مقتل الحسين عليه السلام - ج2

- الخطيب الخوارزمي المزيد...
312 /
251

الأمير!هذا خولي الذي احتزّ رأس الحسين.

فأمر به المختار فذبح بين يديه، ثم أمر بجسده فاحرق بالنار، ثم اتي برجل يقال له: بجدل بن سليم الكلبي و ادخل على المختار فقيل له: أيها الأمير!هذا بجدل الذي أخذ خاتم الحسين و قطع أصبعه، فقال المختار:

اقطعوا يديه و رجليه و ذروه يتشحط بدمه ففعل به ذلك، و جي‏ء ذلك اليوم بستة نفر و هم الذي نهبوا مال الحسين، فأمر بهم فسلخت جلودهم و هم أحياء.

و ذكر أبو مخنف: أنّ المختار بعث إلى الحكيم بن الطفيل الطائي و هو الذي أصاب سلب العباس بن علي و رمى الحسين بسهم فتعلّق بسرباله، فكان يقول: إنّ السهم تعلق بسرباله و ما ضرّه، فقال له المختار: لنرمينك بنبال تتعلق بثوبك، فانظر هل يضرّك ما تعلّق؟فرموه بنبال حتى سقط ميتا. غ

252

مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص‏

9-و ذكر السيد أبو طالب، و الامام محمد بن إسحاق، و الإمام أحمد بن أعثم الكوفي، و الإمام عبد الكريم، و كلّ واحد منهم ذكر زيادة على صاحبه، فدخل حديث بعضهم على بعض، قالوا: إنّ المختار كان قد أمن عمر بن سعد بشفاعة عبد اللّه بن جعدة بن هبيرة المخزومي، لأنه كان أكرم خلق اللّه على المختار، لصهره و قرابته من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام.

قال محمد بن إسحاق: كان عمر ختن المختار على ابنته، و قال الباقون: كان ختنه على اخته، فكتب محمد بن الحنفية للمختار: إنّك ذكرت أنك قتلت قتلتنا، و طلبت بثأرنا، و قمت بأمرنا كيف ذاك؟و قاتل الحسين عندك يغدو و يروح و هو عمر بن سعد؟

فقال المختار حين قرأ الكتاب: صدق و اللّه، ثمّ إنّ المختار تحدّث فقال:

لأقطعنّ و اللّه، غدا رجلا عظيم القدمين، غائر العينين، مشرف الحاجبين، من قتلة الحسين، يسرّ بقتله المؤمنون و الملائكة المقرّبون، و كان الهيثم بن الأسود عنده، فلما سمع هذا الكلام، علم أنه أراد عمر بن سعد فخرج و بعث بابنه إليه و قال له: قل له خذ حذرك فإنّ المختار اليوم قال: كذا و كذا، و هو و اللّه، لا يريد غيرك.

فقال له عمر: جزى اللّه أباك خيرا، كيف يريدني بهذا و قد أعطاني من العهود ما أعطاني؟فلم يبرح من منزله، فدخل حفص بن عمر بن سعد على المختار فأجلسه إلى جنبه و دعا أبا عمرة فأسرّ إليه: أن سر إلى عمر بن‏

253

سعد و قل له: أجب الأمير!فإن أتى معك فجي‏ء به، و إن قال: يا جارية! هاتي ردائي، و يا غلام!هات طيلساني، فاعلم أنه يدعو لك بالسيف، فاقتله و أتني برأسه، فلم يشعر عمر بن سعد إلاّ و أبو عمرة رئيس شرطة المختار قد وافاه في أعوانه، فبقي متحيرا، ثم قال: ما شأنكم؟فقالوا: أجب الأمير! قال: إن الأمير قد علم بمكاني و قد أعطاني بالأمان، و هذا أمانه عندي قد أخذه منه لي ابن جعدة، و قد كتبه الأمير لي. فاتي به و فيه:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذا أمان المختار بن أبي عبيد الثقفي لعمر بن سعد بن أبي وقاص، إنك آمن بأمان اللّه على نفسك و أهلك و مالك و ولدك و أهل بيتك لا تؤاخذ بحدث كان منك قديما، ما سمعت و أطعت و لزمت منزلك، إلاّ أن تحدث حدثا جديدا، فمن لقي عمر بن سعد من شرطة اللّه و شيعة آل محمد فلا يعرض له إلا بسبيل خير، و شهد السائب بن مالك الأشتر؛ و أحمد بن شميط البجلي؛ و عبد اللّه بن كامل الهمداني؛ و عبد اللّه ابن شداد اليحصبي؛ و يزيد بن أنس الأسدي؛ و فلان؛ و فلان؛ و فلان؛ كلّهم شهدوا بالعهد و الميثاق و الأمان لعمر ابن سعد و ولده إلا أن يحدث حدثا جديدا و كفى باللّه شهيدا.

فقال له أبو عمرة: صدقت و اللّه، يا أبا حفص!قد كنا حضورا عند الأمير يوم كتب لك الأمان، غير أنه يقول إلاّ أن يحدث حدثا، و لعمري، لقد دخلت المخرج مرارا، و أحدثت أحداثا كثيرة، و ليس مثل المختار من يغدر، و لكن عنى هذه الأحداث و ليس ينبغي أن يعفو عنك بعد قتلك ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فأجبه لعلّه يدعوك لغير هذا.

قال: فإني أفعل، يا غلام!هات طيلساني و اعجل، فقال له أبو عمرة:

يا عدو اللّه!أ لمثلي يقال هذا؟و استلّ سيفه فضربه ضربة على رأسه فسقط على‏

254

قفاه فقال لأعوانه: خذوا رأس عدو اللّه، فأخذوا رأسه فجاء به حتى وضعه بين يدي المختار، و ابنه حفص واقف بين يدي المختار، و هو ابن اخته في رواية الجماعة أو سبطه في رواية محمد بن إسحاق، فقال المختار: أ تعرف هذا الرأس يا حفص؟قال: نعم، هذا رأس أبي و لا خير لي في العيش بعده.

و في رواية عبد الكريم بن حمدان: أنّ أبا عمرة لما قتل عمر أسرّ ابنه حفصا، و جاء به إلى المختار مع الرأس فقال: الحقوا حفصا بأبيه، فقال: أيها الأمير!ما شهدت كربلاء؟قال: لا، و لكنك تفتخر بأنّ أباك قتل الحسين، فو اللّه، لا تعيش بعده، فضربت عنقه صبرا، ثمّ وضع الرأسين بين يديه و قال: هذا بالحسين و هذا بعليّ، و لا سواء و ربّ الكعبة، ثم صلب جسديهما منكسين، و صبّ عليهما النفط فاحرقا، و وجّه بالرأسين إلى المدينة، و معهما ثلاثون ألف دينار، و كتب إلى محمد ابن الحنفية:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم-للمهدي محمد بن علي من المختار بن أبي عبيد الثقفي، سلام عليك، أما بعد: فإن اللّه تبارك و تعالى جعلني نعمة لأوليائكم و نقمة على قاتليكم و أعدائكم، فهم من فضل اللّه العزيز الحكيم بين قتيل و أسير و شريد و طريد، فنحمد اللّه على ذلك أيها المهدي حمدا يستوجب منه المزيد في العاجلة، و المغفرة و الرحمة في الآجلة؛ و قد وجهت إليك برأسي عمر بن سعد و حفص بن عمر و قد قتلت ممن شرك في دم الحسين و أهل بيته من قدرت عليه و لن يعجز اللّه من بقي منهم، و لست ألتذّ بالمنام، و لا يسوغ لي الطعام، و لا يطيب لي الشراب و لا يبقى أحد ممن شرك في دماء أهل بيتك، و أنا أرجو أن يقتل اللّه عبيد اللّه بن زياد و اصحابه المحلّين على يدي، و قد وجهت إليك بثلاثين ألف دينار، لتفرقها على من أحببت من أهل بيتك، و اكتب إلي برأيك فيما أحببت حتى أتبعه، و السلام.

255

ثم دفع الكتاب و الرأسين و المال الى مسافر بن سعيد الهمداني؛ و ابن عمارة التميمي؛ و ضمّ إليهما عشرين رجلا و وجّه بهما إلى محمد بن الحنفية و هو يومئذ بمكة، فبينا هو جالس في نفر من شيعته يتحدث و يقول:

أ لا ترون إلى المختار يزعم: أنّه من شيعتنا و أنه يطلب بدم الحسين!و قتلة الحسين عن يمينه و شماله على الكراسي يحدثونه؟و قد بلغني عن عمر بن سعد و ابنه حفص يروحان و يغدوان عليه، فما أتم كلامه إلا و كتاب المختار مع الرأسين و المال قد وافاه و وضع بين يديه، فقرأ الكتاب و حوّل وجهه إلى القبلة و خرّ ساجدا، ثم رفع رأسه و بسط كفيه و قال: اللّهم!لا تنس هذا للمختار، و أجزه عن أهل بيت نبيك أفضل الجزاء.

ثم أخذ بعض المال و فرّقه في مكة، و أرسل الباقي إلى المدينة ففرق في أهل البيت و غيرهم من المهاجرين و الأنصار، و لما أحرق المختار الجسدين و بعث بالرأسين أمر بإحراق داري عمر بن سعد و ابنه حفص فاحرقا جميعا.

10-و ذكر أبو مخنف في تاريخه الكبير: أنّ عبد اللّه بن دباس جاء إلى المختار فأخبره: أنّ في القادسية فرسانا من قتلة الحسين عليه السّلام فبعث إليهم المختار مالك بن عمرو النهدي و كان من رؤساء أصحابه فأتاهم و قبض عليهم و جاء بهم عشاء إلى المختار، و هم: عبد اللّه بن النزال الجهني؛ و مالك بن بشير البدي؛ و حمل بن مالك المحاربي؛ و كانوا فرسان عبيد اللّه بن زياد، فقال لهم المختار: يا أعداء اللّه و أعداء رسول اللّه و أعداء آل اللّه!أين الحسين بن علي؟أدوا إليّ الحسين، قتلتم من أمركم اللّه بالصلاة عليه في صلواتكم؟ قالوا: رحمك اللّه، بعثنا عبيد اللّه بن زياد و نحن كارهون قتاله، فامنن علينا و استبقنا، فقال لهم المختار: فهلا مننتم على الحسين و استبقيتموه؟ثم قال لمالك بن بشير البدي: أنت صاحب برنسه؟فقال عبد اللّه بن كامل:

256

نعم، هو صاحب البرنس، فقال المختار: اقطعوا يديه و رجليه، و دعوه فليضطرب حتى يموت، ففعل به ذلك فلم يزل يضطرب حتى مات، و أمر عبد اللّه بن كامل فقتل عبد اللّه بن النزال الجهني، و أمر مسعر بن أبي مسعر الحنفي فقتل حمل بن مالك المحاربي.

ثم عزم المختار على هدم دار أسماء بن خارجة الفزاري و إحراقها لأنه عمل في قتل مسلم بن عقيل، فجعل يقول: أما و ربّ السماء و الماء، و ربّ الضياء و الظلماء، لتنزلن نار من السماء حمراء دهماء سحماء، و لتحرقن دار أسماء، فبلغ ذلك أسماء فقال: قد سجع أبو إسحاق بداري فليس لي مقام هنا بعد هذا، فخرج أسماء الى البادية هاربا و أرسل المختار إلى داره و دور بني عمه، فهدّمها عن آخرها، ثمّ دعا برجل من أصحابه يقال له:

حوشب بن يعلى الهمداني فقال له: ويحك يا حوشب!أنت تعلم أن محمد ابن الأشعث من قتلة الحسين بن علي و هو الذي قال له بكربلاء ما قال، و اللّه، لا يهنيني النوم و لا القرار، و رجل من قتلة الحسين يمشي على الأرض، و قد بلغني أنه في قريته التي هي جنب القادسية فسر إليه في مائة رجل من أصحابك فإنك تجده لاهيا متصيدا، أو قائما متبلدا؛ أو خائفا متلددا؛ أو حائرا مترددا؛ فاقتله و جئني برأسه.

