثيرين-. فهذه قضية صحيحة عند من أنكر الوضع العام، و الموضوع له الخاص، و عند من قبل بذلك. و هذه القضية فيها إشكال في بادئ الأمر، و هذا الإشكال هو إنّ القائل- بأن الجزئي لا ينطبق على كثيرين- قد أحضر في نفسه مفهوم الجزئي، و مفهوم الجزئي ينطبق على كثيرين، و لم يحضر في نفسه زيدا، و بكرا، و عمرا، إذن هذا الكلام كيف يصدق بأن- الجزئي لا ينطبق على كثيرين-! هو بحسب الحقيقة حكم على هذا المفهوم و لم يحكم على زيد، و خالد، فزيد و خالد لا ينطبق على كثيرين، لا إن مفهوم الجزئي لا ينطبق على كثيرين.

و هذه شبهة يتضح جوابها من المقدمتين المذكورتين:

فإنه اتضح من المقدمة الأولى أن مفهوم الجزئي بالنظر التصوري الأولي، واجد لنفسه، و لكنه بالنظر التصديقي الحقيقي فاقد لنفسه ليس بجزئي.

و اتضح من المقدمة الثانية أن القضية لها مرحلتان: الأولى إصدار الحكم، و الثانية ثبوت المحكوم به حقيقة للموضوع، و حينئذ نقول في المقام:

بأن الحكم الذي حكم به هذا الإنسان حينما قال- بأن الجزئي يمتنع صدقه‏

82

على كثيرين- فهذا الحكم علّقه على مفهوم الجزئي، و مفهوم الجزئي بالنظر التصوري الأولي واجد للجزئية، و هذا يكفي لإصدار الحكم لأن بشخص هذا النظر التصوري الأولي الحاكم يراه أهلا لهذا الحكم، و لهذا المحمول. لكن في المرحلة الثانية مرحلة ثبوت هذا المحمول لهذا الموضوع، المحمول بحسب الحقيقة إنما يثبت لما يكون جزئيا بالنظر التصديقي، لا لما يكون جزئيا بالنظر الأولي، إذن فمفهوم الجزئي نفسه هذا الذي كان موضوعا للحكم في مرحلة إصدار الحكم، ليس موضوعا للمحكوم به حقيقة في المرحلة الثانية، لأنه بالنظر التصديقي ليس جزئيا، بل هو كلي بحسب الحقيقة، و هكذا بقدرة قادر صار هذا الحكم معلّقا على مفهوم الجزئي، و لكن المحكوم به و هو المحمول، ثابت بحسب الحقيقة لغير مفهوم هذا الجزئي، أي ثابت لأشياء أخرى- لزيد و بكر، و عمر- لا لمفهوم هذا الجزئي.

فإذا تعقّلنا هذا المطلب في مثال- الجزئي يمتنع صدقه على كثيرين-، و الآن إذا أبدلنا- صدقه على كثيرين- بالوضع، أي أبدلنا المحمول بالوضع نقول:

وضعت كلمة إنسان للجزئي من الإنسان، إذن فالأمر في الوضع كالأمر في قولنا- الجزئي يمتنع صدقه على كثيرين-. بمعنى أن الواضع يتصور مفهوم الجزئي- مفهوم الفرد و الخاص- الذي هو بالنظر الأولي التصوري، خاص و جزئي، و أصدر حكمه بوضع اللفظ له، و لكن الحكم يستقر على ما يكون خاصا بالنظر التصديقي، فالمحكوم به هنا هو ما كان يحسب الحقيقة بالنظر التصديقي خاصا، لا ما كان بالنظر التصوري خاصا، إذن فالوضع يصير- لزيد، و بكر، و خالد- الذي هو بالنظر التصديقي خاص، تماما، من قبيل قولنا- الجزئي لا يصدق على كثيرين- فكما أصدرنا الحكم على الجزئي نفسه- مفهوم الجزئي- و لكن واقع الحكم ثابت لواقع الجزئيات- لزيد و بكر-، كذلك هنا أيضا فقد أثبتنا الحكم بالوضع لعنوان الجزئي، و لكن العلاقة الوضعية تثبت لواقع الجزئي، و لما يكون جزئيا بالنظر التصديقي.

83

و هكذا يتلخص، بأنه يعقل الوضع العام، و الموضوع له الخاص، و ذلك بأن يحضر مفهوم عام هو بالنظر التصوري الأولي خاص، و إن لم يكن بالنظر الثانوي التصديقي خاصا، حينئذ مثل هذا الخاص بالنظر الأولي التصوري يكفي لإصدار الحكم عليه بالعلاقة، لكن هذه العلاقة بحسب الحقيقة تستقر على ما يكون خاصا بالنظر التصديقي، لا على ما يكون خاصا بالنظر التصوري، و ما يكون خاصا بالنظر التصديقي هو- زيد، و بكر، و عمر- لا مفهوم الخاص.

إذن اندفع هذا الاعتراض، و تبيّن إمكان الوضع العام، و الموضوع له الخاص، و بهذا انتهى الكلام في الجهة الثالثة.

84

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

85

الجهة الرابعة الواقع من أقسام الوضع الممكنة

هذه الجهة بحسب الواقع، معقودة لبيان وقوع القسم الثالث، و هو الوضع العام و الموضوع له الخاص، في باب الحروف و الهيئات. و أما الوضع العام، و الموضوع له العام، و الوضع الخاص، و الموضوع له الخاص، فلا كلام في وقوعهما، كما في أسماء الأجناس و الأعلام.

