مقتل الحسين عليه السلام - ج2

- الخطيب الخوارزمي المزيد...
312 /
151

و إنّ بني الحصان تعيث فيهم # علانية سيوف بني البغي‏

ألا فقف الدموع على حسين # و ذكرك مصرع الحبر التقي‏

فيا أسفي على هفوات دهر # تقتل فيه أولاد الزكي‏

14-و لدعبل من قصيدة:

إن كنت محزونا لمهلك ولد # هلاّ بكيت لمن بكاه محمّد؟

هلا بكيت على الحسين و قتله # إنّ البكاء على الحسين ليحمد؟

فلقد بكته من السماء ملائك # زهر كرام راكعون و سجّد

لم يحفظوا حقّ النبي محمد # إذ جرّعوه حرارة ما تبرد

أنسيت إذ سارت إليه كتائب # فيها ابن سعد و الطغاة الجحد؟

فسقوه من جرع الحتوف بمشهد # كثر العدو به و قلّ المسعد

ثم استباحوا الطاهرات حواسرا # فالشمل من بعد الحسين مبدّد

و تضعضع الإسلام يوم مصابه # فالدّين يبكي فقده و السؤدد

كيف القرار و في السبايا زينب # تدعوا شجا يا جدّنا يا أحمد

هذا حسين بالسيوف مقطّع # متخضب بدمائه مستشهد

عار بلا كفن صريع في الثرى # تحت الحوافر و السنابك يخضد

و الطيّبون بنوك قتلى حوله # فوق التراب ذبائح لا تلحد

يا جدّ من ثكلي و طول مصيبتي # فيما اعاينه أقوم و أقعد

يا جدّ قد منعوا الفرات و قتلوا # عطشا فكان من الداء المورد

يا جدّ إنّ الكلب يشرب آمنا # ريّا و نحن عن الفرات نطرد

15-و للشريف نقيب النقباء-ببغداد-الرضي الموسوي‏ (1) من قصيدة:

____________

(1) هو الشهير بالرضي أخي المرتضى المتوفى سنة 405 هـ.

152

شغل الدموع عن الديار بكاؤها # لبكاء فاطمة على أولادها

وا لهفتاه لعصبة علوية # تبعت اميّة بعد عزّ قيادها

اللّه سابقكم إلى أرواحها # و كسبتم الآثام في أجسادها

إن قوّضت تلك القباب فإنما # خرّت عماد الدّين قبل عمادها

هي صفوة اللّه التي أوحى لها # و قضى أوامره إلى أمجادها

يروي مناقب فضلها أعداؤها # أبدا و يسندها إلى أضدادها

يا غيرة اللّه اغضبي لنبيه # و تزحزحي بالبيض عن أغمادها

من عصبة ضاعت دماء محمّد # و بنيه بين يزيدها و زيادها

صفدات مال اللّه مل‏ء أكفها # و أكفّ آل اللّه في أصفادها

ضربوا بسيف محمّد أبناءه # ضرب الغرائب عدن بعد ذيادها

يا يوم عاشوراء كم لك لوعة # تترقّص الأحشاء من ايقادها؟

16-و للشريف أيضا من قصيدة طويلة:

سقى اللّه المدينة من محل # لباب الودق بالنطف العذاب‏

و جاد على البقيع و ساكنيه # رخي الذيل ملآن الوطاب‏ (1)

و أعلام الغري و ما أطاقت # معالمها على الحسب اللباب‏

و قبرا بالطفوف يضمّ شلوا # قضى ظمأ إلى برد الشراب‏

و بغداد و سامرا و طوسا # هطول الودق منخرق العباب‏

بكم في الشعر فخري لا بشعري # و عنكم طال باعي في الخطاب‏

و من أولى بكم منّي ولاء # و في أيديكم طرف انتسابي؟

____________

(1) الوطاب: السقاء.

153

17-و لأبي الحسن عليّ بن أحمد الجوهري الجرجاني‏ (1) من قصيدة يمدح بها أهل البيت عليهم السّلام:

و جدي بكوفان لا وجدي لكوفان # تهمي عليه ضلوعي قبل أجفاني‏

أرض إذا نفحت ريح العراق بها # أتت بشاشتها أقصى خراسان‏

فمن قتيل بأعلى كربلاء على # جهد الصدى‏ (2) فتراه غير صديان‏

و ذي صفائح يستسقي النقيع به # ريّ الجوانح من روح و ريحان‏

هذا قسيم رسول اللّه من آدم # قدا معا مثلما قد الشراكان‏

و ذان سبطا رسول اللّه جدّهما # وجه الهدى و هما في الوجه عينان‏

و اخجلتا من أبيهم يوم يشهدهم # مضرّجين نشاوى من دم قان‏

يقول يا أمّة خف الضلال بها # فاستبدلت للعمى كفرا بطغيان‏

ما ذا جنبت عليكم إذ أتيتكم # بخير ما جاء من آي و فرقان‏

أ لم أجركم و أنتم في ضلالتكم # على شفا حفرة من حرّ نيران‏

أ لم اؤلف قلوبا منكم فرقا # مثارة بين أحقاد و أضغان‏

أ لم أكن فيكم غوثا لمضطهد # أ لم أكن فيكم ماء لظمآن‏

أ ما تركت كتاب اللّه بينكم # و آلي الغرّ في جمع و قرآن‏

قتلتم ولدي صبرا على ظمأ # هذا و ترجون عند الحوض إحساني‏

سبيتم ثكلتكم امهاتكم # بني البتول و هم روحي و جثماني‏

مزّقتم و نكثتم عهد والدهم # و قد قطعتم بذاك النكث أقراني‏

يا ربّ خذ لي منهم إذ هم ظلموا # كرام رهطي و راموا هدم بنياني‏

ما ذا تجيبون و الزهراء خصمكم # و الحاكم اللّه للمظلوم و الجاني‏

____________

(1) كان من شعراء الصاحب و توفي حوالي سنة (380 هـ) .

(2) الصدى: العطش.

154

أهل الكساء صلاة اللّه ما نزلت # عليكم الآي من مثنى و وحدان‏

أنتم نجوم بني حوّاء ما طلعت # شمس النهار و ما لاح السماء كان‏

ما زلت منكم على شوق يهيجني # و الدهر يأمرني فيه و ينهاني‏

حتى توصلت و التوحيد راحلتي # و العدل زادي و تقوى اللّه امكاني‏

هذي حقائق لفظ كلما برقت # ردت بلألائها أبصار عميان‏

هي الحلى لبني طه و عترته # و هي الردى لبني حرب و مروان‏

و هي الجواهر جاء الجوهري بها # محبّة لكم من أرض جرجان‏

18-و لأبي الحسن الجوهري أيضا من قصيدة طويلة:

أهل عاشور!يا لهفي على الدين # خذوا حدادكم يا آل ياسين‏

اليوم شقق جيب الدين و انتهبت # بنات أحمد نهب الروم و الصين‏

اليوم قام بأعلى الطّف نادبهم # يقول من ليتيم أو لمسكين‏

اليوم خرت نجوم الفخر من مضر # على مناخر تذليل و توهين‏

اليوم خضب شيب المصطفى بدم # أمسى عبير نحور الخرد العين‏

اليوم اطفئ نور اللّه متقدا # و برقعت غرّة الإسلام بالهون‏

اليوم زعزع قدس من جوانبه # و طاح رضوى على أنف و عرنين‏

اليوم عقوا على الزهراء كلها # و ساوروها بتنكيب و تهوين‏

اليوم نال بنو حرب طوائلهم # مما صلوه ببدر ثمّ صفين‏

اليوم جدل سبط المصفى شرقا # من نفسه بنجيع غير مسنون‏

زادوا عليه بحبس الماء غلّته # فيا لرأي فريق فيه مغبون‏

نالوا أزمّة دنياهم ببغيهم # فليتهم سمحوا منها بماعون‏

حتى أصات بقنسرين راهبها (1) # يا عصبة الغيّ يا حزب الشياطين‏

____________

(1) يشير الى قصّة الراهب و ما فعل يزيد بالراس و اسلم الراهب فقتل.

غ

155

أ تهزءون برأس بات منتصبا # على القنا بجبين منه ميمون؟

آمنت ويحكم باللّه مهتديا # مستبدلا لي دين الرأس من ديني‏

قد جدلوه صريعا فوق جبهته # و قسّموه بأطراف السكاكين‏

و أوقروا صهوات الخيل من آخر # على أساراهم فعل الفراعين‏

مصفّدين على أقتاب أرحلهم # محمولة بين مضروب و مطعون‏

أطفال فاطمة الزهراء قد فطموا # من الثدي بأنياب الثعابين‏

يا أمّة ولي الشيطان رايتها # و مكّن الغيّ منها كل تمكين‏

يا ابني زياد و هند ترجوان غدا # روح الجنان بمقذوف و ملعون‏

ما المرتضى و بنوه من معاوية # و ما الفواطم من هند و ميسون‏

آل الرسول عباديد السيوف فمن # سار على وجهه خوفا و مسجون‏

يا عين لا تدّعي شيئا لغادية # تهمي و لا تدعى دمعا لمحزون‏

سحي على جدث بالطف و انتفضي # بكل لؤلؤ دمع فيك مكنون‏

يا آل أحمد إنّ الجوهري لكم # سيف يقطع عنكم كل موضون‏

19-و لبعضهم‏ (1) قصيدة طويلة،

انتخبت منها:

إذا جاء عاشور تضاعف حسرتي # لآل رسول اللّه و انهل دمعتي‏

هو اليوم فيه اغبرت الأرض كلّها # شجونا عليهم و السّماء اقشعرت‏

مصائب ساءت كلّ من كان مسلما # و لكن عيون الفاجرين أقرب‏

إذا ذكرت نفسي مصيبة كربلا # و أشلاء سادات بها قد تفرت‏

أضاقت فؤادي و استباحت تجلدي # و زادت على كربي و عيشي أمرت‏

اريقت دماء الفاطميين بالفلا # فلو عقلت شمس النهار لخرت‏

____________

(1) و هي المنسوبة إلى عبد اللّه بن عمار البرقي، المقتول سنة 245 هـ، قطع لسانه و خرق ديوانه بسبب شعره.