فخرج حوشب في مائة رجل من أصحابه و فرسانه حتى صار إلى قرية محمد بن الأشعث، و علم محمد بن الأشعث أنه لا طاقة له بحوشب بن يعلى، فخرج من باب له آخر في جوف الليل هاربا و مضى نحو البصرة إلى مصعب بن الزبير فكتب حوشب إلى المختار بذلك، فكتب إليه المختار: إنك قد ضيعت الحزم و الفرصة و لم تأخذ بالوثيق، فإذا فاتك الرّجل فاهدم قصره و بيته، و خرب قريته و ائتني بأمواله جميعا، ففعل ذلك كله.

257

و بلغ محمد البصرة فقال له مصعب: ما وراءك يا ابن الأشعث؟قال:

ورائي الترك و الديلم، هذا المختار قد غلب على الأرض جميعا، و هو يقتل الناس كيف شاء، و قد قتل و اللّه الى ساعته هذه ممن يتهم بقتل الحسين بن علي أكثر من ثلاثة آلاف رجل من فرسان العرب و شجعانهم و ساداتهم و كبرائهم، و قد أراد قتلي فهربت إليك خوفا منه، فهذا ما ورائي.

و كان عبد اللّه بن همام سمع أبا عمرة صاحب الشرطة ينال من عثمان ابن عفان قبل مجي‏ء المختار؛ فضربه بسوطه، فلما ظهر المختار خاف و استر حتى استأمن له عبد اللّه بن شرار، فجاء إلى المختار ذات يوم فمدحه بقصيدة طويلة منها قوله:

و في ليلة المختار ما يذهل الفتى # و يلهيه عن رود الشباب شموع‏

دعا يا لثارات الحسين!فأقبلت # كتائب من همدان بعد هزيع‏

و من مذحج جاء الرئيس ابن مالك # يقود جموعا عقبت بجموع‏

و من أسد وافى يزيد لنصره # بكل فتى حامي الذمار منيع‏

و سار أبو النعمان للّه سعيه # الى ابن إياس مصحرا لوقوع‏

بخيل عليها يوم هيجا دروعها # و اخرى حسور غير ذات دروع‏

فكرت خيول كرة أثقفتهم # و شد بأولاها على ابن مطيع‏

فآب الهدى حقا الى مستقرّه # بخير إياب آبه و رجوع‏

إلى الهاشمي المهتدي المهتدى به # فنحن له من سامع و مطيع‏

فقال المختار لأصحابه: أحسنوا جائزته فوصلوه، و أحسنوا إليه، ذكر الأبيات أبو مخنف.

رجعنا الى أخبار ما تقدم و كيفية قتل عبيد اللّه بن زياد قال: ثمّ دعا

258

عبد الملك بن مروان بعبيد اللّه بن زياد بعد قتل سليمان بن صرد الخزاعي و أصحابه فضم إليه ثمانين ألف رجل من أجناد أهل الشام و شجعانهم، و قال له: يا ابن زياد!أنت تعلم أن أبي مروان قد أمرك بالمسير إلى العراق فتقتل أهلها حتى يستقيموا، ثم إن الموت عاجله و أدركه فمضى لسبيله، و قد و ليتك أنا هذا الجيش الكثيف، فسر نحو الجزيرة و العراق، فإذا فرغت من أمر المختار فصر إلى مصعب بن الزبير بالبصرة فاكفني أمره و شرّه، ثم صر إلى أخيه عبد اللّه بن الزبير بالحجاز، فاكفني أيضا أمره و شره، فإذا فرغت من ذلك فلك جميع ما غلبت عليه بسيفك من أرض الشام إلى مطلع الشمس.

فسار عبيد اللّه و معه ثمانون ألفا ما بين فارس و راجل حتى نزل الجزيرة، ثمّ أرض نصيبين، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن سعيد الهمداني و هو عامل المختار على الموصل و ما والاها، فكتب بذلك الى المختار يخبره، و خرجت مقدمة ابن زياد في عشرين ألفا نحو الموصل فخرج عامل المختار إلى تكريت، فكتب إليه المختار:

بلغني كتابك و ما ذكرت فيه من أمر عدو اللّه و رسوله عبيد اللّه بن زياد، و لقد أصبت في تنحيك من بين يديه إذ كنت لا تقوم لجيشه، فانظر لا تبرح من مكانك حتى يأتيك أمري، ثم دعا المختار برجل من سادات الكوفة و شجعانها و هو يزيد بن أنس الأسدي، و قال له: يا يزيد!إنّ هذا عبيد اللّه بن زياد قد أقبل في المحلين و أبناء القاسطين، فسر إليه أنت في المؤمنين، و أطلب بدم ابن بنت الرسول الأمين. فقال له يزيد بن أنس: أيها الأمير! ضم إليّ ثلاثة آلاف رجل ممن انتخبهم أنا و خلني و الوجه الذي يوجهني اللّه تبارك و تعالى إليه، فإن احتجت إلى مدد فأنا سأكتب لك بذلك و لا قوة

259

إلاّ باللّه.

فقال له: اخرج إذن و انتخب رحمك اللّه من شئت و أحببت على بركة اللّه و عونه، فخرج يزيد بن أنس و جعل ينتخب القائد بعد القائد و الرجل بعد الرجل، حتى انتخب ثلاثة آلاف من سادات فرسان العراق و شجعانهم، و انفصل من الكوفة؛ و خرج المختار يشيعه حتى إذا صار إلى دير أبي موسى التفت إليه المختار، و قال له يوصيه: يا يزيد!انظر إذا لقيت عدوك نهارا فلا تنظرهم إلى الليل، و إن أمكنتك الفرصة فلا تؤخرها البتة، و ليكن خبرك عندي كلّ يوم، فإن احتجت إلى مدد فأكتب إليّ بذلك سريعا. فقال يزيد له: أيها الأمير!إني ما اريد منك أن تمدني إلاّ بالدعاء الصالح، فكفى به لي مددا إن شاء اللّه.

و كتب المختار إلى عبد الرحمن بن سعيد الهمداني بتكريت:

أما بعد: فقد وجهت إلى ما قبلك يزيد بن أنس الأسدي و هو من قد علمت في البأس و الشدّة، فإذا قدم عليك فخل بينه و بين البلاد، و كن تحت رايته مطيعا له، و السلام.

فسار يزيد بن أنس حتى صار إلى تكريت، فصار إليه عبد الرحمن بن سعيد في ألف رجل مقاتل، فصار يزيد في أربعة آلاف فارس، و أقبل حتى نزل على خمسة فراسخ من الموصل، و بلغ ذلك عبيد اللّه بن زياد فوجّه إليه بقائد من قواد أهل الشام و هو ربيعة بن مخارق في ثلاثة آلاف فارس، و اتبعه بقائد آخر و هو حملة بن عبد اللّه الخثعمي في ثلاثة آلاف فارس، و أقبل القوم حتى نزلوا بحذاء يزيد بن أنس، و اعتلّ يزيد بن أنس في تلك الليلة علّة شديدة، و أصبح موعوكا لما به من المرض، فدعا بحمار له أسود مقطوع الذنب و الاذنين بصري، فاستوى عليه و جعل يجول في عسكره‏

260

و غلمانه يمسكونه من ضعفه كيلا يسقط، و هو يوصيهم، و يقول لهم:

يا شرطة اللّه!اصبروا تؤجروا، و صابروا عدوكم تظفروا، و قاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا، و بعد فقد ترون ما بي من العلّة، فإن هلكت فأميركم ابن عمي ورقاء بن عازب الأسدي، فإن اصيب فعبد اللّه بن ضمرة الغنوي، فإن اصيب فمسعر بن أبي مسعر الحنفي، ثم نزل عن الحمار و جلس على كرسي، و قال للناس: يا أهل العراق!إن شئتم قاتلوا عن دينكم، و جدّوا في طلب دم ابن بنت نبيكم، و إن شئتم قاتلوا عن أنفسكم و عن أميركم.

فدنا القوم بعضهم من بعض و اقتتلوا ساعة ثم حمل ورقاء بن عازب على رجل من أهل الشام فضربه ضربة منكرة فسقط عن فرسه قتيلا و صاح:

يا أهل العراق!احملوا معي، فحملوا فانهزم أهل الشام هزيمة قبيحة و وضع أهل العراق السيف في أكتافهم نحوا من خمسة فراسخ، و أسروا منهم زهاء ثلاثمائة رجل، و اتي بهم ليزيد بن أنس، فأمر بضرب أعناقهم فاوقفوا بين يديه و هو لما به، فضربت أعناقهم، و هو يومئ بيده: أن لا تتركوا منهم أحدا فاستوفوهم.

و اشتدّت العلّة بيزيد فتوفي في بعض الليل، فجهز و صلّى عليه ورقاء ابن عازب، و أقبره ليلا و أصبحوا في حزن على صاحبهم، فقال لهم ورقاء: يا أهل العراق!ذروا هذا الجزع فكلّ حيّ ميت، فلا تشربوا قلوبكم الكدر فتهنوا، و هذا عدو اللّه و عدوكم عبيد اللّه قد التأم إليه عسكره؛ و عسكر آخر من الجزيرة و غيرها و لا اظنّ ان لكم به طاقة؛ فإني أعلم أنا ان قاتلناهم خاطرنا على أنفسنا لكثرتهم، و إن هزمنا ما جاءنا لم ينفعنا، لكثرة مددهم. غ

261

قالوا له: أيها الأمير!فالرأي أن ننصرف عنهم لا سيما و قد نكأنا (1) فيهم بالأمس، فوافقهم و انصرفوا في جوف الليل نحو العراق، و بلغ ذلك أهل الكوفة فأرجفوا و قالوا: قتل يزيد أميرهم. و ابيد عسكره، و اغتم المختار و لم يدر ما قصتهم، حتى علم أنهم انصرفوا لموت صاحبهم، فطابت نفسه و قدم أصحاب يزيد فأخبروه بما كان، فدعا أبا النعمان إبراهيم بن مالك الأشتر فعقد له و ضمّ إليه أصحاب يزيد و غيرهم من فرسان أهل الكوفة و رجالهم، و قال له: سر إلى عدو اللّه و عدوك و ناجزهم و طالعني بأخبارك بليلك و نهارك، فإن رأيت أمرا لا طاقة لك به فلا تلق بيدك إلى التهلكة و اكتب إليّ حتى أمدّك بما تكتفي به من خيل و رجال، و كن في كل أمر ذاكرا للّه تعالى في كل حال، و عجّل السير و ناجز عدوك و حاكمهم الى اللّه، صحبك اللّه و سلّمك، و ردّك سالما غانما، فسار إبراهيم بن مالك في أصحابه، و هو يقول:

أما و رب المرسلات عرفا # حقا و ربّ العاصفات عصفا

لتعسفن بالعدو عسفا # حتى نسوم القاسطين خسفا

زحفا إليهم لا نملّ الزحفا # حتى نلاقي بعد صف صفا

و بعد ألف في النزال الفا # فنكشف الظالم عنا كشفا

و عسكر ابراهيم بموضع يقال له: حمام أعين ثم ارتحل حتى نزل على خمسة فراسخ من الموصل، و عبيد اللّه بن زياد بالموصل قد أخذ خراجها و فرقه في أصحابه، و هو يومئذ في ثلاثة و ثمانين ألفا و خرج بهم فنزل

____________

(1) نكأنا: أضررنا، و معنى الجملة-إن قاتلناهم و هزمناهم جاءهم مدد لا يبقي علينا. لأنا قد أضررناهم بالنكاية بالأمس.

262

قريبا من معسكر إبراهيم، و إبراهيم يومئذ في نحو عشرين ألفا، و كان في عسكر ابن زياد رجل من الأشراف من بني سليم و هو عمير بن الحباب السلمي، فأرسل إلى إبراهيم: إني قد عزمت على المصير إليك و الكينونة معك، فإن أعطيتني الأمان وافيتك الآن، فأرسل إليه إبراهيم: إنه قد أعطيتك الأمان و لك عندي الكرامة ما رزقني اللّه السلامة، فهلمّ إلينا آمنا مطمئنا، فخرج عمير في جوف الليل في ألف رجل من قومه و مواليه حتى صار إلى إبراهيم، فأكرمه و برّه و برّ أصحابه و فرّق عليهم مالا.

