مقتل الحسين عليه السلام - ج2

- الخطيب الخوارزمي المزيد...
312 /
51

محمد، أخبرنا الحسن بن محمد الجوهري، أخبرنا أحمد بن العباس، أخبرنا أحمد بن معروف، أخبرنا الحسين بن محمد، أخبرنا محمد بن سعد، أخبرنا أحمد بن عبد اللّه، حدثنا شريك، عن مغيرة، قال: قالت مرجانة لعبيد اللّه بن زياد: قتلت ابن بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لا ترى الجنّة أبدا.

18-أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي، أخبرنا شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد البيهقي، أخبرنا والدي أبو بكر أحمد ابن الحسين البيهقي، حدثنا أبو عبد اللّه الحافظ، حدثنا محمد بن يعقوب، حدثنا عبد اللّه بن أحمد، حدثنا إسماعيل بن أميّة، حدثنا حبيب أخو حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم، قال: كنت جالسا عند عبيد اللّه ابن زياد إذ اتي برأس الحسين عليه السّلام، فوضع بين يديه، فأخذ قضيبه فوضعه بين شفتيه، فقلت له: إنك لتضع قضيبك في موضع طالما لثمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال: قم!إنك شيخ قد ذهب عقلك.

و جاء هذا الحديث في «المراسيل» ، و فيه زيادة: قال زيد بن أرقم: نحّ قضيبك هذا، فطالما رأيت شفتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على هاتين الشفتين، ثم رفع زيد صوته يبكي، فقال ابن زياد: أبكى اللّه عينيك، و اللّه، لو لا إنك شيخ قد خرفت، و ذهب عقلك، لضربت عنقك، فخرج و هو يقول: ملك عبد حرا، أنتم يا معشر العرب!العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، و أمرتم ابن مرجانة حتى يقتل خياركم، و يستعيد شراركم، رضيتم بالذل، فبعدا لمن رضي.

19-و بهذا الإسناد، الذي مر عن أحمد بن الحسين هذا، أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إبراهيم بن عبد اللّه، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا عبد الحميد بن بهرام،

52

حدثنا شهر بن حوشب، قال: سمعت أمّ سلمة لعنت أهل العراق، لما نعي الحسين عليه السّلام، و قالت: قتلوه قتلهم اللّه، غروه و أذلوه لعنهم اللّه.

20-و بهذا الإسناد، عن أحمد بن الحسين هذا، أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، أخبرنا محمد بن علي، حدثنا الفضل بن يوسف، حدثنا إسماعيل بن بهرام، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأجلح الكندي، عن عمرو بن قيس، قال: ثلاثة محجوجون يوم القيامة: و ذكر الحديث-إلى أن قال: -و قاتل الحسين، يقال له: فيم قتلته؟فلقد كان ينبغي أن تستحي من قتله، و لو كان ظالما لك، لمكان جده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فكيف و أنت ظالم؟

21-و بهذا الإسناد، أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، حدثنا محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، حدثنا الأحوص، حدثنا يوسف بن أبي إسحاق، عن عمرو بن نعجة، قال: إنّ أول ذل دخل العرب: قتل الحسين بن علي؛ و ادعاء زياد.

22-و ذكر في كتاب «نزهة الطرف و بستان الظرف» : عن الحسن البصري، قال: قتل مع الحسين بن علي عليه السّلام ستة عشر من أهل بيته، ما كان لهم على وجه الأرض شبيه.

23-و بهذا الإسناد الذي مرّ عن أحمد بن الحسين، أخبرني أبو الحسين ابن الفضل القطان، حدثنا عبد اللّه بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا ابن بكير، عن الليث بن سعد، قال: في سنة إحدى و ستين قتل الحسين بن علي و أصحابه، لعشر ليال خلون من المحرم يوم عاشوراء يوم السبت في آخر اليوم، و قتل معه العباس بن علي؛ و جعفر بن علي؛ و عبد اللّه بن عليّ؛ و عثمان بن علي؛ و أبو بكر بن علي؛ و علي بن الحسين الأكبر؛ و عبد اللّه بن الحسن؛ و أبو بكر بن الحسن؛ و القاسم بن الحسن؛

53

و عون بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب؛ و محمد بن عبد اللّه بن جعفر؛ و جعفر بن عقيل بن أبي طالب؛ و عبد الرحمن بن عقيل؛ و مسلم بن عقيل -قتل قبل ذلك-، و عبد الرحمن بن مسلم بن عقيل؛ و سليمان مولى الحسين، و رضيع الحسين قتلا بالكوفة.

24-قال يعقوب: و حدثني محمد بن عبد الرحمن، قال: سمعت عليا، قال: سمعت سفيان، عن أبي موسى، سمعت: الحسن البصري، يقول: قتل مع الحسين عليه السّلام سبعة عشر رجلا من أهل بيته.

25-و ذكر السيد الإمام أبو طالب: أنّ الصحيح في يوم عاشوراء الذي قتل فيه الحسين عليه السّلام و أصحابه (رضي اللّه عنهم) أنه كان يوم الجمعة سنة إحدى و ستين.

26-و اختلف أهل النقل في عدد المقتول يومئذ مع ما تقدم من قتل مسلم من العترة الطاهرة، و الأكثرون: على أنهم كانوا سبعة و عشرين، فمن ولد علي عليه السّلام: الحسين بن علي؛ و أبو بكر بن علي؛ و عمر بن علي؛ و عثمان بن علي؛ و جعفر بن علي؛ و عبد اللّه بن علي؛ و محمد بن علي؛ و العباس بن علي؛ و إبراهيم بن علي، فهم تسعة، و من ولد الحسن بن علي:

عبد اللّه بن الحسن؛ و القاسم بن الحسن؛ و أبو بكر بن الحسن؛ و عمر بن الحسن، و كان صغيرا، فهم أربعة، و من ولد الحسين بن علي: علي بن الحسين؛ و عبد اللّه بن الحسين، و كان أصغرهم، فهما اثنان، و من ولد جعفر ابن أبي طالب: محمد بن عبد اللّه بن جعفر؛ و عون بن عبد اللّه بن جعفر؛ و عبيد اللّه بن عبد اللّه بن جعفر، و هم ثلاثة، و من ولد عقيل: مسلم بن عقيل؛ و عبد اللّه بن عقيل؛ و عبد الرحمن بن عقيل؛ و محمد بن عقيل؛ و جعفر بن عقيل؛ و محمد بن مسلم بن عقيل؛ و عبد اللّه بن مسلم بن عقيل؛ و جعفر بن‏

54

محمد بن عقيل؛ و محمد بن أبي سعيد بن عقيل، فهم تسعة.

و أخذوا رءوس هؤلاء فحملت إلى الشام، و دفنت جثثهم بالطف، فلما كان أيام المتوكل، و كان سيئ الاعتقاد في آل أبي طالب، شديد الوطاة عليهم، قبيح المعاملة معهم، و وافقه على جميع ذلك وزيره عبيد اللّه بن يحيى، بلغ بسوء معاملتهم ما لم يبلغه أحد من الخلفاء من بني العباس، فأمر بتخريب قبر الحسين، و قبور أصحابه، و كرب مواضعها و اجراء الماء عليها، و منع الزوار من زيارتها، و أقام الرصد، و شدد في ذلك حتى كان يقتل من يوجد زائرا، و ولى ذلك كله يهوديا، و سلط اليهودي قوما من اليهود فتولوا ذلك إلى أن قتل المتوكل و قام بالأمر ابنه المنتصر، فعطف على آل أبي طالب، و أحسن إليهم، و فرق فيهم الأموال، فاعيدت القبور في ايامه، إلى أن خرج الداعيان: الحسن و محمد ابنا زيد، فأمر محمد بعمارة المشهدين الشريفين: مشهد أمير المؤمنين؛ و مشهد الحسين عليهما السّلام، و أمر بالبناء عليهما، و زيد في ذلك من بعد؛ و بلغ عضد الدولة الغاية في تعظيمهما و عمارتهما و الأوقاف عليهما؛ و كان يزورهما في كل سنة.

27-أخبرنا الشيخ الإمام سعد الأئمة سعيد بن محمد بن أبي بكر الفقيمي إذنا، أخبرنا مجد الأئمة أبو الفضل محمد بن عبد اللّه السرخسكي، أخبرنا أبو نصر محمد بن يعقوب، أخبرنا أبو عبد اللّه طاهر ابن محمد الحدادي، أخبرنا أبو الفضل محمد بن علي بن نعيم، أخبرنا أبو عبد اللّه محمد بن الحسين بن علي، حدثنا أبو عبد اللّه محمد بن يحيى الذهلي، قال: لما قتل الحسين عليه السّلام بكربلاء هرب غلامان من عسكر عبيد اللّه ابن زياد: أحدهما يقال له: ابراهيم؛ و الآخر يقال له: محمد من ولد جعفر الطيار في الجنّة، فإذا هما بامرأة تستسقي، فنظرت إلى الغلامين و إلى‏

55

حسنهما و جمالهما، فقالت لهما: من أنتما؟و من أين جئتما؟فقالا: نحن من ولد جعفر الطيار في الجنة، هربنا من عسكر عبيد اللّه بن زياد، فقالت المرأة: إن زوجي في عسكر عبيد اللّه بن زياد، و لو لا أني أخشى أن يجي‏ء الليلة لأضفتكما و أحسنت ضيافتكما. فقالا لها: انطلقي بنا فنرجو أن لا يأتي زوجك الليلة، فانطلقت المرأة و الغلامان حتى انتهت بهما إلى منزلها، فأدخلتهما و أتتهما بطعام، فقالا: ما لنا في الطعام من حاجة، ائتنا بمصلّى نقضي نوافلنا، فأتتهما بمصلى فصليا و انطلقا إلى مضجعهما.

فقال الأصغر للأكبر: يا ابن أمي!التزمني و انتشق من رائحتي فإني أظن أن هذه الليلة آخر ليلة فلا نمسي بعدها، فاعتنق الغلامان و جعلا يبكيان، فبينا هما كذلك إذ أقبل زوج المرأة فقرع الباب، فقالت المرأة: من هذا؟فقال: افتحي الباب. فقامت ففتحت الباب، فدخل زوجها و رمى سلاحه من يديه، و قلنسوته من رأسه، و جلس مغتما حزينا، فقالت له امرأته: مالي أراك مغتما حزينا؟قال: فكيف لا أحزن و إن غلامين قد هربا من عسكر عبيد اللّه؟و قد جعل لمن جاء بهما عشرة آلاف درهم، و قد بعثني خلفهما فلم أقدر عليهما، فقالت امرأته: اتّق اللّه يا هذا!و لا تجعل خصمك محمدا صلّى اللّه عليه و آله.

فقال لها: اعزبي عني!فو اللّه، لا أعرف لهما من رسول اللّه منزلة، فائتني بطعامي، فأتته بالمائدة و وضعتها بين يديه، فأهوى يأكل منها، فبينا هو يأكل إذ سمع هينمة الغلامين في جوف الليل، فقال: ما هذه الهينمة؟ قالت: لا أدري!قال: ائتني بالمصباح حتى أنظر، فأتته به فدخل البيت فإذا هو بالغلامين، فعرفهما فوكزهما برجله و قال: قوما من أنتما؟و من أين جئتما؟

56

قالا: نحن من ولد جعفر الطيار في الجنّة، هربنا من عسكر ابن زياد، فقال لهما: من الموت هربتما و في الموت وقعتما، فقالا له: يا شيخ!اتّق اللّه، و ارحم شبابنا، و احفظ قرابتنا من رسول اللّه، فقال لهما: دعا هذا، فو اللّه، لا أعرف لكما قرابة من رسول اللّه، فأقامهما و شدّ كتفيهما، و دعا بغلام له أسود، فقال له: دونك هذين الغلامين، فانطلق بهما إلى شط الفرات، و اضرب أعناقهما، و أنت حر لوجه اللّه.

فتناول الغلام السيف، و انطلق بهما، فلما كان في بعض الطريق، قال له أحدهما: يا أسود!ما أشبه سوادك بسواد «بلال» خادم جدنا رسول اللّه!قال لهما: من أنتما من رسول اللّه؟قالا: نحن من ولد جعفر الطيار في الجنّة، ابن عم رسول اللّه، فألقى الأسود السيف من يده و ألقى نفسه في الفرات، و كان مولاه اقتفى أثره، و قال: يا مولاي!أردت أن تحرقني بالنار، فيكون خصمي محمد صلّى اللّه عليه و آله يوم القيامة.

