بحوث في علم الأصول - ج2

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
242 /
103

كون اللااستقلالية مأخوذة في ماهية هذا الموجود، و في ذاتيته، ففرض الوجود الاستقلالي لماهية هي ذاتا غير مستقلة، أمر غير معقول.

و أمّا ما قد يتراءى في هذا المثال و نظائره من أنّ السائل توجّه لحاظه الاستقلالي إلى المعنى الحرفي ابتداء، فهذا غير صحيح، بل هذا المثال و أشباهه لا يخلو من أحد وجهين:

الوجه الأول: أن يكون السائل قد انتزع مفهوما اسميا مشيرا إلى المعنى الحرفي، و تعلق لحاظه الاستقلالي بذلك المفهوم الاسمي المشير كما لو قال:

أسألك عن كيفية ركوبه، فإنّ مفهوم (الكيفية) هذا، مفهوم اسمي و ليس حرفيا، لأن كلمة- كيفية- من الأسماء، و هذا المفهوم الاسمي أخذه مثيرا إلى واقع المعنى الحرفي- واقع النسبة بين السفر و السيارة و غيرها- ففي مثل ذلك، اللحاظ الاستقلالي، لم يتعلق بالمعنى الحرفي نفسه ابتداء، بل بالمفهوم الاسمي المشير إلى ذلك المعنى الحرفي، و هو مفهوم الكيفية.

الوجه الثاني: هو أن لا يكون السائل قد انتزع مفهوما اسميا مشيرا كمفهوم الكيفية و الخصوصية و نحو ذلك، بل يستحضر المطلب نفسه من رأس و يقول: هل سافر زيد في السيارة أو ماشيا؟. و هنا بحسب الحقيقة اللحاظ الاستقلالي لم يتعلق بالمعنى الحرفي، بل تعلق بطرفه، أي: بالمعنى الاسمي المتخصّص بالمعنى الحرفي، و تعلق بالمعني الحرفي بالتبع لا بالاستقلال، لأن السؤال تعلق بإحدى حصتين في الخارج- السفر المقيد بالسيارة، و السفر المقيد بالمشي- مع علم السائل بالجامع بين الحصتين.

إذن فاللحاظ الاستقلالي متعلق بالحصة التي هي المعني الاسمي المقيد بالمعنى الحرفي، و التحصص و التقيد الذي هو المعنى الحرفي ملحوظ بالتبع، لأن لحاظ الحصة هو لحاظ ضمني تبعي للتقيد لا محالة.

و على هذا الأساس لا يكون هذا المثال و أمثاله شاهدا على تعلق اللحاظ الاستقلالي بالمعنى الحرفي، بل اللحاظ الاستقلالي إما أن يتعلق بمفهوم‏

104

اسمي إجمالي مشير، من قبيل مفهوم الكيفية و الخصوصية، و إمّا أن يتعلق بالحصة الخاصة المقيدة، و من المعلوم أن اللحاظ الاستقلالي للحصة هو ضمنا لحاظ تبعي للتخصّص، و لكن ملحوظية التحصّص و التقيّد تكون ملحوظية ضمنية، و تحليلية، و تبعية، لا ملحوظية استقلالية. إذن فهذا الاعتراض في غير محله أيضا.

105

تحقيق الكلام في المسلك الثاني‏

و تحقيق الكلام في هذا المقام: إن هذه الاعتراضات الخمسة التي تقدمت، و إن لم تكن صحيحة في نفسها، كذلك أصل هذا المسلك الثاني فإنه غير صحيح في نفسه، و غاية الأمر يجب أن يبين الاعتراض بتعبير آخر حتى يكون اعتراضا واردا على هذا المسلك، و حاصل التعبير المناسب في الاعتراض على هذا المسلك هو أن يقال في قولنا- سرت من (البصرة) إلى (الكوفة)- أنه يوجد عندنا شيئان:

أ- مفهوم الابتداء، و هو كون السير ابتداء من (البصرة).

ب- النسبة الواقعة بين السير و (البصرة).

و هذان الأمران مختلفان حقيقة. فإنّ مفهوم الابتداء من المفاهيم الاستقلالية في ذاتها، فهو مفهوم قابل لأن يوجد بوجود استقلالي في عالم الذهن، بحيث كل إنسان يستطيع أن يتصور هذا المفهوم بدون أن يتصور أطرافه بحسب الخارج، فهو بحسب قائمة المقولات المتعارفة، قد يقال بأنه أحد المقولات العشرة، فيندرج في مقولة الإضافة من قبيل الأبوة و النبوة، و نحو ذلك. فهذا مفهوم صالح و قابل للوجود الاستقلالي. و أمّا النسبة القائمة بين السير و (البصرة) فهي نسبة ليست صالحة للوجود الاستقلالي في عالم الذهن، كما سوف يتضح ذلك من الكلام في (المسلك الثالث) من أنّ النسب‏

106

أمر تعلقي ارتباطي، ماهية و وجودا، فهو فقير إلى الغير، و مرتبط به.

و حينئذ نسأل أصحاب المسلك الثاني: ما ذا يريدون بهذا المعني الواحد الذي قالوا إنه هو معنى الإسم، و هو معنى الحرف، و لا فرق إلّا باللحاظ الآلي، و اللحاظ الاستقلالي؟ فهل يقولون إنّ معنى (من) و معنى (الابتداء) هو مفهوم الابتداء، أو معنى (من) و معنى (الابتداء) هو حاق النسبة القائمة بين السير و (البصرة)؟.

فإن قالوا: بأن معنى (من) و معنى (الابتداء) هو مفهوم الابتداء القابل للوجود الاستقلالي في عالم الذهن، بمعنى أن الابتداء حينما يلحظ بما هو هو يعبّر عنه بكلمة الابتداء، و حينما يلحظ بما هو طور من أطوار السير يعبّر عنه (بمن) فلا فرق بين الملحوظ الأول و الملحوظ الثاني إلّا في أن اللحاظ في الأول استقلالي و في الثاني آلي.

قلنا: بأن الابتداء، و إن كان قابلا لكلا اللحاظين، لكنه حينما يلحظ بما هو حالة و طور لغيره، يشتمل لا محالة على فرض نسبة بين الابتداء و المبتدئ منه، لأن كلا من الابتداء و السير مفهوم استقلالي، و كل مفهوم استقلالي إذا أنيط بمفهوم استقلالي آخر، فلا محالة يحتاج إلى رابط و نسبة بين هذين المفهومين الاستقلالين.

إذن فهنا بحسب الدقة في الابتداءات الآلية يوجد أمران: الأول الابتداء الآلي، و الثاني النسبة القائمة بين الابتداء و طرفه.

فإن قالوا: بأن (من) موضوعة للابتداء كما هو المفروض.

قلنا: فما ذا يدل على النسبة في المقام! فلا محالة نحتاج إلى دال آخر على النسبة و ليس هناك دال آخر على النسبة إلّا الحرف- و نقصد بالحرف جميع الحروف و الهيئات-.

إذن فلا بدّ من القول بأن الحروف موضوعة لمعنى آخر، و تدل على معنى آخر، و هو النسبة، و بهذا يحصل الفرق و التغاير الذاتي بين معنى الإسم،

107

و معنى الحرف، على ما سوف يأتي توضيحه فيما بعد.

و إن قالوا: بأن هذا المعنى الواحد الذي هو مدلول (من)، و مدلول (الابتداء) ليس هو الابتداء، بل هو حاق النسبة بين السير و (البصرة).

قلنا: بأن هذا لا يعقل أن يكون مدلولا عليه بكلمة الابتداء، لأنها تدل على مفهوم صالح للوجود الاستقلالي في الذهن، و حاق النسبة لا يقبل الوجود الاستقلالي، لأن تبعيتها ذاتية.

إذن، فلا بد من القول بأن كلمة (الابتداء) موضوعة لمفهوم الابتداء و كلمة (من) موضوعة لحاق تلك النسبة، و هذا معنى التغاير الذاتي بين معنى الإسم و معنى الحرف، و هذا الذي كان ينبغي أن يعترض به على مقالة صاحب (الكفاية).

و بهذا تم الكلام في الجهة الأولى من كلام صاحب (الكفاية)، و هي: إن المعنى الاسمي و المعنى الحرفي واحد ذاتا، و إنما الفرق بينهما عرضي طارئ، و هو اللحاظ الآلي و الاستقلالي، و قد تبيّن بطلان هذه الجهة، فلا يبقى موضوع للجهة الثانية من كلامه (قده) و هي: هل إنّ اللحاظ الآلي و الاستقلالي مأخوذ قيدا في المعنى الموضوع له، أو مأخوذا في نفس الوضع و العلقة الوضعية؟ فهذه الجهة الثانية صار موضوعها باطلا في نفسه، إذن فلا موجب للتعرض إلى هذه الجهة الثانية، من كلام صاحب الكفاية (قده).

المسلك الثالث- مسلك التباين:

المسلك الثالث: و هو المسلك المشهور بين المحققين المتأخرين الذي ذهب إليه المحقق النائيني‏ (1)، و الأصفهاني‏ (2)، و السيد الأستاذ (3) و غيرهم‏ (4)،

____________

(1) فوائد الأصول- الكاظمي ج 1 ص 18- 19.

(2) نهاية الدراية- الأصفهاني، ج 1 ص 38- 39.

(3) محاضرات فياض ج 1 ص 70- 71.

(4) بدائع الأفكار- الآملي، ج 1 ص 56- 57.

108

و هذا المسلك له عنوان جامع، و تحت هذا العنوان الجامع وجوه و تصويرات لهذا المسلك، حيث أن هؤلاء المحققين، و إن اتفقوا على عنوان جامع، لكن كل واحد منهم ادّعى أنّ لهذا المسلك تقريبا خاصا، و وجها خاصا، في توضيحه و بيانه.

و لهذا سوف نتكلم أولا في جامع هذا المسلك بنحو يتوضح به حاله، و بعد ذلك، نتكلم في الوجوه التي تنسب إلى كل واحد من أصحاب هذا المسلك.

أما الكلام في تصوير و توضيح هذا المسلك، يتم من خلال عدة مراحل من البيان:

المرحلة الأولى: إننا حينما نواجه قضية خارجية، من قبيل قضية اشتعال النار في الموقد، ننتزع منها مفاهيم عديدة موازية و مطابقة مع الحقائق التي نواجهها في هذه القضية، فننتزع مثلا مفهوم النار، و مفهوم الموقد، و شيئا ثالثا بإزاء العلاقة القائمة بين النار و الموقد.

و نحن إذا لاحظنا جملة من هذه المفاهيم، كمفهوم النار و الموقد، في عالم الذهن، نراها بالنظر التصوري، عين حقائقها، و بالنظر التصديقي غير حقائقها، كما بيّنا ذلك سابقا، و قد بيّنا أيضا أن إصدار الحكم على حقيقة، يكفي فيه ما هو بالنظر التصوري تلك الحقيقة، و لا يحتاج إصدار الحكم إلى إحضار ما هو بالنظر التصديقي عين الحقيقة، و حيث أن مفهوم النار ليس نارا بالنظر التصديقي، فلذلك لا تنشأ في الذهن الخواص التكوينية للنار، كالحرارة و الإحراق، و لهذا لا يحترق الذهن بإحضار هذا المفهوم، لأنّ ظهور الخواص التكوينية تابع لكونه بالنظر التصديقي عين الحقيقة، و هذا بخلاف إصدار الحكم عليه، فإنه يكفي فيه أن يكون بالنظر التصوري عين الحقيقة.

فإذا عرفنا أن تصحيح إصدار الحكم له ملاك، و هو أن يكون بالنظر التصوري عين الحقيقة، و ظهور الخواص التكوينية للحقيقة في عالم الذهن له‏

109

ملاك آخر مغاير للأول، و هو أن يكون بالنظر التصديقي عين الحقيقة، حينئذ نقول، إنّ هذه المفاهيم التي ننتزعها من النار، و الموقد، و العلاقة القائمة خارجا، بعضها ننتزعها من أجل تصحيح إصدار الحكم، من قبيل مفهوم النار، لأن الغرض من انتزاعها ليس هو أن يحترق الذهن، و إنما الغرض هو أن تصحّح إصدار الحكم على النار، فانتزع مفهوم النار استطراقا حتى أحكم عليها بأنها مشتعلة، فغرضي هو الاستطراق إلى تصحيح إصدار الحكم، و هذا الغرض يتأتى بكون المفهوم المنتزع هو عين الحقيقة بالنظر التصوري، و بهذا يعرف أن تمام المفاهيم التي تستحضر من أجل أن يحكم عليها أو بها- يعني النار و الموقد- تنتزع بنحو بحيث تكون عين الحقيقة بالنظر التصوري، و إن كانت مغايرة لها بالنظر التصديقي.

و أما المفاهيم التي تنتزع من العلاقات، كالمفهوم الذي انتزعناه من العلاقة بين النار و الموقد، فهذا المفهوم و أمثاله، ليس الغرض من تحصيله إصدار الحكم عليه، و إنما الغرض أن أنشئ في عالم ذهني- بين النار الموجودة في عالم ذهني، و الموقد الموجود في عالم ذهني- استحكاما و ارتباطا بحيث ترجع هذه المفردات إلى تصور وحداني تركيبي.

إذن فغرضي من انتزاع مفهوم عن هذه العلاقة، ليس مجرد إصدار الحكم عليه، بل أن تحصل في ذهني الخصائص التكوينية لهذه العلاقة، فإنّ من شأنها أن تشدّ شيئا بشي‏ء، و تربط شيئا بشي‏ء، و أنا أريد أن اربط في ذهني بين النار و الموقد.

إذن فالغرض هذا، تعلّق بالحصول على الخصائص التكوينية للحقيقة، لا على مجرد إصدار الحكم عليها، و الحصول على الخصائص التكوينية لا يكون إلّا ما يكون بالنظر التصديقي، فضلا عن التصوري، عين تلك الحقيقة، لأن مجرد العينية بالنظر التصوري لا يكفي لظهور تلك الخصائص التكوينية.

و بناء على هذا، فإن المفاهيم التي تنتزع بإزاء العلاقات بين الأطراف، و التي تكون عين الحقيقة، حتى بالنظر التصديقي، فضلا عن التصوري، هي‏

110

مفاهيم الحروف، و المفاهيم التي تنتزع من الأطراف الخارجية، كمفهوم النار و الموقد، و التي تكون بالنظر التصوري فقط عين الحقيقة هى مفاهيم الأسماء.