فبلغ ذلك ابن زياد فأقلقه و قال: يخرج رجل من عسكري في ألف فارس لا يعلم به أحد، إنّ هذا الأمر يتبع، ثم إن إبراهيم قال لعمير: إني رأيت أن اخندق على عسكري خندقا، فما الذي ترى؟فقال له عمير: إنّ القوم يحبون أن يطاولوك، فإن خندقت كان خيرا لهم في المطاولة، و إن ناجزتهم كان خيرا لك، فقد ملئوا منك رعبا فصادمهم بخيلك و رجالك، فإنك على حقّ، فاللّه ناصرك و هم على باطل، فهو تعالى خاذلهم، و مظهرك عليهم.

فقال إبراهيم: قد اختبرتك و علمت أنك ناصح، فهذا ما أشار به الأمير، و عزم عليه الضمير، و قال عبيد اللّه بن زياد لأصحابه: إني لا عجب من هذا الغلام يعني إبراهيم و مسيره إليّ بهذا الجيش، و عهدي به بالأمس في الكوفة يلعب بالحمام، و لعلّ أجله قد اقترب، و بات كل من الفريقين ساهرين، لما يدبرونه غدا، و لا سيما جيش أهل العراق فإنهم علموا أن أميرهم إبراهيم يناجز أهل الشام، فلما كان وقت السحر صلّى إبراهيم في أصحابه بغلس، و عبّأ أصحابه، فجعل على ميمنته سفيان بن يزيد بن معقل الأزدي؛ و على ميسرته علي بن مالك الجشمي؛ و على أعنّة الخيل الطفيل بن‏

263

لقيط النخعي؛ و على الرجّالة مزاحم بن مالك السكوني، فوقف بهم و تقدمت الرجّالة، و جعل إبراهيم يقف على كل كتيبة فيوصيهم و يعهد إليهم و ينهاهم عن الخور و الفشل، ثم زحف رويدا حتى أشرف على تلّ، فنظر في عسكر القوم و تأمّلهم، فرآهم غارين لم يتحركوا و لم يظنوا أن أهل العراق يناجزونهم، فلما نظروا إلى الخيل وافتهم، بادروا إلى خيولهم و قدّموا الرجالة بين أيديهم، و كانت الخيول ستين ألفا، و الرجالة اثنين و عشرين ألفا، فعبأهم ابن زياد فجعل على ميمنته شرحبيل بن ذي الكلاع الحميري؛ و على ميسرته ربيعة بن مخارق الغنوي؛ و على جناح ميمنته عبد اللّه بن مسعدة الفزاري؛ و على جناح ميسرته حملة بن عبد اللّه الخثعمي؛ و في القلب يومئذ الحصين بن نمير السكوني، ثم انقض عليهم أهل العراق قائلين: اللّهم إنا خرجنا ثائرين بدماء أهل بيت نبيك، فانصرنا عليهم كيف شئت و أنى شئت يا ربّ العالمين!و تنادوا: يا لثارات الحسين، و تواقفوا رأي العين.

و تقدم عوف بن ضبعان الكلبي على فرس له أدهم و نادى: يا شيعة آل أبي تراب!يا شيعة المختار الكذاب!يا شيعة ابن الأشتر المرتاب!من كان منكم يدل بشجاعة و شدّة فليبرز إليّ إن كان صادقا، ثم جال بين الصفين و هو يقول:

إني ابن ضبعان الكريم المفضل # ليث النزال في مثار المفضل‏

من عصبة تبرأ من دين علي # كذاك كانوا في الزمان الأوّل‏

فما لبث عوف بن ضبعان حتى خرج إليه الأحوص بن شداد الهمداني و هو يقول:

264

أنا ابن شدّاد على دين علي # لست لمروان بن ليلى بولي‏

لأوقدنّ نارها في الجحفل # ثم أخوض النار حتى تنجلي‏

فجعل الشامي يشتم الأحوص، فقال الأحوص: دع عنك هذا إن كنت عربيا، فإن الذي بيننا أجلّ من الشتم، أنتم تقاتلون عن بني مروان، و نحن نطلب بدم ابن نبيّ الرحمن، فادفعوا إلينا ابن زياد لنقتله ببعض موالينا الذين قتلوا مع الحسين، و لا نراه و اللّه كفوا له، فقال الشامي:

جربناكم يوم صفين عند التحكيم، فحكمناكم و عدوتم علينا ظالمين.

فقال الأحوص: إنّ الحكم في الخديعة لا يتخذ فاصلا في الشريعة، ما اسمك أيها الرجل؟قال: منازل الأبطال!قال: ما أقرب اسمك من اسمي، فأنا مقرب الآجال!ثم حمل عليه الأحوص فالتقيا بضربتين، سبقت ضربة الأحوص منها فسقط الشامي قتيلا، و جال الأحوص و صاح: يا قتلة الحسين هل من مبارز؟فخرج داود بن عروة الدمشقي على كميت له مقنعا بالحديد و هو يقول:

أنا ابن من قاتل في صفينا # و لم يكن في دينه غبينا

بل كان في إيذا مكينا # مجربا يوم الوغى حرونا

فجاوله الأحوص و هو يقول:

يا ابن الذي قاتل في صفينا # و لم يكن في دينه غبينا

كذبت بل كان به مفتونا # لا يعرف الحق و لا اليقينا

ثم صعد له الأحوص فضربه ضربة، ألحقته بصاحبه و عاد إلى صفه، فخرج الحصين بن نمير السكوني فجعل يقول:

265

يا قادة الكوفة أهل المكر # و شيعة المختار و ابن الأشتر

هل فيكم قرن كريم العنصر # مجرب في بأسه ذو مخفر؟

يبرز نحوي عامدا لا يمتري # فيستقي الحتف بكأس ممقر (1)

فخرج إليه شريك بن خريم التغلبي، و هو يقول:

يا قاتل الشيخ الكريم العنصر # بكربلاء في التقاء العسكر

أعني حسينا ذا السنا و المفخر # نجل النبي المصطفى من حيدر

خذها إليك من خزبر قسور # ضربة قرم ربعيّ مضريّ‏

فتقدم إليه الحصين فالتقيا بضربتين، فما كذب التغلبي، أن ضربه ضربة على أم رأسه فخرّ منها صريعا قتيلا، فكبّر أصحاب التغلبي، و دخل أهل الشام شي‏ء عظيم من الجزع عليه، فتقدم إبراهيم ابن الأشتر على فرس له غرّ محجّل، حتى وقف بين الصفين، و نادى بصوته-و كان جهوريّ الصوت-: ألا يا شرطة اللّه و شيعة الحق!و أنصار الدين!و قاتلي المحلّين! و أبناء القاسطين!لا تطلبوا أثرا بعد عين، فهذا عبيد اللّه بن زياد قاتل الحسين الذي فعل و فعل (و جعل يعدد مساوئه) ما جاءكم به اللّه عز و جل في هذا المكان إلا لهلاكه، فتقدموا إليه رحمكم اللّه و نصركم، ثم حمل على أهل الشام و جعل يضرب سيفه في أعراضهم قدما قدما و يقول:

قد علمت مذحج في اليوم الجلل # إني ذو البأس إذا القرن نكل‏

و الأروع المقدام إن نكس فتل # أضرب في القوم و إن حال الأجل‏

و أعتلي رأس الطرماح‏ (2) البطل # بالذكر البتّار ما فيه فلل‏

____________

(1) الممقر: المرّ.

(2) الطرماح: الطويل.

266

و حمل معه أهل العراق بأجمعهم حملة رجل واحد فاصطفقوا بالصفاح، و تطاعنوا بالرماح، و تراموا بالسهام، و إبراهيم يقول لصاحب رايته: تقدّم فداك أبي، فالحق امامك، و اللّه ناصرك، و صاحب الراية يتقدّم و أهل العراق خلفه، و حان وقت الصلاتين، و ما صلّى القوم إلاّ بالإيماء، حتى إذا كان وقت اصفرار الشمس، انهزم أهل الشام هزيمة قبيحة و ولوا الأدبار، فأخذ السيف أكتافهم، و قهقر بقيتهم إلى الموصل و نظر إبراهيم إلى رجل عليه بزّة حسنة، درع سابغة و عمامة خزّ دكناء، و ديباجة فوق الدرع، و قد أخرج يده من الديباجة و فيها صفيحة مذهبة، فقصده إبراهيم لتلك الصفيحة، و للفرس الذي تحته، فلم يلبث أن ضربه ضربة شرّقت بيديه و غرّبت برجليه، فامتد إبراهيم منعطفا من سرجه، و رجلاه في الركاب إلى الأرض، و تناول الصفيحة و غار الفرس فما لحقه، و كان الظلام من الغروب و من القتام قد ترك الناس لا يبصر بعضهم بعضا.

فتراجع أهل العراق من نحو الموصل إلى معسكرهم لا يطئون إلاّ على جسد قتيل، و أصبحوا و قد فقد منهم ثلاثة و سبعون رجلا، و أصبح أهل الشام و هم عشرة آلاف رجل و ثمانمائة رجل و عامتهم جرحى، و قد فقد منهم سبعون ألفا فبذلك يقول بعض الشعراء في إبراهيم بن مالك الأشتر؛ و المختار بن أبي عبيد يمدحهما:

فجزى إبراهيم ثم أبا إسحا # ق عنّا الإله خير الجزاء

و جزى اللّه شرطة اللّه خيرا # عن بني هاشم بحسن البلاء

إذ تعشّوا منهم بسبعين ألفا # أو يزيدون قبل وقت العشاء

قتلوا الفاسق اللعين جهارا # في فريق من سائر الأحياء

و شفوا منهم غليل صدور # و على ربّنا تمام الشفاء

267

ثم قال إبراهيم لأصحابه: إني تبعت البارحة رجلا و قد اختلط الظلام في يده هذه الصفيحة، و تحته فرس جواد، فقتلته و أنا أشمّ منه رائحة المسك، فأخذت الصفيحة و فاتني الفرس، فقال بعض أصحابه: أصلح اللّه الأمير! الفرس أنا أمسكته و سأجيئك به فقد جعله اللّه لك، قال إبراهيم: إنّ بزته حسنة، و لامته كاملة، فانظروه بجانب شاطئ الفرات بموضع كذا و كذا، فذهب القوم فإذا هو عبيد اللّه بن زياد فأتوا برأسه و وضعوه بين يديه، فلما رآه عرفه و قال: اللّه أكبر!و خرّ ساجدا، و رفع رأسه و هو يقول: الحمد للّه الذي جعل قتله على يدي، فبذلك يقول بعض الشعراء من أصحاب إبراهيم:

فدى لغلام من عرانين مذحج # جري‏ء على الأعداء غير نكول‏

أتاه عبيد اللّه في شرّ عصبة # من الشام و استجلى بخير قبيل‏

فلما التقى الجمعان في حومة الوغى # و جرّ الردى في الحرب فضل ذيول‏

فولى عبيد اللّه خوفا من الردى # و خشية ماضي الشفرتين صقيل‏

فيعلوه إبراهيم بالسيف فاصلا # فطاح على البوغاء شرّ قتيل‏

جزى اللّه خيرا شرطة اللّه أنهم # شفوا بعبيد اللّه كل غليل‏

ثم أمر إبراهيم برأس عبيد اللّه بن زياد-؛ و رأس الحصين بن نمير السكوني؛ و رأس شرحبيل بن ذي الكلاع الحميري؛ و رأس ربيعة بن مخارق الغنوي؛ و رءوس أشباههم من رؤساء أهل الشام؛ فقورت و نقضت، و كتبت الرقاع بأسماء أصحابها و بعث بها إلى المختار، و كتب له يخبره بالواقعة كيف فعل بالمحلّين، و قتلة أهل البيت؟و كيف أباد خضراءهم؟فوردت الرءوس على أهل الكوفة تنيف على سبعين رأسا

268

يقدمها رأس عبيد اللّه بن زياد فاستقبلتها الشيعة فرحين، يحمدون اللّه الّذي أهلكهم و شفى صدور المؤمنين، و كان المختار قبل مجي‏ء الرءوس يقول:

سيأتينا الفتح غدا في رأس ابن مرجانة، فلمّا ورد في غد، زعم بعض من لا علم له: أنه يعلم الغيب، و افتتن به خلق من أهل الكوفة، حتى قال الشعبي: يا قوم!لا يفتننكم الشيطان، ما ذلك إلاّ فراسة مؤمن فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: فراسة المؤمن لا تخطئ.

