مقتل الحسين عليه السلام - ج2

- الخطيب الخوارزمي المزيد...
312 /
201

و نزل الحيرة بعسكره، و خرج إليه رستم في جمع كثيف، فكتب إليه أبو عبيد بن مسعود: السلام على من اتبع الهدى، أدعوكم لهداية الإسلام، فإن قبلتم و إلاّ فاعتقدوا مني الذمة، و إلاّ قاتلتكم برجال هم أحرص على الموت منكم على الحياة، ثم لا أقلع عنكم حتى أقتل رجالكم و أسبي نساءكم.

فبعث إليه رستم جالينوس في جمع عظيم مقدمة له، فاقتتلوا قتالا شديدا، و هزم العدو هزيمة فاحشة، و حلف أبو عبيد الأمير ليقطعن إليهم الفرات، فأمر ابن صلوبا فاتخذ له جسرا على الفرات، فصار مثلا من ذلك الوقت-جسر أبي عبيد-، و ورخ يوم جسر أبي عبيد لحوادث كثيرة، ثم عبر إليهم الفرات.

و جاء رستم في جمع عظيم يقدمه الفيل من أعظم ما يكون، و لم يكن للعرب عهد بالفيل، فشد الفيل على المسلمين فأهلك ناسا منهم، و كانت دومة امرأة أبي عبيد قد رأت في تلك الليلة كأن رجلا نزل من السماء بقدح من الشراب، فشرب منه أبو عبيد و ابنه جبر بن أبي عبيد في اناس من أهله فحكت ذلك لزوجها، فقال: هذه و اللّه، الشهادة إن شاء اللّه.

ثمّ قال أبو عبيد: أيها الناس!إن قتلت فعليكم ابني جبر، و إن قتل جبر فعليكم المثنى بن حارثة، فلما رأى أبو عبيد ما يصنع الفيل بالمسلمين قال: هل لهذه الدابة من مقتل؟قالوا: نعم، إذا قطع مشفرها هلكت. فشدّ أبو عبيد على الفيل، و ضرب مشفره فقطعه، و برك الفيل عليه فقتله، و انهزم المسلمون فسبقهم عبد اللّه بن مرئد إلى الجسر فقطعه، و قال: قاتلوا عن أميركم!فأخذ الراية ابنه جبر فقتل أيضا، ثم أخذها المثنى فقاتل قتالا شديدا حتى هزم اللّه العدو، فهلك يوم الجسر أربعة آلاف رجل بين غريق و قتيل، ثم بعد هذا أمر عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص على حرب العراق،

202

و هذه القصة طويلة ذكرنا منها فصلا، لنذكر فيه لأبي عبيد-أبي المختار- فضلا، و قد نسج المختار على منوال أبيه في فضله و زاد بانتقامه من قتلة الحسين و من اشترك في قتله.

قال الإمام أبو محمد أحمد بن أعثم الكوفي: و لما رجع محمد بن الحنفية من يزيد تحرك عبد اللّه بن الزبير بمكة، و دعا إلى نفسه فبعث عبد اللّه ابن مطيع العدوي؛ و العباس بن سهل الأنصاري؛ و جماعة من أبناء المهاجرين و الأنصار، فأتوا محمد بن الحنفية، فقالوا له: يا أبا القاسم إنا عزمنا على قتال يزيد بن معاوية، و هذا عبد اللّه بن الزبير قد بايعناه، و نريد أن تكون يدك مع أيدينا، فقال: لا أفعل ذلك، قالوا: و لم؟قال: لأني بايعت يزيد و أخذت جائزته، و لم أخلعه و لم أخنه، قالوا: فلم بايعته و أنت أنت؟قال: بايعته خوفا على نفسي و ولدي و من بقي من أهل بيتي، لأني رأيت الحسين قد قتل فلم آمن يزيد على نفسي، و رأيت أخي الحسن قد بايع معاوية و أخذ جائزته، و الحسن أفضل مني، فإن بايعت فلي اسوة بأخي.

فقالوا له: إنّ أخاك الحسن رأى رأيا، فقال: و أنا أيضا رأيت ذلك الرأي، فقالوا: يا هذا!إنّ يزيد يشرب الخمر؛ و يلعب بالكلاب و القرود؛ و قد فسق و فجر و كفر، فقال لهم: إني كنت عنده مقيما فلم أطلع منه على كفر و لا فسوق و لا فجور إلى وقت انصرافي، و أكثر ما ينتهي إليّ من خبره:

أنّه يشرب هذا المسكر، و قد نهيته عن ذلك، و قضيت ما عليّ، و لن يؤاخذني ربي بذنبه، فقالوا له: إنه ليأتي من المنكر و الفواحش و لكنه لم يطلعك على ذلك. فقال لهم محمد: هل اطلعكم على ذلك منه؟فو اللّه، لئن كان أطلعكم على ما ذكرتم منه فأنتم شركاؤه في فعله إذ رأيتم منه شيئا من المنكر فلم لا تغيرونه؟و إن كان لم يطلعكم على شي‏ء من ذلك فقد شهدتم‏

203

بغير الحق، فاتقوا اللّه يا هؤلاء!على أنفسكم و كفوا عما أزمعتم عليه، فإني خائف عليكم أن تسفكوا دماءكم بغير حق.

فأطرق القوم ساعة ثم قالوا له: يا أبا القاسم!لعلك إنما تكره البيعة لابن الزبير لأنك ترى أنك أحق بالبيعة منه، فإن كنت كارها لهذا الشأن فاخرج بنا حتى نبايعك، فقال: أنا لا أستحل القتال تابعا و لا متبوعا، فقالوا: لقد قاتلت مع أبيك يوم الجمل و صفين و النهروان، فتبسم و قال:

ويحكم، و أين تجدون مثل أبي في دهركم؟فو اللّه، لو لا أن أبي قاتل أهل القبلة، لما علم أحد كيف يقاتلهم؟و لكنه كان لا يتبع موليا، و لا يجهز على جريح، و لا يدخل دارا إلا بإذن صاحبها، فقالوا له: و اللّه، لا نفارقك حتى تخرج معنا، و تبايع من قد بايعنا، فقال لهم: لا و اللّه، لا خلعت من بايعت، و لا بايعت من لم يجعل اللّه له في عنقي بيعة، فاتقوا اللّه ربكم و اذكروا ما نزل بأخي الحسين و ولده و بني عمه و شيعته فإني لكم نذير مبين، يا قوم!لا ترضوا أحدا من عباد اللّه بسخط اللّه.

فانصرف القوم إلى عبد اللّه بن الزبير فأخبروه فسكت، و لعبد اللّه بن الزبير بعد ذلك محاورات و منازعات معه و مع عبد اللّه بن عباس يطول الكتاب بذكرها، فلنذكر ما نحن بصدده.

قال: ثم تحدّث أهل الكوفة بشي‏ء من أمر عبد اللّه بن الزبير، فقدم عبيد اللّه بن زياد من البصرة، و دعا بخليفته عمرو بن حريث المخزومي فقال له: ويحك يا عمرو بلغني عن ابن الزبير أمر لا أدري أمر لا أدري أحقّ هو أم باطل، و لست أخاف على أمير المؤمنين من ابن الزبير، و إنما أخاف عليه من هؤلاء الترابية، فهل تعلم أحدا بالكوفة ممن يتولى عليا و ولده فإني لا أعلم؟فوثب إليه عمارة بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط فقال له: هذا المختار بن أبي عبيد

204

الثقفي و هو الذي كان يؤلب علينا الناس بالأمس حين خرج عليك مسلم بن عقيل، و قد كان فيما مضى عثمانيا، فقد صار اليوم ترابيا، فدعا بالمختار، فلما دخل عليه قال له: يا ابن أبي عبيد!أنت المقبل أمس بالجيوش لنصرة مسلم بن عقيل علينا، و أنت تتولى أبا تراب و ولده؟فقال المختار: أما علي و ولده فإني احبهم لمحبة رسول اللّه، و أما نصرتي لمسلم بن عقيل فلم أفعل، و هذا عمرو بن حريث يعلم ذلك، و هو شيخ الكوفة يعلم أني في ذلك الوقت كنت لازما منزلي، فاستحى عمرو بن حريث أن يشهد على الرجل في مثل ذلك الوقت فيقتل؟غير أنه قال: صدق أعزّ اللّه الأمير إنه لم يقاتل مع مسلم بن عقيل، و لقد كذب عليه في هذا، فإن رأى الأمير أن لا يعجل عليه فإنه من أبناء المهاجرين (يريد بالمهاجرين: من شهد ثلاثين زحفا مع خالد بن الوليد بالعراق و الشام، فان عمر بن الخطاب ألحق مثل هؤلاء بأبناء المهاجرين في العطاء، فسمّوا المهاجرين للعطاء، و لهجرتهم أوطانهم و نزولهم بالعراق و مجاورتهم الفرس) .

قال: فرفع ابن زياد قضيبا كان في يده و اعترض به وجه المختار، فشتر به عينه، فصار المختار من ذلك الوقت أشتر، و قال له: و قال له: يا عدو اللّه!لو لا شهادة عمرو بن حريث لضربت عنقك، ثم قال: انطلقوا به إلى السجن، فسجن.

3-و ذكر ابن مخنف: إنّ عبيد اللّه بن زياد إنما حبس المختار بعد قتل مسلم قبل قتل الحسين فكان محبوسا في سجنه يوم قتل الحسين، ثم إنّ المختار بعث إلى زائدة بن قدامة فسأله أن يسير إلى عبد اللّه بن عمر ابن الخطاب و هو ختن المختار على اخته صفية بنت أبي عبيد فيخبره، فسار و أخبره، فاغتم لذلك عبد اللّه و جزعت اخته صفية جزعا شديدا و اتقت عليه‏

205

من ابن زياد أن يقتله و بكت كثيرا، فقال لها عبد اللّه: كفي بكاءك فإني سأعمل في خلاصه إن شاء اللّه و لا قوة إلاّ باللّه.

ثم كتب ابن عمر إلى يزيد: أما بعد فإن المختار بن أبي عبيد صهري و خال ولدي، و قد حبسه ابن زياد بالكوفة على الظن و التهمة، و أنا أطلب منك أن تكتب إليه ليخلي سبيله، فإنه أحق بالعفو و الصفح الجميل إن شاء اللّه. فلما ورد الكتاب على يزيد تبسم ضاحكا و قال: يشفع أبو عبد الرحمن في صهره فهو أهل لذلك، و كتب الى عبيد اللّه بن زياد: أما بعد فخل سبيل المختار ساعة تنظر في كتابي هذا و السلام.

فلما قرأ عبيد اللّه كتاب يزيد أخرج المختار من حبسه، و قال له: إني أجلتك ثلاثا فإن أصبتك في الكوفة بعد الثلاث ضربت عنقك.

4-و ذكر محمد بن إسحاق صاحب السيرة: إن عبيد اللّه لما قتل ابن عفيف الأنصاري و جاءت الجمعة الثانية، صعد المنبر و بيده عمود من حديد، فخطب الناس و قال في آخر خطبته: الحمد للّه الذي أعز يزيد و جيشه بالعز و النصر، و أذل الحسين و جيشه بالقتل، فقام إليه سيد من سادات الكوفة و هو المختار بن أبي عبيد فقال له: كذبت يا عدو اللّه و عدو رسوله!بل الحمد للّه الذي أعزّ الحسين و جيشه بالجنّة و المغفرة، و أذلك و أذلّ يزيد و جيشه بالنار و الخزي، فحذفه ابن زياد بعموده الحديد الذي كان في يده فكسر جبينه، و قال للجلاوزة: خذوه!فأخذوه.

فقال أهل الكوفة: أيها الأمير!هذا هو المختار، و قد عرفت حسبه و نسبه و ختنه عمر بن سعد، و ختنه الآخر عبد اللّه بن عمر فأوجس في نفسه خيفة فحبس المختار و لم يتجرأ على قتله، فكتب المختار إلى عبد اللّه كتابا شرح فيه القصة، فكتب ابن عمر إلى يزيد: أما بعد أ فما رضيت بأن قتلت‏

206

أهل نبيك حتى و ليت على المسلمين من يسب أهل بيت نبينا، و يقع فيهم على المنبر عبر عليه ابن عفيف فقتله، ثم عبر عليه المختار فشجه و قيده و حبسه، فإذا أنت قرأت كتابي هذا فاكتب الى ابن زياد باطلاق المختار، و إلاّ فو اللّه، لأرمين عبيد اللّه بجيش لا طاقة له به و السلام.

فلما قرأ يزيد الكتاب غضب من ذلك و كتب إلى ابن زياد: أما بعد فقد وليتك العراق و لم اولك على أن تسب آل النبي على المنابر و تقع فيهم، فإذا قرأت كتابي هذا فاطلق المختار من حبسك مكرما، و إياك إياك أن تعود إلى ما فعلت، و الاّ فو الذي نفسي بيده، بعثت إليك من يأخذ منك الذي فيه عيناك.

فلما ورد الكتاب على ابن زياد اخرج المختار من حبسه و دعا بمشايخ الكوفة و سلمه إليهم سالما، فخرج المختار من الكوفة هاربا نحو الحجاز، و لما صار بواقصة إذا هو برجل من أهل الكوفة يقال له: صقعب بن زهير، فسلّم عليه و قال: يا أبا إسحاق!مالي أرى عيناك على هذه الحالة صرف اللّه عنك السوء؟فقال له: اعترضها هذا الدعي عبد بني علاج ابن زياد، فقال له صقعب: ما له شلّت يمينه شلا عاجلا؟فقال له: نعم، يا صقعب!، و قتلني اللّه إن لم أقتله و أقطع أعضاءه عضوا عضوا و إربا إربا، و لكن أخبرني عن ابن الزبير أين تركته؟قال: تركته بمكة، و هو يظهر العداوة ليزيد، و أظنه يبايع سرا، فضحك المختار و قال: اللّه أكبر!بشرك اللّه بخير، فو اللّه، إنه لرجل قومه، و هو من أولاد المهاجرين، و إني لأرى الفتنة قد أرعدت و أبرقت، و كأنك بي يا صقعب!و قد خرجت و كان ما سمعت، و قيل لك:

إنّ المختار بن أبي عبيد قد خرج في عصابة من المؤمنين يطلب بدم ابن بنت نبي العالمين؛ و ابن سيد الوصيين الحسين بن علي و ابن فاطمة، فو ربك، ـ

207

يا صقعب!لأقتلنّ به عدد الذين قتلوا بيحيى بن زكريا.