إذن حصّلنا فرقا جوهريا، بين مفاهيم الحروف، و مفاهيم الأسماء، فالمفاهيم الاسمية الغرض منها هو إصدار الحكم عليها، و هذا يكفي لأن تكون عين الحقيقة بالنظر التصوري، بينما المفاهيم الحرفية الغرض منها هو أن يحصل في الذهن الخصائص التكوينية للحقيقة، و هذا لا يكون إلّا ما يكون بالنظر التصديقي عين الحقيقة، فضلا عن النظر التصوري.

و هذا الفرق بين المعاني الحرفية و المعاني الاسمية، هو أحد معاني القول المعروف: بأن المعاني الاسمية إخطارية، و المعاني الحرفية إيجادية.

و معنى كون المعاني الاسمية إخطارية، أنه يكفي فيها انتزاع مفهوم، بحيث يكون بالنظر التصوري و الإخطاري عين الحقيقة، و إن لم يكن بالنظر التصديقي عينها، و معنى كون المعاني الحرفية إيجادية، أنه لا بدّ و أن يكون المفهوم المنتزع بإزاء العلاقات عين الحقيقة بالنظر التصديقي أيضا، بمعنى كونه واجدا لحقيقته، و كاملا، عنوانا و وجودا.

المرحلة الثانية: و هي فرع عن الأولى، حيث يتضح أنّ مدلول الحرف ليس هو مفهوم النسبة، و لا هو مفهوم الربط، و لا العلاقة، و لا الابتداء، و لا أي مفهوم من هذه المفاهيم، و ذلك لأنّ مفهوم النسبة بالنظر التصوري عين النسبة، لكنه بالنظر التصديقي غير النسبة، فمفهوم النسبة، لو نظرناه بالنظر التصوري، و قيل: ما ذا تصورتم؟ لقلنا: النسبة، لكن، لو قيل لنا بالنظر التصديقي أ هذا الذي تصوّرتموه، أ هو نسبة بين شيئين؟ لقلنا لا، بل هو مفهوم بنفسه، لا يحتاج إلى شي‏ء آخر ليتصوّر معه. و هكذا مفهوم العلاقة بالنظر التصوري علاقة، لكن بالنظر التصديقي ليس علاقة، بل هو مفهوم من المفاهيم القائمة بنفسها. و قد قلنا في المرحلة الأولى: إنّ معنى الحرف لا بدّ و أن يكون عين الحقيقة بالنظر التصديقي، فضلا عن التصوري، فهذه المفاهيم لا تصح أن تكون مداليل للحروف.

111

المرحلة الثالثة: نقول: إنّه يوجد ثلاث نسب في ثلاثة أوعية: نسبة النار إلى الموقد في الخارج، و النسبة الذهنية القائمة بين وجود النار و وجود الموقد في ذهن المتكلم، و النسبة الذهنية القائمة بين وجود النار و وجود الموقد في ذهن السامع.

و حينئذ نسأل: إنّ هذه النسب و العلاقات الذهنية و الخارجية، هل هي أفراد من ماهية واحدة، بحيث أن هناك ماهية واحدة محفوظة في ضمن الوجود الذهني و الخارجي، على ما هو متعارف في سائر الماهيات و المفاهيم الأخرى، من قبيل ماهية النار المحفوظة تارة في الوجود الذهني، و أخرى في الوجود الخارجي، بحيث يعقل فرض جامع نوعي ذاتي بين هذه النسب و العلاقات الذهنية و الخارجية، أو أن العلاقة الخارجية مغايرة مع العلاقة الذهنية، و العلاقة الذهنية في ذهن المتكلم مغايرة مع العلاقة الذهنية في ذهن السامع؟.

و التحقيق يتضح من خلال ثلاث كلمات:

الكلمة الأولى: إنّ تحصيل الجامع الحقيقي الذاتي بين الأفراد، يكون بالتحفظ على ما به الامتياز من المقومات الذاتية للأفراد، و بإلغاء الخصوصيات العرضية للأفراد، فحينما نستحضر زيدا، و عمروا و خالدا، و نريد أن ننتزع الجامع الذاتي فيما بينها، لا بد أن نتحفظ على المقومات الذاتية لهذه الأفراد- الحيوانية و الناطقية- و نلغي الخصوصيات العرضية مثل البياض و الطول، و القصر، و نحوها، و بهذا نحصل على الجامع الذاتي بين الأفراد.

الكلمة الثانية: إنّ كل نسبة من هذه النسب الثلاثة لها مقوماتها الذاتية المغايرة للمقومات الذاتية التي هي للنسبة الأخرى، لأنّ كل واحدة من هذه النسب طرفاها المقوّمان لها عبارة عن شخص هذا الوجود للنار، و شخص هذا الوجود للموقد. و من المعلوم أنّ شخص هذا الوجود للنار في ذهن المتكلم،

112

مغاير مع شخص هذا الوجود للنار في الخارج، و في ذهن السامع، و إن كانت هذه النيران متحدة مفهوما لكن أشخاص هذه الوجودات متغايرة، و النسبة القائمة في ذهن المتكلم متقومة بشخص هذا الوجود من النار، و بشخص هذا الوجود من الموقد، و ليست متقومة بالمفهومين بما هما، لأن النسبة لا توجد إلّا بوجود طرفيها، كما أنّ النسبة الذهنية القائمة في ذهن السامع، متقومة بشخص النار الذهنية في ذهن السامع، و بشخص الموقد الذهني الموجود في ذهن السامع. و يقال الشي‏ء نفسه عن النسبة الخارجية.

إذن فكل واحدة من هذه النسب قوامها وجود طرفيها، و وجود الطرفين هنا غير وجود الطرفين هناك، فكلاهما وجود مستقل عن الآخر.

الكلمة الثالثة: عند ما نريد أن ننتزع الجامع الذاتي بين هذه النسب، هل نتحفظ على المقومات الذاتية للأفراد، أو نلغي هذه المقومات؟.

إن تحفّظنا على المقومات الذاتية للأفراد، إذن قلنا في الكلمة الثانية، بأن المقومات الذاتية متغايرة، فعندنا أشياء متغايرة، فكيف يعقل انتزاع الجامع فيما بينها مع كونها متغايرة؟.

و إن ألغينا هذه المقومات الذاتية، إذن فلم يكن هذا الجامع جامعا ذاتيا، و إنما هو جامع عرضي، لأن الجامع الذاتي لا بد و أن تنحفظ فيه المقومات الذاتية للأفراد، و عليه فلا يعقل انتزاع الجامع الذاتي النوعي بين هذه النسب، و العلاقات.

إذن فبحسب الحقيقة العلاقة الخارجية، و العلاقة القائمة في ذهن المتكلم، و العلاقة القائمة في ذهن السامع، هي ذوات متباينة ذاتا و حقيقة، و ليس فيما بينها جامع ذاتي نوعي.

المرحلة الرابعة: و هي فرع عن المرحلة الثالثة، فبعد أن ثبت عدم الجامع الذاتي بين النسبة الذهنية القائمة في ذهن المتكلم، بين النار و الموقد، و بين غيرها من النسب الأخرى، يتبين أنّ النسبة الذهنية القائمة في ذهن‏

113

المتكلم، ليس لها تقرّر ماهوي في المرتبة السابقة على الوجود، و بقطع النظر عن عالم الوجود، بينما المفاهيم الاسمية لها تقرّر ماهوي في المرتبة السابقة على الوجود و بقطع النظر عن عالم الوجود.

و توضيح ذلك: إنه بالإمكان عقد قضية موضوعها الماهية، و محمولها الوجود فنقول: النار وجدت في ذهن المتكلم، و إن كانت الماهية و الوجود بحسب الخارج هو شي‏ء واحد، لكن بالنظرة التحليلية، نحلل هذا الوجود الذهني للنار إلى ماهية و وجود، و نشكل قضية تحليلية موضوعها الماهية، و محمولها الوجود. و معنى هذا: إنّ النار فرضت موضوعا في هذه القضية التحليلية، و لوحظت بما هي فيها، ثم يحكم عليها بالوجود، و إنّ مفهوم النار في مرتبة وقوعه موضوعا، له تقرّر في نفسه، بقطع النظر عن الوجود، و هذا ما نقصده بالتقرّر الماهوي، فإنّ ما نقصده هو إمكان عقد قضية بالنظر التحليلي، بحيث يكون موضوعها الماهية، و محمولها الوجود، فيكون لماهية النار نحو من التقرر الماهوي في مرتبة وقوعها موضوعا لهذه القضية، قبل أن يحكم عليها بالوجود.

و هذا التقرّر الماهوي، يجري في باب المفاهيم الاسمية من قبيل مفهوم النار. و أما في المفاهيم الحرفية فهذا النحو من التقرر الماهوي غير معقول، لأن النسبة الذهنية في ذهن المتكلم، كما تقدم، هي متقومة بشخص وجود طرفيها. ففي المرتبة السابقة على الوجود، ليس لها تقرر ماهوي و ذاتي، فتقررها الماهوي في طول الوجود، لا في مرتبة سابقة على الوجود، و لو قطع النظر عن الوجود أصلا لا تقرر ماهوي لها، يعني لا يمكن أن نفرضها ثم نقول: إنها موجودة تارة، و معدومة أخرى، في حين أن النار يمكن فيها ذلك فنقول مثلا: النار موجودة، أو معدومة.

و هذا الكلام، بحسب الحقيقة من نتائج عدم إمكان تصور الجامع الذاتي النوعي بين النسب الثلاثة، الذي بيناه في المرحلة الثالثة. فبعد البرهان على استحالة هذا الجامع، قلنا: إنّ كل فرد له مقومات ذاتية مغايرة للمقومات‏

114

الذاتية للفرد الآخر، و للنسبة الأخرى، فبقطع النظر عن الوجود، هو فاقد لمقوماته الذاتية، فليس له تقرر ماهوي، و هذا بخلاف مفهوم النار و الإنسان، فإن المقومات الذاتية لهذه النار، أو لهذا الإنسان- هو الحيوانية و الناطقية- فبقطع النظر عن وجودها يمكن فرض حيوان ناطق، ثم يحكم عليه بعد هذا بأنه موجود أو غير موجود، فالمقومات الذاتية للمفهوم الاسمي، مقومات مفهومية، و لهذا كان لها تقرر مفهومي في مرتبة سابقة على الوجود. و أمّا المقومات الذاتية لشخص النسبة هو شخص وجود طرفيها، فقبل وجود الطرفين لا ماهية أصلا لا إنه لا وجود

و هذا معنى من المعاني للقول المعروف: بأن المعاني الحرفية إيجادية، و المعاني الاسمية إخطارية.

فالمعاني الاسمية إخطارية باعتبار أنها مفاهيم، مقوماتها الذاتية مفهومية، بحيث يمكن انحفاظها و أخذها موضوعا للقضية قبل أن يحكم عليها بالوجود أو بالعدم.

و أمّا أشخاص النسب- المعاني الحرفية- فمقوماتها هي أشخاص وجودات أطرافها، فبقطع النظر عن هذه المقومات، لا ذات أصلا، لأن الذات إنما تنحفظ بمقوماتها، فبقطع النظر عن عالم الوجود الذهني، و عن مرتبة الوجود الاستعمالي لا ذات أصلا، لا أن الذات محفوظة بمقوماتها، لكنها غير موجودة.

المرحلة الخامسة: و هي آخر هذه المراحل، و هي أيضا من فروع المرحلة الثالثة، حيث تقدم البرهان على عدم إمكان انتزاع الجامع الذاتي بين هذه النسب، و حاصل ذلك، أنه يظهر فرق آخر بين المعاني الاسمية و الحرفية، فحينما أتصور النار، و التفت إليها بقيد وجودها الذهني، بما هي موجودة في ذهني، تكون نسبتها إلى النار الخارجية، نسبة الجزئي إلى الجزئي، و نسبة المماثل إلى المماثل، لأن هذا فرد ذهني و ذاك فرد خارجي. لكن إذا التفت إلى النار في ذهني، بقطع النظر عن قيد وجودها في ذهني. فالنسبة هي نسبة

115

الجامع إلى الفرد، و الكلي إلى المصداق، لا نسبة المماثل إلى المماثل، هذا في المفاهيم الاسمية.

أما في المفاهيم الحرفية: فالنسبة بين النسبة الموجودة في ذهن المتكلم، و النسبة الموجودة في الخارج، هي دائما نسبة المماثل إلى المماثل، و ليست نسبة الكلي إلى الفرد، و ذلك لأنه إن أخذت بما هي موجودة في لوح الوجود، إذن هي فرد و ذاك فرد آخر، و إن التفت إليها بقطع النظر عن الوجود، فهذا خلف، لأنه ليس لها حينئذ تقرّر ماهوي.

إذن فلا يمكن أن تكون النسبة بين النسبة الذهنية هذه، و النسبة الخارجية، هي نسبة الكلي إلى الفرد، بل هي متمحضة في نسبة المماثل إلى المماثل.

و هذا معنى ثالث من معاني القول المعروف: بأن معاني الحروف إيجادية، و معاني الأسماء إخطارية.

فالمعنى الاسمي يكون منطبقا على الخارج على حد انطباق الكلي على الفرد، فكأنه أخذ من الخارج و أخطر في الذهن من الخارج.

و أمّا المعنى الحرفي لا يعقل انطباقه على الخارج، بل هو فرد مماثل للخارج.

و حينئذ يعترض بسؤال، و هو: إنه إذا كان المعنى الحرفي مغايرا، و ليس منطبقا على الخارج، فكيف يحكي عنه؟.

و الجواب: هو إنّ حكايته عنه، إنما هي بتبع حكاية أطرافه- المعنى الاسمي- لأن المتكلم حينما ينظر إلى النار و الموقد بالنظر التصوري، يراها عين النار الخارجية، و عين الموقد الخارجي. فهو يرى أن ناره هي الخارج، و أنّ موقده هو الخارج. إذن فهو بهذا النظر يرى أنّ النسبة الذهنية هي عين النسبة الخارجية، فهو يرى أنّ نسبته هي الخارج، و هذا هو معنى حكاية المعاني الحرفية الذهنية عن النسب الخارجية.