ثم إن المختار بعث برأس عبيد اللّه بن زياد، و رأس الحصين بن نمير؛ و رأس شرحبيل بن ذي الكلاع إلى محمّد بن الحنفية و صلب باقي الرءوس حول الكوفة، و كتب إلى محمّد و مع الكتاب ثلاثون ألف دينار:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم للمهدي محمّد بن علي، من المختار بن أبي عبيد سلام عليك، أما بعد-فأحمد اللّه الذي أخذ لك بالثأر، من الأشرار، المطلوبين بالأوتار، فقتلهم في كل فج بقهر، و أغرقهم في كلّ نهر، و أهلك أولياءهم بالقهر، فشفى اللّه بذلك قلوب المؤمنين، و أقرّ عيون المسلمين، إذ أهلك المحلّين، و أبناء القاسطين، و إذا أنزل بهم ما أنزل بثمود و عاد و غرقهم تغريق فرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، و أكثروا فيها الفساد، لقد قتلوا أشر قتلة، و مثل بهم أقبح مثلة، و قد وجهت إليك برأس ابن زياد من ذوي الإلحاد، ليكبت بذلك الأعداء ذوو الأحقاد، و يفرح ذوو الولاء و الوداد، و وجّهت معها ثلاثين ألف دينار، لتنفقها على أهل بيتك و شيعتك، و السلام.

فلما ورد الكتاب على محمد قرأه على أهل بيته، فحمدوا اللّه و صاموا له شكرا و أمر محمد أن تصلب الرءوس خارج الحرم، فمنعه عبد اللّه بن الزبير، فدفنت.

269

ثم سار إبراهيم بن مالك فنزل الموصل و احتوى على الجزيرة و جبا الخراج فقسم على أصحابه جملة منه، و أرسل فاضله إلى المختار فصارت الكوفة و سوادها إلى المدائن و الجزيرة بأجمعها من ديار ربيعة و مضر إلى المختار، و صارت الشام و أرض مصر إلى المغرب إلى عبد الملك بن مروان، و صارت الحجاز و اليمن بأجمعها إلى عبد اللّه بن الزبير.

و ذكر أبو مخنف: أنّ المختار (رحمه اللّه) بعث بعد ذلك عبد اللّه بن كامل إلى مرة بن منقذ العبدي قاتل علي بن الحسين عليه السّلام-و كان بطلا شجاعا- فأحاط بداره فخرج مرّة و بيده رمح و هو على فرس جواد فتجاول مع ابن كامل، فضربه ابن كامل بالسيف فأبان يده اليسرى، ثم تعاورته أصحاب ابن كامل فقتلوه، ثم بعث المختار عبد اللّه بن كامل هذا إلى يزيد بن رقاد قاتل عبد اللّه بن مسلم بن عقيل، و كان يقول: رميته بسهم فاتقاه بيده، فشك يده إلى جبهته، فأنبته بعد ما مات فما قدرت و اللّه أن أنزع سهمي من جبهته، فتركته مثبتا فيها، فلما أحاط عبد اللّه بن كامل بداره خرج شاهرا سيفه، و كان بطلا مقداما، فقال ابن كامل لأصحابه: لا تضربوه بسيف و لا تطعنوه برمح، و لكن ارشقوه بالسهام كما رمى ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فرشقوه حتى سقط، فأمر عبد اللّه بنار فأحرقوه بها و هو حي. غ

270

قتل الشمر بن ذي الجوشن‏

و دعا المختار بعبد الرحمن بن عبيد الهمداني و قال له: بلغني عن شمر ابن ذي الجوشن الضبابي أنه خرج من الكوفة في نفر من غلمانه و من تبعه هاربا، فاخرج أنت في طلبه فلعلك تأتيني به حيا أو برأسه، فإني لا أعرف في قتلة الحسين أعتى منه و لا أشدّ بغضا لأهل البيت، و ضمّ إليه عشرة من أبطال أصحابه، و قال له و لهم: انشدكم اللّه إلا أقررتم عيني بقتله، و شفيتم غليلي بذلّه، فلقد أكمدني بفعله.

فخرج عبد الرحمن في أصحابه العشرة يسألون عنه، فقيل: إنّه قد نزل في جنب قرية على شاطئ الفرات يقال لها: الكلتانية و معه قوم قد صحبوه من قتلة الحسين و هم آمنون مطمئنون، فرحل عبد الرحمن بهم إليه، فلما أشرف عليه علم أن الخيل خيل المختار، فوثب قائما يتأمّلهم فنظروا إليه و عرفوه، فكبّروا و أحاطوا به و بأصحابه، و كان شمر متزرا بمنديل و كان أبرصا، و البرص على سائر جسده، فكأنه ثوب ملمع، فأخذ رمحه و دنا من أصحاب المختار و حمل عليهم و هو يقول:

نبهتم ليثا هزيرا باسلا # جهما محياه يدق الكاهلا

لم يك يوما عن عدونا كلا # إلاّ كذا مقاتلا أو قاتلا

فتقدم إليه عبد الرحمن بن عبيد و هو يقول:

يا أيها الغادر و ابن الغادر # و قاتل الحسين ذي المفاخر

ابن النبي الطيب العناصر # و ابن الوصي الطاهر ابن الطاهر

منيت من شيعته بثائر # يطعن في الضلوع و الحناجر

271

أشجع من ليث عرين خادر # فأبشر بخزي و بموت حاضر

ثم طعنه عبد الرحمن في نحره فسقط قتيلا، فنزل إليه و احتزّ نحره و قتل أصحابه جميعا، و أخذ أموالهم و أسلحتهم و دوابهم، و جاء برأسه و رءوس أصحابه إلى المختار، فلما نظر المختار إليه خرّ ساجدا، و قال: يا عبد الرحمن!أقر اللّه عينك بلقاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في الجنّة، ثم أمر برأس الشمر فنصب في رحبة الحذائين إزاء المسجد الجامع، فمثل به الصبيان برمي الحجارة و القذارة، و أمر المختار لعبد الرحمن بعشرة آلاف دينار و ولاه حلوان.

11-و ذكر ابن إسحاق قصة المختار مع ابن زياد بسياقة اخرى، فنحن نذكرها مجملا و نبين الصحيح فيما بعد، قال: لما هرب المختار من ابن زياد أمير الكوفة إلى مكة دخل على عبد اللّه بن الزبير فبايعه، فلما جنّ الليل دخل على محمد بن الحنفية فبايعه سرا، و كان المختار يحب الصيد، فكان كل يوم يركب للصيد، فلما كان في بعض الأيام خرج متصيدا فإذا هو برجل على ناقة يجدّ السير، فقصده المختار فقال له: من أين أقبلت؟قال: من الكوفة، فقال: و إلى أين؟قال: إلى مكة اريد المختار بن أبي عبيد، قال: و ما تريد منه؟قال: جئته ببشارة، قال: فها أنا المختار فأخرج من عمامته كتابا إليه من جملة من شيعة الكوفة، يسألونه القدوم عليهم ليأمروه عليهم، و يطلب بثار الحسين بن علي عليه السّلام.

فقال: ما فعل عبيد اللّه بن زياد؟قال: إن أهل البصرة شغبوا على عامله و كسروا سجنه و نهبوا أمواله، و قد خرج من الكوفة إليهم. قال: فمن خلف بالكوفة؟قال: عمرو بن حريث في أربعة آلاف، فخلع المختار على البشير ما كان عليه من الثياب و اللباس، و ردّه إلى الكوفة، و دخل المختار

272

على عبد اللّه بن الزبير، فأخبره بخروج ابن زياد من الكوفة إلى البصرة و ما حدث في البصرة، و أنه بقي في الكوفة عمرو بن حريث في أربعة آلاف، و قال له: ابعث معي مائتي فارس، فأنطلق بهم إلى الكوفة، و أقتل ابن حريث، و آخذ الكوفة و أجبي خراجها و أحمله إليك و أخطب لك فيها.

فأجابه ابن الزبير و عرض عليه عسكره، فانتخب منه مائتي رجل من شجعانهم، فلما جنّ الليل دخل على محمد بن الحنفية و أخبره بما كان من أمر البصرة و الكوفة، و قال له: اريد منك كتابين: كتابا إلى إبراهيم بن مالك الأشتر، و كتابا إلى محمّد بن الأشعث ليسمعا كلامي و يطيعاني و ينتهيا إلى أمري حتى آخذ الثأر من قاتلي الحسين بن علي عليه السّلام، فكتب كتابين له، فخرج المختار إلى منزله، و زوّر أربعين كتابا إلى أربعين شيخا من مشايخ الكوفة عن لسان محمد بن علي، و خرج من مكة ليلا و معه مائتا فارس، فجعل يسير الليل، و يكمن النهار، حتى ورد القادسية، فعاج لكربلاء و زار الحسين و بكى، ثم قال: يا ابن رسول اللّه!لا خلعت ثيابي هذه حتى أنتقم ممن قتلك و قاتلك أو اقتل.

ثمّ ودّع القبر و سار حتى صار بجبانة الكوفة، و ذلك في أوّل الليل و دخل الكوفة وحده، و معه اثنان و أربعون كتابا فقصد إبراهيم و قرع بابه، ففتح له و دخل، فلما رآه إبراهيم اعتنقه و قرّبه و قال: يا أبا إسحاق!من أين جئت؟و أين كنت؟قال: من مكة و في مكة. قال: كيف خلفت سيدنا محمد بن علي؟قال: بخير و هو يقرأ عليك السلام، و أعطاه كتابه إليه فتناوله إبراهيم و قبّله و بكى، ثم فضّه و قرأه و عجب بما فيه فحرّك رأسه، فقال المختار: ممّ حركت رأسك، لعله ثقل عليك أن تبايعني؟فناولني الكتاب فلا حاجة لي في بيعتك، و لكن لا تكن عليّ كما لم تكن لي، فقال‏

273

إبراهيم: سبحان اللّه يا أبا إسحاق!بل السمع و الطاعة لأمر سيدنا محمد، مد يدك، فمدّها فبايعه و أخذ مواثيقه، و كان إذا ركب إبراهيم ركب ثلاثمائة فارس معه من مواليه و موالي أبيه، فلما بايع المختار قال إبراهيم: قم معي إلى محمد بن الأشعث ندفع إليه الكتاب، فقاما إليه و قرعا الباب، فلما دخلا أجلسهما و جلس فأعطاه المختار الكتاب ففضه و قرأه، فحرّك رأسه كما فعل إبراهيم، فقال له المختار كما قال لإبراهيم فقال: ظننت أن سيدنا محمد يأمرك بالبيعة لي فحرّكت رأسي، ثم بايعه محمد، فقال لهما المختار: قوما معي فإن معي هذه الكتب ندفعها إلى مشايخ الكوفة و هي أربعون كتابا.

فقاما معه حتى فرق تلك الكتب إلى أهلها و أخذ منهم البيعة، ثم إنّ المختار جمعهم في منزل إبراهيم فدبروا في قتل عمرو بن حريث خليفة عبيد اللّه، و كان عمرو في أربعة آلاف و كان مع المختار مائتا فارس؛ و مع إبراهيم ثلاثمائة؛ و مع محمد بن الأشعث مائتان، ثم قال للمشايخ: أخبروني كم يركب معكم؟فقالوا: شأنك و القوم فإنّ كل واحد يكفيك محلّته و دربه، فكبّر المختار و قال: الآن آخذ بثأر آل محمّد و رب الكعبة.