إذن البحث في هذه الجهة بحسب الحقيقة عن المعاني الحرفية، و الفارق بينها و بين المعاني الاسمية، و هذا البحث نعقده في مقامين، نتكلم في أحدهما عن معاني الحروف، و في الآخر عن معاني الهيئات.

86

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

87

المقام الأول معاني الحروف‏

و فيه مسالك:

المسلك الأول: إنكار المعنى للحروف.

المسلك الثاني: اتحاد معاني الحروف، و معاني الأسماء ذاتا. و الفارق عرضي ثانوي.

المسلك الثالث: تباين معاني الحروف، و تغايرها ذاتا مع معاني الأسماء.

اختلف المحققون في تشخيص معاني الحروف، و في بيان الفرق بينها و بين المعاني الاسمية، فتشعّبت آراؤهم مذاهب متضاربة، و مسالك عديدة، نلخصها في ثلاثة مسالك، قد يحتوي بعضها على اتجاهات متعددة، و هي:

مسلك إنكار المعنى للحروف.

و مسلك اتحاد معانيها مع معاني الأسماء ذاتا، و إنما الفارق بينهما عرضي ثانوي.

و مسلك التباين بين معاني الحروف و تغايرها ذاتا مع معاني الأسماء.

المسلك الأول- إنكار المعنى للحروف:

لقد ادّعي في هذا المسلك بأن الحروف إن هي إلّا كالعلامات‏

88

الإعرابية (1) من الضمّة، و الفتحة، و الكسرة، التي لا تحمل أي معنى، و لا تدل على شي‏ء أكثر من كونها علامة على خصوصية معينة في موضوعها، فكما أنّ الضمّة تدل على خصوصية الفاعلية في موضوعها كذلك حرف (إلى) يدل على خصوصية كون مدخوله منتهى إليه مثلا، و حرف (من) يدل على خصوصية كون مدخوله مبدوءا به مثلا، و هكذا.

و قد أشكل على هذا القول بأنه أشبه شي‏ء بالجمع بين المتناقضين، حيث يقال: بأن الحروف ليس لها معنى في الوقت الذي يدل فيه الحرف على الخصوصية في الكلام، و ذلك كما في قولنا- سرت من البصرة-. فإمّا أن يقال: إنها كقولنا- سرت البصرة- و كلمة (من) حشو زائد، و أمّا أن يقال: بأن هناك خصوصية زائدة- خصوصية الابتداء- تستفاد في الجملة الأولى، و لا توجد في الثانية.

و الأول بديهي البطلان. و على الثاني نتساءل: هل إنّ هذه الخصوصية الزائدة مدلولة للاسم الواقع في الكلام- كالسير و البصرة- أو إنها ليست مدلولة؟.

و الأول واضح البطلان أيضا لأنّ اسم- السير- لم يوضع إلّا لذات السير لا لسير خاص بخصوصية الابتداء. و على الثاني يتعين أن تكون تلك الخصوصية مستفادة من الحرف الواقع في الكلام، إذ لا توجد قرينة فيه، و لا دال آخر يمكن أن يكون هو الدال على الخصوصية.

و هذا الإشكال يمكن دفعه، بأن صاحب هذا المسلك، يمكنه أن يعترف بوجود خصوصية زائدة تستفاد من الكلام الذي وقع فيه الحرف، إلّا أنه مع ذلك ينكر وجود معنى و مدلول للحروف، و إنما يرى المعنى و المدلول للأسماء الواقعة في الكلام فقط، بأن يدّعي أن الإسم موضوع مرتين: فهو بقيد

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي ص 12- بدائع الأفكار- الآملي: 1/ ص 41.

89

الإطلاق وضع لذات معناه، و مع قيد انضمام الحرف إليه، وضع للمعنى الخاص- كالسير المبدوء مثلا-.

فيكون الحرف عندئذ فاقدا لكل دلالة، لأنه ليس إلّا قيدا في الوضع، و الدال واحد هو الإسم الذي انضم إليه الحرف، فلا يكون هناك دالان و مدلولان، بل دال واحد، و مدلول واحد، و يكون الأثر الفني لهذا الطراز من الدلالة، عدم صحة تسليط التقييد و الإطلاق إلى الحروف و معانيها، لأنها ليست دالة على معنى كي يبحث عن إمكان تقييده و عدمه. بل لا بد و أن ترجع القيود إلى الأسماء و المعاني الاسمية دائما، و هذا مما يترتب عليه من نتائج، على ما يظهر في الأبحاث المقبلة من مسائل الأصول.

إذن فلا تناقض و لا شبه تناقض بين الالتزام بعدم وجود مدلول و معنى للحرف مع الاعتراف باختلاف معنى الكلام حين وقوع الحرف فيه من حيث الخصوصيات عن الكلام الفاقد للحرف.

و الواقع إنّ هذا الطراز من التصور في دلالة الحروف، لا برهان تام على بطلانه، و إن كان الوجدان على خلافه بالبداهة اللغوية على ما سوف يتضح فيما يأتي.

