بحوث في علم الأصول - ج2

- الشيخ حسن عبد الساتر المزيد...
242 /
203

فهذه الدعوى ساقطة كالدعوى الثانية، و عليه: فيتعين ما ذهب إليه المشهور من أن الهيئة التركيبية موضوعة لإفادة النسبة التامة التصادقية بالمعنى الذي شرحناه سابقا.

الاحتمال الثاني:

بعد أن وضع كل من مواد المفردات و هيئاتها، و الهيئة التركيبية لمعناه، يقال: بأن المجموع المركب من هذه الأنواع الثلاثة هل له وضع زائد وراء تلك الأوضاع، أو ليس له وضع زائد؟.

المعروف إنّه ليس للمجموع المركب وضع آخر وراء تلك الأوضاع.

و قد يبرهن على ذلك تارة، بأنه لو كان هناك وضع زائد، للزم الانتقال إلى المعنى مرتين، بحيث يكون هناك دالان على المعنى، و أحد الدالين هو الإجزاء بوجوداتها التفصيلية، و الدال الآخر هو المجموع المركب، و حينئذ قولنا «زيد عالم» يكون دالا مرتين على معناه، فيلزم الانتقال إلى المعنى مرتين، و الحال أنّ الذهن لا ينتقل إلى المعنى مرتين بل مرة واحدة، كما لو سمعنا «زيد عالم» من شخص واحد.

و يبرهن أخرى على نفي الوضع الزائد باللغوية، لأن المقصود من الكلام هو إفادة المعنى الجملي، و إفادة هذا المعنى قد تمت بأوضاع أجزاء المركب كل لمعناه، و عليه فيكون الوضع الثاني لغوا في المقام.

و التحقيق في المقام هو: إنّ المعنى الجملي تارة يكون سنخ معنى قابلا لأن يفاد بنحو تعدد الدال و المدلول كما في قولنا «زيد عالم» المنحل إلى ثلاثة أجزاء: موضوع و محمول و نسبة. و كل منها قابل لأن يدل عليه بدال مستقل.

فلفظة (زيد) تدل على الموضوع، و لفظة (عالم) تدل على المحمول. و هيئة الجملة تدل على النسبة التامة، و أخرى يكون المعنى الجملي سنخ معنى لا يعقل إفادته بنحو تعدد الدال و المدلول. بأن كان بعض أجزاء هذا المعنى لا يفاد بدال مستقل، كما في قولنا «النار في الموقد» المنحل إلى ثلاثة أجزاء:

204

إلى نار، و موقد، و نسبة ظرفية. و هذه لا يعقل أن يكون لها دال مستقل لأن هذه النسبة نسبة ناقصة تحليلية، و ليس لها وجود واقعي مستقل في عالم الذهن، بل الموجود في عالم الذهن هو الحصة الخاصة، و مفهوم وحداني ينحل إلى نار، و موقد، و نسبة ناقصة تحليلية ليس لها وجود مستقل في عالم الذهن. و عليه: يستحيل أن يكون عليها دال مستقل في عالم اللفظ أيضا، بل كما أنه ليس هناك إلّا وجود واحد في عالم الذهن، لا بدّ و أن يكون هناك دال واحد في عالم اللفظ أيضا.

إذن فالمعنى الجملي إما أن يكون مركبا من أجزاء يمكن إفادتها بنحو تعدد الدال و المدلول، و ذلك فيما إذا لم تكن النسب التحليلية داخلة فيه.

و إما أن يكون مركبا من أجزاء لا يمكن إفادة كل واحد، واحد منها، بنحو تعدد الدال و المدلول، و ذلك فيما إذا كانت النسب التحليلية الناقصة داخلة فيه.

و عليه: فمتى ما كان المعنى الجملي من قبيل الأول فمن الواضح أن إفادته تكون بنحو تعدد الدال و المدلول، و معه لا معنى لدعوى وضع آخر للمركب، لأن الواضع بعد أن قرن بين زيد و معناه، و بين عالم و معناه، و بين الهيئة و معناها، فيكون قد قرن المركب بالمعنى الجملي بنحو تعدد الدال و المدلول، فلا معنى حينئذ لوضع آخر للمركب، لأن الاقتران لا يتعدد و لا يتكرر.

و متى ما كان المعنى الجملي من قبيل الثاني، مشتملا على النسبة التحليلية الناقصة، فلا بد و أن تكون الجملة «النار في الموقد» بتمامها موضوعة لتمام ذلك المعنى الجملي، لا أن يكون كل جزء منها موضوعا لجزء من المعنى الجملي بنحو تعدد الدال و المدلول، بل الجملة بتمامها موضوعة للحصة الخاصة بما هي من قبيل «زيد ضرب». فكما أنّ الهيئة التركيبية في «ضرب زيد» لا تحتاج إلى وضع زائد لإفادة النسبة و الربط، لأن هيئة الفعل الماضي تكفي لذلك، فكذلك الهيئة التركيبية في «زيد ضرب» لا تحتاج إلى‏

205

وضع زائد لإفادة النسبة و الربط، لأن هيئة الفعل الماضي «ضرب» تدل على النسبة و الربط، فلا يحتاج في الهيئة التركيبية في الجملة الاسمية التي يكون خبرها فعلا، و لا ضرورة لأن تكون هذه الهيئة التركيبية موضوعة بوضع إضافي، مع إن الميرزا يقول باحتياج الهيئة التركيبية للجملة الاسمية إلى وضع الزائد من دون فرق بين أن يكون الخبر فيها اسما، أو فعلا.

و هذا الاعتراض النقضي غير وارد في المقام، و ذلك لأنّ في قولنا «زيد ضرب» يوجد نسبتان:

إحداهما نسبة الفعل إلى فاعله الذي هو الضمير المستتر و تقديره «هو».

و النسبة الأخرى بين المبتدأ و الخبر «بين زيد» و «هو».

و حينئذ ما ذكرة المحقق النائيني من عدم احتياج الهيئة التركيبية لوضع زائد إنما هي الهيئة التركيبية المركبة من الفعل و الفاعل المستتر. و أما الهيئة التركيبية المركبة من المبتدأ و الخبر (زيد و «هو») فهي موضوعة لإفادة النسبة بين الطرفين بوضع آخر، ففي المقام في قولنا «زيد ضرب» هيئة الفعل إنما تكون دالة على النسبة في الجملة الصغيرة التي وقعت جزءا في الجملة الكبيرة. و أما النسبة التي هي مدلول الجملة الكبيرة الاسمية، فيحتاج إلى دال آخر عليها، و هو هيئة الجملة التركيبية، فهذا النقض غير وارد في المقام.

الاعتراض الحلّي: و هو أنّ هيئة ضرب إنما تدل على أنّ مادة الضرب منسوبة إلى فاعل «ما» على وجه الإبهام، و لم يؤخذ فيها فاعل مخصوص بعينه، و أما تعيّن هذا الفاعل بشخص «زيد» فهو غير مدلول عليه بهذه الهيئة.

فلا بد من أن توضع الهيئة التركيبية للجملة الفعلية لإفادة تعيّن ذلك الفاعل المبهم في هذا الشخص المعيّن و هو زيد، و بهذا ثبت ضرورة وضع الهيئة التركيبية.

و هذا الاعتراض غير صحيح، كما أنّ أصل دعوى الميرزا غير صحيحة، و ذلك لأن كلا المحققين متفقان في أن النسبة إلى يراد إفادتها في المقام هي‏

206

نسبة الفعل إلى الفاعل، و حيث أن الميرزا ادّعى أن هيئة ضرب تدل على نسبة الضرب إلى شخص زيد، فلم يبق شي‏ء آخر توضع له الهيئة التركيبية.

بينما المحقق العراقي ادّعى أن هيئة «ضرب» موضوعة للنسبة بين الضرب و الفاعل المبهم، فبقي حاجة تعيين هذا الفاعل المبهم في شخص زيد، فلا بد من وضع الهيئة التركيبية لإفادة تعيين ذلك الفاعل في زيد.

و بناء على ما حققناه سابقا في المعنى الحرفي، من أنّ النسب على قسمين: نسب أولية ناقصة موطنها الأصلي هو الخارج، و نسب ثانوية تامة موطنها الأصلي هو الذهن، حينئذ نقول:

إنّ نسبة الضرب إلى الضارب هي نسبة أولية ناقصة، موطنها الأصلي هو الخارج، لأن الضرب يستند إلى الضارب في الخارج، فمرجع هذه النسبة إلى مفهوم وحداني في عالم الذهن، ينحل إلى ذات، و فعل، و نسبة بينهما.

و عليه: فيحتاج في المقام إلى نسبة تامة أخرى في قولنا «ضرب زيد» يصح السكوت عليها، فيتعين أن تكون هيئة الجملة التركيبية للجملة الفعلية موضوعة لإفادة نسبة أخري تامة، و هي النسبة التصادقية بالمعنى الذي شرحناه؛ فبحسب الحقيقة يوجد دالان:

أحدهما: هيئة الفعل تدل على نسبة الفعل إلى الفاعل بنحو النسبة الناقصة.

و الآخر: هيئة الجملة التركيبية تدل على نسبة تامة تصادقية بين مفاد الفعل مادة و هيئة، و بين الفاعل، و هذا ما قام عليه البرهان و الوجدان، فإنّ الوجدان قاض بأن هيئة ضرب ليس مفادها النسبة التامة، و إلّا لصح السكوت عليها، فإذن مفادها نسبة ناقصة. و أما هيئة الجملة التركيبية فمفادها النسبة التامة، فلا بدّ من الالتزام بأن هيئة الجملة الفعلية موضوعة لمعنى. و بهذا يتنقح إثبات الدعوى الأولى المشهورة القائلة بأن هيئة الجملة التركيبية سواء

207

أ كانت الجملة اسمية أو فعلية، لا بد و أن تكون موضوعة لمعنى زائد، و هو النسبة التامة.

