مقتل الحسين عليه السلام - ج2

- الخطيب الخوارزمي المزيد...
312 /
101

ليضربني، فصحت: الأمان الأمان، يا رسول اللّه!فقال لي: «اذهب فلا غفر اللّه لك» !قال: فلما أصبحت رأيت أصحابي جاثمين رمادا.

و رويت هذا الحديث بإسنادي إلى أبي عبد اللّه الحدادي، عن أبي جعفر الهندواني، بإسناده إلى ابن لهيعة، و فيه زيادة عند قوله: لنحمله إلى يزيد، قال: و كان كلّ من قتله جفت يده، و فيه بعد: سمعت صوت رعد، لم أسمع مثله، فقيل: قد أقبل محمد، و سمعت بصهيل الخيل، و قعقعة السلاح مع جبرئيل؛ و ميكائيل؛ و إسرافيل؛ و الكروبيين؛ و الروحانيين و المقربين، و فيه: فشكا النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى النبيين و الملائكة، و قال: «قتلوا ولدي و قرّة عيني» ، فكلهم قبّل الرأس، و ضمه إلى صدره، و الباقي من الحديث يقرب بعضه بعض.

13-أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي، أخبرنا شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد البيهقي، أخبرنا والدي شيخ السنة أبو بكر أحمد بن الحسين، أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، أخبرنا محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا شريك، عن أبي عمير يعني عبد الملك قال: قال الحجاج يوما: من كان له بلاء فليقم لنعطيه على بلائه، فقام رجل، فقال: اعطني على بلائي، قال: و ما بلاؤك؟ قال: قتلت الحسين بن علي؟قال: و كيف قتلته؟قال: دسرته، و اللّه، بالرمح دسرا، و هبرته بالسيف هبرا، و ما أشركت معي أحدا، قال: أما إنك و إياه لن تجتمعا في مكان واحد. ثم قال له: اخرج، و أحسبه لم يعطه شيئا.

14-و بهذا الإسناد، عن أحمد بن الحسين هذا، أخبرنا محمد بن الحسين القطان، أخبرنا عبد اللّه بن جعفر بن درستويه النحوي، حدثنا يعقوب بن سفيان الفسوي، حدثني النضر بن عبد الجبار، أخبرني ابن‏

102

لهيعة، عن أبي قبيل قال: لما قتل الحسين بن علي عليه السّلام كسفت الشمس حتى بدت الكواكب نصف النهار، حتى ظننا أنها هي‏ (1) .

15-و بهذا الإسناد، عن يعقوب بن سفيان الفسوي هذا، حدثنا إسماعيل، حدثنا عليّ بن مسهر، حدثتني جدّتي قالت: كنت أيام الحسين ابن عليّ جارية شابة، فكانت السماء أياما علقة (2) بعد ما قتل.

16-و بهذا الإسناد، عن يعقوب بن سفيان هذا، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثتنا أم سرق العبدية، حدثتني نضرة الأزدية، قالت: لما قتل الحسين مطرت السماء دما، فأصبحنا و كل شي‏ء لنا ملئ دما.

17-و بهذا الإسناد، عن يعقوب بن سفيان هذا، حدثني أيوب بن محمد الرقي، حدثني سلام بن سليمان الثقفي، عن زيد بن عمر الكندي، حدثتني أم حسان، قالت: يوم قتل الحسين عليه السّلام اظلمت علينا ثلاثا، و لم يمس أحد من زعفرانهم شيئا فجعله على وجهه إلاّ احترق، و لم يقلب حجر ببيت المقدس إلاّ وجد تحته دم عبيط.

18-و بهذا الإسناد، عن يعقوب بن سفيان هذا، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، قال: أول ما عرف الزهري أن تكلّم في مجلس الوليد بن عبد الملك، قال الوليد: أيكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين؟فقال الزهري: بلغني أنه لم يقلب حجر إلاّ وجد تحته دم عبيط.

19-و بهذا الإسناد، عن حماد بن زيد هذا، حدثنا هشيم، عن ابن سيرين، قال: قيل له: أتعلم هذه الحمرة في الافق ممّ هي؟قال: عرفت من

____________

(1) يعني القيامة.

(2) أي كالدم.

103

يوم قتل الحسين بن علي. و روى هذا الحديث أبو عيسى الترمذي.

20-و بهذا الإسناد، عن حماد بن زيد هذا، حدثني جميل بن مرّة، قال: أصابوا إبلا في عسكر الحسين عليه السّلام يوم قتل، فنحروها و طبخوها، فكانت مثل العلقم، فما استطاعوا أن يسيغوا منها شيئا.

21-و بهذا الإسناد، عن يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو بكر الحميدي، حدثنا سفيان، حدّثتني جدتي، قالت: لقد رأيت الورس عاد رمادا، و لقد رايت اللحم كانّ فيه المرار (1) ، و ذلك ورس و إبل كانت للحسين و نهبت لما قتل.

22-و بهذا الإسناد، عن يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو نعيم، حدثني عقبة بن أبي حفصة، عن أبيه، قال: إن كان الورس من ورس الحسين بن علي ليقال به هكذا (2) فيصير رمادا.

23-و بهذا الإسناد، عن أحمد بن الحسين، أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، حدثنا محمد بن يعقوب، سمعت العباس بن محمد الدوري، سمعت يحيى بن معين، حدثني جرير، عن زيد بن أبي الزناد، قال: قتل الحسين بن علي ولي أربع عشرة سنة، و صار الورس الذي في عسكره رمادا، و احمرت آفاق السماء، و نحروا ناقة في عسكره فكانوا يرون في لحمها المرار.

24-و بهذا الإسناد، عن أبي عبد اللّه الحافظ، سمعت الزبير بن عبد اللّه، سمعت أبا عبد اللّه بن وصيف، سمعت المشطاح الوراق، يقول:

سمعت الفتح بن سحرف العابد، يقول: كنت أفت الحبّ للعصافير كل يوم

____________

(1) المرار: نبت مرّ لا يساغ.

(2) أي: يفرك.

104

فكانت تأكل، فلما كان يوم عاشوراء فتت لها فلم تأكل، فعلمت أنها امتنعت لقتل الحسين بن علي عليه السّلام.

25-و بهذا الإسناد، عن أحمد بن الحسين، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا الحسين بن صفوان، حدثنا عبد اللّه بن محمد بن أبي الدنيا، أخبرني العباس بن هشام بن محمد الكوفي، عن أبيه، عن جده، قال: كان رجل من أبان بن دارم، يقال له: «زرعة» شهد قتل الحسين عليه السّلام و رماه بسهم فأصاب حنكه، فجعل يتلقى الدم بكفه، و يقول به هكذا الى السماء فيرمي به، و ذلك أنّ الحسين عليه السّلام دعا بماء ليشرب، فلما رماه حال بينه و بين الماء، فقال الحسين: اللّهمّ!أظمئه، اللّهمّ!أظمئه، قال: فحدثني من شهده و هو يجود أنه يصيح من الحر في بطنه، و البرد في ظهره، و بين يديه المرواح و الثلج، و خلفه الكانون، و هو يقول: اسقوني أهلكني العطش!فيؤتى بعس عظيم فيه السويق و الماء و اللبن، لو شربه خمسة لكفاهم، فيشربه و يعود فيقول: اسقوني أهلكني العطش!قال: فانقدّ بطنه كانقداد البعير.

و ذكر أعثم الكوفي هذا الحديث مختصرا، و سمى الرامي عبد الرحمن الأزدي، و قال: فقال الحسين: «اللّهم اقتله عطشا، و لا تغفر له أبدا» .

قال القاسم بن الأصبغ: لقد رأيتني عند ذلك الرجل و هو يصيح:

العطش، و الماء يبرد له فيه السكر، و الاعساس فيها اللبن، و هو يقول:

ويلكم، اسقوني قد قتلني العطش!فيعطى القلة و العس، فإذا نزعه من فيه، يصيح: اسقوني، و ما زال حتى انقد بطنه، و مات أشرّ ميتة.

26-و بهذا الإسناد، عن ابن أبي الدنيا، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثني سفيان، حدثتني جدتي أمّ أبي، قالت: أدركت رجلين ممن شهد قتل الحسين عليه السّلام، فأما أحدهما: فطال ذكره حتى كاد يلفه، و أما الآخر: فكان‏

105

يستقبل الرواية فيشربها حتى يأتي على آخرها و لا يرتوي.

قال سفيان: و أدركت ابن أحدهما به خبل أو نحوه.

27-و بهذا الإسناد، عن أبي عبد اللّه الحافظ، حدثني أبو محمد يحيى بن محمد العلوي، حدثني الحسين بن محمد العلوي، حدثنا أبو علي الطرسوسي، حدثني الحسن بن علي الحلواني، عن عليّ بن معمر، عن إسحاق بن عباد، عن المفضل بن عمر الجعفي، سمعت جعفر بن محمد عليهما السّلام يقول: حدثني أبي محمد بن علي، حدثني أبي علي بن الحسين عليه السّلام قال: لما قتل الحسين جاء غراب فوقع في دمه، ثم تمرغ ثم طار، فوقع بالمدينة على جدار دار فاطمة بنت الحسين و هي الصغرى، فرفعت رأسها إليه فنظرته فبكت، و قالت:

نعب الغراب فقلت من # تنعاه ويلك من غراب؟

قال الإمام فقلت من؟ # قال الموفق للصواب‏

إن الحسين بكربلاء # بين المواضي و الحراب‏

قلت الحسين فقال لي # ملقى على وجه التراب‏

ثمّ استقلّ به الجناح # و لم يطق رد الجواب‏

فبكيت منه بعبرة # ترضي الإله مع الثواب‏

قال محمد بن علي عليه السّلام: فنعته لأهل المدينة، فقالوا: جاءت بسحر بني عبد المطلب، فما كان بأسرع من أن جاءهم الخبر بقتل الحسين عليه السّلام.

28-و بهذا الإسناد، عن أبي عبد اللّه الحافظ، أخبرنا أبو محمد عبد اللّه بن إسحاق البغوي ببغداد، حدثنا أبو بكر بن أبي العوام، حدثني أبي، حدثني منصور بن عمار، عن ابن لهيعة، عن أبي قبيل، قال: لما قتل الحسين عليه السّلام‏ (1) بعث

____________

(1) في الأصل: لمّا قتل الحسين حدّثني عليه السّلام.

106

برأسه الى يزيد، فنزلوا أول مرحلة، فجعلوا يشربون و يبتهجون بالرأس، فخرجت عليهم كف من الحائط، معها قلم من حديد، فكتبت سطرا بدم:

أ ترجو أمّة قتلت حسينا # شفاعة جدّه يوم الحساب‏

29-و ذكر هذا البيت مع بيت آخر، الرئيس أبو الفتح الهمداني في كتابه المعروف بـ «فوز الطالب في فضائل علي بن أبي طالب» ، على ما أخبرني به سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي-فيما كتب إليّ من همدان-، أخبرني الرئيس أبو الفتح عبدوس بن عبد اللّه الهمداني في-كتابه-، حدثني الشريف أبو طالب، حدثني الحافظ محمد بن مردويه، حدثني يحيى بن عبد اللّه، حدثني جندل بن والق، حدثني محمد بن فورك‏[ح‏]قال الرئيس أبو الفتح: و حدثني أبي، حدثني أحمد بن عليّ الزعفراني، حدثني أحمد بن عبيد اللّه، حدثني الحضرمي، حدثني محمد بن فورك، عن أبي سعيد الثعلبي، عن يحيى بن يمان، عن إمام لبني سليم، قال: حدثنا أشياخنا، قالوا: دخلنا في الروم كنيسة لهم، فوجدنا في الحائط صخرة، فيها مكتوب:

أ ترجو أمّة قتلت حسينا # شفاعة جدّه يوم الحساب‏

فلا، و اللّه، ليس لهم شفيع # و هم يوم القيامة في العذاب‏

فقلنا لشيخ في الكنيسة: منذ كم هذا الكتاب؟فقال: من قبل أن يبعث صاحبكم بثلاثمائة عام.