116

و بعد أن انتهينا من هذه المراحل الخمسة لتبيان المسلك الثالث المشهور بين المتأخرين، يتضح من خلال ما تقدم معنى القول المعروف في هذا المسلك: بأن المعاني الحرفية إيجادية في مقابل كون المعاني الاسمية إخطارية، و صفوة القول في ذلك أن الإيجادية لها ثلاثة أركان:

الركن الأول: هو إن المعنى الحرفي إيجادي من حيث أن الغرض منه لا يتأتى ألّا بأن يكون عين الحقيقة بالنظر التصديقي.

الركن الثاني: هو إنّ المعنى الحرفي سنخ معنى ليس له تقرّر ذاتي و ماهوي، بقطع النظر عن الوجود، و في مرتبة سابقة على الوجود الذهني للقضية في ذهن المستعمل و المتكلم، فليس للمفهوم الحرفي تقرر ذاتي و ماهوي أصلا، لأنه ذاتا و ماهية متقوم بشخص وجود الطرفين في أفقه. فبقطع النظر عن وجود القضية في ذهن المستعمل، فليس للمفهوم الحرفي تقرر ذاتي و ماهوي، بخلاف المفهوم الاسمي الذي هو متقرر ذاتا، و ماهية، بقطع النظر عن عالم الوجود.

الركن الثالث: هو إنّ المعنى الحرفي ليس نسبته إلى الخارج نسبة الكلي إلى الفرد، بل نسبة الوجود إلى الوجود، و نسبة المماثل إلى المماثل.

التقريب المشهوري لهذا المسلك الثالث:

لقد ذهب مشهور المحققين المتأخرين في تقريب هذا المسلك، مذاهب شتّى: فذكر في تقريبه وجوه متعددة. و لعل التأمل و التدبر يؤدي إلى الجزم بأنّ ما سوف نذكره من الوجوه بحسب التحليل، ترجع كلها إلى معنى واحد. فقد ادّعي أن هذا المسلك حقّق فيه كل من المحقق النائيني‏ (1)، و الأصفهاني (قده) (2)، و السيد الأستاذ (3)، فذهب كل واحد منهم إلى وجه خاص في تقريبه. لكن بعد

____________

(1) المصدر السابق.

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق.

117

التأمل فيما ذكرناه في المراحل الخمسة، يتضح أنّ هذه الوجوه المذكورة للأعلام، ترجع إلى أمر واحد، و لا نزاع فيما بينهم إلّا حول الاصطلاحات و الألفاظ. و الوجوه الثلاثة المذكورة هي كما يلي:

الوجه الأول:

إنّ الوجه الأول في تقريب المسلك الثالث، هو ما نسب إلى المحقق النائيني‏ (1) (قده)، فإنه نسب إليه قوله بالمسلك الثالث، و أنه يختلف عن صاحب (الكفاية) حيث يرى أنّ المعاني الحرفية متميزة ذاتا عن المعاني الاسمية. و قيل في توضيح مدّعاه و مراده إنه: يرى أن ما بإزاء الحرف هو الربط الكلامي- يعني الربط الحاصل في مرحلة الكلام بين لفظة النار و لفظة الموقد في قولنا: النار في الموقد. فهذا الربط الحاصل في مرحلة الكلام بين هاتين الكلمتين، فرد من الربط، و هذا الفرد من الربط هو مدلول الحرف، و بإزاء كلمة (في).

و من هنا كان الحرف إيجاديا في نظر الميرزا بحيث أن كلمة (في) هي التي أوجدت الربط الكلامي، إذ لو لاها لما كان هناك ارتباط بين كلمة النار، و كلمة الموقد. فالربط من معلولاتها و آثارها، فهي إذن توجد معناها و هو الربط الكلامي.

و أمّا ما قيل في توضيح برهانه على مدّعاه، فقد قيل: بأن الميرزا (قده) يرى بأن المعاني على قسمين‏ (2) و لا ثالث لهما: فهي إمّا إخطارية و إمّا إيجادية، و المعنى الحرفي لا يعقل أن يكون إخطاريا، فيتعين أن يكون إيجاديا، لأن الإخطارية معناها هو أن يكون للفظ معنى قابل للحاظ الاستقلالي قبل التكلم، و الإيجادية هو أن يكون الحرف بنفسه موجدا للمعنى في مرحلة اللفظ و الكلام.

فلو كان معنى الحرف إخطاريا، فهذا معناه أنه مفهوم قابل للحاظ الاستقلالي في نفسه، و هذا غير معقول، فيتعين أن يكون إيجاديا في مرحلة اللفظ و الكلام.

____________

(1) فرائد الأصول- الكاظمي: ج 1/ ص 16- 17- 18-.

(2) فوائد الأصول ج 1 ص 14.

118

و قد اعترض‏ (1) السيد الأستاذ على الميرزا مدّعى و برهانا، فأمّا اعتراضه على مدّعى الميرزا بالمعنى الذي فسّره هو أنّ كلمة (في) و إن كانت موجدة للربط الكلامي في مرحلة الكلام، و لكن من الواضح أنّ هذه الكلمة لا توجد الربط الكلامي بالإعجاز و المعجزة، و إنما توجده باعتبار دلالتها على معنى.

إذن لا محالة يكون الربط في عالم الكلام، انعكاسا لربط قبلي في عالم قبلي، فدلالة الحرف على المعنى في ذلك العالم القبلي هو المنشأ في إيجاد الربط في عالم الكلام، فدعوى أنّ الحرف معنى إيجادي، غير صحيح، لأن إيجادية الحرف للربط الكلامي فرع دلالته على معناه، إذن ففي رتبة سابقة لا بد من تنقيح معنى للحرف و دلالة للحرف على ذلك المعنى، فيحصل ببركة ذلك، الربط في عالم الكلام، لا، أن الربط الكلامي هو مدلول ابتدائي للحرف، بل هو من نتاج دلالة الحرف على معناه في ذلك العالم القبلي.

و جواب السيد الأستاذ على مدّعى الميرزا في غاية المتانة و الصحة إذا كان الميرزا يدّعي هذا المطلب الذي فسّر به كلامه، و هو أن الحرف إيجادي، و ليس له ما بإزاء سوى الربط الحاصل في عالم الكلام، فلا معنى لأن يقال بأن معنى (في) هو الربط الكلامي؛ أ ليس المتكلم قبل أن يتكلم توجد في نفسه قضية كاملة فيها موضوع، و موصوف، و نسبة؟ إذن فذاك الربط الحاصل في عالم ذهن المتكلم، ما هو الدال عليه إذا فرض أن الحرف لم يكن هو الدال عليه؟.

فمن الواضح أنّ إيجادية الحرف للربط الكلامي، إنما هو من نتاج دلالته على معناه، ففي مرتبة سابقة لا بدّ من تنقيح هذا المعنى. و لكن نحن نستبعد جدا أنّ يكون هذا المطلب هو مقصود الميرزا، (قده) و المظنون أنّ الميرزا لا يقول بإيجادية الحروف، بل يقول بإيجادية المعاني الحرفية- أي بأنّ المعنى الحرفي الثابت في أفق ذهن المتكلم حين الاستعمال، هذا معنى إيجادي- نعم‏

____________

(1) محاضرات فياض ج 1 ص 64- 65.

119

أحيانا، يعبّر فيقول: بأنه موجد للربط في عالم الكلام، إلّا أنّ مراده- مظنونا- من إيجاد الربط في عالم الكلام، إيجاده بلحاظ مدلول الكلام، لا الكلام بما هو أصوات خارجة في الفضاء، لأنه بما هو أصوات، ليس فيما بينها ربط و ارتباط، بل الربط بلحاظ مدلول الكلام، و بلحاظ أفق القضية الذهنية القائمة في ذهن المتكلم.

فرجع بحسب الحقيقة إلى أن المعنى الحرفي القائم في أفق ذهن المتكلم، و المستعمل، معنى إيجادي، في مقابل المعنى الاسمي القائم في هذا الأفق.

إذن فمعنى الإيجادية في مقابل الحرفية، هو ما تقدم في الأركان الثلاثة التي أهمها الركن الثاني، و هو أن المعنى الحرفي سنخ معنى، يكون تقرّره الماهوي في طول عالم الوجود، بينما المفهوم الاسمي يكون له تقرر ماهوي بقطع النظر عن عالم الوجود، لأن المفهوم الحرفي متقوّم بشخص وجود الطرفين في أفق ذهن المتكلم، فبقطع النظر عن هذا الأفق من الوجود، ليس له تقرر ذاتي أصلا، فتمام النكتة هو أن التقرر الماهوي للمعنى الحرفي في طول عالم الوجود، بينما التقرر الماهوي للمفهوم الاسمي ثابت بقطع النظر عن عالم الوجود.

هذا هو معنى الإيجادية و الحرفية و هذا معنى دقيق و صحيح، لا يحتمل أن يرفضه السيد الأستاذ نفسه فإنه معنى ينساق إليه البرهان حسب المقدمات التي بيّناها، إذن فمراد الميرزا يتطابق مع أصل المراحل الخمسة التي قلناها، و ليس شيئا آخر مغايرا لها.

و أمّا ما اعترض به السيد الأستاذ على برهان الميرزا (قده) فحاصله أنّ القسمة الحاصرة للمعاني بأنها إما إخطارية و إما إيجادية، هذه القسمة ليست متعينة، و ليست حاصرة، بل هناك شق ثالث لا هو إخطاري، و لا هو إيجادي.

و ذلك بناء على تفسير الإخطارية و الإيجادية من أن الإخطارية عبارة عن أن يكون للمفهوم معنى قابل للحاظ الاستقلالي في الذهن، و الإيجادية عبارة عن‏

120

أنّ الحرف ليس له ما بإزاء أصلا إلّا في عالم الكلام، فحينئذ، هنا شق ثالث لا إخطاري و لا إيجادي، و ذلك بأن يكون للحرف معنى قبلاني في عالم الذهن، و قبل الكلام. و هذا المعنى لا يقبل اللحاظ الاستقلالي، بل هو دائما يوجد بوجود تبعي، إذن فلا يتبرهن الإيجادية بإبطال الإخطارية.

و هذا الاعتراض إنما يرد بناء على هذا التفسير للإخطارية و الإيجادية، أمّا بناء على ما بيّناه فلا يرد الاعتراض، لأن معنى الإخطارية عند الميرزا ليس هو أن يكون المعنى معنى قابلا للحاظ الاستقلالي، و للوجود الاستقلالي. بل الإخطارية معناها أن يكون للمفهوم تقرر ذاتي في عالم المفهومية، بحيث كأنه شي‏ء يخطر في الذهن في مقابل الإيجادية الذي لا يكون للمفهوم الإيجادي أي تقرر إلّا في نفس مرحلة وجوده و تحققه في أفق ذهن المتكلم، و إلّا ففي مرحلة قبل هذه المرحلة، ليس له تقرر ماهوي.

فبناء على هذا، تكون القسمة حاصرة، فالمعنى إما إيجادي و إما إخطاري، إما أن يكون له تقرر ماهوي في مرتبة سابقة على الوجود، و إما أن لا يكون له تقرر ماهوي في مرتبة سابقة على الوجود.

و نحن برهنا على أن المعنى الحرفي يستحيل أن يكون له تقرر ماهوي في مرتبة سابقة على الوجود، كما بينا ذلك في المرحلة الثالثة من المراحل الخمسة. حيث قلنا هناك: إن المعنى الحرفي متقوم ذاتا بشخص وجود الطرفين، فكيف يعقل أن يكون له تقرر مفهومي، و انحفاظ لذاتياته المفهومية، بقطع النظر عن عالم الوجود، إذن فيبطل كونه إخطاريا، و يتعين كونه إيجاديا.

فمرام الميرزا نعم المرام، و برهانه نعم البرهان، و ليس له كلام إلّا هذا العنوان المشهور- إلّا المسلك المشهور- فقد تطابق هذا المسلك مع كلامه، و ليس في كلامه إضافة إلّا ما قلناه، و ما قلناه مأخوذ من إفادته.

الوجه الثاني:

و هذا الوجه الثاني هو ما نسب إلى المحقق الأصفهاني (قده) حيث ذكر

121

السيد الأستاذ (1) أن المحقق الأصفهاني اختار أن الحرف موضوع لواقع الربط كما يقتضيه المسلك الثالث، لكنه ذكر أنّ واقع الربط عند الأصفهاني ليس هو الربط الكلامي، بل هو الوجود الرابط الخارجي، فالوجود الرابط الخارجي هو الذي وضع له الحرف بتوضيح أنّ الوجودات الخارجية على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: ما يكون موجودا في نفسه لنفسه، و ذلك كالجوهر، و كالواجب سبحانه و تعالى، غاية الأمر أن الواجب موجود في نفسه، و لنفسه، و بلا سبب- يعني بنفسه-، و الجواهر موجودة في نفسها، و لنفسها، و لكن بسبب- يعني بغيرها-.

فالقسم الأول الوجودات التي تكون في نفسها و لنفسها، و المراد من أن الوجود في نفسه هو- وجود شي‏ء من الأشياء بحيث يكون للموجود تقرر ماهوي و ذاتي، بقطع النظر عن عالم الوجود- و المراد من الوجود لنفسه هو أنه لا يحتاج في مرحلة الوجود إلى موضوع.

القسم الثاني: ما يكون موجودا في نفسه لغيره، يعني أن له تقررا ماهويا و ذاتيا بقطع النظر عن عالم الوجود، لكنه محتاج في تحققه خارجا إلى الموضوع كالأعراض.

القسم الثالث: ما يكون موجودا لا في نفسه، و لا لنفسه، بحيث أنه ذاتا ليس له تقرر مفهومي بقطع النظر عن عالم الوجود، و هذا القسم من الوجود هو الذي يسمى بالوجود الرابط في مقابل القسم الثاني المسمّى بالوجود الرابطي.

و حينئذ قيل: بأن المحقق الأصفهاني يرى أن الحروف موضوعة بإزاء القسم الثالث من الوجودات الخارجية، و هو الوجود الرابط الذي يكون وجودا في غيره و لغيره. و أشكل على ذلك، السيد الأستاذ بما يرجع إلى ثلاث إشكالات:

الإشكال الأول: هو أن الكلمات دائما تكون موضوعة للمفاهيم، بقطع‏

____________

(1) محاضرات فياض ج 1 ص 67.