ثم قال لمحمد بن الأشعث: اركب الآن في أصحابك و أخرج بعلّة الصيد، و انتح بعسرك الحيرة، و اركب أنت يا إبراهيم!إذا انتصف النهار و ادخل على ابن حريث، و قل له: إنّ أهل البصرة قد هزموا الأمير عبيد اللّه ابن زياد و إني خارج إلى نصرته، فما ذا تأمر؟ثم إنك إن تمكنت فاقتله، ثم اضرب بطبله فكل من خرج من أعوانه و أصحابه فضع السيف فيهم، و من هرب منهم إلى الحيرة، فاقتله أنت يا محمد!و من هرب إلى الجبانة قتلته أنا في عسكري، و من هرب منهم في السكك و الأزقّة فاقتلوهم أنتم أيها المشايخ!و غلّقوا الدروب جيدا و استوثقوا من المحال.

274

فاجتمع رأيهم على ذلك و تفرّقوا و رجع المختار إلى عسكره و لم يعلم أحدا من أهله، فلما أصبحوا خرج محمد بن الأشعث إلى الحيرة بعلّة الصيد. و وكل كل شيخ في دربه و محلته من يعتمده من أهله و أعوانه يتوقعون الصيحة، فلما انتصف النهار ركب إبراهيم في قومه حتى أتى قصر عمرو بن حريث ثم دخل و عليه سلاحه، فاستقبله الحاجب فقال: ما شأنك في هذا الوقت و في هذا الزي؟قال: إنّ أهل البصرة هزموا الأمير عبيد اللّه و أنا خارج لنصرته فأخبر الحاجب الأمير-و كان نائما في بيت الخيش- (1) فخرج مغموما متغير اللون و عليه غلالة كتان منسوج بالذهب و في رجليه نعلان، فلما صار في صحن الدار اعتنقه و أخبره الخبر و جلسا يتحدّثان، فنظر إبراهيم إلى رمح في وسط الدار مغشى بالديباج، فسأله عنه، فقال:

هذا الرمح الذي حمل رأس الحسين من الطف إلى الشام يفتخر به ابن زياد و من يوالي آل سفيان، فاستأذن أن يراه، فقال عمرو بن حريث: يا غلام! ائت به إلى إبراهيم، فأخذه إبراهيم و هزّه ثم طعن به عمرو بن حريث فأخرج السنان من وراء ظهره و استلّ سيفه و قتله، و قتل الحاجب و الغلمان، و ارتفعت الصيحة في الدار فلم يخرج إليه أحد إلا قتل، ثم ضرب الطبل، فركب عسكر ابن حريث إلى القصر فمن لقيه إبراهيم قتله. و من فرّ إلى الحيرة قتله ابن الأشعث، و من فرّ إلى الجبانة قتله المختار، و من هرب إلى السكك و المحال قتله المشايخ، حتى لم ينج منهم أحد، فبايع حينئذ أهل الكوفة المختار و احتوى على خزائن ابن زياد، و وضع الديوان فكتب فيه اثني عشر ألف مقاتل، و قوي أمره. و بلغ ذلك عبيد اللّه بن زياد فعرض ستين ألف رجل، و جاء بهم إلى الكوفة لحرب المختار، فنزل بباب الكوفة بموضع

____________

(1) بيت الخيش: يوضع فيه الثلوج بين الخيش للتبريد في الحرّ.

275

يقال له: بين النهرين، الفرات و الوادي.

فنادى المختار: يا أهل الكوفة!قاتلوا عن ابن بنت نبيكم و اطلبوا بثأره، أو قاتلوا عن كوفتكم و عيالكم و أموالكم، فو اللّه لئن ظفر ابن زياد بكوفتكم هذه ليحرقنها و ينسفنها، فبايعه ذلك الوقت ستة آلاف رجل فصار عنده ثمانية عشر الف، فخرج المختار إليه فراسله بالصلح، فأبى المختار، و بقي العسكران متقابلين شهرين حتى بذل ابن زياد العراق للمختار فلم يقبل، فقال له بعض قواده: ما هذا الحال أيها الأمير!فقد أذللتنا على كثرتنا؟فقال: أعلم أني كنت صبيا و كان المختار أصغر مني فوقعت بيننا خصومة بسبب حمامة فضربني المختار و أسقطني على الأرض و جثا على صدري، و قال لي: لأقتلنك و لن يكون قتلك إلاّ على يدي إن شاء اللّه، فأنا من ذلك اليوم أتخوف منه على نفسي، ثمّ إني سألت المنجم عن طالعي و موتي، فأخبرني: إني اقتل على يدي رجل له صفته، فقتلت المنجم بسبب ذلك، حتى لا يخبره فيقوي عزمه، ثم صمّم الحرب مع المختار، فأرسل المختار جاسوسا يستعلم أخبار ابن زياد بقيامه و قعوده و حركاته كلّها، فأخبره: أنه صلّى فقرأ في صلاته في الركعة الاولى: إِذََا وَقَعَتِ ، و في الثانية: إِذََا زُلْزِلَتِ .

فكبّر المختار، و قال: وقعت بهم الواقعة؛ و زلزلت بهم الأرض، ثم إنّ المختار عبأ عسكره فجعل على الميمنة إبراهيم بن مالك، و على الميسرة محمد بن الأشعث، و وقف هو في القلب، و عبأ ابن زياد عسكره على ما كان يعبأ به، و كان المختار لا يحارب إلاّ حين تزول الشمس اقتداء بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام، فلما أن قرب الزوال، دعا المختار برجل من أصحابه، و قال له: استأمن ابن زياد و اتبعهم، فإذا خلع عليك و قرّبك،

276

فصر إلى صاحب العلم و أسر إليه: إنّ المختار يعرفك محبا لآل محمد و هو يطالب بدم ابنه الحسين، و يقول لك: إذا دنوت من عسكر المختار، فنكس العلم ساعة، فإن أنت فعلت جزيت من اللّه و رسوله، و جعلت لك ولاية البصرة، فاستأمن الرجل و أكرمه ابن زياد لمعرفته به، فدنا من صاحب العلم و أسرّ إليه ما أراده المختار، فقال له: ارجع إليه، و قل له: إني فاعل ذلك، فاحمل أنت على القلب، فلما التحم القتال و حمل إبراهيم في الميمنة؛ و محمد بن الأشعث في الميسرة؛ و حمل هو في القلب، و استحرّ الضرب، نكس صاحب العلم علمه فانكسرت النفوس و ارتعدت الفرائص، فولوا مدبرين و أسرّ إبراهيم ابن الأشتر عبيد اللّه بن زياد، و جاء به إلى المختار، فلما اوقف ابن زياد بين يدي المختار خرّ ساجدا شكرا للّه تعالى، ثمّ جلس فضرب بسيفه جبين ابن زياد كما رماه ابن زياد بعمود من حديد فشج جبينه، ثمّ قطع يديه و رجليه، ثم رأسه، ثم صلبه، ثم أحرقه بالنار.

و الصحيح من استيلاء المختار على الكوفة و قتل ابن زياد ما ذكرناه أولا أنه استولى كما تقدّم، و قتل إبراهيم ابن زياد بالموصل، لأنّ أصحاب التواريخ و النسّابين قد اتفقوا على أنه لم يكن لبني اميّة ولاية بالعراق من سنة أربع و ستين، و هي السنة التي مات فيها يزيد و هرب ابن زياد من العراق إلى الشام، إلى سنة اثنين و سبعين و هي السنة التي دخل عبد الملك بن مروان فيها العراق، و قتل مصعب بن الزبير و ولى فيها الحجاج بعد قتله عبد اللّه بن الزبير.

و كان خروج المختار و مقتل ابن زياد سنة ست و ستين، و كان ابن زياد في هذه السنة في الشام هاربا من العراق، فكيف يكون أميرا على البصرة؟ و البصرة كانت ولايتها من السنة التي مات فيها يزيد و هي سنة أربع و ستين‏

277

في يد عبد اللّه بن الزبير إلى سنة اثنتين و سبعين، فالصحيح من سياق قصة المختار ما ذكرناه أولا.

و لما قتل إبراهيم بن الأشتر عبيد اللّه بن زياد، و استولى على أرض الجزيرة، أقام هناك و أعرض عن المختار، فكان المختار يكاتبه فلا يجيبه، فلمّا نظر مصعب بن الزبير إلى أنّ المختار قد بقي في شرذمة قليلة من أهل الكوفة، و أنّ إبراهيم بن الأشتر معرض عنه لا يجيب كلامه و لا يسمع له، اغتنم الفرصة في ذلك، و كتب إلى المهلب بن أبي صفرة، و كان يحارب الأزارقة بأمره، فاستدعاه و اعطى الكتاب إلى محمد بن الأشعث فقال: سر إليه فليس له أحد سواك، فإنه إذا نظر إليك رسولا علم أنّ الأمر جدّ فلا يتخلف، و انظر أن لا تفارقه أو تشخصه معك، فأخذ محمد بن الأشعث الكتاب و سار إلى المهلب، و هو يومئذ بسابور من أرض فارس يحارب الأزارقة، فلما قرأ الكتاب قال: يا سبحان اللّه!أ ما وجد الأمير بريدا سواك؟ فقال ابن الأشعث: و اللّه، ما أنا ببريد لأحد غير أنّ نساءنا و أبناءنا و عقرنا و منازلنا في يد المختار، قد غلبنا عليها و أجلانا عن بلدنا، و نحن نرجو أن تعود إلينا بعونك.

فدعا المهلب بأصحابه و قال: إن الأزارقة لا يريدون إلاّ ما في أيديهم، و المختار يريد ما في أيديكم، فذاك أولى بالدفع و النفع، و ولى عليهم ابنه المغيرة و سار في ألف رجل من فرسانه حتى قدم البصرة فقربه مصعب و أجلسه معه على سريره، ثم أمره بالتأهب لمحاربة المختار، ثم أمر مصعب أصحابه أن يعسكروا عند الجسر الأعظم، و خرج مصعب و خرج الناس معه من البصرة، و جعل على كل قبيلة رئيسا يقتدون برأيه، فجعل على قريش عمرو بن عبيد اللّه التيمي و على تميم كلها الأحنف بن قيس، و على أهل‏

278

العالية قيس بن الهيثم السلمي، و على بكر بن وائل مسمع الجحدري، و على عبد قيس مالك بن المنذر العبدي، و على كندة محمد بن الأشعث، و على مذحج عبيد اللّه بن الحر الجعفي، و على قبائل الأزد المهلب بن أبي صفرة.

فبلغ ذلك المختار فقام في الناس خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:

أما بعد يا أهل الكوفة!فإن أهل مصركم بغوا عليكم، كما قتلوا ابن بنت نبيكم، قد كانوا لجئوا إلى أمثالهم من الفاسقين الملحدين فاستعانوا بهم عليكم، لما علموا أن ابن الأشتر قد خذلني، و قعد عن نصرتي، و قد بلغني أنهم خرجوا من البصرة يريدون قتلي، ليضمحل الحق و ينتعش الباطل، و يقتلوا أولياء اللّه، ألا فانهدوا مع الأحمر بن شميط البجلي فإني أرجو أن يهلكهم اللّه تعالى على أيديكم، فأجابه الناس من كل جانب:

سمعنا و أطعنا!فخرج بهم الأحمر حتى عسكر بموضع يقال له: حمام أعين، ثم رحل حتى نزل المذار في قريب من ثلاثة آلاف فارس.

و أقبل مصعب حتى نزل قريبا منه في سبعة آلاف فارس و راجل، و دنا القوم بعضهم من بعض، و تقدم عباد بن الحصين الحبطي فنادى: يا شيعة المختار!أنا أدعوكم إلى بيعة أمير المؤمنين عبد اللّه بن الزبير، فقال له عبد اللّه ابن كامل الهمداني: و نحن ندعوكم إلى بيعة المختار و أن نجعل هذا الأمر شورى بين آل الرسول، فمن زعم أنه أحقّ بهذا منهم برئنا منه في الدنيا و هو في الآخرة لمن الخاسرين، و جاهدناه حق الجهاد عن الدين، فلما سمع مصعب ذلك غضب، و قال: احملوا عليهم؛ فحمل عباد بن الحصين على أصحاب المختار فلم يزل أحد من موقعه، ثم حمل ابن الأشعث فلم يزل أحد من موقعه، فصاح ابن الأشعث: يا أهل العراق!إلى متى، و حتى متى نحن

279

أذلاء مشردون عن بلادنا، مطرّدون عن أهلنا و أولادنا، فكرّوا عليهم كرة صادقة، فكرّوا عليهم فقتل الأمير الأحمر بن شميط و انهزم أصحابه إلى الكوفة.