فقال صقعب: إنّ من أعجب القول أن يكون هذا منك!فقال: نعم و اللّه، إنه كائن لا محالة وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ص/88، و جعل يقول:

و الذي أنزل القرآن، و بين الفرقان، و شرع الأديان، و كتب الإيمان، و كره العصيان، لأقتلن العتاة من أزد عمان و مذحج و همدان و بهران و خولان و بكر و نبهان و عبس و دودان، و قبائل قيس عيلان، غضبا لابن بنت نبي الرحمن.

ثم ضرب المختار راحلته و مضى حتى قدم مكة، فدخل على عبد اللّه ابن الزبير، فرحب به و قرّبه و سأله عن أهل الكوفة، فقال المختار: هم في السر أعداء، و في العلانية أولياء، فقال ابن الزبير: هذه و اللّه، صفة عبيد السوء، إذا حضر مواليهم خدموهم و أطاعوهم، و إذا غابوا عنهم شتموهم و لعنوهم، فقال المختار له: ذرني من هذا، و لكن أبسط يدك حتى ابايعك و أعطني ما أرضى به بأن تبث بي على أهل الحجاز حتى آخذها لك، فإن أهل الحجاز كلهم معك و أنت أقرب إلى جماعة الناس و أرضى عند ذوي النهى من يزيد.

فسكت ابن الزبير و لم يرد عليه شيئا، فخرج المختار مغضبا و مضى إلى الطائف، فأقام بها حولا عند بني عمه من ثقيف، و افتقده ابن الزبير فسأل عنه، فقال له بعض أصحابه: ما رأيته منذ خرج من عندك، فما كان بأسرع من أن قدم المختار من الطائف، فدخل المسجد و استلم الحجر، و طاف و صلّى ركعتين و جلس، فجاءه قوم من أهل مكة فسلموا عليه و جلسوا إليه، فعلم ابن الزبير بقدومه، و قال: إني لا أراه يصير إلينا.

فقال له العباس بن سهل الأنصاري: إن شئت أتيتك بخبره، فقال له‏

208

ابن الزبير: نعم، فافعل، فجاء العباس إلى المختار و سلّم عليه، و سأله عن بني عمه بالطائف، ثم قال له: يا أبا إسحاق!ليس مثلك من يغيب عما اجتمع عليه أهل الشرف و بيوتات العرب، فقال المختار: و ما ذاك؟قال: انه لم تبق قبيلة من العرب إلاّ جاء عميدها و زعيمها فبايع عبد اللّه بن الزبير، فعجب منك و من رأيك أن لا تكون آتيته فأخذت بحظك من هذا الأمر، فقال يا أخا الأنصار!إنّك لتعلم أني أتيته في العام الماضي، و أشرت عليه بالرأي و دعوته إلى حظه، فطوى أمره دوني و أراني نفسه مستغنيا عني فأحببت أن يراني مستغنيا عنه، فو اللّه، لهو أحوج إليّ مني إليه، فقال العباس: صدقت يا أبا إسحاق!قد كان ذلك، غير أنك كلمته و هو ظاهر في المسجد، و هذا كلام لا يكون إلاّ و الستور دونه مسدولة و الأبواب فوقها مغلقة، و لكن ألقه الليلة و أنا معك حتى تسمع كلامه و يسمع كلامك، قال:

نعم.

فلمّا صليت العشاء الآخرة ذهب المختار و العباس إلى ابن الزبير، فمد يده ابن الزبير إلى المختار و صافحه و رحب به و سأله عن حاله؟ثم قال:

يا أبا إسحاق!إنك كلمتني بذاك الكلام و الناس حضور و للحيطان آذان، و ليس من أحد إلاّ و له عدو و صديق، و هذا وقت خلوة فهات ما بدا لك، فقال المختار: إنه لا خير في الإكثار من الكلام و لا حظ في التقصير عن الحاجة، و أنت اليوم رجل قومك و قد جئتك لابايعك على أن لا تقضي الامور دوني، و على أن أكون أوّل من تأذن له و آخر من يخرج من عندك، فإذا أظهرك اللّه على يزيد استعنت بي على أفضل أعمالك فانتفع و أرد على أهل بيتي شيئا.

فقال ابن الزبير: يا أبا إسحاق!ابايعك على كتاب اللّه و سنة نبيه،

209

فقال المختار: لو جاءك عبد أسود لبايعته على كتاب اللّه و سنة نبيه، فأبى ابن الزبير غير هذا، فقال العباس: جعلت فداك اشتر منه دينه حتى ترى رأيك و يرى هو رأيه، فقال ابن الزبير: يا ابا إسحاق!فإني ابايعك على ما سألت، ثمّ بسط يده فبايعه المختار ثم انصرف إلى منزله، و كان عنده إلى أن جاء أخوه عمرو بن الزبير مع أهل الشام يقاتل أخاه عبد اللّه بين مكة و المدينة، فخرج إليه المختار، و أبلى بلاء حسنا في قتاله دون عبد اللّه، و أسر عمرا و فر أهل الشام، فلما جي‏ء بعمرو إلى أخيه قال: من كان له مظلمة عند عمرو فليقم؟ فقام جماعة، فمن يقول: صفعني، يقول له اصفعه، و من يقول: ضربني، يقول له: اضربه، و إنما كانت عنده هذه المظالم لأنه كان صاحب شرطة أمير المدينة عمرو بن سعيد بن العاص حتى جاءه مصعب بن سعيد بن عبد الرحمن بن عوف فقال: يا أمير المؤمنين!انه ضربني مائة سوط بلا ذنب كان مني إلاّ ميلي إليك، فأمر به عبد اللّه و جرد من ثيابه، و أمر مصعب بن سعيد فجلده كما جلده مائة سوط، ثم أمر به عبد اللّه الى السجن و لم يداوه فمات، و لما مات، قيل: إنّه أمر بصلبه فصلب، و قيل: بل دفن و لم يصلب، ثم أقبل عبد اللّه بن الزبير على أصحابه، فقال: أ تدرون لم فعلت بعمرو هذا الفعل؟قالوا: لا، قال: إنه صار إلى معاوية زائرا فكتب معاوية الى زيادا بن أبيه بمائة ألف درهم جائزة ففض الكتاب و جعل المائة مائتي الف، و علم معاوية أنه عمل على زياد، فكتب إلى مروان و هو عامله بالمدينة أن يأخذ عمرو بن الزبير بمائة الف درهم، فأخذه مروان و حبسه، فصرت إلى مروان و هيأت المائة الف له من نفسي فأعطيتها و أخرجته من سجن مروان، فكان جزائي منه أن خرج عليّ و يضرب وجهي بالسيف.

قال: فلما بعث يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المري أميرا على أهل‏

210

الشام لمحاربة عبد اللّه و من بالمدينة من قبل ابن الزبير و الحصين بن نمير السكوني بعده إن حدث به حدث الموت، لأن مسلما كان مريضا فكانت الوقعة بالحرة، و أقام بعدها بالمدينة فقتل من أولاد المهاجرين ألفا و ثلاثمائة، و من أولاد الأنصار ألفا و سبعمائة، و من العبيد و الموالي ثلاثة آلاف، و نهب المدينة ثلاثة أيام بلياليها، حتى قال أبو سعيد الخدري: و اللّه، ما سمعنا الأذان بالمدينة ثلاثة أيام إلا من قبر النبي صلّى اللّه عليه و آله، ثم ارتحل مسلم إلى مكة لمحاربة ابن الزبير، فمات بين مكة و المدينة فسمّوه مسرفا لأنه أسرف بالقتل، و لما مات استخلف الحصين بن نمير السكوني فنصب الحصين المجانيق على الكعبة فكانوا يرمونها حتى نزلت صاعقة فأحرقت منجنيقا لهم بما كان فيه من الناس فجعل المختار يومئذ يحارب بين يدي عبد اللّه أشد المحاربة و هو يقول: أنا ابن الكرارين لست من أبناء الفرارين، حتى ضج أهل الشام منه، و أقام القوم على ذلك أياما لا يفترون ليلا و لا نهارا حتى قتل من أهل الشام مقتلة عظيمة و كذلك من أصحاب عبد اللّه.

فبينا الحصين كذلك إذ قدم رجل من أهل الشام فسلم و جلس و قال:

أنت ترمي البيت الحرام بالحجارة و النيران و يزيد قد مات؟قال الحصين:

ويحك ما تقول؟قال: ما تسمع. قال الحصين: ما سبب موته؟قال: إنه شرب من الليل شرابا كثيرا فأصبح مخمورا فذرعه القي‏ء فلم يزل حتى قذف عشرين طستا من قي‏ء و دم فمات.

5-و ذكر أبو الحسن السلامي البيهقي في تاريخه عن ابن عباس أنه قال: لا يمهل اللّه يزيد بعد قتله الحسين، و أنه قال: سبب زوال الدولة عن يزيد بن معاوية و اللّه قتله الحسين عليه السّلام.

6-و ذكر عبد الكريم بن حمدان صاحب التاريخ: إنّ يزيد بن معاوية

211

ولي ثلاث سنين و ثمانية أشهر، و مات بحمص بقرية، يقال لها: حوران و دفن بها في شهر ربيع الأول سنة أربع و ستين، و هو ابن تسع و ثلاثين، و كان له بنون كثيرة، غير أنّ أكبرهم معاوية بن يزيد، و كان برا تقيا فاضلا، و كان ولي عهد أبيه؛ و خالد بن يزيد يليه و لكنه غير بالغ، فبويع أبو ليلى معاوية بن يزيد فخطب الناس، فقال:

أيها الناس!ما أنا بالراغب في الامارة عليكم، و لا بالآمن من شركم، إلا إن جدي معاوية بن أبي سفيان قد نازع هذا الأمر من كان أولى به منه بالقرابة و القدم، فهو ابن عم نبيكم أعظم المهاجرين قدرا، و زوج ابنته و أبو ذريته، فركب جدي منه ما تعلمون، و ركبتم معه ما لا تجهلون، حتى نزلت به منيته، ثم تقلّد الأمر أبي و كان غير خليق بها فقصرت مدّته، و انقطع أثره، و ضمته و أعماله حفرته، لقد أنسانا الحزن به الحزن عليه، فيا ليت شعري هل اقيلت عثرته. أم غلبت عليه إساءته، ثم صرت أنا ثالث القوم و الساخط فيما أرى أكثر من الراضي، و ما كنت لاحتمل آثامكم و ألقى اللّه بتبعاتكم فشأنكم بأمركم.

فقال له مروان: يا أبا ليلى!لقد سن لها عمر بن الخطاب سنّة فاتبعها، فقال معاوية: أ تريد أن تفتنني عن ديني يا مروان؟ثم قال: ائتني برجال عمر حتى أجعلها بينهم شورى، و اللّه، لئن كانت الخلافة مغنما فلقد أصبنا منها حظا. و حسب آل أبي سفيان منها ذلك.

ثم نزل عن المنبر، فقالت له أمه: يا بني!ليتك كنت حيضة في خرقة، فقال: وددت ذلك يا اماه!أ ما علمت أن للّه نارا يعذب بها من كان ظالما؟ فعاش أربعين يوما ثم مات فقيل له: أ لا تعهد بها الى من أحببت؟فإنا سامعون له مطيعون.

212

فقال: كلا لا أترك لبني أميّة حلاوتها و أتزود لنفسي مرارتها، و كان ابن إحدى و عشرين سنة، قيل: كان له مؤدب ممن يميل الى علي عليه السّلام فظن به آل أبي سفيان أنّه هو الذي دعاه الى تلك الخطبة و ما فيها، فقبضوا عليه بعد موت معاوية و دفنوه حيا.

قال: ثم لما بلغ الحصين موت يزيد و اضطرب أمر الشام قفل الحصين بن نمير من مكة إلى الشام، و توارى ابن زياد بالبصرة عند مسعود بن عمرو الأزدي، و اجتمع أهل البصرة في طلبه، فقال ابن زياد لمسعود: اخرجني ليلا من البصرة في جوار بني عمك من الأزد حتى ألحق بالشام.

فأخرجه مسعود ليلا، و بعث معه ثلاثين رجلا حتى لحق بالشام، فبلغ أهل البصرة أنّ مسعودا هو الذي أجاره و أخرجه ليلا، فقتلوا مسعودا في جوف الليل و نهبوا ماله، و قصدوا داري ابن زياد الحمراء و الصفراء فأحرقوهما، و وجدوا أمه و زوجته فأخذوهما، و نهبا أموالهما، و بقيت البصرة و الكوفة أربعة أشهر لا أمير عليهما، و لما وصل ابن زياد إلى الشام وجدهم مضطربين، فطائفة تميل للضحاك بن قيس الفهري و كانت معه أعنّة الخيل؛ و طائفة تميل الى عبد اللّه بن الزبير و منهم مروان.

فقال ابن زياد لمروان: أ ما تستحي أن تبايع رجلا كان في قتلة عثمان؟ فامتنع و تحير، فقال له ابن زياد: ما أحد أحق بهذا الأمر منك فإنك ابن عم عثمان، فظن مروان أنه مستهزئ، فمد ابن زياد إليه يده و بايعه، فبايعه الناس في دمشق فندبهم لقتال الضحاك فأجابوه، و اقتتلوا بـ «مرج راهط» فقتل الضحاك، و تمت لمروان البيعة فنكح حنة بنت هاشم أم خالد بن يزيد، فكان خالد بن يزيد في داره بمنزلة الولد عنده، ثم ولاه أرض حمص و بعث إليها خليفة من تحت يده.