الدعوى الثالثة: و هذه الدعوى معاكسة للدعوى الثانية: ففي هذه الدعوى يقال بأن هيئة الجملة الفعلية موضوعة للنسبة على ما قيل في الدعوى الأولى، و لكن هيئة الجملة الاسمية ليست موضوعة للنسبة، بل النسبة في قولنا «زيد قائم» مدلول عليها لا بالهيئة التركيبية، بل بضمير مستتر دائما تقديره «هو». فعند ما نقول: «زيد قائم»، كأننا قلنا: «زيد هو قائم». و هذه الدعوى لا يمكن المساعدة عليها، لأن هذا الضمير المستتر الذي يدّعى تقديره، لا يمكن أن يحصل به ربط و نسبة بين (زيد و قائم)، لوضوح أن كلمة «هو» بنفسها مفهوم اسمي مبهم و مجمل، فهو بنفسه يحتاج إلى الربط بينه و بين طرفه الذي هو مفهوم اسمي أيضا. إذن فإدخال الضمير تطويل للمسافة بلا موجب، لأننا بعد فرض الإدخال بحاجة إلى نسبة قائمة بين الضمير و كلمة قائم في «زيد قائم». و هذه النسبة مدلول عليها بالهيئة التركيبية، فلا بدّ من الانتهاء إلى دلالة الهيئة التركيبية في «زيد قائم على النسبة من أول الأمر.

فهذه الدعوى ساقطة كالدعوى الثانية، و عليه: فيتعيّن ما ذهب إليه المشهور من أن الهيئة التركيبية موضوعة لإفادة النسبة التامة التصادقية بالمعنى الذي شرحناه سابقا.

الاحتمال الثاني:

بعد أن وضع كل من مواد المفردات و هيئاتها، و الهيئة التركيبية لمعناه، يقال بأن المجموع المركب من هذه الأنواع الثلاثة هل له وضع زائد وراء تلك الأوضاع، أو ليس له وضع زائد؟.

فالمعروف إنّه ليس للمجموع المركب وضع آخر وراء تلك الأوضاع:

و قد يبرهن على ذلك تارة بإنه لو كان هناك وضع زائد، للزم الانتقال إلى المعنى مرتين، بحيث يكون هناك دالان على المعنى و أحد الدالين هو

208

الإجزاء بوجوداتها التفصيلية، و الدال الآخر هو المجموع المركب، و حينئذ قولنا «زيد عالم» يكون دالا مرتين على معناه، فيلزم الانتقال إلى المعنى مرتين. و الحال إنّ الذهن لا ينتقل إلى المعنى مرتين بل مرة واحدة، كما لو سمعنا «زيد عالم» من شخص واحد.

و يبرهن أخرى على نفي الوضع الزائد باللغوية، لأن المقصود من الكلام هو إفادة المعنى الجملي، و إفادة هذا المعنى قد تمّت بأوضاع أجزاء المركب كل لمعناه، و عليه فيكون الوضع الثاني لغوا في المقام.

و التحقيق في المقام هو: إنّ المعنى الجملي تارة يكون سنخ معنى قابلا لأن يفاد بنحو تعدد الدال و المدلول. كما في قولنا «زيد عالم» المنحل إلى ثلاثة أجزاء: موضوع، و محمول، و نسبة. و كل منها قابل لأن يدل عليه بدال مستقل؛ فلفظة زيد تدل على الموضوع، و لفظة عالم تدل على المحمول، و هيئة الجملة تدل على النسبة التامة.

و أخرى يكون المعنى الجملي سنخ معنى لا يعقل إفادته بنحو تعدد الدال و المدلول بأن كان بعض أجزاء هذا المعنى لا يفاد بدال مستقل كما في قولنا:

«النار في الموقد» المنحل إلى ثلاثة أجزاء: إلى نار، و موقد، و نسبة ظرفية.

و هذه لا يعقل أن يكون لها دال مستقل، لأن هذه النسبة نسبة ناقصة تحليلية، و ليس لها وجود واقعي مستقل في عالم الذهن، بل الموجود في عالم الذهن هو الحصة الخاصة، و مفهوم وحداني ينحل إلى نار، و موقد، و نسبة ناقصة تحليلية، ليس لها وجود مستقل في عالم الذهن. و عليه: يستحيل أن يكون عليها دال مستقل في عالم اللفظ أيضا، بل كما أنه ليس هناك إلّا وجود واحد في عالم الذهن، لا بد و أن يكون هناك دال واحد في عالم اللفظ أيضا.

إذن فالمعنى الجملي: إما أن يكون مركبا من أجزاء يمكن إفادتها بنحو تعدد الدال و المدلول، و ذلك فيما إذا لم تكن النسب التحليلية داخلة فيه.

و إما أن يكون مركبا من أجزاء لا يمكن إفادة كل واحد واحد منها بنحو

209

تعدد الدال و المدلول، و ذلك فيما إذا كانت النسب التحليلية الناقصة داخلة فيه. و عليه: فمتى ما كان المعنى الجملي من قبيل الأول، فمن الواضح أن إفادته تكون بنحو تعدد الدال و المدلول، و معه لا معنى لدعوى وضع آخر للمركب، لأن الواضع بعد أن قرن بين زيد و معناه، و بين عالم و معناه، و بين الهيئة و معناها، فيكون قد قرن المركب بالمعنى الجملي بنحو تعدد الدال و المدلول، فلا معنى حينئذ لوضع آخر للمركب، لأن الاقتران لا يتعدد و لا يتكرر.

و متى ما كان المعنى الجملي من قبيل الثاني مشتملا على النسبة التحليلية الناقصة، فلا بدّ و أن تكون الجملة «النار في الموقد» بتمامها موضوعة لتمام ذلك المعنى الجملي، لا أن يكون كل جزء منها موضوعا لجزء من المعنى الجملي بنحو تعدد الدال و المدلول، بل الجملة بتمامها موضوعة للحصة الخاصة بما هي حصة خاصة؛ و هذا لا يرد عليه كلا الإشكالين السابقين، فلا ترد مسألة لزوم الانتقال إلى المعنى مرتين، لأنه لا يوجد في المقام إلّا دال واحد، فإنّ كلّا من أجزاء الجملة حين اجتماعها ليس لها إلّا وضع واحد، و هو الوضع للمعنى الجملي، و كذلك لا يأتي إشكال اللغوية لأن هذا الإشكال مبني على تصور أن كلا من كلمة نار و موقد و «في» لها أوضاع و دلالات.

حينئذ يقال بأن وضع المركب بما هو مركب يكون لغويا، لكن المفروض استحالة ذلك في المقام، فإن إفادة المعنى الجملي المشتمل على النسبة التحليلية الناقصة مستحيل بنحو تعدد الدال و المدلول، فليس هناك دوال متعددة في داخل المركب، بل دال واحد و هو المركب، فلا لغوية في المقام.

و على هذا الأساس نقول: إنّ الجمل التامة من قبيل «زيد عالم» و «ضرب زيد» ليس للمركب منها وضع زائد على وضع المفردات، لأنها تشتمل على النسبة التامة، و إفادة هذه النسبة يكون بنحو تعدد الدال و المدلول.

و أما الجمل الناقصة: فحيث أنها تشتمل على النسب التحليلية، فلا بد و أن يكون للمركب من الوصف، و الموصوف، و الجار و المجرور، و نحو ذلك،

210

وضع باستقلاله، و لكن ليس هذا الوضع زائدا على وضع المفردات. بل هو بدلا عن وضع المفردات، فإن أريد، بالوضع الزائد في المركبات، الوضع في مركبات الجمل التامة فهو غير صحيح، لأن المعنى الجملي للجملة التامة يمكن إفادته بنحو تعدد الدال و المدلول. و إن أريد ذلك في مركبات الجمل الناقصة، فهو صحيح، لكن لا بمعنى أن يكون وضع الجملة الناقصة زائدا على وضع المفردات، بل بدلا عن وضع المفردات، لكن هذا خلاف المدّعى كما هو ظاهر. إذن فالمدعى على كل ليس بصحيح.

211

الأمر السابع علامات الحقيقة و المجاز

ذكروا ثلاث علامات للحقيقة: التبادر، و صحة الحمل، و الاطّراد.

العلامة الأولى: التبادر

قيل في تقريب كون التبادر علامة على الحقيقة: بأن انسباق معنى مخصوص عند سماع لفظ مخصوص، لا بدّ و أن ينشأ من أحد سببين: أن يكون اللفظ موضوعا لذلك المعنى، أو تكون هناك قرينة خاصة أو عامة تدل على ذلك المعنى.

أما إذا لم يكن وضع و لا قرينة، فلا معنى للانسباق، لأن دلالة الألفاظ على معانيها ليست دلالة ذاتية، بل دلالتها بالجعل، و هذا الجعل عبارة عن الوضع أو القرينة. فإذا حصل التبادر من حاق اللفظ في مورد علم فيه عدم القرينة، يستكشف بالإن وجود الوضع من باب كشف العلة من وجود المعلول، حيث لا موجب لهذا الانسباق و التبادر، إلّا الوضع فيكشف عنه.

و قد اعترض على هذه العلامة بلزوم الدور، لأنّ معنى كون التبادر علامة على الحقيقة، أنّ العلم بالوضع بتوقف على التبادر، لأن العلم بذي العلامة يتوقف على حصول العلامة، فما لم تحصل العلامة لا علم بذيها. و التبادر متوقف على العلم بالوضع، لأن من كان جاهلا بالألفاظ و معانيها، لا يتبادر إلى ذهنه المعنى الحقيقي من اللفظ، فيكون هذا دورا.

212

و قد أجاب عن ذلك صاحب الكفاية (1) (قده) بالتمييز بين العلم المتوقف على التبادر، و العلم الذي يتوقف عليه التبادر، فادّعى أنّ العلم الذي يتوقف على التبادر هو العلم التفصيلي بالوضع، و العلم الذي يتوقف عليه التبادر هو العلم الارتكازي بالوضع؛ فهذان نحوان من الوجود لهذا العلم: وجود إجمالي مقترن مع الغفلة، و وجود بارز ظاهر لا يتلاءم مع الغفلة، و حينئذ المتوقف على التبادر هو العلم التفصيلي البارز. و أما التبادر فلا يتوقف على العلم التفصيلي بالوضع، بل يكفي فيه العلم بالوضع بوجوده الإجمالي الارتكازي. إذن فالمتوقف على التبادر غير ما هو متوقف عليه التبادر، فلا دور في المقام.

و هذا الجواب لا محصّل له، لأن المقصود من التبادر إمّا تحصيل أصل العلم بالوضع، و إمّا مجرد تبديل العلم من كونه إجماليا إلى كونه تفصيليا.

فإن كان المقصود بالتبادر هو الأول: فإشكال الدور محكم في المقام، لأن أصل العلم بالوضع لا بد من فرض وجوده قبل التبادر، و لو بنحو ارتكازي كيما يكون سببا في إيجاد التبادر، فكيف يعقل تحصيل أصل العلم بالوضع بهذه العلامة؟.