المسلك الثاني- اتحاد معاني الحروف مع معاني الأسماء ذاتا:

هذا المسلك هو مختار صاحب الكفاية (1) ((قدّس سرّه))، حيث ذهب إلى أن الحرف موضوع للمعنى نفسه الذي وضع له الإسم، فالمعنى الاسمي و المعنى الحرفي متحدان ذاتا، و لكنهما يختلفان في جهة عرضية، و كلام صاحب (الكفاية) في تحقيق مسلكه هذا ينحل إلى جهتين:

الجهة الأولى: و هي أن المعنى الحرفي و المعنى الاسمي شي‏ء واحد، و لا يوجد فرق ذاتي بين معنى- من، و الابتداء-، و معنى- إلى، و الانتهاء-

____________

(1) حقائق الأصول- ج 1- ص 22.

90

و هكذا، بل معناهما واحد، غاية الأمر أنهما يختلفان في جهة عرضية. و هذه الجهة العرضية هي، أنه متى ما لوحظ الابتداء و الانتهاء بما هو هو، و باللحاظ الاستقلالي، عبّر عنه بالاسم بكلمة الابتداء و الانتهاء، و متى ما لوحظ الابتداء و الانتهاء باللحاظ الآلي بما هو مرآة، و حالة في غيره، و طور من أطوار غيره، حينئذ يعبّر عنه بالحرف- بمن، و إلى-.

و (من) (و الابتداء) معناهما واحد ذاتا، و مختلف عرضا تبعا لاعتبار خصوصية اللحاظ الاستعمالي في مقام الاستعمال. فإن كان اللحاظ الاستعمالي لحاظا استقلاليا فهذا هو معنى الإسم، و إن كان لحاظا آليا فهذا هو معنى الحرف.

إذن فالفرق نشأ من جهة طارئة عرضية و هي اللحاظ الاستعمالي، أمّا بقطع النظر عن هذا الفارق العرضي، فمعنى الإسم و الحرف كلاهما شي‏ء واحد، و معنى واحد.

الجهة الثانية: و هي إنّ هذا الفارق العرضي الذي ذكر بين معنى الإسم و معنى الحرف، و هي خصوصية اللحاظ الآلي، و خصوصية اللحاظ الاستقلالي، هاتان الخصوصيتان اللتان بهما يتميز المعنى الاسمي عن المعنى الحرفي، هل إنهما مأخوذتان في المعنى الموضوع له، أو إنهما قيود للوضع نفسه؟.

هل إنّ لفظة (من) موضوعة للابتداء المقيّد باللحاظ الآلي، و لفظة (الابتداء) موضوعة للمعنى نفسه، مقيدا باللحاظ الاستقلالي؟.

أو إن قيد اللحاظ الآلي، و قيد اللحاظ الاستقلالي لم يؤخذا في المعنى الموضوع له، بل كلاهما وضع لذات (الابتداء)، و لكن العلاقة الوضعية نفسها ما بين اللفظ و المعنى قيّدت؟. فكأن الواضع قال: أضع (من) للابتداء، لكن في الليل، لا في النهار، و الليل هو اللحاظ الآلي، و أضع لفظة (الابتداء) للابتداء لكن في النهار لا في الليل، و النهار هو اللحاظ الاستقلالي. فاللحاظ

91

الآلي و اللحاظ الاستقلالي قيدان للعلاقة الوضعية نفسها.

و كأن صاحب (الكفاية) كان يتخيّل أن الجهة الأولى مفروغ عنها، و لهذا لم يتعب نفسه في توضيحها، و البرهنة عليها، و كأنه لا نزاع فيها. و لهذا كان يفترض في كلامه الفراغ عن الجهة الأولى، و يبحث مفصّلا في الجهة الثانية، فيقيم البراهين الصورية على أن اللحاظ الآلي و اللحاظ الاستقلالي لا يعقل أخذه قيدا في المعنى الموضوع له، بل لا بد أن يكون قيدا في الوضع.

و بحسب الحقيقة، فإن صاحب الكفاية صرف تمام همه في الجهة الثانية، و الجهة الأولى فهمت ضمنا من كلامه.

إذن ينحل كلامه في هذا المسلك إلى هاتين الجهتين، فلا بد من التكلم أولا في الجهة الأولى، و هي: دعوى أنّ معنى الإسم و معنى الحرف واحد، و ليس بينهما فرق ذاتي مفهومي، و إنما الفرق بينهما عرضي ينشأ بلحاظ عالم الاستعمال، حيث أن المعنى الاسمي يتميز باللحاظ الاستقلالي، و المعنى الحرفي يتميز باللحاظ الآلي.

و هذا الكلام سوف يتوضّح أكثر من خلال المناقشات و الاعتراضات.

و قد اعترض على هذا الكلام من قبل المحققين المتأخرين عن صاحب (الكفاية) بعدة اعتراضات. (1)

الجهة الأولى-

الاعتراض الأول:

و هذا الاعتراض للمحقق الأصفهاني ((قدّس سرّه)) حيث ذكر في (حاشيته على الكفاية)، إن معنى الحرف لا يعقل أن يكون له نحوان من اللحاظ في عالم الذهن، بحيث تارة يلحظ بنحو اللحاظ الاستقلالي فيعبّر عنه بالاسم، و أخري يلحظ بنحو اللحاظ الآلي فيعبّر عنه بالحرف، مع أنه معنى واحد،

____________

(1) بدائع الأفكار: 1/ 55- 56- 57-. فوائد الأصول: الكاظمي ج 1/ 11- 12- 13- نهاية الدراية- الأصفهاني ج 1/ 23- 24- 25.

