بحوث في علم الأصول - ج2

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
242 /
153

و يترتب على ذلك أن نفس مفهوم الاستفهام بناء على تصوير المحقق الأصفهاني خارج عن حريم مدلول «هل» و ليس مأخوذا حتى بنحو القيدية.

فمفاد «هل» عبارة عن النسبة الاستفهامية الموازية للاستفهام.

نعم كلمة «هل» تدل على مفهوم الاستفهام بالدلالة الالتزامية التصورية، باعتبار أن الربط المخصوص بين الذات المستفهمة و القضية المستفهم عنها، هو من نتائج الاستفهام. فأداة الاستفهام الموضوعة لإفادة ذلك الربط المخصوص تدل تصورا بالمطابقة على ذلك الربط، و تدل بالدلالة التصورية الالتزامية على مفهوم الاستفهام. و هذا بخلاف مبنى المحقق العراقي حيث أن الاستفهام كان مدلولا عليه بالدلالة التبعية الضمنية، باعتباره قيدا في المعنى.

تحقيق المطلب:

هناك تصوير ثالث لا يدع مجالا لهذين الوجهين في مقام تشخيص مفاد «هل» و أمثالها في الجمل الإنشائية، و حاصل هذا الوجه هو:

إنّ كلا الوجهين يشتركان في نكتة و هي أنه لا بد من تصوير نسبتين:

نسبة تصادقية تكون هي مفاد «زيد عالم»، و نسبة أخرى تكون هي مفاد أداة الاستفهام، و لكن هذا غير صحيح بعد التأمل في حقيقة النسبة التصادقية بالنحو الذي شرحناه، و توضيح ذلك:

إنّ النسبة التصادقية لها ثلاث أطراف و ذلك لان طرفين منها هما زيد و عالم، و الطرف الثالث هو ما فيه التصادق، لأن «زيد و عالم» مفهومان متغايران قائمان في عالم الذهن، و نحن نقول: إنّ هذين المفهومين بينهما تصادق، و ما فيه التصادق هو مقوّم ثالث للنسبة التصادقية، إذ لا يعقل التصادق بين هذين المفهومين المتغايرين، إلّا بوجود ما فيه التصادق، و بلحاظ وعاء من الأوعية. إذن فلا بدّ من لحاظ ما فيه التصادق حتّى يتم بذلك أركان النسبة التصادقية. و ما فيه التصادق يختلف: ففي القضايا الخبرية «زيد عالم» وعاء التصادق هو وعاء التحقق، حيث كلا الطرفين يتصادقان، و يتطابقان على‏

154

واقعة واحدة محفوظة في وعاء التحقق، و بهذا تكون الجملة خبرية، و في جملة هل زيد عالم» ما فيه التصادق هو وعاء الاستفهام، لا وعاء التحقق، كذلك في جملة «ليت الرسول يعود» يكون التصادق بلحاظ وعاء التمني، و هكذا يكون التصادق بلحاظ وعاء الترجي، فبحسب الحقيقة، إذا رجعنا إلى نفس النسبة التصادقية التي هي مفاد (زيد عالم) فمن أول الأمر نرى أنّ لها ثلاثة أركان: مصادق و مصادق عليه، و ما فيه التصادق.

و الفرق بين الجملة الإنشائية الاستفهامية مثلا و الجملة الخبرية، هو: إنّ وعاء التصادق في هذه الأخيرة هو وعاء التحقق بحسب النظر التصوري، و في الأولى وعاء التصادق بلحاظ وعاء آخر، و هو وعاء الاستفهام مثلا، أو بلحاظ وعاء التمني، أو وعاء الترجي، إلى غير ذلك من الأوعية.

إذن فليس عندنا نسبتان بل نسبة واحدة، و هي النسبة التصادقية التي دائما لها ثلاثة أطراف، و تعيين طرفها الثالث، و هو ما فيه التصادق، يكون في لغة العرب. فإن كان هو وعاء التحقق لا يحتاج إلى أداة مستقلة، و إن كان وعاء آخر من أوعية الاستفهام و الترجي و التمني، فيحتاج إلى أداة مستقلة، و لعلّه في لغة أخرى نفس وعاء التحقق يحتاج إلى أداة مستقلة.

و بهذا يتضح أن النسبة التصادقية لا تستكمل معناها بمجرد فرض طرفين حتى نحتاج بعد هذا إلى فرض نسبة ثانية في مقام تشخيص مفاد أداة الاستفهام، بل النسبة التصادقية لا تستكمل معناها إلّا بأطرافها الثلاثة، فحينئذ بالإمكان أن يجعل كلمة «هل» دالة على تعيين الطرف الثالث في نفس تلك النسبة التصادقية بلا حاجة إلى فرض نسبتين.

155

الموضوع له في الحروف و الهيئات عام أو خاص؟

صار واضحا إنّ الحروف و الهيئات موضوعة للنسب، فبعضها موضوع للنسب التحليلية التي يكون حاق موطنها الأصلي هو الخارج و بعضها موضوع للنسب الواقعية التي يكون حاق موطنها الأصلي هو الذهن. و الكلام الآن يقع في تشخيص أن الموضوع له في باب الحروف و الهيئات، هل هو عام أو خاص؟.

و الكلام في ذلك يقع في جهتين: فتارة يقع في موارد النسب الواقعية، و أخرى في موارد النسب التحليلية.

الجهة الأولى- موارد النسب الواقعية:

قبل البدء في تحقيق أن الموضوع له الحرف في هذه الجهة، هل هو عام أو خاص، لا بد و أن نعرف ما هو المراد بالعمومية، و الخصوصية؟:

و من الواضح بمكان أنه ليس المراد بكون الموضوع له الحرف عاما أو خاصا، بحيث يصدق على كثيرين في الخارج، أو عدم ذلك، لأن النسب الواقعية التي حاق موطنها هو الذهن، لا تصدق على الخارج أصلا. فمثلا النسبة الإضرابية، أو التأكيدية، أو التفسيرية، أو التصادقية، هذه كلها نسب واقعية، قائمة بين مفهومين ذهنيين في صقع الذهن، و أفقه، و في الخارج لا

156

يوجد شيئان بينهما نسبة، بل وجود واحد هو في نفس الوقت وجود لزيد و لعالم في قولنا «زيد عالم»، فالخارج وعاء الواقعة الواحدة، فهذه النسب الواقعية الذهنية لا معنى لأن يفرض أن لها أفرادا في الخارج حتى يقع الكلام في عموميتها و خصوصيتها، بحيث تصدق على كثيرين في الخارج، أو عدم صدقها على كثيرين في الخارج.

كما أنه ليس المراد بالعمومية و الخصوصية، ما أورده المحقق النائيني (قده) في بيان معنى العمومية و الخصوصية، حيث ذكر (قده) أن مدلول الحرف له طرفان لا محالة، و لا إشكال في أنّ الطرفين خارجان عن حريم المعنى الحرفي، و غير داخلين في مدلوله، و لكن يقع الكلام في أن تقيّد المعنى الحرفي بالطرفين، هل هو داخل في معنى الحرف، أو ليس بداخل؟.

فالقول: بأن الموضوع له عام يعني أن الطرفين خارجان قيدا و تقيّدا.

و معنى أن الموضوع له خاص: يعني إنّ التقيّد بالطرفين يكون داخلا و إن كان ذات الطرفين خارجا.

فالعمومية و الخصوصية، و إن كانت ليست بلحاظ الصدق على الخارج، بل هي بلحاظ عالم الذهن، بحيث أن العمومية معناها أن القيد و التقيّد كلاهما خارج عن حريم المعنى الحرفي، و الخصوصية معناها أنّ التقيد بالطرفين داخل في مدلول الحرف، و إن كان ذات القيد خارجا.

و كلامه (قده) ليس بصحيح، لأن كلامه يوهم بأنّ في موارد المعنى الحرفي يوجد معنى حرفي مقيّد، و طرفان، و هما: القيد و شي‏ء ثالث و هو التقيد، مع أن المعنى الحرفي بنفسه مرتبط بالطرفين و ليس ارتباطه بالطرفين يكون بتقيّد آخر زائد على نفسه، فإنّ المعني الحرفي امتيازه عن المعنى الاسمي، هو أنه بذاته و عمقه ربط و شد بين الطرفين، فلا يوجد بين هذا الربط، و بين طرفي الربط، تقيّد و ربط آخر، و إلّا لاحتاج هذا التقيد إلى تقيد و ربط آخر و هكذا.

157

فليس عندنا في باب المعنى الحرفي ثلاثة أشياء حتى يقال بأن معنى العمومية عبارة عن خروج التقيّد و القيد معا، و معنى الخصوصية دخول التقيد و خروج القيد، إذن فهذا التعبير في تفسير العمومية و الخصوصية غير صحيح، كما أنّ التعبير السابق بمعنى أن العمومية و الخصوصية ملحوظة باعتبار الصدق على كثيرين في الخارج، و عدم الصدق على كثيرين في الخارج، هذا التعبير أيضا غير صحيح.

و الذي ينبغي أن يقال في المقام: إنّ هذه النسب الواقعية التصادقية، هل يتصور بينها جامع حقيقي مع إلغاء خصوصيات الطرفين، أو لا يتصور ذلك؟.

فإن تصورنا جامعا بين نفس النسب التصادقية، أو النسب الإضرابية، أو التأكيدية، حينئذ يكون الموضوع له عاما، و يكون جامعيته بلحاظ الصدق على كثيرين في نفس وعاء الذهن، باعتبار أن هذا الجامع ينطبق على نسب تصادقية كثيرة.

و أما إذا لم نتعقل الجامع بين النسب التصادقية، أو بين النسب الإضرابية، حينئذ لا يكون له أفراد كثيرين في الذهن، فالموضوع له خاص حينئذ.

و الصحيح إنّ هذا الجامع مستحيل، كما أوضحنا ذلك في بيان المسلك الثالث من مسالك المشهور في المعنى الحرفي. فإنّ النسبة التصادقية، و غيرها من النسب الواقعية، هي متقومة بشخص طرفيها كما مرّ سابقا بالبرهان، بحيث أنها في مرتبة ذاتها مرتبطة بشخص هذا الطرف، و بشخص ذلك الطرف.

فحينئذ، إن أريد انتزاع جامع حقيقي بين نسبتين تصادقيتين، فإما أن تلغى خصوصيات الأطراف، و إما أن يتحفّظ عليها:

فإن تحفظنا على خصوصيات الأطراف، استحال انتزاع الجامع لأن تلك الخصوصيات متباينة، و مع أخذها في النسب تكون النسب أيضا متباينة، فيستحيل أخذ الجامع.

158

و إن ألغينا خصوصيات الأطراف فقد ألغينا النسبة نفسها لأنها متقومة ذاتا بشخص هذين الطرفين، إذن فلم نحصل على شي‏ء ليكون جامعا.

فبهذا البرهان يمتنع الجامع الذاتي بين النسب الواقعية، و حينئذ يتعين أن يكون الحرف موضوعا بإزاء أفراد هذه النسب في عالم الذهن، و هذا هو معنى أن الموضوع له خاص، و على هذا يتعين أن يكون الوضع عاما و الموضوع له خاصا، و ذلك بأن يتصور الواضع مفهوما إجماليا، و يشير به إلى أشخاص النسب التصادقية، أو إلى أشخاص النسب الإضرابية، أو غير ذلك من النسب الواقعية، و يضع اللفظ بإزاء أولئك الأشخاص، فيكون الوضع عاما و الموضوع لها خاصا.

الجهة الثانية- موارد النسب التحليلية:

لقد مرّ بنا سابقا، أن كل نسبة يكون موطنها الأصلي هو الخارج، و يكون الحرف دالا عليها، تكون نسبة تحليلية لا واقعية، قائمة في صقع الذهن، بل في الذهن وجود واحد مركب، أحد أجزائه التحليلية هو النسبة كما في قولنا «النار في الموقد»، حينئذ يقع الكلام، في أن الموضوع له الحرف عام أو خاص.

و بحسب الحقيقة لا بد من الكلام بنحو أسبق من ذلك، و هو: إنّ الحرف ليس له وضع مستقل بنفسه، فالبحث في أن الموضوع له الحرف ما هو، فالحقيقة إنّ هذا البحث فرع التسليم بأن الحرف له وضع مستقل في نفسه. و من الواضح أن الحرف ليس له وضع مستقل بحيث تكون جملة «النار في الموقد» لها ثلاثة معان بنحو تعدد الدال و المدلول بمعنى وجود ثلاث انتقالات ذهنية، مع أنه برهنا على عدم وجود ثلاثة انتقالات و وجودات، فلا يوجد في عالم الذهن بإزاء هذه الجملة إلّا وجود لحاظي و انتقالي واحد.