30-و أخبرني الحافظ صدر الحفاظ أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمداني-إجازة-، أخبرني محمود بن إسماعيل الصيرفي، أخبرني أحمد ابن محمد بن الحسين الطبراني، حدثني علي بن عبد العزيز، حدثني محمد ابن سعيد الأصبهاني، حدثني شريك، عن عطاء بن السائب، عن ابن وائل

107

أو وائل بن علقمة، أنه شهد ما هناك، فقال: قام رجل من أصحاب عمر بن سعد، فصاح في معسكر الحسين: أ فيكم حسين؟قالوا: نعم، فقال: ابشر يا حسين بالنّار!فقال: «أبشر برب رحيم و شفيع مطاع، من أنت» ؟قال:

ابن حويزة، قال: «اللّهمّ حزه إلى النار» !قال: فنفرت به الدابة فتعلقت رجله بالركاب، فو اللّه، ما بقي عليها منه إلاّ رجله.

31-و بهذا الإسناد، عن الطبراني، قال: حدثنا الحضرمي، حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا أبو غسان، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن الكلبي، قال: رمى رجل الحسين عليه السّلام و هو يشرب، فشك شدقه، فقال له:

لا أرواك اللّه!قال: فشرب حتى نفط (1) .

32-و أخبرني أبو العلاء هذا-إجازة-، أخبرنا هبة اللّه بن محمد الشيباني، أخبرنا الحسن بن علي التميمي، أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي، حدثنا إبراهيم بن عبد اللّه، حدثنا سليمان بن حرب، عن حماد، عن عمار: أنّ ابن عباس رأى النبي صلّى اللّه عليه و آله في منامه يوما بنصف النهار، و هو أشعث أغبر، في يده قارورة فيها دم، فقال: يا رسول اللّه!ما هذا الدم؟ قال: «دم الحسين، لم أزل ألتقطه منذ اليوم» .

فأحصي ذلك اليوم فوجدوا الحسين عليه السّلام قتل في ذلك اليوم.

33-و أخبرني أبو العلاء هذا-إجازة-، أخبرني أبو علي الحداد، أخبرني محمد بن أحمد الكاتب، أخبرني عبد اللّه بن محمد، حدثني أحمد ابن عمر، حدثني إبراهيم بن سعيد، حدثني محمد بن جعفر بن محمّد قال: سمعت عبد الرحمن بن محمّد بن أبي سلمة، يذكر عن أبيه، عن جدّه، عن أمّ سلمة، قالت: جاء جبرئيل عليه السّلام إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله، فقال: إنّ

____________

(1) -نفط: تقرّح بدنه.

108

امتك تقتله يعني الحسين بعدك، ثم قال له: أ لا اريك من تربة مقتله؟قال:

«نعم» ، فجاء بحصيات فجعلهنّ رسول اللّه في قارورة، فلما كانت ليلة قتل الحسين قالت أمّ سلمة: سمعت قائلا يقول:

أيها القاتلون جهلا حسينا # أبشروا بالعذاب و التنكيل‏

قد لعنتم على لسان ابن داود # و موسى و صاحب الإنجيل‏

قالت: فبكيت و فتحت القارورة، فإذا قد حدث فيها دم.

34-و أخبرني سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي -فيما كتب إلي من همدان-، أخبرني محمود بن إسماعيل، أخبرني أحمد ابن فادشاه‏[ح‏]قال: و أخبرني أبو علي مناولة، أخبرني أبو نعيم الحافظ، قالا: أخبرنا الطبراني، حدثنا القاسم بن عبّاد الخطابي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا عمرو بن ثابت، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: قالت أمّ سلمة: ما سمعت نوح الجن منذ قبض النبي صلّى اللّه عليه و آله إلاّ الليلة، و ما أدري إلا و قد قتل ابني تعني الحسين ثمّ قالت لجاريتها: اخرجي فاسألي، فأخبرتها أنه قد قتل، و كانت سمعت جنيّة تنوح بهذين البيتين:

ألا يا عين فاحتفلي بجهد # فمن يبكي على الشهداء بعدي‏

على رهط سرت بهم المنايا # إلى متجبر في ملك عبد

35-و أنبأني صدر الحفاظ أبو العلاء الهمداني بها، أخبرنا محمود بن إسماعيل، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين، أخبرنا أبو القاسم اللخمي، حدثنا محمد بن عثمان، حدثنا جندل بن والق، حدثنا عبد اللّه بن الطفيل، عن أبي زيد الفقيمي، عن أبي جناب الكلبي، قال: حدثني الجصاصون، قالوا: كنا إذا خرجنا في الليل إلى الجبانة أيام مقتل الحسين بن علي عليه السّلام سمعنا الجن ينوحون عليه، و يقولون:

109

مسح الرسول جبينه # فله بريق في الخدود

أبواه من عليا قريش # و جدّه خير الجدود

36-و أنبأني أبو العلاء هذا، أخبرنا أحمد بن محمد البخاري؛ و أحمد بن عبد الجبار البغدادي؛ و هبة اللّه بن محمد الشيباني، قالوا:

حدثنا محمد بن محمد الهمداني، حدثنا محمد بن عبد اللّه الشافعي، حدثنا محمد بن شداد المسمعي، حدثنا أبو نعيم عبد اللّه بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أوحى اللّه تبارك و تعالى إلى محمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا و إني قاتل بابن بنتك-يا محمد-سبعين ألفا و سبعين ألفا» . و أخرج هذا الحديث أبو عبد اللّه الحافظ في «المستدرك» ، عن ابن عباس أيضا.

37-و أخبرني الشيخ الإمام الزاهد أبو الحسن العاصمي، عن أبي علي إسماعيل بن أحمد، عن والده، أخبرني علي بن أحمد بن عبدان، أخبرني أحمد بن عبيد، أخبرني تمام، حدثني أبو سعيد، حدثني أبو خالد الأحمر، حدثني رزين، عن حبيش، قال: حدثتني سلمى، قالت: دخلت على أمّ سلمة و هي تبكي، فقلت لها: ما يبكيك؟قالت: رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في المنام، و على رأسه و لحيته أثر التراب، فقلت: مالك يا رسول اللّه مغبرا؟ قال: «شهدت قتل الحسين آنفا» .

38-و جاء في «المراسيل» : أنّ سلمى المدنية، قالت: رفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى أمّ سلمة قارورة فيها رمل من الطف، و قال لها: «إذا تحول هذا دما عبيطا، فعند ذلك يقتل الحسين» ، قالت سلمى: فارتفعت واعية من حجرة أمّ سلمة فكنت أوّل من أتاها، فقلت لها: ما دهاك يا أم المؤمنين؟ قالت: رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في المنام، و التراب على رأسه، فقلت: مالك؟

110

قال: «وثب الناس على ابني فقتلوه، و قد شهدته قتيلا الساعة» ، فاقشعر جلدي و انتبهت و قمت إلى القارورة فوجدتها تفور دما، قالت سلمى:

و رأيتها موضوعة بين يديها.

39-و أخبرني سيد الحفاظ أبو منصور الديلمي-فيما كتب إلي من همدان-، أخبرني أبو علي الحداد، أخبرني أبو نعيم الحافظ، حدثني محمد ابن الفتح، حدثني عبد اللّه بن أبي داود، حدثني عباد بن يعقوب، حدثني أبو يزيد العتكي، عن هشام، عن عبد اللّه المكي، عن جابر، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «ثلاث من كنّ فيه فليس مني: بغض علي عليه السّلام، و نصب أهل بيتي، و من قال: الإيمان كلام» .

يعني فيها: يناصبهم العداوة، و يقول: بأن الإيمان قول بلا عمل.

40-قال: و في رواية أبي سعيد الخدري عنه صلّى اللّه عليه و آله: «ثلاث من حفظهن حفظ اللّه له دينه و دنياه، و من ضيعهنّ لم يحفظ اللّه له شيئا: حرمة الإسلام؛ و حرمتي؛ و حرمة رحمي» .

41-و أخبرنا سيد الحفاظ الديلمي هذا، أخبرنا أبو علي، أخبرنا أبو نعيم، عن أبي الهيثم أحمد بن محمد، عن علي بن أحمد، حدثنا عباد بن يعقوب، عن ارطاة بن حبيب، عن عبيد بن ذكوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي-و هو آخذ بشعره-، حدثني أبي علي بن الحسين-و هو آخذ بشعره-، حدثني أبي الحسين بن علي-و هو آخذ بشعره-، حدثني أبي علي ابن أبي طالب-و هو آخذ بشعره-، حدثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله-و هو آخذ بشعره-قال: «من آذى شعرة مني فقد آذاني، و من آذاني فقد آذى اللّه، و من آذى اللّه فعليه لعنة اللّه مل‏ء السماء و مل‏ء الأرض» .

43-و أخبرنا سيد الحفاظ هذا-إجازة-، أخبرنا الرئيس أبو الفتح‏

111

الهمداني-كتابة-، حدثنا أبو الحسين بن يعقوب، حدثنا أبو القاسم عيسى ابن علي بن الجراح-وزير المقتدر باللّه-، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن المقري، حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى، حدثنا عمر بن شبة، حدثنا عبيد ابن حماد، حدثني عطاء بن مسلم، قال: قال السدي: أتيت «كربلاء» ابيع البزّ بها، فعمل لنا شيخ من طيّ طعاما فتعشينا عنده، فذكر قتل الحسين عليه السّلام، فقلت: ما شرك أحد في قتله إلاّ مات بأسوإ ميتة، فقال: ما أكذبكم يا أهل العراق!فأنا ممن شرك في قتله.

فلم يبرح حتى دنا من المصباح و هو يتقد بنفط، فذهب ليخرج الفتيلة باصبعه فأخذت النار فيها، فذهب ليطفئها بريقه فذهبت النار بلحيته، فعدا فألقى نفسه في الماء، فرأيته و اللّه، كأنه حممة (1) .

43-و بهذا الإسناد، عن الرئيس أبي الفتح هذا، قال: أنشدني أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن، أنشدني عمار بن محمد، أنشدني يحيى بن زكريا، أنشدني عليّ بن منصور:

أباد الأكرمين بني علي # يزيد و الدّعي إلى سميّة

شفيع في المعاد لنا أبوهم # و يشفع في المعاد لهم أميّة

44-و بهذا الإسناد، عن الرئيس أبي الفتح هذا، حدثنا أبو العباس أحمد بن الحسين الحنفي بالري، حدثنا عبد اللّه بن جعفر الطبري، حدثنا عبد اللّه بن محمد التميمي، حدثنا محمد بن الحسن العطار، حدثنا عبد اللّه ابن محمد الأنصاري، حدّثنا عمارة بن زيد، حدّثنا بكر بن حارثة، عن محمد بن إسحاق، عن عيسى بن عمر، عن عبد اللّه بن عمرو الخزاعي، عن هند بنت الجون، قالت:

____________

(1) الحممة: الفحمة.

112

نزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بخيمة خالتي و معه أصحاب له، فكان من أمره في الشاة ما قد عرفه الناس، فقال‏ (1) في الخيمة هو و أصحابه حتى أبرد، و كان اليوم قايظا شديدا حرّه، فلما قام من رقدته، دعا بماء فغسل يديه فأنقاهما، ثم مضمض فاه و مجه على عوسجة كانت إلى جنب خيمة خالتي ثلاث مرات، و استنشق ثلاثا، و غسل وجهه ثلاثا، و ذراعيه ثلاثا، ثم مسح برأسه ما أقبل منه و أدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه ظاهرهما و باطنهما، و اللّه، ما عاينت أحدا فعل ذلك.

ثم قال: «إنّ لهذه العوسجة شأنا» .

ثم فعل من كان معه من أصحابه مثل ذلك، ثم قام فصلّى ركعتين، فعجبت أنا و فتيات الحي من ذلك، و ما كان عهدنا بالصلاة و لا رأينا مصليا قبله، فلمّا كان من الغد أصبحنا و قد علت العوسجة حتى صارت كأعظم دوحة عالية و أبهى، و قد خضد اللّه شوكها، و وشجت عروقها، و كثرت أفنانها، و اخضر ساقها و ورقها، ثم أثمرت بعد ذلك فأينعت بثمر كان كأعظم ما يكون من الكمأة في لون الورس المسحوق، و رائحة العنبر و طعم الشهد، و اللّه، ما أكل منها جائع إلاّ شبع، و لا ظمآن إلا روي، و لا سقيم إلاّ برئ، و لا ذو حاجة و فاقة إلاّ استغنى، و لا أكل من ورقها بعير و لا ناقة و لا شاة إلا سمنت و در لبنها، فرأينا النماء و البركة في أموالنا منذ يوم نزل عليه السّلام، و اخصبت بلادنا و امرعت، فكنا نسمي تلك الشجرة: «المباركة» ، و كان ينتابنا من حولنا من أهل البوادي يستظلون بها، و يتزودون من ورقها في الأسفار، و يحملون معهم للأرض القفار، فيقوم لهم مقام الطعام و الشراب.