92

و هذا غير معقول، لأن اللحاظ هو الوجود الذهني. فإذا كان المعنى الحرفي له نحوان من اللحاظ في الذهن، إذن فيكون له نحوان من الوجود الذهني- وجود ذهني تبعي و هو اللحاظ الآلي، و وجود ذهني استقلالي و هو اللحاظ الاستقلالي-.

و بناء على هذا يلزم أن يكون لمعنى الحرف نحوان من الوجود في الخارج أيضا، مطابقا للذهن، لأنّ الوجود الذهني مطابق للوجود الخارجي.

فإذا تعقلنا أن يكون لمعنى (من) نحوان من الوجود في الذهن- استقلالي و تبعي-، فلا بدّ و أن يكون له نحوان من الوجود في الخارج أيضا- وجود استقلالي تارة و وجود تبعي أخرى-، مع أن معاني الحروف و هي النسب و الروابط، ليس لها في الخارج وجود استقلالي أصلا، بل وجودها متمحض في الخارج بالوجود التبعي و الاندكاكي، و الظلي. إذن فلا محالة أيضا يكون وجودها الذهني متمحضا في الوجود التبعي الظلي الاندكاكي، و لا يكون لها نحوان من الوجود في الذهن.

و هذا البرهان الذي ذكره المحقق الأصفهاني، كأنه مبني على أصل موضوعي، و هو أن أنحاء الوجود الخارجي لا بدّ و أن تكون بقدر أنحاء الوجود الذهني، فإذا كان للمعنى نحوان من الوجود في الذهن، فلا بدّ و أن يكون له نحوان من الوجود في الخارج، و حيث أن معاني الحروف، و هي النسب ليس لها نحوان من الوجود في الخارج- إذن ليس لها وجود استقلالي في الخارج أصلا- فيلزم أن لا يكون لها وجود استقلالي في عالم الذهن أيضا.

و هذا الأصل الموضوعي بلا موجب في المقام، لأنه قد يكون للشي‏ء نحو من الوجود في الذهن. و لا يكون له ذاك النحو من الوجود في الخارج، من قبيل الأعراض، فمثلا: البياض الذي هو مفهوم اسمي بلا إشكال، و ليس من الحروف، فهو بحسب عالم الذهن له نحوان من الوجود، فإنه كما يوجد في ضمن تصور الجسم الأبيض، كذلك يوجد البياض في نفسه، فالإنسان‏

93

يمكن أن يتصور ماهية البياض بما هي، بقطع النظر عن موضوع يتصف بهذه الأبيضية، مع أنه بحسب عالم الخارج، البياض لا يعقل وجوده إلّا مرتبطا بموضوعه، إذ لا يعقل أن يوجد في الخارج بياض بلا جسم. و هذا يبرهن على أن الذهن قد يعطي أنحاء من الوجود للمفاهيم، لا مطابق لها في الخارج، فكما أعطى لماهية البياض نحوا من الوجود الغير الافتقاري إلى الموضوع في الذهن، مع أن وجود البياض في الخارج افتقاري دائما، كذلك يمكن أن يفرض أن المعنى الحرفي في عالم الذهن له نحوان من الوجود: تارة يوجد بوجود استقلالي، و أخرى يوجد بوجود تبعي، و لكن في عالم الخارج يتمحض في أحد النحوين، و هو الوجود التبعي.

ثم كأنّ المحقق الأصفهاني حمّل على (صاحب الكفاية) مطلبا، و هو الفراغ من أن معاني الحروف هي النسب فقال: بأن معاني الحروف و هي النسب، لا تقبل في الخارج الوجود الاستقلالي بل الوجود التبعي، مع أن هذا هو أول الكلام في المقام ما بينه و بين صاحب (الكفاية) فهذا تحميل على صاحب (الكفاية).

و صفوة القول، و إن كنا نقبل أنّ النسبة لا يعقل أن يكون لها نحوان من الوجود، بل وجودها دائما تبعي ظلي، كما سوف يأتي توضيحه، لكن لا نقبل هذا الطراز من الاستدلال البرهاني، فلا نقبل من المحقق الأصفهاني، أنّ الاستقلال في المعنى الحرفي لا يقبل الاستقلال في الوجود الذهني، ببرهان أنه لا يقبل الاستقلال في الوجود الخارجي، مع لزوم التطابق بين أنحاء الوجود الخارجي، و أنحاء الوجود الذهني، بل البرهان قائم على العكس، كما قلنا في مفهوم البياض.

إذن فلا يلزم من أن المعنى الحرفي تبعي دائما أن لا يكون في عالم الذهن استقلاليا تارة، و تبعيا أخرى، فهذا البرهان في غير محله.

94

الاعتراض الثاني: (1)

هو إنه لو كان لا يوجد فرق ذاتي بين المعنى الاسمي، و المعنى الحرفي، بحيث يكون معناهما واحدا، و إنما الفرق بينهما باللحاظ الآلي و الاستقلالي، للزم‏ (2) جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر، و لو بنحو المجاز، بأن نستعمل (من) في موضع الابتداء و (إلى) في موضع الانتهاء، و كذلك العكس.