فقال له: عصيتني يا غلام؟فقال الغلام: لأن اطيع اللّه و أعصيك أحبّ إلي من أن اطيعك و أعصي اللّه!فلما نظر إلى الغلام و حالته، علم أنه سيهرب، فدعا بابن له، فقال: دونك الغلامين فاضرب أعناقهما، و لك نصف الجائزة. فتناول الشاب السيف، و انطلق بهما، فقالا له: يا شاب! ما ذا تقول لرسول اللّه غدا؟بأي ذنب قتلتنا، و بأي جرم؟فقال: من أنتما؟ قالا: نحن من ولد جعفر الطيار في الجنة ابن عم رسول اللّه، فألقى الشاب نفسه في الماء، و قال: يا ابة!أردت أن تحرقني بالنار، و يكون محمد صلّى اللّه عليه و آله خصمي!فاتق اللّه، يا أبة!و خل عن الغلامين، قال: يا بني!عصيتني؟ فقال: يا أبة!لأن أعصيك و اطيع اللّه أحب إليّ من أن اطيعك و اعصي اللّه.

فلما نظر الشيخ أن ابنه أبى ذلك كما أباه العبد، تناول السيف بيده، ـ

57

و قال: و اللّه، لا يلي هذا أحد سواي، ثم انطلق بالغلامين، فلما نظرا ذلك أيسا من الحياة، فقالا له: يا شيخ!اتق اللّه فينا!فإن كان تحملك على قتلنا الحاجة، فاحملنا إلى السوق، و نقر لك بالعبودية، فبعنا و استوف ثمننا، قال: لا تكثرا!فو اللّه، لا أقتلكما للحاجة، و لكني أقتلكما بغضا لأبيكما و لأهل بيت محمد؟

ثم هز السيف، و ضرب عنق الأكبر، و رمى بدنه بالفرات، فقال الأصغر: سألتك باللّه أن تتركني أتمرغ بدم أخي ساعة، ثم افعل ما بدا لك، قال: و ما ينفعك ذلك؟قال: هكذا احبّ، فتمرغ بدم أخيه إبراهيم ساعة، ثم قال له: قم!فلم يقم، فوضع السيف على قفاه، و ذبحه من القفا، و رمى ببدنه إلى الفرات، و كان بدن الأوّل طافيا على وجه الفرات، فلما قذف الثاني أقبل بدن الأول راجعا يشق الماء شقا حتى اعتنق بد أخيه، و التزمه، و رسيا في الماء، و سمع الشيخ صوتا من بينهما في الماء منهما، يقول: يا ربنا!تعلم و ترى ما فعل بنا هذا الظالم، فاستوف حقنا منه يوم القيامة، ثمّ أغمد سيفه و حمل الرأسين و ركب فرسه، حتى أتى بهما عبيد اللّه ابن زياد، فلما نظر عبيد اللّه إلى الرأسين قبض على لحية الرجل، و قال له:

سألتك باللّه ما قال لك الغلامان؟قال: قالا لي: يا شيخ!اتّق اللّه و ارحم شبابنا، فقال له: ويحك!لم لم ترحمهما؟فقال له: لو رحمتهما ما قتلتهما.

فقال عبيد اللّه: لما كنت لم ترحمهما؟فإني لأرحمك اليوم، ثم دعا بغلام أسود له يسمى: نادرا، فقال: يا نادر!دونك هذا الشيخ، فانطلق به إلى الموضع الذي قتل الغلامين فيه، فاضرب عنقه، و لك سلبه، و لك عندي عشرة آلاف درهم التي أجزتها، و أنت حرّ. فشدّ نادر كتفيه و انطلق‏

58

به إلى الموضع الذي قتل فيه الغلامين، فقال الشيخ: يا نادر!لا بدّ لك من قتلي؟قال: نعم!قال: أ فلا تقبل مني ضعف ما اعطيت؟قال: لا!ثمّ ضرب عنقه و رمى بجيفته إلى الماء، فلم يقبله و رمى به الى الشط، فأمر عبيد اللّه بحرقه فاحرق.

فهذا و أمثاله من الآيات التي ظهرت بقتل الحسين عليه السّلام، و يجوز مثل هذا، و قد أخبر به الرسول صلّى اللّه عليه و آله.

28-و بهذا الإسناد، عن مجد الأئمة هذا، قال: أخبرنا أبو نصر منصور بن أحمد القرني، أخبرنا الشيخ إسماعيل بن محمد، أخبرنا أبو الحسن المفسر «هو علي بن أحمد الواحدي» ، حدثنا ابن كامل القاضي -ببغداد-، حدثنا أبو فلانة، حدثنا إبراهيم بن حميد الطويل، أخبرنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن صهيب-مولى ابن عباس-، عن عبد اللّه بن عمر:

أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، قال: «من ذبح عصفورا بغير حقه، سأله اللّه عنه يوم القيامة» .

و في رواية اخرى: «من ذبح عصفورا بغير حق، ضجّ الى اللّه تعالى يوم القيامة منه، فقال: يا ربّ إنّ هذا ذبحني عبثا، و لم يذبحني منفعة» .

قال مجد الأئمّة: هذا لمن ذبح عصفورا بغير حق، فكيف لمن قتل مؤمنا؟فكيف لمن قتل ريحانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو الحسين عليه السّلام؟

عدنا إلى الحديث، قال: و لما جي‏ء برأس الحسين إلى عبيد اللّه، طلب من يقوره و يصلحه، فلم يجسر أحد على ذلك، و لم يحر أحد جوابا، فقام طارق بن المبارك فأجابه إلى ذلك، و قام به فأصلحه و قوره، فنصبه بباب داره، و لطارق هذا، حفيد كاتب يكنى: «ابا يعلى» هجاه «العدويّ» فعرض له بذلك و قال:

59

نعمة اللّه لا تعاب و لكن # ربما استقبحت على أقوام‏

لا يليق الغنى بوجه أبي يعلى # و لا نور بهجة الإسلام‏

وسخ الثوب و العمامة و البرذون # و الوجه و القفا و الغلام‏

لا تسموا دواته فتصيبوا # من دماء الحسين في الأقلام‏

قال: و لما كمل له ذلك، نادى في الناس، فجمعهم في المسجد الأعظم، ثم خرج و دخل المسجد و صعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، فكان من بعض كلامه أن قال: الحمد للّه الذي أظهر الحق و أهله، و نصر أمير المؤمنين و أشياعه، و قتل الكذاب بن الكذاب، قال: فما زاد على هذا شيئا حتى وثب إليه عبد اللّه بن عفيف الأزدي، ثم العامري-أحد بني والبة-، و كان من رؤساء الشيعة و خيارهم، و كان قد ذهبت عينه اليسرى يوم «الجمل» ، و الاخرى يوم «صفين» ، و كان لا يكاد يفارق المسجد الأعظم، يصلي فيه إلى الليل، ثم ينصرف إلى منزله، فلما سمع مقالة ابن زياد، وثب إليه، و قال: يا ابن مرجانة!إنّ الكذاب و ابن الكذاب أنت و أبوك، و من استعملك و أبوه، يا عدو اللّه و رسوله!أ تقتلون أبناء النبيين و تتكلمون بهذا الكلام على منابر المسلمين؟

فغضب عبيد اللّه بن زياد، و قال: من المتكلم؟فقال: أنا المتكلم يا عدو اللّه!أ تقتل الذرية الطاهرة الذين قد أذهب اللّه عنهم الرجس في كتابه، و تزعم أنك على دين الإسلام؟ وا غوثاه!أين أولاد المهاجرين و الأنصار، لينتقموا من هذا الطاغية، اللعين بن اللعين على لسان رسول اللّه رب العالمين؟فازداد غضب ابن زياد حتى انتفخت أوداجه.

فقال: عليّ به، فوثب إليه الجلاوزة فأخذوه، فنادى بشعار الأزد؟ يا مبرور!و كان عبد الرحمن بن مخنف الأزدي في المسجد، فقال: ويح‏

60

نفسك!أهلكتها و أهلكت قومك. و حاضر الكوفة يومئذ سبعمائة مقاتل من الأزد، فوثبت إليه فتية من الأزد فانتزعوه منهم، و انطلقوا به إلى منزله، و نزل ابن زياد عن المنبر و دخل القصر، و دخلت عليه أشراف الناس، فقال:

أ رأيتم ما صنع هؤلاء القوم؟قالوا: رأينا أصلح اللّه الأمير، إنما فعل ذلك الأزد، فشد يدك بساداتهم فهم الذين استنقذوه من يدك.

فأرسل عبيد اللّه الى عبد الرحمن بن مخنف الأزدي فأخذه، و أخذ جماعة من أشراف الأزد فحبسهم، و قال، لا خرجتم من يدي أو تأتوني بعبد اللّه بن عفيف، ثم دعا بعمرو بن الحجاج الزبيدي؛ و محمد بن الأشعث؛ و شبث بن ربعي؛ و جماعة من أصحابه، فقال لهم: اذهبوا إلى هذا الأعمى الذي أعمى اللّه قلبه كما أعمى عينيه، فأتوني به. فانطلقوا يريدون عبد اللّه بن عفيف و بلغ الأزد ذلك، فاجتمعوا و انضمت إليهم قبائل من اليمن ليمنعوا صاحبهم، فبلغ ذلك ابن زياد، فجمع قبائل مضر و ضمهم إلى محمد بن الأشعث، و أمره أن يقاتل القوم، فأقبلت قبائل مضر، و دنت منهم اليمن فاقتتلوا قتالا شديدا، و بلغ ذلك ابن زياد، فأرسل إلى أصحابه يؤنبهم و يضعفهم، فأرسل إليه عمرو بن الحجاج يخبره باجتماع اليمن معهم، و بعث إليه شبث بن ربعي: أيّها الأمير!إنك بعثتنا إلى اسود الآجام فلا تعجل.

قال: و اشتد اقتتال القوم حتى قتلت جماعة من العرب، و وصل القوم إلى دار عبد اللّه بن عفيف فكسروا الباب، و اقتحموا عليه، فصاحت ابنته: يا أبتي أتاك القوم من حيث تحذر، فقال: لا عليك يا بنية!ناوليني سيفي، فناولته السيف، فجعل يذبّ عن نفسه، و هو يقول:

أنا ابن ذي الفضل عفيف الطاهر # عفيف شيخي و أنا ابن عامر

61

كم دارع من جمعكم و حاسر # و بطل جدّلته مغاور

و جعلت ابنته تقول: ليتني كنت رجلا فاقاتل بين يديك هؤلاء الفجرة، قاتلي العترة البررة، و جعل القوم يدورون عليه من يمينه و شماله و ورائه، و هو يذبّ عن نفسه بسيفه فليس أحد يقدم عليه، كلما جاءوه من جهة، قالت ابنته: جاءوك يا أبتي من جهة كذا، حتى تكاثروا عليه من كل ناحية، و أحاطوا به، فقالت ابنته: و اذلاه!يحاط بأبي، و ليس له ناصر يستعين به، و جعل عبد اللّه يدافع و يقول:

و اللّه لو يكشف لي عن بصري # ضاق عليكم موردي و مصدري‏

و ما زالوا به حتى أخذوه، فقال جندب بن عبد اللّه الأزدي صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إنا للّه و إنا إليه راجعون، أخذوا و اللّه عبد اللّه بن عفيف، فقبح اللّه العيش بعده. فقام و جعل يقاتل من دونه، فاخذ أيضا و انطلق بهما، و ابن عفيف يردّد: و اللّه، لو يكشف لي عن بصري «البيت» .

فلما ادخل على عبيد اللّه، قال له: الحمد للّه الذي أخزاك، فقال ابن عفيف: يا عدوّ اللّه!بما ذا أخزاني، و اللّه، لو يكشف عن بصري-البيت-، فقال له: ما تقول في عثمان؟فقال: يا ابن مرجانة!يا ابن سميّة!يا عبد بني علاج!ما أنت و عثمان؟أحسن أم أساء، و أصلح أم أفسد، اللّه ولي خلقه يقضي بينهم بالعدل و الحق، و لكن سلني عنك و عن أبيك، و عن يزيد و أبيه.

فقال ابن زياد: لا سألتك عن شي‏ء أو تذوق الموت، فقال ابن عفيف:

الحمد للّه رب العالمين، كنت أسأل اللّه أن يرزقني الشهادة قبل أن تلدك امك مرجانة، و سألته أن يجعل الشهادة على يدي ألعن خلقه و أشرهم و أبغضهم إليه، و لما ذهب بصري أيست من الشهادة، أما الآن فالحمد للّه الذي رزقنيها

62

بعد اليأس منها، و عرفني الاستجابة منه لي في قديم دعائي.