____________

(1) من القيلولة.

113

فلم نزل كذلك و على ذلك حتى أصبحنا ذات يوم و قد تساقط ثمارها؛ و اصفر ورقها؛ فأحزننا ذلك؛ و فزعنا من ذلك؛ فما كان إلاّ قليل حتى جاء نعي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فإذا هو قد قبض ذلك اليوم، فكانت بعد ذلك تثمر ثمرا دون ذلك في العظم و الطعم و الرائحة، فأقامت على ذلك نحو ثلاثين سنة، فلما كان ذات يوم أصبحنا و إذا بها قد شاكت من أوّلها إلى آخرها، و ذهبت نضارة عيدانها، و تساقطت جميع ثمرتها، فما كان إلاّ يسير حتى وافى خبر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام، فما أثمرت بعد ذلك لا قليلا و لا كثيرا، و انقطع ثمرها، و لم نزل نحن و من حولنا نأخذ من ورقها؛ و نداوي به مرضانا؛ و نستشفي به من أسقامنا، فأقامت على ذلك برهة طويلة، ثم أصبحنا ذات يوم فإذا بها قد انبعث من ساقها دم عبيط، و إذا بأوراقها ذابلة تقطر دما كماء اللحم، فقلنا قد حدثت حادثة عظيمة، فبتنا ليلتنا فزعين مهمومين نتوقع الحادثة، فلما أظلم الليل علينا سمعنا بكاء و عويلا من تحت الأرض، و جلبة شديدة و رجّة، و سمعنا صوت نائح يقول:

أ يا ابن النبي و يا ابن الوصيّ # بقية ساداتنا الأكرمينا

و كثر الرنين و الأصوات، فلم نفهم كثيرا مما كانوا يقولون، فأتانا بعد ذلك خبر قتل الحسين عليه السّلام، و يبست الشجرة و جفت، و كسرتها الأرياح و الأمطار فذهبت و درس أثرها.

قال عبد اللّه بن محمد الأنصاري: فلقيت دعبل بن علي الخزاعي في مدينة الرسول صلّى اللّه عليه و آله فحدثته بهذا الحديث فلم ينكره، و قال: حدثني أبي، عن جدي، عن أمه سعدى بنت مالك الخزاعية أنها أدركت تلك الشجرة و أكلت من ثمرها على عهد علي بن أبي طالب عليه السّلام، و أنها سمعت ليلة قتل‏

114

الحسين عليه السّلام نوح الجن، فحفظت من جنية منهم هذين البيتين:

يا ابن الشهيد و يا شهيدا عمه # خير العمومة جعفر الطيار

عجبا لمصقول أصابك حدّه # في الوجه منك و قد علاك غبار

قال دعبل: فقلت في قصيدة لي تشتمل على هذين البيتين:

زر خير قبر بالعراق يزار # و اعص الحمار فمن نهاك حمار

لم لا أزورك يا حسين لك الفدا # قومي و من عطفت عليه نزار؟

و لك المودّة في قلوب ذوي النهى # و على عدوك مقتة و دمار

يا ابن الشهيد و يا شهيدا عمه # خير العمومة جعفر الطيار

عجبا لمصقول أصابك حدّه # في الوجه منك و قد علاه غبار

45-و ذكر أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي: إنّ عمر بن سعد لما دفع الرأس إلى خولي بن يزيد الأصبحي ليحمله الى عبيد اللّه بن زياد اتي به ليلا فوجد باب القصر مغلقا، فأتى به منزله و له امرأتان: امرأة أسدية؛ و امرأة حضرمية، يقال لها: «نوار» ، فآوى إلى فراشها، فقالت له: ما الخبر؟ قال: جئتك بالذهب!هذا رأس الحسين بن علي معك في الدار، فقالت:

ويلك جاء الناس بالذهب و الفضة، و جئت أنت برأس ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و اللّه، لا تجمع رأسي و رأسك و سادة أبدا.

قالت: و قمت من فراشي إلى الدار، و دعوت الأسدية فأدخلتها عليه، فما زلت، و اللّه أنظر إلى نور مثل العمود يسطع من الاجانة التي فيها الرأس إلى السماء، و رأيت طيورا بيضا ترفرف حولها و حول الرأس.

46-و قال بعض العلماء: إنّ اليهود حرموا الشجرة التي كان منها عصا موسى أن يخبطوا بها، و أن يوقدوا منها النار، تعظيما لعصا موسى، و أنّ النصارى يسجدون للصليب لاعتقادهم فيه: أنّه من جنس العود الذي‏

115

صلب عليه عيسى، و أن المجوس يعظمون النار لاعتقادهم فيها أنها صارت بردا و سلاما على إبراهيم بنفسها، و هذه الأمة قد قتلت أبناء نبيها، و قد أوصى اللّه تعالى بمودّتهم و موالاتهم، فقال عزّ من قائل: قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ََ الشورى/23.

47-و روي عن جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام أنه قال: «حفظوا فينا ما حفظ العبد الصالح في اليتيمين لأبيهما الصالح، و كان الجد السابع، و قد ضيعت هذه الامة حق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بقتل أولاده» .

48-و رئي رجل بلا يدين، و لا رجلين، و هو أعمى، يقول: ربي نجني من النار!فقيل له: لم تبق عليك عقوبة و أنت تسأل النجاة من النار؟قال:

إني كنت في من قاتل الحسين بن علي في كربلاء، فلما قتل رأيت عليه سراويل و تكة حسنة، و ذلك بعد ما سلبه النّاس، فأردت أن أنتزع التكة، فرفع يده اليمنى و وضعها على التكة، فلم أقدر على دفعها فقطعت يمينه، ثم أردت انتزاع التكة، فرفع شماله و وضعها على التكة، فلم أقدر على دفعها فقطعت شماله، ثم هممت بنزع السراويل، فسمعت زلزلة فخفت و تركته، فألقى اللّه عليّ النوم، فنمت بين القتلى، فرأيت كأنّ النبي محمدا صلّى اللّه عليه و آله أقبل و معه: علي؛ و فاطمة؛ و الحسن عليهما السّلام، فأخذوا رأس الحسين فقبلته فاطمة، و قالت: «يا بني!قتلوك؟قتلهم اللّه» ، و كأنه يقول: «ذبحني شمر، و قطع يدي هذا النائم» -و أشار إليّ-.

فقالت فاطمة: «قطع اللّه يديك، و رجليك، و أعمى بصرك، و أدخلك النار» . فانتبهت و أنا لا أبصر شيئا، ثم سقطت يداي و رجلاي مني، فلم يبق من دعائها إلاّ النار.

49-و روي: أنّ رأس الحسين عليه السّلام لما حمل إلى الشام، جنّ عليهم

116

الليل، فنزلوا عند رجل من اليهود، فلما شربوا و سكروا، قالوا له: عندنا رأس الحسين، فقال لهم: أروني إياه، فأروه إياه بصندوق يسطع منه النور إلى السماء، فعجب اليهودي، و استودعه منهم، فأودعوه عنده، فقال اليهودي للراس-و قد رآه بذلك الحال-: اشفع لي عند جدك، فأنطق اللّه الرأس، و قال: «إنما شفاعتي للمحمّديين و لست بمحمدي» ، فجمع اليهودي أقرباءه، ثم أخذ الرأس، و وضعه في طست و صبّ عليه ماء الورد، و طرح فيه الكافور و المسك و العنبر.

ثم قال لأولاده و أقربائه: هذا رأس ابن بنت محمد، ثم قال:

وا لهفاه!لم أجد جدّك محمدا فأسلم على يديه، ثم وا لهفاه!لم أجدك حيا فأسلم على يديك و اقاتل دونك، فلو أسلمت الآن أتشفع لي يوم القيامة؟ فأنطق اللّه الرأس، فقال بلسان فصيح: «إن أسلمت فأنا لك شفيع» . قالها ثلاث مرات، و سكت، فأسلم الرجل و أقرباؤه.

أقول: لعلّ هذا الرجل اليهودي كان راهب «قنسرين» ، لأنه أسلم بسبب رأس الحسين عليه السّلام، و جاء ذكره في الأشعار، و أورده الجوهري و الجرجاني في مراثي الحسين كما سيرد عليك في موضعه إن شاء اللّه.

و مثل هذا يجوز إذا أخبر به النبي صلّى اللّه عليه و آله أنه سيكون بعدي كذا و كذا، كما أخبر عن بقيلة بنت الشماء الأزدية صاحبة الحيرة، و كما أخبر سفينة مولاه أنه يكلمه الأسد، و كما أخبر عن تبليغ صوت عمر من المدينة إلى نهاوند حين افتتحوها، و في حربها صاح عمر: يا سارية الجبل الجبل في أخبار له عليه السّلام كثيرة.

50-و حدّثنا عين الأئمة أبو الحسن عليّ بن أحمد الكرباسي-إملاء-، حدّثنا الشيخ الإمام أبو يعقوب يوسف بن محمد البلالي، حدّثنا السيد

117

الإمام المرتضى أبو الحسن محمّد بن محمّد الحسيني الحسني، أخبرنا الحسن ابن محمد الفارسي، أخبرنا أبو الحسن عليّ بن عبد الرحمن بن عيسى، حدّثنا أبو جعفر محمّد بن منصور المرادي المصري، حدّثنا عيسى بن زيد بن حسين، عن أبي خالد، عن زيد، قال: قال الحسن البصري: كان يجالسنا شيخ نصيب منه ريح القطران، فسألناه عن ذلك، فقال: إني كنت في من منع الحسين بن علي عن الماء، فرأيت في منامي كأنّ الناس قد حشروا فعطشت عطشا شديدا فطلبت الماء، فإذا النبي؛ و عليّ؛ و فاطمة؛ و الحسن؛ و الحسين عليهم السّلام على الحوض، فاستسقيت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال:

«اسقوه» ، فلم يسقني أحد، فقال ثانيا، فلم يسقني أحد، فقال ثالثا، فقيل:

يا رسول اللّه!إنه ممن منع الحسين من الماء، فقال: «اسقوه قطرانا» فأصبحت أبول القطران، و لا آكل طعاما إلاّ وجدت منه رائحة القطران، و لا أذوق شرابا إلاّ صار في فمي قطرانا.

51-و روي عن مينا أنّه قال: ما بقي من قتلة الحسين أحد لم يقتل، إلا رمي بداء في جسده قبل أن يموت.

52-و قال ابن رماح: لقيت رجلا مكفوفا قد شهد قتل الحسين عليه السّلام فكان الناس يأتونه و يسألونه عن سبب ذهاب بصره. فقال: إني كنت شهدت قتله عاشر عشرة، غير أني: لم أضرب، و لم أطعن، و لم أرم، فلمّا قتل رجعت إلى منزلي فصلّيت العشاء الآخرة و نمت، فأتاني آت في منامي، و قال لي: أجب رسول اللّه!فإذا النبي صلّى اللّه عليه و آله جالس في الصحراء، حاسر عن ذراعيه، آخذ بحربة، و نطع بين يديه، و ملك قائم لديه في يده سيف من نار يقتل أصحابي، فكلما ضرب رجلا منهم ضربة التهبت نفسه نارا، فدنوت من النبي صلّى اللّه عليه و آله، و جثوت بين يديه، و قلت: السلام عليك يا رسول اللّه!فلم‏

118

يرد عليّ، و مكث طويلا مطرقا، ثم رفع رأسه و قال لي: «يا عبد اللّه! انتهكت حرمتي، و قتلت عترتي، و لم ترع حقي، و فعلت و فعلت» . فقلت له: يا رسول اللّه!و اللّه، ما ضربت سيفا، و لا طعنت رمحا، و لا رميت سهما.

فقال: «صدقت، و لكنك كثرت السواد، ادن مني» ، فدنوت منه، فإذا طست مملوء دما، فقال: «هذا دم ولدي الحسين» . فكحلني منه فانتبهت و لا أبصر شيئا حتى الساعة.

و أورد هذا الحديث مجد الأئمة السرخسكي، و رواه عن أبي عبد اللّه الحداد، عن الفقيه أبي جعفر الهندواني، أنه قال: يحكى عن عبد اللّه بن رماح القاضي، و ساق الحديث إلى أن قال: و كلما قتلهم عادوا أحياء فيقتلهم مرّة اخرى، و قال: «صدقت، و لكن يا عدوّ اللّه!لم ترع حق نبوتي» .