122

النظر عن الوجود الخارجي و الوجود الذهني. و لم توضع الألفاظ للوجود الخارجي، أو للوجود الذهني. فالوضع إنما يكون لمعنى قابل لأن يوجد في الذهن، و ما هو قابل لأن يوجد في الذهن، إنما هو ذات المفهوم. و أما الوجود الذهني فهو لا يقبل أن يوجد مرة أخرى في الذهن، كما أن الوجود الخارجي لا يعقل أن يوجد في الذهن، فما يعقل أن يوجد في الذهن، إنما هو ذات المعنى، و ذات المفهوم العاري بحد ذاته عن الوجود الذهني، و الوجود الخارجي، فكيف يعقل القول بأن الحروف موضوعة للوجود الخارجي الرابط!.

الإشكال الثاني: هو إن الحروف تستعمل في موارد، لا إشكال في عدم الوجود الرابط فيها. فمثلا حينما نقول: الوجود للّه واجب، فهنا وجود اللام مفاده معنى حرفي. فلو قلنا: بأن اللام التي هي حرف من الحروف تكون بإزاء الوجود الرابط، للزم أن يكون هناك وجود رابط بين اللّه و وجوده، في حين أن اللّه تعالى عين الوجود، و صرف الوجود، و لا يتعقل الوجود الرابط بين ذاته و وجوده. و كذلك الحال في الاعتباريات الصرفة، فمثلا نقول الحيوانية جنس للإنسان، فمفاد اللام هنا لا ينبغي أن يكون الوجود الرابط، لأنّ جنسية الحيوان للإنسان، إنما هو بلحاظ عالم الاعتبار، لا بلحاظ عالم الخارج حتى يتصور وجود رابط خارجي بين الحيوانية و الإنسانية، إذن فلا يعقل القول بأن الحروف موضوعة للوجود الرابط.

الإشكال الثالث: إنّ الوجود الرابط لا برهان عليه من الأساس، و لا مفروغية عن ثبوته في الخارج، حتى في موارد الأعراض مع موضوعاتها، كما هو الحال في البياض مع الجسم، فمن قال بإنه عندنا ثلاث وجودات! وجود للجسم، و وجود للبياض، و وجود آخر رابط بين الوجودين؟ مثل هذا الوجود لا برهان عليه حتى في موارد الأعراض الحقيقية المقولية مع موضوعاتها الخارجية، فضلا عن بقية الموارد.

و التحقيق أنّ هذه الإشكالات الثلاثة كلها، مبنية على الاعتقاد بأن‏

123

المحقق الأصفهاني (قده) يرى بأن الحرف موضوع للوجود الرابط الخارجي، و هذا المطلب لا طريق إلى معرفته إلّا كتاباته (قده). و في كتاباته لا يتحصل هذا المدّعى، فإنّ الظاهر ممّا كتبه في توضيح مختاره في المعنى الحرفي أنه لا يقول بوضع الحروف للوجود الرابط الخارجي، بل هو يقول بوضع الحروف لواقع النسبة، و يمثل النسبة بالوجود الرابط فيقول‏ (1): النسبة الحرفية مع المعنى الاسمي كالوجود الرابط مع الوجود المحمولي. فالمعنى الحرفي يشبه الوجود الرابط، و المعنى الاسمي يشبه الوجود المحمولي، لا إنه يقول بأن الحرف موضوع للوجود الرابط الخارجي، و إنما هو موضوع للنسبة القابلة للوجود ذهنا و خارجا. و هذه النسبة يقربها و يشبهها بالوجود الرابط الخارجي، و مثل هذه النسبة محفوظة عنده سواء أ كان هناك وجود رابط خارجي، أو لم يكن وجود رابط خارجي، و لهذا يصرّح بأنّ النسبة الحرفية محفوظة حتى في موارد (هل) البسيطة)- هل الإنسان موجود- فضلا عن (هل) المركبة- هل الإنسان قائم-، في موارد (هل) البسيطة النسبة محفوظة أيضا بين الإنسان و أصل وجوده، مع أنه من الواضح أن الأصفهاني و لا واحد من أولاء يدّعي الوجود الرابط بين ماهية الإنسان و وجود هذه الماهية، لأن الماهية أمر تحليلي منتزع عن الوجود، و لا يخطر على خيال المحقق الأصفهاني أن يكون هناك وجود رابط خارجي بين الماهية و الوجود، و مع هذا يقول: بأن النسبة الحرفية محفوظة في موارد (هل) البسيطة بين الإنسان و وجوده، و هذا أكبر شاهد على أن مراده من المعنى الحرفي ليس الوجود الرابط الخارجي الذي لا يعقل تحققه بين الماهية و وجودها بل مراده هو تلك الماهية المستهلكة في الطرفين التي يكون تقررها الماهوي في طول الوجود، و هذه الماهية المستهلكة قد تكون ذهنية، و لها ما بإزاء في الخارج. فبإزائها وجود رابط في الخارج، و قد تكون ذهنية و ليس لها ما بإزاء في الخارج، فليس هناك وجود رابط في الخارج فما به قوام الحرف، و قوام المعنى الحرفي، هو النسبة الاستهلاكية الثابتة في‏

____________

(1) نهاية الدولة الأصفهاني: ج 1/ ص 22- 23- 24- 25.

124

القضية المعقولة في ذهن المتكلم، سواء أ كان بإزائها وجود رابط خارجي أو لم يكن بإزائها وجود رابط خارجي و إلّا كيف يتصور أن مقصود الأصفهاني من الحرف إنه موضوع للوجود الرابط الخارجي، مع أنه في القضايا الكاذبة على الأقل، لا وجود رابط خارجي حينما نقول: زيد في الدار، و زيد لم يكن في الدار، هنا الوجود الرابط في الخارج غير موجود أصلا، مع أن كون القضية كاذبة لا يعني أنّ الحرف ليس له معنى، و أن الإسم ليس له معنى، فحينما يقول الكاذب: زيد في الدار- هذه الجملة لها المعنى نفسه عند ما يقولها الصادق، فلو كان مفاد الحرف هو الوجود الرابط الخارجي. إذن لم يكن هناك معنى للحرف في موارد كذب القضية، إذ ليس هناك وجود رابط خارجي، مع أن معنى الحرف سنخ معنى لا بدّ من انحفاظه في موارد صدق القضية و كذبها.

و هذا معناه إنّ الموضوع له ليس هو الوجود الرابط الخارجي، بل هو النسبة المستهلكة في الطرفين التي يكون تقررها الماهوي في طول الوجود الذهني للقضية في عالم الاستعمال، و هذه النسبة إن كان لها مطابق في الخارج تكون صادقة، و إن لم يكن لها مطابق في الخارج، فتكون كاذبة، مع وجدان المعنى للقضية، و للاسم، و للحرف فيها.

إذن فبناء على هذا يظهر أن ما ذكره المحقق الأصفهاني، لا يختلف عمّا أوضحناه في المراحل الخمسة لتوضيح هذا المسلك، و هو إنّ الحروف موضوعة (1) لأنحاء النسب، و إنّ هذه النسب، نسب مستهلكة ليس لها تقرر ماهوي إلّا في طول عالم الوجود، في عالم وجود القضية في ذهن المتكلم، و لا نرى أنه قد أضاف شيئا على ما قررناه أولا في توضيح هذا المسلك.

و هذه الاعتراضات الثلاثة التي اعترض بها السيد الأستاذ، فقد ظهر حالها ممّا بيناه، فأما الاعتراض الأول، و هو إنّ الكلمة لا تكون موضوعة للوجود الخارجي، لأنّ هذا الوجود لا يقبل الانتقال إلى الذهن. فهذا أمر

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني/ ج 1 ص 23- 24.

125

صحيح، لأن الوجود الخارجي، لا يقبل الانتقال في الذهن، و إنما الكلمة موضوعة للنسبة.

و قد التفت المحقق الأصفهاني نفسه إلى هذا الإشكال، و أجاب عنه‏ (1) و قال:

إن الواضع في مقام الوضع، لا ينبغي له أن يأخذ زائدا على المعنى، قيد الوجود الخارجي، أو قيد الوجود الذهني، لأنّ الغرض من الوضع هو الانتقال، و الانتقال إنما يكون إلى ذات المعنى، لا إلى الوجود الذهني، أو إلى الوجود الخارجي، لكن إذا أراد أن يضع لسنخ ماهية، هي في طول الوجود، و تقومها، و تقررها بوجود الطرفين. حينئذ لا بدّ من أخذهما، لا من باب أخذ قيد زائد على المعنى، بل من باب مقوّمية الوجود للمعنى، و فرق بين المطلبين، فرق بين أن يأخذ الواضع قيدا زائدا على المعنى. فهذا خلاف غرض الواضع، لأن الغرض هو الانتقال إلى ذات المعنى لا إلى الوجود.

و أمّا إذا فرض أن الوجود كان مقوما لمعنوية المعنى، حيث يكون دخيلا في التقرر المفهومي للمعنى، فحينئذ لا بدّ من أخذه، لا باعتباره قيدا زائدا، بل باعتباره مقوما للمعنى، فلا يرد هذا الإشكال.

و أما الاعتراض الثاني: و هو إنّ الوجود الرابط لا ثبوت له في قولنا:

الوجود للواجب و الحيوانية جنس للإنسان- فهذا الإشكال أيضا غير وارد، لأن المحقق الأصفهاني (قده) لا يدّعي أنّ الحرف موضوع للوجود الرابط، بل هو موضوع للنسبة التي هي بإزاء الوجود الرابط، شبيهة بالوجود الرابط، و النسبة محفوظة في المقام سواء أ كان هناك وجود رابط خارجي، أو لم يكن هناك وجود رابط خارجي، فهذا الإشكال غير تام.

و منه يظهر أن الاعتراض الثالث أيضا، لا ربط له بمدّعى الأصفهاني.

____________

(1) نهاية الدراية: الأصفهاني/ ج 1 ص 23.

126

فلو فرضنا أنّ الوجود الرابط ليس له تحقق في الخارج أصلا فهذا لا دخل له بالبحث الأصولي، إذن هذا المطلب و هو، هل إن هناك وجودا رابطا في الخارج، أو ليس هناك وجود رابط. لعلّ هذا من أهم الأبحاث الفلسفية، لكن لا دخل له بعالم الأصول، و عالم وضع الألفاظ، لأننا لا نقول بأن اللفظ موضوع بإزاء الوجود الرابط، بل هو موضوع بإزاء النسبة التي هي قوام ربط القضية في عالم ذهن المتكلم.

فالاعتراضات الثلاثة غير واردة بناء على هذا التفسير، نعم قد ترد لو كان مراد الأصفهاني (قده) هو وضع الحروف للوجود الرابط الخارجي، و اللّه أعلم بمراده.

الوجه الثالث:

و هذا الوجه الثالث هو مختار السيد الأستاذ- (قدّس سرّه)- و حاصل هذا المسلك هو (1): إنّ المفاهيم الاسمية قابلة للتقسيم و التحصيص إلى حصص كثيرة، بحيث يكون المفهوم قابلا للانطباق على كل واحدة من تلك الحصص، فالضرب مثلا مفهوم كلي له أفراد كثيرة قابل للانطباق عليها انطباق الكلي على أفراده، فتارة الضرب في الطريق، أخرى في السوق، و ثالثة في المقهى، و هكذا. و كذلك مفهوم الإنسان، فإنه مفهوم كلي قابل للانطباق على أفراده الكثيرة، فينطبق على الإنسان الصغير، و الكبير، و الطويل، و الأسود، و الأبيض و هكذا. فإذا ما أردنا أن نعبّر عن حصة من حصص هذا المفهوم، و نبرزها عمّا عداها من الحصص، حينئذ أتينا بالحرف مبرزا لها، و مميّزا عما عداها، و هكذا فيما إذا كان الغرض قد تعلق بالأفراد- بأفراد الطبيعة-.

و أما إذا تعلق الغرض بنفس الطبيعة، حينئذ أتينا بنفس الإسم الموضوع للطبيعة، فتقول: الضرب موجود و الإنسان موجود، و هكذا فالإتيان بالاسم الموضوع لكلي الطبيعة لا يؤتى به لإفراز الحصة الخاصة، و إنما يؤتى بكلمة

____________

(1) محاضرات فياض: 1/ 76.

127

(في) مثلا لإبراز الحصة المخصوصة من الإنسان، و الضرب، و غيرها فالحصة الخاصة مستفادة بنحو تعدد الدال و المدلول، حيث أنّ هذه الحصة الخاصة تنحل إلى ذات الطبيعة، و إلى ضيق في هذه الطبيعة، فأصل الطبيعة مدلول عليه بالاسم، و الضيق مدلول عليه بالحرف.

و بهذا يصح القول بأن الحرف موضوع لتحصيص و تضييق المفاهيم الاسمية، بحيث تحدد دائرة قابلية انطباقها، فكلمة الضرب لو لا الحرف لكان لها قابلية الانطباق على الضرب في الدار، و الضرب في السوق، و غيره من أفراد الضرب، و لكن بلحاظ كلمة (في) تحدّدت و تضيقت قابلية هذه الطبيعة، و ليس المراد من الضيق مفهوم الضيق و عنوانه، فإنّ مفهوم الضيق من المفاهيم الاسمية المعبّر عنها بكلمة (ضيق)، و إنما المراد واقع الضيق، و واقع المحدودية، في المفهوم الاسمي.

فمدلول الحرف هو واقع الضيق بقطع النظر عن عالم الكلام، و عن عالم الخارج، فهو سنخ مفهوم محفوظ في نفسه، بقطع النظر عن هذين العالمين.