فقال عبيد اللّه: اضربوا عنقه، فضربت و صلب. ثمّ دعا ابن زياد بجندب بن عبد اللّه، فقال له: يا عدوّ اللّه!أ لست صاحب علي بن أبي طالب يوم صفين؟قال: نعم، و لا زلت له وليا و لكم عدوا، لا أبرأ من ذلك إليك و لا أعتذر في ذلك و أتنصل منه بين يديك، فقال ابن زياد له: أما إني سأتقرب إلى اللّه بدمك، فقال جندب: و اللّه، ما يقربك دمي إلى اللّه، و لكنه يباعدك منه، و بعد، فإني لم يبق من عمري إلاّ أقله، و ما أكره أن يكرمني اللّه بهوانك، فقال: اخرجوه عني، فانه شيخ قد خرف و ذهب عقله، فاخرج و خلي سبيله.

عدنا إلى حديثنا قال: ثم دعا عبيد اللّه بن زياد زحر بن قيس الجعفي، فأعطاه رأس الحسين، و رءوس إخوته و أهل بيته و شيعته، و دعا بعلي بن الحسين فحمله و حمل عماته و أخواته و جميع نسائهم معه إلى يزيد، فسار القوم بحرم رسول اللّه من «الكوفة» إلى بلد «الشام» على محامل بغير و طاء، من بلد إلى بلد، و من منزل إلى منزل، كما تساق الترك و الدّيلم، و سبق زحر بن قيس برأس الحسين عليه السّلام إلى «دمشق» حتى دخل على يزيد، فسلم عليه و دفع إليه كتاب عبيد اللّه بن زياد. فأخذ يزيد الكتاب، و وضعه بين يديه، ثم قال لزحر: هات ما عندك يا زحر!فقال زحر: أبشر يا أمير المؤمنين!بفتح اللّه عليك و بنصره إياك، فإنه قد ورد علينا الحسين بن علي في اثنين و ثمانين رجلا من إخوته و أهل بيته و شيعته، فسرنا إليهم و سألناهم أن يستسلموا و ينزلوا على حكم الأمير عبيد اللّه فأبوا علينا، فقاتلناهم من وقت شروق الشمس إلى أن أضحى النهار، فلما اخذت السيوف مآخذها من هام الرجال، جعلوا يتوقلون إلى غير وزر، و يلوذون منا بالآكام‏

63

و الحفر، كما يخاف الحمام من الصقر، فو اللّه، يا أمير المؤمنين!ما كان إلا كجزر جزور، أو كاغفاءة القائل، حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم بالعراء مجردة، و ثيابهم بالدماء مزمّلة، و خدودهم بالتراب معفرة، تصهرهم الشمس، و تسفي عليهم الريح، زوارهم: الرخم و العقبان، و الذئب و الضبعان.

فأطرق يزيد ساعة، ثم رفع رأسه و بكى، و قال: و اللّه، يا هذا!لقد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، أما و اللّه، لو صار إليّ لعفوت عنه، و لكن قبح اللّه ابن مرجان، فقال عبد الرحمن بن الحكم-أخو مروان ابن الحكم-، و كان جالسا عند يزيد في المجلس:

لهام بجنب الطف أدنى قرابة # من ابن زياد العبد ذي النسب الوغل‏ (1)

سمية أمسى نسلها عدد الحصى # و بنت رسول اللّه ليست بذي نسل‏

فقال يزيد: نعم!فلعن اللّه ابن مرجانة إذ أقدم على قتل مثل الحسين ابن فاطمة؛ أما و اللّه، لو كنت أنا صاحبه لما سألني خصلة إلاّ أعطيته إياها، و لدفعت عنه الحتف بكل ما استطعت، و لو بهلاك بعض ولدي و لكن إذا قضى اللّه أمرا لم يكن له مرد.

و روي: أنّ يزيد نظر إلى عبد الرحمن، و قال: سبحان اللّه!أ في هذا الموضع تقول ذلك أ ما يسعك السكوت؟

قال: ثمّ اتي بالرأس حتى وضع بين يدي يزيد في طست من ذهب، فنظر إليه و أنشد:

____________

(1) الوغل: المدعي نسبا كاذبا.

64

نفلق هاما من رجال أعزّة # علينا و هم كانوا أعقّ و أظلما

ثم أقبل على أهل المجلس، و قال: إنّ هذا كان يفخر عليّ و يقول: إن أبي خير من أب يزيد، و أمي خير من أم يزيد؛ و جدي خير من جد يزيد؛ و أنا خير من يزيد، فهذا هو الذي قتله، فأما قوله: بأنّ اباه خير من أبي، فلقد حاجّ أبي أباه فقضى اللّه لأبي على أبيه، و أما قوله: بأن أمي خير من أم يزيد، فلعمري، لقد صدق إن فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خير من أمي؛ و أما قوله: بأنّ جدّه خير من جدي، فليس لأحد يؤمن باللّه و اليوم الآخر، أن يقول: بأنه خير من محمد، و أما قوله: بأنه خير مني، فلعله لم يقرأ: قُلِ اَللََّهُمَّ مََالِكَ اَلْمُلْكِ تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشََاءُ وَ تَنْزِعُ اَلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشََاءُ بِيَدِكَ اَلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ آل عمران/26، ثم دعا بقضيب خيزران، فجعل ينكت‏ (1) به ثنايا الحسين عليه السّلام، و هو يقول: لقد كان أبو عبد اللّه حسن المضحك.

فأقبل عليه أبو برزة الأسلمي أو غيره من الصحابة، و قال له: ويحك يا يزيد!أ تنكت بقضيبك ثغر الحسين بن فاطمة؟لقد أخذ قضيبك هذا مأخذا من ثغره، أشهد لقد رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يرشف ثناياه و ثنايا أخيه الحسن، و يقول: «إنهما سيدا شباب أهل الجنّة، قتل اللّه قاتلهما و لعنه، و أعدّ له جهنم، و ساءت مصيرا» ، أما أنت يا يزيد!فتجي‏ء يوم القيامة و عبيد اللّه بن زياد شفيعك، و يجي‏ء هذا و محمد شفيعه.

فغضب يزيد و أمر بإخراجه من المجلس فاخرج سحبا، و جعل يزيد بعده يتمثّل بأبيات ابن الزبعري، و سنوردها من طريق مسند إن شاء اللّه.

و قيل: إن الذي ردّ عليه ليس أبا برزة، بل هو سمرة بن جندب صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و قال ليزيد: قطع اللّه يدك، يا يزيد!أ تضرب ثنايا

____________

(1) -نكت بالتاء المثناة: ضرب.

65

طالما رايت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقبلهما، و يلثم هاتين الشفتين؟فقال له يزيد:

لو لا صحبتك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لضربت، و اللّه عنقك. فقال سمرة: ويلك، تحفظ لي صحبتي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و لا تحفظ لابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بنوته؟ فضج الناس بالبكاء، و كادت أن تكون فتنة.

29-أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي، أخبرنا شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد البيهقي، أخبرني والدي، أخبرني أبو عبد اللّه الحافظ، حدثنا أبو نصر محمد بن أحمد الفقيه-قدم علينا بنيسابور-، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، حدثنا علي بن طاهر، حدثنا عبد اللّه بن زاهر، حدثنا أبي، عن ليث بن سليم، عن مجاهد: أنّ يزيد حين اتي برأس الحسين بن علي و رءوس أهل بيته، قال ابن محفز:

يا أمير المؤمنين!جئناك برءوس هؤلاء الكفرة اللئام!فقال يزيد: ما ولدت أم محفز أكفر و ألأم و أذم، ثم كشف عن ثنايا رأس الحسين بقضيبه، و نكته به و أنشد:

أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت # قواضب في أيماننا تقطر الدما

صبرنا و كان الصبر منا عزيمة # و أسيافنا يقطعن كفّا و معصما

نفلق هاما من اناس أعزة # علينا و هم كانوا أعقّ و أظلما

فقال له بعض جلسائه: ارفع قضيبك!فو اللّه، ما أحصي ما رأيت شفتي محمد صلّى اللّه عليه و آله في مكان قضيبك يقبّله، فأنشد يزيد:

يا غراب البين ما شئت فقل # إنما تندب أمرا قد فعل‏

كلّ ملك و نعيم زائل # و بنات الدهر يلعبن بكل‏

ليت أشياخي ببدر شهدوا # جزع الخزرج من وقع الأسل‏

لأهلّوا و استهلّوا فرحا # ثم قالوا يا يزيد لا تشل‏

66

لست من خندف إن لم أنتقم # من بني أحمد ما كان فعل‏

لعبت هاشم بالملك فلا # خبر جاء و لا وحي نزل‏

قد أخذنا من علي ثارنا # و قتلنا الفارس الليث البطل‏

و قتلنا القوم من ساداتهم # و عدلناه ببدر فاعتدل‏

قال مجاهد: فلا نعلم الرجل إلاّ قد نافق في قوله هذا.

و قال أبو عبد اللّه الحافظ: و قد روينا في-رواية اخرى-بدل لست من خندف: لست من عتبة.

و قال شيخ السنة أحمد بن الحسين: و آخر كلام يزيد لا يشبه أوله، و لم أكتبه من وجه يثبت مثله، فإن كان قاله، فقد كان ضم إلى فعل الفجار، في قتل الحسين و أهل بيته أقوال الكفار، و اللّه يعصمنا من الخطأ و الزلل.

30-أخبرنا العلامة فخر خوارزم أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، أخبرنا الفقيه أبو الحسن علي بن أبي طالب الفرزادي-بالري-، أخبرنا الفقيه أبو بكر طاهر بن الحسين السمان الرازي، أخبرني عمي الشيخ الزاهد أبو سعد إسماعيل بن علي بن الحسين السمان الرازي، أخبرني أبو الحسين عبيد اللّه بن أحمد بن محمد بن أبي خراسان-بقراءتي عليه-، حدثني محمد بن عبد اللّه بن عتاب، حدثني الحارث بن محمد بن أبي اسامة، حدثني محمد بن سعد، أخبرني محمد بن عمر، حدثني محمد بن عبد اللّه بن عبيد بن عمير، عن عكرمة بن خالد، قال: اتي برأس الحسين إلى يزيد بن معاوية بدمشق فنصب، فقال يزيد: عليّ بالنعمان بن بشير، فلما جاء قال: كيف رأيت ما فعل عبيد اللّه بن زياد؟قال: الحرب دول، فقال: الحمد للّه الذي قتله، قال النعمان: قد كان أمير المؤمنين-يعني به

67

معاوية-يكره قتله، فقال: ذلك قبل أن يخرج، و لو خرج على أمير المؤمنين، و اللّه قتله إن قدر.

قال النعمان: ما كنت أدري ما كان يصنع؟

ثمّ خرج النعمان، فقال: هو كما ترون إلينا منقطع، و قد ولاه أمير المؤمنين و رفعه، و لكن أبي كان يقول: لم أعرف أنصاريا قط إلاّ يحبّ عليا و أهله، و يبغض قريشا بأسرها.

31-حدثنا الشيخ الإمام عين الأئمة أبو الحسن علي بن أحمد الكرباسي-إملاء-، حدثنا الشيخ الإمام أبو يعقوب يوسف بن محمد البلالي، حدثنا السيد الإمام المرتضى نجم الدين نقيب النقباء أبو الحسن محمد بن محمد بن زيد الحسنى الحسيني، أخبرنا الحسن بن أحمد الفارسي، أخبرنا أبو الحسن عليّ بن عبد الرحمن بن عيسى، أخبرنا أبو جعفر محمد بن منصور المرادي المقري، حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين، عن أبي خالد، عن زيد، عن أبيه عليه السّلام، أنّ سهل بن سعد قال: خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام، فإذا أنا بمدينة مطردة الأنهار كثيرة الأشجار، قد علقوا الستور و الحجب و الديباج، و هم فرحون مستبشرون، و عندهم نساء يلعبن بالدفوف و الطبول، فقلت في نفسي: لعل لأهل الشام عيدا لا نعرفه نحن، فرأيت قوما يتحدثون، فقلت: يا هؤلاء! أ لكم بالشام عيد لا نعرفه نحن؟قالوا: يا شيخ!نراك غريبا، فقلت: أنا سهل بن سعد، قد رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و حملت حديثه، فقالوا: يا سهل! ما أعجبك السماء لا تمطر دما، و الأرض لا تخسف بأهلها، قلت: و لم ذاك؟فقالوا: هذا رأس الحسين عترة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يهدى من أرض «العراق» إلى «الشام» ، و سيأتي الآن.