و باقي الحديث يقرب بعضه من بعض في-اللفظ و المعنى-.

و لقد لقي بنو الحسن و الحسين من عتاة بني العبّاس ما لقى آباؤهم من طغاة بني أميّة.

53-على ما أخبرني الشيخ الإمام أبو جعفر محمّد بن عمير بن أبي علي-كتابة-، أخبرني الإمام زيد بن الحسن البيهقي، أخبرني النقيب علي بن محمّد الحسني، أخبرني السيد الإمام أبو جعفر محمّد بن جعفر الحسني، أخبرني أبو طالب يحيى بن الحسين الحسني، حدّثني أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسيني-إملاء-، أخبرني أبو علي الحسن بن علي بن برزخ، سمعت محمد بن يحيى الصولي، سمعت أبا العيناء محمّد بن أبي القاسم يقول-و قد تدارك ذهاب بصره-قال: كان أبو جعفر-يعني الدوانيقي-دعا

119

جدي و كان في نهاية الثقة به لكمال عقله، فقال له: قد ندبتك لأمر عظيم عندي، فأنت عندي، كما قال أبو ذويب:

الكنى‏ (1) إليها و خير الرّسول # اعلمهم بنواحي الخبر

ثمّ عرفه بما يريده منه، و أطلق له مالا خطيرا، و قال له: كلّ شي‏ء تريده بعد هذا من المال فخذه و صر إلى المدينة، و افتح بها دكان عطار، و أظهر أنّك من خراسان من شيعة عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، و أنفق على أصحابه، و أهد لهم و له ما يقربك منهم، و كاتبني مع ثقاتك بأنفاسهم، و تعرف لي خبر ابنيه محمد و إبراهيم.

قال: فمضى جدي ففعل ذلك كلّه، فلما أخذ-أبو جعفر الدوانيقي- عبد اللّه بن الحسن و إخوته، جعل يوبخ عبد اللّه على شي‏ء من فعله، و يأتيه بما ظن عبد اللّه أنه ليس أحد يعلمه، فقال عبد اللّه لبعض ثقاته: من أين أتينا؟قال: من العطار. قال: اللّهم!أبله في نفسه و ولده بما يكون، نكالا له و ردعا لغيره، بلاء يشتهر به.

قال: فعمي جدي و أبي و عمي و ولدهم، و أنا على الحال التي ترون، و كذلك تكون ولدي من دعاء-عبد اللّه بن الحسن-، و كذلك يكونون إلى يوم القيامة.

و ذكر أبو أحمد العسكري، بإسناده إلى بشير الرّحال هذه الحكاية تامة، إلى أن قال: فأخذ أبو جعفر عبد اللّه بن الحسن، و حبسه و جوّعه، و وضعت المائدة بين يديه، ثم قال لبعض خدمه: قم على رأسه!فقام فلم يلتفت إليه من شدّة الجوع، فقال: اجذبه فجذبه، فنظر إليه فسقطت اللقمة من يده، فقال: أقلني، يا أمير المؤمنين. قال: لا أقالني اللّه إذن، ثم قتله

____________

(1) الكنى: أرسلني.

120

و سمره، فدخل إليه بشير الرّحال، فقال أبو جعفر لخادم له: اذهب به حتى ينظر إلى عبد اللّه بن الحسن، فلمّا دخل و رآه غشي عليه و سقط، و قال للخادم: استر عليّ، قال: نعم، فقال أبو جعفر: يا بشير!أ ترى بعد عبد اللّه عندي لأحد هوادة (1) ؟فقلت في نفسي: و اللّه، إن قدرت على الخروج عليك خرجت، فخرج مع إبراهيم بن عبد اللّه و قتل.

54-و في رواية اخرى: أنّ-أبا جعفر-قال لبشير: أي رجل كان عبد اللّه بن الحسن؟قال: فقلت من خيار الناس، قال: أراك محبا له، فقلت: إني لأحبّ كل خير ذي فضل، فقال: ادخل هذا البيت فدخلت، فإذا عبد اللّه مذبوح، فغشي عليّ ثم خرجت إليه، فقلت‏ (2) : هذه الدّنيا أصبتها، أ ما لك في الآخرة من حاجة، فقتل (ره) .

55-و بالإسناد الذي تقدم إلى السيد أبي طالب، قال: روى أبو عبد اللّه محمّد بن يزيد المهلّبي، حدّثني محمّد بن زكريا العلائي، قال:

صرت إلى أحمد بن عيسى بن زيد-و هو متوار بالبصرة-، فقال لي: لما طلبنا هارون الملقّب بالرشيد، خرجت أنا؛ و القاسم بن إبراهيم بن عبد اللّه ابن الحسن؛ و عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه بن الحسن، فتفرقنا في البلاد، فوقعت الى ناحية الري، و وقع عبد اللّه بن موسى إلى الشام، و خرج القاسم بن إبراهيم إلى اليمن، فلما توفي هارون الرشيد اجتمعنا في الموسم فتشاكينا ما مرّ علينا.

فقال القاسم: أشد ما مر بي أني لما خرجت من مكة اريد اليمن صرت في مفازة لا ماء فيها، و معي زوجتي بنت عمي و بها حبل فجاءها المخاض في

____________

(1) الهوادة: اللين.

(2) يعني في نفسي و قتله في الحرب مع ابراهيم كما مر.

121

ذلك الوقت، فحفرت لها حفيرة لتولي أمر نفسها، و ضربت في الأرض أطلب لها ماء فرجعت و لم أصب ماء، فرأيتها قد ولدت غلاما و قد أجهدها العطش، فالححت في طلب الماء، و لم أصب، فرجعت إليها و قد ماتت و الصبي حيّ، فكان بقاء الغلام أشدّ عليّ من وفاة امّه، فصليت ركعتين، و دعوت الى اللّه أن يقبضه، فما فرغت من دعائي حتى مات.

و قال عبد اللّه بن موسى: أشدّ ما مرّ بي، إني خرجت من بعض قرى الشام، فصرت إلى بعض المسالح و قد تزييت بزي الأكرة و الفلاحين، فسخرني بعض الجند، و حمل على ظهري شيئا ثقيلا، فكنت إذا أعييت، وضعت ما على ظهري للاستراحة، ضربني ضربا موجعا، و قال لي: لعنك اللّه، و لعن من أنت منه، و قلت أنا من شديد ما نالني: إني صرت إلى ورزنين‏ (1) ، و معي ابني محمّد فتزوجت لبعض الحاكة هناك، و تكنيت: بأبي حفص الجصاص، فكنت أغدو فأقعد مع بعض من آنس به من الشيعة، ثم اروح الى منزلي كأني قد عملت يومي، و ولدت المرأة بنتا و تزوج ابني محمد الى بعض موالي عبد قيس هناك، فأظهر مثل ما أظهرت، فلما صار لابنتي عشر سنين، طالبني أخوالها بتزويجها من رجل من الحاكة له فيهم قدر فضقت ذرعا بما دفعت إليه، و خفت من إظهار نسبي، و ألح القوم عليّ في تزويجها، ففزعت الى اللّه و تضرعت إليه في أن يخترمها، و يحسن عليّ الخلف و العوض عنها، فأصبحت الصبيّة عليلة، و ماتت من يومها.

فخرجت مبادرا إلى ابني محمد، ابشره فلقيني في الطريق، و أعلمني: أنّه ولد له ولد فسماه عليا، و هو اليوم بناحية ورزنين، لا أعرف له خبرا للاستتار الذي أنا فيه.

____________

(1) ورزنين من قرى الري.

122

56-و بهذا الإسناد، الى السيد أبي طالب هذا، قال: روى أبو الفرج عليّ بن الحسين المعروف بالأصبهاني، أخبرنا علي بن العباس البجلي، حدثنا حسين بن نصر-و ذكر قصّة آل الحسن و حبسهم-، فقال: حبسهم أبو جعفر الدوانيقي ستين ليلة في محبس لا يدرون به ليلا من نهار، و لا يعرفون وقت الصلاة إلاّ بتسبيح علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن عليه السّلام.

فضجر عبد اللّه بن الحسن بن الحسن ضجرة، فقال: يا عليّ!أ لا ترى ما نحن فيه من البلاء؟أ لا تطلب إلى ربك أن يخرجنا من هذا الضيق و البلاء؟قال: فسكت عنه طويلا، ثم قال: يا عم!إنّ لنا في الجنّة درجة لم نكن لنبلغها إلاّ بهذه البلية، أو بما هو أعظم منها، و أنّ لأبي جعفر في النار موضعا لم يكن ليبلغه حتى يبلغ منا مثل هذه البلية أو أعظم منها، فإن تشأ أن تصبر فأوشك فيما أصابنا أن نموت فنستريح من هذا الغم، كأن لم يكن شي‏ء و إن نشأ ندعوا ربّنا تعالى أن يخرجك من الغم، و يقصر بأبي جعفر عن غايته التي له في النار فعلنا. فقال عبد اللّه: لا، بل أصبر، فما مكثوا إلا ثلاثا حتى قبضهم اللّه تعالى إليه.

57-و بهذا الإسناد، عن السيد أبي طالب هذا، حدثنا أحمد بن إبراهيم الحسني، حدثنا علي بن الحسين الهمداني، حدّثنا الحسن بن علي الأسدي، حدثنا أحمد بن رشد، حدّثنا أبو عمر سعيد بن خيثم: أنّ زيد بن علي عليه السّلام كتّب كتائبه، فلما خفقت راياته رفع يده إلى السماء، فقال: الحمد للّه الذي أكمل لي ديني، و اللّه، ما يسرني إني لقيت محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و لم آمر امته بمعروف، و لم أنههم عن منكر.

و في رواية اخرى: و اللّه، إني لاستحي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذا لقيته و لم آمر امته بالمعروف، و لم أنههم عن المنكر، و اللّه، ما ابالي إذا أقمت‏

123

كتاب اللّه و سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن اججت لي نار، و قذفت فيها ثم صرت بعد ذلك إلى رحمة اللّه عز و جلّ.

و اللّه، لا ينصرني أحد إلا كان في الرفيق الأعلى مع: محمّد؛ و علي؛ و فاطمة؛ و الحسن؛ و الحسين (صلوات اللّه عليهم) ، و يحكم، أ ما ترون هذا القرآن بين أظهركم جاء به محمد صلّى اللّه عليه و آله و نحن بنوه.

يا معشر الفقهاء!و أهل الحجى!أنا حجّة اللّه عليكم، هذه يدي مع أيديكم، على أن نقيم حدود اللّه، و نعمل بكتابه، و نقسم فيكم بالسوية، فسلوني عن معالم دينكم، فإن لم انبئكم بكل ما سألتم عنه، فولوا من شئتم ممن علمتم أنه أعلم مني. لقد علمت علم أبي علي بن الحسين، و علم جدي الحسين بن علي، و علم علي بن أبي طالب وصي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عيبة علمه، و إني لأعلم أهل بيتي، و اللّه، ما كذبت كذبة منذ عرفت يميني من شمالي، و لا انتهكت محرما منذ عرفت أن اللّه تعالى يؤاخذني به، هلموا فاسألوني.

ثم سار حتى انتهى الى الكناسة فحمل على جماعة من أهل الشام كانوا بها، ثم سار إلى الجبانة، و يوسف بن عمر مع أصحابه على التل، فشدّ بالجمع على زيد و أصحابه.

قال أبو معمر: فرايته شدّ عليهم كأنه الليث حتى قتلنا منهم أكثر من ألفي رجل ما بين الحيرة و الكوفة، و تفرقنا فرقتين و كنا من أهل الكوفة أشدّ خوفا. قال أبو معمر: فلما كان يوم الخميس حاصت حيصة منهم، و اتبعتهم فرساننا فقتلنا أكثر من مائتي رجل، فلما جنّ علينا الليل ليلة الجمعة، كثر فينا الجراح، و استبان فينا الفشل، فجعل زيد يدعو، و يقول:

اللّهمّ!إن هؤلاء عدوك و عدوّ رسولك و دينك الذي ارتضيته لعبادك،

124

و هؤلاء يقاتلونهم، اللّهمّ!فاجزهم أفضل ما جزيت أحدا من عبادك المؤمنين.

ثم قال: عباد اللّه!أحيوا هذه الليلة: بقراءة القرآن؛ و الدعاء و التهجد؛ و التضرع إلى اللّه تعالى، فإني، و اللّه، لأعلم أنه ما أمسى على وجه الأرض عصابة أنصح للّه و رسوله و للإسلام منكم.