فنزل بالمختار أمر عظيم من مقتل أصحابه، فكتب إلى إبراهيم بن الأشتر أيضا فلم يجبه، و أقبل مصعب حتى نزل بواسط ثم أمر أصحابه الرجّالة فقعدوا بالسفن، و ساروا في نهر يخرجهم إلى الفرات، و بلغ ذلك المختار فأمر بكل نهر يحمل من الفرات فسدّه، فبقي أصحاب مصعب في الطين، فخرجوا من السفن و ساروا على الظهر حتى نزلوا حروراء، و خرج المختار من الكوفة حتى نزل بإزائهم، و قال: يا له من يوم لو حضرني فيه ابن الأشتر، و و اللّه، ما من الموت بدّ، ثم اختلط الفريقان بالحرب، فأرسل مصعب إلى المهلب: ما تنتظر أن تحمل على من بإزائك، فالتفت المهلب إلى أصحابه، و قال: يظن الأمير أنا نلعب و لا يعلم بأني ما قاتلت قتالا أشدّ من هذا، ثم حملوا على أصحاب المختار فكشفوهم، فصاح المختار: أين أصحاب الصبر و اليقين؟فثاب إليه زهاء خمسمائة رجل ما فيهم رجل إلاّ و هو يعد برجال، فجعلوا يقاتلون قتالا لم تسمع الناس بمثله، فالتفت رجل من أصحاب المختار يقال له: عبد اللّه بن عمرو النهدي، فقال: و يحكم! أروني الموضع الذي فيه محمد بن الأشعث فإنه و اللّه ممن قاتل الحسين و شرك في دمه، و قال له: أي قرابة بينك و بين رسول اللّه.

فقالوا له: هو في الكتيبة الحمراء على فرس له أدهم فقال: بلى و اللّه، قد رأيته فذروني و إياه، ثم رفع رأسه إلى السماء، و قال: اللّهم!إني على ما كنت عليه بصفين، اللّهم!و إني أبرأ ممن قتل آل بيت نبيك محمد أو قاتلهم أو شرك في دمائهم، و حمل حتى خالط أصحاب مصعب فجعل يضرب‏

280

و يقتل فيهم و هو مع ذلك يلاحظ الموضع الذي فيه محمد بن الأشعث حتى إذا أمكنته الفرصة حمل عليه فضربه ضربة على راسه فجدله قتيلا، فأحاط أصحاب مصعب بعبد اللّه بن عمرو هذا فقتلوه.

و كان المختار قد قتل بالكوفة خلقا كثيرا من أهل الكوفة حتى قيل: إنه قتل سبعين ألفا ممن قتل أو قاتل الحسين عليه السّلام فتركه أصحابه لما في نفوسهم من الذحل على أقربائهم، و تحولوا إلى مصعب، فلما رأى المختار ذلك نزل عن فرسه، و نزل معه شيعة آل الرسول الخلّص، فبركوا على أفواه السكك، فلم يزالوا يقاتلون من المغرب الى الصبح، ثم قال له بعض أصحابه: أما أخبرتنا أنا نقتل مصعبا، فقال: بلى، أ ما قال اللّه عزّ و جلّ: يَمْحُوا اَللََّهُ مََا يَشََاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتََابِ الرعد/13.

و لما أصبح دخل قصر الامارة و كان قد أخطأ رجل من أهل الكوفة فضرب عبيد اللّه بن علي عليه السّلام و كان في عسكر مصعب فقتله و لم يعرفه، و أقبل مصعب نحو الكوفة، حتى دخلها في جيشه، و المهلب عن يساره، فقال له: يا أبا سعيد!يا له من فتح ما أهناه لو لا قتل محمد بن الأشعث، و جاءت الخيل حتى أحدقوا بالقصر فحاصروا المختار و أصحابه حصارا شديدا حتى بلغ منهم العطش مبلغا عظيما، و كانوا بذلوا في الرواية من الماء الدينارين و الثلاثة، و كانت النساء يأتين فيدخلن القصر بالطعام و الشراب إلى أقربائهن، فبلغ ذلك مصعبا فمنع النساء ثم قطع عنهم الماء، فكانوا يمزجون ماء البئر بالعسل فيشربونه من العطش، و كان أصحاب مصعب ينادون المختار: يا ابن دومة!كيف ترى ما أنت فيه من الحصار؟هذا جزاء من خالف أمير المؤمنين عبد اللّه و طلب الأمر لغيره.

فأشرف عليهم المختار ثم قال: يا جند المرأة، و أتباع البهيمة!أ تعيروني‏

281

بدومة و هي من بنات سادات ثقيف؟نعم، أنا ابن دومة، حسناء الحومة، لا يسمع فيها لومة، أما و اللّه، لو كان من يعيرني بدومة من إحدى القريتين لما عدا، و لكن إن كنتم رجالا كما تزعمون، فاثبتوا لي قليلا فو اللّه لاقاتلنكم قتال مستقتل قد آيس من الحياة. ثم صبّ عليه درعه و سلاحه و استوى على فرسه و تمثل بقول غيلان بن سلمة الثقفي:

و لو يراني أبو غيلان إذ حسرت # عني الهموم بأمر ماله طبق‏

لقال رعبا و رهبا يجمعان معا # غنم الحياة و هول النفس و الشفق‏

و الموت أحمد شي‏ء للكريم إذا # طغى له الدهر و الآجال تحترق‏

ثم أمر بباب القصر ففتح و خرج في نحو مائتي رجل ممن يقي بهم فكرّ على أصحاب مصعب حتى هزمهم و ركب بعضهم بعضا، فنظر إليه رجل من أهل البصرة و هو يحيى بن ضمضم الضبي-و كان فارسا طويلا إذا ركب خطت رجلاه الأرض من طوله، و لم يكن في عسكر مصعب أفرس منه-، فحمل على المختار ليضربه فاستقبله المختار و ضربه على جبينه فخرّ صريعا و حملت الكتائب على المختار من كل جانب، فجعل يحاربهم و يرجع إلى ورائه حتى دخل القصر فأحاطت الخيل بالقصر، و حاصروه أشدّ الحصار، فتمثل السائب بن مالك الأشعري بقول عبد اللّه بن حذاق:

هل للفتى من بنات الدّهر من واق # أم هل له من حمام الموت من راق‏

كأنني قد رماني الدهر عن عرض # بنافذات بلا ريش و أفواق‏

و غمضوني و لم يألوا بنعيهم # و قال قائلهم أودى ابن حذاق‏

و قد دعوا لي أقواما و قد غسلوا # بالماء و السدر جثماني و أعلاقي‏

و رجلوني و ما رجلت من شعث # و ألبسوني ثيابا غير أخلاق‏

و رفعني و قالوا أيما رجل # حامي الحقيقة قد وافى بميثاق‏

282

و أرسلوا فتية من خيرهم نسبا # ليدخلوني ضريحا بين أطباق‏

هون عليك و لا تولع باشفاق # فإنما مالنا للوارث الباقي‏

فسمع المختار هذه الأبيات من السائب، فقال له: للّه در عبد اللّه بن حذاق، ما أجود هذه الأبيات!أما و اللّه، لو لا ما نحن فيه، لأحببت أن أحفظها، و اللّه، يا سائب!لو كان لي عشرة من مثلك لقهرت مصعبا و أصحابه.

ثم قال لأصحابه: اخرجوا بنا و يحكم حتى نقاتل هؤلاء فنقتل كراما، و و اللّه، ما أنا بآيس إن صدقتموهم القتال، أن تنصروا عليهم.

فأجابه أصحابه إلى ذلك، و قالوا: ما الرأي إلاّ ما رأيت، و ليس يجب علينا أن نعطي بأيدينا، و يحكم هؤلاء في دمائنا، فاعزم على ما أنت عليه عازم من أمرك، فها نحن بين يديك.

فبعث المختار إلى امرأته أم ثابت بنت سمرة بن جندب الفزارية، فأرسلت إليه بطيب كثير و حنوط، فقام و اغتسل، ثم أفرغ عليه ثيابه و تحنط، و وضع ذلك الطيب في رأسه و لحيته، و قام أصحابه ففعلوا ذلك، و قال له بعض أصحابه: يا أبا إسحاق!ما من الموت بدّ؟فقال: لا و اللّه، يا ابن أخي!ما من الموت بد، و قد رأيت و اللّه عبد اللّه بن الزبير بالحجاز و بني أميّة بالشام و مصعبا بالعراق، و لم أكن بدون واحد منهم، و إنما خرجت بطلب دماء أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، و قد و اللّه، شفيت نفسي من أعدائهم، و ممن شرك في دمائهم، و لست ابالي بعد هذا كيف أتاني الموت. ثم استوى على جواده و قال:

لما رأيت الأمر قد تعسّرا # و شرطة اللّه قياما حسرا

شددت في الحرب عليّ مغفرا # و صارما مهندا مذكرا

283

معتقدا أني سألقى القدرا # أن يقتلوني و يروني المنكرا

فقد قتلت قبل هذا عمرا # و نجله حفص الذي تنمرا

و ابن زياد إذ أقام العثيرا # و الأبرص القيسي لما أدبرا

و قد قتلت قبل هذا المنذرا # من كل حيّ قد قضيت وطرا

12-و ذكر السيد أبو طالب، بإسنادي إليه، عن محمد بن زيد الحسني، عن الناصر للحق الحسن بن علي، عن محمد بن خلف، عن عمر ابن عبد الغفار، عن أبي نصر البزاز مولى صعصعة بن صوحان العبدي، عن أبيه، قال: رأيت المختار خرج من القصر، و السيف في يمينه و في يساره الترس، و هو يهدر كما يهدر البعير، و يقول:

إن تقتلوني تقتلوا مشمرا # رحب الذراعين شديدا حذرا

محمدا قتلته و عمرا # و الأبرص القيس لما أدبرا

أخا لجيم إذ طغى و استكبرا # من كل حيّ قد قضيت وطرا

قال: فو اللّه العظيم، ما ارتفع له شي‏ء إلا ضربه فجدله، حتى جاءه عبد الكبير بن شبث بن ربعي، فضرب يده فانقطع فاعتوروه بالرماح حتى قتلوه.

و زاد السيد أبو طالب في روايته أجزاء من كتابه على هذه الأبيات و أسندها إلى المختار، و هي:

لما رأيت الأمر قد تغيّرا # شددت في الحرب عليّ مغفرا

و صارما محددا مذكرا # و شرطة اللّه قياما حسرا

يسعون حولي جاهدين صبرا # أن يقتلوني يجدوني حذرا

محمدا قتلته و عمرا # و ابن سعيد و قتلت المنذرا

و الأبرص القيس لما أدبرا # من كل حيّ قد قضيت وطرا

284

قال السيد أبو طالب: يعني بقوله محمدا-محمد بن الأشعث-، و عمرا-عمر بن سعد بن أبي وقاص-، و ابن سعيد-عبد الرحمن بن سعيد ابن قيس الهمداني-، و المنذر-المنذر بن حسان الضبي-، و الأبرص القيس -شمر بن ذي الجوشن الضبابي-.

ثم جاء مصعب بعد قتله فاحاط بالقصر على أهله، و أمر برأس المختار فجزّ، و بيديه فقطعتا و علقتا على عضادتي باب الجامع، فكانتا عليها إلى أن جاء الحجاج و قتل مصعبا، فأمر بهما فانزلتا.