أمّا بناء على أنّ اللحاظ الآلي و اللحاظ الاستقلالي، مأخوذا قيدا في المعنى الموضوع له، فجواز استعمال لفظة (من) في الابتداء الاستقلالي، و لفظة (الابتداء) في الابتداء الآلي، لا يخلو من تصرف في المعنى الموضوع له، فليكن هذا التصرف من باب المجاز، فيكون استعمالا فيما هو قريب من المعنى الموضوع له لأن (من) و إن كانت موضوعة للابتداء الآلي لكن بالتالي الابتداء الاستقلالي قريب من الابتداء الآلي، فكلاهما يشتركان في أصل الابتداء، فلما ذا لا يجوز الاستعمال مجازا؟!.

و أمّا بناء على مسلك صاحب (الكفاية) من أنّ اللحاظ الآلي و اللحاظ الاستقلالي، مأخوذان قيدا في الوضع نفسه لا في المعنى الموضوع له، فهنا المجاز إذن أصح و أوضح، لأنه لا يوجد أي تصرف في المعنى الموضوع له.

فلفظة (من) حينما نستعملها في مورد الإسم فقد استعملناها في شخص ما وضع له بلا تصرف، إذن فليعامل مع هذا معاملة المجاز، إذ ليس استعمال اللفظ في ما وضع له نفسه، لكن مع التأويل أسوأ من استعمال اللفظ في غير ذات ما وضع له. فإذا صح استعمال لفظة (أسد) في الرجل الشجاع مجازا، مع أن الرجل الشجاع مباين مع المعنى الموضوع له، فكيف لا يصح في المقام استعمال لفظة (من) في معنى الابتداء مع أنه لا تباين ذاتي فيما بينهما؟.

____________

(1) بدائع الأفكار/ الآملي: 1/ 54.

(2) فوائد الأصول: 1/ 18 محاضرات فياض: 1/ 57.

95

و الحال إنه لا إشكال في عدم صحة مثل هذا الاستعمال، فيكشف ذلك عن التباين الذاتي بين معنى الإسم، و معنى الحرف.

و هذا الاعتراض اعترض به السيد الأستاذ (1)، و المحقق النائيني‏ (2) ((قدّس سرّه))، على صاحب (الكفاية). و لكن إذا فكرنا بحسب الترتيب المشهوري، في باب الوضع و الدلالات، يمكن الجواب عليه بنحو يندفع هذا الإشكال عن صاحب الكفاية، و لتوضيح ذلك نقول:

إنّ صحة استعمال اللفظ في معنى مجازا، و دلالته عليه بنحو المجاز، هذا فرع أن يكون له دلالة في الوقت نفسه على المعنى الحقيقي. فإنّ اللفظ إذا كان له دلالة بالفعل على المعنى الحقيقي ببركة الوضع، حينئذ ينشأ من دلالته الوضعية هذه دلالة أخرى بالمناسبة و اللياقة على ذاك المعنى القريب من المعنى الموضوع له، فيصح عندئذ استعماله في ذاك المعنى المناسب.

إذن فصحة استعمال اللفظ في المعنى المناسب، و دلالته عليه، موقوف على أن يكون للّفظ دلالة على المعنى الآخر الحقيقي، و بتبعه ينشأ له دلالة على المعنى المناسب، و حينئذ بناء على هذا إذا ادّعينا في المقام ما إدّعاه صاحب الكفاية ((قدّس سرّه)) من أنّ الواضع أخذ اللحاظ بشكليه قيدا في الوضع نفسه، و في العلقة الوضعية نفسها، بأن وضع لفظة (من) للابتداء حينما قيد الوضع نفسه بحالة اللحاظ الآلي، حينئذ إذا لم يكن هناك لحاظ آلي، بل كان لحاظ استقلالي، كما هو الحال في موارد استعمال الأسماء، فهنا في هذا الوقت، العلاقة الوضعية بين (من) و الابتداء، غير موجودة، لأنها مشروطة باللحاظ الآلي، و هو غير موجود، و المشروط عدم عند عدم شرطه.

إذن ففي شخص زمان اللحاظ الاستقلالي لفظة (من) ليس لها علاقة وضعية مع الابتداء، فلا دلالة لها على معناه الحقيقي، و عليه فلا دلالة مجازية

____________

(1) محاضرات فياض ج 1/ ص 57.

(2) فوائد الأصول/ الكاظمي ج 1/ ص 18.

96

أيضا، لأن الدلالة المجازية إنما هي من ترشحات و تفرعات الدلالة على المعنى الحقيقي، فهي ساقطة لأنها فرع في ذاك الزمان نفسه.

و هذا يشبه تماما ما إذا فرضنا أن كلمة (أسد) نسخ وضعها للحيوان المفترس، و نقلت عنه، فلا يبقى لها دلالة مجازية على الرجل الشجاع، لأنها من ترشحات دلالتها على الحيوان المفترس، و مقامنا من هذا القبيل، فإنّ الواضع بعد أن قيّد العلاقة الوضعية باللحاظ الآلي. حينئذ في حالة اللحاظ الاستقلالي لا وضع ل (من) أصلا، حالها حال كلمة (أسد) بعد نسخ وضعها للحيوان المفترس. فكما لا يصح استعمال كلمة (أسد) في الرجل الشجاع بعد النسخ، كذلك لا يصح استعمال كلمة (من) في مكان الإسم، لأن في هذه الحالة ليس لها دلالة على معناها الحقيقي، حتى تدل على معنى آخر، أو حتى يصح استعمالها مجازا، و لو بشكل من الأشكال. إذن فهذا الاعتراض غير تام.