156

ألا بأبي تلك الدماء التي جرت # بأيدي كلاب في الجحيم استقرت‏

توابيت من نار عليهم قد اطبقت # لهم زفرة في جوفها بعد زفرة

فشتان من في النّار في جوف طابق # و من هو في الفردوس فوق الأسرّة

بنفسي خدود في التراب تعفّرت # بنفسي جسوم بالعراء تعرّت‏

بنفسي رءوس مشرقات على القنا # إلى الشام تهدى بارقات الاسرة (1)

بنفسي شفاه ذابلات من الظمأ # و لم ترو من ماء الفرات بقطرة

بنفسي عيون غائرات شواخص # إلى الماء منها نظرة بعد نظرة

بنفسي من آل النبي خرائد # حواسر لم يرأف عليها بسترة

تفيض دموعا بالدّماء مشوبة # كقطر الغوادي من مدامع ثرة

على خير قتلى من كهول و فتية # مصاليت أنجاد (2) إذا الخيل كرت‏

ربيع اليتامى و الأرامل في الملا # دوارس للقرآن في كلّ سحرة

و أعلام دين المصطفى و ولاته # و أصحاب قربان و حجّ و عمرة

ينادين يا جدّاه أية محنة # تراها علينا من أميّة مرت؟

ضغائن بدر بعد ستين أظهرت # و كانت أجنت في الحشا و أسرت‏

شهدت بأن لم ترض نفس بهذه # و فيها من الإسلام مثقال ذرة

كأني ببنت المصطفى قد تعلّقت # يداها بساق العرش و الدمع أذرت‏

و في حجرها ثوب الحسين مضرّجا # و عنها جميع العالمين بحسرة

تقول ايا عدل اقض بيني و بين من # تعدى على ابني بعد قهر و قسوة

أجالوا عليه بالصوارم و القنا # و كم جال فيهم من سنان و شفرة؟

على غير جرم غير انكار بيعة # لمنسلخ عن دين أحمد عرة

____________

(1) الأسرة: غضون الجبهة.

(2) المصاليت: جمع مصلات و هو الرجل الماضي بعزمه.

157

فيقضي على قوم عليه تألّبوا # بسوء عذاب النار من غير فترة

و يسقون من ماء الصديد إذا دنا # شوى الوجه و الأمعاء منه تهرت‏

مودّة ذي القربى رعوها كما ترى # و قول رسول اللّه أوصي بعترتي‏

فكم فجرة قد أتبعوها بفجرة؟ # و كم غدرة قد ألحقوها بغدرة؟

هم أول العادين ظلما على الورى # و من ساد فيهم بالأذى و المضرة

مضوا و انقضت أيامهم و عهودهم # سوى لعنة باءوا بها مستمرة

لآل رسول اللّه ودّي خالصا # كما لمواليهم ولائي و نصرتي‏

و ها أنا مذ أدركت حدّ بلاغتي # اصلّي عليهم في عشيّي و بكرتي‏

و قول النبيّ المرء مع من أحبه # يقوّي رجائي في إقالة عثرتي‏

على حبهم يا ذا الجلال توفني # و حرّم على النيران شيبي و كبرتي‏

20-و للصّاحب كافي الكفاة إسماعيل بن عباد (1)

من قصيدة جيدة طويلة انتخبت منها مقدارا:

بلغت نفسي مناها # بالموالي آل طه‏

برسول اللّه من حا # ز المعالي و حواها

و ببنت المصطفى من # أشبهت فضلا أباها

و أخيه الأسد # الباسل في يوم وغاها

و بحبّ الحسن البا # لغ في العليا مداها

و الحسين المرتضى # يوم المساعي إذ حواها

ليس فيهم غير نجم # قد تعالى و تناهى‏

عترة أصبحت الدّنيا # جميعا في حماها

____________

(1) توفي سنة 385.

158

نابذتهم عصب البغي # بأنواع عماها

أردت الأكبر بالسمّ # و ما كان كفاها

و أنبرت تبغي حسينا # و عرته و عراها

منعته شربة و الو # حش قد أروت صداها

فأفاتت نفسه يا # ليت روحي قد فداها

بنته تدعو أباها # اخته تبكي أخاها

لو رأى احمد ما كا # ن دهاه و دهاها

و رأى زينب إذ شمر # أتاها و سباها

لشكا الحال إلى اللّه # و قد كان شكاها

و إلى اللّه سيأتي # و هو أولى من جزاها

21-و للصاحب أيضا من قصيدة منتخبة:

ما لعليّ العلاء أشباه # لا و الذي لا إله إلاّ هو

مبناه مبني النبي تعرفه # و ابناه عند التفاخر ابناه‏

لو طلب النجم داس أخمصه‏ (1) # أعلاه و الفرقدان نعلاه‏

يا بابي السيد الحسين و قد # جاهد في الدين يوم بلواه‏

يا بابي أهله و قد قتلوا # من حوله و العيون ترعاه‏

يا قبّح اللّه أمّة خذلت # سيدها لا تريد ارضاه‏

و أبعد اللّه جيفة نجسا # يقرع من بغضه ثناياه‏

22-و للصاحب أيضا من قصيدة منتخبة:

برئت من الأرجاس رهط اميّة # لما صحّ عندي من قديم عدائهم‏

____________

(1) الأخمص: باطن القدم.

159

و لعنهم خير الوصيين جهرة # لكفرهم المعدود في شرّ دائهم‏

و قتلهم السادات من آل هاشم # و سبيهم عن جرأة لنسائهم‏

و ذبحهم خير الرجال أرومة # حسين العلا بالكرب في كربلائهم‏

و تشتيتهم شمل النبيّ محمد # لما ورثوا من بغضه في فنائهم‏

و ما غضبت إلا لأصنامها التي # اذلت و هم أنصارها لشقائهم‏

فيا ربّ جنبني المكاره و اعف عن # ذنوبي لما أخلصته من ولائهم‏

و يا ربّ أعدائي كثير فردّهم # بغيظهم لا يظفروا بابتغائهم‏

و يا ربّ من كان النبي و أهله # و سائله لم يخش من غلوائهم‏

حسين توسل لي إلى اللّه إنني # بليت بهم فادفع عظيم بلائهم‏

فكم قد دعوني رافضيا لحبكم # فلم يثنني عنكم طويل عوائهم‏

23-و للصاحب أيضا من قصيدة منتخبة جيدة:

يا أصل عترة أحمد ولاك لم # يك أحمد المبعوث ذا أعقاب‏

ردت عليك الشمس و هي فضيلة # بهرت فلم تستر بكفّ نقاب‏

لم أحك إلا ما روته نواصب # عادتك فهي مباحة الأسلاب‏

عوملت يا تلو النبي و صنوه # بأوابد (1) جاءت بكل عجاب‏

قد لقّبوك أبا تراب بعد ما # باعوا شريعتهم بكفّ تراب‏

أ تشك في لعني أميّة بعد ما # جارت على الأحرار و الأطياب‏

قتلوا الحسين فيا لعولي بعده # و طويل حزني أو أصير لما بي‏

و سبوا بنات محمد فكأنما # طلبوا ذحول‏ (2) الفتح و الأحزاب‏

مهلا ففي يوم القيامة غنية # و النار باطشة بسوط عذاب‏

____________

(1) الاوابد: الدواهي.

(2) الذحول: الثارات.

160

24-و للصاحب أيضا من قصيدة طويلة:

اجروا دماء أخي النبيّ محمد # فلتجر غزر دموعنا و لتهمل‏

و لتصدر اللعنات غير مزالة # لعداه من ماض و من مستقبل‏

و تجرّدوا لبنيه ثم بناته # بعظائم فاسمع حديث المقتل‏

منعوا الحسين الماء و هو مجاهد # في كربلاء فنح كنوح المعول‏

منعوه أعذب منهل و هم غدا # يردون في النيران أو خم منهل‏

أ يجزّ رأس ابن النبي و في الورى # حيّ أمام ركابه لم يقتل؟

و بنو السفاح تحكّموا في أهل # حيّ على الفلاح بفرصة و تعجل‏

نكت الدّعي ابن البغي ضواحكا # هي للنبي الخير خير مقبل‏

تمضي بنو هند سيوف الهند في # أوداج أولاد النبيّ المرسل‏

ناحت ملائكة السماء لقتلهم # و بكت فقد سقوا كئوس الذبل‏

و أرى البكاء على الزمان محللا # و الضحك بعد الطّف غير محلّل‏

كم قلت للأحزان دومي هكذا # و تنزلي في القلب لا تترحّل‏

25-و لبديع الزمان أحمد بن الحسين الهمداني‏ (1) :

يا لمة ضرب الزمان # على معرسها خيامه‏

للّه درك من خزامي # روضة عادت ثغامه‏

لرزية قامت بها # للدين أشراط القيامة

لمضرّج بدم النبوة # ضارب بيد الإمامه‏

متقسم بظبا السيوف # مجرّع منها حمامه‏

منع الورود و ماؤه # منه على طرف الثمامه‏

____________

(1) هو الشاعر المعروف صاحب المقامات توفي مسموما سنة 398 هـ.