حينئذ يقع الكلام في هذا الوضع الوحداني لهذه الجملة، و لا شك في أن هذا الوضع هو بنحو الوضع العام، و الموضوع له الخاص لأن الواضع بعد أن‏

159

وضع النار لمعناها، و الموقد لمعناه، وضع الجملة بكاملها لمعناها الوحداني.

بحيث أحد أجزائه هو النسبة التحليلية المدلول عليها بالحرف، و هي النسبة الظرفية.

و عليه يكون الوضع عاما، و الموضوع له خاصا. أمّا إنّ الوضع عام، فلأن الواضع حين الوضع لم يتصور تمام الحصص «فلم يتصور زيدا في الحديقة، و عمرا في الدار، و النار في الموقد» و إنما تصور مفهوما إجماليا يشير إلى هذه الحصص، و وضع الجملة لواقع تلك الحصص، فيكون الوضع عاما و الموضوع له خاصا.

و بهذا تم الكلام في الأمر الثاني، حيث انتهينا من الوضع مع تمام تبعاته، و بعد ذلك يقع الكلام في الأمر الثالث من الأمور التي ذكرها صاحب الكفاية (قده).

160

الأمر الثالث الاستعمال المجازي‏

لا إشكال في أن اللفظ له دلالتان اقتضائيتان: دلالة اقتضائية على المعنى الحقيقي، و دلالة اقتضائية على المعنى المجازي، كما أنه لا إشكال في أن الدلالة الثانية في طول الدلالة الأولى، بمعنى أنّ صيرورة الدلالة الثانية فعلية متوقف على وجود مانع عن فعلية الدلالة الأولى و إلّا لو لم يكن هناك مانع عن فعلية الدلالة الأولى للفظ على المعنى الحقيقي، فسوف تصبح تلك الدلالة فعلية و لا تصل النوبة إلى الدلالة على المعنى المجازي، كما أنه لا إشكال في أن الدلالة الأولى محتاجة إلى العناية الوضعية، فلا بد في حصول تلك الدلالة من وضع اللفظ للمعنى الحقيقي. فلو لم يكن لفظ (أسد) موضوعا للحيوان المفترس، لما كان له دلالة شأنية عليه. و إنما الكلام يقع في الدلالة الثانية، فهل دلالة لفظة (أسد) على الرجل الشجاع أيضا، يحتاج إلى عناية زائدة، أو يكفي لحصول تلك الدلالة نفس وضع اللفظ للمعنى الحقيقي؟.

ففي المقام مسلكان: حيث ذهب بعضهم إلى لزوم عناية إضافية زائدة، و ذهب آخرون إلى عدم لزوم ذلك. و هذا الخلاف بين المسلكين ينبغي أن يكون في مجاز الكلمة، لا في المجاز السكّاكي، لأن التجوز على قسمين:

قسم من التجوز يكون تجوزا في الكلمة بحيث يؤتي بلفظة (أسد) و يراد بها غير معناها الحقيقي، و هو تجوز في مرحلة الاستعمال.

161

و هناك قسم آخر من التجوز يكون في مرحلة التطبيق و الادّعاء، و ذلك بأن يفرض أن كلمة (أسد) قد استعملت في معناها الموضوع له، و هو مفهوم الحيوان المفترس. و لكن ادّعى عناية أن زيدا فرد من الحيوان المفترس لشدة مشابهته في الشجاعة له، فيطبّق المفهوم على مصداقه الخارجي، و القسم الثاني من التجوز خارج عن محل النزاع. فإن اللفظ قد استعمل في معناه الموضوع له بلا عناية زائدة على كون اللفظ موضوعا لمعناه الحقيقي، و إنما العناية أعملت في مقام تطبيق المفهوم على غير مصداقه الحقيقي. فالعناية المبذولة عناية عقلية، و ليست عناية لفظية و استعمالية.

فالخلاف بين المسلكين في القسم الأول من التجوز، فيما إذا استعملت لفظة (أسد) في مفهوم آخر مباين للمفهوم الذي وضعت له، فحينئذ يقال بأن هذا الاستعمال هل يحتاج تصحيحه إلى عناية إضافية زائدة على وضع اللفظ للمعنى الحقيقي، أو لا يحتاج إلى ذينك المسلكين؟.

162

المسلك الأول‏

و هو القائل بلزوم عناية إضافية في مقام تصوير و تصحيح استعمال اللفظ في المعنى المجازي، هذا المسلك يمكن تقريبه بعدة وجوه:

الوجه الأول:

ما ذكره السيد الأستاذ، و حاصله‏ (1): إنّ هناك عناية زائدة تكون هي المصححة لاستعمال اللفظ في المعنى المجازي. و هذه العناية هي وضع اللفظ للمعنى المجازي، و لكن وضعا مشروطا لا وضعا مطلقا، و توضيح ذلك:

بناء على مسلك التعهّد في الوضع، فاللفظ كما يكون موضوعا للمعنى الحقيقي، بمعنى أنّ الواضع يتعهد متى ما أتى بلفظ (أسد) يقصد الحيوان المفترس، كذلك اللفظ موضوع للمعنى المجازي أيضا، بمعنى أنّ الواضع يتعهد متى ما قصد تفهيم الرجل الشجاع أتى بلفظ (الأسد) مقرونا بالقرينة.

فالوضع الأول مطلق و الثاني مقيّد بالقرينة. و هذا هو معنى الأوضاع المشروطة للمعنى المجازي. فكل لفظ موضوع للمعنى المجازي، فهو مشروط و مقيّد بوجود القرينة. و من أجل هذا لو فرض أن اللفظ لم يؤت معه بالقرينة. يحمل على المعنى الحقيقي لا محالة، باعتبار أن وضعه للمعنى المجازي مقيّد

____________

(1) محاضرات فياض: ج 1/ ص 94.

163

بفرض وجود القرينة، فمع عدم وجود القرينة يحمل على المعنى الحقيقي.

و يرد على ذلك:

أ- إنّه ما هو المقصود من هذا الوضع، و من هذا التعهد؟. فإن كان المقصود هو انتقال ذهن السامع إلى مراد المتكلم في فرض وجود القرينة، فهذا الوضع لغو، لأن القرينة بنفسها تكفي لتعيين مراد المتكلم، و إن كان الغرض هو انتقال ذهن السامع إلى مراد المتكلم في فرض عدم وجود القرينة.

فهذا الوضع لا يكفي لذلك، لأنه مشروط بالقرينة. فمع عدمها لا يوجد هذا الوضع ليكون موجبا للانتقال، فهو لغو.

ب- إنّ من نتائج هذا الوضع المشروط بوجود القرينة، صحة استعمال اللفظ في المعنى المجازي، فلا يصح هذا الاستعمال إلّا مع وجود الشرط فصحته موقوفة على وجود شرط الوضع و هو القرينة، مع أنه من الواضح أن استعمال اللفظ في المعنى المجازي في نفسه، صحيح حتى بلا قرينة، غاية الأمر أن بابه باب الإجمال فيما إذا كان المتكلم يريد أن يخفي مقصوده، و لا يوضح مراده. فيمكن أن يستعمل اللفظ في المعنى المجازي بلا قرينة.

إذن فهذا يكشف عن أنّ صحة استعمال اللفظ في المعنى المجازي لها منشأ أوسع من هذا الوضع المشروط، إذ لو كان منشؤها هذا الوضع المشروط، لاختصّت الصحة بما إذا وجد الشرط و هو غير لازم كما هو واضح.

الوجه الثاني:

و حاصل هذا الوجه في تصوير العناية الإضافية، هو أن يقال بوضع مطلق نوعي، بحيث يلتزم بأن لفظ (الأسد) موضوع لكلا المعنيين للحيوان المفترس، و للرجل الشجاع بوضعين مطلقين بدون تقييد بالقرينة، غاية الأمر أن اللفظ موضوع للحيوان المفترس، بما هو حيوان مفترس، بعنوانه الأصلي، و موضوع للرجل الشجاع، لا بما هو رجل شجاع، بل بما هو مناسب للحيوان‏

164

المفترس. و لهذا كان وضعا نوعيا، لأن الواضع لم يضع كل لفظ لكل معنى من معانيه المجازية، بل بنحو واحد وضع كل لفظ لما يناسب معناه الحقيقي.

فيكون عندنا وضعان: وضع للحيوان المفترس بعنوانه الأصلي، و وضع للرجل الشجاع لا بعنوانه، بل بما هو مناسب، و مشاكل للحيوان المفترس.

و يرد على هذا الوجه:

لزوم العرضية بين الدلالتين: بين دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي، و دلالته على المعنى المجازي. و لا يمكن تصوير كون دلالة اللفظ على المعنى المجازي أنها فرع عدم تمامية دلالته على المعنى الحقيقي، لأن حال اللفظ بناء على هذا الوجه يكون حال لفظ له معنيان في عرض واحد يستوجب عرضية الدلالتين، فلما ذا تكون دلالة اللفظ على المعنى المجازي في طول بطلان دلالته على المعنى الحقيقي!. بل بناء على هذا الوجه، لا يمكن أيضا تصوير الطولية بين نفس المعاني المجازية، مع أنه لا إشكال في أن دلالة اللفظ على المعنى المجازي الفلاني، إنما هو في طول عدم تمامية دلالته على المعنى المجازي الأقرب. فإذا كان ميزان الدلالة هو الوضع، و الوضع نسبته إلى تمام المعاني المجازية على حد واحد، إذن كيف نتصور الأقربية و الأبعدية!. فهذا الوجه غير تام لأنه لا يفسّر طولية المعاني المجازية بالنسبة إلى المعنى الحقيقي في عالم الدلالة، و لا يفسّر الطولية في نفس المعاني المجازية بعضها مع بعض.

الوجه الثالث:

و يقال في هذا الوجه: إنّ العناية الزائدة هي عبارة عن أن قدماء اللغة و مؤسسيها، قد فتحوا باب المجاز، و استعملوا اللفظ في المعاني المجازية، فلو فرض أن قدماء اللغة قد استعملوا اللفظ في المعنى المجازي، صحّ لنا أن نستعمل، و إذا لم يكونوا قد استعملوه، فلا يصح لنا أن نستعمل.

165

و قد ذكر المحقق العراقي‏ (1) الذي اختار هذا الوجه في مقام تقريبه، إنه إذا لم يكن هذا الاستعمال قد جرى على لسان قدماء اللغة العربية مثلا، إذن فلا يكون هذا الاستعمال عربيا، لأن المراد من كونه عربيا أنه جار على طبق ما كان يستعمل العرب، فإذا لم يكن العرب قد استعملوه، فلا يكون هذا عربيا، و هذا هو معنى عدم صحة الاستعمال.

و هذا الوجه أضعف من سابقيه، و ذلك لأننا ننقل الكلام إلى أولئك القدماء الأولين الذين استعملوا اللفظ في المعنى المجازي، فهل كان استعمالهم مستندا إلى وضع، أو بلا وضع اكتفاء بالطبع؟.

فإن كان مستندا إلى وضع، إذن رجع الأمر إلى الوجهين السابقين.

و إن كان صحيحا بلا وضع، باعتبار أن نفس وضع اللفظ للمعنى الحقيقي، يكفي لتصحيح الاستعمال في المعاني المجازية، إذن فنفس ما صحّح لهم الاستعمال، يصحّح لنا كذلك في عرض واحد، بلا حاجة إلى توقف على صدور الاستعمال منهم.

و أمّا دعوى أنه لو لم يصدر الاستعمال منهم لما كان عربيا: فهذه الدعوى غير صحيحة، لأن المراد من الكلام العربي هو ما كان صحيحا بلحاظ أوضاع اللغة العربية، لا الكلام الذي يكون بشخصه قد جرى على لسان العرب الأوائل. فهذا الوجه غير تام.

الوجه الرابع:

و هذا الوجه يظهر من كلام صاحب الكفاية (2) (قده) كأنّه فسّر هذه العناية الزائدة بالترخيص من قبل الشارع- الواضع- فقال: بأن استعمال اللفظ في المعنى المجازي، يتوقف على إذن الواضع و ترخيصه في ذلك. فإن هو رخص‏

____________

(1) بدائع الأصول- الآملي: ج 1/ ص 87.

(2) كفاية الأصول- مشكيني ج ص 19.

166

صحّ الاستعمال، و إلّا فلا يصح الاستعمال.

و لكن نسأل: ما هو المراد من الترخيص هنا؟.

فإن كان المراد به الترخيص التكليفي: فمن المعلوم أن الترخيص التكليفي شأن من شئون المولى الذي تجب إطاعته، و الواضع بما هو واضع ليس مولى تجب إطاعته حتى تنفذ ترخيصاته و نواهيه.