213

قال: و استوثق الأمر لعبد اللّه بن الزبير في الحجاز و العراق و البصرة و الكوفة فبعث أخاه مصعب بن الزبير على البصرة و اجتمع أهل الكوفة على عامر بن مسعود بن اميّة بن خلف الجمحي فبايعوه ليكون أميرا من قبل عبد اللّه بن الزبير، و كان المختار عند عبد اللّه بن الزبير، فلم يستشره في شي‏ء على شرطه، فكان في قلبه أن يخرج على ابن الزبير، و كان يقدم في ذلك و يؤخر، حتى قدم هانئ بن حيّة الهمداني مكة للعمرة، فسأله المختار عن أهل الكوفة، فقال: هي مستوسقة لعبد اللّه بن الزبير، فقال له: أخبرني يا أخا همدان!عن سليمان بن صرد و أصحابه، هل شخصوا إلى قتال المحلّين؟قال: لا ما شخصوا و إنه لعازم على ذلك.

فانصرف المختار إلى منزله، فلما جنّه الليل استوى على راحلته، و خرج عن مكة فلم يصبح إلاّ على مرحلتين منها، فلما صار بالقرعاء لقيه رجل من أهل الكوفة، يقال له: سليمان بن كريب، فقال له المختار: كيف خلفت أهل الكوفة؟قال: خلفتهم كغنم لا راعي لها.

فتبسم المختار و قال: أنا و اللّه، راعيها الذي يحسن رعايتها، و يقيم أودها، فلما انتهى إلى نهر الحيرة و ذلك يوم الجمعة، نزل عن راحلته و اغتسل فيه و لبس ثيابه و اعتصم بعمامة و تقلّد سيفه ثم ركب فرسا له و أقبل حتى دخل الكوفة نهارا جهارا، فجعل يمر بمجالس القوم فيسلم و يقول:

ابشروا بالفرج فقد جئتكم بما تحبون، فأنا المسلط على الفاسقين؛ و الطالب بدماء الطاهرين، ثم جاء الى المسجد الأعظم فنزل و صلّى فيه ركعتين و الناس يستشرفونه، و يقولون: هذا المختار، و ما قدم و اللّه إلاّ لأمر عظيم، ثم جلس و صلّى الظهر و العصر، و نهض و عليه ثياب رثة فخرج إلى دار مسلم بن المسيب.

214

7-و ذكر محمد بن إسحاق: إنه أخذ من محمد بن الحنفية كتابا إلى إبراهيم بن مالك الأشتر أن يسمع للمختار و يطيع له، و زوّر أربعين كتابا من لسان محمّد بن الحنفية إلى أربعين شيخا من مشايخ الكوفة في معنى ذلك، فأوّل من زوّر الكتب المختار (1) .

قال: و لما وصل إلى القادسية عدل عنها إلى كربلاء و اغتسل و لبس ثياب الزيارة و سلم على قبر الحسين و اعتنقه و قبله و بكى و قال: يا سيدي! آليت بجدك المصطفى، و أبيك المرتضى، و امك الزهراء، و أخيك الحسن المجتبى، و من قتل معك من أهل بيتك و شيعتك في كربلا لا أكلت طيب الطعام؛ و لا شربت لذيذ الشراب؛ و لا نمت على و طي‏ء المهاد، و لا خلعت عن جسدي هذه الأبراد؛ حتى أنتقم لك ممن قتلك أو اقتل كما قتلت، فقبح اللّه العيش بعدك.

ثمّ ودع القبر و ركب و سار إلى الكوفة و قدم ليلا فسلم الكتاب إلى إبراهيم و إلى المشايخ، و كانت الشيعة قد تحرّكت قبل قدومه، و كثر بينهم التلاوم و الندم على ما فرطوا في أمر الحسين عليه السّلام من خذلانه، و علموا أنه لا يغسل عنهم ذلك إلاّ أن يخرجوا فيقتلوا من قتله و شرك في دمه حيث كان في مشارق الأرض و مغاربها، و قد فزعوا إلى خمسة نفر من خيار الشيعة و من أصحاب علي عليه السّلام سليمان بن صرد الخزاعي، و كان صحابيا، و المسيب بن نجبة الفزاري، و رفاعة بن شداد البجلي، و عبد اللّه بن سعد الأزدي، و عبد اللّه بن وال التميمي، فاجتمع هؤلاء الخمسة في بيت سليمان بن صرد فأول من تكلم منهم المسيب بن نجبة، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: إنّ اللّه تعالى اختبرنا في غير موطن من مواطن ابن بنت نبينا

____________

(1) ان صح ذلك فلعله من خدع الحرب التي يرى وجوبها.

215

محمد صلّى اللّه عليه و آله فوجدنا كذابين، و ذلك أنّ الحسين كتبنا إليه و أتتنا رسله و سألنا النصر فبخلنا عليه بأنفسنا حتى قتل إلى جانبنا: فلا نصرناه بأيدينا؛ و لا دفعنا عنه بألسنتنا؛ و لا قويناه بأموالنا؛ و لا طلبنا له نصرة من عشائرنا، فخبروني الآن ما عذرنا غدا عند اللّه؟و ما حجتنا عند أبيه محمد، و قد قتل ولده و حبيبه و ريحانته بين أظهرنا؟لا و اللّه، ما لنا غير أن نخرج و نقتل من قتله أو شرك بدمه أو أعان على قتله فعسى اللّه أن يرضى عنا بذلك.

ثم تكلم سليمان بن صرد و كان شيخ القوم، فقال: أما إنه دهر ملعون، قد عظمت فيه الرزية و شمل فيه الخوف و المصيبة، و ذلك إنا كنا نمد أعيننا إلى قدوم أهل البيت، و نمنيهم النصرة و نحثهم على المصير إلينا، فلما قدموا علينا عجزنا و ونينا، و تربصنا حتى قتل في جنبنا ابن نبينا و سلالته و سبطه و عصارته، و بضعة من لحمه و دمه، و هو في ذلك يستصرخ فلا يصرخ، و يدعو فلا يجاب، و يستغيث فلا يغاث، و يسأل النصفة فلا يعطى، اتخذه الفاسقون غرضا لسهامهم؛ و درية لرماحهم، حتى قتلوه ثم سلبوه و انتهكوا حرمته بعد أن قتلوا ولده و أهل بيته و شيعته، ألا فانهضوا و اتقوا اللّه تعالى فقد سخط عليكم، و لا ترجعوا للحلائل و الأبناء حتى يرضى عنكم، و لا أظنه يرضى دون أن تناجزوا من قتله، و شرك في دمه أو خذله فلا تهابوا الموت، فو اللّه، ما هابه أحد إلاّ ذل، فانهضوا و كونوا كبواقي بني إسرائيل، إذ قيل لهم: اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ألا فاشحذوا الصفاح، و ركّبوا أسنة الرماح، وجدوا في الكفاح، و أعدوا ما استطعتم من قوة و من رباط الخيل، و لا تهنوا عن لقاء الفاسقين، فأجابه الناس إلى ذلك، ثم إنهم قلّدوا امورهم سليمان بن صرد، و عزموا على الخروج، و كتبوا إلى شيعة البصرة و شيعة المدائن، و سألوهم المعاونة على

216

ذلك، فأجابوهم لها.

قال: ثم بعث المختار إلى وجوه الشيعة فدعاهم، و قال لهم: إني قد جئتكم من ولي الأمر، و معدن الفضل، وصي الوصي، و الإمام المهدي محمد بن علي بن الحنفية الرضي، بعثني إليكم أمينا و وزيرا و عاملا و أميرا، و أمرني بأن اقاتل المحلّين، و أطلب بدم ابن بنت رسول العالمين.

فقالت له الشيعة: يا أبا إسحاق!أنت أهل لذلك، و لكن الشيعة قد بايعوا سليمان بن صرد و أنت تعلم أنه شيخ الشيعة اليوم فلا تعجل في أمرك.

فسكت المختار و أقام بالكوفة ينتظر ما يكون من أمر سليمان، و علم عبد اللّه بن الزبير أنّ المختار صار إلى الكوفة فاتقى أن يفسد عليه البلد، فعزل عامر بن مسعود بن أميّة عن الكوفة و ولّى عليها عبد اللّه بن يزيد الأنصاري، و قدم معه إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد اللّه على خراج الكوفة فجاءه رؤساء الكوفة و سلموا عليه و هنأؤه بالامارة، فقال لهم:

يا أهل الكوفة!ما يبلغني عن سليمان بن صرد و أصحابه؟فقالوا: إنه يطلب بدم الحسين بن علي عليه السّلام، فقال الأمير: نعم ما رأى سليمان، و أنا أسأل اللّه أن يعينهم على ذلك و يقتل الفاسقين المحلّين.

ثم قاموا و خرجوا و بقي عنده رجل من شيعة بني أميّة، يقال له: يزيد ابن الحرث، فقال له: أصلح اللّه الأمير إنّ سليمان بن صرد يريد أن يخرج عليك فاتقه على نفسك، فقال له: و لم ذلك؟قال: لأنه يطلب بدم الحسين، فقال الأمير: اللّه أكبر!أنا قتلت الحسين؟لعن اللّه من قتل الحسين، و شرك في قتله، و من لم تكن مصيبة الحسين دخلت عليه فليس بمؤمن، فندم الرجل على ما تكلّم به.

217

قال: ثم نادى سليمان بن صرد، فجعل الناس يخرجون من منازلهم على الخيل العتاق، و قد أعدوا الآلة و السلاح، و جعلوا يستطرقون أسواق الكوفة، و الناس تدعو لهم بالنصر حتى إذا أتى النخيلة عسكر بها، ثم أشرف على عسكره فلم يعجبه لقلّة الناس، فدعا برجلين من أصحابه:

حكيم بن سعد الكندي؛ و الوليد بن غصين الكناني، فقال لهما: اركبا إلى الكوفة في مائة فارس، و ناديا بأعلى صوتيكما: يا لثارات الحسين!فمن أراد الجنّة و رضا ربه و التوبة من ذنبه، فليلحق بسليمان بن صرد الخزاعي. ففعلا ما أمر به فأجابهما شرذمة قليلة، و قد كان قبل أن يقدم المختار عرض سليمان أصحابه، فكانوا ستة عشر ألفا، فلما عرضهم في ذلك اليوم إذا هم أربعة آلاف يزيدون أو ينقصون.

فقال سليمان: ما أظن هؤلاء بمؤمنين، أ ما يخافون اللّه بالذي أعطونا من صفقة أيمانهم؟فقال المسيب بن نجبة: إنه لا ينفعك الكاره، و لا يقاتل معك إلاّ من أخرجته النية، فلا تنتظر أحدا و استعن باللّه و توكل عليه، و قل: لا حول و لا قوة إلاّ باللّه.

فوثب سليمان قائما على قدميه متكئا على قوس عربية، فقال: أيها الناس!إنّ من كان أخرجته معنا إرادة وجه اللّه و ثواب الآخرة فذاك منا و نحن منه، و رحمة اللّه عليه حيا و ميتا، و من كان يريد الدنيا و زينتها فلا و اللّه ما معنا خز و لا حرير، و لا ذهب و لا فضة، و لسنا و اللّه نمضي إلى في‏ء نحوزه أو غنيمة نأخذها، و ما هي إلا سيوفنا في رقابنا و رماحنا في أكفنا، و معنا زاد بقدر البلغة، إلى لقاء عدونا ابن زياد و أصحابه المحلّين، فمن كان ينوي غير هذا فلا يصحبنا. فقالوا بأجمعهم: ما أخرجنا و اللّه إلاّ التوبة من ذنوبنا، و الطلب بدماء أهل بيت نبينا صلّى اللّه عليه و آله، و قد علمنا بأنا إنما نقدم على حد

218

السيوف و أطراف الرماح.

فقال لهم سليمان: رحمكم اللّه، فعليكم بطول الصلاة في جوف الليل، و ذكر اللّه كثيرا على كل حال، و تقربوا إلى اللّه تعالى بما استطعتم، فإنكم لن تتوسلوا إلى ربكم بشي‏ء أكثر ثوابا من الصلاة و الجهاد، لأن الصلاة عماد الدين، و الجهاد سنام العلم و العمل.

ثم أدلج سليمان بالناس ليلة الجمعة من شهر ربيع الآخر لخمس بقين أو مضين منه، حتى نزل على شاطئ الفرات بموضع يقال له: اقساس بني مالك ثم عرض الناس هناك، فإذا قد نقص منهم ألف و مائة رجل، فقال لهم: أيها الناس!و اللّه، ما أحبّ أن من تخلف عنكم كان معكم، لأنهم لو كانوا فيكم لما زادوكم إلاّ خبالا، فاحمدوا اللّه على رجوعهم عنكم.

و سار تلك الليلة فأصبحوا و قد أشرفوا على قبر الحسين، فلما عاينوه رفعوا أصواتهم بالبكاء و النحيب، و رموا أنفسهم عن دوابهم، و جعلوا يقولون: اللّهم!إنا خذلنا ابن بنت نبينا، و قد أسأنا و أخطأنا فاغفر لنا ما مضى من ذنوبنا، و تب علينا إنّك أنت التواب الرحيم، ثم تقدم رجل منهم، يقال له: وهب بن رفعة الجعفي حتى وقف على القبر باكيا، ثم قال:

و اللّه، ما أشك أن صاحب القبر هو و جدّه و أبوه و أمه و أخوه أفضل عند اللّه وسيلة يوم القيامة من جميع الخلق، أ لم تروا إلى ما فعل به و بأهل بيته المحلّون؟و لم يراقبوا فيه من ربه، و لا قرابته من نبيه، لكنهم جعلوه للنبل غرضا، و غادروه لملك باغ مطعما، فللّه الحسين و للّه يوم الحسين، لقد عاينوا منه يوم وافوه ذا وفاء و صبر، و عفاف و بر، و ذا بأس و نجدة، و أمانة و شدّة، فهو ابن أول المؤمنين، و ابن بنت نبي ربّ العالمين، قلّت حماته، و كثرت عداته، فويل للقاتل و ملامة للخاذل، إن اللّه تبارك و تعالى لم يجعل للقاتل‏

219

حجّة، و لا للخاذل معذرة، إلاّ أن يناصح اللّه في التوبة فيجاهد الفاسقين، و ينابذ المحلّين، فعسى اللّه عند ذلك أن يقبل التوبة، و يقيل العثرة، فإنه تواب رحيم أرحم الراحمين غافر للمذنبين. ثم أنشد:

تبيت النشاوى من أميّة نوّما # و بالطّف قتلى ما ينام حميمها

و ما ضيّع الإسلام إلا عصابة # تأمر نوكاها (1) و دام نعيمها

فأضحت قناة الدين في كف ظالم # إذا اعوجّ منها جانب لا يقيمها

و أقسم لا تنفكّ نفسي حزينة # و عيني سفوحا لا يجفّ سجيمها

قال: فضجوا بالبكاء و العويل و النحيب، و أقاموا عند القبر يومهم ذلك و ليلتهم يصلّون و يبكون و يتضرّعون، ثم نادى سليمان بن صرد بالرّحيل، فجعلوا يودعون القبر و يزدحمون عليه كازدحام الحجيج على الحجر الأسود و هم يقولون: اللّهمّ!إنا خرجنا عن الديار و الأموال و الأهلين و الأولاد نريد جهاد الفاسقين الّذين قتلوا ابن بنت نبيك، فارزقنا الشهادة، اللّهم!إنا نعلم لو كان الجهاد فيهم بمطلع الشمس أو بمغربها، و بمنقطع التراب لكان حقيقا علينا أن نطلبه حتى نناله، فإن ذلك هو الفوز العظيم و الشهادة التي ثوابها الجنّة.