و إن كان المقصود بالتبادر هو الثاني: فهذا يحصل بمجرد الاستعلام، و التوجه إلى تحويل العلم الارتكازي إلى علم تفصيلي، بلا حاجة إلى أن يطلب ذلك بالتبادر. فالذي يريد أن يحوّل علمه الارتكازي إلى علم تفصيلي بالوضع، فبهذه الإرادة، و بمجرّد، الالتفات و التوجه إلى ذلك، يحصل لديه المطلب، بدون أن تصل النوبة إلى التبادر.

و لكن الصحيح: إنّ إشكال الدور في المقام لا أساس له أصلا، لأنه مبني على التصورات المتعارفة في باب الوضع، من كون الوضع هو الجعل‏

____________

(1) حقائق الأصول ج 1 ص 42- 43.

213

و الاعتبار، فيوجب انتقال الذهن من اللفظ إلى المعنى للعالم به، و يقال حينئذ: بأنّ المستعلم قبل أن يعلم بهذا الجعل، لا ينتقل ذهنه إلى هذا المعنى، و بعد علمه به لا حاجة إلى علاميّة التبادر في المقام.

و لكن بناء على مبنانا في حقيقة الوضع لا يتأتى إشكال الدور أصلا، لأننا قلنا في حقيقة الوضع: إنّه القرن الأكيد الشديد بين اللفظ و المعنى، و حينئذ من الواضح أن القرن بنفسه يكون سببا في التبادر، قبل أن يحصل العلم بالوضع، و يمكن معرفة ذلك بالالتفات إلى الطفل حيث يحصل عنده التبادر من لفظ (حليب) إلى المعنى المخصوص، مع أنّ الطفل لا علم له بالوضع.

و نقول: بأنّ العلم بالوضع يتوقف على أن يكون هناك انسباق و تبادر للمعنى من اللفظ. و أما التبادر لا يتوقف على العلم بالوضع، بل على روح الوضع، و هو القرن، فلا أساس لإشكال الدور. و هذا كله فيما إذا فرض أن علامة التبادر لوحظت بالنسبة إلى الجاهل المستعلم.

و أما إذا قلنا: بأن التبادر عند العالم إمارة على الوضع عند الجاهل، فهذا خارج عن محل الكلام، و داخل في الإطراد، فعلامة التبادر معقولة، لكن ليس بالتقريب الابتدائي المذكور، من أنّ التبادر و الانسباق له علتان: إمّا الوضع، و إما القرينة. فحيث لا قرينة يكشف التبادر كشفا إنّيا عن الوضع، من باب كشف المعلول عن العلة، بل الانسباق إلى ذهن المستعلم له ثلاث علل و توضيح ذلك:

إن الوضع روحه القرن، و هذا القرن على نحوين: شخصي و نوعي، فتارة يكون القرن بين اللفظ و المعنى في ذهن زيد قرنا شخصيا لمناسبات شخصية، و أخرى يكون قرنا نوعيا اجتماعيا بحيث يكون اللفظ مقرونا مع المعنى في ذهنه، لا باعتبار خصوصية في زيد، بل باعتبار أنه أحد أبناء اللغة و العرف. و هذا القرن النوعي هو ميزان الحجّية و الفهم في مقام استخراج المعاني من الألفاظ.

214

و كل من القرنين يولّد الانسباق و التبادر إلى الذهن، و الوضع المطلوب إثباته بالعلامة، إنما هو القرن النوعي، لأننا بالوضع نريد أن نعيّن مراد المتكلم، لان القرن النوعي يستتبع ظهورا نوعيا، بينما القرن الشخصي يستتبع ظهورا شخصيا، و موضوع وجوب العمل هو الظهور النوعي.

فالتبادر ينشأ من أحد أمور ثلاثة: إمّا من القرينة، و إمّا من قرن أكيد نوعي بين اللفظ و المعنى و هو الوضع، و إمّا من قرن شخصي. و حينئذ في مقام إثبات علامة التبادر و استكشاف الوضع، لا بدّ من نفي الطرفين الأخيرين، و هما: القرينة و القرن الشخصي. أما احتمال نشوء التبادر من القرينة، فلا بدّ في نفي ذلك من الفحص عن كل ما يكتنف اللفظ من حال أو مقال، فإن حصل الجزم بعدم وجود القرينة بسبب الفحص فهو، و إلّا فلا يمكن إثبات الوضع و نفي القرينة المشكوكة بأصالة عدم القرينة لما تقدم من أنّ أصالة عدم القرينة من الإمارات العقلائية المتعبّد بها فقط في طريق معرفة مراد المتكلم.

و لا يسري التعبّد، للوصول إلى الوضع اللغوي، و هنا ليس المراد بأصالة عدم القرينة تشخيص مراد المتكلم، فإن مراده معلوم بالتبادر. و إنما المراد تشخيص الوضع و تعيينه، و هذا مما لا يقبله أصالة عدم القرينة. إذن فلا بدّ من الجزم بعدم القرينة، و إلّا بطلت علاميّة التبادر.

و أما احتمال نشوء التبادر من القرن الشخصي في شخص زيد بالخصوص، فيمكن نفيه بالفحص و التأمل في حياتنا، لنتأكد من عدم وقوع أمر يؤثر في ذلك، و يمكن نفيه أيضا بالأصل العقلائي، فإن السيرة العقلائية منعقدة في المقام على أصالة التطابق بين الظهور الشخصي، و الظهور النوعي- بين التبادر الشخصي، و التبادر النوعي-. فالعقلاء يجعلون الظهور الشخصي إمارة على الظهور النوعي، و يجعلون التبادر النوعي إمارة على الوضع بحيث يثبت به مراد المتكلم. فهذا الاحتمال الثاني يمكن نفيه بالأصل العقلائي، بمعنى جعل التبادر الشخصي إمارة عقلائية على نوعية التبادر، و بهذا تتم علاميّة التبادر.

215

العلامة الثانية: صحة الحمل:

فقد ادّعي بأن صحة حمل اللفظ على معنى بالحمل الأولي الذاتي، يدل على أن الموضوع هو عين المعنى الذي وضع له اللفظ، و بالحمل الشائع الصناعي يدل على أنه فرد منه. فقولنا «الحيوان المفترس أسد» بالحمل الأولي، دلّ على أن الحيوان المفترس متحد ذاتا مع المعنى الموضوع له كلمة (أسد)، و بذلك يتعيّن المعنى الموضوع له. و قولنا: «زيد إنسان» بالحمل الشائع، دلّ على أن زيدا فرد من هذا المعنى الكلي، و هذا المعنى الكلي هو المعنى الموضوع له كلمة (الإنسان).

و هذه العلامة لا محصّل لها في المقام، و ذلك لأن المحمول في قولنا «الحيوان المفترس أسد» هل فرض استعماله في معنى معين دون أن يعرف في المرتبة السابقة أنه هو المعنى الموضوع له؟. أو فرض استعماله في معنى فرغ عن أنه هو المعنى الموضوع له؟.

فعلى الأول: غاية ما تقتضيه صحة الحمل أن يكون «الحيوان المفترس» عين ذاك المعنى الذي استعملت فيه لفظة (أسد). و الذي لا يدرى أنه هو المعنى الحقيقي، أو إنه هو المعنى المجازي للفظ (الأسد) فكيف يتعيّن المعنى الموضوع له اللفظ؟.

و على الثاني: لا معنى لجعل صحة الحمل علامة على الحقيقة، لأنه قد فرغ من تعيين المعنى الموضوع له مسبقا، و على هذا فيه دور، لأن صحة الحمل على الثاني، تكون في طول العلم بالوضع، فكيف يطلب العلم بالوضع من صحة الحمل؟. و لا ينفع ما ذكرنا من التخلص في علاميّة التبادر في دفع الدور هنا، لأن التبادر هو مجرد انتقال تصوري، من تصور اللفظ إلى تصور المعنى، فلا يتوقف إلّا على القرن الأكيد، و لا يستبطن حكما تصديقيا، بينما صحة الحمل عبارة عن حكم تصديقي من قبل المستعلم، فلا بد من العلم بكلا الطرفين بالمعنى الموضوع له لفظ (الأسد)، و بالمعنى الموضوع له لفظ

216

«الحيوان المفترس». فالحكم التصديقي فرع العلم بالمعنى الموضوع له، و هذا بخلاف التبادر، فالدور مستحكم، و على هذا فالعلامة الثانية و هي صحة الحمل ساقطة.

العلامة الثالثة: الاطّراد:

و يمكن تقريب هذه العلامة بعدة وجوه:

الوجه الأول: إنّ المراد من الإطراد هو الإطراد في التبادر، و الانفهام، و توضيح ذلك:

ذكرنا إنّ موضوع العلامة الأولى هو التبادر الحاصل من حاق اللفظ الغير مستند إلى قرينة، و حينئذ إذا حصل التبادر مرة يحتمل أن يكون ذلك مستندا إلى قرينة لم نلتفت إليها، و لكن إذا حصل التبادر مرات عديدة، فهذا الإطراد بالتبادر يوجب زوال احتمال القرينة بحسب حساب الاحتمال، و حينئذ يكون الإطراد بالتبادر علامة على أنّ التبادر تبادر من حاق اللفظ؛ و هذا يحقق صغرى و موضوع للعلامة الأولى، و لا يكون الإطراد علامة برأسه.

الوجه الثاني: إنّ المراد من الإطراد هو الإطراد في الاستعمال، و كأنه ظاهر كلام السيد الأستاذ (1). و حاصل هذا الوجه: إنّه لا بد للمستعمل إمّا أن يستعمل اللفظ في المعنى الموضوع له، أو يستعمله في غير المعنى الموضوع له مع القرينة.

فإذا استعمل لفظ «أسد» في الحيوان المفترس مثلا، و لم يدر إنّ هذا الاستعمال حقيقة، أو مع القرينة، فقد يحتمل وجود القرينة و هذا الاحتمال لا يمكن نفيه في الاستعمال الواحد، لكن في مئات الاستعمالات يضعف جدا احتمال نصب القرينة، فيحصل بالتدريج الوثوق و القطع بأن المستعمل‏

____________

(1) محاضرات فياض: ج 1/ ص 124.