و إن كان المراد به الترخيص الوضعي، بمعنى جعل الصحة للاستعمال:

فصحة الاستعمال ليست أمرا مجعولا بالاستقلال بنفسه، من قبيل الصحة في باب العبادات و المعاملات، بل هي مجعولة تبعا للوضع، فيرجع الأمر إلى الوضع، و قد تقدم الكلام في ذلك.

الوجه الخامس:

و حاصله الالتزام بوضعين: وضع اللفظ للمعنى الحقيقي، و وضع اللفظ للمعنى المجازي، كما هو الحال في الوجه الأول، لكن يختلف عنه في نكتة و هي: إنّ الوضع المدّعى للمعاني المجازية في الوجه الأول، كان مشروطا بالقرينة. لكن هنا الوضع للمعاني المجازية مشروط لا بالقرينة، بل بعدم إرادة المعنى الحقيقي سواء نصب قرينة أو لم ينصب قرينة.

فتغيير صيغة الشرط يوجب اندفاع كلا الإشكالين الواردين على الوجه الأول.

فلا يرد الاعتراض هنا باللغوية. لأن مجرد عدم إرادة المعنى الحقيقي ليس كافيا لانفهام المعنى المجازي، فيكون الوضع هنا ذا أثر في مقام التفهيم.

كذلك لا يرد اعتراض الإجمال فيما إذا كان غرض المتكلم الإجمال و الإبهام، لأن الشرط هنا ليس شرط نصب القرينة، بل هو عدم إرادة المعنى الحقيقي.

167

فصحة الاستعمال تكون دائرتها مطابقة مع دائرة هذا الشرط، و مع دائرة هذا الوضع، و لا تكون أضيق منها.

و لكن يرد على هذه الصيغة بهذا الطرز من التعبير و هو: إنّ اللفظ موضوع بوضعين: لفظ (الأسد) موضوع للحيوان المفترس مطلقا، و موضوع للرجل الشجاع بقيد عدم إرادة المعنى الحقيقي.

إذن فلو صدر اللفظ من النائم، أو من اصطكاك حجرين، يلزم أن يكون هذا اللفظ موردا لكلا الوضعين، لأنه موضوع للحيوان المفترس بمقتضى الوضع الأول المطلق، و موضوع للرجل الشجاع حين لا يراد به المعنى الحقيقي- و هنا لم يرد به المعنى الحقيقي- بمقتضى الوضع الثاني المقيد بعدم إرادة المعنى الحقيقي، فهذا اللفظ موضوع لكلا المعنيين في عرض واحد، و يلزم أن تكون دلالته على كل منهما بالدلالة التصورية على نحو واحد، مع أنه لا إشكال في أنّ دلالته التصورية على المعنى الحقيقي أقوى و آكد من دلالته التصورية على المعنى المجازي.

إذن هذه الصيغة لهذا الوجه غير تامة ما لم تضف إليها عنايات إضافية.

و صفوة القول في إبطال المسلك الأول، و تعيين المسلك الثاني: إنّ هذه العناية المدعاة إمّا أن توجب دلالة عرضية، أو دلالة طولية:

فإن أوجبت دلالة عرضية فهذا خلاف الأصل الخارجي المسلّم، و هو: إنّ دلالة اللفظ على المعنى المجازي في طول عدم انعقاد دلالته على المعنى الحقيقي.

و إن أوجبت دلالة طولية بحيث لا تصل النوبة إلى الدلالة على المعنى المجازي إلّا بعد سقوط الدلالة على المعنى الحقيقي، فهذا لا يحتاج إلى العناية الزائدة، بل هذا يكفي فيه نفس وضع اللفظ لمعناه الحقيقي، و هذا ما سوف نذكره في المسلك الثاني:

168

المسلك الثاني‏

و هو عدم لزوم العناية الإضافية الزائدة في تصحيح استعمال اللفظ في المعنى المجازي، بل نفس وضع اللفظ لمعناه الحقيقي كاف لذلك و بيانه:

تقدم فيما سبق أن الوضع إنما يوجب دلالة اللفظ على المعنى، باعتبار كونه سببا في اقتران اللفظ مع المعنى، و هذا الاقتران الأكيد الشديد بين اللفظ و المعنى، يوجب انتقال الذهن تصورا من اللفظ إلى المعنى. و هناك اقتران آخر تكويني لا يحتاج إلى وضع واضع بين المعنى و معنى آخر، بين الحيوان المفترس و الرجل الشجاع، بل نشأ من الأعراف الخارجية.

فعندنا اقترانان طوليّان: اقتران اللفظ مع الحيوان المفترس نشأ من الوضع. و اقتران الحيوان المفترس مع الرجل الشجاع.

هذان الاقترانان، ينتجان اقترانا بين اللفظ و الرجل الشجاع، لأن المقترن بالمقترن، مقترن، لكن هذا الاقتران الغير مباشر أضعف من اقتران اللفظ بالحيوان المفترس، و ذلك لأن اقتران اللفظ بالرجل الشجاع كان بتوسط الحيوان المفترس، و كلما كثرت الوسائط كان الانتقال أضعف. و كل من هذين الاقترانين منشأ لدلالة: فالأول منشأ لدلالة اللفظ على المعنى الحقيقي، و الثاني منشأ لدلالة اللفظ على المعني المجازي. و لما كان الأول أقوى من‏

169

الثاني، كانت دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي أقوى و آكد من دلالته على المعنى المجازي.

و الشي‏ء نفسه نقوله في المعاني المجازية بعضها مع بعض: فإن اقتران المعنى المجازي مع المعنى الحقيقي ليس دائما بدرجة واحدة، بل بعض المعاني المجازية أشدّ التصاقا بالمعنى الحقيقي من بعضها الآخر. فكلّما كان المعنى المجازي أشدّ التصاقا بالمعنى الحقيقي، كان اقترانه غير المباشر مع اللفظ أقوى من الاقتران الغير مباشر لمعنى مجازي آخر. و بهذا الترتيب تفسّر دلالة اللفظ على المعنى المجازي بلا عناية زائدة، و يظهر وجه الطولية بين الدلالة على المعنى المجازي و الدلالة على المعنى الحقيقي، و يظهر أيضا وجه الطولية في نفس المعاني المجازية بين بعضها و البعض الآخر.

فالصحيح إذن هو المسلك الثاني و هو: إنّ صحة الاستعمال في المعنى المجازي، لا يحتاج إلى عناية زائدة، لأنها:

إن أريد بها جعل دلالة عرضية للمعنى المجازي، فهو خلف الواقع.

و إن أريد بها جعل دلالة طولية للفظ على المعنى المجازي فهذا حاصل بلا عناية زائدة، باعتبار اجتماع اقتران طبيعي مع اقتران وضعي.

فاجتماع هذين الاقترانين ينتج دلالة اللفظ على المعنى المجازي بلا حاجة إلى العناية الإضافية. و بهذا تم الكلام في الأمر الثالث.

170

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

171

الأمر الرابع الإطلاق الإيجادي‏

كان الكلام في تصحيح استعمال اللفظ في المعنى المجازي، و الاستعمال عبارة عن جعل ذهن السامع ينتقل من الحاكي إلى المحكي، و الكلام في الأمر الرابع يقع في مقابل الاستعمال، و هو الإطلاق الإيجادي الذي مفاده جعل ذهن السامع ينتقل ابتداء إلى الموضوع.

و الكلام في الإطلاق الإيجادي: تارة يقع كبرويا، و أخرى صغرويا بلحاظ المصاديق و الأمثلة، فالكلام يقع في مقامين:

المقام الأول: كبرى الإطلاق الإيجادي.

لا إشكال في أنّ إحضار الشي‏ء في ذهن السامع له وسيلتان: حكائية و إيجادية.

و الوسيلة الحكائية: لإحضار الشي‏ء في ذهن السامع مفاده: أن يؤتى بلفظ حاك عن ذاك الشي‏ء. فذهن السامع ينتقل أولا إلى الحاكي، و ثانيا من الحاكي إلى المحكي.

و الوسيلة الإيجادية لإخطار الشي‏ء في ذهن السامع: عبارة عن إيجاد ذلك الشي‏ء خارجا في معرض إحساسه و شعوره. فجعله كذلك يكون سببا في انتقاش صورته الذهنية في ذهن السامع.

172

فمثلا حينما يسألني سائل عمّا في يدي، فتارة أقول سبحتي، و هذا إخطار لصورة السبحة بنحو حكائي، لأن ذهن السائل ينتقل إلى اللفظ الحاكي، و منه إلى المعنى المحكي، فهنا انتقالان ذهنيان. و أخرى أفتح يدي، و أريه السبحة، و هذا إخطار للمعنى بنحو إيجادي مباشر، لأن ذهن السائل لا ينتقل من شي‏ء إلى السبحة، بل ينتقل إليها ابتداء، فهنا انتقال ذهني واحد.

و من الواضح أن إخطار المعنى بالوسيلة الحكائية، هو الاستعمال الذي يحتاج إلى مصحّح، لأن يحكي شي‏ء عن شي‏ء آخر. و هذا المصحّح: إمّا الوضع كما هو الحال في باب الحقيقة، و إمّا الطبع كما هو الحال في باب المجاز.

و أمّا إخطار المعنى بالوسيلة الإيجادية فهذا لا يحتاج إلى المصحّح الوضعي، و لا الطبعي، بل إنّ نفس القضية تكوينا تقتضي أن كل إنسان إذا أحسّ بشي‏ء انتقشت صورته في ذهنه، فهناك ملازمة تكوينية بين الإحساس بالشي‏ء، و انتقاش صورته في الذهن.

و من الواضح أن الوسيلة الإيجادية هي الوسيلة الأولية في مقام إحضار المعنى، فإن الإنسان يتاح له الوسيلة الإيجادية باعتبار هذه القضية التكوينية، بقطع النظر عن كل لغة، و عن وضع كل واضع.

و أما الوسيلة الحكائية فهي وسيلة ثانوية في المقام لاحتياجها إلى عناية وضع، أو عناية طبع.

و هناك فرقان أساسيان بين الوسيلتين:

الفرق الأول: مفاده أن الوسيلة الإيجادية لا يمكننا اتخاذها إلّا فيما إذا كان المعنى المراد إحضاره في الذهن معنى جزئيا خاصا، بخلاف الوسيلة الحكائية، فإنها تفيد حتى في إحضار المعنى العام.

و توضيح ذلك: أن في موارد الوسيلة الإيجادية نوجد شيئا بقصد إخطاره‏

173

في ذهن السامع، و من الواضح أن ما نوجده دائما يكون فردا جزئيا خاصا لأن الكلي على سعته، لا يعقل إيجاده في الخارج. و حينئذ لا يمكن أن نحصل إلّا على الصورة الذهنية في ذهن السامع لهذا الفرد الجزئي الخاص، و توهم أننا بإيجاد الفرد قد أوجدنا الكلي أيضا، لأن الكلي موجود بوجود فرده، فلما ذا لا نحصل على صورة ذهنية للكلي في ذهن السامع! هذا التوهم مدفوع، لأننا أوجدنا الكلي في ضمن الفرد بوجود تحليلي ضمني، فتكون الصورة الذهنية عند السامع موازية و مطابقة للوجود الخارجي الجزئي، فكما أن الكلي في هذا الإيجاد الخارجي، كان كليا (بشرط شي‏ء) كذلك الكلي المحفوظ في الصورة الذهنية، هو كلي (بشرط شي‏ء) لا الكلي بحدّه، و من المعلوم أن الصورة الذهنية للكلي (بشرط شي‏ء) مباينة للصور الذهنية للكلي (لا بشرط). نعم يمكن جعل هذه الصورة الذهنية للكلي (بشرط شي‏ء) مقدمة إعدادية لذهن السامع لينتقل منها إلى صورة ذهنية للكلي (لا بشرط)، و هذا بابه باب الحكاية، لا باب الإيجاد. لأن هنا انتقالين ذهنيين و هذا باب الحكاية.

و أما في الوسيلة الحكائية فالأمر يختلف باختلاف الوضع و الجعل: فقد يكون اللفظ موضوعا للجزئي فيحكي عنه، و قد يكون موضوعا للكلي فيحكي عنه.

و الفرق الثاني بين الوسيلتين: إنّه في موارد الوسيلة الإيجادية إذا أردنا أن نحضر معنى في ذهن السامع بالإيجاد، ثم نجعله موضوعا في قضية، فنحكم عليه بحكم، فمثلا: لو فرضنا أننا أتينا (بتاريخ الطبري)، و نريد أن نحكم عليه بأنه كتاب، فبدلا من أن نقول: تاريخ الطبري كتاب، الذي هو الوسيلة الحكائية، نأتي بنفس (تاريخ الطبري) أمام السامع و نقول: (هذا كتاب).