و ساروا من قبر الحسين عليه السّلام فلزموا الطريق الأعظم، فارتجز رجل منهم و جعل يقول:

خرجن يلمعن بنا ارسالا # يحملن منا فتية أبطالا

و قد تركنا الأهل و الأموالا # و الخفرات البيض و الحجالا

نريد أن نلقى بها إقبالا # الفاسقين الغدر الضلالا

____________

(1) النوكى: الحمقاء جمع انوك و هو الأحمق.

220

لنرضي المهيمن المفضالا # و نأمن العقاب و النكالا

فبينا هم يسيرون، و إذا كتاب أمير الكوفة عبد اللّه بن يزيد الأنصاري إلى سليمان بن صرد فيه: أما بعد فإن كتابي إليكم كتاب ناصح لكم مشفق عليكم، و ذلك أنكم تريدون المسير، بالعدد اليسير، إلى الجمع الكثير، و الجيش الكبير، و قد علمتم أنّ من أراد أن يقلع الجبال عن أماكنها تكلّ معاوله، و لا يظفر بحاجته، فيا قومنا!لا تطمعوا عدوكم في بلدكم، فإنكم خيار قومكم، و متى ظفر بكم عدوكم طمع في غيركم من أهل مصركم، فارجعوا إلينا فإن أيدينا و أيديكم واحدة في قتال العدو، فمتى اجتمعت كلمتنا ثقلنا على عدوكم و عدونا، فاقبلوا حين تقرءون كتابي هذا و السلام.

فكتب إليه سليمان: قد قرأنا كتابك أيها الأمير!و علمنا ما نويت، فنعم أخو العشيرة أنت، غير أنا سمعنا اللّه تعالى يقول في كتابه: إِنَّ اَللََّهَ اِشْتَرى‏ََ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوََالَهُمْ التوبة/111، و اعلم أيها الأمير!إنّ المؤمنين استبشروا ببيعهم الذي بايعوا ربهم، و قد تابوا إليه من عظيم ذنبهم، و قد توجهوا إليه و توكلوا عليه، و هو حسبهم و نعم الوكيل، و اعلم أنّ لعبد اللّه بن الزبير أشكالا يقاتلون معه، و لسنا من أشكال ابن الزبير، فإنهم يريدون الدنيا و نحن نريد الآخرة.

فلما قرأ الكتاب عبد اللّه أقبل على جلسائه، و قال: استمات القوم و ربّ الكعبة.

قال: و علم المختار أن سليمان بن صرد و أصحابه لا يرجع منهم أحد فجعل يبعث على الشيعة و يشاورهم في الخروج، و بلغ ذلك عمر بن سعد بن أبي وقاص، فدخل على الأمير عبد اللّه، فقال له: إن المختار صاحب فتنة، و قد بلغني أنّ قوما من هؤلاء الترابية يختلفون إليه، و لست آمنه على‏

221

بلية، فابعث إليه الساعة و خلده في السجن، فإنك لا تدري ما يكون منه، فأرسل الأمير إلى إبراهيم بن محمد بن طلحة أن يهجم على المختار فيأخذه، فهجم عليه في داره فقال: ما الذي يبلغنا عنك يا مختار؟فقال المختار: كل ما بلغكم عني فهو باطل.

و أقبل عمر بن سعد على فرس له و قد أخرج المختار من منزله ملببا، فقال: أوثقوه بالحديد و خلدوه في السجن إلى أن يستقيم أمر الناس، و إذا رسول الأمير أقبل إلى إبراهيم بن محمد، فقال: يقول الأمير: شد المختار كتافا و امض به إلى السجن حافيا، فقال إبراهيم للرسول: يا هذا!و لم يفعل بالمختار هذا الفعال؟لا و اللّه، ما هذا جزاؤه من أمير المؤمنين ابن الزبير، و قد أبلى بين يديه البلاء الحسن، و قاتل القتال الشديد، فلما ذا يفعل به هذا؟و إنما أخذناه على الظن و التهمة، ثم أمر به إبراهيم إلى السجن فحبس، و مشى قوم من وجوه الكوفة، و قالوا للأمير: إنّ المختار من شيعة آل محمد، و أنت عارف به قديما و حديثا، و إنما قدم علينا لأنه رأى من أمير المؤمنين جفوة فأحب أن يكون في ناحيتنا، و لم يظهر لنا و لا لك عداوة، فإن رأى الأمير أن يشفّعنا فيه، فعل منعما، فأبى الأمير أن يشفعهم فيه فانصرفوا مغضبين، ثم قال المختار في السجن: أما و رب البحار، و النخل و الأشجار، و المهامة و القفار، و الملائكة الأبرار، و المصطفين الأخيار، لأقتلن كل جبار، بكل لدن خطّار، و مهنّد بتار، حتى إذا أقمت عمود الدين، و شفيت غليل الصديقين من أولاد القاسطين، و بقية المارقين، و أدركت ثأر أولاد النبيين، لم يكبر عليّ زوال الدنيا، و لم أحفل بالموت إذا أتى إذ كان المصير إلى الجزاء، ثمّ كتب إلى عبد اللّه بن عمر كتابا:

أما بعد فإني حبست مظلوما، و ظن بي الولاة ظنونا كاذبة، فاكتب‏

222

رحمك اللّه إلى هذين الوليين الصالحين كتابا لطيفا لعلّ اللّه تبارك و تعالى أن يخلّصني من أيديهما، بيمنك و بركتك، و السّلام.

فكتب عبد اللّه بن عمر إلى عبد اللّه بن يزيد؛ و إبراهيم بن محمد:

أما بعد فقد علمتما بالذي بيني و بين المختار من الصهر و القرابة، و الذي بينكما من المودّة، فأسألكما بالذي بيني و بينكما إلا خليتما سبيله ساعة تنظرون كتابي هذا، و السلام.

فلما ورد الكتاب أرسل الأمير إلى المختار فأخرجه من السجن، ثم قالا له: اعطنا كفلاء، أنّك لا تحدث في عملنا حدثا و احلف بما نحلفك به، و الزم منزلك، فتقدم عشرة من وجوه الشيعة فكفلوه، و حلف المختار بما حلّفوه به أن لا يخرج على عبد اللّه بن يزيد؛ و ابراهيم بن محمد في عملهما ما كان لهما سلطان بالكوفة، فإن خرج فعليه ألف بدنة ينحرها عند رتاج الكعبة و عبيده و إماؤه كلّهم أحرار، فحلف لهما و انصرف إلى منزله، ثم أرسل إلى من يثق به من إخوانه فدعاهم، فقال: قاتل اللّه هؤلاء القوم ما أحمقهم حين يظنون أني أفي لهم بأيمانهم هذه، أما حلفي باللّه فإنه ينبغي لي أني إذا حلفت بيمين فرأيت غيرها خيرا لي من يميني، فإني أ في بالذي هو خير لي و اكفر عن يميني و خروجي عليهم خير من كفّي عنهم فانا أكفر عن يميني و أخرج عليهم متى شئت، و أما الألف بدنة التي أنحرها عند رتاج الكعبة، فهي أهون عليّ من بزاقة، و ما ثمن ألف بدنة حتى يهولني أمرها، و أما عتقي لعبيدي و إمائي فو اللّه، إني لوددت التئام أمري و لا اريد أن أملك مملوكا ما عشت، و لكني إنما أنتظر أمر سليمان و أصحابه و ما يكون منهم فأنظر أمري، ثم سكت و لزم بيته.

[رجعنا]إلى أخبار سليمان بن صرد قال: فسار سليمان حتى صار إلى‏

223

هيت ثم إلى قرقيسيا، و بها يومئذ زفر بن الحرث الكلابي، فلما نظر إلى خيل المسلمين كأنه اتّقى منهم، فأمر بباب المدينة فاغلق، و نزل المسلمون بحذاء المدينة على شط الفرات، فدعا سليمان بن صرد المسيب بن نجبة فقال له: صر الى ابن عمك هذا زفر بن الحرث فأخبره: إنا لسنا نريده و إنما نريد الفاسق ابن زياد و قتلة الحسين بن علي عليه السّلام فليخرج إلينا سوقا نتسوق فيها.

فانطلق المسيب إلى زفر و أخبره فأدناه زفر و أجلسه إلى جانبه و سأله عن الحال، ثم أمر أن يخرج إليهم سوق و أمر للمسيب بفرس و ألف درهم، فقال المسيب: أما المال فلا حاجة لنا فيه لأنا ليس للمال خرجنا، و أما الفرس فإني احتاج إليه إن ظلع فرسي أو عقر تحتي، ثمّ أمر زفر بأن يخرج إليهم الطعام الكثير و أرسل إلى كل رئيس منهم بعشرة من الجزر و دقيق و شعير و جميع ما يحتاجون إليه، فظل القوم يومهم ذلك و اليوم الثاني مخصبين لا يحتاجون إلى شي‏ء من السوق قد كفوا جميع ذلك إلاّ أن يشري الرجل منهم ثوبا أو يحدّ سيفا أو رمحا، فلما كان اليوم الثالث نادى سليمان بالرحيل فخرج إليه زفر فقال له: إن ابن زياد سمع بخبركم فنزل الرقة و قد وجه إليكم بخمسة من قواده: الحصين بن نمير السكوني؛ و شرحبيل بن ذي الكلاع الحميري؛ و أدهم بن محرز الباهلي؛ و ربيعة بن مخارق الغنوي؛ و جبلة بن عبد اللّه الغنوي، و هم في عدّة لا طاقة لكم بها، فقال سليمان:

على اللّه توكلنا و عليه فليتوكل المؤمنون، فقال: نعم ما قلت، و لكن هل لكم أن أفتح باب مدينة قرقيسيا فتدخلوها، و يكون أمركم و أمرنا واحدا على ابن زياد؟أو تنزلوا على باب المدينة و نعسكر إلى جانبكم، فإذا جاء ابن زياد قاتلناه جميعا فعسى أن يظفرنا اللّه تعالى به، فقال سليمان: إنّ هذا الذي تقول به قد عرضه علينا أهل بلدنا و لم نتبعه، و كتبه إلينا بعد ذلك أمير

224

الكوفة فأبينا إلاّ أن نسير إليهم فيحكم اللّه بيننا و بينهم و هو خير الحاكمين.

فقال زفر: أما إذا أبيتم ذلك فاقبلوا مني نصيحة، اعلم أنّ القوم قد فصلوا من الرقة فبادروهم الآن إلى عين الوردة فانزلوها و اجعلوا المدينة من وراء ظهوركم و الرستاق بين أيديكم، فانظروا إذا أتوكم فلا تقاتلوهم في فضاء من الأرض فإني أخاف أن يحيطوا بكم لأنهم أكثر منكم بأضعاف و لا تصفوا لهم صفوفكم، فإني لست أرى لكم رجّالة تحميكم؛ و لكن إذا وافوكم فعبوا كتائبكم و اجعلوا منكم مع كل كتيبة كتيبة إلى جانبها فإن حمل على إحدى الكتيبتين فزالت، أعانتها الاخرى، فيكون ذلك أشد لصفكم و أضعف لصفهم. و أنا أسأل اللّه تعالى أن ينصركم على هؤلاء الفاسقين.

فقال له سليمان: جزاك اللّه من رجل خيرا، فلقد أكثرت النزل، و أحسنت الضيافة، و نصحت في المشورة. فودّعهم زفر و سار القوم حتى نزلوا عين الوردة فقام سليمان خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال:

يا شيعة آل محمّد!إنه قد أتاكم عدوكم الذي تجدون إليه المسير في آناء الليل و أطراف النهار، تريدون بذلك أن تطهروا أنفسكم بالتوبة النصوح إلى ربكم مما فرطتم في ابن بنت نبيكم، و قد جئتم إليهم، و أنتم اليوم في دارهم، فانظروا إذا لقيتموهم غدا فأصدقوا القتال و اصبروا فإن اللّه مع الصابرين، و لا يولين أحد منكم دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة، و لا تقتلوا مدبرا، و لا تجهزوا على جريح، و لا تقتلوا أسيرا إلاّ أن يقاتلكم، و لا تدخلوا دارا إلاّ بإذن أهلها فإنّ هذه سنّة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام في أهل هذه الدعوة، و اعلموا أن مروان كانت ولايته تسعة أشهر، فعبث بها ابن زياد لمحاربتكم و الآن قام ابنه عبد الملك فأقر ابن زياد على ما بعثه أبوه‏

225

مروان، و انظروا إذا أنا قتلت فأميركم المسيب بن نجبة، فإن قتل فعبد اللّه بن سعد، فإن قتل فأخوه خالد، فإن قتل فعبد اللّه بن وال، فإن قتل فرفاعة بن شداد، فإن قتل فأمر بعضكم إلى بعض، و رحم اللّه من صدق ما عاهد عليه اللّه.