217

استعمل اللفظ بلا قرينة و لو في بعض الموارد على الأقل، فيستكشف الوضع بهذا الإطراد في الاستعمال.

و هذا التوجيه للاطراد غير صحيح، و ذلك لأن الاستعمال لا ينحصر بالوضع أو القرينة، بل المصحح للانفهام هو إمّا الوضع و إما القرينة. فإن فهم المطلب من اللفظ بنحو مطّرد، بكشف أنّ هذا الانفهام ليس بالقرينة، و إنما بالوضع، و هذا هو الإطراد في التبادر. و أما الاستعمال فلا ينحصر مصحّحه بالوضع، أو بالقرينة، لوضوح أن المستعمل قد يستعمل اللفظ في المعنى المجازي بلا وضع، و بلا قرينة، فيما إذا تعلق غرضه بالإجمال و الإبهام، إذن فلا يمكن بالاطّراد في الاستعمال إثبات أنّ المستعمل استند إلى الوضع فهذا الوجه غير وجيه.

الوجه الثالث: إنّ المراد من الإطراد هو اطّراد الحيثية المصححة للإطلاق، فإطلاق اللفظ على فرد بلحاظ وجدان ذلك الفرد لحيثيته، تكون تلك الحيثية هي المصححة للإطلاق، فالنظر إلى تلك الحيثية إن كانت دائما مصحّحة للإطلاق فالإطلاق حقيقي و إن كانت أحيانا لا تصحّح فالإطلاق مجازي.

فمثلا حينما يطلق لفظ «الأسد» على هذا الحيوان بالخصوص، بلحاظ وجدانه لحيثيته، و هي كونه حيوانا مفترسا، و هذه الحيثية المصححة مطردة، بمعنى أنه متى ما وجد في فرد حيثية كونه حيوانا مفترسا، يصح إطلاق اللفظ عليه، فبهذا الإطراد تكون الإطلاقات حقيقية. و لكن حينما يطلق لفظ الأسد على زيد، بلحاظ حيثية المشابهة للحيوان المفترس، فهذه الحيثية ليست دائما مصححة، فهناك مشابه للحيوان المفترس في الرائحة، و مع هذا لا يصح إطلاق لفظ «الأسد» عليه. فالحيثية المصحّحة ليست مطردة التصحيح، فهي حيثية مجازية.

218

و هذا يرد عليه ما أورده صاحب الكفاية (قده) (1) و حاصله: إنّ الحيثية المصحّحة للإطلاق دائما مطردة في الحقيقة، و في المجاز. ففي موارد المجاز: الحيثية المصححة للإطلاق ليست هي طبيعي المشابهة، حتى يقال بأنها ليست مطردة، بل هي المشابهة بدرجة مخصوصة في أظهر الصفات، و هذه الحيثية مطردة التصحيح. فالإطراد في الحيثية المصححة ليست من مختصات المعنى الحقيقي، ليكون علامة على الحقيقة.

الوجه الرابع: إنّ المراد بالاطّراد هو الإطراد في الاستعمال بلا قرينة، بمعنى أن أبناء اللغة حينما يستعملون لفظ «الأسد»، و يريدون به الحيوان المفترس، مع التأكد من عدم نصب القرينة في تمام تلك الاستعمالات، حينئذ يجعل هذا الإطراد علامة على الحقيقة.

و الفرق بين هذا الوجه و الوجه الثاني هو: إن في الوجه الثاني كان يقال إن الإطراد في الاستعمال يكشف عن أنّ الاستعمال بلا قرينة. أما هنا فنقول:

بأن العلامة هي الإطراد في الاستعمال الذي أحرزنا قبلا أنه بلا قرينة، و حينئذ نقول، إذا اطّرد استعمال اللفظ في المعنى المخصوص بلا قرينة مرارا عديدة، فهذا علامة على أن هذا هو المعنى الموضوع له، و ذلك لأنه إذا فرض في مورد واحد استعمل اللفظ، و أريد به المعنى المخصوص، و لم ينصب قرينة على ذلك، فحينئذ يقال بأن الاستعمال أعم من الحقيقة، فلعلّ المستعمل في هذا المورد أراد المعنى المجازي، لأنّ غرضه قد تعلق بالإجمال، و لهذا لم ينصب قرينة. و لكن إذا فرض تكرر هذا المطلب بحيث كان ديدنا و طريقة لأبناء اللغة، بحيث يستعملون لفظ «الأسد» في المعنى المخصوص، دون أن ينصبوا قرينة على ذلك، فحينئذ الأمر يدور بين احتمالين:

إما أن يكون لفظ «الأسد» موضوعا للحيوان المفترس، و لهذا استغنوا عن القرينة.

____________

(1) حقائق الأصول: ج 1/ ص 45- 46.

219

و إما أن يكون لفظ «الأسد» غير موضوع للحيوان المفترس، و قد استعملوا اللفظ في الحيوان المفترس مجازا، و لكن من باب الصدفة كان للجميع غرض في الإجمال و لهذا لم ينصبوا قرينة.

و الاحتمال الثاني منفي عقلائيا باعتبار أن الإجمال. و إن كان أمرا قد يتفق مرة أو أكثر، و لكن لا يكون الإجمال اتجاها عاما في الاستعمال، فإنه على خلاف الطريقة العقلائية في مقام التفهيم، فحيث لوحظ أن الاستعمال بلا قرينة كان ديدنا و طريقة، حينئذ يستبعد الاحتمال الثاني، و يتعيّن الاحتمال الأول. و هذا الوجه هو الصحيح لعلاميّة الإطراد، فإنّ هذا إمارة عقلائية معتبرة في مقام تعيين الوضع.

220

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

221

الحقيقة الشرعية

الكلام فيها يقع في ثلاثة محاور:

1- المحور الأول: في بحث الثبوت.

2- المحور الثاني: في بحث الإثبات.

3- المحور الثالث: في تصوير ثمرة البحث.

المحور الأول- في بحث الثبوت:

و الكلام في المحور الأول يقع في الأنحاء الممكنة من الوضع، بحيث يمكن صدورها في مقام إيجاد الحقيقة الشرعية.

لا إشكال في أن الحقيقة الشرعية، يمكن إيجادها بالوضع التعيّني و الوضع التعييني. غير أن المحقق الخرساني‏ (1) (قده) قد تعرض هنا إلى مطلب، موضعه المناسب، هو باب الوضع، و هذا المطلب هو أن الوضع التعييني كما يحصل بالتصريح قد يحصل بنفس الاستعمال. و هذا المطلب، و إن كان لا يختص بباب الألفاظ الشرعية، لأنه مطلب كلي، غير أن المحقق الخراساني (قده) تعرض له هنا، لأنه يريد أن يكسر سورة استبعاد الوضع‏

____________

(1) حقائق الأصول: ج 1/ ص 47.

222

التعييني، حيث يستبعد جدا حصول الوضع التعييني بالتصريح من قبل النبي (ص). إذ لو كان قد حصل، لنقل إلينا على ما يأتي. فبهذه المناسبة أبدى المحقق الخراساني شقا آخر في الوضع التعييني. و من هنا وقع البحث الثبوتي في أن حصول الوضع بنفس الاستعمال، هل هو أمر معقول أو غير معقول؟. و الكلام في معقولية حصول الوضع بالاستعمال يقع على ثلاثة تقديرات:

1- التقدير الأول: و الكلام فيه يقع بناء على المسلك المختار في باب الوضع، فقد تقدم إنّ الوضع أمر واقعي يوجده الواضع في ذهن السامع بقرن اللفظ بالمعنى، قرنا أكيدا شديدا. و بناء على هذا التقدير، فمن الواضح جدا معقولية إيجاد الوضع بالاستعمال، فإنّ الاستعمال ليس إلّا وسيلة من وسائل القرن، حيث يتوسل إليه الواضع تارة بالتصريح، و أخرى بنفس الاستعمال، فمعقولية إيجاد الوضع بالاستعمال في غاية الوضوح.

2- التقدير الثاني: هو إن الوضع أمر إنشائي فكما أن المعاملات أمور إنشائية تحصل بالإنشاء بقولك: «بعت» «و صالحت»، كذلك الوضع علقة إنشائية تحصل بالإنشاء، و في هذا التقدير يوجد اتجاهان:

أ- الإتجاه الأول: و هو ما نقلناه سابقا عن السيد الأستاذ، و حاصله: إن المطالب الإنشائية أمور نفسانية تبرز باللفظ، فنسبة اللفظ إلى المطلب الإنشائي نسبة المبرز إلى المبرز، لا نسبة السبب إلى المسبّب. فمثلا في باب البيع: هناك مطلب نفساني، و هو اعتبار الملكية، و هذا الاعتبار النفساني يبرز بقولك «بعت» و غيره.

ب- الإتجاه الثاني: و هو ما نسب إلى المشهور، و حاصله: إن المطالب الإنشائية إيجادية يتسبّب إلى إيجادها باللفظ، فبقولك «بعت» توجد شيئا لم يكن موجودا قبل التلفظ، و غير ذلك من المعاملات.

فعلى الإتجاه الأول: لا يكون إيجاد الوضع بنفس الاستعمال أمرا معقولا، لأن الاستعمال ليس أمرا نفسانيا بل هو أمر خارجي، فالوضع لا بدّ

223

من فرضه قبل الاستعمال، بأن يكون هناك اعتبار، أو تعهد نفساني قائم بنفس الواضع، و اللفظ يكون مبرزا له. إذن إيجاد الوضع بالاستعمال أمر غير معقول، و إنما المعقول إبراز الوضع بالاستعمال، فلا بدّ من تبديل العبارة، فبدلا من القول بإيجاد الوضع بالاستعمال، نقول: بإبراز الوضع بالاستعمال، فالواضع حينما يعتبر في نفسه. أو يتعهد، فتارة يبرزه صريحا بقوله «وضعت»، و أخرى يبرزه بالاستعمال، فإن أريد إيجاد حاق الوضع بالاستعمال فهو أمر غير معقول.

و على الإتجاه الثاني: يعقل تصوير الوضع بالاستعمال، و ذلك بأن يستعمل الواضع لفظة «الماء» في معناها و يتسبّب بنفس هذا الاستعمال إلى إنشاء العلقة الوضعية و إيجادها اعتبارا، فكأنه يوجد استعمالان طوليان:

الأول: استعمال لفظة «الماء» في المعنى الذي يراد وضع اللفظة له، و هذا الاستعمال ليس إخبارا و لا إنشاء، لأنها كلمة إفرادية، و الآخر: استعمال لنفس عملية الاستعمال، ففي طول الاستعمال الأول تنشأ العلقة الوضعية، و هذا الاستعمال الثاني يكون إنشاء لا محالة، و يكون أمرا معقولا.