و هنا لا بد من الالتفات إلى نكتة، و حاصلها: إنه في مقام الحصول على قضية في ذهن السامع، نحتاج إلى إحضار موضوع القضية، و محمولها، و النسبة ما بينهما، حينئذ أمّا المحمول فقد احضرناه بالوسيلة الحكائية، و أمّا

174

الموضوع فقد أحضرناه بالوسيلة الإيجادية، و أمّا النسبة بين المحمول و الموضوع، لا بدّ و أن تحضر بالهيئة القائمة بينهما، و دلالة الهيئة على النسبة دلالة حكائية تحتاج إلى الجعل و الوضع، و حينئذ لا بدّ من البحث في أن الهيئة التي وضعت للدلالة على النسبة بين المحمول و الموضوع، هل هي الهيئة القائمة بين وسيلتين حكائيتين، أو الأعم من ذلك، و من الهيئة القائمة بين المجموع المركب من وسيلة حكائية، و وسيلة إيجادية؟.

فإذا فرضنا أن الهيئة الموضوعة للدلالة على النسبة بين الموضوع و المحمول، إنما هي الهيئة القائمة بين وسيلتين حكائيتين، إذن فتشكيل جملة، و التوصل إلى قضية بالتلفيق بين إحضار الموضوع إيجاديا، و إحضار المحمول إخطاريا حكائيا، يكون خطأ، و ذلك لأن الذي يدل على النسبة، إنما هو الهيئة، و المفروض أن الهيئة القائمة بالمجموع المركب من اللفظ و الخارج، ليست موضوعة لمعنى. حينئذ هذه الجملة لا تكون دالة على معنى.

إذن فلا بدّ من البحث في أن الهيئة القائمة بين الوسيلة الإيجادية، و بين الوسيلة الحكائية، وضعت للنسبة أيضا، أو لم توضع للنسبة؟. فإن كانت قد وضعت للنسبة: حينئذ يمكن التوصل إلى قضية معنوية ذات أجزاء ثلاثة عن طريق إحضار بعض أجزائها بالوسيلة الإيجادية، و البعض الآخر بالوسيلة الحكائية.

و إن لم تكن هذه الهيئة قد وضعت للنسبة، إذن لا يمكن التوصل إلى القضية عن هذا الطريق.

هذان فرقان أساسيان لا بد من الالتفات إلى نكتتهما لننتقل من بحث المقام الأول و هو الكبرى إلى بحث المقام الثاني و هو بحث الصغرى:

المقام الثاني: صغرى الإطلاق الإيجادي:

و البحث في هذا المقام يقع في جهتين:

175

الجهة الأولى: في إطلاق اللفظ، و إرادة نوعه، و صنفه، و مثله.

الجهة الثانية: في إطلاق اللفظ، و إرادة شخصه.

الجهة الأولى:

أما الجهة الأولى، و هي إطلاق اللفظ و إرادة نوعه و صنفه و مثله: فقد ذهب بعضهم إلى أن إطلاق اللفظ، و إرادة النوع، أو الصنف، هذا بابه باب الإيجاد، و ليس باب الحكاية، بل ذهب السيد الأستاذ (1) إلى أنّ إطلاق اللفظ و إرادة المثل أيضا من باب الإيجاد، و ليس من باب الحكاية. و قالوا في تقريب ذلك: إنّ الوسيلة الحكائية إنما تعتمد فيما إذا كان إيجاد الموضوع خارجا متعذرا. و أما إذا كان بالإمكان إيجاد نفس الموضوع خارجا، فلا معنى لتبعيد المسافة، و إيجاد أمر حاك عنه، و في المقام: إن كان الموضوع هو النوع فيمكن إيجاده، لأن النوع كلي، و الكلي يوجد بوجود فرده، و كذلك الحال فيما إذا كان الموضوع هو الصنف و المثل، غاية الأمر أن الموضوع حينئذ بحاجة إلى تقييد، لأن الموضوع ليس هو «ضرب» على الإطلاق، بل مقيد «في ضرب زيد». ففي الصنف و في المثل، الموضوع هو عبارة عن الجامع المقيّد، فالجامع أوجد بنفسه، و تقييده بصنف مخصوص، أو بمثل مخصوص، هذا مدلول عليه بالحرف، فنقول: «ضرب في ضرب زيد».

و هكذا رجع الأمر في الثلاثة إلى باب الإيجاد، لا الحكاية.

و لكن يتضح على ضوء الفارق الأول في المقام الأول: إنّ هذا الكلام غير معقول، و ذلك لأننا حينما نوجد النوع فنقول: «ضرب فعل ماض» مثلا، فقد أوجدنا النوع بإيجاد فرده، و لكن لا يمكن بهذا أن نحصل على الصورة الذهنية للكلي في ذهن السامع، إلّا بنحو مطابق لما أوجدناه خارجا و المفروض أننا أوجدنا كليا خاصا مقيدا، أوجدنا الطبيعة في ضمن فرد

____________

(1) محاضرات فياض: ج 1/ ص 95.

176

مخصوص، فيكون وجود الطبيعة في الصورة الذهنية، وجودا تحليليا ضمنيا على نحو وجود الطبيعة في الفرد الذي أوجدناه خارجا. و بهذا لم نحصل على ما هو موضوع القضية، لأننا نريد أن نشكّل قضية موضوعها هو الكلي و الطبيعي، و هذا أمر مستحيل بالوسيلة الإيجادية.

نعم لو جعلنا الصورة الذهنية للكلي المقيّد، مقدمة إعدادية لينتقل الذهن منها إلى صورة الكلي بحدّه وسعته، فهذا معقول، لكن هذا بابه باب الحكاية، لا باب الإيجاد، كما قلنا في الفارق الأول في المقام الأول.

إذن، فإطلاق اللفظ، و إرادة نوعه، كونه من باب الإيجاد، هذا غير معقول. و منه يظهر حال ما ذهبوا إليه من أن إطلاق اللفظ، و إرادة صنفه، أو مثله، هذا بابه باب الإيجاد، فأصل الجامع أوجدوه بنفسه، و تقييده بالصنف أو بالمثل دلّ عليه الحرف، هذا أيضا كلام غير معقول، لأننا نسأل:

إنّ الحرف دلّ على تقييد أي شي‏ء. هل دلّ على تقييد الوجود الخارجي؟. و هذا مستحيل، لأن الوجود الخارجي جزئي، لا يقبل الإطلاق و التقييد كما هو واضح.

و إن قيل بأنه يدل على تحصيص و تضييق للمعنى الذي أريد بهذا الوجود الخارجي، فهذا يرجع إلى باب الاستعمال، و معناه أن هذا الوجود الخارجي أردنا به شيئا وراء حدّه الخارجي، و هذا بابه باب الاستعمال.

فالصحيح أن إطلاق اللفظ، و إرادة نوعه، أو صنفه، أو مثله، هذا بابه باب الاستعمال، و المصحّح لهذا الاستعمال هو العلاقة الطبيعية القائمة بين الفرد و نوعه، أو بين الفرد و صنفه، أو بين الفرد و مثله.

الجهة الثانية: في إطلاق اللفظ، و إرادة شخصه:

قلنا: إنّ الكلام بلحاظ الصغرى يقع في جهتين، و قد فرغنا من الجهة الأولى، و صار الكلام في الجهة الثانية: في إطلاق اللفظ و إرادة الشخص، فلو كان لدينا قضية نريد إحضارها في ذهن السامع، و موضوع هذه القضية هو

177

شخص هذا اللفظ الصادر منّا، فهل يمكننا إحضار هذه القضية في ذهن السامع بالتلفيق بين الوسيلة الإيجادية و الوسيلة الحكائية، بحيث يكون الموضوع حاضرا بالوسيلة الإيجادية، و المحمول و هو كلمة (لفظ) مثلا في «زيد لفظ» حاضرا بالوسيلة الحكائية؟.

اتضح ممّا بيناه في تحقيق الكبرى أن هذا متوقف على تحقيق شرطين:

- الشرط الأول: أن يكون موضوع القضية المعنوية جزئيا، لاستحالة إحضار الكلي إيجاديا في ذهن السامع، و هذا الشرط محفوظ في المقام، لأن موضوع القضية المعنوية المراد إحضاره في ذهن السامع، إنما هو شخص هذا اللفظ، فبإيجاد هذا الشخص الفرد خارجا، نحصل على إخطار لصورة ذهنية موازية لهذا الفرد في الخارج.

- الشرط الثاني: هو البحث في أن الهيئة المتحصلة من التلفيق بين وسيلة إيجادية و أخرى حكائية، هل تكون موضوعا لإفادة النسبة؟.

و الصحيح في ذلك، بحسب المستظهر عرفا، هو التفصيل:

بين ما إذا كان التلفيق من وسيلة حكائية و وسيلة إيجادية، و لكنها لفظ بطبعها.

و بين ما إذا كان التلفيق من وسيلة حكائية و وسيلة إيجادية، و لكنها ليست لفظا بطبعها.

فإن كانت الوسيلة الإيجادية لفظا بنفسها: فالهيئة تكون موضوعة لإفادة النسبة، و لهذا حينما نقول «زيد لفظ» و نقصد بذلك إيجاد الموضوع بشخص لفظ زيد، نكون قد حصلنا على النسبة، لأن هذه الهيئة متحصلة من وسيلتين لفظيتين و إن كانت إحداهما إيجادية و الأخرى حكائية.

و إن كانت الوسيلة الإيجادية ليست لفظا بنفسها، كما قلنا سابقا في مثال (تاريخ الطبري) حيث الوسيلة الإيجادية ليست لفظا، بل هي فعل خارجي‏

178

و الوسيلة الحكائية لفظ من الألفاظ، فالهيئة المتحصلة من وسيلتين ليست كلتاهما لفظية، لا تكون موضوعة للنسبة، و لا تدل عليها.

و على هذا فالشرط الثاني متحقّق في المقام في مثل «زيد لفظ». فكلا الشرطين متحقق في المقام، فيعقل إحضار مثل هذه القضية المعنوية بالتلفيق بين الوسيلة الإيجادية في جانب الموضوع، و الوسيلة الحكائية في جانب المحمول.

و بهذا يظهر بطلان ما أورده المحقق الأصفهاني على إطلاق اللفظ و إرادة الشخص، فإنه اعترض بالنقض في المقام حيث قال‏ (1): بأنه لو كان يصح إطلاق اللفظ و إرادة شخصه و تشكيل قضية معنوية بالتلفيق بين الوسيلة الحكائية للمحمول، و الوسيلة الإيجادية للموضوع، إذن لصحّ أنّ نضرب شخصا، ثم نقول «ضرب» و نشكّل بذلك قضية معنوية موضوعها أحضر بالوسيلة الإيجادية و هو «الضرب»، و محمولها أحضر بالوسيلة الحكائية، مع أن هذا غير صحيح عرفا، و ذلك يكشف عن نكتة توجب عدم صحة إطلاق اللفظ، و إرادة شخصه بنحو الإيجاد.

و لكن هذا النقض ممّا لا يمكن المساعدة عليه بعد الالتفات إلى النكتة التي بينّاها، و هي: إنّ مجرد صحة الوسيلة الإيجادية لا يكفي لتشكيل القضية المعنوية في ذهن السامع، إلّا بعد ضمّ خصوصية كون الهيئة المتحصّلة من التلفيق بين الوسيلتين موضوعة للنسبة، و هذا مطلب جعلي بيد الواضع. فلو فرض أن الواضع لم يضع الهيئة المتحصّلة من التلفيق لإفادة النسبة، إذن فالقضية المعنوية لا يمكن إحضارها في ذهن السامع، لأن كلا من الموضوع و المحمول تمّ إحضاره لكن لم يتم إحضار النسبة إيجاديا و لا حكائيا. فلا بدّ من التفرقة بين قولنا «زيد لفظ» و بين أن نضرب شخصا و نشكّل قضية معنوية موضوعها أحضر إيجاديا. و محمولها أحضر حكائيا، بأن الواضع وضع الهيئة

____________

(1) نهاية الدراية- الأصفهاني: ج 1/ ص 32- 33- 34.

179

المتحصّلة من اللفظين للنسبة سواء أ كان إحضار الموضوع باللفظ بنحو الوسيلة الإيجادية، أو بنحو الوسيلة الحكائية. و أما الهيئة المتحصلة من ضم عالم اللفظ إلى عالم الفعل، لم يضعها لإفادة النسبة. فمن هنا لم تتم تلك الجملة فلا يرد النقض في المقام.

و بهذا يتبين أن إطلاق اللفظ و إرادة شخصه، يعقل أن يكون مصداقا و مثالا للوسيلة الإيجادية.