161

نصب ابن هند رأسه # فوق القنا نصب العلامة

و مقبل كان النبيّ # بلثمه يشفي غرامه‏

قرع ابن هند بالقضيب # عذابه فرط استضامه‏

و شدا بنغمته عليه # و صب بالفضلات جامه‏

و الدين أبلج ساطع # و العدل ذو خال و شامه‏

يا ويح من ولّى الكتاب # قفاه و الدّنيا أمامه‏

ليضرسنّ يد الندامة # حين لا تغني الندامه‏

و ليدركنّ على الغرامة # سوء عاقبة الغرامة

و حمى أباح بنو يزيد # على طوائلهم حرامه‏

حتى اشتفوا من يوم بدر # و استبدوا بالزعامه‏

لعنوا أمير المؤمنين # بمثل إعلان الإقامه‏

لم لم تخري يا سماء # و لم تصبي يا غمامه؟

لم لم تزولي يا جبال # و لم تشولي يا نعامه؟

يا لعنة صارت على # أعناقهم طوق الحمامه‏

إنّ الإمامة لم تكن # دون البتول و لإكرامه‏

من سبط هند و ابنها # و ضرّجي بدم رغامه‏

يا عين!جودي للبقيع # و قبّلي عني مقامه‏

جودي على جدث الغري # و وفّري عني ذمامه‏

جودي لمشهد كربلا # أجد بما جاد ابن مامه‏

جودي بمسكوب الدموع # و أرسلي بددا نظامه‏

جودي بمكنون الدموع # للئيم ما تحت العمامة

162

26-و لبعضهم من قصيدة طويلة انتخبت منها قدرا:

تمسك بالكتاب و من تلاه # فأهل البيت هم أهل الكتاب‏

لهم نزل الكتاب و هم تلوه # و هم كانوا الهداة إلى الصواب‏

شفيعي في القيامة عند ربي # نبي و الوصي أبو تراب‏

إمام وحّد الرحمن طفلا # و آمن قبل تشديد الخطاب‏

عليّ كان صديق البرايا # عليّ كان فاروق العذاب‏

و فاطمة البتول و سيدا من # يخلد في الجنان من الشباب‏

على الطف السّلام و ساكنيه # و روح اللّه في تلك القباب‏

مضاجع سادة قتلوا فناموا # هجودا في الفدافد و الشعاب‏

لديهم في مضاجعهم كعاب # بأرواق منعّمة رطاب‏

و صيرت القبور لهم قصورا # مناخا ذات أفنية رحاب‏

لئن وارتهم أطباق ارض # فإنّ السيف يغمد في القراب‏

كأقمار إذا طلعوا و ضاء # و آساد إذا ركبوا غضاب‏

لقد كانوا الثمال لمن أتاهم # من العافين و الهلكى السياب‏

و قد نقلوا إلى جنات عدن # و جوزوا بالنعيم و بالثواب‏

أ يبخل بالفرات على حسين؟ # و قد أضحى مباحا للكلاب؟!

و آل محمد تضحى سبايا # يسقن مع الاسارى و النهاب‏

مغبّرة الذيول مكشفات # كسبي الروم دامية الكعاب‏

لئن ابرزن كرها من حجاب # فهنّ من التعفف في حجاب‏

ولي قلب عليهم ذو التهاب # ولي جفن عليهم ذو انسكاب‏

و سوف يرى الاولى ظلموا و جاروا # عقاب اللّه في يوم الحساب‏

163

27-و لدعبل بن عليّ الخزاعي من قصيدة طويلة جيدة:

جاءوا إلى الشام المشومة أهلها # بالشوم يقدم جندهم ابليس‏

لعنوا و قد لعنوا بقتل إمامهم # تركوه و هو مبضّع محموس‏

و سبوا فوا حزنا بنات محمد # عبرى حواسر ما لهنّ لبوس‏

تبا لكم يا ويلكم أرضيتم # بالنار ذلّ هنالك المحبوس؟

يعتم لدنيا غيركم جهلا لكم # عزّ الحياة و أنه لنفيس‏

اخسر بها من بيعة اموية # لعنت و حظ البائعين خسيس‏

بؤسا لمن بايعتم فكأنني # بإمامكم وسط الجحيم حبيس‏

يا آل أحمد ما لقيتم بعده # من عصبة هم في القياس مجوس‏

صبرا موالينا فسوف ينيلكم # يوم على آل اللعين عبوس‏

ما زلت متبعا لكم و لأمركم # و عليه نفسي ما حييت أسوس‏

28-و لجعفر بن عفان الطائي‏ (1) :

ليبك على الإسلام من كان باكيا # فقد ضيعت أحكامه و استحلت‏

غداة حسين للرماح درية # و قد نهلت منه السيوف و علت‏

و غودر في الصحراء لحما مبددا # عليه عاق الطير باتت و ظللت‏

فما نصرته أمّة السوء إذ دعا # لقد طاشت الأحلام منها و ضلّت‏

بلى قد محوا أنوارهم بأكفهم # فلا سلمت تلك الأكف و شلّت‏

و ذكرهم جهدا بحقّ محمد # فإنّ ابنه من نفسه حيث حلّت‏

فما حفظوا قرب الرسول و لا رعوا # و زلّت بهم أقدامهم و استزلّت‏

أذاقته حرّ القتل أمّة جدّه # هفت نعلها في كربلاء و زلّت‏

____________

(1) شاعر شهير ذكره المرزباني في شعراء الشيعة، توفّي في حدود سنة 150 هـ.

غ

164

فلا قدّس الرّحمن منها نفوسها # إن هي صامت للإله و صلّت‏

كما أفجعت بنت الرسول بنسلها # و كانوا حماة الحرب حيث استقلت‏

و كانوا سرورا ثم عادوا رزية # لقد عظمت تلك الرزايا و جلّت‏

29-و لجعفر بن عفان أيضا من قصيدة طويلة

انتخبت منها هذه الأبيات:

تبكي العيون لركن الدين حين و هى # و للرزايا العظيمات الجليلات‏

هل لامرئ عاذر في خزن اوهمه # بعد الحسين و سبي الفاطميات؟

أم هل لمكتئب حران أفقده # لذاذة العيش تكرار الفجيعات؟

قضت على آل خير الخلق كلّهم # و هم غياث البرايا في الملمات‏

مثل النجوم الدراري يستضاء بها # إن غاب نجم بدا نجم لميقات‏

يا أمّة السوء هاتوا ما حجاجكم # إذا برزتم لجبّار السماوات‏

و أحمد خصمكم و اللّه منصفه # إن قال في جمعكم دون المحاباة

أ لم ابين لكم ما فيه رشدكم # من الحال و من ترك الخطيئات‏

فما صنعتم أضل اللّه سعيكم # فيما عهدت إليكم من وصياتي؟

أما بني فمقتول و مكتبل # و هارب في رءوس المشمخرات‏

و قد أخفتم بناتي بين أظهركم # ما ذا أردتم شقيتم من بنياتي؟

ينقلن من عند جبار يؤنبها # لآخر مثله نقل السبيات‏

30-و للناشي علي بن وصيف‏ (1) مما يناح به في المآتم:

اما شجاك يا سكن # قتل الحسين و الحسن‏

____________

(1) هو الشاعر المعروف بالناشي الصغير، توفي سنة 366 هـ.

165

ظمأت من فرط الحزن # و كلّ وغد ناهل‏

يقول يا قوم أبي # عليّ البر الأبي‏

و فاطم بنت النبي # أمي و عني سائلوا

منّوا على طفلي بما # فقد ضرا فيه الظما

و لم يكن قد أجرما # حيث الفرات سائل‏

قالوا فلن يرتويا # فإن تجي‏ء مستجديا

فانزل بحكم الأدعيا # فقال بل اناضل‏

حتى أتاه مشقص # رماه وغد أبرص‏

من سقر لا يخلص # رجس دعي واغل‏

فاجمعوا لختله # و اعصوصبوا لقتله‏

و ذبحه مع طفله # فاستنت المناصل‏

فوصلوا عرينه # و خضبوا جبينه‏

بالدم يا معينه # ما أنت عنه غافل‏

و انتهكوا حريمه # و ذبحوا فطيمه‏

و قيدوا سقيمه # و سيقت الحلائل‏

166

يسقن بالتنائف # في ضجّة الهواتف‏

و أدمع ذوارف # عقولها ذو اهل‏

يصحن يا محمّد # يا جدّنا يا أحمد

قد أسرتنا الأعبد # فكلّنا ثواكل‏

تهدى سبا من كربلا # إلى الشام في الفلا

ينفثن كربا و بلا # ليس لهنّ كافل‏

الى يزيد الطاغية # معدن كلّ داهيه‏

من نحو باب الجابية # فجاحد و خاذل‏

حتى دنا بدر الدّجى # رأس الإمام المرتجى‏

في طست معدوم الحجى # و هو اللعين القاتل‏

أمال في بنانه # قضيب خيزرانه‏

ينكت في أسنانه # قطعت الأنامل‏

فيا عيوني اسكبي # على بني بنت النبي‏

بفيض دمع و اهضبي # كذاك يبكي العاقل‏

167

31-و لمنصور بن سلمة بن الزبرقان النمري‏

(1) من قصيدة جيدة:

متى يشفيك دمعك من همول # و ببرد ما بقلبك من غليل؟

و قد شرقت رماح بني زياد # بري من دماء بني الرسول‏

فؤادك و السلو فإنّ قلبي # ليأبى أن يعود إلى ذهول‏

فيا طول الأسى من بعد قوم # أدير عليهم كأس الافول‏

تعاورهم أسنّة آل حرب # و أسياف قليلات الفلول‏

فما وجدت على الأعقاب منهم # و لا الانفاء آثار النصول‏

و لكن الوجوه مكلّمات # و فوق صدورهم مجرى السيول‏

اريق دم الحسين و لم يراعوا # و في الأحياء أموات العقول‏

فدت نفسي جبينك من جبين # جرى دمه على الخدّ الأسيل‏

أ يخلو قلب ذي ورع و دين # من الأحزان و الألم الطويل‏

و أوصال الحسين ببطن قاع # ملاعب للدبور و القبول؟

بتربة كربلاء له ديار # نيام الأهل دارسة الطلول‏

تحيات و مغفرة و روح # على تلك المحلّة و الحلول‏

قتيل ما قتيل بني زياد # ألا بأبي و نفسي من قتيل‏

برئنا يا رسول اللّه ممن # أصابك بالأذية و الذحول‏

32-و لمنصور بن سلمة

هذا من قصيدة جيدة جدا:

شاء من الناس راتع هامل # يعللون النفوس بالباطل‏

تقتل ذريّة النبي و يرجو # ن خلود الجنان للقاتل‏

ويلك يا قاتل الحسين لقد # جئت بعب‏ء ينوء بالحامل‏

____________

(1) الشاعر المعروف قتله الرشيد برأس عين سنة-190 هـ.