68

قلت: وا عجباه!يهدى رأس الحسين و الناس يفرحون، فمن أي باب يدخل؟فأشاروا إلى باب، يقال له: «باب الساعات» ، فسرت نحو الباب، فبينما أنا هنالك، إذ جاءت الرايات يتلو بعضها بعضا، و إذا أنا بفارس بيده رمح منزوع السنان، و عليه رأس من أشبه الناس وجها برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و إذا بنسوة من ورائه على جمال بغير وطاء، فدنوت من إحداهن، فقلت لها:

يا جارية!من أنت؟فقالت: أنا سكينة بنت الحسين، فقلت لها: أ لك حاجة إليّ؟فأنا سهل بن سعد، ممن رأى جدك و سمعت حديثه، قالت: يا سهل! قل لصاحب الرأس أن يتقدم بالرأس أمامنا حتى يشتغل الناس بالنظر إليه فلا ينظرون إلينا، فنحن حرم رسول اللّه.

قال: فدنوت من صاحب الرأس، و قلت له: هل لك أن تقضي حاجتي، و تأخذ مني أربعمائة دينار؟قال: و ما هي؟قلت: تقدم الرأس أمام الحرم، ففعل ذلك، و دفعت له ما وعدته، ثم وضع الرأس في حقّة، و ادخل على يزيد، فدخلت معهم، و كان يزيد جالسا على السرير، و على رأسه تاج مكلل بالدر و الياقوت، و حوله كثير من مشايخ قريش، فدخل صاحب الرأس و دنا منه، و قال:

أوقر ركابي فضّة أو ذهبا # فقد قتلت السيد المحجبا

قتلت أزكى الناس اما و أبا # و خيرهم إذ يذكرون النسبا

فقال له يزيد: إذا علمت أنه خير الناس لم قتلته؟قال: رجوت الجائزة، فأمر بضرب عنقه، فحزّ رأسه، ثم وضع رأس الحسين بين يديه على طبق من ذهب، فقال: كيف رأيت يا حسين؟

و روي أيضا: أنّ السبايا لما وردوا مدينة دمشق، ادخلوا من باب يقال له باب «توما» ، ثم اتي بهم حتى اقيموا على درج باب المسجد الجامع،

69

حيث يقام السبي، و إذا شيخ أقبل حتى إذا دنا منهم، قال: الحمد للّه الذي قتلكم و أهلككم، و أراح العباد من رجالكم، و أمكن أمير المؤمنين منكم.

فقال له علي بن الحسين: «يا شيخ!هل قرأت القرآن» ؟قال: نعم! قال: «هل قرأت هذه الآية: قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ََ » ؟الشورى/23، قال الشيخ: قرأتها!قال: «فنحن القربى يا شيخ! و هل قرأت هذه الآية: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً » ؟الاحزاب/33، قال: نعم، قال: «فنحن أهل البيت الذي خصصنا بآية الطهارة» ، فبقي الشيخ ساكتا ساعة، نادما على ما تكلّم به، ثم رفع رأسه إلى السماء، فقال: اللّهمّ!إني أتوب إليك من بغض هؤلاء، و إني أبرأ إليك من عدوّ محمد و آل محمد من الجن و الإنس.

ثمّ اتي بهم حتى ادخلوا على يزيد، قيل: إنّ أول من دخل شمر بن ذي الجوشن بعلي بن الحسين، مغلولة يداه إلى عنقه، فقال له يزيد: من أنت يا غلام؟قال: أنا عليّ بن الحسين، فأمر برفع الغل عنه.

و روي: عن فاطمة بنت الحسين، أنها قالت: لما ادخلنا على يزيد، ساءه ما رأى من سوء حالنا، و ظهر ذلك في وجهه، فقال لعن اللّه: ابن مرجانة؛ و ابن سميّة، لو كان بينه و بينكم قرابة ما صنع بكم هذا؟و ما بعث بكن هكذا؟قالت: فقام إليه رجل من أهل الشام أحمر، و قال له: يا أمير المؤمنين!هب لي هذه الجارية!يعنيني، قالت: و كنت جارية وضيئة، فارتعدت و فرقت، و ظننت أنّ ذلك يجوز لهم، فأخذت بثياب اختي و عمتي زينب، فقالت عمتي: كذبت، و اللّه، و لؤمت!ما ذلك لك و لا له، فغضب يزيد، و قال: بل أنت كذبت أنّ ذلك لي، و لو شئت فعلته، فقالت: كلا، و اللّه!ما جعل اللّه لك ذلك، إلا أن تخرج من ملتنا و تدين‏

70

بغير ديننا.

فقال: إياي تستقبلين بهذا؟إنما خرج من الدين أبوك و أخوك، قالت زينب: بدين اللّه؛ و دين أبي؛ و جدي اهتديت إن كنت مسلما. فقال:

كذبت، يا عدوة اللّه، قالت زينب: أمير مسلّط يشتم ظالما، و يقهر بسلطانه، اللّهم!إليك أشكو دون غيرك.

فاستحيى يزيد، و ندم، و سكت مطرقا، و عاد الشاميّ إلى مثل كلامه، فقال: يا أمير المؤمنين!هب لي هذه الجارية؟فقال له يزيد: أعزب عني لعنك اللّه، و وهب لك حتفا قاضيا، ويلك لا تقل ذلك!فهذه بنت علي و فاطمة، و هم أهل بيت لم يزالوا مبغضين لنا منذ كانوا.

قيل فتقدم علي بن الحسين حتى وقف بين يدي-يزيد-، و قال:

لا تطمعوا إن تهينونا و نكرمكم # و إن نكف الأذى عنكم و تؤذونا

فاللّه يعلم إنا لا نحبكم # و لا نلومكم إن لم تحبونا

فقال يزيد: صدقت!و لكن أراد أبوك و جدّك أن يكونا أميرين، فالحمد للّه الذي قتلهما و سفك دماءهما، ثم قال: يا علي!إنّ أباك قطع رحمي، و جهل حقي، و نازعني في سلطاني، فصنع اللّه به ما قد رأيت.

فقال علي بن الحسين: مََا أَصََابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاََّ فِي كِتََابٍ الحديد/22، فقال يزيد لابنه خالد: اردد عليه يا بني!فلم يدر خالد ما ذا يرد، فقال يزيد وَ مََا أَصََابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ الشورى/30، فقال علي بن الحسين: «يا ابن معاوية؛ و هند؛ و صخر!لم تزل النبوّة و الإمرة لآبائي و أجدادي من قبل أن تولد، و لقد كان جدي علي بن أبي طالب في يوم «بدر» و «احد» و «الأحزاب» في يده راية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و أبوك و جدك في أيديهما رايات الكفار» .

71

ثم جعل علي بن الحسين عليه السّلام، يقول:

ما ذا تقولون إذ قال النبي لكم: # ما ذا فعلتم و أنتم آخر الامم؟

بعترتي و بأهلي بعد مفتقدي # منهم اسارى و منهم ضرّجوا بدم‏

ثم قال عليّ بن الحسين: «ويلك يا يزيد!إنّك لو تدري ما ذا صنعت؟ و ما الذي ارتكبت من أبي و أهل بيتي و أخي و عمومتي؟إذن لهربت إلى الجبال، و افترشت الرمال، و دعوت بالويل و الثبور، أ يكون رأس أبي الحسين بن علي و فاطمة منصوبا على باب مدينتكم، و هو وديعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيكم؟فابشر يا يزيد!بالخزي و الندامة، إذا جمع الناس غدا ليوم القيامة.

32-أخبرنا الشيخ الإمام مسعود بن أحمد-فيما كتب إليّ من دهستان-، أخبرنا شيخ الإسلام أبو سعد المحسن بن محمد بن كرامة الجشمي، أخبرنا الشيخ أبو حامد، أخبرنا أبو حفص عمر بن الجازي -بنيسابور-، أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد المؤدب الساري، حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد الحجري، أخبرنا أبو بكر محمد بن دريد الأزدي، حدثنا المكي، عن الحرمازي، عن شيخ من بني تميم من أهل الكوفة، قال: لما ادخل رأس الحسين و حرمه على يزيد بن معاوية، و كان رأس الحسين بين يديه في طست، جعل ينكت ثناياه بمخصرة في يده، و يقول: «ليت أشياخي ببدر شهدوا» -و ذكر الأبيات إلى قوله: «من بني أحمد ما كان فعل» ، فقامت زينب بنت علي و امها فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقالت:

«الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيد المرسلين، صدق اللّه تعالى إذ يقول: ثُمَّ كََانَ عََاقِبَةَ اَلَّذِينَ أَسََاؤُا اَلسُّواى‏ََ أَنْ كَذَّبُوا بِآيََاتِ

72

اَللََّهِ وَ كََانُوا بِهََا يَسْتَهْزِؤُنَ الروم/10، أظننت يا يزيد!حيث أخذت علينا أقطار الارض و آفاق السماء، و أصبحنا نساق كما تساق الأسارى، أن بنا على اللّه هوانا، و بك عليه كرامة؟و أنّ ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك، و نظرت في عطفك جذلان مسرورا، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة (1) ، و الأمور متسقة (2) ، و حين صفا لك ملكنا و سلطاننا، فمهلا مهلا!أنسيت قول اللّه تعالى: وَ لاََ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمََا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمََا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدََادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذََابٌ مُهِينٌ ؟آل عمران/178، أمن العدل يا ابن الطلقاء!تخديرك حرائرك و إماءك، و سوقك بنات رسول اللّه سبايا؟قد هتكت ستورهن؛ و أبديت وجوههن؛ يحدى بهن من بلد إلى بلد، و يستشرفهنّ أهل المناهل و المناقل، و يتصفح وجوههن القريب و البعيد، و الدّنيّ و الشريف، ليس معهن من رجالهن ولي و لا من حماتهن حميّ، و كيف ترجى المراقبة ممن لفظ فوه أكباد السعداء، و نبت لحمه بدماء الشهداء؟و كيف لا يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف‏ (3) و الشنئان‏ (4) و الإحن و الأضغان؟ثم يقول غير متأثم و لا مستعظم؟

لأهلّوا و استهلّوا فرحا # ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل‏

منحنيا على ثنايا أبي عبد اللّه تنكتها بمخصرتك؟و كيف لا تقول ذلك، و قد نكأت القرحة، و استأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذرية آل محمد، و نجوم الأرض من آل عبد المطلب؟أ تهتف بأشياخك؟زعمت تناديهم، فلتردن وشيكا موردهم، و لتودن أنك شللت و بكمت، و لم تكن

____________

(1) مستوسقة: بمعنى المستوثقة.

(2) المتسقة: المنتظمة.

(3) الشنف: البغض.

(4) الشنئان: العداوة.

73

قلت ما قلت، اللّهمّ!خذ بحقنا، و انتقم ممن ظلمنا، و احلل غضبك بمن سفك دماءنا، و قتل حماتنا، فو اللّه، ما فريت إلاّ جلدك، و لا جززت إلاّ لحمك، و لتردنّ على رسول اللّه بما تحملت من سفك دماء ذريته، و انتهاك حرمته في لحمته و عترته، و ليخاصمنك حيث يجمع اللّه تعالى شملهم، ويلم شعثهم، و يأخذ لهم بحقهم‏ وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ آل عمران/169، فحسبك باللّه حاكما، و بمحمد خصما، و بجبرئيل ظهيرا، و سيعلم من سوّل لك و مكّنك من رقاب المسلمين، أن بئس للظالمين بدلا، و أيكم شرّ مكانا و أضعف جندا، و لئن جرت عليّ الدواهي مخاطبتك، فإني لأستصغر قدرك، و أستعظم تقريعك، و أستكبر توبيخك، لكن العيون عبرى، و الصدور حرى، ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب اللّه النجباء، بحزب الشيطان الطلقاء، فتلك الأيدي تنطف‏ (1) من دمائنا، و تلك الأفواه تتحلب من لحومنا، و تلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل‏ (2) و تعفوها الذئاب، و تؤمها الفراعل‏ (3) ، فلئن اتخذتنا مغنى، لتجدنا وشيكا مغرما، حين لا تجد إلاّ ما قدمت يداك، و أنّ اللّه ليس بظلام للعبيد، فإلى اللّه المشتكى، و عليه المعول، فكد كيدك، واسع سعيك، و ناصب جهدك، فو اللّه، لا تمحو ذكرنا، و لا تميت و حينا، و لا تدرك أمدنا، و لا ترحض عنك عارها، و لا تغيب منك شنارها (4) فهل رأيك إلا فند! (5) و ايامك إلاّ عدد!و شملك إلاّ بدد!يوم ينادي المنادي: ألا

____________

(1) تنطف: تقذف بما تلطخت؟.