ثم دعا سليمان بالمسيب، فضم إليه أربعمائة فارس من أشدّ فرسان عسكره و قال له: سر حتى تلقى أول عسكر من عساكر القاسطين فاحمل عليهم، فإن رأيت ما فقاتل، و إلا فانصرف، فسار المسيب ليلا حتى ابتلج الصبح فرأى أعرابيا، قال: ممن الرّجل؟قال: من تغلب، قال: غلبنا و رب الكعبة!قد أخذنا فالك من فيك، ما اسمك؟قال: بشير، قال:

بشرى و ربّ الكعبة!كم بيننا و بين القوم؟فقال: أما أدناهم فعلى ميل منكم و هم أربعة آلاف رئيسهم شرحبيل، و من ورائهم الحصين في أربعة آلاف؛ و من ورائهم الصلت بن ناجية في أربعة آلاف، و العساكر متصلة بعضها ببعض، و معظم العسكر بالرقة مع عبيد اللّه بن زياد، فقال المسيب: لا حول و لا قوة إلا باللّه.

ثم سار حتى أشرف على عسكر شرحبيل، فلما نظر إليه، صاح:

يا ليوث العراق!كروا، فحملوا عليهم حملة رجل واحد، فانهزموا هزيمة فاحشة، و قتل منهم خلق كثير و جرح خلق كثير، و ألقى اللّه في قلوبهم الرعب، ثم رجع المسيب بأصحابه إلى سليمان بن صرد سالمين، و بلغ ابن زياد الخبر فغضب و وجه زهاء عشرين ألفا الى عين الوردة و أصحاب سليمان ثلاثة آلاف و مائة رجل، فعبأ أهل الشام، فكان على ميمنتهم عبد اللّه بن الضحاك الفهري، و على ميسرتهم مخارق بن ربيعة، و على الجناح شرحبيل ابن ذي الكلاع، و في القلب الحصين بن نمير، و عبأ أهل العراق، فكان على‏

226

ميمنتهم المسيب بن نجبة، و على ميسرتهم عبد اللّه بن سعد الأزدي، و على الجناح رفاعة بن شداد، و على القلب سليمان بن صرد.

و زحف القوم بعضهم إلى بعض، فقال أهل الشام: يا أهل العراق! هلموا الى الجماعة و الطاعة لأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، فقال أهل العراق: هلموا يا أهل الشام إلى طاعة أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ادفعوا إلينا ابن زياد لنقتله كما قتل الحسين ابن بنت رسول اللّه (عليه و آله السلام) فلما سمع أهل الشام منهم هذا الكلام حملوا عليهم و اختلط القوم و رزق اللّه أهل العراق الظفر عليهم، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، فلما كان من الغد و كان يوم الجمعة اقتتلوا و انتصف بعضهم من بعض، فجعل سليمان ينادي بأعلى صوته: من يطلب بدم الشهيد ابن فاطمة فليبشر بكرامة اللّه و رضوانه فو اللّه، ما بينكم و بين الشهادة و دخول الجنّة و الراحة من هذه الدنيا الدنية إلاّ فراق هذه الأنفس الأمارة بالسوء، ألا فمن أراد الرواح إلى ربه و التوبة من ذنبه فإلي إلي.

ثم إن سليمان كسر جفن سيفه و تقدم و هو يقول:

إليك ربي تبت من ذنوبي # فقد أحاطت بي من الجنوب‏

و قد علا في هامتي مشيبي # فاغفر ذنوبي سيدي و حوبي‏ (1)

ثم حمل على القوم فلم يزل يقاتل حتى قتل جماعة كثيرة ثم قتل (رحمه اللّه) ، فأخذ الراية المسيب بن نجبة، فقال: أيها الناس!إن سليمان قد صدق و وفى ما عليه، و بقي ما علينا، ثم حمل على أهل الشام فجعل يطعن فيهم و يقول:

لقد منيتم بأخي جلاد # ثبت المقام مقعص‏ (2) الأعادي‏

____________

(1) -الحوب: بضم الحاء الاثم.

(2) اقعصه: قتله مكانه كقعصه.

227

أشجع من ليث عرين عاد # ليس بفرار و لا حياد

و لم يزل يقاتل حتى قتل (رحمه اللّه) ، فتقدّم عبد اللّه بن سعد بن نفيل الأزدي فاخذ الراية و هو يقول: رحم اللّه اخوتي‏ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ََ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مََا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً الأحزاب/23، ثم حمل و جعل يطعن في أعراضهم و يقول:

ارحم إلهي عبدك التوابا # و لا تؤاخذه فقد أنابا

و فارق الأهلين و الأحبابا # يرجو بذاك الأجر و الثوابا

و لم يزل يقاتل حتى قتل (رحمه اللّه) ، فتقدّم أخوه خالد بن سعد فحمل الراية و نادى بأعلى صوته: أيها الناس!من أراد الحياة التي ليس بعدها وفاة، و الراحة التي ليس بعدها نصب، و السرور الذي ليس بعده حزن، فليتقرب إلى اللّه تعالى بجهاد هؤلاء المحلين، ثم حمل عليهم و هو يقول:

قد علمت ذات القوم الرود # أن لست بالواني و لا الرعديد

يوما و لا بالناكص الحيود # لكنني المقدّم في الجنود

و لم يزل يقاتل حتى قتل (رحمه اللّه) ، فأخذ الراية عبد اللّه بن وال التميمي و وقف في الميدان و هو يقول: وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ آل عمران/169، ثم حمل حملة قاتل فيها قتالا شديدا فقطعت يده اليسرى، فرجع حتى وقف قريبا من أصحابه، و يده تشخب دما و هو يتلو: اَلَّذِينَ اِسْتَجََابُوا لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مََا أَصََابَهُمُ اَلْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ آل عمران/172. ثم حمل عليهم ثانيا و هو يقول:

نفسي فدتكم اذكروا الميثاقا # و جالدوهم و احذروا النفاقا

228

لا كوفة نبغي و لا عراقا # لا بل نريد الموت و العتاقا

و لم يزل يقاتل حتى قتل (رحمه اللّه) .

قال: فبينا أهل العراق كذلك، و قد قتل منهم من قتل، و ذلك عند زوال الشمس، و إذا بالمثنى بن مخرمة العبدي قد وافاهم في ثلاثمائة فارس من أهل البصرة، و كثير بن عمرو الحنفي في مائة و سبعين فارسا من أهل المدائن، فلما نظروا إليهم اشتدت عزيمتهم و قويت نفوسهم، و فرحوا بهم، ثم اجتمعوا في موضع واحد و كبروا و حملوا على أهل الشام، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، و هزموهم هزيمة قبيحة، ثم تراجع أهل الشام و اشتدّ القتال و أخذ الراية رفاعة بن شداد البجلي و قال:

يا رب إني تائب إليكا # متّكل يا سيدي عليكا

أرجو بذاك الخير من يديكا # فاجعل ثواب أملي لديكا

ثم حمل و لم يزل يقاتل حتى جرح، فعاد إلى أصحابه مجروحا فالتفت رجل من كنانة من أهل المدائن إلى أصحابه فقال: يا أهل العراق! و اللّه، مالنا بهؤلاء القوم من طاقة، فارجعوا إلى بلدنا فعسى اللّه أن يكفينا أمرهم بغيرنا، فقال له عبد اللّه بن عوف الأزدي: بئسما قلت، و اللّه، لو وليناهم الأدبار ليركبن أكتافنا فلا نبلغ فرسخا حتى نقتل عن آخرنا، فإن نجا منا ناج أخذه الأعراب و أهل القرى فقتلوه صبرا، أو أخذوه أسرا فيدفعوه إليهم، و لكن نقاتلهم في يومنا هذا الى الليل، فإن أمسينا و اختلط الظلام ركبنا خيولنا و مضينا، فإن تبعونا رجعنا عليهم و عزمنا على الموت، و إن لم يتبعونا مضينا و لا أظنهم يتبعوننا.

قال: ثم حمل أهل الشام بأجمعهم على أهل العراق فقتلوا منهم جماعة، قال: و تقدم رجل من أهل الكوفة من كندة يقال له: عبد اللّه بن‏

229

عزيز و معه ابن له صغير اسمه محمد، فوقف بين الصفين فنادى: يا أهل الشام!هل فيكم أحد من كندة؟قالوا: نعم، ما تريد؟قال: أنا رجل من كندة و هذا ابني فخذوه إليكم، فإذا قتلت فابعثوا به إلى قومكم بالكوفة فإنه لا بد لي من القتال حتى أموت، فنادوه: يا عم!لا تقتل نفسك، هلم إلينا و أنت آمن.

فقال الشيخ: لا و اللّه، ما كنت لأرغب عما نويت به، و قد عزّ علي مصارع إخواني الذين كانوا للبلاد نورا و للدين أركانا، فجعل ولده يبكي، فقال الشيخ لابنه: يا بني!و اللّه، لو كان عندي شي‏ء آثر من طاعة ربي، لكنت أنت، و لو كان رضا ربي في قتلك لقتلتك و اللّه في طاعته، ثم تقدم للقتال و هو يقول:

قد علمت كندة من أعلامها # أهل النهى و من ذي أحكامها

أهل عراقها و أهل شامها # بأنني الليث لدى زحامها

و حمل فقاتل حتى قتل (رحمه اللّه) ، و صار ابنه الى الشام، و تقدم عبد اللّه بن عوف الأزدي إلى الراية فرفعها و قال: أيها الناس!قد بلغني عن قوم منكم يريدون الهرب في ليلتكم هذه، لا و اللّه، لا يراني اللّه و أنا أولي ظهري عن هذا العدو، دون أن أرد مورد إخواني، لأني قد علمت أنه ليس في هذه الدّنيا عوض عن الآخرة.

ثم دنا من صفوف أهل الشام و معه جماعة من الأزد و حمير و همدان، فقال أهل الشام: أنتم آمنون فلا تقتلوا أنفسكم، فقال لهم كريب بن زيد الحميري: يا هؤلاء!إنا كنا آمنين في هذه الدنيا، و لكنا خرجنا لطلب الأمان في الآخرة، ثم التفت الى أصحابه و قال: احملوا عليهم فإنكم بحمد اللّه‏

230

على بصيرة و يقين.

فحمل على أهل الشام، و حمل أصحابه و كانوا قريبا من مائتي رجل فلم يزالوا يقاتلون حتى قتلوا عن آخرهم؛ فتقدم صحير بن حذيفة المولى و كان من خيار أهل الكوفة و زهادهم و معه نيف و ثلاثون رجلا من بني عمه، فقال: يا قوم!لا تهابوا الموت فإنه لاقيكم، و لا ترجعوا إلى الدنيا التي خرجتم منها فإنها لا تبقى لكم، و لا تزهدوا فيما دعيتم إليه من ثواب ربكم، فما عند اللّه خير و أبقى، ثم حمل أمام قومه و هو يقول:

بؤسا لقوم قتلوا حسينا # بؤسا و تعسا لهم و حينا

ارضوا يزيد ثم لاقوا شينا # و لم يخافوا بغيهم علينا

فقاتل هو و قومه من عشيرته حتى قتلوا و لم يبق منهم إلاّ رجل كان يقاتلهم بشدّة يتقونه منها، فقالوا له: ويلك من أنت فقد أعجزتنا؟فقال:

الويل لكم أنا من بني آدم!و حمل عليهم و هو يقول:

إني الى اللّه من الذنب أفر # و لا ابالي كلّ ما كان قدر

أنوي ثواب اللّه فيما قد أثر # و أضرب القرن بمصقول بتر

ثم حمل عليهم فأحدقوا به فقتل، فعرفه رجل من أهل الشام و قال:

ويحكم!هذا عبد اللّه بن عبيد الرافعي، فارس مزينة قاطبة.

قال و لما هجم الليل عليهم قام رفاعة بن شداد، فقال: يا أهل العراق! إنكم قد علمتم أنا وافينا هذا الموضع و نحن ثلاثة آلاف و مائة رجل، و وافانا أهل البصرة و المدائن في أربعمائة و سبعين رجلا، و قد بقي منا سبعمائة رجل، فإن صبحنا القوم غدا فقاتلناهم لم يبق منا أحد، و إنما أنا رجل منكم، و قد أحببت أن أرزق الشهادة و ألحق بإخواني، و قد أبت المقادير ذلك، فهاتوا آراءكم و تكلموا بما عندكم.

231

فقال القوم: رأينا لك تبع، و الرأي أن نتنحى من بين أيديهم، فإنه لا طاقة لنا بهم، و اخرى أنهم عرفوا حربنا فلا يتبعونا، و نحن نرجو ان يتحرك المختار فيكفينا إياهم بعد هذا، و لا حول و لا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم.

فعزموا على التنحي، و دفنوا قتلاهم ليلا، و سووا عليهم الأرض كيلا يعرفوا و ينبشون و تؤخذ رءوسهم، ثم إنهم ساروا ليلا و أصبح أهل الشام فلم يروا منهم أحدا، فأخبروا الحصين بن نمير فلم يبعث خلفهم أحدا، و كتب بذلك الى ابن زياد بالرقة، و رجعوا إلى الرقة، و سار أهل العراق حتى صاروا إلى قرقيسيا، فأخرج لهم زفر من الطعام و اللحم و غيره مما يحتاجون إليه كما أخرج أوّلا، و أرسل إليهم الأطباء فداووهم من جراحاتهم، فأقاموا عنده ثلاثة أيام حتى استراحوا ثم ساروا الى هيت، و قد مات منهم جماعة، ثم خرجوا يريدون الكوفة فما بلغوها إلا و هم خمسمائة أو أقل، فخرج عبد اللّه بن يزيد الأمير، فعزاهم عن إخوانهم، و خرج إليهم المختار فعزاهم، و قال لهم: ابشروا فقد قضيتم ما عليكم و بقي ما علينا، و لن يفوتنا ما بقي منهم إن شاء اللّه، و لئن أخر اللّه لي الأجل لأخذت ثأركم و ثأر إخوانكم عن قريب، فلا تعجلوا فإن اللّه مع الصابرين.