الاعتراض الثالث‏ (1):

و هذا الاعتراض للسيد الأستاذ- دام ظله-، هو أن المعنى الحرفي لو كان تمام الملاك في كونه معنى حرفيا بملاحظته باللحاظ الآلي الفنائي، للزم أن تكون المعاني الاسمية أيضا معاني حرفية، لأن كثيرا من المعاني الاسمية المأخوذة في موضوعات القضايا المنظور فيها الخارج، إنما تلحظ بما هي فانية في معنونها، و وجودها الخارجي. فمثلا: في قولنا- النار محرقة- هنا مفهوم النار مفهوم اسمي، مع أنه لوحظ بما هو مرآة لمعنونه الخارجي، و بما هو فان في هذا المعنون، فلو كان تمام امتياز المعنى الحرفي عن المعنى الاسمي باللحاظ الآلي و الفنائي، للزم الالتزام بأن مفهوم النار في هذه القضية معنى حرفي، لأنه لوحظ باللحاظ الفنائي.

و الحال إنه لا إشكال في أن مفهوم النار مفهوم اسمي حتى في قولنا

____________

(1) محاضرات في أصول الفقه- فياض: ج 1/ ص 58.

97

- النار محرقة- و هذا كاشف و برهان على أن تميّز المعنى الحرفي عن المعنى الاسمي، ليس بمجرد اللحاظ الآلي و الاندكاكي، بل بأمر ذاتي أعمق من ذلك.

و هذا الاعتراض كذلك لا يمكن المساعدة عليه، و توضيح ذلك: إنّ اللحاظ الفنائي و الآلي له معنيان:

المعنى الأول: لحاظ العنوان فانيا في معنونه، و لحاظ المفهوم فانيا في واقعه، و هذا نحو من اللحاظ الإفنائي، فيقال مثلا في- النار محرقة- إنّ مفهوم النار ملحوظ باللحاظ الفنائي و الآلي بما هو فان في معنونه الخارجي، و هذا الفناء مرجعه إلى هذا المطلب، و هو أن الإنسان عند ما يقول- النار محرقة- لا يريد أن يحكم على النار الموجودة في ذهنه بما هي صورة ذهنية بأنها محرقة، لأن هذه النار الموجودة في ذهنه ليست محرقة أصلا، و إلّا لاحترق ذهنه، و إنما الإحراق صفة النار الخارجية، يعني صفة المعنون فلا محالة أن يحضر هذه الصورة الذهنية لمفهوم النار، و يلحظها بما هي فانية، و مرآة للمعنون الخارجي حتى يصح هذا الحكم، إذ لو لا هذا الإفناء، و هذه الآلية، لما صحّ هذا الحكم. فهذا الإفناء و هذه الآلية بهذا المعنى واضح.

و لكن ما هي حقيقة هذا الإفناء، يعني ما هي حقيقة ملاحظة هذه العناوين فانية في معنوناتها، ملاحظة النار فانية في معنونها الخارجي؟.

إذ من الواضح أنه لا يوجد في الذهن عملية إفناء حقيقة و عملية استهلاك حقيقة، بحيث يكون في الذهن شيئان: العنوان و المعنون، مفهوم النار و واقع النار، كلاهما في الذهن يندك أحدهما في الآخر، ليس هكذا، إذ من الواضح أن المعنون الخارجي لا يعقل وجوده في الذهن أصلا، فليس في الذهن شيئان بل شي‏ء واحد، و هو الصورة الذهنية للمفهوم.

و هذه الصورة الذهنية للمفهوم، إن كانت موجودة فلا فناء و إن كانت قد استهلكت و غفل عنها، فلا يبقى شي‏ء عند الذهن ليلحظه، فلا يوجد في الذهن‏

98

العنوان و المعنون حتى يقال هذا يغفل عن العنوان، و يلتفت إلى المعنون، ليس هناك معنون في الذهن، و إنما هو العنوان و المفهوم فقط:

إذن فما معنى الإفناء و الاندكاك!:

فمعناه إذن أن هذه الصورة الذهنية للنار التي هي موجودة في أفق الذهن، لها لحاظان: باللحاظ الأولي التصوري هي نار، و باللحاظ الحقيقي التصديقي الذي يبرز حقيقتها هي صورة ذهنية و ليست نارا هي من مقولة الكيف.

إذن فهناك نظران نحو هذا الشي‏ء الواحد: فتارة ينظر إليه بالنظر التصوري فهي نار، و أخرى ينظر إليه بالنظر التصديقي الذي يكشف عن حقيقة هذه الصورة فهي صورة و خيال و وجود ذهني، و ليست نارا.

إذن فمعنى الإفناء حينما نقول- النار محرقة-، لا نستعمل النظر الثاني، بل نستعمل النظر الأول، لأن النظر الثاني يكشف حاق هذه الصورة، و يكشف حقيقتها، فلو استعملنا هذا النظر، لما قلنا محرقة، بل لقلنا إنها مؤنسة- فكر، علم، كيف نفساني-. إذن فلا بد من ترك هذا النظر، و الاكتفاء بالنظر التصوري، و هذا هو حقيقة الفناء في هذا القسم.