(2) العواسل: المتمائلة من الذئاب و الضباع.

(3) الفراعل: جمع الفرعل ولد الضبع.

(4) الشنار: أقبح العيب.

(5) الفند: الخطأ في الرأي.

74

لعنة اللّه على الظالمين، فالحمد للّه الذي ختم لأوّلنا بالسعادة و الرحمة، و لآخرنا بالشهادة و المغفرة، و أسأل اللّه أن يكمل لهم الثواب، و يوجب لهم المزيد و حسن المآب، و يختم بنا الشرافة، إنه رحيم و دود، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل، نعم المولى و نعم النصير.

فقال يزيد:

يا صيحة تحمد من صوائح # ما أهون النوح على النوائح‏

ثم استشار أهل الشام ما ذا يصنع بهم؟فقالوا له: لا تتخذ من كلب سوء جروا!فقال النعمان بن بشير: انظر ما كان يصنعه بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فاصنعه، فأمر بردّهم إلى المدينة.

قال الحاكم: الأبيات التي أنشدها يزيد بن معاوية هي لعبد اللّه بن الزبعري، أنشأها يوم «احد» لما استشهد «حمزة» عمّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و جماعة من المسلمين، و هي قصيدة طويلة فمنها:

يا غراب البين ما شئت فقل # إنما تندب أمرا قد فعل‏

إن للخير و للشرّ مدى # و كلا ذلك وجه و قبل‏

و العطيات خساس بينهم # و سواء قبر مثر و مقل‏

كل عيش و نعيم زائل # و بنات الدهر يلعبن بكل‏

أبلغا حسان عني آية # فقريض الشعر يشفي ذا الغلل‏

كم ترى في الحزن من جمجمة # و أكف قد ابينت و رجل‏

و سرابيل حسان سلبت # عن كماة اهلكوا في المتزل‏

كم قتلنا من كريم سيد # ماجد الجدين مقدام بطل‏

صادق النجدة قرم بارع # غير ملتاث لدى وقع الأسل‏

فسل المهراس ما ساكنها # بين أقحاف و ها هم كالحجل‏

ليت أشياخي ببدر شهدوا # جزع الخزرج من وقع الأسل‏

75

حين حكت بقباء بركها (1) # و استحرّ القتل في عبد الأشل‏

ثم خفوا عند ذاكم رقصا # رقص الحفان‏ (2) تعدو في الجبل‏

فقتلنا الضعف من أشرافهم # و عدلنا ميل بدر فاعتدل‏

لا ألوم النفس إلا أننا # لو كررنا لفعلنا المفتعل‏

بسيوف الهند تعلو هامهم # عللا نوردها بعد نهل‏

فأجابه حسان بن ثابت الأنصاري فقال:

ذهبت يا ابن الزبعرى وقعة # كان منا الفضل فيها لو عدل‏

فلقد نلتم و نلنا منكم # و كذاك الحرب أحيانا دول‏

إذ شددنا شدّة صادقة # فأجأناكم إلى سفح الجبل‏

إذ تولّون على أعقابكم # هربا في الشعب أشباه الرسل‏

نضع الأسياف في أكتافهم # حيث نهوى عللا بعد نهل‏

تخرج التضييح‏ (3) من أستاهكم # كسلاح‏ (4) النيب يأكلن العضل‏ (5)

بخناطيل‏ (6) كجنان‏ (7) الملا # من يلاقوه من الناس يهل‏

فشدخنا في مقام واحد # منكم سبعين غير المنتحل‏

و أسرنا منكم أعدادهم # فانصرفنا مثل أفلات الحجل‏

لم يفوقونا بشي‏ء ساعة # غير أن ولوا بجهد و فشل‏

ضاق عنا الشعب إذ نجزعه # و ملأنا الفرط منه و الرحل‏

برجال لستم أمثالهم # آدهم جبريل نصرا فنزل‏

____________

(1) البرك: صدر الناقة و نحوها.

(2) الحفان: فاخ النعام.

(3) التضييح: اللبن المشروب ضياحا.

(4) السلاح: جمع سلحه و هي العذرة.

(5) العضل: نبت إذا أكلته الإبل سلحت.

(6) الخناطيل: الجماعات.

(7) الجنان: الجن.

76

و علونا يوم بدر بالتقى # طاعة اللّه و تصديق الرسل‏

و قتلنا كلّ رأس منهم # و صرعنا كلّ جحجاح رفل‏

لا سواء من مشى حتى انتهى # بخطاه جنّة الخلد فحل‏

و كلاب حكت النار لها # في لظاها صوت ويل و هبل‏

و رسول اللّه حقا شاهد # يوم بدر و التنادي بهبل‏

قد تركنا في قريش عورة # يوم بدر و أحاديث مثل‏

و تركنا من قريش جمعهم # مثل ما جمّع في الخصب الهمل‏

و شريف لشريف ماجد # لا نباليه لدى وقع الأسل‏

نحن لا أمثالكم ولد استها # نحضر الباس إذا البأس نزل‏

و روي: أنّ يزيد أمر بمنبر و خطيب، ليذكر للناس مساوئ للحسين و أبيه علي عليهما السّلام، فصعد الخطيب المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، و أكثر الوقيعة في علي و الحسين، و أطنب في تقريظ معاوية و يزيد، فصاح به علي بن الحسين: «ويلك، أيها الخاطب!اشتريت رضا المخلوق بسخط الخالق؟فتبوأ مقعدك من النار» ، ثم قال: «يا يزيد!ائذن لي حتى أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات فيهن للّه رضا، و لهؤلاء الجالسين أجر و ثواب» ، فأبى يزيد، فقال الناس: يا أمير المؤمنين!ائذن له ليصعد، فلعلّنا نسمع منه شيئا، فقال لهم: إن صعد المنبر هذا لم ينزل إلاّ بفضيحتي و فضيحة آل أبي سفيان، فقالوا: و ما قدر ما يحسن هذا؟فقال: إنّه من أهل بيت قد زقّوا العلم زقا، و لم يزالوا به حتى أذن له بالصعود. فصعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم خطب خطبة أبكى منها العيون؛ و أوجل منها القلوب، فقال فيها:

«أيها الناس!اعطينا ستا، و فضلنا بسبع: اعطينا العلم، و الحلم، و السماحة، و الفصاحة، و الشجاعة، و المحبة في قلوب المؤمنين، و فضلنا بأنّ‏

77

منا النبي المختار محمدا صلّى اللّه عليه و آله، و منا الصديق، و منا الطيار، و منا أسد اللّه و أسد الرسول، و منا سيدة نساء العالمين فاطمة البتول، و منا سبطا هذه الامة، و سيدا شباب أهل الجنّة، فمن عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني أنبأته بحسبي و نسبي: أنا ابن مكة و منى، أنا ابن زمزم و الصفا، أنا ابن من حمل الزكاة بأطراف الرداء، أنا ابن خير من ائتزر و ارتدى، أنا ابن خير من انتعل و احتفى، أنا ابن خير من طاف و سعى، أنا ابن خير من حجّ و لبى، أنا ابن من حمل على البراق في الهوا، أنا ابن من اسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فسبحان من أسرى، أنا ابن من بلغ به جبرائيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلى فكان من ربه قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السما، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا: لا إله إلاّ اللّه، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول اللّه بسيفين، و طعن برمحين، و هاجر الهجرتين، و بايع البيعتين، و صلّى القبلتين، و قاتل ببدر و حنين، و لم يكفر باللّه طرفة عين.

أنا ابن صالح المؤمنين و وارث النبيين، و قامع الملحدين، و يعسوب المسلمين، و نور المجاهدين، و زين العابدين، و تاج البكائين، و أصبر الصابرين، و أفضل القائمين من آل ياسين، و رسول رب العالمين، أنا ابن المؤيد بجبرائيل، المنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين، و قاتل الناكثين و القاسطين و المارقين، و المجاهد أعداءه الناصبين، و أفخر من مشى من قريش أجمعين، و أول من أجاب و استجاب للّه من المؤمنين، و أقدم السابقين، و قاصم المعتدين، و مبير المشركين، و سهم من مرامي اللّه على المنافقين، و لسان حكمة العابدين، ناصر دين اللّه، و ولي أمر اللّه، و بستان‏

78

حكمة اللّه، و عيبة علم اللّه، سمح سخي، بهلول زكي أبطحي رضي مرضي، مقدام همام، صابر صوام، مهذب قوام، شجاع قمقام، قاطع الأصلاب، مفرق الأحزاب، أربطهم جنانا، و أطبقهم عنانا، و أجرأهم لسانا، و أمضاهم عزيمة، و أشدّهم شكيمة، أسد باسل، و غيث هاطل، يطحنهم في الحروب-إذا ازدلفت الأسنة، و قربت الأعنة-طحن الرحى، و يذروهم ذرو الريح الهشيم، ليث الحجاز؛ و صاحب الإعجاز؛ و كبش العراق، الإمام بالنص و الاستحقاق مكي مدني، أبطحي تهامي، خيفي عقبي، بدري أحدي، شجري مهاجري، من العرب سيدها، و من الوغى ليثها، وارث المشعرين، و أبو السبطين، الحسن و الحسين، مظهر العجائب، و مفرق الكتائب، و الشهاب الثاقب، و النور العاقب، أسد اللّه الغالب، مطلوب كل طالب، غالب كلّ غالب، ذاك جدي علي بن أبي طالب.

أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيدة النساء، أنا ابن الطهر البتول، أنا ابن بضعة الرسول» .

قال: و لم يزل، يقول: «أنا أنا» حتى ضجّ الناس بالبكاء و النحيب، و خشي يزيد أن تكون فتنة، فأمر المؤذن: أن يؤذن، فقطع عليه الكلام و سكت، فلما قال المؤذن: اللّه أكبر!قال عليّ بن الحسين: «كبرت كبيرا لا يقاس، و لا يدرك بالحواس، لا شي‏ء أكبر من اللّه» ، فلما قال: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه!قال علي: «شهد بها شعري و بشري، و لحمي و دمي. و مخي و عظمي» ، فلما قال: أشهد أنّ محمدا رسول اللّه!التفت عليّ من أعلى المنبر إلى يزيد، و قال: «يا يزيد!محمد هذا جدي أم جدك؟فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت، و إن قلت: إنه جدي، فلم قتلت عترته» ؟

قال: و فرغ المؤذن من الأذان و الإقامة، فتقدم يزيد و صلى صلاة الظهر.

79

و روي: أنه كان في مجلس يزيد هذا، حبر من أحبار اليهود، فقال:

يا أمير المؤمنين!من هذا الغلام؟قال: علي بن الحسين، قال: فمن الحسين؟ قال: ابن علي بن أبي طالب، قال: فمن أمه؟قال: فاطمة بنت محمد، فقال له الحبر: يا سبحان اللّه!فهذا ابن بنت نبيكم قتلتموه في هذه السرعة، بئسما خلفتموه في ذريته، فو اللّه، لو ترك نبينا موسى بن عمران فينا سبطا، لظننت أنا كنا نعبده من دون ربنا، و أنتم إنما فارقتم نبيكم بالأمس، فوثبتم على ابنه و قتلتموه. سوأة لكم من امة.

فأمر يزيد به فوجئ بحلقه ثلاثا، فقام الحبر و هو يقول: إن شئتم فاقتلوني، و إن شئتم فذروني، إني أجد في التوراة: من قتل ذرية نبي فلا يزال ملعونا أبدا ما بقي، فإذا مات أصلاه اللّه نار جهنم.

و خرج علي بن الحسين ذات يوم، فجعل يمشي في سوق «دمشق» فاستقبله المنهال بن عمرو الضبابي، فقال: كيف «أمسيت يا ابن رسول اللّه؟ فقال: أمسيت، و اللّه، كبني إسرائيل في آل فرعون، يذبحون أبناءهم، و يستحيون نساءهم، يا منهال!أمست العرب تفتخر على العجم بأنّ محمدا صلّى اللّه عليه و آله عربي، و أمست قريش تفتخر على سائر العرب بأنّ محمدا قرشي منها، و أمسينا آل بيت محمد و نحن مغصوبون، مظلومون، مقهورون، مقتولون، مشردون، مطرودون، فإنا للّه و إنا إليه راجعون، على ما أمسينا يا منهال» !.