3- التقدير الثالث: هو إنّ الوضع مفهوم جامع بين الفرد الإنشائي و الفرد الحقيقي، و لعلّ هذا هو ظاهر الكفاية (1) حيث يقال بأن الوضع هو تعيين و تخصيص اللفظ ليدل على المعنى، و مفهوم التعيين هذا يتصور له فردان:

أ- فرد إنشائي: و ذلك بأن يقول «عيّنت»، و «خصّصت» اللفظ الفلاني ليدل على المعنى الفلاني.

ب- فرد حقيقي: و ذلك بنفس الاستعمال. فإنّ استعمال اللفظ في المعنى ليدل على المعنى، هو تخصيص اللفظ واقعا للمعنى، و هذا فرد واقعي لعملية التخصيص و التعيين، و ذاك فرد إنشائي من التخصيص.

____________

(1) حقائق الأصول: ج 1/ ص 48.

224

و هذا التصوير على هذا التقدير غير صحيح، باعتبار أن استعمال اللفظ في المعنى يكون فردا واقعيا من الوضع فهذا غير صحيح، لأن الاستعمال دائما يكون جزئيا بينما الوضع دائما يكون كليا. فدعوى أن الاستعمال فرد حقيقي من الوضع هو خلط بين تعيين الشخص و تعيين النوع، فالاستعمال دائما تعيين شخص هذا اللفظ لهذا المعنى، و الوضع هو تعيين نوع هذا اللفظ لهذا المعنى، فكيف يكون هذا فردا حقيقيا من ذاك؟. و بهذا اتضح حاق الكلام على التقادير الثلاثة، إلّا أنه أشكل على هذا الاستعمال بإشكالين:

1- الإشكال الأول: و حاصله‏ (1) لزوم اجتماع اللحاظ الآلي، و اللحاظ الاستقلالي، فيما إذا أوجد الوضع بالاستعمال، لأن في عالم الوضع يلحظ اللفظ و المعنى باللحاظ الاستقلالي. و في عالم الاستعمال يلحظ باللحاظ الآلي. فإذا توحّد الوضع و الاستعمال في مطلب واحد يلزم من ذلك اجتماع اللحاظ الآلي الاستقلالي.

و هذا الإشكال ليس بشي‏ء بناء على التقدير الأول. فبناء على مسلكنا في أن الوضع أمر واقعي، و قرن بين اللفظ و المعنى، فلا يحتاج إلى لحاظ للفظ و لا للمعنى، و ذلك لأنّ الوضع ليس حكما جعليا يحتاج إلى لحاظ للفظ و لحاظ للمعنى، بل الوضع أمر واقعي، قد يحصل صدفة بلا فعل واضع، و قد يحصل بكثرة الاستعمال، مع أن في كثرة الاستعمال لا يوجد لحاظ استقلالي، و إنما لحاظ آلي. إذن فلا يشترط في الوضع اللحاظ الاستقلالي للفظ و المعنى، فلا يلزم اجتماع اللحاظ الآلي، و اللحاظ الاستقلالي.

و أمّا بناء على التقدير الثاني: فإن قلنا بالاتجاه الذي ذهب إليه السيد الأستاذ من أنّ المطالب الإنشائية أمور نفسانية و أن اللفظ مبرز لها، فمن الواضح عدم اجتماع اللحاظين، لأن الوضع في عالم النفس و الاستعمال في عالم التكلم الخارجي، و هذا مبرز و ذاك مبرز، فاللحاظ الاستقلالي في عالم‏

____________

(1) حقائق الأصول: ج 1/ هامش ص 48.

225

المبرز و اللحاظ الآلي في عالم الإبراز، فلم يجتمعا في عالم واحد.

و إن قلنا بالاتجاه الثاني: بأن المطالب الإنشائية أمور تسببية إيجادية باللفظ، فأيضا لا يجتمع اللحاظان، لأنه يوجد كما بينا استعمالان طوليان:

الأول: استعمال اللفظ في المعنى، و الثاني: استعمال هذا الاستعمال في مقام الإنشاء، و اللحاظ في الأول آلي، و لحاظ الاستعمال في الثاني استقلالي، فلم يجتمع اللحاظان في مرتبة واحدة، بل أولا لوحظ اللفظ و المعنى باللحاظ الاستعمالي الآلي، و ثانيا لوحظ نفس الاستعمال مرة أخرى بلحاظ آخر، فهنا استعمالان طوليان فلم يجتمع كلا اللحاظين.

و أمّا بناء على التقدير الثالث فلم نتعقله في نفسه حتى نتكلم بناء عليه.

2- الإشكال الثاني: و حاصله: إن الاستعمال إمّا أن يكون حقيقيا، و إمّا أن يكون مجازيا. و الاستعمال في المقام ليس حقيقيا و لا مجازيا؛ أما أنه ليس حقيقيا، لأن اللفظ لم يكن بعد موضوعا لهذا المعنى حتى يكون الاستعمال فيه حقيقيا. و ليس مجازيا لأن المجازية فرع العلاقة بينه و بين المعنى الحقيقي، و هو بعد لم يحصل له معنى حقيقي. إذن فالاستعمال في المقام ليس حقيقيا، و ليس مجازيا فهو غلط لا محالة.

و قد يتوهم في مقام دفع هذا الإشكال: بأن الاستعمال هنا حقيقي، لأن الوضع و إن كان يحصل بنفس الاستعمال فيكون في طوله، و معلولا له، و لكنه مقارن له زمانا، لأن المعلول يقارن العلة زمانا. و حيث أن الاستعمال علة للوضع فيتقارنان زمانا، فيكون اللفظ مستعملا في المعنى الموضوع له بالوضع الحاصل في نفس آن الاستعمال، و هذا كاف في صيرورة الاستعمال استعمالا حقيقيا.

و التحقيق أن يقال: بأن الاستعمال على نحوين: استعمال تفهيمي و استعمال غير تفهيمي.

226

و المراد بالأول: تفهيم المعنى و نقل ذهن السامع إلى المعنى و لو اقتضاء.

و المراد بالثاني: جعل اللفظ قالبا للمعنى، و إلقاء اللفظ بنحو من اللحاظ كأنه المعنى من دون أن يكون هناك قصد و غرض في تفهيم السامع، و إعداد ذهنه، و لو اقتضاء.

و عليه: فإن كان المراد بالاستعمال في المقام الاستعمال التفهيمي:

فالإشكال في محلّه، و هو إنّ الاستعمال التفهيمي لا بد و أن يكون مستندا إلى الوضع، أو مستندا إلى إحدى علاقات المجاز. إذ بدون الوضع، و بدون إحدى علاقات المجاز، لا يكون اللفظ مفهما للمعنى، فلا يعقل الاستعمال التفهيمي. و لا ينفع في دفع الإشكال، الدعوى المذكورة من معاصرة الوضع للاستعمال، لأن فيه دورا واضحا. فإن الوضع الذي حصل في آن الاستعمال، هو في طول الاستعمال التفهيمي، فيتوقف عليه. و الاستعمال التفهيمي يتوقف على الوضع فيكون دورا صريحا. هذا لو كان المقصود من إيجاد الوضع بالاستعمال إيجاد الوضع بالاستعمال التفهيمي، و لكن هذا أول الكلام، بل مقصودنا من ذلك إيجاد الوضع بالاستعمال غير التفهيمي، لأنه إلقاء للمعنى بإلقاء اللفظ، سواء أ كان ذهن السامع مستعدا لفهم ذلك، أو لم يكن مستعدا لذلك، فإنّ استعمالية الاستعمال ليست متوقفة على كون اللفظ قابلا للتفهيم، بل الاستعمال أمر محفوظ على كل حال، و لهذا يعقل استعمال اللفظ في المعاني الأجنبية كأن يستعمل لفظة «الماء» و يريد الحجارة. و هذا الاستعمال أمر معقول، و لكنه مستهجن عند العقلاء، لأنه لا يتعلق به غرض عقلائي. إذن ففي المقام نقصد إيجاد الوضع بالاستعمال غير التفهيمي، و هذا لا يعتبر أن يكون مستندا إلى الوضع، أو إلى إحدى علاقات المجاز، لأنه لم يقصد به التفهيم، بل قصد به إيجاد الوضع، و هذا غرض عقلائي، فلا غرابة فيه عند العقلاء. فهذا الإشكال أيضا غير وارد. و بهذا يتضح أن إيجاد الوضع التعييني بالاستعمال أمر معقول، و بهذا انتهى المحور الأول.

227

المحور الثاني- في بحث الإثبات:

و حاصل الكلام في هذا المحور هو: إنّ الحقيقة الشرعية هل صدرت، بمعنى أن الشارع هل تمّ على يده وضع اللفظ للمعنى الشرعي، أو لم يتم ذلك؟.

نتكلم أولا في الوضع التعيني، و ثانيا في الوضع التعييني الحاصل بالتصريح، و ثالثا في الوضع التعييني الحاصل بالاستعمال.

أولا: الوضع التعيني‏

أمّا الوضع التعيني الحاصل بكثرة الاستعمال فالتسليم به في المقام يتوقف على عدة أمور:

1- الأمر الأول: أن لا تكون هذه الألفاظ بأشخاصها، قد استعملت في العرف العربي قبل النبي (ص)، في نفس هذه المعاني، و إلّا يكون استعمال النبي (ص) للفظ الصلاة مثلا تطبيقا لما سبقه من عرف عربي، و لا يكون منشئا لوضع جديد.

2- الأمر الثاني: هو عدم إثبات الوضع التعييني من أول الأمر، و إلّا لا تصل النوبة إلى الوضع التعيّني الناشئ من كثرة الاستعمال، و المحتاج إلى طول زمان، بل يكون الوضع التعييني حينئذ منفيا.

3- الأمر الثالث: هو أن إثبات الوضع التعيني يتوقف على وجود كثرة استعمالية معتد بها، بحيث تكفي لإيجاد العلقة الوضعية بين اللفظ و المعنى.