و أكثر من ذلك نقول: بأن في هذا القسم، و في هذا المعنى للفناء، ليس هناك فناء، بل هناك غض عن نظر، و استعمال لنظر آخر، فمتى ما أردنا أن نقول- النار محرقة- توجهنا إلى النار بالنظر التصوري، و متى ما أردنا أن نقول- النار فكري و جزء من ذهني- توجهنا إليها بالنظر التصديقي، و هذا المعنى للفناء، و هو الغض عن نظر و استعمال آخر، أمر معقول و صحيح، و هو الموجود في المفاهيم الاسمية.

المعنى الثاني: و هو قسم آخر من الفناء، و هو ليس فناء العنوان بالمعنون الخارجي، بل هو فناء مفهوم في مفهوم و اندكاك معنى في معنى، و هذا هو الذي يدّعى عادة في الحروف بأن معنى (من) هو الابتداء الملحوظ

99

بما هو مندك في معنى الإسم- في معنى السير و البصرة- فيقال بأن الابتداء تارة يلحظ بما هو شي‏ء في نفسه، فيعبّر عنه بكلمة الابتداء، و أخرى يلحظ بما هو طور من أطوار معنى آخر، بحيث بهذا اللحاظ لا يرى إلّا صاحب الطور بما هو متطور بهذا الطور، و هذا معناه اندكاك المعنى الحرفي في المعنى الاسمي.

تماما كما تقدم في مفهوم البياض، تارة الذهن يلحظ البياض في نفسه، و أخرى يلحظه بما هو مندك في الأبيض، بحيث لا يرى إلّا الأبيض. و هذا معنى آخر للفناء يختلف عن المعنى الأول، لأن هذا بابه باب اندكاك معنى في معنى، و فناء معنى في معنى، و ذاك فناء العنوان في المعنون.

و الآن بعد ما اتضح كلا معنيي الفناء نقول: بأن صاحب الكفاية ((قدّس سرّه)) مقصوده المعنى الثاني للفناء يعني- فناء مفهوم في مفهوم- فناء المفهوم الحرفي في المفهوم الاسمي، لا فناء المفهوم الحرفي في واقع المفهوم الحرفي، حتى يقال هذا بعينه موجود في باب الأسماء لأن في باب الأسماء أيضا مفهوم النار فان في واقع النار، و نقول: إنّ مفهوم (من) يفنى في مفهوم- سير- و هذا هو الذي يميز المعنى الحرفي عن المعنى الاسمي بحسب دعوى صاحب (الكفاية)، و حينئذ فلا يرد عليه هذا النقص.

أمّا كون هذا هو مراد صاحب (الكفاية)، فهذا واضح في عبارته، لأنه يقول بأن المعنى الحرفي حالة في غيره، و يقصد من الغير هنا المعنى الاسمي، لا المعنون الخارجي لنفس الابتداء، و لهذا يشبّه في قوله- الحرف مع الإسم في الذهن كالعرض مع الجوهر في الخارج- فكما أن العرض مع الجوهر في الخارج لا يرى شيئا بحياله و في قباله، كذلك المعنى الحرفي لا يرى في الذهن شيئا مفهوما في مقابل المفهوم الاسمي و حياله.

و ممّا يؤيد ذلك أنه ((قدّس سرّه)) في تضاعيف أصوله فرّع على مبناه عدم إمكان الإطلاق و التقييد (1) في المعنى الحرفي، كما يظهر في بحث مفهوم‏

____________

(1) حقائق الأصول: 1/ 451.

100

الشرط، باعتبار أن المعنى الحرفي آلي و ملحوظ باللحاظ الآلي الغفلتي، و مع اللحاظ الآلي الغفلتي كيف يطلق و يقيد، لأنّ الإطلاق و التقييد فرع الالتفات، و مع عدم الالتفات إليه كيف يعقل فيه الإطلاق و التقييد!.

و نحن لسنا بصدد أنّ هذا التفريع صحيح أو ليس بصحيح إذ سيأتي الكلام عليه تباعا. و لكن الكلام الآن أن هذا التفريع شاهد على أنّ مراد صاحب (الكفاية) من اللحاظ الآلي هو- فناء مفهوم في مفهوم- بحيث يغفل عن المفهوم، لا فناء العنوان في المعنون و المفهوم في الخارج، إذ من الواضح أن فناء المفهوم في الخارج، لا يوجب امتناع الإطلاق و التقليد لما بيّنا نكتته من أنه ليس في القسم الأول غفلة بحسب الحقيقة، و لا فناء، بل استبدال نظر بنظر- استبدال النظر التصديقي بالنظر التصوري-.

إذن فبناء على هذا لا يرد الإشكال على صاحب (الكفاية) لأنه يقول بأن ميزان الحرفية في المعنى الحرفي هو لحاظه فانيا في المفهوم الاسمي، لا لحاظه فانيا في مصداقه الخارجي.

الاعتراض الرابع:

و هو ما أفيد في التعليقة على صاحب (الكفاية)، و حاصل هذا الاعتراض النقض بالمصادر، حيث أن الأعلام، و منهم السيد الأستاذ- دام ظله‏ (1)- فرّقوا بين المصادر، و أسماء المصادر، و ذلك بأن اسم المصدر موضوع للحدث بما هو هو، بقطع النظر عن نسبته إلى فاعله، و المصدر مفاده هو الحدث بما هو حالة قائمة بفاعله، أو قائمة بمفعوله. بحيث أخذ فيه كونه حالة، منسوبا، و صفة للغير.