و تحقيق الحال في هذا الوجه هو: إنه كلما أحضرنا مفهومين من المفاهيم، من قبيل مفهوم الإنسان و الحصان، أو من قبيل مفهوم الضرب و الدار، فإنّ أمكن اختراع و انتزاع نسبة بحيث تقوم بين هذين المفهومين، كما هو الحال في الضرب و الدار، فإنه يمكن انتزاع نسبة ما بين الضرب و الدار و هي المعبّر عنها بنسبة الظرفية، فحينئذ لا محالة يعقل في طول ذلك أن نحصص هذا المفهوم إلى ما يكون واجدا للنسبة، و إلى ما يكون فاقدا لها، فنقول: بأن الضرب ينقسم إلى حصتين: إلى ما يكون طرفا لهذه النسبة، و إلى ما لا يكون طرفا لها. حينئذ بالإمكان تحصيص مفهوم الضرب بأخذ هذه النسبة فيه، إذ بأخذها ينشأ ضيق في دائرة صدق هذا المفهوم، بحيث يستحيل أن يصدق على فاقد النسبة، فإنّ الضرب المنسوب إلى الدار بنسبة الظرفية، يستحيل أن ينطبق على الضرب المنسوب إلى السوق، بنسبة الظرفية، لأن‏

128

الضرب السوقي فاقد للنسبة الظرفية الداريّة.

إذن فتخصيص المفهوم الاسمي، و تضييق دائرته بلحاظ مفهوم آخر، إنما يكون في طول إمكان انتزاع نسبة تقوم بين مفهومين كنسبة الظرفية، أو الابتدائية، أو الانتهائية، أو غير ذلك من النسب. ففي طول ذلك يعقل تحصيص هذا المفهوم، و تضييق دائرته بلحاظ المفهوم الآخر، بأن تؤخذ فيه تلك النسبة.

و أمّا إذا تصورنا مفهومين من دون أن نتعقل، أو أن نفترض أي نسبة بينهما، فلا يعقل حينئذ تحصيص أحدهما بلحاظ الآخر، بحيث تتضيق دائرة قابلية أحدهما بلحاظ الآخر، فمثلا إذا تصورنا مفهوم الإنسان و الحصان، من دون أن ننتزع بينهما نسبة الاقتران، و لا نسبة الركوب، و لا نسبة الملكية و لا أي نسبة أخرى من هذا القبيل، ففي مثل ذلك لا يعقل أن يتحصص الإنسان بالحصان، إذ لا معنى حينئذ لهذا التحصيص، إذن فتحصيص الإنسان بالحصان دائما، لا يعقل إلّا في طول افتراض نسبة، و انقسام الإنسان إلى ما يكون طرفا لها، و إلى ما يكون فاقدا لها، حينئذ في طول ذلك يعقل التحصيص.

حينئذ نسأل: ما هو مرادكم من كون الحرف موضوعا لضيق المعنى الاسمي، و تحديده، و حصره بلحاظ المفهوم الآخر، كضيق الضرب بلحاظ الدار؟

فإن كان مرادكم بذلك أنّ الحرف موضوع لمنشا هذا الضيق و ملاكه، و هو النسبة القائمة بين الضرب و الدار، و هي النسبة الظرفية التي في طول تعقلها يقبل الضرب التحصّص إلى حصتين و يتضيق، حينئذ مرادكم هذا، هو عين ما بيّناه في المسلك الثالث، من كون الحروف موضوعة للنسب الظرفية منها، و الابتدائية، و الانتهائية، و غيرها، و لا يكون هذا وجها مستقلا في مقابل ما ذكرناه.

و إن كان مرادكم بذلك: إنّ الحرف موضوع لنفس التحصيص و الضيق،

129

لا للنسبة التي هي منشأ التحصيص و الضيق، بحيث يكون الضيق نفسه و التحصيص نفسه، هو مدلول الحرف ابتداء، حينئذ مرادكم هذا يكون مطلبا جديدا غير ما قلناه و لكن يرد عليه:

أولا: إنّ هذا التحصيص لا يعقل فرضه إلّا بلحاظ فرض نسبة في المرتبة السابقة كما بيّناه، و حينئذ ننقل الكلام إلى تلك النسبة، و نقول: إذا كان الحرف موضوعا للضيق الذي هو من تبعات تلك النسبة، إذن فما هو الدال على تلك النسبة؟.

فإن قيل: بأن هناك دالا آخر على تلك النسبة، فليس هناك من دال آخر على تلك النسبة غير الحرف.

و إن قيل: إن الدال عليها هو الحرف نفسه فقد انتهينا إلى أن الحروف موضوعة للنسب، و معه لا حاجة إلى مسألة الضيق و التضيق.

فابتداء نقول إنّ الحروف موضوعة للنسب، فلا يدخل التضيق في تصوير المعنى الحرفي، بل يكون إدخاله لغوا صرفا.

ثانيا: إنّ التحصيص قد يتفق في المعنى الحرفي، و قد لا يتفق. فهو ليس أمرا دائميا في المعنى الحرفي، و ذلك لأن قوام المعنى الحرفي بالنسبة، و النسبة قد يتولد منها التحصيص و التضييق في دائرة الصدق على الأفراد، و قد لا يتولد منها ذلك أصلا. لهذا نرى أن التحصيص ليس ملازما مع المعاني الحرفية. و هذا شاهد على أن الحرف ليس موضوعا بإزاء التحصيص.

فمثلا: حرف العطف، حينما نقول: جاء الإنسان و الحيوان، المراد بالإنسان الحصة الخاصة التي هي مع الحيوان، و المراد بالحيوان الحصة الخاصة التي هي مع الإنسان، يعني تلك الحصتين جاءتا معا.

و لكن ما ذا تقولون في قولنا) الحرارة و البرودة لا يجتمعان، فهنا هل المراد بالحرارة الحصة المقترنة مع البرودة، و بالبرودة الحصة المقترنة مع الحرارة، بحيث كلتا الحصتين لا تجتمعان؟.

130

ليس هذا هو المقصود، بل المراد بيان أنهما لا يقترنان أصلا، فحرف العطف هنا لم يكن مؤثرا في تحصيص الحرارة، و لا في تحصيص البرودة بحصة خاصة من حصص هذه الطبيعة. و سبب ذلك أن الحرف ليس موضوعا ابتداء بإزاء التحصيص، و إنما هو موضوع لنسبة، و النسبة التي هي بإزاء حرف العطف، لا توجب التحصيص على ما يأتي توضيحه.

و كذلك حرف الاستثناء في قولنا: تصدّق بالدراهم العشرة إلّا واحدا.

فحرف الاستثناء بأي شي‏ء يوجب تحصيص العشرة؟ هل يوجب تحصيص العشرة بالتسعة؟ فيما العشرة في نفسها لم يكن لها حصتان حصة تسعة و حصة عشرة، حتى يقال بأن (إلّا) تدل على تحصيص مفهوم العشرة بالعشرة الناقص واحد. فإن العشرة الناقص واحد ليس عشرة أصلا، و ليس فردا من أفراد مفهوم العشرة. فالتحصيص هنا غير معقول، بينما المعنى الحرفي معقول، لأن النسبة الاستثنائية بنفسها لا تتضمن التحصيص هنا على ما يأتي.

و يقال الشي‏ء نفسه في حروف الإضراب- اضرب زيدا، بل عمرا- و في حروف التفسير- عندي إنسان أي حيوان ناطق- و هكذا كثير من الحروف لا يتعقل في مفادها تحصيص المعنى الاسمي، و ليس ذلك إلّا لأن تحصيص المعنى الاسمي من نتائج المعنى الحرفي، لا إنه هو المعنى الحرفي.

و أمّا معنى الحرف فهو النسبة و النسبة أحيانا توجب التحصيص و تضييق دائرة الانطباق على الأفراد، و أحيانا لا توجب ذلك.

إذن فالصحيح في المقام أن الوجه الثالث لا يكون مقبولا إلّا بعد إرجاعه إلى المسلك العام، و ذلك بأن نقول: بأن المراد من وضع الحرف للضيق في دائرة صدق المفهوم الاسمي، يعني لملاك و منشأ هذا الضيق، و هو النسبة، فيكون تعبيرا مسامحيا عن المسلك الثالث.

نعم يحتمل أن يكون هناك توجيه دقيق لكلام السيد الأستاذ، إلّا أن‏

131

كلامه لا يفي بإثباته، و لا ببيانه، و هذا التوجيه سوف نذكره في تحقيق الحال في (المسلك الثالث).

تحقيق الحال في المسلك الثالث:

لقد تحصل من توضيح المسلك الثالث المشهور، بوجوهه المتعددة، أنّ الحرف موضوع بإزاء ماهية النسبة، و واقع النسبة القائمة في أفق الذهن، المتقومة بشخص وجود الطرفين، و التي ليس لها تقرر ماهوي بقطع النظر عن عالم الوجود، فكأن في هذا المسلك يرى أن القضية المعقولة في قولنا: النار في الموقد، موازية للقضية الخارجية. فكما أن في الخارج يوجد مظروف، و ظرف، و نسبة بين النار و الموقد، كذلك في الذهن يوجد ثلاث وجودات ذهنية: النار، و الموقد، و النسبة. غاية الأمر أن اثنين منها موجودان في نفسهما، و هما النار و الموقد، و الثالث: موجود لا في نفسه، و هي النسبة القائمة بين الطرفين في أفق القضية المعقولة.

و إذا أردنا أن نحاسب هذا المسلك حسابا دقيقا، فلا بد من النظر إلى عناصر القضية الخارجية، و الذهنية:

القضية الخارجية، و الذهنية:

حينما ننظر إلى القضية الخارجية و هي- النار في الموقد- قالوا: إنه يوجد هناك نار و هذه فرد من أفراد مقولة الجوهر، و هناك موقد، و هو فرد من أفراد مقولة الجوهر أيضا، و هناك ربط خارجي- و هو الشي‏ء الموجود لا في نفسه- الذي يربط بين النار و الموقد، و هناك ظرفية الموقد و مظروفية النار للموقد. و هذه الظرفية و المظروفية مفهومان مقوليان داخلان عندهم في مقولة الإضافة من قبيل الأبوة و البنوة، و هناك هيئة وجودية، فالشي‏ء باعتبار تمكنه و ارتباطه بالمكان، يحصل له هيئة وجودية. و هذه الهيئة الوجودية من مقولة الأين. هذا هو الموجود في الخارج على أكثر التقادير.

و قد نتصور روابط أخرى في المقام، لأن كل عرض من الأعراض،

132

مربوط بموضوعه لا محالة، و لكن ما ذكرناه هو اقتصار على محل الحاجة.

و الآن إذا انتقلت هذه القضية إلى الذهن، فلا إشكال أن تصوري لها لا يشتمل على تصور الظرفية، و المظروفية، و الأينية، التي هي مفاهيم اسمية.

نعم هذه المفاهيم، تدخل في التصور لو جئنا بلفظة ظرفية، و مظروفية، و أينية، و لكن في المرتبة الأولى حينما أتصور- النار في الموقد- هذه المفاهيم خارجة عن تصور هذه القضية، نعم بنظره ثانوية ننتزع عنوان الظرفية من الموقد، و عنوان المظروفية من النار، في مرتبة منشأ الانتزاع، في المرتبة الأولى، تصوري لم يكن تصورا لمفهوم الظرفية و المظروفية، بل تصورا لشي‏ء هو منشأ انتزاع، بحيث يمكنني بنظر آخر أن أنتزع منه مفهوم الظرفية، و مفهوم المظروفية، و المكانية.

إذن لم يبق من هذه القائمة الخارجية إلّا الثلاثة الأولى: النار، و الموقد، و الربط.

و هنا نريد أن نبرهن على أن في عالم الذهن لا يوجد وجودان ذهنيان يوازيان وجودين خارجيين للنار و الموقد. و ذلك لأنه لو كان عندنا وجودان ذهنيان متغايران: أحدهما صورة ذهنية للنار، و الآخر صورة ذهنية للموقد، فحينئذ لا يخلو الأمر من أحد احتمالات:

الاحتمال الأول: أن لا يكون بين هاتين الصورتين نسبة، و هذا باطل لأن قولنا: النار في الموقد، يصير من قبيل قولنا: النار الموقد. و الحال إنه في القول الأول يوجد شي‏ء ثالث غير موجود في القول الثاني.

الاحتمال الثاني: أن يكون بينهما نسبة، و تكون هذه النسبة هي مفهوم النسبة المكانية، لا واقع النسبة المكانية. و هذا أيضا باطل لأنه مفهوم اسمي كما تقدم توضيحه.

الاحتمال الثالث: أن يكون بينهما نسبة، و هي النسبة المكانية الواقعية، أي نسبة واقعية مماثلة للنسبة الخارجية. فكما أن النار الخارجية مظروف،

133

و الموقد الخارجي ظرف، و بينهما نسبة الظرفية، كذلك بين ناري الذهنية، و موقدي الذهني نسبة الظرفية. و هذا أيضا غير معقول، و غير صحيح. و ذلك لأن النار الذهنية و الموقد الذهني، صورتان ذهنيتان من مقولة الكيف النفساني، و ليس أحدهما مكانا للآخر حقيقة، فهذه الصور الذهنية كلها أعراض، فهي ليست مكانية، بل هي مجردة عن المكان. فالنسبة المكانية الواقعية بلحاظ الصور الذهنية أمر غير معقول.

الاحتمال الرابع: أن يكون بين الصورتين نسبة أخرى غير النسبة المكانية، كنسبة الاقتران الزماني، ففي زمان واحد تصورنا النار و الموقد، و لكن من المعلوم أن هذه النسبة مباينة مع النسبة المكانية الخارجية، فكيف يعقل أن تكون حاكية عنها؟.

إذن فجميع الاحتمالات باطلة، و بهذا يتبرهن أن النار و الموقد ليسا موجودين في الذهن بوجودين متغايرين- اثنين- كما هو الحال في الخارج، بل هناك وجود واحد في الذهن، و هذا الوجود الذهني الوحداني، هو وجود لماهية. و هذه الماهية إذا حلّلناها نقول: نار، و نسبة، و موقد.

فالنسبة جزء تحليلي في ماهية هذا الوجود الوحداني، لا إنّ النسبة موجودة حقيقة في أفق هذه القضية المعقولة، بحيث يوجد في الذهن ثلاث وجودات، فكما أن الحيوانية و الناطقية جزء تحليلي في ماهية وجود زيد الواحد في الخارج، كذلك النسبة جزء تحليلي لهذا الوجود الذهني الوحداني، لا جزء وجودي لهذا الوجود الذهني.