و لكن هل ينحصر هذا المطلب في الوسيلة الإيجادية، أو يعقل إن يكون له باب آخر، و هو باب الاستعمال و الحكاية؟.

فقد يقال بأن توجيه المطلب في باب الاستعمال غير معقول، فينحصر كونه من باب الإيجاد، و ما أشكل به على كونه من باب الاستعمال يرجع إلى وجهين أساسيين:

الوجه الأول:

و مفاده ما نقله صاحب (الكفاية) عن صاحب (الفصول) من لزوم اتحاد الدال و المدلول، إذ لو كان بابه باب الاستعمال، بحيث يكون اللفظ مستعملا في نفسه، إذن يلزم اجتماع الدال و المدلول، لأن اللفظ بنفسه دال، و بنفسه مدلول و الدال و المدلول من أقسام التقابل، لأنهما متضايفان، و لا يعقل اجتماع المتضايفين في شي‏ء واحد.

و قد أجاب على ذلك المحقق الخرساني‏ (1) (قده) بأنه: يكفي في المقام الاختلاف الاعتباري، و الحيثي بين الدال و المدلول. فاللفظ بلحاظ كونه صادرا من صاحبه، يكون دالا، و بلحاظ أنه مراد يكون مدلولا، و هذا الاختلاف الاعتباري و الحيثي يكفي في تصوير داليته و مدلوليته.

____________

(1) حقائق الأصول- الحكيم- ج 1 ص 33.

180

و قد حمل المحقق الأصفهاني‏ (1) كلام صاحب (الكفاية) على الإرادة التكوينية التي هي من مبادئ صدور الفعل الاختياري، فكأن صاحب (الكفاية) يقول: بأن اللفظ من حيث أنه صادر، يكون دالا، و من حيث أنه فعل اختياري كاشف عن الإرادة التكوينية من قبل الفاعل، يكون مدلولا.

و اعترض على صاحب (الكفاية) بأن دلالة اللفظ على الإرادة التكوينية دلالة عقلية، و ليست دلالة لفظية استعمالية، فإن كل معلول يدل على علته بالإن. فدلالة لفظة (زيد) على الإرادة التكوينية على حد دلالة أي فعل اختياري على الإرادة التكوينية. و هذا خارج عن محل الكلام، لأن الكلام في تصحيح و توجيه الدلالة اللفظية الاستعمالية.

و الصحيح: إنّ مراد صاحب (الكفاية) بالإرادة التي صوّر بها المدلول، ليس هو الإرادة التكوينية التي هي من مبادئ صدور الفعل الاختياري، و إلّا لكان هذا من باب استعمال اللفظ في الإرادة، لا من باب إطلاق اللفظ و إرادة شخصه، حينئذ يكون المدلول هو الإرادة، مع أن صاحب (الكفاية) بصدد بيان أنّ المدلول هو نفس اللفظ، لا الإرادة، فلو كان قد اشتبه بين المدلول العقلي و المدلول الاستعمالي، للزم أن يكون المدلول هو الإرادة، و الإرادة غير اللفظ، و هما متغايران تغايرا حقيقيا لا تغايرا اعتباريا.

فهذا شاهد على أن مقصوده من الإرادة، ليس هو الإرادة التكوينية، و إنما الإرادة التفهيمية. فاللفظ من حيث أنه أريد به التفهيم فهو دال، و من حيث أنه أريد به تفهيم نفسه به فهو مدلول. فالحيثيتان منتزعتان بلحاظ الإرادة التفهيمية، لا بلحاظ الإرادة التكوينية التي هي من مبادئ صدور الفعل الاختياري في الخارج. و بهذا يتحقق التغاير الاعتباري بين الدال و المدلول.

و لكن يبقى الكلام في كبرى هذا المطلب، و هو: إن التغاير الاعتباري‏

____________

(1) نهاية الدراية- الأصفهاني: ج 1/ ص 31- 32.

181

هل يكفي في رفع محذور التقابل بين الدال و المدلول، أو لا يكفي لذلك؟.

و الصحيح إنه لا يكفي في المقام، و ذلك لأن المتضايفين على قسمين:

فهناك قسم من المتضايفين لا يوجد بينهما تعاند ذاتي في الوجود من قبيل العالم و المعلوم، لأن الذات قد تكون عالمة بنفسها، و إنما التعاند بينهما في عالم المفهوم فقط. و بهذا يكفي التغاير الحيثي في توجيه العالم و المعلوم مع وحدة الذات خارجا.

و هناك قسم آخر من المتضايفين يكون التعاند بينهما في مرحلة الوجود:

من قبيل العلة و المعلول، و السبب و المسبّب، فإن الشي‏ء الواحد خارجا، لا يمكن أن يكون علة و معلولا لنفسه، و إن اختلفت الحيثية الاعتبارية، و ذلك لاستحالة إيجاد الشي‏ء لنفسه. و الدال و المدلول علة و معلول، لكن بحسب عالم الوجود الذهني، لا عالم الوجود الخارجي، فإنّ الدال علة في عالم الذهن للوجود الذهني للمدلول، و بهذا تحصل الدلالة لأنّ معناها سببية أحد الأمرين للآخر في عالم الذهن و التصور، فيكون التعاند بين الدال و المدلول تعاندا وجوديا، لا مفهوميا فقط، و في مثل هذه الحالة يستحيل اجتماعهما.

إذن فالتغاير الاعتباري الذي صوّره صاحب (الكفاية) لا يكفي لتصحيح هذا الاستعمال.

الوجه الثاني:

و مفاده ما ذكر في تقريرات المحقق العراقي‏ (1) (قده): من لزوم اجتماع اللحاظ الآلي، و اللحاظ الاستقلالي في شي‏ء واحد، فإنّ استعمال اللفظ في المعنى، هو عبارة عن جعل اللفظ ملحوظا آلة و مقدّمة للمعنى. فاللفظ ملحوظ باللحاظ الآلي باعتباره مرآة و فانيا في المعنى. و المعنى ملحوظ باللحاظ الاستقلالي، باعتباره هو ذو المرآة، فإذا فرض أنّ اللفظ استعمل في‏

____________

(1) بدائع الأفكار- الآملي: ج 1/ ص 88- 89.

182

شخص نفسه، لزم كونه ملحوظا باللحاظ الآلي بما هو لفظ، و ملحوظا باللحاظ الاستقلالي بما هو معنى نفسه. و هذا معنى لزوم اجتماع اللحاظين، مع أن اللحاظ الآلي و اللحاظ الاستقلالي، متنافيان، يستحيل اجتماعهما في شي‏ء واحد.

و تحقيق الكلام في ذلك هو:

إمّا أن نقول بأنّ الاستعمال عبارة عن عملية إفنائية للفظ في المعنى، فهو من باب المرآتية.

و إما أن نقول: بأن الاستعمال بابه باب العلاميّة، فاللفظ علامة، و المعنى ذو العلامة، و كل من العلامة و ذيها قابل لأن يتوجّه إليه بتوجه و لحاظ استقلالي نفسي.

فإن قلنا: بأن باب الاستعمال هو باب العلاميّة، فلا موضوع لهذا الإشكال، لأنّ الإشكال مبني على أنّ اللفظ ملحوظ باللحاظ الآلي في مقام الاستعمال، بينما هو ملحوظ استقلالا بناء على العلاميّة في الاستعمال، إذن فلا يلزم اجتماع اللحاظين.

و إن قلنا: بأنّ الاستعمال بابه باب المرآتية و الفنائية، فهذا أمر غير معقول في المقام في باب إطلاق اللفظ و إرادة شخصه، لكن لا بلحاظ استحالة اجتماع اللحاظين، بل قبل أن تصل النوبة إلى ذلك، تتبين الاستحالة، لأنّ اللحاظ الآلي في نفسه يستدعي الاثنينية بين الآلة و ذيها، و هنا في مقام إطلاق اللفظ و إرادة شخصه، لا اثنينية بين الآلة و ذيها. فاللحاظ الآلي و الآلية في نفسه غير معقول في المقام، بقطع النظر عن محذور اجتماع اللحاظ الآلي، و اللحاظ الاستقلالي.

و هكذا اتضح أن إطلاق اللفظ و إرادة شخصه صغرى الوسيلة الإيجادية فقط. و أما إطلاق اللفظ و إرادة نوعه أو صنفه أو مثله، فهو من صغريات الوسيلة الحكائية.

183

الأمر الخامس تبعية الدلالة للإرادة

[حيثيات الامر الخامس‏]

و في هذا الأمر ذكرت عدة حيثيات، و وقع في كلماتهم خلط بينها، بحيث أرجعت. بعضها إلى البعض الآخر، و فرض أن ملاك بعضها هو ملاك البعض الآخر. و لكن بحسب الحقيقة هذه الحيثيات متغايرة، و ملاكاتها الفنيّة متمايزة. فهناك ثلاث حيثيات لا بدّ من التكلم عنها تصورا و ملاكا ثم تحقيقا، و هذه الحيثيات هي:

1- هل إنّ الدلالة الوضعية دلالة تصورية، أو دلالة تصديقية؟.

2- هل إنّ الدلالة الوضعية تابعة للإرادة، أو ليست تابعة للإرادة؟.

3- هل إنّ الإرادة مأخوذة قيدا في المعنى الموضوع له، أو ليست مأخوذة قيدا في المعنى الموضوع له؟.

تصوير الحيثية الأولى: هل إن الدلالة الوضعية هي دلالة تصورية أو دلالة تصديقية، بمعنى أن الدلالة التي صارت بسبب الوضع، هل هي مجرد انتقاش صورة المعنى في ذهن السامع أو أن اللفظ له كشف و دلالة تصديقية على مطلب نفساني في نفس المتكلم بحيث نستكشف باللفظ مطلبا نفسانيا في نفس المتكلم؟.

و الملاك الفني لهذه الحيثية، هو تشخيص الوضع، هل هو التعهد أو هو الاعتبار؟.

184

فإن كان الوضع هو التعهد بحيث أن المتعهّد يحدث بالتعهّد ملازمة بين النطق باللفظ، و بين قصد التفهيم، إذن فالدلالة الوضعية دلالة تصديقية، بحيث يكون اللفظ كاشفا و برهانا على أمر نفساني في نفس المتكلم، لكنه برهان ظني قابل للتخلّف.

و إن كان الوضع هو الاعتبار بمعنى القرن الأكيد الشديد بين اللفظ و المعنى، فالدلالة الوضعية دلالة تصوّرية، سواء أخذت الإرادة قيدا في المعنى الموضوع له، أو لم تؤخذ الإرادة قيدا فيه، فإنّ أخذها قيّدا معناه أن المدلول التصوري هو المعنى مع الإرادة، و لا يغيّر ذلك من جوهر الدلالة، و ينقلها من التصورية إلى التصديقية، فأخذ الإرادة قيدا، أو عدم أخذها كذلك في المعنى الموضوع له، لا يغيّر من جوهر الدلالة الوضعية، بل هي تصورية بناء على مسلك الاعتبار و القرن. غاية الأمر أن المدلول التصوري تارة يكون ذات المعنى فقط، و أخرى يكون المعنى المراد. فاللفظ لا يوجب إلّا انتقاش الصورة ذهنا، و لا يوجب كشفا خارجيا حتى و لو صدر اللفظ من اصطكاك حجرين.

إذن فالملاك الفني للحيثية الأولى، مربوط بكون الوضع هل هو التعهد أو هو الاعتبار؟.

فإن كان هو التعهد: فالدلالة الوضعية دلالة تصديقية.

و إن كان هو الاعتبار: فالدلالة الوضعية دلالة تصورية سواء أخذت الإرادة قيدا في المعنى الموضوع له، أو لم تؤخذ فيه، غاية الأمر أن المدلول التصوري تارة يكون ذات المعنى، و أخرى المعنى المقيّد بالإرادة، فجوهر الدلالة الوضعية لا يتغير، فهي دلالة تصورية.

تصوير الحيثية الثانية: هل إنّ الدلالة الوضعية تابعة للإرادة من باب تبعية المعلول للعلة، فحيث لا إرادة فلا دلالة وضعية؟. أو إنّ الدلالة ليست تابعة لإرادة المتكلم؟.

185

و هذا المطلب يختلف تصورا و ملاكا عن السابق في الحيثية الأولى:

أمّا تصورا: فواضح، لأنّ في الحيثية الأولى، الكلام في جوهر الدلالة الوضعية، بينما في هذه الحيثية، الكلام في تبعية الدلالة للإرادة، و عدم تبعيتها للإرادة. فالكلام هنا تصورا في ظرف الدلالة الوضعية، هل هي موقوفة على إرادة المتكلم فحيث لا إرادة فلا دلالة وضعية، أو إنها غير موقوفة؟.