و ذكر السيد أبو طالب هذا الحديث، و زاد فيه: «و أصبح خير الامة يشتم على المنابر، و أصبح شرّ الامة يمدح على المنابر، و أصبح مبغضنا يعطى الأموال، و من يحبنا منقوصا حقه» .

و روي هذا الحديث، عن الحارث بن الجارود التميمي: أنه رأى عليّ‏

80

ابن الحسين بالمدينة فقال له: كيف أصبحت؟و ساق الحديث.

33-أخبرنا عين الأئمة، بإسناده الذي مرّ آنفا، عن زيد بن عليّ؛ و عن محمد بن الحنفية، عن عليّ بن الحسين زين العابدين، أنه قال: «لما اتي برأس الحسين عليه السّلام إلى يزيد، كان يتخذ مجالس الشرب، و يأتي برأس الحسين فيضعه بين يديه و يشرب عليه، فحضر ذات يوم أحد مجالسه رسول ملك الروم، و كان من أشراف الروم و عظمائها، فقال: يا ملك العرب!رأس من هذا؟فقال له يزيد: مالك و لهذا الرأس؟قال: إني إذا رجعت إلى ملكنا، يسألني عن كلّ شي‏ء رأيته، فأحببت أن اخبره بقصة هذا الرأس و صاحبه، ليشاركك في الفرح و السرور.

فقال يزيد: هذا رأس الحسين بن عليّ بن أبي طالب، فقال: و من أمه؟ قال: فاطمة الزهراء، قال: بنت من؟قال: بنت رسول اللّه، فقال الرسول: اف لك و لدينك!مادين أخسّ من دينك، اعلم أني من أحفاد داود، و بيني و بينه آباء كثيرة، و النصارى يعظمونني، و يأخذون التراب من تحت قدمي تبركا، لأني من أحفاد داود، و أنتم تقتلون ابن بنت رسول اللّه، و ما بينه و بين رسول اللّه إلاّ أم واحدة، فأيّ دين هذا؟

ثم قال له الرسول: يا يزيد!هل سمعت بحديث كنيسة الحافر؟فقال يزيد: قل حتى أسمع، فقال: ان بين «عمان» و «الصين» بحرا مسيرته سنة، ليس فيه عمران إلاّ بلدة واحدة في وسط الماء، طولها ثمانون فرسخا، و عرضها كذلك، و ما على وجه الأرض بلدة أكبر منها، و منها يحمل الكافور و الياقوت و العنبر، و أشجارهم العود، و هي في أيدي النصارى لا ملك لأحد فيها من الملوك، و في تلك البلدة كنائس كثيرة، أعظمها كنيسة الحافر، في محرابها حقة من ذهب، معلقة فيها حافر، يقولون: إنه حافر

81

حمار كان يركبه عيسى، و قد زينت حوالي الحقّة بالذهب و الجواهر و الديباج و الابريسم. ، و في كل عام يقصدها عالم من النصارى، فيطوفون حول الحقة و يزورونها و يقبلونها، و يرفقون حوائجهم إلى اللّه ببركتها، هذا شأنهم و دأبهم بحافر حمار يزعمون أنه حافر حمار كان يركبه عيسى نبيهم.

و أنتم تقتلون ابن بنت نبيكم، لا بارك اللّه فيكم، و لا في دينكم!فقال يزيد لأصحابه: اقتلوا هذا النصراني، فانه يفضحنا إن رجع إلى بلاده و يشنع علينا، فلما أحسّ النصراني بالقتل، قال: يا يزيد!أ تريد قتلي؟قال: نعم، قال: فاعلم أني رأيت البارحة نبيكم في منامي، و هو يقول لي: «يا نصراني أنت من أهل الجنّة» . فعجبت من كلامه حتى نالني هذا، فأنا أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، و أنّ محمدا عبده و رسوله، ثم أخذ الرأس، و ضمه إليه، و جعل يبكي حتى قتل.

و روى مجد الأئمة السرخسكي، عن أبي عبد اللّه الحداد: أنّ النصراني اخترط سيفا، و حمل على يزيد ليضربه، فحال الخدم بينهما، و قتلوه، و هو يقول: الشهادة الشهادة.

و ذكر أبو مخنف و غيره: أنّ يزيد أمر أن يصلب الرأس الشريف على باب داره، و أمر أن يدخلوا أهل بيت الحسين داره، فلما دخلت النسوة دار يزيد لم تبق امرأة من آل معاوية إلاّ استقبلتهن بالبكاء و الصراخ و النياحة و الصياح على الحسين، و ألقين ما عليهن من الحلي و الحلل و أقمن المأتم عليه ثلاثة أيام.

و خرجت هند بنت عبد اللّه بن عامر بن كريز امرأة يزيد، و كانت قبل ذلك تحت الحسين بن علي عليهما السّلام فشقت الستر و هي حاسرة، فوثبت على يزيد، و قالت: أ رأس ابن فاطمة مصلوب على باب داري؟فغطاها يزيد

82

و قال: نعم!فاعولي عليه يا هند!و ابكي على ابن بنت رسول اللّه، و صريخة قريش، عجل عليه ابن زياد فقتله، قتله اللّه.

ثم إنّ يزيد أنزلهم بداره الخاصة، فما كان يتغدى و يتعشى حتى يحضر معه علي بن الحسين، و دعا يوما خالدا ابنه، و دعا عليا-و هما صبيان-، فقال لعلي: أ تقاتل هذا؟قال: «نعم، اعطني سكينا و أعطه سكينا، ثم نتقاتل» ، فأخذه و ضمه، و قال:

شنشنة أعرفها من أخزم # هل يلد الأرقم غير الأرقم‏

و روي: أنّ يزيد عرض عليهم المقام بدمشق، فأبوا ذلك، و قالوا:

ردنا إلى المدينة، لأنها مهاجرة جدّنا، فقال للنعمان بن بشير: جهزّ هؤلاء بما يصلحهم، و ابعث معهم رجلا من أهل الشام أمينا صالحا، و ابعث معهم خيلا و أعوانا، ثم كساهم و حباهم و فرض لهم الأرزاق و الانزال، ثم دعا بعلي بن الحسين، فقال له: لعن اللّه ابن مرجانة، أما و اللّه، لو كنت صاحبه ما سألني خصلة إلاّ أعطيتها إياه، و لدفعت عنه الحتف بكل ما قدرت عليه، و لو بهلاك بعض ولدي، و لكن قضى اللّه ما رأيت، فكاتبني بكل حاجة تكون لك، ثم أوصى بهم الرسول. فخرج بهم الرسول يسايرهم فيكون أمامهم حيث لا يفوتون طرفه، فإذا نزلوا تنحى عنهم، و تفرق هو و أصحابه كهيئة الحرس، ثم ينزل بهم حيث أراد أحدهم الوضوء، و يعرض عليهم حوائجهم، و يلطف بهم حتى دخلوا المدينة.

و روي: عن الحرث بن كعب، قال: قالت لي فاطمة بنت علي عليه السّلام، قلت لاختي زينب: قد وجب علينا حق هذا الرسول لحسن صحبته لنا، فهل لنا أن نصله بشي‏ء؟قالت: و اللّه، ما لنا ما نصله به إلاّ أن نعطيه حلينا.

فأخذت سواري و دملجي، و سوار اختي و دملجها، فبعثنا بها إليه و اعتذرنا

83

من قلّتها، و قلنا: هذا بعض جزائك لحسن صحبتك إيانا، فقال: لو كان الذي صنعت للدنيا ففي دون هذا رضاي، و لكن و اللّه، ما فعلته إلاّ للّه و لقرابتكم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

34-و ذكر الإمام أبو العلاء الحافظ، بإسناده عن مشايخه: أن يزيد بن معاوية حين قدم عليه برأس الحسين و عياله، بعث إلى المدينة فاقدم عليه عدّة من موالي بني هاشم، و ضم إليهم عدّة من موالي آل أبي سفيان، ثمّ بعث بثقل الحسين و من بقي من أهله معهم، و جهّزهم بكل شي‏ء و لم يدع لهم حاجة بالمدينة إلاّ أمر لهم بها، و بعث رأس الحسين إلى عمرو بن سعيد بن العاص-و هو إذ ذاك عامله على المدينة-، فقال عمرو: وددت أنه لم يبعث به إلي، ثم أمر عمرو برأس الحسين عليه السّلام، فكفن و دفن في «البقيع» عند قبر أمه فاطمة عليها السّلام.

و قال غيره: إن سليمان بن عبد الملك بن مروان رأى النبي صلّى اللّه عليه و آله في المنام، كأنه يبرّه و يلطفه، فدعا الحسن البصري، و قصّ عليه، و سأله عن تأويله، فقال الحسن: لعلك اصطنعت إلى أهله معروفا.

فقال سليمان: إني وجدت رأس الحسين في خزانة يزيد بن معاوية فكسوته خمسة من الديباج، و صليت عليه في جماعة من أصحابي، و قبرته، فقال الحسن: إن النبي رضي عنك بسبب ذلك، فأحسن إلى الحسن البصري، و أمر له بجوائز.

و قال غيرهما: إن رأس الحسين عليه السّلام صلب بدمشق ثلاثة أيام، و مكث في خزائن بني أميّة حتى ولي سليمان بن عبد الملك، فطلبه فجي‏ء به-و هو عظم أبيض قد قحل-فجعله في سفط و طيبه، و جعل عليه ثوبا و دفنه في مقابر المسلمين بعد ما صلى عليه. غ

84

فلما ولي عمر بن عبد العزيز بعث إلى المكان يطلبه منه فاخبر بخبره، فسأل عن الموضع الذي دفن فيه فنبشه و أخذه، و اللّه أعلم بما صنع به، و الظاهر من دينه أنه بعثه إلى كربلاء فدفن مع جسده.

قالوا: و لما دخل حرم الحسين عليه السّلام المدينة عجت نساء بني هاشم، و صارت المدينة صيحة واحدة، فضحك عمرو بن سعيد أمير المدينة، و تمثل بقول عمرو بن معدي كرب الزبيدي:

عجت نساء بني زياد عجة # كعجيج نسوتنا غداة الأرنب‏

و جلس عبد اللّه بن جعفر للتعزية، فدخل عليه مولاه، فقال: هذا ما لقينا من الحسين؟فحذفه عبد اللّه بنعله، و قال: يا ابن اللخناء!أ للحسين تقول هذا؟و اللّه، لو شهدته لأحببت أن اقتل دونه، و إني لأشكر اللّه الذي وفّق ابني عونا و محمدا معه، إذ لم أكن وفقت.

و خرجت بنت عقيل في نساء من قومها، و هي تقول:

ما ذا تقولون إذ قال النبي لكم؟ # ما ذا فعلتم و أنتم آخر الأمم؟

بعترتي و بأهلي بعد مفتقدي # فهم اسارى و قتلى ضرّجوا بدم‏

أ كان هذا جزائي إذ نصحتكم # و لم تفوا لي بعهدي في ذوي رحمي‏

ضيعتم حقنا و اللّه أوجبه # و قد عرى الفيل حق البيت و الحرم‏

و جاء في «المسانيد» : أنّ القائلة للبيتين الأوّلين زينب بنت علي عليه السّلام حين قتل الحسين عليه السّلام، و أنها أخرجت رأسها من الخباء، و رفعت عقيرتها (1) ، و قالت البيتين الأوّلين.

قالوا: ثمّ صعد عمرو بن سعيد-أمير المدينة-المنبر، و خطب، و قال في خطبته: إنها لدمة بلدمة، و صدمة بصدمة، و موعظة بعد موعظة

____________

(1) -العقير: صوت الباكي.

85

حِكْمَةٌ بََالِغَةٌ فَمََا تُغْنِ اَلنُّذُرُ القمر/5، و اللّه لوددت أنّ رأسه في بدنه، و روحه في جسده، أحيان كان يسبّنا و نمدحه، و يقطعنا و نصله، كعادتنا و عادته، و لم يكن من أمره ما كان، و لكن كيف نصنع بمن سلّ سيفه يريد قتلنا؟إلاّ أن ندفع عن أنفسنا.

فقام إليه عبد اللّه بن السائب، فقال: أما لو كانت فاطمة حية فرأت رأس الحسين لبكت عليه.

فجبهه عمرو بن سعيد، و قال: نحن أحقّ بفاطمة منك، أبوها عمنا، و زوجها أخونا، و ابنها ابننا، أما لو كانت فاطمة حية لبكت عينها، و حزن كبدها، و لكن ما لامت من قتله، و دفع عن نفسه.