إذن فرق بين النسبة الواقعية، و النسبة التحليلية، فالمعنى الحرفي إن ادّعي أنه هو النسبة الحقيقية، بحيث أن هناك في الذهن ثلاث موجودات و واحد منها هو النسبة فهذا غير صحيح.

و لعلّ هذا الذي دفع السيد الأستاذ أن يضرب عن المسلك المشهور و ينتقل منه إلى تعبيرات التحصيص، و التضييق، و يحتمل أن يكون نظره إلى‏

134

هذا المطلب، إلّا أنّ عباراته لا تفي به. إذن إن أريد وضع الحرف للنسبة التحليلية مع كون الموجود في الذهن أمرا واحدا، فهذا صحيح، و لا محيص عنه.

المختار في باب المعاني الحرفية:

صار واضحا أنه يوجد ثلاث نسب: و هي النسبة الواقعية الخارجية، و النسبة الواقعية الذهنية، و النسبة التحليلية التي هي في مقابل كلتا النسبتين الواقعيتين الخارجية و الذهنية.

و النسبة الواقعية سواء أ كانت خارجية أو ذهنية، تستدعي لا محالة في صقع وجودها خارجا، أو ذهنا، أمرين وجوديين يكونان طرفين لها، و تكون هذه النسبة شدا و ربطا بين هذين الأمرين الوجوديين لأحدهما بالآخر. و النسبة التحليلية لا تستدعي وجود طرفين وجوديين لأنها ليست نسبة واقعية، بل معنى كونها نسبة تحليلية، أن هناك وجودا وحدانيا ذهنيا، و هذا الوجود الذهني الواحد، هو وجود لماهية لها ثلاث أجزاء تحليلية: واحد منها هو النسبة، و نسبة هذه النسبة إلى الوجود الذهني الوحداني نسبة الجنس أو الفصل إلى الوجود الوحداني لزيد الثابت في الخارج.

فكما أن الحيوانية ليست جزءا وجوديا لزيد الخارجي، كذلك ليست هذه النسبة جزءا وجوديا لهذا الوجود الوحداني الذهني.

و بناء على هذا يتبين أن الحروف موضوعة للنسبة التحليلية، لا للنسبة الواقعية الذهنية، فضلا عن النسبة الواقعية الخارجية.

و بحسب الواقع، ما قلناه ينطبق على النسب الأولية للحروف، لا على النسب الثانوية، حيث أن النسب على قسمين: أولية و ثانوية، و توضيح ذلك كما يلي:

إن في باب المفاهيم الاسمية يوجد معقولات أولية، و معقولات ثانوية، كما هو الحال في المنطق. فالمعقولات الأولية من المفاهيم الاسمية هي‏

135

المفاهيم المتحصلة و الموازية، لما في الخارج من قبيل مفهوم، إنسان، و بقر، و هواء و بياض و نحو ذلك، و المعقولات الثانوية هي المفاهيم المتحصلة في طول المعقولات الأولية من أفق وجود المعقولات الأولية، و ذلك بعد أن نتصور البقر، و الحيوان، و الناطق، حينئذ نفصّل فنقول: البقر نوع، و الحيوان جنس، و الناطق فصل، فالفصلية و الحيوانية و الناطقية، مفاهيم اسمية و معقولات ثانوية. و هذا الموجود نفسه بالنسبة للمفاهيم الاسمية في المنطق، يتصوّر شبيه له بالنسبة للمفاهيم الحرفية، و النسب الحرفية، فإنّ النسب الحرفية على قسمين:

القسم الأول: النسب الحرفية التي توازي ما في الخارج من قبيل نسبة الظرفية بين النار و الموقد، التي موطنها الأصلي هو الخارج. و هذه نسميها بالنسب الأولية، حيث أنّ الذهن طفيلي فيها على الخارج، و البرهان المتقدم على أنّ مفاد الحروف هو النسب التحليلية لا النسب الواقعية و لو ذهنا، هذا منظور فيه هذا القسم، و هو النسب الأولية من قبيل (في) الموضوعة للنسبة الظرفية في قولنا: النار في الموقد. و كذلك من قبيل (عن، على، من، إلى)، و نحو ذلك من النسب التي، أصل موطنها هو الخارج، و الذهن عيال فيها على الخارج، فإنّ في مثل هذه النسب، البرهان الذي ذكرناه، لا محيص عنه، حيث أننا إذا أحضرنا في الذهن شيئين متغايرين، استحال الربط بينهما كما تقدم بالبرهان.

القسم الثاني: النسب الحرفية التي موطنها الأصلي هو الذهن، و هذه نسميها بالنسب الثانوية، فهي بحسب الحقيقة ليست متحصلة و منتزعة من الخارج، بل من نفس أفق الوجود الذهني للقضية، من قبيل النسبة الاستثنائية، و التوكيدية، و التحقيقية، و الإضرابية، و كثير من هذه النسب.

فمثلا: النسبة الإضرابية التي هي مدلول لحرف الإضراب في قولنا: جاء زيد بل عمر، فالحرف هنا يدل على النسبة الإضرابية، و هذه النسبة الإضرابية موطنها الأصلي هو الذهن، و ليس الخارج. إذ لو لم يكن ذهن و حاكم،

136

و متصوّر، لما كان معنى للإضراب في عالم الخارج. فالنسبة الإضرابية ليس لها وعاء في الخارج، و هذه النسبة الثانوية المدلول عليها بحرف الإضراب، هي نسبة واقعية ذهنية، لا نسبة تحليلية. ففي قولنا: (جاء زيد بل عمر)، يختلف عن قولنا: (النار في الموقد). فهنا ليس في ذهننا وجود واحد هو وجود لزيد و لعمر معا، بل وجودان ذهنيان متغايران: وجود ذهني للمضرب عنه و هو زيد، و وجود ذهني آخر للمضرب إليه و هو عمر، و بين الوجودين الذهنيين تقوم نسبة فنائية اندكاكية، و هي النسبة الإضرابية.

و لا يأتي البرهان المذكور، لأن النسبة الإضرابية قائمة في الذهن مع فرض طرفين وجوديين متغايرين، بحيث يمكن إنشاء الربط بينهما، لأن حاق النسبة، هو عالم الذهن، فهو موطنها. فهي تحصل بين الصور الذهنية بما هي حاكية عن الخارج، و هذا بخلاف النسبة الظرفية، و المكانية، فإنه يستحيل قيامهما بين الصورتين الذهنيتين، لا بما هما هما، و لا بما هما حاكيتان، لأن الصور الذهنية أعراض، و يستحيل قيام النسبة المكانية بين عرضين.

إذن فالمختار في باب المعاني الحرفية: إنّ القسم الأول، و هو النسب الأولية التي أصل موطنها هو الخارج، يتعين فيه أن يكون مفاد الحروف النسب التحليلية، لا النسب الواقعية الذهنية.

و إنّ القسم الثاني و هو النسب الثانوية التي، أصل موطنها هو عالم الذهن، يتعين فيه أن يكون مفاد الحروف النسب الواقعية الذهنية.

137

المقام الثاني تشخيص مفاد الجمل التامة و الناقصة [بناء على‏] مسلك المشهور [و] مسلك السيد الأستاذ:

و الآن ندخل في بحث المقام الثاني و هو تشخيص مفاد الجمل التامة من قبيل قولنا: زيد عالم، أو الجمل الناقصة من قبيل قولنا: زيد العالم.

و يوجد في المقام مسلكان: مسلك منسوب إلى المشهور، و مسلك للسيد الأستاذ.

التصوير اللفظي لكلا المسلكين:

ذهب المشهور إلى أنّ مفاد الجملة هو النسبة بين الطرفين، فمفاد قولنا:

زيد عالم، هو النسبة بين الموضوع و المحمول، و كذلك مفاد قولنا: زيد العالم، هو النسبة بين الوصف و الموصوف.

غاية الأمر أنّ أصحاب هذا المسلك الذين ذهبوا إلى وضع الجملة للنسبة، قالوا: بأن الجملة التامة موضوعة للنسبة التامة، و الجملة الناقصة موضوعة للنسبة الناقصة، فكأنه يوجد سنخان من النسبة: أحدهما يسمى بالنسبة التامة، و الآخر يسمى بالنسبة الناقصة. و لهذا يقولون بأن- زيد عالم- جملة يصح السكوت عليها، و جملة- زيد العالم- لا يصح السكوت عليها.

138

و في مقابل المشهور مسلك آخر اختاره السيد الأستاذ، حيث استشكل في مذهب المشهور، و ادّعى عدم تعقل وضع الجمل للنسب، فلم يتعقل التمامية و النقصان، و اعترض على المشهور بعدة اعتراضات، و جعلها برهانا على مدّعاه، حيث ذهب إلى أن الجمل التامة الخبرية ليست موضوعة للنسب، بل موضوعة لأمر نفساني، و هو قصد الحكاية عن ثبوت الشي‏ء (1)، أو نفيه.

فقولنا: زيد عالم، مفاده قصد الحكاية عن ثبوت العلم لزيد. و قولنا: زيد ليس بعالم، مفاده قصد الحكاية عن نفي العلم عن زيد، كما ذهب إلى أن الجمل الناقصة موضوعة للتحصيص و التضييق. فهيئة الوصف في قولنا: زيد العالم، موضوعة لتحصيص زيد و تضييقه بنحو يكون مقيدا بالعالمية، فليست الجمل الناقصة موضوعة للنسب بل للتحصيص.

و سوف يتضح حال هذين المسلكين و ما هو الصحيح، و ذلك من خلال‏

الاعتراضات التي وجهها السيد الأستاذ:

الاعتراض الأول:

و حاصله كيف تقولون بأن الجملة موضوعة للنسبة، مع أنه في بعض الموارد لا يتعقل، و لا يتصور النسبة أصلا، كما هو الحال في قولنا: شريك الباري ممتنع. فإنه لا يتعقل نسبة خارجية بين شريك الباري و الامتناع لأن تحقق النسبة فرع تحقق طرفيها، و هنا لا يعقل أن يتحقق شريك الباري لكي تنشأ نسبة بينه و بين الامتناع.

و كذلك الحال في قولنا: العنقاء ممكن، لا يعقل فرض نسبة بين العنقاء و الإمكان، لأن قيام النسبة في الخارج بين هذين الطرفين فرع وجود الطرفين، مع أن العنقاء لا وجود لها في الخارج.

ففي أمثال هذه الجمل لا تتصور النسبة مع أنها صحيحة، نحويا و لغويا.

فهذا دليل على أن مفاد الجملة ليس هو النسبة، بل هو أمر نفساني،

____________

(1) محاضرات فياض: ج 1/ ص 85- 88.

139

و هو قصد الحكاية عن ثبوت شي‏ء لشي‏ء، أو نفيه.

و هذا الاعتراض مما لا يمكن المساعدة عليه، و ذلك لأنه ما هو الملحوظ من النسبة في المقام؟.

فإن كان الملحوظ هو النسبة الخارجية، كما هو صريح كلامه، حيث نسب إلى المشهور قولهم بوضع الجملة التامة للنسبة الخارجية.

فيرد عليه أولا: إنّ المشهور لا يريدون بالنسبة في المقام، النسبة الخارجية. و هذا الكلام شبيه بما صدر منه في المقام الأول، حيث فسّر كلام المحقق الأصفهاني في بيان المعاني الحرفية، بأن مراده من النسبة هناك، الوجود الرابط الخارجي، بينما المشهور لم يريدوا هناك الوجود الرابط الخارجي، و لم يريدوا هنا بالنسبة، النسبة الخارجية، بل يريدون معنى آخر أعمق و أدق.

و يرد عليه ثانيا: إنه لما ذا خصّصتم النقض بجملتين أو أكثر؟ فإنه بحسب الحقيقة النسبة الخارجية غير موجودة في تمام القضايا الحملية المبنية على الهوهوية. ففي قولنا: زيد عالم، لا يوجد نسبة خارجية، لأن النسبة الخارجية فرع الاثنينية الخارجية بين الطرفين، و هنا- عالم- هو عين زيد، و وصف اشتقاقي متحد مع زيد على ما يأتي توضيحه في بحث المشتق.

إذن ففي قولنا هذا فضلا عن قولنا: شريك الباري ممتنع، لا يعقل قيام النسبة الخارجية بين الموضوع و المحمول، فكان ينبغي تعميم الإشكال لا النقض بخصوص هذه الأمثلة.

و إن كان الملحوظ هو النسبة بين المفاهيم في عالم الذهن، فسوف يأتي تصوير هذه النسبة بنحو يكون محفوظا حتى في مثل قولنا شريك الباري ممتنع.

140

الاعتراض الثاني:

و هذا الاعتراض مبني على مسلكه في باب الوضع، حيث ذهب إلى أنّ الوضع عبارة عن التعهد، و من الواضح أنّ الواضع لا يتعهد إلّا بما يكون تحت مقدوره و اختياره. أمّا ما لا يكون تحت الاختيار، فلا معنى للتعهد به، و على هذا فالنسبة بين (زيد) و (عالم) ليست تحت اختيار الواضع، و لا تحت اختيار المستعمل، فلا يستطيع الواضع أو المستعمل أن يجعل زيدا عالما و بكرا جاهلا، فمثل هذا التعهد فضولي، لأنه خارج عن الاختيار، و ما يمكن أن يكون تحت الاختيار و يتعهد به، إنما هو أمر نفساني، و هو قصد الحكاية عن علم زيد مثلا، فهو مطلب يرجع إلى الواضع أو المستعمل، فيمكنه أن يتعهد به.

و هذا الاعتراض غريب، لأننا إذا جارينا هذا الطراز من التعبير، فحينئذ ما ذا نقول عن الحروف التي قال السيد الأستاذ فيها: إنها موضوعة لتحصيص المفاهيم الاسمية!. فهل إن التحصيص تحت الاختيار حينما نقول مثلا:

الإنسان في السماء ممكن؟. و ما ذا نقول عن المفاهيم الإفرادية.