و أمّا ملاكا: فتبعية الدلالة للإرادة بناء على مسلك التعهد، أمر غير معقول، لأنه بالتعهد، اللفظ يكشف عن الإرادة، فإذا صارت دلالة اللفظ على الإرادة فرع الإرادة، فمعنى هذا أننا نحتاج قبل دلالة اللفظ إلى أن نحرز الإرادة من الخارج، مع أن اللفظ كاشف عن الإرادة بناء على التعهّد، فتبعية الدلالة للإرادة خلف مبنى التعهد فهو أمر غير معقول. فتبعية الدلالة للإرادة إنما تتعقل بناء على مسلك الاعتبار، بأن يدّعى بأن الإرادة مأخوذة قيدا في الوضع الاعتباري، لكن ليس في المعنى الموضوع له، لأن الإرادة حينئذ تصبح دخيلة في مدلول اللفظ، و لا معنى لان يقال بأن دلالة اللفظ على المعنى فرع وجود المعنى خارجا، بل لا بدّ من أن يدّعى أخذ الإرادة قيدا في نفس الوضع أو في اللفظ، بأن يقال إن العلقة الوضعية مقيّدة بصورة وجود الإرادة، فحينئذ يقال بأن الدلالة الوضعية فرع العلقة الوضعية، و العلقة الوضعية فرع الإرادة، فحيث لا إرادة، لا علقة وضعية، و بالتالي لا دلالة وضعية. أو يقال: بأن الإرادة مأخوذة قيدا في اللفظ، فحيث لا إرادة يكون اللفظ بلا وضع، فهو مهمل. و مع الإرادة يكون اللفظ موضوعا، و بذلك تتم تبعية الدلالة للإرادة، لأن الدلالة تابعة للوضع، و الوضع فرع أن يكون اللفظ مقرونا بالإرادة.

إذن الحيثية الثانية معاكسة للحيثية الأولى. فملاك كون الدلالة تصديقية، هو التعهد، لكن التعهد لا يناسب تبعية الدلالة للإرادة، بل يناسب مسلك الاعتبار، بأخذ الإرادة قيدا في الوضع، أو في اللفظ، لا في المعنى الموضوع له. و حينئذ قد يقال بتبعية الدلالة للإرادة.

186

تصوير الحيثية الثالثة: هل إنّ الإرادة مأخوذة قيدا في المدلول، أو ليست مأخوذة قيدا في المدلول؟.

و هذا المطلب يغاير المطلبين السابقين لأن في هذا المطلب لا يراد معرفة جوهر الدلالة، أو ما هو ظرفها، بل يراد معرفة حدود هذه الدلالة، و هل أن المدلول هو ذات المعنى، أو المعنى مع الإرادة.

تحقيق الكلام في الحيثية الأولى:

هل إنّ الدلالة الوضعية دلالة تصورية أو دلالة تصديقية؟.

و الصحيح إنّها دلالة تصورية، و ليست مستبطنة للدلالة التصديقية، و تحقيق ذلك ببيان مقدمتين:

- المقدمة الأولى: إنّ الوضع ليس هو التعهّد، بل هو الاعتبار بالمعنى المختار، حيث أن الواضع يقرن صورة شي‏ء مع صورة شي‏ء آخر كما في السكوني و النوفلي، فيوجب انتقال الذهن من صورة اللفظ إلى صورة المعنى، و قد تقدم توضيح ذلك في بحث الوضع.

- المقدمة الثانية: إنّ تصوير كون الدلالة الوضعية تصديقية، هو معقول بناء على مسلك التعهّد، و غير معقول بناء على مسلك الاعتبار.

أمّا كونه معقولا بناء على مسلك التعهّد: ففي غاية الوضوح، لأنّ المتعهد يوجد ملازمة بين اللفظ و الإرادة، و ينشأ بذلك الانتقال التصديقي من أحدهما إلى الآخر.

و أمّا عدم معقوليته بناء على مسلك الاعتبار: فواضح أيضا، لأنّ الاعتبار هو قرن صورة اللفظ مع صورة المعنى في ذهن السامع، و هذا القرن بين الصورتين يوجب تلازما بين تصور اللفظ، و تصور المعنى، فينتقل من أحد التصورين إلى التصور الآخر. و هذا الانتقال انتقال تصوري لا محالة، و هو

187

معنى الدلالة التصورية. و لا يفرّق فيه بين أخذ الإرادة قيدا في المعنى الموضوع فيه، و عدم أخذها كذلك:

فإذا كانت الإرادة غير مأخوذة في المعنى الموضوع له، فالواضع كأنه قرن بين صورة اللفظ و صورة ذات المعنى، فمن الواضح حينئذ أن الانتقال انتقال تصوري محض، و أمّا إذا كانت الإرادة مأخوذة قيدا في المعنى الموضوع له فقد يتوهم حينئذ بأن هذا يجعل الدلالة دلالة تصديقية، و لكن هذا غير صحيح. و تفصيل القول في ذلك أن الإرادة المأخوذة في المعنى لا يخلو أمرها من أحد ثلاث احتمالات:

الاحتمال الأول: أن يكون المأخوذ في المعنى مفهوم الإرادة الكلي، بمعنى أن لفظة (ماء) موضوعة للسائل المراد، بحيث يكون مفهوم الإرادة بوجه كلي أخذ قيدا فيه.

الاحتمال الثاني: أن يكون المأخوذ في المعنى مفهوم الإرادة الجزئي، يعني مفهوم إرادة هذا الإنسان بالخصوص. فحينما يقول «زيد ماء» فلفظة (ماء) معناها السائل المراد لزيد بالخصوص.

الاحتمال الثالث: أن يكون المأخوذ في المعنى واقع الإرادة و وجودها في نفس المتكلم، لا مفهومها الكلي، و لا مفهومها الجزئي. و الفرق بين الاحتمال الثالث، و الاحتمالين الأولين، في غاية الوضوح:

ففي الأولين لم يؤخذ وجود الإرادة قيدا في المعنى، بل أخذ مفهومها خاليا من الوجود و العدم.

و أما في الثالث لم يؤخذ مفهوم الإرادة بل واقعها و وجودها الخارجي، بحيث لو لم يكن لها وجود خارجي فالمعنى غير تام بنفسه.

و إن شئت قلت: إنّ صورة الإرادة في الأولين لم يؤخذ فيها كونها مطابقة للواقع، و ذات مصداق في الخارج.

188

و أما في الثالث فقد أخذ فيها كونها مطابقة للواقع و الخارج. فالمدلول هو صورة سائل مراد، بنحو يكون لهذه الصورة مطابق في نفس المتكلم.

و أما الاحتمال الأول: لو قلنا به لا ينتج كون الدلالة تصديقية بناء على مسلك الاعتبار، لأن غاية ما يوجبه الاحتمال هو أنّ المدلول التصوري عبارة عن المعنى مع مفهوم الإرادة الكلي، فلم تخرج الدلالة عن كونها تصورية، و إنما طعّم المدلول التصوري بقيد زائد و هو مفهوم الإرادة على وجه كلي، تماما كما لو طعّمنا المدلول التصوري، و هو السائل بقيد أن يكون حارا، فهذا لا يخرج الدلالة الوضعية عن كونها تصورية.

أيضا لو قلنا بالاحتمال الثاني: فنفس الكلام إذ يطعّم المدلول التصوري بقيد زائد، و هو مفهوم الإرادة على وجه جزئي، و هذا لا يخرج الدلالة عن كونها تصورية.

و أما الاحتمال الثالث، و هو كون المأخوذ صورة الإرادة المطابقة مع الواقع، بحيث تؤخذ المطابقة قيدا في الإرادة، فيصير المأخوذ مفهوم الإرادة بشرط أن يكون لهذا المفهوم مصداق في الخارج، ثابت في نفس المتكلم، و حينئذ يقال: بأن هذا يوجب تطعيم الدلالة الوضعية بالدلالة التصديقية، لأن هذه الدلالة الوضعية هنا توجب الانتقال من صورة اللفظ إلى صورة المعنى، و صورة الإرادة المشروطة بأن يكون لها مطابق في الخارج، و هذا هو معنى التصديق.

إلّا أن هذا الاحتمال الثالث في نفسه غير معقول، بناء على مسلك الاعتبار، و توضيح عدم معقوليته.

إن القرن بين شيئين تارة يكون في الخارج، فيقرن الوجود الخارجي لأحدهما بالوجود الخارجي للآخر، من قبيل اقتران الحرارة بالنار. و أخرى يقرن الوجود التصوري لأحدهما بالوجود التصوري للآخر:

189

ففي الحالة الأولى: الاقتران يوجب الانتقال التصديقي من أحدهما إلى الآخر.

و في الحالة الثانية: غاية ما يوجبه القرن بينهما هو الملازمة بين التصورين، بحيث ينتقل من أحد التصورين إلى التصور الآخر، و لا يعقل أن يكون هذا الانتقال إلّا انتقالا تصوريا، لأنه فرع الملازمة، و الملازمة قائمة هنا بين التصورين، فينتقل من تصور إلى تصور آخر.

إذن فالانتقال إما أن يكون بلحاظ القرن بين الوجودين الخارجيين فيكون تصديقيا، و إما بلحاظ القرن بين التصورين فيكون تصوريا. و عليه ففي محل الكلام إذا فرض أن الواضع قرن بين وجود اللفظ و وجود الإرادة، و جعل ملازمة بينهما، فيكون الانتقال تصديقيا كالانتقال من النار إلى الحرارة، إلّا أن هذا خلف، لأننا نتكلم بناء على مسلك الاعتبار، و إن قرن الواضع بينهما بلحاظ الصورتين الذهنيتين، فيستحيل أن يكون هذا القرن موجبا إلّا للملازمة في عالم التصور، و تلك الملازمة لا توجب إلّا الانتقال من تصور إلى تصور.

و أمّا أن هذا التصور هل هو مطابق للواقع أو ليس مطابقا للواقع؟ فهذا ليس في عهدة القرن و الوضع، بل هو في عهدة شي‏ء آخر.

إذن فالاحتمال الثالث في نفسه غير معقول بناء على مسلك الاعتبار، و إنما المعقول بناء عليه، هو أحد الاحتمالين الأولين، و هو أن يكون المأخوذ في المعنى مفهوم الإرادة بوجه كلي أو بوجه جزئي، و لا تتغير الدلالة من تصورية إلى تصديقية، فالانتقال إلى السائل المقيّد انتقال تصوري. فكما لا يكشف مثل هذا الانتقال التصوري تصديقا عن وجود السائل في الخارج، كذلك لا يكشف تصديقا عن وجود الإرادة خارجا. فحال القيد هو حال المقيّد، و الدلالة دلالة تصورية محضة. و هذا لا ينافي القول بوجود دلالة تصديقية، لكن ليس منشؤها هو الوضع، بل إمارة حالية و هي إمارة الغلبة، و ذلك لأن الغالب في حال تكلم العاقل بكلام موضوع لمعنى أن يقصد تفهيم‏

190

ذلك المعنى، و هذه الغلبة العقلائية أمر ارتكازي في الأذهان العرفية و العقلائية، فتحسب من قبيل القرائن المتصلة التي توجب ظهورا في الكلام، كاشفا كشفا تصديقيا عن هذه الإرادة، و القرائن المتصلة سواء أ كانت ارتكازية، أو لفظية، تشكّل ظهورا في اللفظ، و هذا الظهور دلالته تصديقية، و ليست تصورية، إلّا أن هذه الدلالة التصديقية، ليست وضعية، بل هي دلالة بعد الوضع، و مترتبة عليه.

تحقيق الكلام في الحيثية الثانية:

هل إنّ الدلالة الوضعية هي في طول الإرادة؟. فحيث لا إرادة في نفس المتكلم فلا دلالة للفظ على المعنى؟.

أو أنّ الدلالة محفوظة سواء أ كان المتكلم مريدا أو غير مريد؟.

في تحقيق هذا المطلب يقال: بأننا تارة نبني على مسلك التعهد في باب الوضع، و أخرى نبني على غير مسلك التعهد.

فإن بنينا على التعهد فلا يعقل تبعية الدلالة للإرادة، لأنّ التعهد يقتضي كما بينا أن تكون الدلالة الوضعية تصديقية، و يطلب من اللفظ أن يكون كاشفا عن الإرادة، و حينئذ كيف يعقل أن يقال: بأن كاشفية اللفظ عن الإرادة فرع وجود الإرادة، لأن ذلك معناه أن نحرز من الخارج وجود الإرادة، و مع الإحراز أصبح اللفظ كاشفا عن الإرادة، و مثل هذا الكشف لا محصّل له لأنه كشف لما هو مكشوف، فلا معنى لأن تكون الدلالة الوضعية منوطة بوجود الإرادة بل هي بنفسها تكشف عن وجود الإرادة. فالتبعية بناء على مسلك التعهد أمر غير معقول.