و هذا الأمر الثالث قد يستشكل فيه في المقام بأحد تقريبين:

أ- التقريب الأول: أن يقال بأن الاستعمالات التي صدرت من النبي (ص)، لا نحرز كثرتها بحيث تحقّق الكفاية لإيجاد العلقة الوضعية، و لإيجاد الوضع التعيني. فلو أشركنا استعمالات النبي (ص) مع استعمالات الصحابة، لكانت بمقدار، بحيث تكفي للإيجاد العلقة الوضعية، لكن حينئذ

228

تكون تلك العلقة ناشئة من عمل الشارع و المتشرعة معا، فلا تكون الحقيقة حقيقة شرعية.

و الجواب على ذلك هو: إنّ الغرض الفقهي هو إثبات ظهور لفظ «الصلاة» في المعنى الشرعي على عهد النبي (ص)، و هذا الظهور يثبت بحصول الوضع التعيني اجتماعيا سواء حصل هذا الوضع اجتماعيا بسبب استعمالات النبي (ص) فقط، أو بسبب المجموع المركب من استعمالات النبي (ص) و الصحابة. فعلى كلا التقديرين يحصل القرن الشديد في الذهنية الاجتماعية بين اللفظ و المعنى، و هذا القرن يوجب تبادر المعنى من اللفظ، و هذا هو معنى الظهور، و الظهور هو تمام الغرض في المقام، فيكفي هذا لإثبات المطلب.

ب- التقريب الثاني: أن يقال بأن الكثرة من الاستعمالات، و إن كانت موجودة و لو بضم استعمالات الصحابة إلى استعمالات النبي (ص)، لكن هذه الكثرة كانت دائما مقرونة بالقرينة. و حيث أنها كذلك فلا تؤدي إلى الوضع التعيني، لأنه يحصل باستعمالات بحيث يراد المعنى من اللفظ من دون أن ينضم إلى القرينة، فكأن صاحب هذا التقريب يشترط في الوضع التعيني أن تكون الاستعمالات مجردة عن القرينة، و لعلّ الوجه في هذا الاشتراط هو هذا البيان: إن القرن الشديد الحاصل بكثرة الاستعمال ما هو طرفاه؟.

فإن كانت الاستعمالات مقرونة بالقرينة دائما- الصلاة مع القرينة يراد بها المعنى الشرعي- إذن فالقرن سوف يحصل بين الصلاة المقيدة بالقرينة، و المعنى الشرعي، و ليس بين ذات الصلاة و المعنى الشرعي. و هذا لا يكفي لحصول الوضع التعيني، فإن الوضع يكون بحصول القرن الشديد بين ذات لفظ «الصلاة» المجرد عن القرينة و المعنى الشرعي.

و لكن هذا الكلام غير صحيح، و ذلك لأن القرينة لو كانت مشخّصة بعينها، كأن كانت لفظا بعينه ككلمة (شرعية) عند ما يراد المعنى الشرعي، يقال: الصلاة الشرعية، فحينئذ الإشكال وارد، لأن القرن في عالم الذهن صار

229

بين المعنى الشرعي، و بين كلمة صلاة شرعية. إذن فذات الصلاة لم يحصل بينها و بين المعنى الشرعي علقة وضعية، هذا لو كانت القرينة دائما من سنخ واحد. لكن الأمر ليس كذلك، فإنّ القرينة و لو سلّم وجودها في الاستعمالات المختلفة، لكنها من أنواع شتى، فتارة تكون كلمة، و أخرى تكون حالا، و ثالثة ارتكاز، و رابعة فعلا و هكذا؛ ففي مثل ذلك، القرن يحصل بين المعنى و اللفظ المحفوظ في تمام الموارد، و أما القرائن فباعتبار تكثّرها لا تبقى تحت القرن، فلفظ «الصلاة» في كل مورد، له سنخ قرينة يختلف عن سنخ القرينة في المورد الآخر. فالقرن يحصل بين ذات لفظ «الصلاة» و المعنى الشرعي، و بذلك يتم الوضع التعيني.

إذن فالوضع التعيّني يتوقف على أمور ثلاثة. الأمر الثالث تام في نفسه، و هو وجود استعمالات كثيرة بالدرجة المطلوبة لإيجاد العلقة الوضعية و الأمر الأول و الثاني يأتي الكلام فيهما تباعا.

الوضع التعييني الحاصل بالتصريح:

إنّ احتمال أن يكون النبي (ص) قد وضع لفظ «الصلاة» للمعنى الفلاني صريحا، ساقط، لأن الواضع حينما يوجد وضعا بهذه الكيفية، إنما يريد به أن يوجد لغة و عرفا لغويا، و هذا لا يكون إلّا بإلقاء ذلك على المجتمع، لأنه يريد بذلك إيجاد اللغة، و اللغة ظاهرة اجتماعية، و ليست فردية، فالغرض من الوضع غرض اجتماعي، و لا يحصل إلّا بإلقاء المطلب على المجتمع، و لا يحتمل أن النبي (ص) ألقى المطلب اجتماعيا، و لم ينقل ذلك مع التحفظ على نقل كل ما يسترعي الانتباه في سيرته و أقواله، فإحتمال الوضع التعييني التصريحي ساقط بهذا التقريب.

الوضع التعييني الحاصل بكثرة الاستعمال:

لا غرابة في ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني الاستعمالي، بحيث أنّ هذا الوضع يفترض صدور الاستعمال غير التفهيمي من قبل النبي (ص).

230

فما أكثر الاستعمالات الصادرة عنه، و لعل أولها كان استعمالا إعلاميا في مقام إيجاد الوضع به، و هذا أمر معقول في نفسه، و لكن لا بد من إقامة الدليل عليه، و المتحصّل في كلماتهم مركّب من كبرى و صغرى:

فالكبرى: هي أن السيرة العقلائية قائمة على أن المخترع يوجد وضعا معينا، و لفظا مخصوصا للمعنى الذي اخترعه.

و الصغرى: هي أن النبي (ص) يعتبر مخترعا لهذه المركبات الاعتبارية بحيث جعل لها أجزاء و شرائط.

و الكبرى تنطبق على النبي (ص) باعتباره مخترعا، فيستكشف من ذلك أنه أوجد الوضع بالنسبة إلى هذه المعاني الجديدة المخترعة، و حيث أنه لم يصرح بذلك فيحمل الوضع على الوضع الاستعمالي.

و من الواضح أن هذا الدليل بهذه الصيغة قاصر عن إثبات المقصود، و ذلك لأننا لو سلّمنا بالصغرى و الكبرى، فغاية ما يفيد، الظن بأن النبي (ص) لم يتجاوز السيرة العقلائية، و لا يمكن حصول الجزم بذلك، و لا دليل على حجية مثل هذا الظن. لكن هذه الصيغة في الاستدلال يمكن إجراء تعديل عليها، بحيث تكتسب صفة فنية، و هذا التعديل هو أن نقول: إنّ السيرة العقلائية للمخترعين، و كون ديدنهم أن يضعوا ألفاظا معينة لإفادة المعاني التي يخترعونها، إذن يحدث ظهورا عرفيا في نفس الاستعمال الأول الذي يصدر من النبي (ص) مقتضاه و طبعه، أنه يوجد الوضع بالاستعمال الأول، فهذا الطبع العرفي يدل بالالتزام على أن الاستعمال الأول ظاهر عرفا في أنه في مقام إيجاد الوضع، فيكون ظهورا لفظيا عرفيا. و فرق بين هذا البيان و سابقه: حيث أن هذا البيان، و أن لم يوجب الجزم بحصول الوضع بالاستعمال، بل أوجب الظن، و لكن هذا الظن مرجعه إلى الظهورات العرفية اللفظية، و بذلك يكون هذا الظن حجة، بينما في البيان السابق كان الظن ظنا مجردا، بأن النبي (ص) قد وافق طريقة العقلاء؛ و بهذا البيان يمكن إصلاح ذلك الدليل، و بعد إصلاحه يمكن أن نشكل عليه بمنع الصغرى التي مفادها: إنّ الشارع مخترع لهذه‏

231

المعاني، فنقول: إنّ الشارع ليس مخترعا لهذه المعاني، بل هي كانت موجودة قبل الإسلام، و الشارع عبّر عنها. فالمعاني ليست مستحدثة، فلا يشمله كبرى السيرة العقلائية.

و هذا المطلب و هو كون المعاني سابقة قبل الإسلام، يمكن الاستيناس له بكثير من الآيات القرآنية الكريمة التي وردت في أحوال الأنبياء السابقين على اختلاف مراتبهم، فإن استقراء الآيات على الأقل في خصوص «الصلاة» مثلا، يدل على أن الصلاة كانت أمرا معهودا ثابتا في تمام الشرائع، فشأنها شأن الإيمان باللّه و اليوم الآخر، يدخل في القدر المشترك ما بين هذه الرسالات المختلفة، و حينئذ يظهر من هذه الآيات أن هذه المعاني ليست مخترعة بل قديمة.

و هنا قد يستشكل في هذا الاستيناس بأن هذه الآيات و منها وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا و إن كانت تدل بأن هناك صلاة، و زكاة، و غير ذلك، و لكن من قال بأن كلمة «الصلاة» في الآية المذكورة قد استعملت في المعنى الشرعي؟. فلعلها استعملت في المعنى اللغوي؟.

فإن قيل: بأن كلمة «الصلاة» في عهد صدور هذه الآية كان معناها الحقيقي هو المعنى الشرعي، فنحملها على المعنى الشرعي من باب أصالة الحقيقة، و هذا معناه الاعتراف بثبوت الحقيقة الشرعية و هذا هو المطلوب.

و إن قيل: بأن كلمة «الصلاة» لم يثبت كونها حقيقة في المعنى الشرعي، إذن كيف يمكن أن نعرف أن المراد منها المعنى الشرعي. لكي نثبت أن عيسى (ع) كان قد أوصي بالصلاة بالمعنى الشرعي؟.

إذن فهذه الآيات الكريمة لا يمكن أن تكون دليلا على ثبوت الصلاة بالمعنى الشرعي عند الأنبياء السابقين، إلّا إذا اعترفنا بالحقيقة الشرعية بحيث أن هذه الألفاظ هي حقيقة بالمعنى الشرعي في أيام النبي (ص)، و إذا لم‏

232

نعترف بذلك فلعل المراد منها المعنى اللغوي، فكيف يمكن إثبات كون المعاني قديمة و غير مستحدثة؟.