فمثلا كلمة (زيد) موضوعة لابن خالد، فهل إنّ ابن خالد تحت اختيار الواضع؟. و حلّ هذه المغالطة بناء على مسلك التعهد، أنه لا إشكال في أن المتعهّد به، و ما هو تحت الاختيار، هو أمر نفساني دائما، ففي الكلمات الإفرادية (زيد، أو نار) المتعهّد به هو القصد النفساني، هو قصد انتقاش صورة زيد في ذهن السامع، تصورا، أو إخطار صورة النار في ذهن السامع تصورا و معنى قولنا إنّ (من) موضوعة للتحصيص، أنه تعهدنا بأن نقصد إخطار صورة التحصيص تصورا في ذهن السامع. و حينئذ في الجملة التامة (زيد عالم) المشهور يقولون إنّها موضوعة للنسبة، و هذا لا ينافى التعهد، إذ لو قلنا بالتعهد، فمرجع هذا إلى أن الواضع تعهد بأن يقصد إخطار صورة هذه النسبة تصورا في ذهن السامع، و هذا أمر معقول.

141

إذن فلا يقتضي مبنى التعهد إبطال المسلك الأول و تعين المسلك الثاني.

فغاية ما يقتضيه مسلك التعهد هو أن المتعهّد به يجب أن يكون قصدا نفسانيا.

أمّا ما هو هذا القصد النفساني؟.

فالمشهور يقولون: هو قصد إخطار النسبة تصورا في ذهن السامع.

و السيد الأستاذ يقول: هو قصد الحكاية عن وقوع هذه النسبة، فكلاهما يقول بالقصد النفساني، إذن فالخلاف بين المسلكين لا ربط له بمسألة التعهد.

الاعتراض الثالث:

و هذا الاعتراض كأنه مبني على أصل موضوعي، و حاصل هذا الأصل هو:

إن الجملة (زيد عالم): تختلف عن سائر الكلمات الإفرادية، فالكلمات الإفرادية ليس لها دلالة تصديقية، و إنما لها دلالة تصورية.

و أمّا جملة (زيد عالم): فلها دلالة تصديقية، بمعنى أنها توجب التصديق و لو ظنا من قبل السامع بمدلولها، و حينئذ إن كان مدلول هذه الجملة هو النسبة كما ذهب إليه المشهور، إذن فيلزم أن لا يكون لها دلالة تصديقية، إذ من الواضح أن مجرد سماع هذه الجملة من إنسان لا يكفي للتصديق بوقوع النسبة خارجا، ما لم نفحص عن أحواله، و أنه ثقة أو غير ثقة. فكثيرا ما نسمع الكلام و نحن نقطع بعدمه، و هذا بخلاف ما لو قلنا بأن مفاد الجملة هو قصد الحكاية، فالدلالة التصديقية محفوظة في المقام، لأنه متى ما سمعنا هذه الجملة، فبمقتضى الطبع الأولي أن نميل إلى الاعتقاد بأن المتكلم يقصد الحكاية سواء أ كان صادقا، أو كاذبا، فهو بالتالي يقصد الحكاية، و هذه دلالة تصديقية.

و هذا الاعتراض ممّا لا يمكن المساعدة عليه، و ذلك لأننا تارة نبني على‏

142

مسلك التعهد في باب الوضع، و أخرى نبني على المسلك المشهوري.

فإن بنينا على المسلك الحق المشهوري: فقد تبين سابقا أن الدلالة التي تنشأ من الوضع، دلالة تصورية دائما سواء في الجمل، أو في الكلمات الإفرادية.

ففي الجمل مثل قولنا: (زيد عالم)، حينما توضع هذه الجملة للنسبة، غاية ما يطلب من هذا الوضع هو أن يكون للجملة دلالة تصورية على النسبة، بحيث ينتقش في ذهن السامع صورة النسبة تصورا كما هو الحال في كلمة (نار) الإفرادية، حيث ينتقش صورة النار تصورا في ذهن السامع. أما الدلالة التصديقية ليست من شأن الوضع، بل هي تنشأ من جذورات حالية، و سياقية، و أمارات نوعية، كما سوف يأتي توضيحه.

و أمّا بناء على مسلك التعهد في الوضع، حينئذ تكون الدلالة الوضعية دائما دلالة تصديقية حتى في الكلمات الإفرادية، فضلا عن الجمل التامة، فحينما يقول (نار) فمعنى هذا أنه يتعهد متى ما أتى بهذا اللفظ هو يقصد إخطار هذا المعنى، فيستكشف بالدلالة الوضعية أن المتكلم يوجد في نفسه قصد إخطار هذا المعنى، و هذه دلالة تصديقية. و كذلك الحال في الجمل التامة.

غاية الأمر أن ما هو هذا القصد النفساني؟.

فالمشهور يقول: هو قصد إخطار النسبة، و السيد الأستاذ يقول: هو قصد الحكاية، إذن بناء على مسلك التعهد، فالدلالة الوضعية دائما تصديقية سواء قلنا بأن الجملة موضوعة بقصد إخطار النسبة، أو بقصد الحكاية عن النسبة، فكون الدلالة تصديقية. خارجا عن موضع النزاع، بين المسلك الأول المشهوري، و المسلك الثاني.

الاعتراض الرابع:

و حاصل هذا الاعتراض أن المشهور يبنون على أن الجملة موضوعة

143

للنسبة، و يفرقون بين الجملة التامة و الجملة الناقصة، بأن الأولى تدل على النسبة التامة، و الثانية تدل على النسبة الناقصة. و هذا التفسير للفرق بين الجملتين اعترض عليه السيد الأستاذ بأنه لا يمكن أن نتعقله، لأننا لا نتصور في النسبة، التمامية و النقصان، لأن النسبة ليست شيئا يزيد و ينقص، حتى يقال تارة تامة فتكون مدلولة لجملة (زيد عالم) و أخرى ناقصة فاقدة لبعض حيثياتها فتكون مدلولة لجملة (علم زيد). فالنسبة أمر بسيط غير قابل للزيادة و النقصان، فالتفرقة بين الجملتين بما ذهب إليه المشهور، إنما يتم لو تعقلنا التمامية و النقصان في النسبة، و مع عدم تعقل ذلك، لا نتصور نسبتين حتى نتصور فرقا بين الجملتين، فالمشهور يعجزون عن إعطاء تفسير لهذا الفرق بين الجملتين، بحيث إحداهما تامة يصح السكوت عليها، و الأخرى ناقصة لا يصح السكوت عليها. و هذا بخلاف ما إذا بنينا على المسلك الثاني، و قلنا:

بأن الجملة الناقصة موضوعة للتحصيص- للنسبة التحصيصية- فتكون دالة على النسبة التحصيصية بنحو الدلالة التصورية، و الجملة التامة موضوعة لقصد الحكاية بنحو الدلالة التصديقية.

و بهذا يتحصل الفرق بين الجملتين، و حاصله: إنّ الجملة التامة لها دلالة تصديقية باعتبار أنها موضوعة لإبراز قصد الحكاية، و الجملة الناقصة موضوعة للتحصيص من دون أن تتضمن الدلالة التصديقية على قصد الحكاية، فالنسبة التامة و الناقصة مرجعهما إلى الدلالة التصديقية و التصورية. فمتى ما كان للجملة دلالة تصورية، فالنسبة ناقصة، و متى ما كان لها دلالة تصديقية فالنسبة تامة.

و التحقيق في ذلك أن التمامية و النقصان من شئون النسبة في عالم التصور المحض، و في المرتبة السابقة على طرو التصديق، أو طرو النفي.

فالنسبة في عالم التصور هي تارة تكون تامة، و أخرى تكون ناقصة. و ليس منشأ الفرق هو التصديق و قصد الحكاية في إحدى الجملتين دون الأخرى، بل لا بد من تصوير فرق بين الجملتين في عالم التصور المحض. و مما يشهد

144

بذلك هو إن قولنا (هل زيد عالم) فمن الواضح أن جملة «زيد عالم» التي طرأ عليها أداة الاستفهام، ليس لها دلالة تصديقية، لأن السائل مستفهم، فهو ليس في مقام الحكاية و التصديق، و إنما الذي يعقل أن يستفهم عنه إنما هو المطلب التصوري لا التصديقي.

إذن فلا بدّ من فرض، أن مفاد جملة «زيد عالم» في هذا المقام مفاد مطلب تصوري محض، ليعقل تعلق الاستفهام به.

و في هذا المثال لو أبدلنا الجملة التامة بجملة ناقصة فنقول: (هل زيد العالم)، يكون هذا الاستفهام ناقصا، و يحتاج إلى متمّم فنقول مثلا: (هل زيد العالم قائم؟. إذن فبهذا يتبين فرق بين الجملتين في هذا الموقع، مع أنهما مطلبان تصوّريان محضان، ببرهان تعلق الاستفهام بهما، لأن الاستفهام لا يتعلق بالمطلب التصديقي، و مع هذا يوجد فرق بين الجملتين الاستفهاميتين:

فقولنا: (هل زيد عالم) صحيح، و قولنا: (هل زيد العالم) ليس بصحيح.

و الحال إن كلتا الجملتين متمحضة في المطلب التصوري، إذن فنسأل: لما ذا صحّ أحد القولين دون الأخر؟. و لا يمكن أن يقول صاحب المسلك الثاني أن الصحة و عدمها تدور مع المطلب التصديقي و التصوري، لأن الاستفهام لا يتعلق بالمطلب التصديقي، إذن فكلا القولين. مطلب تصوري، مع أنهما مختلفان في المقام بدليل صحة دخول أداة الاستفهام على أحدهما دون الآخر.

و هذا شاهد على وجود فرق في حاق النسبة بين الناقصة و التامة:

فالتمامية و النقصان من شئون النسبة في عالم النظر التصوري المحض، لا إنّ الفرق هو باعتبار أن النسبة التامة تصديق، و النسبة الناقصة تصور، بل في عالم التصور المحض يوجد سنخان من النسبة: نسبة ناقصة، و نسبة تامة.

و أما تصحيح ذلك فهو، و إن لم يف به المشهور، حيث أن كلماتهم غير متقنة في توضيح حاق الفرق بين النسبتين، إلّا أن تحقيق هذا الفرق هو أن يقال: إنّ النسبة الناقصة هي النسبة التحليلية، و النسبة التامة هي النسبة

145

الواقعية، و ذلك أننا أوضحنا سابقا أن النسب على قسمين:

القسم الأول: النسب التحليلية من قبيل نسبة (في) في قولنا: «النار في الموقد».

و القسم الثاني: النسب الحقيقية من قبيل النسبة الإضرابية في قولنا:

«أكرم زيدا بل عمرا».

و قلنا إنّ النسب التحليلية ليست موجودة في صقع الذهن، بل الموجود وجود واحد لمركب تحليلي، أحد أجزائه التحليلية هو النسبة، و هذا بعينه نقوله في النسبة الناقصة. ففي قولنا: «علم زيد»، لا يوجد في صقع الذهن وجودان ذهنيان أحدهما وجود للعلم، و الآخر وجود زيد، و نسبة بين العلم و زيد، فهذا غير موجود، بل هناك وجود ذهني واحد بالتحليل ينحل إلى أجزاء: (علم، و زيد، و ربط مخصوص) و هذا الربط المخصوص بين (علم، و زيد) كالربط المخصوص بين (النار و الموقد)، فالموجود في الذهن وجود واحد تركيبي لو حلّل لأمكن أن نثبت بالبرهان أن جزءه التحليلي نسبة «ما» و ربط «ما»، و بذلك يظهر معنى كون النسبة ناقصة، فالمتكلم حينما يلقي الجملة الناقصة، كأنه ألقى كلمة مفردة لا تدل على نسبة، و لهذا لا يحسن السكوت عليها. كذلك حينما يلقي «علم زيد» كأن ألقى شيئا واحدا لا شيئين بينهما نسبة، لأن النسبة تحليلية لا واقعية، هذا في باب الجمل الناقصة، و هذا معنى كون النسبة ناقصة في عالم التصور.

و أمّا النسبة في الجمل التامة: فهي نسبة واقعية في صقع الذهن، بحيث أن الذهن يرى شيئين بينهما نسبة من قبيل النسبة الإضرابية، كما مرّ سابقا.

ففي قولنا «زيد عالم» الذهن عنده شيئان: زيد في جانب، و عالم في ذاك الجانب، و نسبة قائمة بينهما و هذه النسبة هي النسبة التصادقية بين زيد و عالم.

و يمكن أن نوضح الفكرة بمثال عرفي:

«و لنفرض مرآتين و شخصا واحدا انتقشت صورته في تلك المرآتين في‏

146

وقت واحد، و صار له صورة في هذه المرآة، و صورة في تلك المرآة، و هنا عندنا عالمان عالم المرآة، و عالم ذي المرآة، ففي عالم المرآة الذي هو عالم الصور الحاكية، يوجد شيئان متغايران: أحدهما الصورة القائمة في المرآة الأولى، و الثاني، الصورة القائمة في المرآة الثانية، و بين هاتين الصورتين نسبة، و هذه النسبة هي نسبة التصادق بحيث ما يرى في الصورة الأولى، هو عين ما يرى في الصورة الثانية. فالمرآة تعطينا صورتين بنحو بينهما نسبة التصادق القائمة في عالم المرآة. و أما في عالم ذي المرآة، و عالم المحكي لا الحاكي يوجد شي‏ء واحد فقط، و لا يوجد نسبة» و هذا المثال نطبقه هنا فنقول بأن هناك واقعا واحدا في نفس الأمر، و هذا الواقع الواحد له مفهومان ذهنيان:

أحدهما مفهوم زيد و الآخر مفهوم عالم، على غرار الصورتين المرآتيتين لوجود زيد الواحد في نفس الأمر، فكلا المفهومين لوحظا بما هما مشيران إلى شي‏ء واحد و واقع واحد. ففي صقع الوجود الذهني يوجد شيئان و مفهومان بينهما نسبة واقعية، و هذه النسبة الواقعية الذهنية نسبة تصادقية واقعية لا نسبة تحليلية؛ و بهذا يعرف لما ذا كانت الجملة هنا تامة و هناك ناقصة: فهذه تامة لأنها نسبة واقعية، و تلك ناقصة لأنها تحليلية، و كلتا النسبتين في عالم التصور المحض فتارة أتصور النسبة تامة، و أخرى ناقصة، و بهذا ظهر السر فيما أشرنا إليه من أنه لما ذا يصح قولنا: «هل زيد عالم»، و لم يصح قولنا «هل زيد العالم». و بهذا اتضح الفرق بين النسبة التامة، و النسبة الناقصة، بلا حاجة إلى إدخال الدلالة التصديقية، و النسبة في البين.