232

ذكر خروج المختار و قتله قتلة الحسين عليه السّلام‏

قال: و عزل عبد اللّه بن الزبير عبد اللّه بن يزيد الأنصاري عن الكوفة و ولى عبد اللّه بن مطيع العدوي، و ذلك في شهر رمضان سنة خمس و ستين يوم الخميس لثلاث بقين من الشهر فدخل قصر الامارة فلما كان من الغد نادى في الناس أن يحضروا المسجد الأعظم، فحضروا، و فيهم المختار و جماعة من أصحابه الّذين كانوا بايعوه فصعد ابن مطيع المنبر و حمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: يا أهل الكوفة!إن أمير المؤمنين عبد اللّه بن الزبير بعثني أميرا عليكم و أمرني بحياطة مصركم و جباية فيئكم، و أن لا أحمل فضل فيئكم عنكم إلاّ برضا منكم، و أن أستن فيكم بسنة عمر بن الخطاب و عثمان بن عفّان، فاتقوا اللّه عباد اللّه، و استقيموا و لا تخافوا و خذوا على أيد سفهائكم، و إن لم تفعلوا فلا تلوموني و لوموا أنفسكم، فو اللّه، لأقيمن أود المرتاب.

233

فالتفت المختار إلى من حوله من الشيعة فقال: إنّ ابن مطيع قد تكلّم بما سمعتم، فقوموا إليه وردوا عليه و لا تمهلوه، فقام السائب بن مالك الأشعري فقال: أيها الأمير!إنا قد سمعنا كلامك و ما أمرك به أمير المؤمنين، و نحن لا نرضى أن تحمل عنا فيئنا؛ و لكن يكون في فقرائنا، فأما ما ذكرت من سيرة عمر و عثمان فإنا لا نقول فيهما إلاّ خيرا غير أننا نحب أن تسير فينا بسيرة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فليس هو عندنا بدونهما فان فعلت ذلك و إلاّ فلست عندنا بأمير، و لا نحن لك برعية.

و تكلّم عامة الناس بمثل ما تكلم به السائب، و قالوا له و هو يتكلّم:

أحسنت أحسنت، فو اللّه، لقد ذهبت بفضلها، و قالوا له بعد ذلك: أحسنت لا يعدمك المسلمون!ثم تكلّموا، فقال ابن مطيع: يا هؤلاء!اسكتوا فإنا لا نسير بكم إلاّ بما تحبون، ثم نزل عن المنبر و دخل منزله، فأتاه إياس بن مضارب العجلي و هو صاحب شرطته، و قال: أصلح اللّه الأمير إن هذا الذي اعترض عليك في المسجد هو من رؤساء أصحاب المختار، و لست آمن المختار أن يخرج عليك في عملك هذا، و لكن ابعث إليه الساعة فإذا جاءك فاحبسه في سجنك حتى يستقيم أمر الناس، فإنه غير مأمون على بليته، و معه قوم من أهل مصرك هذا قد بايعوه سرا، و كأني به قد خرج عليك ليلا أو نهارا فخذ حذرك منه، فدعا ابن المطيع برجلين من أصحابه و هما: زائدة بن قدامة و الحسين بن عبد اللّه الهمداني، فقال لهما: انطلقا إلى المختار فادعوه لي فجاءا إليه و دخلا عليه و سلّما، ثم قالا له: أجب الأمير يا أبا إسحاق!فإنه يدعوك لأمر ندب فيه و أحبّ مشورتك، و غمزة زائدة بن قدامة و قرأ: وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ الانفال/30.

ففهم المختار فقال: يا غلام الق عليّ ثوبا ثقيلا فإني أجد في بدني رعدة

234

شديدة، ثم رمى بنفسه على فراشه، و قال: ارجعا إلى الأمير فأعلماه حالي و ما أجد في بدني من هذه القرة (1) .

فقال زائدة: أما أنا ففاعل ذلك يا أبا إسحاق، فقال المختار: و أنت يا أخا همدان فاعذرني عنده فإنه خير لك عندي، فقال: افعل ذلك إن شاء اللّه، و لا أبلغ الأمير عنك إلاّ ما تحب، و خرجا، فقال الهمداني إلى زائدة: قد علمت أنك الذي غمزته، و كان قد تهيأ أن يصير إلى الأمير، و أمر بإسراج دابته و الرأي ما فعلت، و اللّه، إنا لا ندري ما يكون منه، و لعله يخرج غدا فلا يبدأ إلاّ بنا، ثم دخلا على الأمير فأخبراه بعلّة المختار فصدقهما و نسي ذكر المختار.

و قيل: بل بعث للمختار ثلاثة، ثالثهم مروان بن سهل-و كان من خيار الشيعة-فهجموا عليه داره، و مروان يقرأ: وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ اَلَّذِينَ الآية، فسمعه المختار و علم أنه مطلوب، فخرج من الدار و لم يقدروا عليه، و توارى إلى أن خرج، قال: و جعل المختار يجمع أصحابه و يقول، تهيئوا و كونوا على اهبة من الخروج و الطلب بدماء أهل البيت عليهم السّلام، فيقولون:

نحن على ذلك، فانهض متى شئت.

ثم اجتمعت الشيعة في منزل عبد الرحمن بن شريح الهمداني، و قالوا: إنا قد بايعنا هذا الرجل، و قد زعم أنّ محمد بن الحنفية هو الذي أرسله إلينا، و لسنا ندري أ صادق هو أم كاذب؟فلا عليكم أن تبعثوا إلى محمد بن علي فتخبروه، فإن رخص في اتباعه اتبعناه و إن نهانا اجتنبناه، فخرج جماعة و قدموا على محمد فسلموا عليه فقال: ما أقدمكم مكة في غير وقت الحج؟قالوا: جئناك لمهمة، قال: أ علانية هي أم سر؟قالوا: سرا!

____________

(1) القرة: البردة الشديدة من المرض.

235

فتنحى معهم فتقدم إليه عبد اللّه بن شريح الهمداني-و كان من وجوه الشيعة في الكوفة-، فقال: جعلت فداك إنكم أهل بيت خصكم اللّه بالفضل، و أماط عنكم الجهل، و أكرمكم بفضل النبوّة، و عظم حقكم على هذه الامة، فلا يجهل حقكم إلاّ مغبون، و قد أصبتم بأبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام، و هي مصيبة قد خصّ بها المؤمنون، و قد قدم علينا المختار بن أبي عبيد الثقفي فذكر: أنه قد جاءنا من قبلك و أنك أرسلته إلينا ليطلب بدم الحسين، و هو مقيم بين أظهرنا من قبل قتل سليمان بن صرد و أصحابه، و قد بايعناه و عزمنا على الخروج معه، غير أنا أحببنا أن نستطلع رأيك في ذلك، فإن أمرتنا باتباعه اتبعناه، و إن نهيتنا اجتنبناه.

فقال محمد بن الحنفية: أما ما ذكرت من الفضل الذي خصنا اللّه به فإن الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء و هو ذو الفضل العظيم، و أما ما ذكرت من مصيبة أبي عبد اللّه فإن ذلك كان في الزبر الاولى و الذكر الحكيم، و هي ملحمة كتبت عليه، و كرامة من اللّه أهداها إليه لكي يضاعف له الحسنات و يرفع له الدرجات، و أما ما ذكرت من أمر المختار فو اللّه، لوددت أن اللّه انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه، فودّعه القوم و خرجوا و هم يقولون:

قد رضي بذلك، و لو لا أنه رضي لكان نهانا.

و سار القوم فدخلوا الكوفة، و كان المختار قد علم بخروجهم فشقّ ذلك عليه، و خشي أن يأتوا من محمّد بما يخذل عنه الناس، فلما جاءوا سألهم المختار فقالوا: قد أمرنا باتباعك و الخروج معك فقال: اللّه أكبر!أنا أبو إسحاق، أنا مبيد الفاسقين، و قاتل المحلّين، و أعلمت الشيعة بعضهم بعضا بالخير الذي جاء من محمد، فلم يبق بالكوفة شريف و لا وضيع و لا عربي و لا مولى ممن يعرف بمحبة أهل البيت إلاّ بايعه سرا ما خلا عبيد اللّه بن‏

236

الحر الجعفي و إبراهيم بن مالك الأشتر، فلما بلغهما أن محمد بن علي قد رخص الشيعة بالخروج معه، أحب عبيد اللّه بن الحر أن يسبق إلى بيعته فجاء إليه و بايعه و تباطأ إبراهيم بن مالك.

فقال المختار لأصحابه: ما تقولون في ابن الأشتر؟فقالوا: هو سيد قومه اليوم بهذا المصر، فإن ساعدنا على أمرنا رجونا القوة على عدونا، فإنه رجل شريف بعيد الصوت في قومه، ذو عدد في عشيرته و عزّ، قال:

فصيروا إليه و كلموه بما نحن عليه من الطلب بدم الحسين عليه السّلام، فإن فعل و إلاّ صرت إليه بنفسي، فخرج إليه جماعة فيهم: أبو عثمان النهدي؛ و عامر الشعبي؛ و أشباههما من ذوي العلم، و صاروا إلى إبراهيم فدخلوا عليه فأدناهم و قربهم، و رفع مجالسهم و قال: أ لكم حاجة فتكلّموا رحمكم اللّه؟فقال يزيد بن أنس النخعي و كان من الأبطال-: يا أبا النعمان!إنا قد أتيناك في أمر نعرضه عليك، فإن قبلته كان الحظ فيه لك، و إن تركته فقد أدّينا إليك النصيحة، و نحن نحبّ أن تكون كلمتنا مستورة.

فتبسّم و قال: إنّ مثلي لا تخاف غايلته، و لا تخشى سعايته، و لا يتقرب إلى سلطانه، باتباع مصائب إخوانه، و إنما يفعل ذلك الصغار لا ذوو الأخطار، فقولوا ما أحببتم، فقال يزيد: صدقت لعمري، إنا ندعوك لأمر قد اجتمع عليه الملأ من إخوانك، ندعوك إلى كتاب اللّه و سنة رسوله، و الطلب بدماء أهل البيت، و قتال المحلّين و الدفع عن المستضعفين من آل رسول اللّه رب العالمين، ثم قال أحمد بن شميط البجلي نحوا من ذلك، فقام لهم إبراهيم: قد أجبتكم إلى الطلب بدماء أهل البيت على أنكم تولوني هذا الأمر، فقال يزيد: إنّك و اللّه، لأهل لذلك، و لكنا بايعنا هذا الرجل-يعني المختار-لأنه قد جاءنا من عند أبي القاسم محمد بن علي، فهو

237

الأمير و المأمور بالقتال، و قد أمرنا بطاعته و ليس إلى خلافه من سبيل، فسكت إبراهيم و لم يجبهم، فانصرفوا عنه و أخبروا المختار، فسكت ثلاثة أيام، ثم دعا بجماعة ممن يثق بهم و خرج بهم ليلا حتى أتى منزل إبراهيم بن مالك الأشتر، فاستأذن عليه و دخل فالقيت له الوسائد، و أجلس ابراهيم المختار على فراشه، ثم تكلّم فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا أبا النعمان!فإنني إنما قصدتك في وقتي هذا لأنك سيد قومك اليوم في هذا المصر، و لعله قد بلغك أني لم أصر الى أحد في منزله أدعوه إلى هذا الأمر سواك، و هذا كتاب المهدي محمد بن علي الوصي، و هو خير أهل الأرض اليوم، و ابن خيرها قبل اليوم، و هو يسألك أن تنصرنا و تؤازرنا حتى نأخذ بدم أخيه الحسين و ولده و إخوته و شيعته، فإن فعلت فقد أصبت حظك و اوتيت رشدك، و إن أبيت فهذا الكتاب حجة عليك و سيغني اللّه المهدي و شيعته عنك.

فقال إبراهيم: و أين الكتاب؟فقال المختار: يا شعبي!ادفعه إليه، فقام الشعبي إلى إبراهيم و أعطاه الكتاب، ففضّه و قرأه، فإذا فيه:

من محمد المهدي بن علي الوصي إلى إبراهيم بن مالك الأشتر، سلام عليك.

أما بعد فقد وجهت إليك بوزيري و أميني الذي ارتضيته لنفسي المختار ابن أبي عبيد الثقفي، و قد أمرته بقتال عدوي و الطلب بدم أخي و أهل بيتي، فانهض معه بنفسك و قومك و عشيرتك، فإنك إن أطعتني و ساعدت وزيري كانت لك عندي يد عظيمة، و لك بذلك أعنّة الخيل من كل جيش غاز و كل مصر و كل منبر و ثغر غلبت عليه من أرض الكوفة، إلى أقاصي الشام و مصر، و لك بذلك عليّ الوفاء و عهد اللّه و ميثاقه، و إن أبيت ذلك هلكت‏

238

هلاكا لا تستقيله أبدا، و السلام على من اتبع الهدى.

فلما فرغ من قراءة الكتاب قال: يا أبا إسحاق!إني كتبت إلى محمّد قبل اليوم و كتب إلي فما كان يكاتبني إلاّ باسمه و اسم أبيه، و قد أنكرت في هذا قوله: المهدي!، فقال: صدقت يا أبا النعمان!ذلك زمان و هذا زمان، فقال: يا أبا إسحاق!فمن يعلم أنّ هذا كتاب محمد بن علي؟فقام بضعة عشر رجلا من الشيعة فقالوا: نشهد أنّ هذا الكتاب من محمد بن علي إليك.

فقال إبراهيم: حسبي بهم شهودا، ابسط يدك يا أبا إسحاق!فبسط المختار يده فبايعه إبراهيم، ثم دعا بأطباق فيها فاكهة كثيرة فأكلوا منها، ثم دعا بشراب من عسل و خل فشربوا منه، ثم قال إبراهيم: يا غلام!عليّ بدواة و بياض، فاحضرت، فقال: يا شعبي!اكتب لي أسماء هؤلاء الشهود؟ فقال الشعبي: و ما تصنع بهذا رحمك اللّه؟فقال: احبّ أن تكون معي أسماؤهم، فكتب الشعبي أسماءهم و دفعها إليه، ثم قام المختار فخرج إبراهيم مشيعا إلى باب الدار، و مضى المختار إلى منزله، و لما أصبح أرسل على الشعبي، و قال: قد علمت أنك لم تشهد البارحة بما شهد به أصحابي، لا أنت و لا أبوك شراحيل، فما منعكما من ذلك؟فسكت الشعبي و لم يجب، فقال المختار: تكلم يا عامر!أ ترى أنّ هؤلاء القوم الذين شهدوا البارحة على حق أم باطل؟فقال الشعبي: لا و اللّه، يا أبا إسحاق!ما أدري غير أنهم سادات أهل العراق و مشيخة أهل هذا المصر و فرسان الناس و كبراء العرب، فما أظن أنهم شهدوا إلاّ بالحقّ.