168

أيّ حياء حبوت أحمد في # حفرته من حرارة الثاكل‏

بأيّ وجه تلقى النبي و قد # دخلت في قتله مع الداخل‏

هلم فاطلب غدا شفاعته # أولا فرد حوضه مع الناهل‏

لا شكّ عندي في كفر قاتله # لكنني قد أشكّ في الخاذل‏

نفسي فداء الحسين يوم غدا # إلى المنايا غدو لا قافل‏

ذلك بوم أخنى بكلكله # على سنام الإسلام و الكاهل‏

مظلومة و النبيّ والدها # تدير أرحاء مقلة حافل‏

أ لا مساعير يغضبون لها # بسلة البيض و القنا الدابل‏

كم ميت منهم بغصته # مقترب القر بالعرا نازل‏

ما انتجت حوله قرابته # عند مقاساة يومه النازل‏

أذكر منهم ما قد أصابهم # فيمنع القلب سلوة الذاهل‏

حتى متى أنت تعجبين ألا # ينزل بالقوم بأسه العاجل‏

لا يعجل اللّه إن عجلت و ما # ربك عما ترين بالغافل‏

ما حصلت لامرئ سعادته # حقّت عليه عقوبة الآجل‏

أ عاذلي أنني احبّ بني # أحمد و الترب في فم العاذل‏

دنت بما أنتم عليه و ما # رجعت عن دينكم إلى باطل‏

دينهم جفوة النبي و ما # الجافي لآل النبي كالواصل‏

33-و لسليمان بن قتّة الخزاعي‏

(1) من قصيدة:

مررت على أبيات آل محمد # فلم ارها أمثالها حين حلت‏

فلا يبعد اللّه الديار و اهلها # و ان أصبحت منهم برغمي تخلت‏

____________

(1) هو هاشمي الولاء أمه قتة و أبوه حبيب، توفّي بدمشق سنة 126 هـ.

169

أ لم تر أن الأرض أمست مريضة # لفقد حسين و البلاد اضمحلت؟

و قد طفقت تبكي السماء لفقده # و انجمها ناحت عليه و حنت‏

ألا ان قتلى الطف من آل هاشم # أذلت رقاب المسلمين فذلّت‏

و كانوا غياثا ثم أضحوا رزية # الا عظمت تلك الرزايا و جلّت‏

إذا افتقرت قيس جبرنا فقيرها # و تقتلنا قيس اذا النعل زلت‏

و عند غنى قطرة من دمائنا # سنطلبهم يوما بها حيث ولّت‏

34-و للصاحب إسماعيل بن عباد الوزير كافي الكفاة:

عين جودي على الشهيد القتيل # و اتركي الخد كالمحل المحيل‏

كيف يشفى البكاء في قتل مولا # ي إمام التنزيل و التأويل‏

و لو أنّ البحار صارت دموعي # ما كفتني لمسلم بن عقيل‏

قاتلوا اللّه و النبي و مولا # هم عليا إذ قاتلوا ابن الرّسول‏

صرعوا حوله كواكب دجن # قتلوا حوله ضراغم غيل‏

إخوة كل واحد منهم ليث # عرين وحد سيف صقيل‏

أوسعوهم طعنا و ضربا و نحرا # و انتهابا يا ضلة من سبيل‏

و الحسين الممنوع شربة ماء # بين حرّ الظبا و حرّ الغليل‏

مثكل بابنه و قد ضمّه و هو # غريق من الدماء الهمول‏

فجعوه من بعده برضيع # هل سمعتم بمرضع مقتول؟

ثمّ لم يشفهم سوى قتل نفس # هي نفس التكبير و التهليل‏

هي نفس الحسين نفس رسول اللّه # نفس الوصيّ نفس البتول‏

ذبحوه ذبح الأضاحي فيا قلب # تصدّع على العزيز الذليل‏

وطئوا جسمه و قد قطعوه # ويلهم من عقاب يوم و بيل‏

170

أخذوا رأسه و قد بضعوه # إنّ سعي الكفار في تضليل‏

نصبوه على القنا فدمائي # لا دموعي تسيل كلّ مسيل‏

و استباحوا بنات فاطمة الز # هراء لما صرخن حول القتيل‏

حملوهن قد كشفن على الاقتا # ب سبيا بالعنف و التهويل‏

يا لكرب بكربلاء عظيم # و لرزء على النبيّ ثقيل‏

كم بكى جبرئيل مما دهاه # في بنيه صلّوا على جبرئيل؟

سوف تأتي الزهراء تلتمس الحكم # إذا حان محشر التعديل‏

و أبوها و بعلها و بنوها # حولها و الخصام غير قليل‏

و تنادي يا رب ذبح أولادي # لما ذا و أنت خير مديل؟

فينادي بمالك ألهب النار # و أجّج و خذ بأهل الغلول‏

يا بني المصطفى بكيت و أبكيت # و نفسي لم تأت بعد بسول‏

ليت روحي ذابت دموعا فأبكي # للذي نالكم من التذليل‏

فولائي لكم عتادي و زادي # يوم ألقاكم على سلسبيل‏

لي فيكم مدائح و مراث # حفظت حفظ محكم التنزيل‏

قد كفاني في الشرق و الغرب فخرا # أن يقولوا من قيل إسماعيل‏

و متى كادني النواصب فيكم # حسبي اللّه و هو خير وكيل‏

35-و للصاحب أيضا من قصيدة طويلة

انتخبت منها:

هم أكدوا أمر الدعي # يزيد منفوظ السفاح‏

فسطا على روح الحسين # و أهله جم الجماع‏

صرعوهم قتلوهم # نحروهم نحر الأضاحي‏

يا دمع حيّ على انسفاك # ثم حتى على انسفاح‏

171

في أهل حيّ على الصّلاة # و أهل حيّ على الفلاح‏

يحمي يزيد نساءه # بين النضائد و الوشاح‏

و بغات أحمد قد كشفن # على حريم مستباح‏

ليت النوائح ما سكتن # عن النياحة و الصياح‏

يا سادتي لكم ودادي # و هو داعية امتداحي‏

و بذكر فضلكم اغتبا # في كلّ يوم و اصطباحي‏

لزم ابن عباد ولاءكم # الصريح بلا براح‏

36-و لأبي الرّميح الخزاعي‏

(1) من قصيدة:

أجالت على عيني سحائب عبرة # فلم تصح بعد الدمع حتى ارمعلت‏ (2)

نبكي على آل النبي محمّد # و ما أكثرت في الدمع لا بل اقلت‏

اولئك قوم لم يشبعوا سيوفهم # و لم تكثر القتلى بها حين سلت‏

37-و لعقبة بن عميق السهمي‏

(3) و هو أول شعر رثي به الحسين عليه السّلام.

مررت على قبر الحسين بكربلاء # ففاض عليه من دموعي غزيرها

و ما زلت أبكيه و أرثي لشجوه # و يسعد عيني دمعها و زفيرها

و بكيت من بعد الحسين عصائبا # أطافت به من جانبيه قبورها

إذا العين قرّت في الحياة و أنتم # تخافون في الدنيا فأظلم نورها

سلام على أهل القبور بكربلاء # و قل لها مني سلام يزورها

____________

(1) هو عمير بن مالك الخزاعي، ذكره ابن النديم، و المرزباني، و انشد هذه الابيات فاطمة بنت الحسين، و توفي سنة 100 هـ تقريبا.

(2) ارمعلت العين: تنابع دمعها.

(3) هو من بني سهم بن عوف بن غالب من أهل المائة الأولى.

172

سلام بآصال العشي و بالضحى # توديه نكباء الرياح و موردها

و لا برح الوفاد زوار قبره # يفوح عليهم مسكها و عبيرها

38-و للكميت بن زيد الأسدي‏

من قصيدة انتخبت منها:

أضحكني الدهر و أبكاني # و الدهر ذو صرف و ألوان‏

لتسعة بالطفّ قد غودروا # فيها جميعا رهن أكفان‏

و ستة لا يتمارى بهم # بنو عقيل خير فرسان‏

و ابن علي الخير مولاهم # فذكرهم هيج أشجاني‏

39-و لسليمان بن قتّة الخزاعي،

و أنشدنيه ركن الإسلام أبو الفضل الكرماني، عن محمّد بن الحسين الأرسابندي:

عين جودي بعبرة و عويل # و اندبي إن بكيت آل الرسول‏

و أندبي تسعة لصلب عليّ # قد اصيبوا و ستة لعقيل‏

و أندبي شيخهم فليس إذا ما # ضمن بالخير شيخهم بالبخيل‏

و أندبي إن ندبت عونا أخاهم # ليس فيما ينوبهم بخذول‏

و سمي النبيّ غودر فيهم # قد علوه بصارم مصقول‏

40-و للسري الرفاء

(1) من قصيدة جاء منها هذا:

أقام روح و ريحان على جدث # ثوى الحسين به ظمآن آمينا

كأنّ أحشاءنا من ذكره أبدا # تطوى على الجمر أو تحشى السكاكينا

مهلا فما نقضوا آثار والده # و إنما نقضوا فيقتله الدينا

____________

(1) هو صاحب الديوان المطبوع المتوفى سنة 366 هـ.

غ

173

41-و لكشاجم‏ (1) من قصيدة طويلة:

إذا تفكرت في مصابهم # أثقب زند الهموم قادحه‏

فبعضهم قربت مصارعه # و بعضهم بعدت مطارحه‏

اظلم في كربلاء يومهم # ثمّ تجلى و هم ذبائحه‏

ذلّ حماه و قلّ ناصره # و نال أقوى مناه كاشحه‏

42-و للسوسي‏ (2) الشاعر رحمه اللّه تعالى‏

من قصيدة:

لهفي على السبط و ما ناله # قد مات عطشانا بكرب الظما

لهفي لمن نكس من سرجه # ليس من الناس له من حمى‏

لهفي على بدر الهدى إذ علا # في رمحه يحكيه بدر الدّجى‏

لهفي على النسوة إذ أبرزت # تساق سبيا بالعنا و الجفا

لهفي على تلك الوجوه التي # ابرزن بعد الصون بين الملا

لهفي على ذاك العذار الذي # علاه بالطّف تراب العرا

لهفي على ذاك القوام الذي # حنته بالطف سيوف العدى‏

43-و له أيضا من قصيدة:

كم دموع ممزوجة بالدماء # سكبتها العيون في كربلاء؟

لست أنسى على الطفوف حسينا # مفردا بين صحبه بالعراء

و كأني به و قد خرّ في الترب # صريعا مخضّبا بالدماء

و كأني به و قد لحظ النسوان # يسلبن مثل هتك الاماء

____________

(1) هو محمود بن الحسين بن السندي بن شاهك أبو الفتح الرملي، يعرف بكشاجم، له ديوان مطبوع، توفي سنة 350 هـ.

(2) هو محمد بن عبد العزيز الكاتب بحلب المتوفى حوالي سنة 370 هـ.