قال: و لما قتل و صلب، قال جرير بن حازم: رأى أبي النبي صلّى اللّه عليه و آله و هو مسند ظهره إلى جذع زيد بن علي و هو مصلوب، و هو يقول للنّاس: «أ هكذا تفعلون بولدي؟أ هذا جزائي منكم» ؟

58-و روي: أنّ أبا حنيفة النعمان بن ثابت، سئل عن خروج زيد؟ فقال: إن خروجه، و اللّه، ليضاهي خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوم بدر، فقيل له: فهلا قاتلت معه يا ابن الواسعة؟ (1) فقال: حبستني عنه ودائع الناس عندي، فخفت أن اقتل مهملا للوديعة.

59-و قيل: بعث أبو حنيفة إلى زيد بن علي جرابا من الورق، و قال له: استظهر بها على خروجك، و كان يحضّ الناس على الخروج معه، حتى أن بعض أهل البيت كان يقول: رحم اللّه أبا حنيفة!فإنه كان يعين أصحاب زيد على الخروج و يقوي قلوبهم، و فعل اللّه بعبد اللّه بن المبارك و فعل، فإنه كان يثبط الناس عنه.

60-و قال عبد اللّه بن الحسن بن الحسن: دخلت على عمر بن عبد العزيز فخلا بي، و قال: يا أبا محمد!إن رأيت أن ترفع ما فوق الأزار.

فقلت: ما تريد إلى هذا رحمك اللّه؟قال: فإني أسألك، فرفعت فجاء ببطنه حتى الزق ببطني، ثم قال: إني لأرجو أن لا تمس النار بضعة مست

____________

(1) كذا في النسخة، و لعل فيها تصحيفا أو تحريفا.

غ

125

بضعة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

61-و خطب محمّد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن على منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بعد قتل زيد، فقال: أما، و اللّه، لقد أحي زيد ابن علي ما دثر من سنن المرسلين؛ و أقام عمود الدين إذ أعوج و لن ننحو إلاّ أثره؛ و لن نقتبس إلاّ من نوره؛ فزيد إمام الأئمة، و أوّل من دعاء إلى اللّه بعد الحسين ابن علي.

62-و قال هذا القول أيضا سفيان الثوري، و كان سفيان زيديا، و كان يقول: قام زيد مقام الحسين بن علي، و كان أعلم خلق اللّه بكتاب اللّه، ما ولدت النساء مثله أبدا. و كان زيد بن علي يقول: من استشعر حب البقاء، استدبر الذل إلى الفناء.

63-و لما خرج الدّاعي الحسن بن زيد قال:

لا عيب في ديننا و لا أثره # لو لا طغاة قد تابعوا الشجرة

إني لأرجو و اللّه ينصرنا # بالسيف نعلو جماجم الكفرة

ردوا علينا تراث و الدنا # خاتمه و القضيب و الحبرة

و بيت ذي العرش سلموه لنا # تليه منا عصابة طهرة

فطالما دنست مشاعره # و اظهرت فيه فسقها الفجرة

64-و بهذا الإسناد، عن السيد أبي طالب، حدّثنا أحمد بن محمد البغدادي، حدّثنا أبو الفرج علي بن الحسين المعروف بالأصبهاني، حدثني عمي الحسن بن محمد، حدثني محمد بن القاسم، حدثني محمد بن أبي العتاهية، حدثني أبي، قال: لما امتنعت من قول الشعر و تركته، أمر المهدي بحبسي في سجن الجرائم، فأخرجت من بين يديه إلى الحبس، فلمّا دخلته دهشت و ذهل عقلي و رأيت منظرا هالني، فرميت بطرفي أطلب موضعا

126

آوي إليه، و رجلا آنس به و بمجالسته فإذا أنا بكهل حسن السمت، نظيف الثوب، بين عينيه سيماء الخير، فقصدته و جلست إليه من غير أن أسلم عليه، و أسأله عن شي‏ء من أمره، لما أنا فيه من الجزع و الحيرة و الدهشة، فمكثنا كذلك مليا و أنا مطرق و مفكر في حالي فأنشد:

تعودت مسّ الضرّ لما ألفته # و أسلمني حسن العزاء الى الصبر

و صيرني يأسي من الناس واثقا # بحسن صنيع اللّه من حيث لا أدري‏

قال: فاستحسنت البيتين و تبركت بهما، و ثاب إليّ عقلي، فقلت له:

تفضل أعزّك اللّه بإعادة البيتين، فقال لي: ويحك، يا إسماعيل!-و لم يكنني-ما أسوأ أدبك، و أقل عقلك و مروءتك!دخلت عليّ و لم تسلم علي تسليم المسلم على المسلم، و لا توجعت لي توجع المبتلى للمبتلى، و لا سألتني مسألة الوارد على المقيم، حتى إذا سمعت مني بيتين من الشعر الذي لم يجعل اللّه فيك خيرا إلاّ به، و لم يجعل لك معاشا غيره، لم تتذكر ما سلف منك فتتلافاه، و لا اعتذرت عما قدّمته و فرطته فيه من الحقّ حتى استنشدتني مبتدئا كأن بيننا انسا قديما، و معرفة سابقة، و صحبة تبسط القبض.

فقلت له: تعذرني متفضلا، فدون ما أنا فيه ما يدهش، قال: و في أي شي‏ء أنت؟إنما تركت قول الشعر الذي كان جاهك عندهم، و سبيلك إليهم فحبسوك حتى تقول، و أنت لا بدّ من أن تقوله فتطلق، و أما أنا فيدعى بي الساعة فاطالب بعيسى بن زيد ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فإن دللت عليه قتل، و لقيت اللّه تعالى بدمه، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خصمي فيه، و إلاّ قتلت، فأنا

127

أولى بالحيرة منك، و أنت ترى احتسابي و صبري.

فقلت: يكفيك اللّه، و أطرقت خجلا منه، فقال: يا أبا العتاهية!لا أجمع عليك التوبيخ و المنع، اسمع البيتين و احفظهما، و أعادهما عليّ مرارا حتى حفظتهما، ثم دعي به و بي، فلما قمنا قلت من أنت أعزّك اللّه تعالى؟ فقال: أنا «حاضر» صاحب عيسى بن زيد، فادخلنا على المهدي، فلما وقفنا بين يديه قال له: هيه!أين عيسى بن زيد؟

فقال: ما يدريني أين عيسى بن زيد؟طلبته و أخفته فهرب منك في البلاد، و أخذتني فحبستني فمن أين أقف على موضع هارب منك و أنا محبوس؟فقال له المهدي: فأين كان متواريا؟و متى كان آخر عهدك به؟ و عند من لقيته؟فقال: ما لقيته منذ توارى، و لا أعرف له خبرا.

فقال المهدي: و اللّه العظيم لتدلّن عليه أو لأضربنّ عنقك الساعة، قال له: فاصنع ما بدا لك؟فو اللّه، أنا لا ادلك على ابن رسول اللّه لتقتله، و ألقى اللّه و رسوله و هما يطالباني بدمه، و و اللّه، إنه لو كان بين ثوبي و جلدي ما كشفت عنه. فقال المهدي: اضربوا عنقه، فقدم و ضرب عنقه، ثم دعا بي، و قال: أ تقول الشعر أو لألحقنك به؟فقلت: بل أقول الشعر، فقال: اطلقوه!

65-و بهذا الإسناد، عن السيد أبي طالب هذا، أخبرنا أحمد بن محمد البغدادي، أخبرنا عبد العزيز بن إسحاق الكوفي، حدّثني محمد بن عيسى، حدّثني محمد بن زكريا المكي، حدّثني عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، قال: قال محمّد الباقر عليه السّلام: «إنّ أخي زيد بن علي خارج فمقتول على الحقّ، فالويل لمن خذله، و الويل لمن حاربه، و الويل لمن يقتله» .

128

قال جابر: فلما أزمع‏ (1) زيد بن علي على الخروج، قلت له: إني سمعت أخاك يقول: كذا و كذا، فقال لي: يا جابر!لا يسعني أن أسكن و قد خولف كتاب اللّه، و تحوكم إلى الجبت و الطاغوت، و ذلك إني شهدت هشاما و رجل عنده يسبّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقلت للساب: ويلك، يا كافر!أما إني لو تمكنت منك لاختطفت روحك، و عجلتك إلى النار. فقال لي هشام:

مه، عن جليسنا يا زيد!فو اللّه، لو لم أكن إلا أنا؛ و يحيى ابني، لخرجت عليه و جاهدته حتى افنى.

66-و بهذا الإسناد، عن السيد أبي طالب هذا، أخبرنا أحمد بن عبد اللّه الأصفهاني، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، حدثني أبي، حدثني الحسن بن الفضل-مولى الهاشميين بالمدينة سنة خمس عشرة و مائتين هجرية-، حدّثني عليّ بن موسى بن جعفر، عن أبيه عليه السّلام قال: أرسل أبو جعفر الدوانيقي إلى جعفر بن محمد الصّادق عليه السّلام ليقتله، و طرح سيفا و نطعا، و قال لحاجبه الربيع: يا ربيع!إذا أنا كلمته ثم ضربت بإحدى يديّ على الاخرى فاضرب عنقه.

فلمّا دخل جعفر بن محمد عليه السّلام فنظر إليه من بعيد، نزق أبو جعفر على فراشه-يعني: تحرك-، و قال: مرحبا و أهلا و سهلا بك، يا أبا عبد اللّه!ما أرسلنا إليك إلاّ رجاء أن نقضي دينك. ثم سأله مسألة لطيفة عن أهل بيته، و قال له: قد قضى اللّه دينك و أخرج جائزتك، يا ربيع!لا تمض ثالثة حتى يرجع جعفر بن محمد إلى أهله. فلما خرج هو و الربيع، قال له: يا أبا عبد اللّه!أ رأيت السيف و النطع؟إنما كانا وضعا لك، فأي شي‏ء رأيتك تحركت به شفتاك؟قال: «يا ربيع!لما رأيت الشرّ في وجهه قلت: حسبي

____________

(1) أزمع: عزم.

129

الرب من المربوبين، حسبي الخالق من المخلوقين، حسبي الرازق من المرزوقين، حسبي اللّه ربّ العالمين، حسبي من هو حسبي، حسبي من لم يزل حسبي، حسبي اللّه لا إله إلاّ هو، عليه توكلت، و هو ربّ العرش العظيم.

و في رواية اخرى: أنّ الربيع قال للدوانيقي: ما بدا لك يا أمير المؤمنين؟حيث انبسطت الى جعفر بن محمّد بعد ما أضمرت له ما أضمرت؟قال: و اللّه، لقد رأيت قدّامه أسدين فاغرين فمويهما؛ فلو هممت به سوءا لابتلعاني، فلذلك تضرعت له و فعلت ما فعلت.

67-و بهذا الإسناد، عن السيد أبي طالب هذا، قال: روى أبو الفرج علي بن الحسين المعروف بالأصبهاني في كتاب «مقاتل الطالبيين» ، أخبرني عمر بن عبد اللّه العتكي، حدّثني عمر بن شبّة، حدّثني محمّد بن حرب، حدّثني يحيى بن زيد بن حميد، حدّثني سليمان بن داود بن الحسن؛ و الحسن بن جعفر بن الحسن، قالا: لما حبسنا-يعنيان في حبس أبي جعفر الدوانيقي-كان معنا علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن، و كانت حلق أقيادنا قد اتّسعت فكنا إذا أردنا صلاة أو نوما خلعناها عنّا، فإذا خفنا دخول الحرس أعدناها، و كان عليّ بن الحسن لا يفعل ذلك، فقال له عمّه عبد اللّه ابن الحسن بن الحسن: يا بني!ما يمنعك أن تفعل مثل هذا؟قال: لا، و اللّه، لا أخلعه حتى أجتمع أنا و أبو جعفر، عند اللّه عزّ و جلّ فيسأله: لم قيّدني به؟

68-و بهذا الإسناد، عن السيد أبي طالب هذا، أخبرني أحمد بن محمّد البغدادي، أخبرني عبد العزيز بن إسحاق، حدّثني عمر بن محمد، حدثني إبراهيم بن محمد، حدثني محرز بن هشام، حدثني السري بن عبد اللّه، عن هشام، عن أبي حفص المكي، قال: لما رحل الحسين بن علي‏

130

من المدينة إلى الكوفة سرت معه، فنزل ماء من مياه بني سليم فأمر غلامه فاشترى شاة فذبحها، فجاء صاحبها، فلما رأى هيئة الحسين عليه السّلام في أصحابه رفع صوته، و قال: أعوذ باللّه و بك، يا ابن رسول اللّه!هذا اشترى شاتي فذبحها، و لم يدفع إليّ الثمن، فغضب الحسين غضبا شديدا، و دعا غلامه، فسأله عن ذلك، فقال: و اللّه، يا ابن رسول اللّه!أعطيته ثمنها، و هذه البينة (1) .