و بهذا يكون مطلب المشهور معقول في نفسه بل هو المتعيّن، و المسلك الثاني القائل بأن جملة (زيد عالم) موضوعة لقصد الحكاية، لا للنسبة، هذا في نفسه غير صحيح، و ذلك لأنه يكون موردا لإشكالين:

الإشكال الأول: و هو إشكال مبنائي، و حاصله، أنّ صاحب هذا المسلك الذي يقول بأن جملة «زيد عالم» تدل على قصد الحكاية، ما ذا يقصد بهذه الدلالة؟.

147

فإمّا أن يريد الدلالة التصورية، بمعنى أن هذه الجملة تدل على مفهوم قصد الحكاية، و بحيث ينطبع في ذهن السامع تصورا صورة هذا المفهوم.

و إمّا أن يريد الدلالة التصديقية، كما هو صريح كلامه بحيث تكون هذه الجملة كاشفا عن وجود فرد جزئي، من قصد الحكاية في نفس المتكلم.

و الأول: بديهي البطلان باعتبار أن هذه الدلالة التصورية التي توجب نقش هذا المفهوم تصورا في ذهن السامع هي من شئون نفس كلمة قصد الحكاية، لا من شئون (زيد عالم)، فعند ما نسمع قصد الحكاية يرتسم في ذهننا مفهوم قصد الحكاية. فالذي يدل على هذا المفهوم هو نفس لفظ قصد الحكاية لا (زيد عالم) و إلّا للزم الترادف، و هو واضح البطلان.

و الثاني: لا نسلم به، فالمشهور لا ينكرون أن جملة (زيد عالم) لها دلالة تصديقية، و قصد، و كشف عن وجود قصد الحكاية في نفس المتكلم، لكن هذه الدلالة التصديقية ليست دلالة وضعية، و كلامنا في الدلالة الوضعية لجملة (زيد عالم). فنحن برهنا سابقا في حقيقة الوضع أن الدلالة التي تتحصل ببركة الوضع تكون دائما دلالة تصورية، فدلالة هذه الجملة دلالة تصورية، و الدلالة التصديقية التي يتبنّاها السيد الأستاذ (1)، و إن كنا نقبل بها، لكن بحسب الحقيقة خارجة عن محل الكلام، و محل الكلام هو تشخيص المعنى الموضوع له هذه الجملة، و تشخيص الدلالة التصورية و الوضعية. أما الدلالة التصديقية فهي ناشئة كما ألمحنا سابقا من قرائن حالية و سياقية، كما يأتي توضيحه فيما بعد.

الإشكال الثاني: و حاصله إنّ الوجدان قاض بوجود سنخ معنى محفوظ في تمام موارد استعمال جملة «زيد عالم»، فهي تارة تقع مبتدأ و خبرا، كما في قولنا: «زيد عالم»، و أخرى تقع مدخولا لأداة الاستفهام كما في قولنا: «هل‏

____________

(1) محاضرات فياض: ج 1/ ص 86-، 87.

148

زيد عالم»، و ثالثة تقع مفعولا كما في قولنا: «أخبركم بأن زيدا عالم».

فإذا ما بنينا على مسلك المشهور، فيقال: إنّ هذه الجملة تدل بالدلالة التصورية على النسبة التامة في جميع موارد استعمالاتها.

و أما إذا قلنا: بأن هذه الجملة موضوعة للدلالة التصديقية على قصد الحكاية، إذن فكيف يمكن انحفاظ هذا المعنى حينما تقع متعلقا للاستفهام أو مفعولا! إذ من الواضح أن المفعول و المستفهم عنه، ليس هو قصد الحكاية بل هو الواقع.

فبناء على المسلك الثاني، لا يمكن أن يكون لهذه الجملة سنخ معنى محفوظ في الصور المختلفة، و هذا خلف الوجدان.

إذن فلا بد من القول بأن دلالة هذه الجملة دلالة تصورية على النسبة في جميع موارد الاستعمال.

تطبيق:

لقد صار واضحا أن مفاد الجملة الخبرية الاسمية «زيد عالم»، هو النسبة الواقعية في عالم الذهن، بحيث يرى مفهومان متغايران حاكيان عن واقع واحد، و هذه النسبة نسبة تصادقية، و هذا بعينه نقوله في الجملة الخبرية الفعلية، كما في قولنا «ضرب زيد». ففي هذه الجملة يوجد عدة أمور:

الأول: مادة الفعل «ض- ر- ب-».

و الثاني: هيئة الفعل.

و الثالث: هيئة الجملة.

فمادة الفعل التي هي الضرب موضوع للحدث، و هيئة الفعل موضوع للنسبة التحققية و الصدورية القائمة بين الضرب و الضارب أي قائمة بين الحدث و ذات «ما» على وجه الإبهام، و هذه النسبة الصدورية نسبة ناقصة تحليلية، لأن موطنها الأصلي هو الخارج. فالضرب إنما يصدر من الذات المبهمة الخارجية

149

لا الذهنية. و كلامنا في هيئة الجملة (ضرب زيد). فهيئة الجملة تدل على النسبة التامة التصادقية، فمفاد هذه الهيئة أن تلك الذات المبهمة، التي هي طرف النسبة الناقصة في هيئة الفعل، هي عين زيد؛ فكأن المتكلم قال: إنّ تلك الذات التي انتسب لها الضرب هي زيد.

إذن في الجملة الخبرية الفعلية بحسب التحليل، يوجد هيئتان و نسبتان، و كل من الهيئتين تدل على إحدى النسبتين. فهيئة الفعل تدل على نسبة ناقصة تحليلية صدورية قائمة بين الحدث و الذات المبهمة، و هيئة الجملة تدل على نسبة تامة قائمة بين الذات المبهمة و زيد.

نعم يبقى هناك كلمات كثيرة في تحقيق حال تلك النسب الناقصة التي هي مفاد هيئة الفعل الماضي، و المضارع، و المصدر، و نحو ذلك من المشتقات، و هي تحقيقات خارجة عن محل الكلام. و لعله من المناسب جدا التعرض لجملة منها فيما بعد في بحث المشتق.

و إلى هنا انتهى الكلام حول الجمل الخبرية بقسميها الاسمية و الفعلية، و حول الجمل الناقصة، و بقي الكلام حول الجمل الإنشائية:

الجمل التامة الإنشائية:

و نذكر الجمل التامة الإنشائية على ضوء المسلكين المتقدمين: مسلك السيد الأستاذ، و مسلك المشهور، مع تحقيق الحال فيها.

مسلك السيد الأستاذ: الجمل الإنشائية في هذا المسلك حالها حال الجمل الخبرية (1)، فهي موضوعة لإبراز أمر نفساني، و دلالتها دلالة تصديقية.

فمثلا الجملة الاستفهامية «هل زيد عالم»: موضوعة لإبراز أمر نفساني، و هو طلب فهم المطلب و دلالتها على ذلك دلالة تصديقية، بمعنى أن هذه الجملة تكشف عن فرد جزئي من طلب فهم المطلب قائم في نفس المتكلم، و كذلك‏

____________

(1) محاضرات فياض: ج 1/ ص 88- 89.

150

سائر الجمل الأخرى كجملة التمني «ليت الرسول حي»، أيضا تدل تصديقا على أمر نفساني، و هو تمني أن يكون النبي (ص) حيا.

هذا هو المنهج العام في هذا الباب على مسلك السيد الأستاذ. و قد قلنا فيما سبق إنّ هذه الدلالات التصديقية مقبولة، و لكنها ليست هي الدلالات الوضعية، بل هي دلالات ناشئة من القرائن الحالية و السياقية، فهي في طول الدلالات الوضعية. و كلامنا هنا في تشخيص الدلالة التصورية، لا التصديقية، و في تشخيص المعنى الموضوع له. فهذه الدلالات التصديقية خارجة عن محل الكلام، و بهذا ينتهي الكلام إلى المسلك المشهور.

مسلك المشهور: تقسم الجملة الإنشائية إلى قسمين:

القسم الأول: منها الجملة الإنشائية التي هي بلفظها تستعمل تارة في مقام الإخبار، و أخرى في مقام الإنشاء من قبيل «أنت طالق» فإنها جملة خبرية اسمية، تستعمل بنفسها في مقام الإخبار تارة، و في مقام الإنشاء أخرى. و من قبيل «بعت الكتاب بدينار» فإنها جملة خبرية فعلية، تستعمل في مقام الإنشاء تارة، و أخرى في مقام الإخبار.

القسم الثاني: منها الجمل المتمحضة في الإنشاء من قبيل الجملة الاستفهامية «هل زيد عالم» فهذه الجملة لا تستعمل في مقام الإخبار بل في الاستفهام.

أمّا القسم الأول: فليس فيه شي‏ء جديد غير ما قلناه سابقا، فإن المدلول التصوري الوضعي في مقام الإنشاء و الإخبار واحد، و هو النسبة التامة التصادقية. و أمّا الإنشائية و الإخبارية فهي من شئون الدلالة التصديقية، بحيث إذا كان داعي المتكلم هو قصد الحكاية عن النسبة التصادقية، فهو في مقام الإخبار، فتكون إذن الجملة خبرية، و إن كان داعيه هو قصد اعتبار و إيجاد هذه النسبة اعتبارا، بحيث أن ما في نفسه هو قصد اعتبار الطلاق و البينونة بينه و بين زوجه، فحينئذ تكون الجملة إنشائية.

151

و أمّا القسم الثاني: الذي هو من قبيل قولنا «هل زيد عالم»، فهنا «زيد عالم» مدلولها الوضعي التصوري هو النسبة التامة التصادقية القائمة بين الطرفين الذهنيين، كما مر. و لكن الكلام في المدلول الوضعي التصوري لكلمة «هل». و مما لا شك فيه أن مدلولها هذا ليس هو الاستفهام ابتداء، بما هو مفهوم اسمي، فلا يمكن أن يقال بأن «هل» تدل على هذا المفهوم الاسمي استقلالا، و لكن لا إشكال في أنه يفهم من جملة هل زيد عالم الاستفهام إذن فلا بدّ من تصوير أنه كيف يفهم الاستفهام من هذه الجملة؟.

و يقال في هذا المقام: أن الاستفهام حقيقة قائمة بين المستفهم و بين النسبة التامة المستفهم عنها، فنتصور هنا نسبتين: إحداهما النسبة التامة التصادقية، و هي نسبة «زيد عالم»، و الأخرى نسبة ثانية قائمة بين الاستفهام و بين نسبة «زيد عالم»، و في تصوير هذه النسبة بناء على مسلك المشهور يوجد وجوه نذكر منها وجهين معقولين:

الوجه الأول: و هذا الوجه هو مختار (1) المحقق العراقي (قده)، و حاصله: إنّ «هل» تدل على هذه النسبة الثانية التي أحد طرفيها هي نسبة «زيد عالم» و الطرف الآخر هو الاستفهام بحيث أن الاستفهام بما هو مفهوم اسمي أخذ قيدا في مدلول «هل» المطابقي. «فهل» تدل على هذه النسبة، بحيث أن مدلولها المطابقي هو نسبة الاستفهام، و يكون الاستفهام قيدا في هذه النسبة.

و بهذا تمت العناصر الثلاثة النسبة و الطرفان. النسبة مدلول عليها «بهل» و أحد طرفي هذه النسبة هو الاستفهام الذي أخذ قيدا في مدلول «هل»، و الطرف الآخر للنسبة مدلول عليه بجملة «زيد عالم».

فبناء على هذا «هل» تدل على النسبة التي هي معنى حرفي بحيث أخذ فيه الاستفهام قيدا بما هو مفهوم اسمي، كما تقدم في هيئة «ضرب» التي تدل‏

____________

(1) بدائع الأفكار: الآملي: ج 1/ ص 63- 64- 65.

152

على النسبة الصدورية المأخوذ معها الذات المبهمة بما هي مفهوم اسمي قيدا في مدلول هيئة الفعل، فهنا أيضا كذلك مدلول «هل» نسبة مقيدة بأحد طرفيها، و الطرف الآخر مدلول عليه بزيد عالم، فالدال على الاستفهام هو نفس الدال على هذه النسبة الثانية أيضا تبعا و ضمنا.

الوجه الثاني: و هذا الوجه هو مختار المحقق الأصفهاني (قده) و حاصله‏ (1): إنّ الاستفهام حالة قائمة بين المستفهم و المستفهم عنه، بين خالد المستفهم و بين «زيد عالم» المستفهم عنه، و هذه الحالة هي حالة طلب الفهم ينتزع عنها مفهوم اسمي، و هو مفهوم الاستفهام. و في طول هذه الحالة ينشأ ربط مخصوص لا محالة بين المستفهم و القضية المستفهم عنها، بحيث يتحصل من ذاك الربط المخصوص معنى حرفي نسبي، و هذا المعنى الحرفي النسبي هو مفاد أداة الاستفهام.

ففي موارد الاستفهام عندنا أمران: حالة قائمة بين المستفهم و المستفهم عنه، و هذه الحالة ينتزع منها مفهوم اسمي مدلول عليه بلفظة الاستفهام، و في طول هذه الحالة يوجد ربط مخصوص بين المستفهم، و هو خالد، و المستفهم عنه و هو قضية زيد عالم. و هذا الربط المخصوص يتحصل منه معنى حرفي نسبي، مدلول عليه بلفظة «هل». و يعبّر عن هذا الربط المخصوص بالنسبة الاستفهامية، لكن لا يراد بها النسبة بين الاستفهام و القضية، بل النسبة و الربط المخصوص بين ذات المستفهم و القضية المستفهم عنها.

و هذا الوجه يختلف عن سابقه في حقيقة تلك النسبة و أطرافها، فالنسبة التي اختارها المحقق العراقي بأنها مفاد أداة الاستفهام، نسبة قائمة بين الاستفهام و القضية المستفهم عنها، و هذا بخلاف ما اختاره المحقق الأصفهاني، فهذه النسبة نسبة قائمة بين الذات المستفهمة و بين القضية المستفهم عنها. و هذه النسبة موازية مع الاستفهام، لا إنّ الاستفهام طرف لها،

____________

(1) نهاية الدراية- الأصفهاني: ج 1/ ص 30 بتصرف.