174

44-و له أيضا من قصيدة:

لا عذر للشيعي يرقى دمعه # و دم الحسين بكربلاء اريقا

يا يوم عاشوراء قد غادرتني # ما عشت في بحر الدموع غريقا

فيك استبيح حريم آل محمّد # و تمزّقت أسبابهم تمزيقا

أ أذوق طعم الماء و ابن محمد # ما ذاقه حتى الحمام اذيقا؟

45-و له أيضا من قصيدة:

و كلّ جفني بالسهاد # و عرس‏ (1) الحزن في فؤادي‏

ناع نعى بالطفوف بدرا # أكرم به رائحا و غادي‏

نعى حسينا فدته نفسي # لما أحاطت به الأعادي‏

في فتية ساعدوا و واسوا # و جاهدوا أعظم الجهاد

حتى تفانوا و ظل فردا # فنكسوه عن الجواد

و جاء شمر إليه حتى # جرّعه الموت و هو صاد

و ركب الرأس في سنان # كالبدر يحلو دجى السواد

و احتملوا أهله سبايا # على مطايا بلا مهاد

46-و له أيضا من قصيدة:

أ أنسى حسينا بالطفوف مجدّلا # و من حوله الأطهار كالأنجم الزهر

أ أنسى حسينا يوم سير برأسه # على الرمح مثل البدر في ليله البدر

أ أنسى السبايا من بنات محمّد # يهتكن من بعد الصيانة و الخدر

____________

(1) عرس: نزل و أقام.

175

47-و له أيضا من قصيدة يناح بها:

ألا أبكي على الحسين # يا عين بالغزار؟

وجودي على الغريب # إذا الجار لا يجار

وجودي على النسا # مع الصبية الصغار

وجودي على القتيل # طريحا على القفار

ألا يا بني الرسول # لقد قلّ الاصطبار

ألا يا بني الرسول # خلت منكم الديار

ألا يا بني الرسول # فلا قرّ لي قرار

إذا أذكر الحسين # و ما قد جرى و صار

48-و للصوفي‏ (1) الشاعر من قصيدة:

يا قمر غاب حين لاحا # أورثني فقدك المناحا

يا نوب الدهر لم يدع لي # صرفك في عيشي ارتياحا

أبعد يوم الحسين و يحيى # أستعذب اللهو و المزاحا؟

يا بأبي أنفسا ظماء # ماتوا و لم يشربوا المباحا

يا بأبي سادة صباحا # باكرها حتفها صباحا

يا سادتي يا بني عليّ # بكى الهدى فقدكم و ناحا

يا سادتي يا بني إمامي # أقولها عنوة صراحا

أوحشتم الحجر و المساعي # و البيت و القفر و البطاحا

أوحشتم الذكر و المثاني # و السور الطول الفصاحا

____________

(1) هو طلحة بن عبد اللّه بن محمد بن ابي عون أبو محمد الغساني المصري، توفي حوالي سنة 390 هـ بمصر، و دفن بها.

176

49-و له أيضا من قصيدة:

أيا بضعة من فؤاد النبيّ # بالطّف أضحت كشيبا مهيلا

و يا حبة من فؤاد البتول # بالطّف سلت فأضحت أكيلا

قتلت فأبكيت عين الرّسول # و أبكيت من رحمة جبرئيلا

50-و له أيضا من قصيدة:

لم أنس يوما للحسين و قد ثوى # بالطّف مسلوب الرداء خليعا

ظمآن من ماء الفرات محلئا # ريان من غصص الحتوف نقيعا

يرنو إلى ماء الفرات بطرفه # فيراه عنه محرّما ممنوعا

51-و للصاحب بن عباد من قصيدة جيدة طويلة:

إن لم أكن حربا لحرب كلها # فنفاني الآباء و الأجداد

أو لم افضل أحمدا و وصيه # فهدمت مجدا شاده عبّاد

ساقوا بنات المصطفى مسبية # وحداتها التخويف و الإبعاد

لم يشتفوا إلا بسبي بناته # أ فما كفى التقتيل و الإبعاد؟

يا كربلاء تحدّثي ببلائنا # و بكربنا أنّ الحديث يعاد

أسد نماه أحمد و وصيّه # أرداه كلب قد نماه زياد

فالدّين يبكي و الملائك تشتكي # و الجو أكلف و السنون جماد

52-و لبعضهم فيما يناح به من قصيدة:

يا حسين بن علي # يا قتيل ابن زياد

يا حسين بن علي # يا صريعا في البوادي‏

177

لو رأى جدك بكى # بدموع كالمهاد

أو رأى حيدر أودى # فيه لا سيف المرادي‏

أو رأى فاطم ناحت # نوح ورقاء بواد

و أقامت و هي و لهى # لك تبكي و تنادي‏

ولدي قرّة عيني # كبدي حبّ فؤادي‏

أنت روحي قسّموها # لصعيد و صفاد

لعن اللّه يزيدا # و زيادا لعن عاد

هم أعاد لرسول # اللّه أبناء أعاد

لبعض الشعراء

53-و روي: أنّ أبا يوسف عبد السلام بن محمّد القزويني ثمّ البغدادي، قال لأبي العلاء المعري: هل لك شعر في أهل البيت عليهم السّلام؟فإنّ بعض شعراء «قزوين» يقول فيهم ما لا تقوله شعراء «تنوخ» ، فقال: و ما ذا قال؟قال: يقول:

راس ابن بنت محمّد و وصيه # للناظرين على قناة يرفع‏

و المسلمون بمنظر و بمسمع # لا جازع منهم و لا متوجع‏

أيقظت أجفانا و كنت لها كرى # و أنمت علينا لم تكن بك تهجع‏

كحلت بمنظرك العيون عماية # و أصم نعيك كلّ اذن تسمع‏

ما روضة إلا تمنت أنها # لك مضجع و لخط قبرك موضع‏

فقال المعري: و أنا أقول:

مسح النبيّ جبينه # فله بريق في الخدود

أبواه من عليا قريش # و جدّه خير الجدود

178

54-و لبعضهم في التسلّي:

محن الزمان عظيمة متراكمة # هي بالفوادح و الفواجع ساجمه‏

و إذا الهموم تعاورتك فسلها # بمصاب أولاد البتولة فاطمه‏

55-و من مقالة لي في مرثيته عليه السّلام‏

نثرا و نظما: عباد اللّه، اعلموا أنه استشهد في هذه الأيام، الإمام الهمام الحسين بن علي، نجل البتول، و الوصي، و ثمرة فؤاد النبي، صبت فيها المصائب و الأذى على أهل بيت المصطفى، و ذبح فيها قرّة عين المرتضى، فآه على المجدل بكربلاء، و آه على العترة الطاهرة من الأطفال و النساء، ذبحوا سبط النبي في الشهر الحرام، ثمّ جعلوه هدية لأهل الشام، فويل لمن شفعاؤه خصماؤه، و ويل لمن عترة النبي محمّدا سراؤه:

من يكتسب سخط النبي محمّد # لينال في الدّنيا رضى ابن معاويه‏

حرم الشفاعة في الحساب و سيق في # زمر الضلالة نحو نار حاميه‏

فجزاء قوم حاربوا من دونه # و استشهدوا غرف الجنان العالية

و جزاء من قتل الحسين و حزبه # يوم الجزاء خلوده في الهاويه‏

ما للظلمة طووا عن الدنيا كشحا، و أعرضوا عن الآخرة صفحا؟ اقتحموا الحسين بالعاديات ضجا، و شنوا عليه الغارة صبحا، فقاتل عنه صفوة الأنام، حتى تساقط عنهم الهام، ثمّ قاتل عترة الرّسول دونه، حتى طحنتهم رحى المنايا، و أحاطت بهم سهام الحنايا (1) ، ثمّ برز الليث الصؤول، و الغيث الهطول، نجل المرتضى و البتول، و عليه عمامة جدّه

____________

(1) الحنايا: القسي.

179

الرسول، فذكرهم حقّ جدّه خاتم الأنبياء، و حقّ أبيه سيد الأوصياء، و حقّ امّه فاطمة الزهراء، ليجودوا عليه بشربة من ماء، فجادوا عليه بالسيوف و النبال، فتقدّم عليه السّلام إلى القتال، و صرع مرده الرجال، و أقعص‏ (1) بالحتوف الأبطال، مرّة عن اليمين و مرّة عن الشمال، حتّى صار أهل الضلال بأجمعهم إلبا عليه‏ (2) بالسيوف القواطع، و الأسل الطوال، فرموه و طعنوه و ضربوه حالا بعد حال، و قاتل حتى أضعفته كثرة النصال، ففاز بالشهادة، و سلك إلى آخر مسلك السعادة، فالسلام على الحسين، المقتول يوم الاثنين:

لقد ذبحوا الحسين ابن البتول # و قالوا نحن أشياع الرّسول‏

بقطرة شربة بخلوا عليه # و خاض كلابهم وسط السيول‏

قصارى همهم ريح شمال # و كاسات من الراح الشمول‏

و إنّ موفقا (3) إن لم يقاتل # أمامك يا ابن فاطمة البتول‏

فسوق يصوغ فيك محبرات # تنقل في الحزون و في السهول‏

ثمّ جعل يزيد ينكت بالمخصرة و القضيب ثنايا الحسين النجيب، تلك الثنايا التي كانت مقبل الحبيب، فآه من رزية ما أوجعها!و آه من مصيبة ما أفجعها!شقّوا بألسنة الحياة، حبات القلوب، إذ لا قيمة للحبوب عند المحبوب، و أقضوا حقّ النبي المختار، بإرسال المدامع الغزار على اولئك الأبرار:

نعم باد كاري كربلاء و من بها # تفاقم كربي و استحم بلائي‏

____________

(1) أقعص: مات و حيا.

(2) إلبا: اتفاقا.

(3) يعني نفسه.