فسألهم الحسين فشهدوا أنه أعطاه ثمنها، و قالت البينة أو بعضها:

يا ابن رسول اللّه!إنه رأى هيئتك فانصاع‏ (2) إليك لتعوضه، فأمر له الحسين بمعروف، فقال علي بن الحسين: ما اسمك يا أعرابي؟فقال: زيد، فقال: «ما بالمدينة أكذب من رجل اسمه: زيد» ، و كان بالمدينة رجل اسمه زيد يبيع الخمر، قال: فضحك الحسين حتى بدت نواجذه، ثم قال: «مهلا، يا بني! لا تعيره باسمه، فإنّ أبي حدّثني: أنه سيكون منا رجل اسمه زيد يخرج فيقتل، فلا يبقى في السماء ملك مقرب؛ و لا نبيّ مرسل، إلاّ تلقى روحه، ليرفعه أهل كل سماء إلى سماء، حتى يبلغ، فاذا قامت القيامة يبعث هو و أصحابه يتخللون رقاب النّاس، و يقال: هؤلاء خلف الخلف و دعاة الحق.

69-قال أبو عوانة: كان سفيان الثوري إذا ذكر زيد بن علي، يقول:

إنه بذل مهجته لربه، و قام بالحق لخالقه، و لحق بالشهداء المرزوقين من آبائه.

70-و قال أبو عوانة أيضا: كان زيد بن علي يرى الحياة غراما (3) ، و كان ضجرا بالحياة.

71-و بهذا الإسناد، إلى عبد العزيز بن إسحاق، حدّثني علي بن

____________

(1) يعني الشهود الحاضرين.

(2) انصاع: جاء.

(3) الغرام: الشرّ الدائم.

131

الوليد، حدثني عباد بن يعقوب، حدثني عيسى بن عبد اللّه، عن رجل من أهل المدينة، يقال له: البابكي، قال: خرجت أنا؛ و زيد بن علي، إلى العمرة، فلما فرغنا من عمرتنا أقبلنا، فلما كنا بالعرج أخذنا طريقنا، فلما استوينا على رأس الثنية نصف الليل استوت الثريا على رءوسنا، فقال لي زيد: يا بابكي!ترى الثريا ما أبعدها؟أ ترى أنّ أحدا يعرف بعدها؟قلت:

لا، و اللّه، قال: فو اللّه، لوددت أن يدي ملتصقة بها، ثم أفلت حتى وقعت حيث وقعت، و أنّ اللّه أصلح بي أمر امة محمد صلّى اللّه عليه و آله.

و لما انصرف عيسى بن زيد من وقعة «باخمرى» ، خرجت عليه لبوءة (1) معها أشبالها، و تعرضت للطريق، فجعلت تحمل على الناس، فنزل عيسى و أخذ سيفه و ترسه، ثم بدر إليها فقتلها، فقال مولى له: أيتمت أشبالها يا سيدي!فضحك، و قال: نعم، أنا مؤتم الأشبال، فلزمه هذا الاسم، و كان أصحابه يكون عنه به، فيخفى أمره.

71-و قيل لجعفر بن محمّد الصّادق عليهما السّلام: ما الذي تقول في زيد بن علي، و خروجه على هشام؟فقال: «لقد قام زيد مقام صاحب الطف» -يعني: الحسين بن علي عليهما السّلام-.

72-و بهذا الإسناد، عن السيد أبي طالب هذا، أخبرنا أحمد بن إبراهيم الحسني، أخبرنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن علي بن هشام، حدثنا أحمد بن رشد، عن سعيد بن خيثم، عن أخيه معمر، قال: قال لي زيد بن علي عليه السّلام: كنت اماري-هشام بن عبد الملك-و اكايده في الكلام، فدخلت عليه يوما فذكرت بني اميّة، فقال: و اللّه، هم أشدّ قريش أركانا، و أشيد قريش مكانا، و أسدّ قريش سلطانا، و أكثر قريش أعوانا، كانوا

____________

(1) اللبوة: زوج السبع.

132

رءوس قريش في جاهليتها، و ملوكهم في إسلامها.

فقلت له: على من تفتخر؟أعلى بني هاشم أوّل من أطعم الطعام، و ضرب الهام، و خضعت لها قريش بإرغام؟

أم على بني عبد المطلب سيد مضر جميعا؟و إن قلت: معد كلّها، صدقت، إذا ركب مشوا، و إذا انتعل احتفوا، و إذا تكلم سكتوا، و كان يطعم الوحوش في رءوس الجبال، و الطير و السباع و الإنس في السهل، حافر زمزم، و ساقي الحجيج، أم على بنيه أشرف الرجال.

أم على نبيّ اللّه و رسوله، حمله اللّه على البراق، و جعل الجنّة عن يمينه، و النار عن شماله، فمن تبعه دخل الجنّة، و من تأخر عنه دخل النار؟

أم على أمير المؤمنين، و سيد الوصيين علي بن أبي طالب، أخي رسول اللّه، و ابن عمه المفرج الكرب عنه، و أوّل من قال: لا إله إلاّ اللّه، بعد رسول اللّه، لم يبارزه فارس قط إلاّ قتله، و قال فيه رسول اللّه ما لم يقله في أحد من أصحابه، و لا لأحد من أهل بيته؟قال: فاحمرّ وجهه.

73-و بهذا الإسناد، عن السيد أبي طالب هذا، أخبرنا أبو العباس الحسني، أخبرنا عبد اللّه بن أحمد، أخبرني أبي، أخبرني الحسن بن عبد الواحد، حدثني حمدويه بن عمران، حدّثني بشر بن حمزة، قال: مررنا مع زيد بن علي و أنا غلام و عليّ قباء، فأشرف عليه رجل من سطح فرماه، فدعا زيد عليه، و قال: اللّهمّ!أفقره و لا ترزقه على ذلك الصبر.

قال: فرأيته بعد ذلك أعمى يسأل، فإذا سئل، قال: دعا عليّ العبد الصالح.

74-و بهذا الإسناد، عن السيد أبي طالب هذا، حدثنا أبو الفرج الأصبهاني، حدثني علي بن العباس، حدثني أحمد بن يحيى، حدّثني‏

133

عبد اللّه بن مروان، قال: سمعت محمّد بن جعفر بن محمد في «دار الامارة» ، و هو يقول: رحم اللّه أبا حنيفة!لقد تحققت مودّته لنا في نصرته زيد بن علي، و فعل اللّه بابن المبارك في كتمانه فضائلنا، و دعا عليه بضرره.

75-و بهذا الإسناد، عن السيد أبي طالب هذا، أخبرني أبي أبو محمد الحسن بن محمّد بن يحيى، حدثني جدي يحيى بن الحسن، حدّثني عمار ابن أبان، حدثني كليب الحربي: أن زيد بن علي دخل على هشام بن عبد الملك، و قد جمع له هشام الشاميين، فسلّم عليه، ثم قال: إنه ليس أحد من عباد اللّه فوق أن يوصى بتقوى اللّه، و ليس أحد من عباد اللّه فوق أن يوصى بتقوى اللّه، و ليس أحد من عباد اللّه فوق أن يوصى بتقوى اللّه، و أنا اوصيكم بتقوى اللّه.

فقال له هشام: أنت زيد المؤمل للخلافة، و الراجي لها؟و ما أنت و الخلافة، و أنت ابن أمة؟فقال له زيد: إني لا أعلم أحدا أعظم منزلة عبد اللّه من الأنبياء، و قد بعث اللّه تعالى نبيا هو ابن أمة، فلو كان ذلك تقصيرا عن حتم الغاية لم يبعث، و هو إسماعيل بن إبراهيم، و النبوّة أعظم منزلة عند اللّه من الخلافة، فكانت أمّ إسماعيل مع أم إسحاق، كامي مع امك، ثم لم يمنع ذلك أن جعله اللّه عز و جل أبا العرب، و أبا خير النبيين محمد صلّى اللّه عليه و آله، و ما تقصير رجل، جدّه رسول اللّه؛ و أبوه علي بن أبي طالب؟

فقام هشام من مجلسه، و تفرّق الشاميون، فدعا هشام قهرمانه، و قال: لا يبيتنّ هذا في عسكري!فخرج أبو الحسين زيد بن علي، و هو يقول: لم يكره قوم قط حرّ السيوف إلاّ ذلّوا.

و في رواية اخرى: أن هشاما قال لأهل بيته بعد ما خرج زيد:

أ تزعمون أنّ أهل هذا البيت قد بادوا؟كلا، لعمري، ما انقرض قوم هذا

134

خلفهم.

76-و بهذا الإسناد، عن السيد أبي طالب هذا، حدّثني أبو العباس الحسن، حدّثني أبو زيد العلوي، حدثني أحمد بن سهل، حدّثني القاسم بن إبراهيم، عن أبيه، عن جده، قال: عوتب الحسين بن علي صاحب «فخ» فيما كان يعطي، فإنه كان من أسخى العرب و العجم، فقال: و اللّه، ما أظن أن لي فيما اعطي أجرا؟فقيل له: و كيف ذاك؟فقال: إنّ اللّه تعالى، يقول:

لَنْ تَنََالُوا اَلْبِرَّ حَتََّى تُنْفِقُوا مِمََّا تُحِبُّونَ آل عمران/92، و و اللّه، ما هو عندي و هذه الحصاة إلاّ بمنزلة-يعني: المال-.

77-و بهذا الإسناد، عن السيد أبي طالب هذا، أخبرنا أحمد بن محمد البغدادي المعروف بالآبنوسي، أخبرنا عبد العزيز بن إسحاق، حدثني أحمد بن حمدان، حدثني محمد بن الأزهر الطائي، حدثني الحسين ابن علوان، عن أبي صامت الضبي، عن ابن أبي عمير، عن زاذان، عن علي (صلوات اللّه عليه) ، أنه قال: «الشهيد من ولدي، و القائم بالحق من ولدي، المصلوب بكناسة كوفان، إمام المجاهدين، و قائد الغر المحجلين، يأتي يوم القيامة هو و أصحابه تتلقاهم الملائكة، ينادونهم: ادخلوا الجنّة، لا خوف عليكم و لا أنتم تحزنون» .

78-و روي: أنه لما ولد زيد بن علي سنة خمس و سبعين بشر أبوه علي ابن الحسين زين العابدين عليه السّلام به، فأخذ المصحف و فتحه، فنظر فيه فخرج أوّل السطر: إِنَّ اَللََّهَ اِشْتَرى‏ََ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوََالَهُمْ التوبة/111، فأطبقه، ثم فتحه فخرج: وَ فَضَّلَ اَللََّهُ اَلْمُجََاهِدِينَ عَلَى اَلْقََاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً النساء/95، ثم أطبقه و فتحه فخرج: وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ آل عمران/169، فأطبقه،

135

و قال: «عزيت عن هذا المولود، و إنه من الشهداء» .

79-و روي، عن خالد بن صفوان، أنه قال: انتهت الفصاحة و الخطابة و الزهادة و العبادة في بني هاشم إلى زيد بن علي، رأيته عند هشام ابن عبد الملك و قد تضايق مجلسه.

80-و روي عن الباقر عليه السّلام، عن آبائه، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، أنّه قال للحسين عليه السّلام: «يخرج من صلبك رجل، يقال له: زيد، يتخطى هو و أصحابه رقاب الناس يوم القيامة، غرا محجلين يدخلون الجنّة» .

81-و روى أنس بن مالك، عن النبي صلّى اللّه عليه و آله، أنه قال: «يقتل من ولدي رجل، يقال له: زيد بموضع يعرف بالكناسة، يدعو إلى الحق، و يتبعه كلّ مؤمن» .

82-و روي عن جعفر بن محمد الصادق عليهما السّلام، أنه قال: «رحم اللّه عمي زيدا، خرج على ما خرج عليه آباؤه، و ودت أني استطعت أن أصنع كما صنع، فأكون مثل عمي، و من قتل مع زيد بن علي كمن قتل مع الحسين ابن علي عليهما السّلام» .