إلّا أنّ هذا الإشكال في غير محله و ذلك بتقريبين:

التقريب الأول: إننا نسلّم بالحقيقة الشرعية و لو بلحاظ كثرة الاستعمال، فنحن نسلم بأن لفظة «الصلاة» صارت حقيقة في المعنى الشرعي بعد مضي زمان، و لو بكثرة الاستعمال، فنجري أصالة الحقيقة في الآيات التي تحدثت عن وجود الصلاة في الشرائع السابقة، و نثبت بأصالة الحقيقة أن المقصود بوجودها وجود المعنى الشرعي، خصوصا الآيات المدنية التي نزلت بعد سنين، و بعد أن تمّت كثرة الاستعمال، و تحقق أنس وضعي استعمالي بين اللفظ و المعنى، و محل النزاع هو الوضع التعييني. و نحن نعترف بالوضع التعيني، و نجري أصالة الحقيقة بلحاظ الوضع التعيني في هذه الآيات، و نثبت أن هذه المعاني الشرعية كانت ثابتة قديما، و عليه: فالنبي (ص) لم يكن هو المخترع، إذن فلا موجب لتطبيق السيرة العقلائية عليه.

و التقريب الآخر هو: إنه يكفي الشك في المقام، فإنّ هذه الآيات توجب احتمالا كبيرا بأن الصلاة بالمعنى الشرعي كانت موجودة في الشرائع السابقة، و الاحتمال يبطل الاستدلال، فإن الدليل كان متوقفا على صغراه و كبراه، فإذا نشأ احتمال كبير بأن النبي (ص) ليس مخترعا، بل المعنى الشرعي للصلاة كان موجودا من الأول، فهذا الاحتمال يكفي لإبطال الدليل، و إن لم يتعين المعنى الشرعي.

أضف إلى ذلك قدم لفظة «الصلاة» و أمثالها، و الذي يقرّب هذا المدّعى أنّ العرب الذين كانوا يدينون باليهودية و النصرانية، و يمارسون تلك المعاني الشرعية القديمة، بما ذا كانوا يسمّون تلك المعاني؟. هل كان يعبّر عنها بالصلاة، أو بغير الصلاة، أو لم يكن يعبّر عنها بشي‏ء؟.

أما إنه لا يعبر عنه بشي‏ء فهذا غير صحيح، إذ كيف كان يوجد فعل‏

233

شائع، و لا يصطنع له أسلوب في مقام التعبير عنه؟.

و أما أنه كان يعبر عنه بغير كلمة «الصلاة» فهذا أيضا غريب، لأنه لو كان يوجد كلمة أخرى تدل على هذا المعنى في لغة العرب، و في أعرافهم، لما أمكن عادة أن تختفي هذه الكلمة دفعة واحدة بمجرد ظهور الإسلام، بحيث لا يبقي لها أثر في القرآن، و لا في الحديث و لا في الخطب فهذا غير محتمل عادة. نعم بعد أن جاء الإسلام استغني عن تلك الكلمة بالتدريج، لكن هذا يتطلب الاختفاء التدريجي، مع أنه لا يوجد في تراث العرب في صدر الإسلام كلمة أخرى تعطي هذا المعنى.

إذن فهذا أيضا بعيد جدا فالمتعيّن أنهم كانوا يستعملون لفظ «الصلاة»، و «الصيام»، و نحو ذلك، في نفس هذه المعاني الشرعية، و أن النبي استعمل ذلك بوصفه إنسانا عربيا، و كذلك القرآن بوصفه كتابا عربيا.

و ممّا يؤيد ذلك: أنه ورد في القرآن نسبة الصلاة إلى الكفار و المشركين، حيث أن ظاهر القرآن أن هناك عملا كان المشركون يسمونه صلاة وَ ما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً. لكن النبي (ص) يقول: إنّ هذا ليس بصلاة حقيقة، و قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ‏ لا يقصد منه إلّا الكفار بحسب ظاهر السياق.

و مما يؤيد ذلك أيضا: ورود كلمة «الصلاة» في (إنجيل برنابا) بقطع النظر عن صحته و عدمها. فهذا الشخص العربي الذي كتب هذا النص، فقد عبّر عن المعنى الشرعي بالصلاة، و هذا التعبير بنفسه يكون مؤيدا بأن هذا اللفظ بشخصه كان موجودا في البيئة العربية قبل الإسلام.

و هناك مؤيدات عديدة على أن هذه الألفاظ كانت موجودة قبل الإسلام، فكلمة «الحج» من القطع أنها كانت موجودة، لأنه عبادة عند تمام العرب، فالمشركون منهم كانوا يتعبدون به في كل سنة، و أحد أسماء السنة في لغة العرب هو «الحجّة» فيقولون: «ثمان حجج أي: ثمان سنين».

234

إذن بناء على هذه البيانات، فالظن كبير بأن الألفاظ فضلا عن المعاني، كانت موجودة في البيئة العربية قبل الإسلام، و أنّ النبي (ص) لم يخرج عن حدود هذه الأعراف اللغوية الموجودة قبله. فدليل أن النبي مخترع، و كل مخترع يكون واضعا، فهو غير تام. و عليه: فلا دليل على الوضع التعييني الاستعمالي.

دفع ورد:

هل حصل الوضع الشرعي بكثرة الاستعمال و هو المسمّى بالوضع التعيني، أو إنه حصل بالوضع التعييني الاستعمالي؟.

هذا الكلام كأنه يفترض أصلا موضوعيا، و حاصل هذا الأصل: إنّ النبي (ص) قد استعمل اللفظ في المعنى الشرعي، فبعد الفراغ عن هذا الأصل يقع الكلام في حصول الوضع بهذا الاستعمال، إمّا من باب الكثرة، و إمّا من باب إيجاد الوضع بالاستعمال، و عدم حصوله.

و هناك من استشكل في هذا الأصل الموضوعي بأن النبي (ص) لم يستعمل اللفظ في المعنى الشرعي أصلا، و إنما استعمله في المعنى اللغوي، و أراد المعنى الشرعي بنحو تعدد الدال و المدلول، بتقريب أن نسبة المعاني الشرعية إلى المعاني اللغوية للألفاظ هي نسبة الحصص إلى الجامع، فالصوم الشرعي حصة من المعنى اللغوي للصوم، و الصلاة كذلك، باعتبار أن معناها اللغوي هو التوجه و الانعطاف، فبالإمكان افتراض أنّ النبي (ص) لم يستعمل اللفظ في الحصة بما هي حصة، و إنما استعمل اللفظ في الجامع و خصوصية الحصة أفيدت بدال آخر، و الدال الآخر قرينة عامة ارتكازية. فبناء على هذا لم يحصل استعمال اللفظ مجازا مرارا عديدة، إذن فلم يحصل الوضع التعيني بكثرة الاستعمال.

و لكن هذا الإشكال غير وارد في المقام، لأنّ مضمون هذا الإشكال هو جمود على عنوان أن الوضع التعيني يحصل بكثرة الاستعمال للفظ في المعنى‏

235

الخاص بما هو خاص، لكن لا موجب للجمود على هذا العنوان، بل لا بد من الالتفات إلى نكتة، و هي: إن كثرة الاستعمال لما ذا توجب الوضع و توجب الوضع التعيني؟.

إن كثرة الاستعمال إنما توجب الوضع التعيني: لأنها توجد اقترانا ذهنيا أكيدا شديدا، و هذا الاقتران الشديد كما يحصل باستعمال اللفظ الموضوع للجامع في الخاص بما هو خاص مجازا إلى أن يكثر هذا الاستعمال فيحصل الوضع، كذلك أيضا لو أطلق اللفظ و أريد الجامع، و وجدت قرينة عامة ارتكازية تدل على إرادة الخصوصية، و تكرّر هذا المطلب مرارا عديدة، فأيضا يحصل قرن شديد بين اللفظ و الحصة الخاصة، و تنشأ علقة بين اللفظ و المعنى الخاص، و هذه العلقة الشديدة عبارة عن الوضع.

فملاك حصول الوضع بكثرة الاستعمال لا يتوقف على أن يكون اللفظ مستعملا في الحصة الخاصة مجازا، مرارا عديدة، بل النكتة حصول القرن، و القرن كذلك يحصل باستعمال اللفظ في الجامع. و إرادة الخصوصية بدال آخر سواء أ كان هذا الدال قرينة عامة ارتكازية غير ملتفت إليها تفصيلا، أو كان قرائن تفصيلية متغايرة من مورد إلى مورد آخر، فعلى كلا التقديرين يحصل القرن الشديد في الذهن بين اللفظ و المعنى، و هذا هو معنى الوضع التعيني.

و بهذا يتضح: إنّه إذا ثبت كون المعاني الشرعية مخترعات للشارع، فينبغي القول بالوضع التعييني الاستعمالي كما مرّ في بيان المشهور بإرجاعه إلى ظهور حالي لكلام الشارع.

و إن قلنا بأن المعاني الشرعية قديمة: فما ذا نقول بالنسبة إلى الألفاظ؟.

فإن كانت الألفاظ مستحدثة على يد الشارع فنقول بالوضع التعيّني الناشئ من كثرة الاستعمال، لأنه و إن كان لا يوجد دليل على أن الشارع وضع وضعا تعينيا، و لكنه استعمل اللفظ في المعنى الشرعي كثيرا حتى حصلت العلقة الوضعية، فنقول بالوضع التعيني.

236

و إن قلنا بأن المعاني قديمة و الألفاظ أيضا قديمة، فحينئذ لا وضع شرعي تعييني و لا تعيني، لكن يكون هناك وضع لغوي فأيضا يكون المعنى الشرعي معنى حقيقيا للفظ، لكن باعتبار وضع ثابت في البيئة العربية قبل الإسلام.

المحور الثالث- في تصوير ثمرة البحث:

و تظهر ثمرة هذا البحث فيما إذا ورد لفظ في الكتاب أو في السنة، و لم يعرف المراد به، هل هو المعنى اللغوي، أو المعنى الشرعي؟.