180

و انفذ عيني ماؤها ببكائها # عليهم و قد أمددتها بدمائي‏

فيا ويح قوم قتلوهم إذ بدا # شفيعهم من جملة الخصماء

و ساقوا بني بنت النبي محمد # إلى الشام في السوق العنيف كشاء

صفت الدّنيا للطغاة و ذوي العناد، و آل الرسول مشردون في البلاد؛ محجبون إشفاقا على أنفسهم من مكرهم، و نحف أجسامهم خوفا من غائلة كيدهم و غدرهم:

أ يأمن وحش البر غائلة الورى # و آل النبي المصطفى غير آمن‏

تكدرت الدّنيا عليهم و قد صفت # لكلّ عنيد شاطر متماجن‏

أ تقتل سادات العباد، بسيف يزيد بن معاوية؛ و عبيد اللّه بن زياد:

لقد قتلوا التقي ابن التقي # بأسياف الشقي ابن الشقي‏

و قد ذبحوا الحسين بكربلاء # لأمر عبيد الباغي الدعي‏

و أهدوا رأسه في رأس رمح # لنحو يزيد العاتي البغي‏

و ساقوا نسوة المختار أسرى # و قالوا نحن أشياع النبيّ‏

و أجر رسول ربّ العرش لما # أشار به وداد بني عليّ‏

بنات الظلمة في القصور، نواعم في الخدور، يركبن مطايا الشهوات، و يسحبن أذيال الخطايا بالخطوات، و بنات الرسول في الفلوات، مكشوفات الرءوس، تحت الخفقات من السياط و الهفوات:

بنات زياد في القصور قد استوت # على سرر العلياء من كل جانب‏

و إنّ بنات الهاشمي محمّد # رسول الهدى نكبن سير السباسب‏

181

سوافر يندبن الحسين بنوحة # تحلّ بها الأحزان خيط السواكب‏

معاشر المسلمين من كان فيكم مصاب فليتعزّ بمن كان منه أعز، و من كان فيكم مظلوم فليتسلّ، فقد ظلم من منه كان أجل، و من كان فيكم من حالف البلا، فليتذكر مبتلى كربلا، المحروم من الماء، المذبوح من القفا على الظماء، المجدل في تلك التربة، المسوقة نساؤه سوق الاماء، يهون عليه أمر الغربة و عسر الكربة:

إذا ذكرت نفسي مصائب فاطم # بأولادها هانت عليّ مصائبي‏

و لم أتذكر منعهم عن مشارب # على ظمأ إلا و عفت مشاربي‏

أسيغ مياهي بعدهم ثمّ أدّعي # بأني في دعوى الهوى غير كاذب‏

سقوا حسنا سما ذعافا و جدلوا # أخاه حسينا بالقنا و القواضب‏

فضائلهم ليست تعدّ و تنتهي # و إن عددت يوما قطار السحائب‏

و إن يزيدا رام أن يتسفلوا # و أن يتردّوا في مهاوي المعاطب‏

و قد رفع العدل المهيمن حالهم # بمنزلة قعساء فوق الكواكب‏

لبئس ما كان يزيد و حزبه يحتقبون، و ساء ما يرتكبون، و سوف ترونهم في جهنم يصطلون و يصطرخون و يضطربون، فإنهم إلى ربهم راجعون‏ وَ سَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ الشعراء/227، ولي قصيدة طويلة فيهم آخرها:

ففاطمة و مولانا علي # و نجلاه سروري في الكتاب‏

و من يك دأبه تشييد بيت # فها أنا مدح أهل البيت دأبي‏

و إن يك حبّهم هيهات عابا # فها أنا مذ عقلت قريب عاب‏

182

لقد قتلوا عليا إذ تجلى # لأهل الحقّ فحلا في الضراب‏

و قد قتلوا الرضا الحسن المرجى # جواد العرب بالسّمّ المذاب‏

و قد منعوا الحسين الماء ظلما # و جدل بالطعان و بالضراب‏

و قد صلبوا إمام الحق زيدا # فيا للّه، من ظلم عجاب‏

56-و من مقالة لي فيه عليه السّلام‏

: عباد اللّه أ ما تستغربون أحقاد قوم في ذحولهم؟أ ما تتعجبون من آراء امة و عقولهم؟قتال الحسين بن علي ولد رسولهم، و لم يبالوا بالنص الجلي في حفدة نبيهم، ثم لبثوا في شمالهم على شرب شمولهم، و جر فضول ذيولهم، لعائن اللّه و الملائكة على شبانهم، و شيوخهم، و فتيانهم، و كهولهم، أ في صلاتهم يصلّون على محمد و آله، و يمنعونهم من مشرعة الماء و زلاله، و يجمعون على حرب الحسين و قتاله، و يذبحون و لا يستحيون من شيبه و جماله؟أما و اللّه، إن حقّ رسول اللّه على اممه أن يعظموا ترابا ألم بلممه، بل تراب نعل قدمه، بل تراب نعل قدم خادم من خدمه، ثم هؤلاء الطغاة قتلوا شبل أسد ساد في أجمه، و نكتوا بالمخصرة ثنايا فم كانت مراشف فمه، و تنافسوا في ذبحه و إراقة دمه.

نعم، حقّ الرسول أن يكتحلوا بغبار من شعر جسده و هم ذبحوا الحسين «بكربلاء» أكرم ولده، و قرّة عينه، و فلذة كبده، ذلك الفتى الذي نشأ بين يدي الرسول؛ و بين علي الضرغام الصؤول؛ و فاطمة البتول، فسبحان اللّه!ثم سبحان اللّه!من يزيد و عبيد اللّه عدوا اللّه و عدوا رسول اللّه، الناكتين ثنايا حبيب حبيب اللّه. باللّه ثم باللّه، إنّ هذا البلاء المتناه، قولوا عباد اللّه من صميم قلوبكم: آه ثم آه إذ ذبح ولد رسول اللّه بين الطغاة

183

البغاه، و العتاة العماة، ذوي الشقاه، مرتكبي مناهي الملاه، و مانعي شرب المياه، من الحسين المخبت الأواه.

ليت شعري، ما أعذار هؤلاء الشطار الفجار، الدّعار الأشرار، في قتل هؤلاء الأخيار الأحبار عند رسول اللّه المختار، و عند علي الكرار، غير الفرار، صاحب ذي الفقار، و عند فاطمة المستغفرة بالأسحار، ذات العطاء الجاري على الأجنبي و الجار، المشبعة الجائع المروية الصادي الكاسية العار، المتصدقة بما طحنت بنفسها على ذوي المسكنة و اليتم و الإسار، ثلاثة أيام و لياليها بالافطار، إذا جاءت بثوب مخضوب بدم الحسين المقتول بأسياف أصحاب الخمر و الخمار، و القمار و المزمار، و احتوت على ساق عرش الواحد القهار، و رفعت شكواها إلى الملك الجبار، ثم جاء النداء: يا زبانية النار!شدوا الطغاة بالسلاسل و الأغلال من النّار، و سوقوهم إلى أسفل دركات النار، و الطموا بيد الرد و الاحتقار، ما يموهون من هذه الأعذار، فسحقا و تعسا للظلمة ذوي الخسار و الصغار و الأدبار يَوْمَ لاََ يَنْفَعُ اَلظََّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَ لَهُمُ اَللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ اَلدََّارِ غافر/52، و الصلاة على محمّد و آله الأطهار.

و من مقالة لي فيه عليه السّلام: عباد اللّه إن المصيبة بالحسين عليه السّلام من أعظم المصائب، فصبوا فيها شآبيب‏ (1) الدموع السواكب، بتصعيد الزفرات الغوالب، و استنزفوا بالبكاء الدماء، و أعقبوا الكرب و البلاء، بتذكركم أيام كربلاء، نعم، إنّ المصيبة بالمقتول-نجل الرّسول؛ و البتول؛ و عليّ الليث الصؤول-مصيبة لا يجبر كسرها، و لا يمكن جبرها، و شعلة في صدور المؤمنين لا ينطفي جمرها، و عظيمة في العظائم يتجدد على الأيام ذكرها،

____________

(1) شآبيب: جمع شؤبوب و هو الدفعة من المطر.

غ

184

و ليلة بلية رزية لا يتنفس فجرها، و قارعة زلزلت منها الأرض برها و بحرها.

عجبا لمن يتذكر مصارع هؤلاء الأتقياء الشهداء الظماء، من أهل بيت خير صفوة اللّه خاتم الأنبياء، ثمّ يتمتع بعدهم بشربة من الماء، سبحان اللّه! أي ظلم جرى على أصحاب الحراب و المحراب، و أرباب الكتيبة و الكتاب، و فتيان الطعان و الضراب، و رجال العب‏ء و العباب‏ (1) ، قاصمي الأصلاب و قاسمي الأسلاب، و جازمي الرقاب، و هازمي الأحزاب، و فالقي جماجم الأتراب، رواض الصعاب، أحلاس‏ (2) صهوات العراب، أمراء الخطاب المستطاب، ملوك يوم الحساب، سلاطين يوم الثواب و العقاب.

ما عذر كلاب منعوهم عن الطعام و الشراب، و الفرات مكرعة للخنازير و الكلاب؟حبسوا سادة الخلق الأطياب، في صحراء الاكتئاب و الاغتراب، ثمّ ذبحوا تلك النفوس الزكية، و عرضوها للنسور و الذئاب، و عفروا تلك الوجوه البدرية كالبدور بالتراب. هيهات هيهات، لا عذر إلاّ أن يساقوا في عقاب رب الأرباب، بأيدي الملائكة الغلاظ الشداد إلى دار العذاب، الشديدة الالتهاب، الضيقة المسالك و الشعاب.

صفت الدّنيا للطغاة ذوي العناد، و تمهدت أسباب التنعم لذوي العيب و الفساد، و اتسقت أحوال الوجاهة للأنكاد ذوي الأحقاد و نفذت أوامرهم على رقاب العباد، و أوسم لهم‏ (3) مراد المراد، قد قيدت بين أيديهم جنائب الجياد، و عطفت عليهم أجياد أنجاد الأغوار و الأنجاد، و لفظت إليهم الخزائن

____________

(1) العب‏ء: الثقل، و العباب: البحر، فلعله أراد حمالي التكاليف برا و بحرا.

(2) الأحلاس: جمع حلس و هو ما يوضع على ظهر الدابة و يقال فلان حلس بيته أي جليسه الملازم له كالحلس و حلس الصهوات أي ملازم لركوب الخيل.

(3) يعني خصّ لهم رود المراد و مرعاه.

185

نفائس الطارف و التلاد.