أما بناء على مسلك الاعتبار، و كون الوضع هو إيجاد علقة اعتبارية بين اللفظ و المعنى، فقد يقال كما في كلمات السيد الأستاذ، بأن هذه العلقة الاعتبارية المجعولة من قبل الواضع، لا بدّ من تصويرها بنحو، بحيث تكون الدلالة تابعة للإرادة.

191

و توضيح ما ذكر في تصوير ذلك هو:

إنّ الواضع حينما يضع اللفظ للمعنى له غرض عقلائي، و غرضه هذا هو انتقال ذهن السامع من اللفظ إلى المعنى، لكن ليس مطلقا و كيفما اتفق، بل بشكل مشروط بصورة وجود الإرادة التفهيمية من قبل المتكلم. أمّا الانتقال في غير هذا الظرف المخصوص و المشروط، فهو ليس مشمولا لغرض الواضع.

و بناء على ذلك: فلا بدّ للواضع أن يجعل الوضع على طبق غرضه، فيقيد نفس الوضع بصورة كون المتكلم مريدا لتفهيم المعنى، إذا لو كان الوضع مطلقا، لكان إطلاقه لغوا، لأنه ليس داخلا في غرضه، فلا بد من تقييد الوضع، و مرجع ذلك إلى أن الدلالة تابعة للإرادة، لأن الدلالة فرع الموضوعية، و الموضوعية قيّدت بإرادة التفهيم، فتكون الدلالة موقوفة و تابعة للإرادة.

إلّا أن هذا لبيان غير صحيح، و ذلك لوجهين:

أ- الوجه الأول: و هو مبني على المماشاة مع التصورات المشهورية التي اقتضاها البيان المذكور، و حاصل هذا الوجه: إننا لو سلّمنا بأن غرض الواضع هو الانتقال من اللفظ إلى المعنى في ظرف مخصوص، و هو ظرف وجود الإرادة التفهيمية، و لكن مع هذا لا يلزم محذور جعل الوضع مطلقا، لأن الواضع إذا جعل اللفظ موضوعا للمعنى على الإطلاق، فقد دخل في جعله ظرف إرادة التفهيم أيضا و صار جعله أوسع دائرة من غرضه، باعتبار الإطلاق، و حينئذ:

إن قلنا: بأن الإطلاق مئونة زائدة، يلزم من ذلك إشكال اللغوية، لأن الواضع لما ذا قام بهذه المئونة الزائدة مع أنها غير داخلة في غرضه؟. فبإمكانه أن يجعل الوضع مقيدا.

و إن قلنا: بأن الإطلاق ليس فيه مئونة زائدة، كما هو الصحيح لأن الإطلاق هو مجرد عدم التقييد، فليس فيه مئونة لحاظية زائدة، فلا يشكل على‏

192

الواضع باللغوية، لأنه لم يأت بمئونة زائدة ليسأل عن سبب الإتيان بها.

ب- الوجه الثاني: و هو حاقّ الجواب في المقام و حاصله: إنّ البيان المذكور مبني على أن الوضع من قبيل المجعولات الاعتبارية التشريعية التي تقبل الإطلاق و التقييد، كوجوب الصلاة بعد الزوال، و عدم وجوبها قبل الزوال.

إلا أن هذا التوهم غير صحيح، و قد اتضحت عدم صحته مما تقدم في حقيقة الوضع، فقد تقدم أن حقيقة الوضع هو القرن. و القرن علة تكوينية لانتقال الذهن من أحد المقترنين إلى الآخر، و ليس علة جعلية و اعتبارية. و إذا كان الواضع يستعمل الاعتبار، إنما ذلك من باب أن الاعتبار مقدمة إعدادية لقرن اللفظ بالمعنى. فعندنا في المقام شيئان، علة و معلول: العلة هي نفس القرن في انتقال الذهن من أحد المقترنين إلى الآخر، و المعلول هو نفس الملازمة التكوينية بين تصور اللفظ و تصور المعنى. بحيث متى ما تصوّر اللفظ تصوّر المعنى، و حينئذ ما ذا يقيّد هنا؟.

أمّا نفس القرن فهو فعل خارجي تسبيبي، فالواضع إمّا أن يكرّر عملية القرن خارجا، أو يتسبب إلى القرن بالاعتبار و الوضع، و حينئذ لا معنى لتقيد هذا القرن أو إطلاقه.

و أمّا معلول هذا القرن فهو أيضا ملازمة تكوينية قهرية قائمة بين اللفظ و المعنى، و لا يمكن بعد هذا فرض الملازمة في حال دون حال، لأن ذلك تفكيك بين المعلول و العلة. و هو خلف القرن لأن القرن يوجب تكوينا الملازمة في عالم التصور بين اللفظ و المعنى.

إذن فالتقييد في المقام غير معقول، لا في نفس القرن، و لا فيما ينشأ من القرن من الملازمة التكوينية بين تصور اللفظ و تصور المعنى.

نعم الشي‏ء الممكن في المقام هو أن يقيّد أحد طرفي الاقتران. بأن يقرن لفظة (زيد) المنصوبة بالمعنى الفلاني، و لكن هذا بحسب الحقيقة ليس تقييدا

193

للوضع و القرن، و لا تقييدا للملازمة، بل هو تحصيص لأحد طرفي القرن، و أحد طرفي الملازمة. و هذا أمر بيد الإنسان، فتارة يقرن بين زيد و المعنى على الإطلاق، و أخرى يقرن بين زيد المنوّن و المعنى، بأن يأخذ التنوين قيدا في زيد، أو يأخذ قيد الطول مثلا. فمتى ما سمعنا كلمة (زيد) تصورنا الإنسان الطويل، فهذا أمر معقول أن يأخذ القيد في اللفظ أو في المعنى. أمّا تقييد نفس الوضع فهو أمر غير معقول.

إذن فتصحيح تبعية الدلالة للإرادة بهذا البيان المذكور من كون الوضع من قبيل المجعولات التشريعية هو غير صحيح.

و بقي في المقام فرضان آخران و هما: هل إنّ أخذ الإرادة قيد في اللفظ، يصحّح تبعية الدلالة للإرادة، أو إنّ أخذ الإرادة قيد في المعنى يصحح ذلك؟.

و الصحيح إنه لا يصحح:

فأما أخذ الإرادة قيدا في المعنى: إن أريد به مفهوم الإرادة، فاللفظ يدل على مفهوم الإرادة و لو صدر من نائم، و هذا غير تبعية الدلالة للإرادة كما هو واضح، فإن دلالة اللفظ على المفهوم لا يتوقف على وجود ذلك المفهوم خارجا، فإن اللفظ يدل على المفهوم سواء أ كان هذا المفهوم موجودا في الخارج، أو لم يكن موجودا في الخارج.

و إن أريد به الوجود الخارجي للإرادة فهو غير معقول كما سبق.

إذن فتبعية الدلالة للإرادة، لا يتصور بناء على مسلك الاعتبار، كما لا يتصور بناء على مسلك التعهد.

و أما في الفرض الثاني و هو أخذ الإرادة قيدا في اللفظ كما يأخذ التنوين في اللفظ، فقد يتوهم أن اللفظ المقيّد بأن يكون معه إرادة هو مقرون مع المعنى الفلاني، فاللفظ الذي ليس معه إرادة ليس مقرونا بذلك المعنى، إذن فلا يدل عليه، فتكون الدلالة تابعة للإرادة.

194

هذا أيضا غير معقول لما بينّاه من أن الملازمة لها عالمان:

إما ملازمة في عالم الوجود الخارجي من قبيل وجود النار و الحرارة، فالانتقال من أحدهما إلى الآخر انتقال تصديقي.

و إما ملازمة في عالم الوجود التصوري الذهني، فالانتقال يكون تصوريا ما بين صورة اللفظ و صورة المعنى، و حينئذ أيّ قيد يؤخذ في اللفظ، إذا كان قيدا تصوريا يعقل أخذه في اللفظ من قبيل التنوين، لأننا نتكلم بناء على مسلك الاعتبار. و أما أخذ الوجود الخارجي للإرادة فهذا ليس قيدا تصوريا، بل قيد تصديقي، و رجوع إلى الملازمة بين الوجودين في عالم الخارج، و هو خلف.

إذن اتضح عدم معقولية تبعية الدلالة للإرادة. أمّا تقييد نفس الوضع فهو غير معقول، لأنه ليس من المجعولات الاعتبارية.

و أمّا تقييد المعنى الموضوع له:

فإن قيّد بمفهوم الإرادة، فاللفظ لا يتوقف على وجود هذا المفهوم خارجا.

و إن قيّد بواقع الإرادة فهو غير معقول كما بيّنا.

و إن أخذت الإرادة قيدا في اللفظ، فهو أيضا غير معقول، لأن اللفظ يعقل أن يقيّد بقيود تصورية لا بقيود تصديقية. إذن فالدلالة غير تابعة للإرادة، لا بناء على مسلك التعهد، و لا بناء على مسلك الاعتبار.

تحقيق الكلام في الحيثية الثالثة:

هل الإرادة مأخوذة في المعنى الموضوع له، أو ليست مأخوذة؟.

هذا المطلب يفترض فيه ثلاث افتراضات:

الأول: أن يكون المأخوذ في المعنى الموضوع له، مفهوم الإرادة بوجه‏

195

كلي، حيث تكون لفظة «ماء» موضوعة للسائل المراد.

الثاني: أن يكون المأخوذ فيه، مفهوم الإرادة بوجه جزئي، يعني مفهوم إرادة هذا الإنسان بالخصوص.

الثالث: أن يكون المأخوذ فيه، واقع الإرادة و وجودها الخارجي القائم في نفس المتكلم، لا مفهومها على وجه كلي، أو جزئي.

أمّا الافتراض الأول: فليس فيه محذور ثبوتي بحيث ينسبق إلى الذهن السائل المراد حينما نقول «ماء» و إنما فيه المحذور الإثباتي، لكونه بخلاف الوجدان خارجا. فإن مفهوم الإرادة لا ينسبق من الألفاظ على حد انسباقه من نفس لفظة «إرادة». فحينما يقال «إرادة» ينسبق مفهوم الإرادة، بينما إذا قيل «ماء» لا ينسبق مفهوم الإرادة زائدا على السائل المخصوص.

و أمّا الافتراض الثاني: فينحصر إبطاله أيضا بالمحذور الإثباتي، فإنّ إرادة زيد حصة من مفهوم الإرادة، فهو مفهوم جزئي، و إرادة عمر حصة من مفهوم الإرادة، فهو مفهوم جزئي، و هكذا. فيظهر وجه إبطاله بكونه بخلاف الوجدان، و ربما يعترض عليه أيضا بمحذور آخر، و هو: إنه بناء على أخذ الحصص المفهومية للإرادة، يلزم كون وضع أسماء الأجناس من الوضع العام و الموضوع له الخاص، لأن الواضع تصوّر مفهوم الإرادة، و وضع لفظة (الماء) للسائل الذي اقترن بواحد من حصص هذا المفهوم، و لكن هذا ليس محذورا قائما برأسه، إذ لا برهان على أن يكون أسماء الأجناس موضوعة بالوضع العام و الموضوع له العام، فلا يكون إشكالا واقعيا، و إنما هو إشكال جدلي.

و أما الافتراض الثالث: فبناء على مسلك التعهد، تكون الإرادة هي تمام مدلول اللفظ، لا إنها قيد في مدلول اللفظ، فهذا الافتراض صحيح لكن بتحويل القيدية إلى التمامية، بأن يقال: إنّ الإرادة هي تمام المدلول الوضعي للفظ، لأن الدلالة الوضعية بناء على مسلك التعهد، دلالة تصديقية كاشفة عن أمر واقعي قائم في نفس المتكلم، و هو الإرادة.

196

و أمّا بناء على مسلك الاعتبار، فأصل واقع الإرادة في المعنى الموضوع له غير معقول، و ذلك لأن الانتقال من تصور اللفظ إلى واقع الإرادة غير معقول لما قلناه، من أن الانتقال فرع الملازمة. فإن كانت الملازمة بين الوجودين الخارجين من قبيل الملازمة بين النار و الحرارة، فيكون الانتقال انتقالا تصديقيا. و إن كانت الملازمة بين تصورين من قبيل تصور السكوني و تصور النوفلي، فيكون الانتقال انتقالا تصوريا. و لا يعقل قيام الملازمة بين تصور، و وجود خارجي، و هنا في محل الكلام حينما يوضع اللفظ للمعنى و تؤخذ الإرادة بوجودها الخارجي قيدا في المعنى الموضوع له، فهنا الملازمة لم تجعل بين الإرادة بوجودها الخارجي و اللفظ بوجوده الخارجي، فإن مرجع هذا إلى أن الواضع تعهّد بأن لا يوجد اللفظ إلّا حينما توجد الإرادة و هو خلف، لان الكلام بناء على مسلك الاعتبار، و إن كانت الملازمة بين الوجود الخارجي للإرادة، و تصور اللفظ، فهذا غير معقول لأن الملازمة إما بين الوجودين الخارجيين و إما بين التصورين، و لا يعقل الملازمة بين تصور شي‏ء و وجود خارجي لشي‏ء آخر، فأخذ الإرادة قيدا في المعنى الموضوع له بوجودها الخارجي، أمر غير معقول بناء على مسلك الاعتبار.