35-أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي، أخبرنا شيخ القضاة أبو علي إسماعيل بن أحمد البيهقي، أخبرنا والدي شيخ السنة أحمد بن الحسين البيهقي، أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، أخبرنا عبد اللّه بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا عبد الوهاب بن الضحاك، أخبرنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، قال: لما قتل الحسين بن علي بن أبي طالب ثار عبد اللّه بن الزبير، فدعا ابن عباس إلى بيعته، فامتنع ابن عباس، و ظن يزيد بن معاوية أن امتناع ابن عباس كان تمسكا منه ببيعته، فكتب إليه:

أما بعد فقد بلغني: أنّ الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته، و الدخول في طاعته، لتكون له على الباطل ظهيرا، و في المآثم شريكا، و إنك اعتصمت ببيعتنا، وفاء منك لنا، و طاعة للّه لما عرفك من حقنا، فجزاك اللّه من ذي رحم خير ما يجزي الواصلين بأرحامهم، الموفين بعهودهم، فما أنسى من الأشياء فلست بناس برك، و تعجيل صلتك بالذي أنت له أهل من‏

86

القرابة من الرسول، فانظر من طلع عليك من الآفاق، ممن سحرهم ابن الزبير بلسانه، و زخرف قوله، فاعلمهم برأيك، فإنهم منك أسمع و لك أطوع، من المحل للحرم المارق.

فكتب إليه ابن عباس:

أما بعد: فقد جاءني كتابك، تذكر دعاء ابن الزبير إياي إلى بيعته، و الدخول في طاعته، فإن يكن ذلك كذلك، فإني، و اللّه، ما أرجو بذلك برك و لا حمدك، و لكن اللّه بالذي أنوي به عليم، و زعمت أنك غير ناس بري، و تعجيل صلتي، فاحبس، أيها الإنسان برّك، و تعجيل صلتك، فإني حابس عنك ودي، فلعمري، ما تؤتينا مما لنا قبلك من حقنا إلاّ اليسير، و أنك لتحبس منه عنا العريض الطويل، و سألتني أن أحثّ الناس إليك، و أن أخذلهم من ابن الزبير، فلا ولاء، و لا سرورا و لا حبا، إنّك تسألني نصرتك و تحثني على ودك، و قد قتلت حسينا، و فتيان عبد المطلب، مصابيح الدّجى، و نجوم الهدى، و أعلام التقى، غادرتهم خيولك بأمرك في صعيد واحد، مزملين بالدماء، مسلوبين بالعراء، لا مكفنين، و لا موسّدين، تسفي عليهم الرياح، و تنتابهم عرج الضباع، حتى أتاح اللّه لهم بقوم لم يشركوا في دمائهم، كفنوهم و أجنوهم، و بي و بهم و اللّه غروب، و جلست مجلسك الذي جلست.

فما أنسى من الأشياء، فلست بناس إطرادك حسينا من حرم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى حرم اللّه، و تسييرك إليه الرجال لتقتله في حرم اللّه، فما زلت بذلك و على ذلك حتى أشخصته من مكة إلى العراق، فخرج خائفا يترقب، فزلزلت به خيلك عداوة منك للّه و لرسوله، و لأهل بيته الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، اولئك لا كآبائك الجفاة الأجلاف، أكباد الحمير.

87

فطلب إليكم الموادعة، و سألكم الرجعة، فاغتنمتم قلة أنصاره، و استئصال أهل بيته، فتعاونتم عليه، كأنكم قتلتم أهل بيت من الترك، فلا شي‏ء أعجب عندي من طلبك ودي، و قد قتلت ولد أبي، و سيفك يقطر من دمي، و أنت أحد ثاري، فإن شاء اللّه لا يبطل لديك دمي، و لا تسبقني بثاري، فإن سبقتني في الدنيا، فقبل ذلك ما قتل النبيون و آل النبيين، فطلب اللّه بدمائهم، و كفى باللّه للمظلومين ناصرا و من الظالمين منتقما، فلا يعجبك أن ظفرت بنا اليوم، فلنظفرن بك يوما، و ذكرت وفائي و ما عرفتني من حقك، فإن يكن ذلك كذلك، فقد بايعتك و أباك من قبلك، و أنك لتعلم أني و ولد أبي أحق بهذا الأمر منك و من أبيك، و لكنكم معشر قريش! كابرتمونا حتى دفعتمونا عن حقنا، و وليتم الأمر دوننا، فبعدا لمن تحرى ظلمنا، و استغوى السفهاء علينا، كما بعدت ثمود و قوم لوط و أصحاب مدين.

و من أعجب الأعاجيب، و ما عسى أن أعجب حملك بنات عبد المطلب و أطفالا صغارا من ولده إليك بالشام، كالسبي المجلوبين، تري الناس أنك قهرتنا، و أنت تمن علينا، و بنا منّ اللّه عليك، و لعمر اللّه، لئن كنت تصبح آمنا من جراحة يدي، فإني لأرجو أن يعظم اللّه جرحك من لساني، و نقضي و ابرامي، و اللّه، ما أنا بآيس من بعد قتلك ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن يأخذك اللّه أخذا أليما، و يخرجك من الدنيا مذموما مدحورا، فعش لا أبا لك!ما استطعت، فقد و اللّه، ازددت عند اللّه أضعافا، و اقترفت مآثما، و السلام على من اتبع الهدى.

و كتب يزيد إلى محمد بن الحنفية، و هو يومئذ بالمدينة.

أما بعد: فإني أسأل اللّه لي و لك عملا صالحا يرضى به عنا، فإني ما

88

أعرف اليوم في بني هاشم رجلا هو أرجح منك علما و حلما، و لا أحضر منك فهما و حكما، و لا أبعد منك عن كل سفه و دنس و طيش، و ليس من يتخلق بالخير تخلفا، و يتنحل بالفضل تنحلا، كمن جبله اللّه على الخير جبلا، و قد عرفنا ذلك كله منك قديما و حديثا، شاهدا و غائبا، غير أني قد أحببت زيارتك و الأخذ بالحظ من رؤيتك، فإذا نظرت في كتابي هذا، فاقبل إلي آمنا مطمئنا، أرشدك اللّه أمرك، و غفر لك ذنبك، و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته.

فلما ورد الكتاب على محمد بن علي بن الحنفية، و قرأه، أقبل على ابنيه جعفر و عبد اللّه أبي هاشم، فاستشارهما في ذلك، فقال له ابنه عبد اللّه: يا أبتي!اتّق اللّه في نفسك، و لا تصر إليه، فإني خائف أن يلحقك بأخيك الحسين، و لا يبالي. فقال له محمد: يا بني!و لكني لا أخاف منه ذلك. و قال له ابنه جعفر: يا أبتي!إنه قد اطمأنك و ألطفك في كتابه إليك، و لا أظنه يكتب إلى أحد من قريش بأن «أرشدك اللّه أمرك، و غفر ذنبك» ، و أنا أرجو أن يكف اللّه شره عنك.

فقال محمد: يا بني إني توكلت على اللّه الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه، و كفى باللّه وكيلا، ثم تجهز محمد بن علي، و خرج من المدينة، و سار حتى قدم على يزيد بن معاوية بالشام، فلما استأذن أذن له، و قرّبه و أدناه، و أجلسه معه على سريره، ثم أقبل عليه بوجهه، فقال: يا أبا القاسم!آجرنا اللّه و إياك في أبي عبد اللّه الحسين، فو اللّه، لئن كان نقصك فقد نقصني، و لئن كان أوجعك فقد أوجعني، و لو كنت أنا المتولي لحربه لما قتلته، و لدفعت عنه القتل لو بجز أصابعي، و ذهاب بصري، و لفديته بجميع ما ملكت يدي، و إن كان قد ظلمني، و قطع رحمي،

89

و نازعني في حقي، و لكن عبيد اللّه بن زياد لم يعلم رأيي فيه من ذلك، فعجل عليه بالقتل فقتله، و لم يستدرك ما فات، و بعد: فإنه ليس يجب علينا أن نرضى بالدنية في حقنا، و لم يكن يجب على أخيك أن ينازعنا في أمر خصنا اللّه به دون غيرنا، و عزيز علي ما ناله، فهات الآن ما عندك يا أبا القاسم.

فتكلّم محمد بن علي، فحمد اللّه و أثنى عليه، و قال: إني قد سمعت كلامك، فوصل اللّه رحمك و رحم حسينا، و بارك اللّه له فيما صار إليه من ثواب ربه، و الخلد الدائم الطويل، في جوار الملك الجليل، و قد علمنا أن ما نقصنا فقد نقصك، و ما عراك فقد عرانا من فرح و ترح، و كذا أظن أن لو شهدت ذلك بنفسك لاخترت أفضل الرأي و العمل، و لجانبت أسوأ الفعل و الخطل، و الآن أن حاجتي إليك أن لا تسمعني فيه ما أكره، فإنه أخي و شقيقي، و ابن أبي، و إن زعمت: انه كان ظالمك و عدوّا لك، كما تقول.

فقال له يزيد بن معاوية: إنك لم تسمع فيه مني إلاّ خيرا، و لكن هلم فبايعني، و اذكر ما عليك من الدّين حتى أقضيه عنك. فقال له محمد: أما البيعة فقد بايعتك، و أما ما ذكرت من أمر الدين فما علي دين بحمد اللّه، و إني من اللّه تبارك و تعالى في كل نعمة سابغة، لا أقوم بشكرها. فالتفت يزيد إلى ابنه خالد، و قال له: يا بني!إنّ ابن عمك هذا بعيد من الخب و اللؤم و الدنس و الكذب، و لو كان غيره كبعض من عرفت، لقال: عليّ من الدّين كذا و كذا، ليستغنم أخذ أموالنا.

ثم أقبل عليه يزيد بن معاوية، و قال له: بايعتني يا أبا القاسم!فقال:

نعم، يا أمير المؤمنين!قال: فإني قد أمرت لك بثلاثمائة ألف درهم فابعث من يقبضها، فإذا أردت الانصراف عنا، وصلناك إن شاء اللّه تعالى. فقال له‏

90

محمد: لا حاجة لي في هذا المال، و لا له جئت، فقال له يزيد: فلا عليك أن تقبضه و تفرقه في من أحببت من أهل بيتك، قال: فإني قد قبلته، يا أمير المؤمنين!

ثم إن يزيد أنزل محمدا في بعض منازله، فكان يدخل عليه صباحا و مساء، ثم إن وفدا من أهل الكوفة قدموا على يزيد، و فيهم: المنذر بن الزبير؛ و عبد اللّه بن عمر؛ و عبد اللّه بن حفص بن المغيرة المخزومي؛ و عبد اللّه بن حنظلة بن أبي عامر الأنصاري، فأقاموا عند يزيد أياما، فأجارهم يزيد و أمر لكل رجل بخمسين ألف درهم، و أجاز المنذر بمائة الف درهم، فلمّا أرادوا الانصراف إلى المدينة، دخل محمد بن علي على يزيد، فاستأذنه في الانصراف معهم، فأذن له في ذلك و وصله بمائتين ألف درهم، و أعطاه عروضا بمائة ألف درهم، ثم قال له: و اللّه، يا أبا القاسم ألية أني لا أعلم اليوم في أهل بيتك رجلا هو أعلم منك بالحلال و الحرام، و قد كنت أحب أن لا تفارقني، و تأمرني بما فيه حظي و رشدي، و و اللّه، ما أحبّ أن تنصرف عني و أنت ذام لشي‏ء من أخلاقي.

فقال له محمد: أما ما كان منك إلى الحسين، فذاك شي‏ء لا يستدرك، و أما الآن فإني ما رأيت منك منذ قدمت عليك إلاّ خيرا، و لو رأيت منك خصلة أكرهها، لما وسعني السكوت دون أن أنهاك عنها، و اخبرك بما يحقّ للّه عليك منها، للذي أخذ اللّه تبارك و تعالى على العلماء في علمهم أن يبينوه للناس و لا يكتموه، و لست مؤديا عنك إلى من ورائي من الناس إلاّ خيرا، غير أني أنهاك عن شرب هذا المسكر، فإنه رجس من عمل الشيطان، و ليس من ولي امور الامة، و دعي له بالخلافة على رءوس الأشهاد فوق المنابر، كغيره من الناس، فاتّق اللّه في نفسك، و تدارك ما سلف من ذنبك.

91

فسرّ يزيد بما سمع من محمد سرورا شديدا، و قال له: فإني قابل منك ما أمرتني به، و أنا احبّ أن تكاتبني في كل حاجة تعرض لك: من صلة أو تعاهد، و لا تقصر في ذلك أبدا.