فحينئذ إذا قلنا بالحقيقة الشرعية، و بأن اللفظ موضوع على يد الشارع بالوضع التعييني، أو بالوضع التعيّني، و قلنا بأن هذا الوضع الشرعي أوجب نقل اللفظ من ذاك المعنى الأولي إلى هذا المعنى، بحيث كان وضعا ناسخا للوضع الأول إما بتقريب، أن ظاهر حال المخترع، حينما يضع لفظا لمعنى ينتزعه من معناه الأول، و يخصّصه لهذا المعنى الجديد، و إما بتقريب أن كثرة الاستعمال في المعنى الشرعي بلغت درجة، بحيث أصبح القرن الحاصل من كثرة الاستعمال أقوى من القرن الحاصل من الوضع اللغوي، فإن تمّ هذا أو ذاك حينئذ يثبت الوضع الشرعي مع النقل، و عليه: يتعيّن الحمل على المعنى الشرعي.

و أما إذا ثبت الوضع الشرعي و الحقيقة الشرعية، و لم نقل بالنقل، بل قلنا: إنّ ظاهر حال المخترع أن يضع اللفظ للمعنى الذي اخترعه، لا أن ينتزعه من معناه الأول رأسا، و قلنا بأن كثرة الاستعمال لم تكن بنحو توجب قرنا آكد من القرن الأول، فحينئذ نتيجة ذلك هي التوقف، إذ يصبح للفظ معنيان حقيقيان: أحدهما المعنى اللغوي، و الآخر المعنى الشرعي. و إذا أنكرنا الحقيقة الشرعية رأسا فلا بد من الحمل على المعنى اللغوي؛ ففي المقام مواقف ثلاث:

237

فإمّا أن يثبت الوضع و يثبت النقل بأحد التقريبين، فيحمل على المعنى الشرعي.

و إمّا أن يثبت الوضع دون النقل فيتعين التوقف.

و إما أن لا يكون هناك وضع أصلا، و كان الاستعمال في المعنى الشرعي مجازا، فيتعين الحمل على المعنى اللغوي.

إلّا أن السيد الأستاذ (1) تبعا للميرزا، أنكر وجود الثمرة، و قال في مقام البيان: إنّ الثمرة تظهر فيما إذا ورد استعمال في الكتاب أو في السنة، و شكّ في المراد. و أما في كلمات الأئمة (ع). لا إشكال في ثبوت الحقيقة في أيامهم، فلا معنى لتأثير هذا البحث في الروايات الواردة عنهم (ع). و إنما ينحصر أثر هذا البحث بالنسبة إلى زمن الرسول (ص). و عليه فالنصوص الدينية في زمن الرسول (ص) من الكتاب و السنة كلها، متلقاة عن طريق الأئمة، و حينئذ في مقام معرفة المراد من لفظ الصلاة مثلا، فلا بدّ من النظر إلى ما هو الحقيقة في زمن الناقل الذي هو الإمام (ع)، و في زمانه لا إشكال في أنّ اللفظ حقيقة في المعنى الشرعي، فالإمام الصادق (ع) حينما يقول: «قال رسول اللّه (ص): الصلاة عمود الدين» ففي مقام معرفة معنى الصلاة لا بدّ من النظر إلى زمن الإمام الصادق (ع) في أنّ لفظ الصلاة في زمانه فيما تكون ظاهرة؟. و فيم تكون حقيقة؟. و لا إشكال في أنها حقيقة في المعنى الشرعي. فإذن قد انعدمت الثمرة في المقام.

و هذا البيان غريب، و ذلك لأنه إن فرض تمامية هذا البيان بالنسبة إلى السنة الشريفة، فكيف فرض تماميته بالنسبة إلى القرآن الكريم، فإن القرآن الكريم لم نتلقّه عن طريق الأئمة فقط، بل تلقيناه بالتواتر القطعي عن طريق جميع المسلمين طبقة بعد طبقة إلى رسول اللّه (ص)، و قد تلقيناه بلفظه لا

____________

(1) محاضرات فياض: ج 1/ ص 134. أجود التقريرات- الخوئي: ج 1/ ص 33.

238

بمضمونه. و حينئذ فلا بدّ و أن يكون الميزان في معرفة المعنى المراد من لفظ الصلاة الوارد في القرآن الكريم، هو الظهور في أيام النزول. فكم فرق بين السنّة من هذه الناحية، و بين الكتاب الكريم؟. بيد أنّ السنة يجوز نقلها بالمضمون، بينما القرآن الكريم لا ينقل إلّا بلفظه، فالإمام الصادق، (عليه السلام)، حينما يصبح راويا لحديث نبوي، و يختار. في مقام النقل لفظ الصلاة، فظاهره أنه ينقل المضمون بالألفاظ التي تدل على ذات المضمون في عصر الإمام الصادق (عليه السلام)، فيختار الفاظا ذات دلالة في عصره على المضمون المنقول عن النبي (صلى اللّه عليه و آله)، لأن النقل نقل للمضمون.

و أمّا حينما يروي الإمام الصادق (عليه السلام)، سورة «يس» فإنه لا ينقلها بالمضمون، و إنما ينقل اللفظ، و لا يدخل في عهدته أنّ لفظ الصلاة، يتغيّر معناها أو لم يتغيّر معناها، بل هو ينقل الألفاظ في المقام، أمّا إنه على ما ذا تدل هذه الألفاظ؟. فلا بدّ من بحث آخر خارج عن عهدة الإمام الصادق (عليه السلام).

فالميزان في فهم ما ينقل باللفظ إنما هو زمن صدور اللفظ سواء أ كان قرآنا أو سنّة، و ميزان ما ينقل بالمضمون هو ظهور اللفظ في زمان النقل.

إذن، فإنكار الثمرة بهذا البيان ممّا لا يمكن المساعدة عليه.

نعم قد يقال كما وقع في كلمات الميرزا (1)، أنه لا يوجد عندنا مورد نشك فيه، فإن كل مورد من الموارد معه قرائن منها الحالية و المقالية، المتصلة و المنفصلة، بحيث تدل على تعيين المعنى، لكن هذا مطلب آخر عهدته على مدّعيه.

و بهذا انتهى الكلام في المحور الثالث و بذلك تمّ البحث في الحقيقة الشرعية. و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.

____________

(1) أجود التقريرات- الخوئي: ج 1/ ص 33.

239

فهرس الكتاب‏

الموضوع الصفحة

الأمر الثاني من أمور المقدمة في (الوضع) 3

الجهة الأولى‏ تشخيص حقيقة الوضع 7

مسلك التعهد 9

تعديل الصيغة الثالثة و الرد على هذا التعديل 15

الرد على التعديل 16

الرد على الإشكال المشهوري 23

الحل المختار 26

المسلك الثاني‏ مسلك الاعتبار 29

الرد على كلا الاعتراضين 31

نقض الوجه الأول 33

الوجه الثاني 34

الوجه الثالث 38

المسلك الثالث‏ مسلك الجعل الواقعي 41

رد اعتراض السيد الأستاذ 44

تحقيق الكلام في جعل السببية الواقعية 46

التحقيق في حقيقة الوضع 49

240

تطبيقات 51

الوضع التعييني و التعيّني 54

توضيحات و تعريفات 55

الجهة الثانية في تشخيص الواضع 61

الجهة الثالثة الأقسام الممكنة للوضع 69

القسم الثالث: الوضع العام و الموضوع له الخاص 70

الاعتراض الأول 70

الكلام في جهة الاختلاف 73

الكلام في جهة الاتفاق 74

الجهة الرابعة الواقع من أقسام الوضع الممكنة 85

المقام الأول 87

معاني الحروف‏ المسلك الأول- إنكار المعنى للحروف 87

المسلك الثاني- اتحاد معاني الحروف مع معاني الأسماء ذاتا 89

الجهة الأولى- الاعتراض الأول 91

الاعتراض الثاني 94

الاعتراض الثالث 96

الاعتراض الرابع 100

الاعتراض الخامس 101

تحقيق الكلام في المسلك الثاني 105

المسلك الثالث- مسلك التباين 107

التقريب المشهوري للمسلك الثالث 116

الوجه الأول 117

الوجه الثاني 120

الوجه الثالث 126

تحقيق الحال في المسلك الثالث 131

القضية الخارجية و الذهنية 131

241

المختار في باب المعاني الحرفية 134

المقام الثاني تشخيص مفاد الجمل التامة و الناقصة مسلك المشهور 137

التصوير اللفظي لكلا المسلكين 137

الاعتراض الأول 138

الاعتراض الثاني 140

الاعتراض الثالث 141

الاعتراض الرابع 142

الجمل التامة الإنشائية 149

مسلك المشهور 150

تحقيق المطلب 152

الموضوع له في الحروف و الهيئات عام أو خاص 155

الجهة الأولى- موارد النسب الواقعية 155

الجهة الثانية- موارد النسب التحليلية 158

الأمر الثالث‏ الاستعمال المجازي 160

المسلك الأول في مقام تصوير و تصحيح استعمال اللفظ في المعنى المجازي‏ و فيه وجوه 162

الوجه الأول 162

الوجه الثاني 163

الوجه الثالث 164

الوجه الرابع 165

الوجه الخامس 166

المسلك الثاني‏ في وضع اللفظ لمعناه الحقيقي 168

الأمر الرابع- الإطلاق الإيجادي 171

المقام الأول: كبرى الإطلاق الإيجادي 171

242

المقام الثاني: صغرى الإطلاق الإيجادي 174

الجهة الأولى: في إطلاق اللفظ و إرادة نوعه و صنفه 175

الجهة الثانية: في إطلاق اللفظ و إرادة شخصه 176

الوجه الأول: لزوم اتحاد الدال و المدلول 179

الوجه الثاني: لزوم اجتماع اللحاظ الآلي، و اللحاظ الاستقلالي 181

الأمر الخامس‏ تبعية الدلالة للإرادة 183

تحقيق الكلام في الحيثية الأولى 186

تحقيق الكلام في الحيثية الثانية 190

تحقيق الكلام في الحيثية الثالثة 194

الوجه الأول 196

الوجه الثاني 198

الأمر السادس‏ هل أن المركّب موضوع بوضع زائد على وضع أجزائه أو لا 200

الاحتمال الأول 201

الاحتمال الثاني 203

الأمر السابع‏ علامات الحقيقة و المجاز 211

العلامة الأولى: التبادر 211

العلامة الثانية: صحة الحمل 215

العلامة الثالثة: الاطّراد 216

الحقيقة الشرعية المحور الأول- في بحث الثبوت 221

المحور الثاني- في بحث الإثبات 227

الوضع التعيني 227

الوضع التعييني الحاصل بالتصريح 229

الوضع التعييني الحاصل بكثرة الاستعمال 229

دفع ورد 234

المحور الثالث- في تصوير ثمرة البحث 236