فتبسم المختار و قال: إنهم و اللّه، لم يجدوا بدّا من ذلك، و عسى اللّه أن يأتي بالفرج لأهل بيت نبينا على يدي، ثم انصرف الشعبي إلى منزله‏

239

و اعتقد أنّ الكتاب كان مزورا و أنّ المختار هو الذي كتبه.

و ذكر أبو مخنف: أنّ عامر الشعبي قال: كنت و اللّه، متهما لشهادتهم، غير أنه كان يعجبني الخروج معهم، و كنت أرى رأي القوم في قتال قتلة الحسين، و احبّ تمام الأمر، و لم أطلع المختار على ما في نفسي، و جعل إبراهيم يختلف إلى المختار كل ليلة و ينصرف إلى أن اجتمعت آراؤهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ست و ستين، فوطنوا أنفسهم على ذلك، و أقبل إياس بن مضارب العجلي إلى عبد اللّه بن مطيع-و هو صاحب شرطته-، فقال: إن المختار خارج عليك لا محالة فإن إبراهيم الأشتر قد بايعه سرا، و اشتمل ديوانه على بضعة عشر ألف رجل ما بين فارس و راجل، فخذ حذرك!فأرسل ابن مطيع إلى قواده فجمعهم في قصر الأمارة، ثم أخبرهم الخبر و قال: اريد منكم أن يكفيني كل واحد منكم ناحيته التي هو فيها، فإن سمعتم الأصوات قد علت في جوف الليل فوجهوا إليهم الخيل و اكفوني أمرهم.

فقالوا: نفعل ذلك أيها الأمير!و لا يهولنك أمر المختار، فإنما بايعه شرذمة قليلة من هؤلاء الترابية، و خرجوا منه، فصار عبد الرحمن بن سعيد ابن قيس الهمداني إلى جبانة السبيع من همدان؛ و صار كعب بن أبي كعب الخثعمي إلى جبانة بشير؛ و صار زحر بن قيس إلى جبانة كندة؛ و صار شمر ابن ذي الجوشن الضبابي إلى جبانة سالم؛ و صار عبد الرحمن بن منقذ إلى جبانة الصيدائيين؛ و صار يزيد بن الحرث بن رويم الى جبانة مراد، و صار شبث بن ربعي الى السبخة، فنزل هؤلاء القواد في هذه المواضع من الكوفة يوم الأثنين من شهر ربيع الآخر، في الآلة و السلاح، و خرج إبراهيم ابن الأشتر ليلة الثلاثاء إلى المختار، و قد بلغه أنّ تلك الجبانات شحنت بالخيل‏

240

و الرجال، و أنّ الشرط قد أحاطوا بالأسواق، فسار في مائة رجل من بني عمه عليهم الدروع قد ظاهروها بالأقبية، حتى إذا جاوز دار عمرو بن حريث الى دار سعيد بن قيس، ثم الى درب اسامة استقبلهم إياس بن مضارب العجلي صاحب الشرطة في نفر من أصحابه و في أيديهم السلاح و الحراب، فقال: من هؤلاء؟فقال له إبراهيم: نحن هؤلاء، فامض لشأنك!فقال إياس: و ما هذا الجمع الذي معك يا ابن الأشتر؟فو اللّه، إنّ أمرك لمريب، و قد بلغني أنك تمرّ هاهنا في كل ليلة بجمعك هذا، فو اللّه، لا تزايلني حتى آتي بك إلى الأمير عبد اللّه بن مطيع فيرى فيك رأيه، فقال إبراهيم: خل ويحك سبيلنا و امض لشأنك، أنت تمضي بي الى الأمير، يا ماص بضر أمه‏ (1) ؟قال: نعم!فقال إبراهيم: يا عدو اللّه!أ لست من قتلة الحسين بن علي؟ثم التفت إلى رجل من أصحاب إياس يكنى أبا قطن الهمداني، فتناول رمحه من يده و طعن إياس طعنة في صدره نكسته عن فرسه، ثم قال لأصحابه: انزلوا فخذوا رأسه، فنزل بعض أصحابه فاحتز رأسه، و مر أصحاب إياس هربا على وجوههم، و أتى إبراهيم الى المختار فقال: قم أيها الأمير!فقد كنا عزمنا على أن نخرج ليلة الخميس، و قد حدث أمر فلا بدّ معه من الخروج الساعة، فقال المختار: و ما الأمر رحمك اللّه؟ فحدّثه الحديث، فقال المختار: بشرك اللّه بخير فهذا أوّل الظفر.

ثم صاح المختار برجل من أصحابه فقال: يا سعيد بن منقذ!قم فاشعل النار في هراوي‏ (2) القصب، و قم أنت يا عبد اللّه بن شداد!فناد في الأزقّة:

يا منصور أمت! (3) ، و قم أنت يا سفيان بن ليلى فناد في الناس بها، و قم أنت

____________

(1) البظر: الفرج-فهي كلمة تقولها العرب استحقارا.

(2) الهراوى: أعواد القصب و غيره المجموعة كالاطنان.

(3) يا منصور أمت: شعار في الحرب للنبي و عليّ (عليهما السلام) .

241

يا قدامة بن مالك!فناد في الناس: يا لثارات الحسين بن علي!ثم قال:

يا غلام!عليّ بدرعي و سلاحي، فصب الدرع على بدنه و هو يتمثل بقول مروان بن الحكم:

قد علمت بيضاء حسناء الكلل # واضحة الخدين عجزاء الكفل‏

إني غداة الروع مقدام بطل # لا عاجز فيها و لا وغد فشل‏

ثم خرج المختار من منزله على فرس له أدهم أغرّ محجّل و معه إبراهيم على كميت له أرثم‏ (1) و قد رفعت بين أيديهم النيران في هراوي القصب، و الناس ينادون من كل ناحية و جانب: يا لثارات الحسين!فاجتمع الناس الى المختار من كل جهة، و جاءه عبيد اللّه بن الحر في قومه و عشيرته، و جعل إبراهيم بن مالك يدخل السكك التي فيها الامراء و القواد و الجند الكثير، فيهجم عليهم هو و المختار و عبيد اللّه بن الحر، فيكشفونهم مرّة بعد اخرى، و المختار يقول: اللّهم!إنّك تعلم أنا إنما غضبنا لأهل بيت نبيك فانصرنا على من قتلهم و ظلمهم، و تمم لنا دعوتنا إنّك على كل شي‏ء قدير.

فبينا هم كذلك و إذا بسويد بن عبد الرحمن من أصحاب عبد اللّه بن مطيع قد أقبل في خيل عظيمة و جحفل لجب، فنظر إليهم إبراهيم، و قال للمختار: مكانك أيها الأمير!ذرني و هؤلاء، ثم نادى إبراهيم في أصحابه:

يا شرطة اللّه!إليّ إليّ، فأحاط به قومه من قبائل مذحج و النخع، فقال لهم:

انزلوا عن دوابكم فأنتم أولى بالنصر و الظفر من هؤلاء الفساق الذين خاضوا في دماء آل محمّد عليهم السّلام، فنزل القوم و نزل معهم إبراهيم، ثم دنوا من القوم فطاعنوهم و ضاربوهم فهزموهم حتى بلغوا بهم الى الكناسة، فاستوى إبراهيم و أصحابه على دوابهم، و جاءوا إلى المختار على مسجد

____________

(1) الأرثم: الفرس الذي في طرف أنفه بياض.

242

الأشعث بن قيس، ثم على مسجد جهينة، ثم بلغوه فرأوا شبث بن ربعي و حجار بن أبجر قد أقبلا بأصحابهما نحو المختار، فكبر إبراهيم و أصحابه تكبيرة واحدة و حملوا عليهم، فاشتدّ القتال و كثرت القتلى من أصحابهما ثم انهزما بجنديهما حتى تفرقوا بالأزقة و السكك، ثم أقبل أبو عثمان النهدي في بني نهد، و بيده راية صفراء، و هو ينادي: يا لثارات الحسين بن علي!إليّ إليّ أيها المهتدون!فثاب إليه الناس من كلّ ناحية، فحمل على أصحاب عبد اللّه بن مطيع فاشتدّ القتال، و لم يزل الناس في تلك الليلة الداجية المسدولة أطرافها في قتال شديد و حرب و طعن، حتى لقد نسوا و اللّه فيها ليلة الهرير بصفين إلى أن أصبحوا، فنظر المختار إلى عمود الفجر قد طلع، فنادى في اصحابه و خرج بهم عن الكوفة حتى نزل في ظهر دير هند مما يلي بستان زائدة في السبخة.

8-و روى أبو مخنف: عن الوالبي؛ و حميد بن مسلم؛ و النعمان بن أبي الجند، أنهم قالوا: أتينا المختار في معسكره فصلّى بنا الفجر بغلس فقرأ بنا: وَ اَلنََّازِعََاتِ غَرْقاً ، و عَبَسَ وَ تَوَلََّى فما سمعنا و اللّه إماما قط أمّ قوما بأفصح لهجة منه، و التأم قومه هنالك و جاءوا أفواجا إليه من النواحي و الجوانب على كل صعب و ذلول، و عبد اللّه بن مطيع يوجه إلى نحوه الزحوف كردوسا كردوسا، فأولهم زحف شبث بن ربعي في أربعة آلاف؛ ثم راشد بن إياس بن مضارب العجلي في ثلاثة آلاف؛ ثم حجار بن أبجر في ثلاثة آلاف؛ ثم الغضبان بن القبعثري في ثلاثة آلاف؛ ثم شمر بن ذي الجوشن في ثلاثة آلاف؛ ثم عكرمة بن ربعي في الف؛ ثم شداد بن المنذر في ألف؛ ثم عبد الرحمن بن سويد في ألف، و اجتمع أصحاب المختار فكانوا عشرين ألفا أو يزيدون، و أشرف رجل من أصحاب المختار على حائط

243

من حيطان الكوفة، فجعل ينظر في هذه العساكر، فقوم صلوا و قوم لم يصلوا بعد، و إذا إمام القوم يقرأ بهم سورة: إِذََا زُلْزِلَتِ ، فقال: أرجوا أن يزلزل اللّه بكم الأرض سريعا. ثم قرأ: وَ اَلْعََادِيََاتِ ، فقال: أرجو أن تكون الغارة عليكم سريعا.

قال: و أقبل مسعر بن أبي مسعر الحنفي إلى المختار فقال: أيها الأمير! و افتك العساكر يتلو بعضها بعضا مستعدين للحرب عازمين على الموت فاصنع ما أنت صانع.

فقال له المختار: لا تخف يا أخا حنيفة!فإن اللّه تعالى كاسر شوكتهم و هازمهم الساعة، و أصحرت العساكر إلى المختار، فكان كلما نظر إلى قائد من قواد ابن مطيع وجه إليه قائدا من قواده بمثل قوته و عدده، فاشتدّ القتال و علت الأصوات و ارتفع الغبار، فجعل إبراهيم يحمل من ناحية؛ و عبيد اللّه بن الحر من ناحية اخرى، و المختار تارة يحرض على القتال و يشجع الأبطال، و تارة يحمل بنفسه على الرجال، حتى إذا كان وقت الضحى انهزم أصحاب ابن مطيع هزيمة شنيعة، و قتل منهم جماعة فصاح شبث بن ربعي:

ويلكم يا حماة السوء!أ تنهزمون من عبيدكم و أراذلكم؟فتراجع الناس و اقتتلوا ساعة، ثم انهزموا ثانيا حتى دخلوا أزقّة الكوفة، فوقف المختار على أفواه السكك، و أمر أصحابه بالنزال و القتال، فاقتتلوا هناك قتالا لم يسمع بمثله، و جعل السائب بن مالك الأشتر أخو إبراهيم يصيح: يا شيعة آل محمد!إنكم كنتم قبل اليوم تقطع أيديكم و أرجلكم من خلاف و تسمل أعينكم، و تصلبون أحياء على جذوع النخل، و أنتم إذ ذلك في منازلكم لا تقاتلون أحدا من هؤلاء، فما ظنكم بهم اليوم بعد هذا القتل، فهم لو ظهروا عليكم ما ذا يفعلون بكم؟فاللّه اللّه، في أنفسكم و أولادكم و أهاليكم،

244

قاتلوا أعداء اللّه المحلّين فلا ينجيكم اليوم إلاّ الصدق و اليقين و الطعن الشزر، و الضرب الهبر، و لا يهولنكم ما ترون من عساكرهم فإنّ النصر مع الصبر.

فلما سمع أصحابه ذلك رموا بأنفسهم عن دوابّهم و جثوا على الركب، و أشرعوا الرماح و جرّدوا الصفاح و فوّقوا السهام، فثار القتال، و اصطفقوا بالسيوف اصطفاقا، و تشابكوا مع الأعداء اعتناقا، و صبر بعضهم لبعض، فقتل من الفريقين جماعة، ثم انهزم أصحاب ابن مطيع، فاقتحم المختار الكوفة، فتصايحت النسوان و علت الأصوات بطلب الأمان، من العجائز و الصبيان، من فوق السطوح و كل مكان، و نادوا: يا أبا إسحاق!اللّه اللّه في الحرم، فصاح المختار: لا بأس عليكم الزموا منازلكم، فأنا المسلط على المحلين. و جعل عبد اللّه بن مطيع يصيح: إنّ من العجب عندي عجزكم عن عصبة منكم قليل عددها، خبيث دينها، ضالة مظلّة، يقاتلون على غير الحقّ، جرأة على هذا الخلق، كرّوا عليهم و امنعوا حريمكم و مصركم.