ثم أمر مصعب برأس المختار فنصب في رحبة الحذائين، و نادى أصحاب القصر: افتحوا الباب و لكم الأمان، ففتحوا فأخذوهم و أوقفوهم بين يدي مصعب، فنظرهم و قال: الحمد للّه الذي أمكنني منكم يا شيعة الدجّال!فقال رجل منهم و هو بحير بن عبد اللّه السلمي: لا و اللّه، ما نحن بشيعة الدجال، و لكنا شيعة آل رسول اللّه، و ما خرجنا بأسيافنا إلا طلبا بدمائهم، و قد ابتلانا اللّه بالأسر و ابتلاك أيها الأمير بالعفو و العقاب، و هما منزلتان: منزلة رضى و منزلة سخط، فمن عفا عفي عنه، و من عاقب فلا يعدو القصاص، و بعد، فإنا إخوتكم في دينكم، و نحن من أهل قبلتكم و على ملتكم، و لسنا من الترك و لا الدّيلم، و قد كنا أمنا ما كان من أهل الشام فما لأهل العراق، فاصفح إذا قدرت، فكأنّ مصعبا رقّ لكلامه، فوثب جماعة من عتاة الكوفة و قالوا: أيها الأمير!إنّ هؤلاء هم الذين قتلوا آباءنا و أبناءنا و إخواننا، و في إطلاقك إياهم فساد عليك في سلطانك و علينا في أحسابنا.

فقال مصعب: فشأنكم إذن بهم، فانحوا عليهم بالسيوف، فقتلوهم جميعا، ثم دخل مصعب القصر و جلس على سرير المختار، و أرسل إلى‏

285

امرأتي المختار: أم ثابت بنت سمرة بن جندب الفزارية، و عمرة بنت النعمان ابن بشير الأنصارية، فقال لهما مصعب: ما تقولان في المختار؟فقالت الفزارية: أقول فيه كما تقولون، فقال مصعب: اذهبي فلا سبيل لي عليك، و قالت الأنصارية: و لكني أقول كان عبدا مؤمنا محبا للّه و لرسوله و لأهل بيت رسوله، فإن كنتم قتلتموه فإنكم لم تبقوا بعده إلاّ قليلا، فغضب مصعب و أمر بها فقتلت، فقال بعض الشعراء في ذلك:

إنّ من أعجب العجائب عندي # قتل بيضاء حرّة عطبول‏

قتلت هكذا على غير جرم # إنّ للّه درها من قتيل‏

كتب القتل و القتال علينا # و على المحصنات جرّ الذيول‏

ثم بعث مصعب برأس المختار إلى عبد اللّه بن الزبير، فأمر عبد اللّه برأس المختار فنصب بالأبطح، و كان قبل ذلك أبى أن ينصب محمد بن الحنفية رأس ابن زياد خارج الحرم، ثم أرسل عبد اللّه بن الزبير إلى ابن عباس فقال له: يا ابن عباس!إنّ اللّه قد قتل المختار الكذاب، فقال ابن عباس: رحم اللّه المختار!فقال: كأنّك لا تحب أن يقال: الكذاب؟

قال: فإن المختار كان محبا لنا عارفا بحقنا، و إنما خرج بسيفه طالبا لدمائنا، و ليس جزاؤه منا أن نشتمه و نسميه كذابا.

ثم كتب مصعب إلى إبراهيم بن الأشتر:

أما بعد فقد قتل اللّه المختار الكذاب و شيعته الذين دانوا بالكفر، و كادوا بالسحر، فأقبل إلينا آمنا مطمئنا، و لك أرض الجزيرة و ما غلبت عليه بسيفك من أرض العرب، ما بقيت و بقي سلطان ابن الزبير، و لك بذلك عهد اللّه و ميثاقه.

و كتب أيضا عبد الملك بن مروان من الشام إلى إبراهيم مثل ذلك‏

286

و مناه، فكتب إبراهيم إلى عبد الملك بن مروان: إنه ما من قبيلة بالشام إلاّ و قد وترتها يوم ابن زياد، فلا آمنهم و إنما قبيلتي بالعراق، و بعض الشرّ أهون من بعض، و صار إلى مصعب فخلع عليه مصعب، و أجلسه معه على سريره.

و كتب إلى أخيه عبد اللّه بذلك، فسرّ بمقدم إبراهيم، ثم إن مصعبا أعاد المهلّب إلى حرب الأزارقة، و بقى عبد اللّه بن الزبير يجدّ في مناوأة محمد بن الحنفية و ابن عباس و بقية أهل البيت، حتى حبسهما إذ لم يجيباه إلى البيعة، و كان قبل ذلك حبس محمد بن الحنفية في قبّة الشراب، فعلم المختار بذلك فأرسل إليه أبا عبد اللّه الجدلي في جيش عظيم فخلّصه، و توعد ابن الزبير أن أخافه، فأمسك ابن الزبير الى أن قتل المختار، فعاد إلى ما كان عليه من العداوة، حتى قال يوما لابن عباس: إنه قد قتل المختار الكذاب الذي كنتم تمدون أعينكم إلى نصرته، فقال ابن عباس: دع عنك المختار فإنه قد بقيت لك عقبة تأتيك من الشام، فإذا قطعتها فأنت أنت، و إلا فأنت أهون من كلب في درب المسجد.

فغضب و قال: إني لم أعجب منك، و لكن أعجب مني إذ أدعك تتكلم بين يدي بمل‏ء فمك، فتبسم ابن عباس، و قال: تكلّمت و اللّه، بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و عند أبي بكر غلاما، و عند عمر و عثمان و عليّ رجلا، و كانوا يرونني أحقّ من نطق، يسمعون رأيي، و يقبلون مشورتي، و هؤلاء الذين ذكرتهم بعد رسول اللّه خير منك و من أبيك، فازداد غضبه، و قال له: لقد علمت أنك ما زلت لي و لأهل بيتي مبغضا، و لا زلت لكم يا بني هاشم!منذ نشأت مبغضا، و لقد كتمت بغضكم أربعين سنة، فقال ابن عباس له: فازدد في بغضنا، فو اللّه، ما نبالي أحببتنا أم أبغضتنا؟

287

فقال ابن الزبير: اخرج عني فلا أراك بعد هذا تقربني، فقال ابن عباس: أنا زاهد فيك من أن تراني عندك، ثمّ عاد ابن الزبير فقال: ذر عنك هذا و ارجع الى ابن عمك-يعني محمّد بن علي عليه السّلام-و قل له: فليخرج من جواري و لا يتربص، فإني لا أظنه سالما مني أو يصيبه ظفر، فقال ابن عباس: مهلا، يا ابن الزبير!فإن مع اليوم غدا، فقال ابن الزبير: صدقت مع اليوم غد، و ليس يجب عليك أن تكلمني في رجل ضعيف سخيف ليس له قدم و لا أثر محمود، قال: فتنمر ابن عباس غضبا و قال: ليس على هذا صبر يا ابن الزبير!و اللّه، إن أباه لخير من أبيك، و أنّ اسرته لخير من اسرتك، و انه في نفسه لخير منك، و بعد فرماه اللّه بك إن كان شرا منك في الدنيا و الدين.

ثم نهض مغضبا و خرج و هو يقول: لأنملة من محمد بن الحنفية أحبّ إلي من ابن الزبير و آل الزبير، و أنه و اللّه، لأوفر منهم عقلا، و أفضل دينا و أصدق حياء، و أشد ورعا، ثم خرج ابن الزبير في عدّة أصحابه، و قام في الناس خطيبا فقال: أيها الناس!إنّ فيكم رجلا أعمى اللّه بصره يزري على عائشة أم المؤمنين، و يعيب طلحة و الزبير حواري رسول اللّه يريد بذلك ابن عباس، و كان ابن عباس حاضرا في المسجد، فلما سمعه وثب قائما و قال:

يا ابن الزبير!أما ما ذكرت من أم المؤمنين عائشة فإنّ أوّل من هتك حجابها أنت و أبوك و خالك طلحة، و قد أمرها اللّه أن تقرّ في بيتها فلم تفعل فتجاوز اللّه عنها و رحمها، و أما أنت و أبوك و خالك فقد لقيناكم يوم الجمل، فإن كنا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم المؤمنين، و إن كنا كفارا فقد كفرتم بفراركم من الزحف.

فقال ابن الزبير: اخرج عني و لا تجاورني!فقال ابن عباس: نعم

288

و اللّه، لأخرجن خروج من يفلاك و يذمك، ثم قال ابن عبّاس: اللّهم!إنك قادر على خلقك، قائم على كلّ نفس بما كسبت، اللّهم!إنّ هذا الرجل قد أبدى لنا العداوة و البغضاء، اللّهم!فأرمه منك بحاصب، و سلّط عليه من لا يرحمه، ثمّ خرج ابن عباس و محمد بن الحنفية و أصحابهما من مكة إلى الطائف.

و كان ابن عباس يقول: أيها الناس!لو فسح لي عن بصري لكان لي و لابن الزبير و لبني أميّة شأن، ألا و إنّ اللّه عزّ و جلّ قد حرم هذا الحرم منذ خلق السماوات و الأرض، و هؤلاء القوم قد أحلّوه، و لكن انظروا متى يقصمهم اللّه، و يغير ما بهم. فقيل: أ تعني ابن الزبير أم الحصين بن نمير السكوني؟فقال: بل أعنيهما و أعني يزيد بن معاوية، فلم يزل بالطائف يذكر أفعال ابن الزبير إلى أن أدركته الوفاة، فصلّى عليه محمّد بن علي عليه السّلام و دفنه بالطائف بوادي وج منها.

13-و ذكر القتيبي: أنّ وفاته سنة ثمان و ستين و هو ابن اثنتين و سبعين سنة، و ضرب محمد على قبره فسطاطا، و قال: مات و اللّه، رباني هذه الامة، و بقي بعده محمد في الطائف لا يرى ابن الزبير و لا يذكره.

و قال أصحابه: أنه دخل شعب رضوى مع أربعين من أصحابه، فلم ير لهم أثر و لا سمع عنهم خبر، و قيل: لما قتل ابن الزبير و استقر الأمر لعبد الملك بن مروان و ولى الحجاج العراق، بايع محمد بن الحنفية عبد الملك على أن لا تكون للحجاج عليه ولاية، فأجابه عبد الملك و أحسن إليه و التمسه أن يزوره في كل سنة مرة، فأجابه محمّد، و كان يجيزه في كلّ سنة بمائتي ألف درهم، ثمّ نزل محمّد المدينة حتى مات.

و ذكر القتيبي: أنّ محمدا توفي أيضا بالطائف سنة اثنتين و ثمانين و هو

289

ابن خمس و ستين سنة، و لنذكر لتمام المطلب هنا:

مقتل مصعب، و عبد اللّه ابني الزبير

كان عبد الملك بن مروان يهمه أمر العراق، فأجمع رأيه أن يدخلها بنفسه، و تهيأ للمسير إليها، و لبس سلاحه، و دعا بكرسي فجلس عليه، فأتته امرأته عاتكة بنت يزيد بن معاوية و معها جواريها حتى وقفت بين يديه، فقالت: أنشدك اللّه، يا أمير المؤمنين!إن غزوت آل الزبير في هذه السنة، فقد علمت أنهم أشأم بيت في قريش.

فقال لها: ويحك قد أزمعت على السير، و لا بدّ لي من ذلك، فإما أن يبيدني آل الزبير أو ابيدهم. فبكت عاتكة فتبسم عبد الملك، و قال: قاتل اللّه كثيرا كأنّه نظر إلينا فقال:

إذا ما أراد الغزو لم يثن عزمه # حصان عليها نظم در يزينها

نهته فلمّا لم تر النهي عاقه # بكت فبكى مما عناها قطينها

ثم دعا أخاه أبان بن مروان فاستخلفه على الشام، و خرج إلى العراق و معه ثلاثة و ستون ألفا من أهل الشام و مصر، فبلغ ذلك مصعب ابن الزبير، فخرج من الكوفة و عسكر على عشرة فراسخ منها، و اغتمّ غما شديدا، فدعا بعبد اللّه بن أبي فروة مولى عثمان بن عفان، فاستشاره في المحاربة، فأشار عليه أن يستخلف على عمله و يلحق بأخيه عبد اللّه بمكة، و قال: إنّ الناس يخذلونك، فاقل له: إني أكره أن تتحدّث العرب: بأني كعت عنه‏ (1) ، و لكن هل لك أن تسير معي؟

____________

(1) كاع: رجع خائفا.