فقال له محمد: أفعل ذلك إن شاء اللّه، و أكون عند ما تحب.

ثمّ ودعه و رجع إلى المدينة، و فرق ذلك المال كلّه في أهل بيته، و سائر بني هاشم و قريش، حتى لم يبق من بني هاشم و قريش أحد من الرجال و النساء و الذرية و الموالي إلاّ صار إليه من ذلك، ثم خرج محمد بن المدينة إلى مكة، و أقام بها مجاورا لا يعرف غير الصوم و الصلاة، و لا يتداخل بغير الفقه.

92

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

93

الفصل الثاني عشر في بيان عقوبة قاتل الحسين صلّى اللّه عليه و آله و خاذله و ماله من الجزاء

94

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

95

1-أخبرنا الشيخ الثقة العد الحافظ أبو بكر محمد بن عبد اللّه بن نصر الزاغوني-بمدينة السلام منصرفي عن السفرة الحجازية-، أخبرنا الشيخ الجليل أبو الحسن محمد بن إسحاق بن الساهوجي، أخبرنا أبو عبد اللّه الحسين بن الحسن بن علي بن بندار، أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن الحسن بن شاذان البزاز، أخبرنا أبو القاسم عبد اللّه بن أحمد بن عامر بن سليمان-ببغداد في باب المحوّل-، حدثني أبي أحمد بن عامر بن سليمان الطائي، حدثني أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا، حدثني أبي موسى بن جعفر، حدثني أبي جعفر بن محمد، حدثني أبي محمد بن علي، حدثني أبي علي بن الحسين، حدثني أبي الحسين بن علي، حدثني أبي علي بن أبي طالب عليهم السّلام قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إن قاتل الحسين في تابوت من نار، عليه نصف عذاب أهل النار، و قد شدّ يداه و رجلاه بسلاسل من نار، ينكس في النار، حتى يقع في قعر جهنم، و له ريح يتعوذ أهل النار إلى ربهم عزّ و جلّ من شدة نتنها و هو فيها خالد، ذائق العذاب الأليم، كلما نضجت‏

96

جلودهم تبدل عليهم الجلود ليذوقوا ذلك العذاب الأليم» .

2-و بهذا الإسناد، قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: الويل لظالمي أهل بيتي، عذابهم مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار، لا يفتر عنهم ساعة، و يسقون من عذاب جهنم، فالويل لهم من العذاب الأليم» .

3-و بهذا الإسناد، قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: اشتدّ غضب اللّه و غضب رسوله على من أهرق دمي؛ و آذاني في عترتي» .

4-أخبرنا العالم العابد الأوحد أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي، عن مشايخه الثلاثة: محمود بن أبي القاسم الأزدي؛ و أبي نصر الترياقي؛ و أبي بكر الغورجي، ثلاثتهم، عن أبي محمد الجراحي، عن أبي العباس المحبوبي، عن الحافظ أبي عيسى الترمذي، حدثني واصل بن عبد الأعلى، حدثني أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، قال: لما جي‏ء برأس عبيد اللّه بن زياد إلى المختار مع رءوس أصحابه، نضدت في المسجد في الرحبة، فانتهيت إلى الناس و هم يقولون: قد جاءت، قد جاءت، فلم أدر، فإذا حيّة قد جاءت فتخللت الرءوس حتى دخلت في منخر عبيد اللّه بن زياد فمكثت هنيئة، ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت، ثم قالوا: قد جاءت، قد جاءت، ففعلت ذلك أمامي مرتين أو ثلاثا.

قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث صحيح.

5-و أخبرني الإمام الحافظ سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي، فيما كتب إليّ من همدان، أخبرني والدي، أخبرني الحافظ الميداني إجازة، أخبرني القاضي أبو الحسن الوراق، أخبرني أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن زرعة، حدّثني ظهير بن محمّد بن ظهير، حدّثني عبد اللّه بن محمّد بن بشر، حدثني الحسن بن الزبرقان المرادي، حدثني

97

أبو بكر ابن عياش، عن الأجلح، عن الزبير، عن جابر الأنصاري قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «يجي‏ء يوم القيامة ثلاثة: المصحف؛ و المسجد؛ و العترة، فيقول المصحف: حرقوني و مزقوني، و يقول المسجد: خرّبوني و عطلوني، و تقول العترة: قتلونا و طردونا و شردونا، فأجثو على ركبتي للخصومة، فيقول اللّه عزّ و جلّ: ذلك إليّ فأنا أولى بذلك» .

6-أخبرني سيد الحفاظ هذا، قال: و مما سمعت في «المفاريد» برواية عليّ عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إنّ موسى بن عمران سأل ربه، فقال:

يا رب إنّ أخي هارون مات فاغفر له، فأوحى اللّه إليه أن يا موسى!لو سألتني في الأولين و الآخرين لأجبتك فيهم، ما خلا قاتل الحسين بن علي، فإني أنتقم له منه» .

7-و أخبرني سيد الحفاظ هذا، قال: و باسنادي إلى أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «اريت في منامي رجلا من أهل بيتي دعا إلى اللّه و عمل صالحا، و غير المنكر، و أنكر الجور فصلب، فعلى صالبه لعنة اللّه» .

8-و أخبرني سيد الحفاظ هذا، أخبرني أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا ابن حبّان، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا زهير بن حرب، حدثني أبو معاوية، عن محمد بن قيس بن البراء، عن عبد اللّه بن بدر الخطمي، عن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال: «من أحبّ أن يبارك‏[اللّه‏]في أجله، و أن يمتع بما خوله اللّه تعالى، فليخلفني في أهلي خلافة حسنة، و من لم يخلفني فيهم بتلك عمره، و ورد عليّ يوم القيامة مسودا وجهه» .

قال: فكان كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فإن يزيد بن معاوية لم يخلفه في أهله خلافة حسنة، فبتك عمره، و ما بقي بعد الحسين عليه السّلام إلاّ قليلا، و كذلك‏

98

عبيد اللّه بن زياد (لعنهما اللّه) .

9-و أخبرني سيد الحفاظ هذا-كتابة-، أخبرني الرئيس أبو الفتح عبدوس بن عبد اللّه-فيما أذن لي، حدثني الشيخ العدل أبو بكر عبد اللّه ابن علي ابن حمويه، حدثني أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي- إجازة-، حدثني أبو عمرو محمد بن محمد بن صابر، حدثني أبو سعيد خلف بن سليمان، حدثني أبو عبد اللّه محمد بن تميم السعدي، حدثني محمد بن عبد اللّه (الرحمن) النيسابوري، حدثني أبو هانئ، عن خلف بن محمد، قال: قال عمر بن عبد العزيز: سألت ربي عز و جلّ أن يريني الخلفاء من أهل الجنّة، فرأيت فيما يرى النائم أن القيامة قد قامت، و أنّ الناس قد قربوا للحساب، فرأيت رجلا قصيفا قد حوسب حسابا يسيرا، و امر به إلى الجنّة، فقلت: من ذاك؟قيل: أبو بكر الصديق.

ثمّ اتي بآخر فحوسب حسابا يسيرا، ثم امر به الى الجنّة، فقلت: من ذاك؟قيل عمر بن الخطاب.

ثم اتي بآخر فحوسب حسابا يسيرا و امر به إلى الجنّة، فقلت: من هذا؟قيل: عثمان بن عفان.

و لم أر عليا، فقلت: و أين علي؟قيل: هيهات هيهات!عليّ في أعلى عليين مع النبيين و الصديقين.

ثمّ مررت على واد من نار، فإذا رجل فيه كلما أراد أن يخرج، قمع بمقامع من حديد فهوى، فقلت: من هذا؟قيل: يزيد بن معاوية، و رأيت قبّة من نار فيها رجل، فلما رآني، قال لي: السلام عليك، يا عمر بن عبد العزيز!قلت: من أنت، ثكلتك امك؟قال: الحجاج بن يوسف، قلت ما فعل بك الرحمن؟قال: قتلت بكل رجل مرة، و بدل سعيد بن جبير

99

سبعين مرّة، و أنا على حال لم أيأس من ربي.

10-و أخبرني الإمام أبو جعفر محمد بن عمر-كتابة-، أخبرني الإمام زيد ابن الحسن البيهقي، أخبرني النقيب علي بن محمد بن الحسين، أخبرني السيد الإمام أبو جعفر محمد بن جعفر الحسيني، أخبرني السيد الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين الحسيني قال: روي لي أنّ الزهري دخل على هشام ابن عبد الملك، فقال هشام: إني ما أراني إلاّ أوبقت نفسي‏ (1) بقتل زيد بن علي بن الحسين و ذلك بعد قتله، فقال الزهري: و كيف ذاك؟فقال: أتاني آت، فقال: إنه ما أصاب أحد من دماء آل محمد شيئا إلا أوبق نفسه من رحمة اللّه، فخرج الزهري، و هو يقول: أما و اللّه، لقد أوبقت نفسك من قبل ذلك، و أنت الآن وابق.

11-و أنبأني الحفاظ صدر الحفاظ أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمداني بها، أخبرني محمود بن إسماعيل الصيرفي، أخبرني أحمد بن محمد بن الحسين، أخبرني الطبراني، حدثني محمد بن عبد اللّه الحضرمي، حدثني محمد بن يحيى الصيرفي، حدثني أبو غسان، حدثني عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك بن كردوس، عن حاجب عبيد اللّه بن زياد قال:

دخلت القصر خلف عبيد اللّه، فاضطرم في وجهه نارا، فقال هكذا بكمه على وجهه، و التفت إلي، فقال: هل رأيت؟قلت: نعم، فأمرني أن أكتم ذلك.

12-و حدثنا عين الأئمة أبو الحسن علي بن أحمد الكرباسي الخوارزمي، حدثنا الشيخ الامام أبو يعقوب يوسف بن محمد البلالي، حدثنا الإمام السيد المرتضى أبو الحسن محمد بن محمد بن زيد الحسيني

____________

(1) أوبق نفسه: حبسها و أهلكها، و وبق: هلك.

100

الحسني، أخبرنا الحسن بن أحمد الفارسي، أخبرنا علي بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن منصور، حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد بن حسين، عن أبي خالد؛ عن زيد، عن ابن لهيعة قال: كنت أطوف بالبيت، إذا أنا برجل يقول: اللّهمّ!اغفر لي، و ما أراك فاعلا!فقلت له: يا عبد اللّه!اتّق اللّه، لا تقل مثل هذا، فإن ذنوبك لو كانت مثل قطر الأمطار؛ و ورق الاشجار، و استغفرت اللّه غفرها لك، فإنه غفور رحيم.

فقال لي: تعال حتى اخبرك بقصتي، فأتيته، فقال: اعلم إنا كنا خمسين نفرا حين قتل الحسين بن علي، و سلم إلينا رأسه، لنحمله إلى يزيد بالشام، فكنا إذا أمسينا نزلنا واديا؛ و وضعنا الرأس في تابوت؛ و شربنا الخمور حوالي التابوت إلى الصباح، فشرب أصحابي ليلة حتى سكروا، و لم أشرب معهم، فلما جنّ الليل، سمعت رعدا و برقا، و إذا أبواب السماء قد فتحت فنزل: آدم؛ و نوح؛ و إبراهيم؛ و إسحاق؛ و إسماعيل؛ و نبينا محمد (صلوات اللّه عليهم) ، و معهم جبرئيل؛ و خلق من الملائكة.

فدنا جبرئيل من التابوت، فأخرج الرأس و قبله و ضمه، ثم فعل الأنبياء كذلك، ثم بكى النبيّ محمد صلّى اللّه عليه و آله على رأس الحسين، فعزاه الأنبياء، و قال له جبرئيل: يا محمّد!إنّ اللّه تبارك و تعالى أمرني أن اطيعك في امتك، فإن أمرتني زلزلت بهم الأرض، و جعلت عاليها سافلها، كما فعلت بقوم لوط. فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: «لا، يا جبرئيل فإن لهم معي موقفا بين يدي اللّه عز و جلّ يوم القيامة» .

قال: ثمّ صلوا عليه، ثمّ أتى قوم من الملائكة، فقالوا: إنّ اللّه تعالى أمرنا بقتل الخمسين، فقال لهم النبي صلّى اللّه عليه و آله: «شأنكم بهم» .

قال: فجعلوا يضربونهم بالحربات، و قصدني واحد منهم بحربته‏