و آل الرسول مشرّدون في البلاد، منجحرون في كلّ شعب و واد، و منجحرون في كل سرب و مطمورة و مهواة بغير زاد، مستشعرون الخوف مكتحلون بالسهاد، قد ضربت عليهم الأرض بالأسداد، بنات الظلمة في الخدور و القصور، على سرر السرور، لابسة حبر الحبور، مسبلات الستور، و بنات الرسول في حرّ الشمس و الحرور، و مهب الصبا و الدبور، ضاربات الصدور، فاتقات للشعور، على كسوف تلك الشموس و البدور، و غروبها في مغارب القبور، و مصيرها إلى بطون السباع و حواصل الطيور.

تمتعت اليزيدية و الزيادية تمتعا قليلا، و سيعذبون بذلك عذابا طويلا، يورثهم ذلك العذاب رنة و أنة و عويلا إذا نسوا وراءهم يوما ثقيلا يوم لا ينفع فيه خليل خليلا، و لا يغني عنهم فتيلا إِنْ هُمْ إِلاََّ كَالْأَنْعََامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً الفرقان/44، و صبرت الحسينية أياما قلائل صبرا جميلا، فنالوا بذلك في الجنّة ثوابا جزيلا، و ظلا ظليلا، و فواكه ذلّلت قطوفها تذليلا، و يسقون-لما منعوا من ماء الفرات-كأسا كان مزاجها زنجبيلا، عينا فيها تسمى سلسبيلا.

نعم قد وجدوا بشهادتهم إلها رحيما، برا كريما فأسدى إليهم نعيما مقيما، و أهبّ عليهم من روائح المسك و الكافور و العنبر نسيما، و أفاض عليهم رواء و سيما، و سقاهم عسلا مصفا تسنيما، و اولئك وجدوا الرسول عليهم متغيظا و خصما فاسكنوا جحيما، و ذاقوا بطعمهم زقوما، و سقوا صديدا و حميما: يُدْخِلُ مَنْ يَشََاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَ اَلظََّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذََاباً أَلِيماً الانسان/31.

186

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

187

الفصل الرابع عشر في زيارة تربته صلوات الله عليه و فضلها

188

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

189

1-أخبرنا العلامة فخر خوارزم أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (رحمه اللّه) ، أخبرنا الفقيه أبو الحسن علي بن أبي طالب الفرزادي-بالري-، أخبرنا الفقيه أبو بكر طاهر بن الحسين الرازي، أخبرنا عمي الشيخ الزاهد أبو سعد إسماعيل بن علي بن الحسين السمان الرازي، حدثني أبو محمد القاسم بن محمد الشروطي-إملاء-، حدثني أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه، حدثني أبو رمح، حدثني عبد الأعلى بن واصل الكوفي، حدثني عليّ بن عبد الرحمن القطان، حدثني عبيد بن يحيى بن مهران، عن محمد بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السّلام، عن أبيه، عن جده، عن أبيه، عن جدّه علي بن أبي طالب عليهم السّلام، قال: «زارنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فعملنا له حريرة، و أهدت لنا أم أيمن قعبا من لبن؛ و زبدا؛ و صفحة من تمر، فأكل النبيّ و أكلنا معه، ثم وضأت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقام و استقبل القبلة، فدعا اللّه ما شاء، ثم أكبّ على الأرض بدموع غزيرة مثل المطر، فهبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن نسأله، فوثب الحسين فقال:

190

يا أبتي!رأيتك تصنع ما لم أرك تصنع مثله!فقال: يا بني!إني سررت بكم اليوم سرورا لم اسر بكم مثله، و أن حبيبي جبرئيل عليه السّلام أتاني، فأخبرني:

أنكم قتلى، و أن مصارعكم شتى فدعوت اللّه لكم و أحزنني ذلك، فقال الحسين: يا رسول اللّه!فمن يزورنا على تشتتنا، و يتعاهد قبورنا؟قال:

طائفة من امتي يريدون بري و صلتي، فإذا كان يوم القيامة شهدتها بالموقف، و أخذت بأعضادها فأنجيتها-و اللّه-، من أهواله و شدائده» .

2-أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو جعفر محمد بن عمر بن أبي علي -كتابة-، أخبرنا الشيخ الإمام أبو الحسين زيد بن الحسن بن علي البيهقي، أخبرنا السيد الإمام النقيب عليّ بن محمد بن جعفر الحسني، حدثنا السيد الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون الحسني، أخبرنا أبي، أخبرنا أبو أحمد إسحاق بن أحمد المقري-بالكوفة-، حدثنا عبد اللّه بن محمد الأيادي، حدثنا عمر بن مدرك، حدثنا محمد بن زياد المكي، أخبرنا جرير ابن عبد الحميد، عن الأعمش، عن عطية العوفي، قال: خرجت مع جابر ابن عبد اللّه الأنصاري زائرا قبر الحسين بن علي فلما وردنا كربلاء، دنا جابر من شاطئ الفرات فاغتسل، ثم اتزر بإزار و ارتدى بآخر، ثم فتح صرّة فيها سعد فنثره على بدنه، ثم إنّه لم يخط خطوة إلاّ ذكر فيها اللّه تعالى، حتى إذا دنا من القبر قال: المسنية يا عطيّة!فألمسته، فخر على القبر مغشيا عليه، فرششت عليه شيئا من الماء، فلما أفاق قال: يا حسين يا حسين-ثلاثا-ثمّ قال: حبيب لا يجيب حبيبه، و أنى لك بالجواب، و قد شخبت أوداجك على أثباجك، و فرق بين رأسك و بدنك؟فأشهد أنّك ابن خاتم النبيين، و ابن سيد الوصيين، و حليف التقى، و سليل الهدى، و خامس أصحاب الكساء، و ابن سيد النقباء، و ابن فاطمة سيدة النساء، و مالك لا تكون هكذا، و قد

191

غذتك كفّ محمّد سيد المرسلين، و ربيت في حجور المتقين، و أرضعت من ثدي الإيمان، و فطمت حيا، و طبت عيشا، غير أنّ قلوب المؤمنين غير طيبة بفراقك، و لا شاكة في الخيرة لك، فعليك سلام اللّه و رضوانه، فأشهد أنك مضيت على ما مضى يحيى بن زكريا.

قال عطية: ثمّ جال ببصره حول القبر، فقال: السلام عليكم أيتها الأرواح الطيبة التي بفناء الحسين أناخت برحله؟أشهد أنكم قد أقمتم الصلاة، و آتيتم الزكاة، و أمرتم بالمعروف، و نهيتم عن المنكر، و عبدتم اللّه حتى أتاكم اليقين، فو الذي بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بالحق لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه.

قال عطيّة: فقلت لجابر بن عبد اللّه: فكيف و لم نهبط واديا، و لم نعل جبلا، و لم نضرب بسيف، و القوم قد فرق بين رءوسهم و أبدانهم، فاوتمت الأولاد، و ارملت الأزواج؟فقال لي: يا عطية!سمعت جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، قال: «من أحبّ قوما حشر معهم، و من أحبّ عمل قوم اشرك في عملهم» .

أحدر بي نحو أبيات كوفان، فلما صرنا في الطريق، قال: يا عطية! هل اوصيك، و ما أظنني بعد هذه السفرة الاقيك؟أحب محبّ آل محمّد ما أحبهم، و أبغض مبغض آل محمد ما أبغضهم، و إن كانوا صوّاما قوّاما.

3-و أخبرنا الشيخ الفقيه العدل الحافظ أبو بكر عبيد اللّه بن نصر الزاغوني-بمدينة السّلام منصرفي من السفرة الحجازية-، أخبرنا الشيخ الجليل أبو الحسن محمد بن إسحاق بن الباقرحي، أخبرنا أبو عبد اللّه الحسين بن الحسن بن علي بن بندار، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان، أخبرنا أبو القاسم عبد اللّه بن أحمد بن عامر

192

ابن سليمان ببغداد في باب المحوّل، حدّثني أبي أحمد بن عامر بن سليمان الطائي، حدثني أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا، حدثني أبي موسى بن جعفر، حدثني أبي جعفر بن محمد، حدثني أبي محمد بن علي الباقر، حدّثني أبي علي بن الحسين، حدثني أبي الحسين بن عليّ، حدثني أبي عليّ ابن أبي طالب عليهم السّلام، قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: كأني بالقصور قد شيدت حول قبر الحسين، و لا تذهب الأيام و الليالي حتى يسار إليه من الآفاق، و ذلك عند انقطاع ملك بني مروان» .

4-و بهذا الإسناد، قال جعفر بن محمّد-و سئل عن زيارة قبر الحسين عليه السّلام-: «أخبرني أبي قال: من زار قبر الحسين عارفا بحقه، كتبه اللّه عزّ و جلّ في عليين» .

5-و بهذا الإسناد، قال: «إنّ حول قبر الحسين سبعين ألف ملك شعثا غبرا يبكون عليه إلى أن تقوم السّاعة» .

6-و أخبرني الحافظ سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الدّيلمي-في ما كتب إليّ من همدان-، أخبرني الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن زنجويه الزنجاني-بقراءتي عليه بزنجان سنة خمسمائة-، أخبرني الحسين بن محمد الفلاكي، أخبرني أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، أخبرني عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، أخبرني أبي أحمد بن حنبل، عن عبد اللّه بن محمد التيمي، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس ابن مالك، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إنّ موسى بن عمران سأل ربّه عز و جلّ زيارة قبر الحسين بن عليّ، فزاره في سبعين ألف من الملائكة» .

و روي مثل ذلك، عن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام.

7-و ذكر الإمام أحمد بن أعثم الكوفي في «فتوحه» بإسناده إلى كعب‏

193

الأحبار: أنّه لما أسلم زمن عمر بن الخطاب، و قدم المدينة، و جعل أهل المدينة يسألونه عن الملاحم التي تكون في آخر الزمان، فكان يخبرهم بأنواع الملاحم و الفتن، و يقول: و أعظمها ملحمة هي الملحمة التي لا تنسى أبدا، و هي الفساد الذي ذكره اللّه تعالى في كتابكم، فقال: ظَهَرَ اَلْفَسََادُ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ الروم/41، و إنما فتح بقتل قابيل هابيل، و يختم بقتل الحسين بن علي عليه السّلام.