فبينا هو يحرض أصحابه و يشجعهم إذ بإبراهيم و عبيد اللّه بن الحرقد أقبلا في نحو أربعة آلاف فارس لا يرى منه إلاّ الحدق، فلما نظر إبراهيم إلى ابن مطيع صاح: أنا ابن الأشتر، أنا الأفعى الذكر، ثم قال لأصحابه: شدّوا عليهم، فداكم أبي و خالي، و لا يهولنكم أسماء قوادهم شبث و حجار و سويد و فلان و فلان فو اللّه، لو أذقتموهم شبا الرماح؛ و حد الصفاح؛ لما وقفوا لكم أبدا، احملوا عليهم فداكم أبي و أمي. و حمل فتبعه ابن الحر و تبعه المختار و تبعه أصحابه معهم، حملة واحدة فانهزم أصحاب عبد اللّه بن مطيع الى باب المسجد الجامع، و دخل عبد اللّه و غلمانه و حشمه و خواص أصحابه قصر الامارة و أغلقوا بابه.

245

قال أبو مخنف: إنّ رؤساء أهل الكوفة و القواد دخلوا معه القصر، غير عمرو بن حريث فإنه فرّ إلى البادية فما عرف له أثر، و لما اغلق باب القصر تفرق الناس إلى منازلهم هاربين، و أقبلت أهل الخيل الى القصر فأحاطت به، فقال عبد اللّه بن مطيع: أيها الناس ربما غلب أهل الباطل على أهل الحق، فقد ترون غلبة المختار علينا فأشيروا برأيكم.

فقال له شبث بن ربعي: الرأي أن تأخذ لنفسك من هذا الرّجل أمانا ثم تخرج و نخرج معك بأمانك، و إلاّ دام الحصار علينا في القصر و لم يشعر بنا أحد، فقال ابن مطيع: ويل لك و لرأيك السخيف!أ آخذ لنفسي أمانا و امور أمير المؤمنين عبد اللّه بن الزبير مستقيمة بالحجاز و أرض البصرة و الشرق عن آخرها؟فقال شبث: أيها الأمير!فاخرج من القصر و لا يشعر بك أحد، و صر إلى من تثق به من أهل هذا المصر فتنزل عنده أياما حتى يسكن شرّ المختار و شر أصحابه فتخرج أنت و تلحق بصاحبك، و وافقه على هذا الرأي عامة من كان عنده من الرؤساء.

فعزم ابن مطيع على ذلك، فلما جاء الليل جمع ابن مطيع أصحابه و قال لهم: إني رأيت أن أخرج من هذا القصر، فلا يتبعني أحد، ثم خرج متنكرا في زي امرأة، فأخذ على درب الروميين حتى صار إلى دار أبي موسى الأشعري فدخلها، و علم به آل أبي موسى فآووه و كتموا عليه أمره، و أصبح من كان في القصر من أصحابه يضجون و يطلبون الأمان، فأعطاهم إبراهيم الأمان فخرجوا بالأمان إلى المختار فبايعوه و أخبروه بخروج ابن مطيع، فقال المختار: و ما علينا من ابن مطيع؟ذاك رجل كان بالكوفة أميرا فلم يجد بدا من القتال. ثم نادى المختار في الناس، فأعطاهم الأمان و بايعه الناس أجمعون، ثم فتح بيت مال الكوفة فوجد فيه تسعة آلاف درهم‏

246

ففرقها على النّاس و حبس عنده ألف ألف درهم.

و ذكر أيضا أبو مخنف: أنّ المختار سمع صوتا عاليا يناديه و يقول:

أمنن عليّ اليوم يا خير معد # و خير من حلّ بشحر و الجند

و خير من زكى و صلّى و سجد # بعد الرّسول و الوصي المعتمد

فسأل عنه، فقالوا: من السجن، فأحضره فإذا هو سراقة بن مرداس و كان قاتل قتالا شديدا فحبس، فلما مثل بين يديه قال:

ألا أبلغ أبا إسحاق إنا # نزونا نزوة كانت علينا

خرجنا لا نرى الضعفاء شيئا # فكان خروجنا بطرا و حينا

لقينا منهم ضربا طلحفي‏ (1) # و طعنا مكبدا حتى انثنينا

نصرت على عدوك كل يوم # بكل كتيبة تنعى حسينا

كنصر محمّد في يوم بدر # و يوم الشعب إذ وافى حنينا

فأسجح إذ ملكت فلو ملكنا # لجرنا في الحكومة و اعتدينا

تقبّل توبة مني فإني # سأشكر إذ جعلت النقد دينا

قال: فعفا عنه، و هذا سراقة هو الذي قال للمختار: رأيت الملائكة يقاتلون معك، فقال له المختار: كذبت يا عدو اللّه!اخرج من الكوفة إلى أي بلد شئت و لا تساكني في الكوفة، فخرج إلى البصرة.

قال: ثمّ نادى المختار: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس في المسجد، و خرج المختار من قصر الامارة إلى المسجد فصعد المنبر، و قال:

الحمد للّه الذي وعد وليّه بالنصر و الظفر، و كتب لعدوه الخسر و الخذل و الختر، و جعل ذلك إلى آخر الدهر قضاء مقضيا. و وعدا مأتيا، و قولا

____________

(1) الطلحفي: الضرب الشديد.

247

مقبولا، و أمرا مفعولا، و قد خاب من افترى، أيها الناس!إنّه قد مدت لنا غاية، و رفعت لنا راية، فقيل لنا في الراية: أن ارفعوها و لا تضعوها؛ و في الغاية: أن خذوها و لا تدعوها، فسمعنا دعوة الداعي، و قبلنا قول الراعي، فكم من باغ و باغية، قتل في الواغية، ألا بعدا لمن طغى، و جحد و بغى، و أدبر و عصى و كذب و تولّى، ألا فهلمّوا عباد اللّه إلى بيعة الهدى، و مجاهدة الأعدا، و الذبّ عن السعدا، من آل محمّد المصطفى.

فأنا المسلّط على المحلّين، و الطالب بدم ابن بنت الرسول الأمين، أما و منشئ السحاب، شديد العقاب، سريع الحساب، منزل الكتاب، العزيز الوهاب، القدير الغلاب، لأنبشنّ قبر ابن شهاب، المجتري الكذاب، المفتري المرتاب، و لأنفين الأحزاب، إلى بلد الأعراب.

أما و الذي جعلني بصيرا، و نور قلبي تنويرا، لأحرقن بالبصرة دورا، و لأنبشنّ بها قبورا، و لأشفين بها صدورا، و لأقتلن بها جبارا كفورا، ملعونا غدورا، و كفى باللّه نصيرا. أما و رب الحرم، و البيت المحرم، و الركن المستلم، و المسجد المعظم، و نون و القلم ليرفعن عن قريب لي علم، من الكوفة إلى ذي سلم، من العرب و العجم و لأتخذنّ من تميم أكثر الاماء و الخدم.

ثمّ نزل عن المنبر فصلّى بالناس و دخل قصر الامارة فدخل إليه الناس يبايعونه على كتاب اللّه و سنّة رسوله، و الطلب بدماء آل محمّد (صلّى اللّه عليه و عليهم و سلّم) ، و هو يقول: تقاتلون من قاتلنا، و تسالمون من سالمنا، و الوفاء عليكم ببيعتنا، لا نقيلكم و لا نستقيلكم، حتى بايعه العرب و الموالي على ذلك، و اتصل المختار: أنّ عبد اللّه بن مطيع في دار آل أبي موسى الأشعري، فدعا عبد اللّه بن كامل ليلا و دفع إليه عشرة آلاف درهم و قال‏

248

له: ادخل على عبد اللّه بن مطيع فاقرأه مني السلام، و قل له: يقول المختار:

قد علمت بمكانك و ليس مثلي يسي‏ء إلى مثلك، و قد وجهت إليك بما تستعين به على سفرك فخذه و الحق بصاحبك، فخرج عبد اللّه بن مطيع في جوف اللّيل. و استحى أن يصير إلى مكة من حيث عبد اللّه بن الزبير، فصار إلى البصرة و بها يومئذ مصعب بن الزبير من قبل أخيه، و خرج عمرو بن الحجاج الزبيدي هاربا إلى البادية لأنه كان ممن شهد قتال الحسين فلا يدري أ خسفت به الأرض أم حصبته السماء، ثم نادى المختار: من أغلق بابه فهو آمن إلا من شرك بدم الحسين عليه السّلام و أهل بيته و أصحابه، و احتوى المختار على الكوفة، فعقد لأصحابه، و ولاهم البلاد من: أرمينية؛ و آذربيجان؛ و أران؛ و ماهان إلى الري؛ و أصفهان؛ و جعل يجبي خراج البلاد، و كان محمد بن الأشعث الكندي عاملا على الموصل من قبل ابن الزبير، فلما قدم عامل المختار عليه لم تكن لابن الأشعث طاقة، فخرج عن الموصل هاربا إلى تكريت و نزلها و كتب إلى عبد اللّه بن الزبير بذلك، فكتب إليه يعيره بهربه عن الموصل.

و بلغ المختار أنّ محمد بن الأشعث بتكريت، فدعا ابنه عبد الرحمن ابن محمد و قال له: أنت في طاعتي، و أبوك في طاعة ابن الزبير، ما الذي يمنعه من المصير إليّ و الدخول في طاعتي؟أما و اللّه، لقد هممت أن اوجه إليه من يأتيني به قبل ثلاث فافعل به ما اضمره له في قلبي، أو ليس هو من قتلة الحسين؟أو ليس هو الذي قال للحسين يوم كربلاء: و أي قرابة بينك و بين محمد؟فقال له عبد الرحمن: أعزّ اللّه الأمير أنا أخرج إليه بإذنك، فآتيك به شاء أو لم يشأ، و لا قوّة إلاّ باللّه.

فأذن له المختار فخرج حتى قدم تكريت و دخل على أبيه فقال له:

249

ما وراءك يا بني؟فقال له: ورائي إنّ هذا الرجل ظهر على الكوفة و سائر البلاد، و قد استوسق له الأمر و أطاعه الناس جميعا، و قد سأل عنك و ذكرك و أخاف أن يبطش بقتلة الحسين، فلم يغادر منهم أحدا، و أنت ممن أساء الى الحسين، و ليس جلوسك هنا بشي‏ء، لأنه ليس معك جيش تمتنع به، و أنت بالكوفة أعزّ منك هنا.

فتبسم محمد و قال: يا بني!إني قد علمت بأنك لم تأتني و تعرض عليّ هذا الرأي إلاّ خوفا من المختار، ثمّ التفت إلى من كان عنده فقال: إنّ ابني هذا له نخل بالكوفة على شاطئ الفرات، و إنما يريد أن أكون بالكوفة حتى يأمن هو في نخله و ماله، و لا يضره ما يفعل بأبيه، و أنا لست ابالي بذلك النخل، كان أو لم يكن، و لم يزل عبد الرحمن يلين لأبيه تارة و يشتدّ تارة، و يرغبه تارة و يخوفه اخرى حتى أجابه إلى ما أراد، و قدم معه الكوفة، و دخل على المختار و سلّم عليه؛ فقربه و أدناه و منّاه. و جعل المختار يجلس غدوة و عشية فيقضي بين الخصمين بنفسه فإذا أعاقه عائق أمر شريحا أن يجلس فيقضي، فقال له الناس: إنه عثماني الرأي، و أنه شهد على حجر بن عدي، و أنه لم يبلغ عن هاني بن عروة ما أرسله به إلى قومه، و أنه كان عليّ عليه السّلام قد عزله عن القضاء، فخافهم شريح فتمارض، فجعل المختار مكانه عبد اللّه بن عتبة بن مسعود فمرض، فجعل مكانه عبد اللّه بن مالك الطائي و أحب الناس المختار حبا شديدا و در له حلب البلاد و حمل إليه الخراج من جميع عماله.

ثم إن المختار أرسل الى وجوه أصحابه فجمعهم عنده و قال: إنه و اللّه، إني ليس يسوغ لي الطعام و لا احبّ أن اروى من الماء و قتلة الحسين بن علي أحياء يمشون في الأرض، و قد استوسق لي الأمر؛ و أطاعني الناس بسببهم،

250

و لست و اللّه بالناصر لآل محمد إن لم أطلب بدمائهم، و أقتل من قتلهم، و أذلّ من جهل حقهم، و انتهك حرمتهم، فسمّوهم لي؛ لعليّ أن اطهر البلاد منهم، فجعل أصحابه يسمونهم رجلا رجلا، و يذكرون ما فعلوا، و جعل يؤتى بهم فمنهم من يقطع يديه، و منهم من يقطع رجليه، و منهم من يقطع رجله و يده، و منهم من يسمل عينيه أو يقلعهما، و منهم من يجدع أنفه، و منهم من يقطع لسانه و شفتيه، و منهم من يضربه بالسياط حتى يموت، و منهم من يقطعه بالسيوف إربا إربا، و منهم من يضرب عنقه صبرا، و منهم من يحرقه بالنار، و منهم من يسلخ جلده، فلم يزل كذلك حتى قتل منهم مقتلة عظيمة.

و روى أبو مخنف: أنّ سعد الحنفي دله على زياد بن مالك؛ و عمران ابن خالد؛ و عبد الرحمن البجلي؛ و عبد اللّه بن قيس الخولاني؛ و كانوا من المحلّين، و من جملة قتلة الحسين، فبعث إليهم عبد اللّه بن كامل فجاء بهم إليه، فقال لهم المختار: يا قتلة سيد شباب أهل الجنّة!أ لا ترون اللّه قد أقاد منكم؟فقد أصاركم الورس، إلى يوم نحس، و كانوا قد نهبوا الورس الذي مع الحسين، ثم أمر بهم أن يخرجوا إلى السوق، و تضرب أعناقهم، و أتى قوم من أعوان المختار إلى دار خولي بن يزيد الأصبحي فاقتحموها و دخلوا و كان خولي هو الذي احتزّ رأس الحسين عليه السّلام، و كانت له امرأة يقال لها:

العيوف بنت مالك الحضرمي، و هي التي خاصمته إذ أدخل رأس الحسين عليها، فلما نظرت إلى أصحاب المختار قد دخلوا دارها قالت: ما شأنكم و ما تريدون؟فقال أبو عمرة صاحب شرطة المختار: لا بأس عليك نريد زوجك أين هو؟قالت: لا أدري!و أشارت بيدها إلى المخرج فدخلوا عليه فإذا هو جالس و على رأسه قوصرة، فأخذوه و أتوا به إلى المختار فقالوا له: أيها