و مبنيا على هذا ينقض في المقام بالمصادر فيقال: لو كان المعنى الحرفي قوام حرفيته بكونه ملحوظا حالة لغيره، حيث أن المعنى الحرفي يلحظ

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي: ص 16 (هامش)

101

حالة للمعنى الاسمي، إذن المصادر أيضا تكون معاني حرفية، لأن المصادر أيضا ملحوظة بما هي معان لغيرها، و بما هي حالات لغيرها، فيلزم انقلاب المصادر إلى المعاني الحرفية، مع أنه ليس هكذا.

و هذا النقض أيضا لا يمكن المساعدة عليه، لوضوح أنّ المصدر له وضعان، لا وضع واحد: فالمصدر مركب من- المادة و الهيئة- فالمادة موضوعة لذات الحدث، و الهيئة موضوعة لمعنى حرفي لا محالة، خلافا لاسم المصدر الذي لم توضع هيئته لمعنى من المعاني، و إنما وضعت مادته للحدث صرفا، و حينئذ أنتم تنقضون بأنه يلزم أن تكون مادة المصدر معنى حرفيا، و هذا لا يكون، لإمكان أن يقول صاحب (الكفاية) إنّ مادة المصدر موضوعة لذات الحدث، لا بما هو حالة لغيره. و هيئة المصدر موضوعة لصدور هذا الحدث. و لكن بما هو حالة لغيره بنحو المعنى الحرفي، فيكون عندنا دالان و مدلولان: أحدهما اسم، و الآخر حرف،- لفظة المادة اسم، و تدل على معنى اسمي، و لفظة الهيئة، و تدل على معنى حرفي- إذن فأين انقلاب المعنى الاسمي إلى المعنى الحرفي!. المادة بقي مدلولها اسميا، و الهيئة بقي مدلولها حرفيا و لا بأس بذلك، لأن الهيئات دائما مدلولاتها حرفية. فهذا النقض غير وارد في المقام.

الاعتراض الخامس:

و هذا الاعتراض أيضا أفيد من التعليقة (1) للسيد الأستاذ- دام ظله- و حاصله: إنكار أن يكون اللحاظ الاستقلالي من مميزات المعنى الاسمي، و دعوى أن اللحاظ الاستقلالي كما قد يتعلق بالمعنى الاسمي، كذلك قد يتعلق بالمعنى الحرفي.

و أما ما هو مشهور، و هو أن المعاني الحرفية يتعلق بها اللحاظ الآلي و أنّ المعاني الاسمية هي صاحبة اللحاظ الاستقلالي، هذا من المشهورات التي‏

____________

(1) أجود التقريرات الخوئي: ص 15- 16.

102

لا أصل لها، فإنّه بحسب الحقيقة اللحاظ الاستقلالي، كذلك يمكن أن يتعلق بالمعنى الحرفي، بحيث يكون تمام التوجه إلى المعنى الحرفي، و ذلك كما لو فرض أن زيدا نعلم بأنه سافر من (كربلاء) إلى (النجف الأشرف)، و لكن لا ندري هل أنه سافر راكبا سيارة، أو سافر ماشيا، فهنا السؤال عن ركوب زيد، إنما هو عن المعنى الحرفي. فتمام التوجه و تمام اللحاظ انصبّ على هذا المعنى الحرفي، و هو ارتباط سفر زيد بالسيارة، أو بغيرها، فالملحوظ استقلالا للسائل، إنما هو المعنى الحرفي. و أمّا أصل سفره فهو معلوم و مفروغ عنه، و معه يكون اللحاظ استقلاليا، و معه لا يصح القول بأن اللحاظ الاستقلالي من مميزات المعنى الاسمي.

و الصحيح ما ذهب إليه المشهور من أنّ المعاني الحرفية لا يعقل اللحاظ الاستقلالي بالنسبة إليها، و كما هو مقتضى مبنى السيد الأستاذ أيضا، فقالوا كما سوف يأتي فيما بعد: من أنّ الفرق بين المعاني الحرفية و الاسمية، فرق ذاتي، و أنّ المعنى الحرفي تبعيته ليست ناشئة من اللحاظ التبعي، بل هي تبعية ذاتية في حاق ذاته و ماهيته، و أن استقلالية المعنى الاسمي، ليست ناشئة من اللحاظ الاستقلالي، بل هي استقلالية ذاتية ناشئة من حاق ماهيته و ذاته. و هذا معناه إنّ المعنى الحرفي سنخ معنى ذاتا، و ماهية، هو تبعي و تعلقي و مرتبط بالغير. و من الواضح أن الوجود سواء أ كان وجودا خارجيا، أو وجودا ذهنيا- و هو المعبّر عنه باللحاظ- هو وجود لتلك الماهية، و إبراز لها على واقعها.

فإذا كانت تلك الماهية سنخ ماهية هي ذاتا حتى في عالم الماهوية و المفهوم هي متعلقة و مرتبطة و ليس لها استقلال، إذن كيف يعقل أن توجد تلك الماهية حقيقة بوجود استقلالي!.

و الحال إنه لا بد من فرض انحفاظ الماهية في كلا نحوي وجودها الذهني و الخارجي، فإذا ما بنينا على أن المعنى الحرفي ماهيته تعلقي يعني تعلّقيته تعلقية ثابتة له حتى في مرحلة الماهية و المفهوم، حينئذ يستحيل أن يكون وجود تلك الماهية الذهني و الخارجي وجودا استقلاليا، لأنّ هذا خلف‏