و المحقق الخراساني‏ (1) (قده) ذكر وجوها أخرى لبيان عدم معقولية ذلك نذكر منها وجهين:

الوجه الأول:

إنه يلزم من أخذ واقع الإرادة في المعنى الموضوع له، عدم انطباق مداليل. الألفاظ على الخارج، لأنها تصبح أمورا ذهنية فلا يعقل انطباقها على الخارجيات، و توضيح ذلك بأن يقال:

إن الإرادة إنما تتعلق بالصورة الذهنية للماهية المرادة الموجودة في أفق‏

____________

(1) حقائق الأصول- الحكيم ج 1 ص 36- 37. بتصرف.

197

النفس. فمن أراد شرب الماء، فالمراد له بالذات، و بالحقيقة هو الوجود الذهني لشرب الماء، القائم في أفق النفس. و عليه فلفظة «ماء» أو لفظة «الشرب» بناء على أن يكون قد أخذ في موضوعها الإرادة، يعني موضوعة للمراد بالذات، و هو الوجود الذهني المقوّم للإرادة في أفق النفس، و حينئذ هذا الوجود الذهني لا يعقل انطباقه على الخارج.

و الصحيح أنه عندنا شيئان: مراد بالذات و مراد بالعرض.

المراد بالذات: هو الوجود الذهني للماهية القائم في أفق الإرادة، و المقوّم للإرادة في نفس المتكلم، بمعنى أن شرب الماء بما هو موجود ذهني هو المراد بالذات.

و عندنا مراد بالعرض و هو ذات الماهية من دون أن يلحظ معها الوجود الذهني، بمعنى ماهية شرب الماء من دون أن تطعّم بالوجود الذهني، هذا مراد بالعرض لأن شئون الوجود تضاف دائما إلى الماهية بالعرض، فكل شأن يثبت للوجود بالذات، يثبت لماهية ذلك الوجود بالعرض، فالوجود الذهني لشرب الماء مراد بالذات، و ماهية شرب الماء التي هي ماهية هذا الوجود الذهني مراد بالعرض، فعندنا إذن نسبتان:

- نسبة ذاتية للإرادة مع مرادها بالذات، و هو الموجود الذهني بما هو موجود ذهني.

- نسبة عرضية للإرادة إلى ذات الماهية، بما هي، لا بما هي موجودة في الذهن.

و حينئذ إما أن تكون لفظة (الماء) موضوعة للمراد بالذات، يعني موضوعة بإزاء تلك الوجودات الذهنية التي تنسب إليها الإرادة نسبة ذاتية.

و إما أن تكون لفظة (الماء) موضوعة لذوات الماهيات، لكن مقيدة بنسبة الإرادة إليها بالنسبة العرضية.

198

فعلى الأول يرد إشكال صاحب (الكفاية) لأن الوجود الذهني بما هو موجود ذهني لا ينطبق على الخارج.

و على الثاني حيث ذات الماهية مقيدة بقيام نسبة عرضية بين الإرادة و بينها، فمثل هذه الماهية قابلة للانطباق على الخارج، و لهذا قد أشير إلى الخارج و أقول هذا مرادي. فهذا الإشكال غير وارد على أخذ الإرادة قيدا، لان التقييد لا ينحصر أمره بكونه بمعنى النسبة الذاتية القائمة بين الإرادة و المراد بالذات، بل قد تؤخذ النسبة العرضية القائمة بين الإرادة و ذات الماهية بما هي هي، و مثل هذه النسبة العرضية لا توجب صيرورة المعنى أمرا ذهنيا، فلا يستحيل انطباقه على الخارج، فالإشكال الأول لا يمكن المساعدة عليه.

الوجه الثاني:

و حاصله: لو كنا نعبر عن الإرادة بقصد تفهيم المعنى مثلا، عندئذ نقول: بأنّ قصد تفهيم المعنى لا يعقل أخذه قيدا في المعنى لأن قصد تفهيم المعنى في طول تفهيم المعنى، لأن الإرادة في طول المراد، فإذا كانت الإرادة في مرتبة متأخرة عن ذات المعنى المراد، فكيف يعقل أخذها قيدا في ذات المعنى؟. فيلزم من ذلك التهافت و أخذ المتأخر في المتقدم، فإنّ الإرادة يعني قصد تفهيم المعنى بما هو إرادة للمعنى فهو في طول المعنى، و بما هو قيد للمعنى، فهو في رتبة المعنى، فيلزم التهافت باللحاظ.

و هذا الإشكال مبني على المغالطة، و ذلك باعتبار أن قصد تفهيم تمام المعنى هذا في طول تمام المعنى، فلا يعقل أن يكون هذا القصد بشخصه جزءا من ذلك التمام، إذ يلزم أن يكون ما هو في الطول هو في العرض.

ففي المقام إذا ادّعي أنّ قصد تفهيم جزء المعنى هو جزء آخر من المعنى، فلا يلزم من ذلك أي إشكال، بأن يقال: إنّ لفظة (الماء) لها معنى، و هذا المعنى مركب من جزءين: أحد الجزءين هو السائل البارد بالطبع، و الجزء الآخر للمعنى هو قصد تفهيم هذا الجزء، إذن فقصد تفهيم هذا الجزء

199

لا يكون في طول تمام المعنى، بل يكون في طول جزء المعنى، و يكون هو بنفسه الجزء الآخر للمعنى، فيكون المعنى متكونا من أمرين طوليين، و لا محذور في ذلك.

و بحسب الحقيقة الإشكال نشأ من طرز التعبير، فتارة نقول بأن قصد تفهيم تمام المعنى أخذ في المعنى، فهذا تهافت: لأننا حينما نقول قصد تفهيم تمام المعنى يعني فرضنا تمام المعنى في المرتبة السابقة على هذا القصد، فكيف يكون هذا القصد بنفسه دخيلا في تمام المعنى، و جزءا منه إمّا بنحو الشرطية أو الشّطرية فهذا تهافت؟. و أما إذا قلنا بأن تمام المعنى مركب من جزءين: أحدهما هو السائل البارد، و الآخر هو قصد تفهيم هذا الجزء، إذن فهنا حصلت طولية بين جزء المعنى و الجزء الآخر للمعنى، و في مثل هذا لا يرد التهافت باللحاظ.

200

الأمر السادس هل أن المركّب موضوع بوضع زائد على وضع أجزائه أو لا؟ الأمر السادس: المركبات و وضعها

وقع البحث في أنه هل يكون للمركّبات وضع زائد على وضع موادها أو لا يكون؟.

و توضيح الكلام في ذلك هو: إنّ الجملة التركيبية التامة اسمية كانت من قبيل «زيد عالم» أو فعلية من قبيل «ضرب زيد» لها ثلاثة أنواع من الأجزاء:

أ- النوع الأول: الأجزاء التي هي مواد المفردات من قبيل «زيد و علم»، «زيد و ضرب».

ب- النوع الثاني: هيئات المفردات من قبيل هيئة «عالم» و هيئة فعل الماضي «ضرب».

ج- النوع الثالث: الهيئة التركيبية القائمة بالتركيب- بمجموع الكلمتين- كهيئة تقديم هذا، و تأخير ذاك، بنحو مخصوص.

و الجملة هي عبارة عن المجموع المركب من هذه الأنواع الثلاثة- المواد، و هيئات المواد، و الهيئة التركيبية،- و لا إشكال في أن مواد المفردات موضوعة لمعانيها، و قد تقدم ذلك في الأسماء و الحروف، و لكن‏

201

وقع البحث في أنه هل للمركب وضع آخر زائد على وضع المواد أو لا؟.

و هذا العنوان فيه احتمالان:

الاحتمال الأول: أن يكون المراد بالمركب هنا الهيئة التركيبية- النوع الثالث- بمعنى أنه بعد الفراغ من أن مواد المفردات التي هي النوع الأول، و هيئات المفردات التي هي النوع الثاني، قد وضع كل منهما لمعناه، فهل إنّ الهيئة التركيبية موضوعة بوضع آخر إضافي زائد على وضع مواد المفردات و هيئاتها أو لا؟.

الاحتمال الثاني: أن يكون المراد بالمركب هو المجموع المركب من الأنواع الثلاثة، بمعنى أنه بعد الفراغ من أن المواد قد وضعت لمعانيها، و الهيئات الإفرادية قد وضعت لمعانيها، و الهيئة التركيبية قد وضعت لمعناها، فيقال بأن المجموع المركب من كل هذه الأنواع و العناصر، هل له وضع آخر وراء تلك الأوضاع أو ليس له ذلك؟.

الاحتمال الأول:

و هو أن يكون البحث واقعا في نفس النوع الثالث في أن الهيئة التركيبية هل هي موضوعة لمعنى، إضافة لوضع المواد و لوضع الهيئات الإفرادية أو لا؟. و في هذا البحث يوجد عدة دعاوى:

الدعوى الأولى: ما ذهب إليه المشهور و هو: إنّ الهيئة التركيبية للجملة التامة سواء أ كانت اسمية أو فعلية، هي موضوعة بوضع زائد على وضع مواد المفردات و هيئاتها، حيث أنها موضوعة للنسبة بين المبتدأ و الخبر، أو بين الفعل و الفاعل. و ما ذهب إليه المشهور هو الصحيح في المقام، فإنّ الصحيح أن الهيئة التركيبية للجملة موضوعة لمعنى آخر لم توضع له مواد المفردات و لا الهيئات الإفرادية، و هذا المعنى هو النسبة التامة التصادقية بالمعنى الذي شرحناه سابقا، و سوف يظهر تعيّن هذه الدعوى بعد إبطال غيرها من الدعاوي.

202

الدعوى الثانية: ما ذهب إليه المحقق النائيني‏ (1) (قده): فإنه فصّل بين الجملة الفعلية و الجملة الاسمية، فقال: بأن الهيئة التركيبية في الجملة الاسمية- زيد عالم- موضوعة للربط، و النسبة بين المبتدأ و الخبر. و أما الهيئة التركيبية في الجملة الفعلية- ضرب زيد- فهي غير موضوعة بوضع خاص بها. و قد ذكر في وجه الفرق بين الجملتين إنه يحتاج إلى دال على النسبة، و الربط، و في الجملة الاسمية مفرداتها لا تدل على الربط، فيحتاج إلى وضع آخر للهيئة التركيبية للجملة الاسمية، لأجل إفادة النسبة و الربط، أما في الجملة الفعلية فالهيئة الإفرادية للفعل هي بنفسها تدل على النسبة و الربط بين الفعل و الفاعل، فلا حاجة لوضع آخر للهيئة التركيبية للجملة الفعلية لأجل إفادة النسبة و الربط.

و قد اعترض على ذلك المحقق العراقي (قده) (2) باعتراضين نقضي.

و حلّي‏

الاعتراض النقضي: و حاصله: إنّه بمقتضى ما ذكر في وجه عدم احتياج الهيئة التركيبية للجملة الفعلية إلى وضع آخر زائد، يظهر من ذلك أن الجملة الاسمية أيضا في بعض الموارد لا تحتاج إلى وضع زائد، و ذلك فيما إذا كان الخبر فعلا في الجملة الاسمية، لا يمكن المساعدة عليها، لأنّ هذا الضمير المستتر الذي يدّعى تقديره، لا يمكن أن يحصل به ربط و نسبة بين (زيد و قائم) لوضوح أن كلمة «هو» بنفسها مفهوم اسمي مبهم و مجمل، فهو بنفسه يحتاج إلى الربط بينه و بين طرفه الذي هو مفهوم اسمي أيضا، إذن فإدخال الضمير تطويل للمسافة بلا موجب، لأننا بعد فرض الإدخال بحاجة إلى نسبة قائمة بين الضمير و كلمة (قائم) في «زيد قائم». و هذه النسبة مدلول عليها بالهيئة التركيبية، فلا بدّ من الانتهاء إلى دلالة الهيئة التركيبية في «زيد قائم» على النسبة من أول الأمر.

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي: ج 1 ص 32.

(2) منهاج الأصول- الكرباسي ج 1 ص 75.