83-و روى أبو الفرج الأصبهاني في كتاب «مقاتل الطالبيين» : أنّ عبد اللّه بن الحسن بن الحسن انتهى إليه الحسن و الجمال، و هو أوّل من اجتمعت فيه ولادة الحسن و الحسين عليهما السّلام، لأنّ أباه الحسن لما خطب إلى عمه الحسين، قال له: يا بني!اختر أحبهما إليك، فاستحى الحسن، فقال له الحسين: اخترت لك ابنتي فاطمة، فهي أكثرهما شبها بامي فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و زوجها فولد لهما عبد اللّه بن الحسن، و ولد في بيت فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و هو اليوم في المسجد، حبسه أبو جعفر الدوانيقي ثلاث سنين، ثم قتله في الحبس، و هو ابن خمس و سبعين سنة.

136

و من اولئك: علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن، يقال له: «علي الخير» ، و «علي الأغر» ، و «علي العابد» ، و هو والد الحسين الفخي، توفي في الحبس، و هو ساجد.

و منهم: محمد بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن، و كان يدعى:

«الديباج الأصفر» ، لحسنه و جماله، قال له أبو جعفر الدوانيقي: أنت الديباج الأصفر؟و اللّه، لأقتلنّك قتلة ما قتلها أحد من أهل بيتك، فبنى عليه اسطوانة و هو حي.

و منهم: إسماعيل طباطبا بن ابراهيم الديباج الأكبر، قتل في الحبس، قتله أبو جعفر الدوانيقي.

و منهم: يعقوب و إسحاق و إبراهيم و محمد بنو الحسن قتلوا في حبس الدوانيقي، بضروب من القتل، فإبراهيم بن الحسن دفن حيا، و طرح على الآخرين بيت.

و منهم: محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان، أخو عبد اللّه بن الحسن لامه، و أمه فاطمة بنت الحسين عليه السّلام، قتله أبو جعفر الدوانيقي، و كان عبد اللّه يحبه حبا شديدا، فكان أبو جعفر الدوانيقي يأمر بضربه بين يدي عبد اللّه ليغيظه بذلك، ثم أمر بقتله.

و قتل بعد ذلك: محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن؛ و ابنه عبد اللّه الأشتر؛ و ابراهيم بن عبد اللّه بن الحسن، فهؤلاء الذين قتلوا في حبس الدوانيقي، سوى من مات منهم حتف أنفه في السجن.

و قال الحسين بن زيد: لما اخرج بنو الحسن من المدينة، و عليهم القيود و الأغلال، بأمر الدوانيقي، نظر إليهم جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام، فهملت عيناه، حتى جرت دموعه على لحيته، و قال: «و اللّه، لا تحفظ حرمة

137

اللّه بعد هذا أبدا، و اللّه، ما وفت الأنصار، و لا أبناء الأنصار لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بما أعطوه من البيعة على العقبة، على أن يمنعوه و ذريته بما يمنعون منه أنفسهم و ذريتهم» .

و كان محمد و إبراهيم قد هربا من الدوانيقي، فكانا يأتيان أباهما عبد اللّه بن الحسن في هيئة الأعراب، فيقول لهما: إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين، فلا يمنعكما أن تموتا كريمين.

و كان لمحمد بن عبد اللّه «النفس الزكية» ابن صغير من أمّ ولده، و كانت على جبل معه، فهجم الطلب عليهم فهربوا، فسقط الصبي من الجبل فتقطع و مات، فقال محمّد بن عبد اللّه «النفس الزكية» هذه الأبيات:

منخرق الخفين يشكو الوجا # تنكبه أطراف مرو (1) حداد

شرّده الخوف فأزرى به # كذاك من يكره حر الجلاد

قد كان في الموت له راحة # و الموت حتم في رقاب العباد

84-و روى يعقوب بن داود بن الحسن، قال: دخلت مع المهدي في طريق «خراسان» بعض الخانات، فإذا على الحائط مكتوب هذه الأبيات:

و اللّه ما أطعم طعم الرقاد # خوفا إذا نامت عيون العباد

شرّدني الخوف اعتداء و ما # اذنبت ذنبا غير ذكرى المعاد

آمنت باللّه و لم يؤمنوا # فكان زادي عندهم شرّ زاد

أقول قولا و له خائف # مضطرب القلب كثير السهاد

منخرق الخفين يشكو الوجا # تنكبه أطراف مرو حداد

شرّده الخوف و أزرى به # كذاك من يكره حرّ الجلاد

قد كان في الموت له راحة # و الموت حتم في رقاب العباد

____________

(1) المرو: الحجر الصلب.

138

قال: فجعل المهدي يكتب تحت كل بيت: لك الأمان من اللّه و مني و متى شئت فاظهر؟و دموعه تجري على خديه، فقلت: من قائل هذه الأبيات يا أمير المؤمنين؟قال: أ تتجاهل عليّ؟قائلها عيسى بن زيد.

85-و كان ممن خرج يحيى بن عمر من أولاد زيد بن علي، خرج بالكوفة أيام المستعين، و كان فاضلا ورعا حلف باللّه أنه ما خرج إلاّ غضبا للّه تعالى.

قال أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري: قلت لابن طاهر الأمير:

جئتك مهنيا بما لو كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حيا لعزي به، و خرج عنه، فقال:

يا بني طاهر كلوه و بيا # انّ لحم النبي غير هني‏

إن من خصمه النبي ليؤتى # فيه يوم المعاد خصم النبيّ‏

قيل: و لما أفضت الخلافة إلى بني العباس، نبشوا هشام بن عبد الملك و استخرجوه من قبره بعد ست سنين أو سبع، فكان كما دفن فيقال: طلوه بما لا يبلى، فأحرقوه بالنّار.

139

الفصل الثالث عشر في ذكر بعض ما قيل فيه من المراثي‏

140

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

141

1-أخبرني العلامة فخر خوارزم محمود بن عمر الزمخشري، أخبرنا الشيخ الفقيه أبو الحسن عليّ بن أبي طالب الفرزادي-بالري-، أخبرنا الفقيه أبو بكر طاهر بن الحسين الرازي، أخبرني عمي الشيخ الزاهد أبو سعد إسماعيل ابن علي بن الحسين السمان الرازي، حدثني أبو محمد عبد اللّه بن محمد الأسدي القاضي-لفظا-، حدثني أبو بكر محمد بن يحيى الصولي، حدثني محمد بن أبي العوام، حدثني أبي، حدثني سلم بن سليم الواسطي، حدثني غاضرة، قال: قال أبو بكر: قيل للحسن البصري: يا أبا سعيد!قتل الحسين ابن علي، فبكى حتى اختلج جنباه، و قال: و اذلاّه، لامّة يقتل ابن دعيها ابن نبيها!

2-و أخبرني الشيخ الإمام سيف الدين أبو جعفر محمد بن عمر بن علي-كتابة-، أخبرني الشيخ الإمام أبو الحسن زيد بن الحسن بن علي البيهقي، أخبرني السيد الإمام النقيب علي بن محمد بن جعفر الأسترآبادي، حدثني السيد الإمام زين الإسلام أبو جعفر محمد بن جعفر

142

ابن علي الحسني، حدثني السيد الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين، أخبرني أبو العباس الحسني، أخبرني محمد بن جعفر القزاداني، حدثني عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر عليهم السّلام، قال: «كان أبي علي بن الحسين عليه السّلام إذا حضرت الصلاة يقشعر جلده؛ و يصفر لونه؛ و ترتعد فرائصه‏ (1) ؟و يقف شعره؛ و يقول و دموعه تجري على خديه: لو علم العبد من يناجي ما انفتل‏ (2) » .

و برز يوما إلى الصحراء، فتبعه مولى له، فوجده قد سجد على حجارة خشنة، قال مولاه: فوقفت حيث أسمع شهيقه و بكاءه، فو اللّه، لقد أحصيت عليه ألف مرّة، و هو يقول: «لا إله إلاّ اللّه حقا حقا، لا إله إلاّ اللّه تعبدا و رقّا، لا إله إلاّ اللّه إيمانا و صدقا» . ثم رفع رأسه من سجوده، و أنّ لحيته و وجهه قد غمرا بالماء من دموع عينيه. فقال له مولاه: يا سيدي!أ ما آن لحزنك أن ينقضي و لبكائك أن يقلّ؟

فقال له: «ويحك، إن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كان نبيا ابن نبي و له اثنا عشر ابنا، فغيب اللّه تعالى واحدا منهم، فشاب رأسه من الحزن، و احدودب ظهره من الغم، و ذهب بصره من البكاء، و ابنه حيّ في دار الدنيا، و أنا رأيت أبي و أخي و سبعة و عشرين من أهل بيتي صرعى مقتولين، فكيف ينقضي حزني و يقل بكائي؟!

3-و أخبرني الشيخ الإمام الزاهد أبو الحسن عليّ بن أحمد العاصمي (رحمه اللّه) ، أخبرني شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد البيهقي، أخبرني والدي شيخ السنة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، أخبرني أبو عبد اللّه

____________

(1) الفريصة: عضلة في العضد ترتعد عند شدة الخوف.

(2) أي: ما ترك الصّلاة.

143

الحافظ، سمعت أبا الحسن علي بن محمّد الأديب، يذكر بإسناد له: أنّ رأس الحسين بن علي عليه السّلام لما صلب بالشام، أخفى خالد بن معدان-و هو من أفضل التابعين-شخصه من أصحابه، فطلبوه شهرا فوجدوه، فسألوه عن عزلته، فقال لهم: أ ما ترون ما نزل بنا؟ثم أنشدهم:

جاءوا برأسك يا ابن بنت محمّد # متزملا بدمائه تزميلا

قتلوك عطشانا و لم يترقبوا # في قتلك التنزيل و التأويلا

و كأنما بك يا ابن بنت محمد! # قتلوا جهارا عامدين رسولا

و يكبرون بأن قتلت و إنما # قتلوا بك التكبير و التهليلا

4-و أخبرني سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي-فيما كتب إليّ من همدان-، أخبرني محيي السنّة أبو الفتح-إجازة-، أنشدني أبو الطيب البابلي، أنشدني أبو النجم بدر بن إبراهيم الدينوري للشّافعي محمد بن إدريس‏ (1) :

تأوب همي و الفؤاد كئيب # و أرق نومي فالرقاد غريب‏

و مما نفى نومي و شيب لمني # تصاريف أيام لهنّ خطوب‏

فمن مبلغ عنّي الحسين رسالة # و أن كرهتها أنفس و قلوب‏

قتيلا بلا جرم كأنّ قميصه # صبيغ بماء الأرجوان خضيب‏

فللسيف إعوال و للرمح رنّة # و للخيل من بعد الصهيل نحيب‏

تزلزلت الدنيا لآل محمد # و كادت لهم صمّ الجبال تذوب‏

و غارت نجوم و اقشعرّت كواكب # و هتك أستار و شقّ جيوب‏

يصلي على المهدي من آل هاشم # و تغزى بنوه ان ذا العجب‏

لئن كان ذنبي حب آل محمد # فذلك ذنب لست عنه أتوب‏

____________

(1) هو الإمام الشافعي الشهير المتوفى في مصر سنة 204 هـ.

144

هم شفعائي يوم حشري و موقفي # إذا كثرتني يوم ذاك ذنوب‏

5-أخبرني سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه-فيما كتب إليّ من همدان-، أنشدني والدي، أنشدني أبو نصر أحمد بن علي بن عامر الفقيه العكبري-على شاطئ نهر الهارونية-، أنشدني أحمد بن منصور بن علي القطيعي المعروف بالقطّان‏ (1) -ببغداد-، لنفسه:

يا أيها المنزل المحيل # جاءك مسحنفر (2) هطول‏

أودى عليك الزمان لما # شجاك من أهلك الرحيل‏

لا تغتر بالزمان و اعلم # أنّ يد الدهر تستطيل‏

فإنّ آجالنا قصار # و إنّ آمالنا تطول‏

تفنى الليالي و ليس يفنى # شوقي و لا حسرتي تزول‏

لا صاحب منصف فأسلو # به و لا حافظ وصول‏

و كيف أبقى بلا صديق # باطنه باطن جميل‏

يكون في البعد و التداني # كما أرجى و ما أقول‏

هيهات قلّ الوفاء منهم # فلا صديق و لا خليل‏

يا قوم ما بالنا جفينا # فلا كتاب و لا رسول‏

لو وجدوا بعض ما وجدنا # لكاتبونا و لم يحولوا

لكن سلونا فلم يجودوا # لنا بوصل و لم ينيلوا

يا قاتلي بالصدود رفقا # بمهجة شفّها الغليل‏

أنحل جسمي هواك حتى # كأنه خصرك النحيل‏

قلبي قريح به كلوم # جاد بها طرفك البخيل‏

غصن من البان حيث مالت # ريح النعامى به يميل‏

____________

(1) توفي في بغداد سنة 480 تقريبا و دفن في مقابر قريش.