ثم قال كعب: لعلكم تهونون قتل الحسين، أو لا تعلمون أنّه تفتح يوم قتله أبواب السماوات كلّها؟و يؤذن للسماء بالبكاء فتبكي دما عبيطا؟فإذا رأيتم الحمرة قد ارتفعت من جنباتها-شرقيا و غربيا-فاعلموا أنها تبكي حسينا.

فقيل له: يا أبا إسحاق!كيف لم تفعل ذلك بالأنبياء و أولاد الأنبياء من قبل، و بمن كان خيرا من الحسين؟فقال كعب: ويحكم، إنّ قتل الحسين لأمر عظيم، لأنه ابن بنت خير الأنبياء، و أنه يقتل علانية مبارزة ظلما و عدوانا، و لا تحفظ فيه وصيّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و هو مزاج مائه، و بضعة من لحمه، فيذبح بعرصة «كربلاء» في كرب و بلاء، و الذي نفس كعب بيده؛ لتبكيه زمرة من الملائكة في السّماوات، لا يقطعون بكاءهم عليه آخر الدهر، و أن البقعة التي يدفن فيها خير البقاع بعد بيت مكة و المدينة و بيت المقدس، و ما من نبي إلاّ زارها، و قد بكى عليها، و لها في كل يوم زيارة من الملائكة بالتسليم، فإذا كانت ليله جمعة أو يوم جمعة نزل إليها سبعون ألف يزورونه و يبكون عليه و يذكرون فضله و منزلته عندهم، و أنّه ليسمى في السماوات:

الحسين المذبوح، و في الأرض: أبا عبد اللّه المقتول و في البحار: الفرخ الأزهر المظلوم.

194

و أنه يوم يقتل تنكسف في النهار الشمس و في الليل القمر، و تدوم الظلمة على الناس ثلاثة أيام، و تدكدك الجبال و تغطمط البحار (1) ، و لو لا بقية من ذريته و ذرية محمّد صلّى اللّه عليه و آله، و محبي محمّد و محبي أبيه و أمه، يطلبون بدمه، و يأخذون بثاره، لصبّ اللّه عليهم من السماء نيرانا.

ثم قال كعب: لعلكم تتعجبون مما حدثتكم من أمر الحسين، أو لا تعلمون أنّ اللّه تبارك و تعالى لم ينزل شيئا كان أو يكون في آخر الدّنيا و أوائلها الاّ و قد فسره لموسى، و ما من نسمة خلقت و مضت من ذكر أو انثى إلاّ و قد رفعت الى آدم و عرضت عليه؟و لقد عرضت على آدم هذه الامة خاصة، فنظر إليها و إلى اختلافها و تكالبها على هذه الدنيا فقال: «يا ربّ! ما لهذه الامة و تكالبها على الدنيا، و هم خير امة و أفضلها» ؟فأوحى اللّه تعالى إليه: أن يا آدم!هذا أمري في خلقي، و قضائي في عبادي، يا آدم!إنهم اختلفوا فاختلفت قلوبهم، و سيظهرون في الأرض الفساد كفساد قابيل حين قتل هابيل و سيقتلون فرخ حبيبي محمد صلّى اللّه عليه و آله.

و مثل لآدم مقتل الحسين، و ثوب أمّة جدّه عليه، فنظر آدم إليهم مسودة وجوههم، فقال: «يا رب!أبسط عليهم الانتقام كما قتلوا فرخ هذا النبي المكرم عليك» .

قال هبيرة بن يريم: حدّثني أبي، قال: لقيت سلمان الفارسي فحدثته بهذا الحديث، فقال سلمان: لقد صدقك كعب، و أنا ازيدك في ذلك: أنّ كل شي‏ء في الأرض يبكي على الحسين إذا قتل، حتى النجم و نبات الأرض، و لا يبقى شي‏ء من الروحانيين إلاّ و يسجد ذلك اليوم، و يقول:

إلهنا و سيدنا!أنت الحكيم العليم، ثمّ لا يرفعون رءوسهم حتى ينادي ملك

____________

(1) الغطمطة: اضطراب موج البحر.

غ

195

السماء و الأرض: أن يا معشر الخليقة!ارفعوا رءوسكم، فقد وفيتم لربّ العزّة.

قال: ثمّ أقبل عليّ سلمان فقال: يا يريم!إنك لو تعلم يومئذ كم من عين تعود سخينة كئيبة حزينة، قد ذهب نورها، و عشي بصرها ببكائها على الحسين بن علي، و لقد صدقك كعب فيما حدثك، عن كربلا أنها أرض كرب و بلاء.

و الذي نفس سلمان بيده، لو أني أدركت أيامه، لضربت بين يديه بالسيف، أو اقطع بين يديه عضوا عضوا، فأسقط بين يديه صريعا، فإن القتيل معه يعطى أجر سبعين شهيدا كلّهم كشهداء «بدر» و «احد» و «حنين» و «خيبر» .

ثم قال سلمان: يا يريم!ليت أم سلمان اسقطت سلمان، أو كان حيضة و لم يسمع بقتل الحسين بن فاطمة، ويحك، يا يريم!أ تدري من حسين؟ حسين سيد شباب أهل الجنّة على لسان محمد صلّى اللّه عليه و آله، و حسين لا يهدأ دمه حتى يقف بين يدي اللّه سبحانه و تعالى، و حسين من تفزع لقتله الملائكة.

ويحك، يا يريم أتعلم كم من ملك ينزل يوم يقتل الحسين؟و يضمه إلى صدره، و تقول الملائكة بأجمعها: إلهنا و سيدنا هذا فرخ رسولك، و مزاج مائه، و ابن بنته.

يا يريم!إن أنت أدركت أيام مقتله، و استطعت أن تقتل معه، فكن أوّل قتيل ممن يقتل بين يديه، فإنّ كلّ دم يوم القيامة يطالب به بعد دم الحسين و دماء أصحابه، الذين قتلوا بين يديه.

و انظر يا يريم!إن أنت نجوت و لم تقتل معه، فزر قبره، فإنه لا يخلو من الملائكة أبدا، و من صلّى عند قبره ركعتين، حفظه اللّه من بغضهم‏

196

و عداوتهم حتى يموت.

قال هبيرة: فأما سلمان فمات بالمدائن في خلافة عمر بن الخطاب، و أما يريم فإنه لم يلحق لذلك.

8-قيل: إن على قبر الحسين عليه السّلام مكتوبا: «من عظم أمر اللّه أجاب المولى سؤاله، و من حرّم نهيه قبل المولى عذره، و من مات من مخافته غفر المولى ذنبه، و من ذكر اسمه عز و جل رفع المولى في الدارين قدره» .

9-و قيل: كان مكتوبا على سيف الحسين عليه السّلام: «البخيل مذموم، و الحريص محروم، و الحسود مغموم» . انتهى.

197

الفصل الخامس عشر في ذكر انتقام المختار بن أبي عبيد الثقفي من قاتلي الحسين صلّى اللّه عليه و آله‏

198

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

199

ذكر نسب المختار بن أبي عبيد الثقفي‏

1-ذكر أبو محمّد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الكاتب القتيبي الدينوري، في كتاب «المعارف» : أنّ المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي من الأحلاف، و أنّ مسعودا جده هو عظيم القريتين، فولد مسعود سعدا و أبا عبيد، فكان سعد عامل علي بن أبي طالب عليه السّلام على المدائن؛ و له عقب بالكوفة، و أما أبو عبيد فولاه عمر بن الخطاب جيشا فيهم من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فلقي الخرذد الحاجب بـ- «قس الناطف» من الكوفة و هو على فيل، فضرب أبو عبيد الفيل فوقع عليه الفيل فمات، فولد أبو عبيد المختار؛ و صفية؛ و جبرا؛ و أسيدا، فأمّا جبر فقتل مع أبيه «يوم الفيل» و لا عقب له، و أما صفية فكانت تحت عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، و أما المختار فغلب على الكوفة زمن مصعب بن الزبير، و كان يزعم أنّ جبرئيل يأتيه، و تتبع قتلة الحسين بن علي عليه السّلام.

200

فقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص، و ابنه حفص بن عمر، و قتل شمر ابن ذي الجوشن الضبابي، و وجه إبراهيم بن مالك الأشتر فقتل عبيد اللّه بن زياد و غيره، و خرج نفر من أهل الكوفة فقدموا البصرة يستغيثون بهم و يستنصرونهم على المختار، فخرج أهل البصرة مع مصعب فقاتلوه بالكوفة.

فقتل المختار عبيد اللّه بن علي بن أبي طالب-و هو في عسكر مصعب لا يعرف-، و محمد بن الأشعث بن قيس، ثم ظفر بالمختار فقتل، قتله صراف بن يزيد الحنفي، و كانت ابنة سمرة بن جندب تحته و له ابنان: إسحاق و محمد، و من غيرها بنون و عقبه بالكوفة كثير، قيل: و كان المختار أوّل من لبس الدراعة.

2-و ذكر الإمام عبد الكريم بن محمد بن حمدان في «تاريخه» : إن أبا عبيد بن مسعود-أبا المختار-كان من الفرسان المذكورين؛ و الشجعان المعدودين، فلمّا رجع المثنى بن حارثة من القادسية حين بلغه وفاة أبي بكر إلى عمر، و اشتدت شوكة الفرس، و جمع يزد جرد قواده المذكورين لحرب المسلمين، قام عمر بن الخطاب خطيبا فقال: أيها الناس!قد وعدكم اللّه تعالى على لسان نبيه محمد كنوز كسرى و قيصر، فمن ينتدب منكم لقتال الفرس؟فسكت الناس لما ذكر الفرس، و فيهم المهاجرون و الأنصار بأجمعهم، فقام أبو عبيد بن مسعود الثقفي-أبو المختار-، فقال: أنا يا أمير المؤمنين!أوّل من أجاب إلى ما دعوتنا إليه. فأثنى عليه عمر بن الخطاب، ثم انتدب بعده ناسا كثيرين من المهاجرين و الأنصار، فلما أجمعوا على المسير، قيل لعمر: يا أمير المؤمنين!أمر على الناس رجلا من المهاجرين أو الأنصار، فقال: لا و اللّه، لا أومر إلا من سبق الى الإجابة.

فأمر على الجيش أبا عبيد بن مسعود الثقفي، ثم ارتحل من المدينة