(2) المسحنفر: الكثير المطر.

145

يسطو علينا بلحظ جفن # كأنه مرهف صقيل‏

كما سطت بالحسين قوم # أراذل ما لهم اصول‏

قد أفردوه فظل يدعو # و لا سميع لما يقول‏

يا أهل كوفان لم غدرتم # بنا و لم أنتم نكول؟

أنتم كتبتم إليّ كتبا # و في طوياتها ذحول‏

فراقبوا اللّه في خباء # فيه لنا صبية غفول‏

و أمّ كلثوم قد تنادي # و قد عرى طرفها الذهول‏

تقول لما رأته شلوا # قد خسفت صدره الخيول‏

أين الذي حين أرضعوه # ناغاه في المهد جبرئيل؟

أين الذي حين عمدوه # قبّله أحمد الرسول؟

أين الذي حيدر أبوه # و امّه فاطم البتول؟

جاءت بشاطي الفرات تدعو # ما فعل السيد القتيل‏

أنا ابن منصور لي لسان # على ذوي النصب يستطيل‏

ما الرفض ديني و لا اعتقادي # و مذهبي عنه لا أحول‏

6-و للإمام السيد الأديب أبي الحسن علي بن أحمد النيشابوري‏ (1)

جامع كتاب «تاج الأشعار في النبيّ المختار و آله الأطهار» : -

أيا سائلي عن مذهبي و طريقي # محبّة أولاد النبي عقيدتي‏

هما الحسنان اللؤلؤان تلألآ # و فاطمة الزهراء بنت خديجة

سرور فؤاد المصطفى علم الهدى # محمد المختار هادي الخليقة

و قرّة عين المرتضى أسد الوغى # أبي الحسن الكرار مردي الكتيبة

و خذ سبعة من بعدهم و افتخر بهم # مع اثنين ثم امح سواهم أو اثبت‏

____________

(1) هو الشهير بالفنجكردي، نسبه الى قرية من قرى نيشابور، توفي سنة (513 هـ) .

غ

146

أ أبغض من خير النبيين جدهم # و والدهم في الناس شمس البرية؟

فلا ترمني بالرّفض ويلك أنني # لفي من يعاديني شديد الوقيعة

لساني سيف ما نبا عن ضريبة # و لا طاش سهم من سهام قريحتي‏

فإن شئت فاجبني و إن شئت فأقلني # فهذا و ربي ما حييت خليقتي‏

و إني لأصحاب النبي محمد # محبّ عليه نيتي و طويتي‏

أ أثلب قوما كافحوا عن نبيهم # و من بعده كانوا نجوم الشريعة؟

خلا فرقة عادوا عليا و قتلوا # بنيه على جهل بغير جريمة

لئن كان قوم قبلهم خير امة # فإنهم في فعلهم شرّ أمّة

فوا عجبا من جاهل بوضوئه # و يقدح في دين الهداة الأئمة!

فيا ربّ بلغ كل لمحة ناظر # سلامي إلى أرواحهم و تحيتي‏

7-و للإمام الشافعي:

إذا في مجلس ذكروا عليا # و سبطيه و فاطمة الزكيّة

و قطب وجهه من كان فيهم # فأيقن أنه ابن سلقلقية (1)

يقول لما يصح ذروا فهذا # سقيم من حديث الرافضيه‏

برئت إلى المهيمن من اناس # يرون الرّفض حبّ الفاطمية

إذا ذكروا عليا أو بنيه # أفاضوا بالروايات الوقيّه‏

8-و للإمام الشافعي أيضا:

يا راكبا قف بالمحصّب من منى # و اهتف بقاعد خيفها و الناهض‏

سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى # شوقا كملتطم الفرات الفائض‏

إني احبّ بني النبي المصطفى # و أعدّه من واجبات فرائضي‏

إن كان رفضا حبّ آل محمّد # فليشهد الثقلان اني رافضي‏

____________

(1) -السلقلقية: التي تحيض من دبرها.

147

9-و لكثير بن عبد الرحمن الشهير بكثير عزة (1) :

ألا إنّ الأئمة من قريش # ولاة الحق أربعة سواء

عليّ و الثلاثة من بنيه # هم الأسباط ليس بهم خفاء

فسبط سبط أيمان و بر # و سبط غيبته كربلاء

و سبط لا يذوق الموت حتى # يقود الخيل يقدمها اللواء

تغيب لا يرى فيهم زمانا # برضوى عنده عسل و ماء

10-و لدعبل‏ (2) بن علي الخزاعي من قصيدة طويلة مدح بها علي بن موسى الرضا عليه السّلام‏

انتخبت منها:

بكيت لرسم الدار من عرفات # و أذريت دمع العين بالعبرات‏

أبان عرى صبري و هاجت صبابتي # رسوم ديار قد عفت بشتات‏

مدارس آيات خلت من تلاوة # و منزل وحي مقفر العرصات‏

لآل رسول اللّه بالخيف من منى # و بالبيت و التعريف و الجمرات‏

ديار عليّ و الحسين و جعفر # و حمزة و السجّاد ذي الثفنات‏

منازل كانت للصّلاة و للتقى # و للصوم و الإعطاء للزكوات‏

منازل وحي ينزل الوحي بينها # على أحمد في الليل و الغدوات‏

منازل كانت للصلاة و للهدى # و للصوم و الإحسان و الحسنات‏

ديار عفاها جور كلّ منابذ # و لم تعف بالأيام و السّنوات‏

قفا نسأل الدار التي خفّ أهلها # متى عهدها بالصّوم و الصّلوات؟

و أين الالى شطت بهم غربة النوى # أفانين في الأقطار مفترقات؟

____________

(1) كثير بن عبد الرحمن الخزاعي، توفي سنة 105 هـ.

(2) هو الشاعر الشهير في مدح الأئمّة، المتوفى سنة 246 هـ.

148

هم أهل ميراث النبي إذا اعتزّوا # و هم خير سادات و خير حماة

مطاعيم في الإعسار في كل مشهد # مطاعين في الهيجاء بالغزوات‏

و ما النّاس إلاّ غاصب و مكذّب # و مضطغن ذو إحنة و ترات‏

و لو قلدوا الموصى إليه امورهم # أخذن بمأمون من العثرات‏

وصيّ النبي المصطفى و ابن عمه # و مفترس الأبطال في الغمرات‏

فإن جحدوا كان الغدير شهيده # و بدر و احد شامخ الهضبات‏

و آي من القرآن تتلى بفضله # و إيثاره بالقوت في اللزبات‏

وغر خلال قد حماها بسبقه # مناقب كانت فيه مؤتنفات‏

مناقب لم تدرك بكيد و لم تنل # بشي‏ء سوى حدّ القنا الذربات‏

نحبي لجبريل الأمين و أنّهم # عكوف على العزى معا و منات‏

فكيف يحبون النبي و رهطه # و هم تركوا أحشاءه و غرات‏

لقد لاينوه في المقال و أضمروا # قلوبا على الأحقاد منطويات‏

سقى اللّه قبرا بالمدينة غيثه # فقد ضمّ فيه الأمن و البركات‏

أ فاطم لو خلت الحسين مجدّلا # و قد مات عطشانا بشطّ فرات‏

إذن للطمت الخدّ فاطم عنده # و أجريت دمع العين في الوجنات‏

أ فاطم قومي يا ابنة الخير و اندبي # نجوم سماوات بأرض فلاة

قبور بكوفان و اخرى بطيبة # و اخرى بفخ‏ (1) نالها صلواتي‏

و اخرى بأرض الجوزجان‏ (2) محلّها # و قبر بباخمرى، (3) لدى الغربات‏

و قبر ببغداد لنفس زكية # تضمّنها الرّحمن بالغرفات‏

____________

(1) فخ: واد بمكة قتل فيه الحسين بن الحسن العلوي سنة 169 هـ و جماعة من أهله.

(2) الجوزجان: موضع في بلخ قتل فيه الداعيان من أولاد الحسن الطالقانية.

(3) باخمرى: موضع بين الكوفة و واسط قتل فيه إبراهيم الإمام و أصحابه قتله المنصور في السجن.

149

فأما الممضات التي لست بالغا # مبالغها مني بكنه صفات‏

قبور بجنب النهر من أرض كربلا # معرّسهم فيها بشطّ فرات‏

توفوا عطاشى بالفرات فليتني # توفيت فيهم قبل حين وفاتي‏

سأبكيهم ما حجّ للّه راكب # و ما ناح قمري على الشجرات‏

أ لم تر أني مذ ثلاثين حجّة # أروح و أغدو دائم الحسرات‏

أرى فيئهم في غيرهم متقسّما # و أيديهم من فيئهم صفرات‏

إذا وتروا مدوا إلى واتريهم # أكفا عن الأوتار منقبضات‏

فلولا الذي أرجوه في اليوم أوغد # لقطّعت نفسي إثرهم حسرات‏

خروج إمام لا محالة خارج # يقوم على اسم اللّه و البركات‏

فيا نفس طيبي ثمّ يا نفس فأبشري # فغير بعيد كلّ ما هو آت‏

لئن قرب الرحمن من تلك مدتي # و أخّر من عمري و وقت مماتي‏

شفيت و لم أترك بقلبي غصّة # و رويت فيهم منصلي و قناتي‏

فيا وارثي علم النبي و آله # عليكم سلام دائم النّفحات‏

إذا لم نناج اللّه في صلواتنا # بأسمائكم لم يقبل الصلوات‏

لقد آمنت نفسي بكم في حياتها # و إني لأرجو الأمن بعد وفاتي‏

11-و لدعبل من قصيدة اخرى طويلة:

أ أسبلت دمع العين بالعبرات # و بت تقاسي شدّة الزفرات؟

و تبكي على آثار آل محمّد # و قد ضاق منك الصدر بالحسرات‏

ألا فأبكهم حقّا و أجر عليهم # عيونا لريب الدّهر منسكبات‏

و لا تنس في يوم الطفوف مصابهم # بداهية من أعظم النكبات‏

سقى اللّه أجداثا على طفّ كربلا # مرابع أمطار من المزنات‏

150

و صلّى على روح الحسين و جسمه # طريحا على النهرين بالفلوات‏

قتيلا بلا جرم ينادي لنصره # فريدا وحيدا أين أين حماتي‏

أ أنسي و هذا النهر يطفح ظامئا # قتيلا و مظلوما بغير ترات‏

فقل لابن سعد أبعد اللّه سعده # ستلقى عذاب النار و اللعنات‏

سأندب طول الدهر ما هبّت الصبا # و أقنت بالآصال و الغدوات‏

على معشر ضلوا جميعا عن الهدى # و ألقوا رسول اللّه بالكربات‏

لقد رفعوا رأس الحسين على القنا # و ساقوا نساه حسرا و لهات‏

12-و لدعبل من قصيدة أيضا:

يا أمّة قتلت حسينا عنوة # لم ترع حقّ اللّه فيه فتهتدي‏

قتلوه يوم الطّف طعنا بالقنا # سلبا و هبرا بالحسام المقصد

و لطالما ناداهم بكلامه # جدي النبي خصيمكم في الموعد

يا قوم إنّ الماء يلمع بينكم # و أموت ظمآن الحشى بتوقّد

قد شفني عطشي و أقلقني الذي # أنا فيه من ثقل الحديد المجهد

فأتاه سهم من يد مشئومة # من قوس ملعون خبيث المولد

يا عين جودي بالدموع و أهملي # و ابكي الحسين السيّد ابن السيّد

13-و لدعبل أيضا من قصيدة:

منازل بين أكناف الغري # إلى وادي المياه إلى الطوي‏

تركن الدمع ينبع من فؤادي # كما نبع الدفاع من الركي‏

لقد شغل الدموع عن الغواني # مصاب الأكرمين بني عليّ‏

أ لم يحزنك أن بني زياد # أصابوا بالترات بني النبيّ؟