290

قال: لا، و اللّه لا يتهيأ لي ذلك، فلا تجشمني من الأمر ما لا اطيقه.

فسار مصعب حتى التقى بعبد الملك بدير الجاثليق، فعبأ عبد الملك أصحابه، فجعل على ميمنته عبد اللّه بن يزيد بن معاوية، و على ميسرته خالد بن يزيد بن معاوية، و على القلب أخاه محمد بن مروان، و عبأ مصعب أصحابه، فجعل على ميمنته حمزة بن يزيد العتكي، و على ميسرته عبد اللّه بن أوس الجعفي، و على القلب إبراهيم بن مالك الأشتر، فحارب يومئذ إبراهيم محاربة شديدة حتى أصابته نيف و ثلاثون ضربة و طعنة، فصرعوه عن فرسه، و احتزوا رأسه، و أتوا به إلى عبد الملك، فلما قتل إبراهيم تضعضع ركن مصعب، فالتفت إلى قطن بن عبد اللّه، فقال: تقدم، فقال قطن: ما أرى ذلك صوابا، قال: لم؟قال: لأنّ القوم كثير، ثم قال مصعب لمحمد بن عبد الرحمن بن سعيد الهمداني-: لو قدّمت رايتك قيلا، فقال: ما رأيت أحدا فعل ذلك فأفعل، فرمي مصعب عند ذلك بالسهام، حتى اثخن بالجراحات، و كاد أن يسقط عن فرسه، فتقدم عيسى بن مصعب، فقاتل بين يدي أبيه حتى قتل، و بقي مصعب لا يقدر أن يحرك يدا و لا رجلا.

فقال محمد بن مروان: لا تقتل نفسك يا مصعب!فقد آمنتك بأمان أمير المؤمنين، فقال: إنّ أمير المؤمنين بالحجاز، فحمل عليه عبد اللّه بن ظبيان التيمي، فقتله و أخذ رأسه، و وضعه بين يدي عبد الملك، ثم أمر عبد الملك أن يؤخذ رأس مصعب؛ و رأس ابنه عيسى؛ و رأس إبراهيم بن الأشتر، فيطاف بها في أجناد الشام، ثم قدم الكوفة في أجناد أهل الشام، و نادى في الناس بالأمان، ثم دعاهم إلى بيعته فبايعوا طائعين.

ثمّ إنّ الحجاج بن يوسف رأى في منامه أنه كان يسلخ عبد اللّه بن‏

291

الزبير حتى أخرجه من جلده، فأخبر بذلك عبد الملك، فأمره أن يسير إلى مكة و ضمّ إليه ستة آلاف فارس: ألفين من أهل الشام؛ و ألفين من مصر، و ألفين من العراق، و قال: انظر يا حجاج!أن لا تطأ الحرم بالخيل و الجنود، و لكن انزل حيث شئت من أرض الحجاز، و امنع ابن الزبير الميرة، و خذ عليه الطرق.

فوثب إبراهيم بن الأسود النخعي، فقال: يا أمير المؤمنين!قد بعثت هذا الغلام الثقفي إلى مكة فمره أن لا يهتك أستارها، و لا ينفر أطيارها، و أن يأخذ على ابن الزبير شعابها و جبالها، حتى يموت فيها جوعا و عطشا، أو يخرج عنها مخلوعا. فقال عبد الملك: قد أوصيناه بذلك، و لن يجاوز أمرنا إن شاء اللّه تعالى.

فسار الحجاج و نزل على بئر ميمون و قطع الميرة على ابن الزبير، و طال ذلك، فلم يطع ابن الزبير، فكتب الحجاج بذلك إلى عبد الملك، فكتب إليه: أن اعطه الأمان، فإن لم يخرج فجدّ في حربه، فدعاه الحجاج إلى الأمان فلم يقبل، فحاربه حتى التجأ إلى المسجد، فدخلوا عليه المسجد فقاتلهم حتى قتل و قتل أصحابه، فأمر الحجاج بعبد اللّه بن الزبير فصلب منكسا، و كان مقتله سنة ثلاث و سبعين و هو ابن ثلاث و سبعين أيضا.

و لما قتل وقف عليه عبد اللّه بن عمر فبكى و استغفر له، و قال: أما و اللّه، يا ابن الزبير!لئن علتك رجلاك اليوم فطالما قمت عليها في ظلمة الليل بين يدي ربك، و إني لأسمع قوما يزعمون: أنك شرّ هذه الامة، فلقد أفلحت امة أنت شرّها.

و جاءت إليه أمه أسماء في اليوم الثالث، و هي مكفوفة، فقالت:

اللّهم!إني راضية عنه فارض عنه، ثم جاءت إلى الحجاج، فقالت له: أ ما

292

آن لهذا الفارس أن ينزل؟فقال: أما روحه فصارت إلى جهنم، و أما جثمانه ففي طريق البلاغ، فقالت: كذبت، يا حجاج!فأمر بجثة ابنها فحطت عن خشبتها، فحملت إليها فغسلته و كفنته و دفنته، و لم تلبث بعده حتى لحقت به.

و هرب عروة بن الزبير من الحجاج، فصار إلى عبد الملك، فآمنه و أكرمه، فقال له الحجاج: إنّ أموال أخيه عنده، فزجره عبد الملك، و قال:

لا سبيل لك عليه.

14-و أخبرني صدر الحفاظ أبو العلا الحسن بن أحمد الهمداني-إجازة بها-، أخبرني محمود بن إسماعيل الصيرفي، أخبرني أحمد بن محمد بن الحسين، أخبرني أبو القاسم الطبراني، حدثني محمد بن عبد اللّه الحضرمي، حدّثني عبيد اللّه بن إسماعيل الهباري، حدثني سعيد بن سويد، عن عبد الملك بن عمير، قال: دخلت على عبيد اللّه بن زياد فرأيت رأس الحسين بن علي عليه السّلام قدّامه على ترس، فما لبثت إلاّ قليلا حتى دخلت على المختار، فرأيت رأس عبيد اللّه بن زياد قدّامه على ترس، ثمّ ما لبثت إلاّ قليلا حتى دخلت على مصعب بن الزبير فرأيت قدّامه رأس المختار على ترس، ثمّ ما لبثت و اللّه، إلا قليلا حتى دخلت على عبد الملك بن مروان فرايت قدّامه رأس مصعب بن الزبير على ترس.

15-و ذكر الإمام أحمد بن أعثم الكوفي؛ و الإمام عبد الكريم بن حمدان هذا الحديث، عن الشعبي قال: كنت جالسا بين يدي عبد الملك بن مروان فجي‏ء له برأس مصعب و وضع بين يديه، فقلت: ما أعجب هذا الاتفاق!فقال: ما ذلك؟قلت: يا أمير المؤمنين!دخلت هذا القصر فرأيت عبيد اللّه في موضعك هذا، و رأس الحسين بين يديه، ثم دخلته و المختار فيه‏

293

و رأس عبيد اللّه بن زياد بين يديه، و ساق الحديث على هذا الترتيب، فقام عبد الملك، و قال: للّه، يا شعبي!في أمره تدبير.

و زاد عبد الكريم: قال الشعبي: و رأيت الحجاج بن يوسف قاعدا على كرسي من ذهب بين يدي عبد الملك فغلبني البكاء، فقال لي عبد الملك: ما ذا يبكيك؟فساق الحديث، قال: فزبرني الحجاج، و كاد أن يبطش بي، فنهاه عبد الملك، فخرجت سالما.

16-و قال محمد بن إسحاق: إن محمد بن هانئ دخل عليه فلما رأى رأس مصعب ضحك، فقال الحجاج: مم ضحكت يا ابن هانئ؟قال: من عجب، قال: فأخبرني به فقد شغلت قلبي، فقال: رأيت في هذا المجلس، و ساق الحديث إلى آخره، فتطيّر الحجاج من ذلك، و انتقلوا إلى قصر آخر.

أقول: و لا ينافي ذلك بأن يكون محمد بن هانئ كان حاضرا، و كان عبد الملك بن عمير حاضرا، و كان الشعبي حاضرا، أو يقول كل واحد هذا القول، و يجاب بما اجيب أصحابه.

[انتهى و الحمد للّه ربّ العالمين‏]

294

الخاتمة

295

الخاتمة بقلم الاستاذ فضيلة الشيخ محمد كاظم آل شبير الخاقاني بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏ تنحدر قوافل البشر سيّالة فتقا بعد رتق من الرحمة المطلقة الفعلية و هي نفس الرحمن الى ساحة التعيّن في الاعيان، خارجة من كتم العدم باذن موجدها الفياض، تتجلى فيها الأنوار جمالا و جلالا على اختلاف مراتبها أداء لحق ربوبيته، تتخطى الأيام في ساحة كونها تسوقها الأقدار قضاء لحكمته و بيانا لرحمته لترسم جريها في قوسي النزول و الصعود طالبة في عروجها مدارج الأبد. و قد جئت في مسيرة الكون أحث السير مع السائرين بوجد و حنين اصطحب الأجيال لاصبح خيالا لا يتحدث عنه الركبان و وهما لا تحكي وحشة فراقه الوديان، في ديار الحزن و الأسى، كأني لم أكن جزت مع الركب مخاوف الاحلام، و خضت في جنبهم بحور الأوهام و طربت في كهفم لوتر الانغام، و قد بت أخاطب النفس بعد ربيع انسها و محافل جهلها قائلا: لم لا أذكر اليوم في حفل و لا مقام، و لا في جبل أو سهل و لا

296

في برّ أو بحر؟اسلمتني كوارث الحدثان لخلسة صمت مؤلمة و غربة ديار موحشة و قد كنت من قبل ذلك ابصرت نفسي و أنا على حافة الطريق أساير ركب السلام متعثر الخطى أكبو تارة، و أجدّ السير تارة أخرى، في يوم قدر عظيم أخذت فيه العهود و ابرمت المواثيق و قيل (للمخفين جوزوا و للمثقلين حطّوا) شاهدت فيه أقواما كنت أظنهم من الأوتاد رأيتهم يهوون الى أسفل درك من الجحيم لا يصدّهم عن ذلك عرفانهم و لا يمنعهم منه سواد جباههم، و لا يسترهم دونه حنك تيجانهم، يتسابقون الى الهاوية في كل مكان و زمان ألا إنّهم خلفاء الشياطين باسم رب العالمين.

فقلت: يا للّه و مل‏ء الحشا حسرة الفراق و اشواق الحنين في ديار الغفلة بعد الألفة، كيف أصبحت الأجيال فتقا بعد رتق، و كثرة بعد وحدة و ريبا بعد جزم و جهلا بعد علم، و كفرا بعد ايمان و غواية بعد فطرة ثلّة منها اقرّت لأنوار الملكوت و قوامها الأعظم راح يركع لصنم الناسوت.

فوقفت احدّ النظر في قارعة الطريق متهما للبصر فيما يرى و للاذن فيما تعي، و للعقل فيما يعقل، و للفؤاد فيما يلمس من حقائق الأمور التي أضحت تجري مقلوبة على ألسن العارفين مسايرة لمرضاة الطغاة الجائرين و ذلك لمسا لواقع أمر كاد أن يكون من أحاديث الغابرين لمتابعة السلف الخاطئين حيث يقول عزّ من قائل: وَ مََا مُحَمَّدٌ إِلاََّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَ فَإِنْ مََاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى‏ََ أَعْقََابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ََ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اَللََّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اَللََّهُ اَلشََّاكِرِينَ آل عمران/144.

أجل انه كان انقلابا على الأعقاب، عم الحاضر و الغائب على اختلاف مراتب الردة في ميادين الحكمة علما و عملا، إلا بعض الأوتاد الذين أرادهم اللّه حجج حق على بريته يرثون النبيين و الأوصياء الطاهرين الذين يقول في‏

297

حقهم إمام المتقين (بلى لا تخلوا الأرض من قائم للّه بحجة اما ظاهرا مشهورا و اما خائفا مغمورا لئلا تبطل حجج اللّه و بيناته و كم ذا و اين ذا اولئك و اللّه الأقلون عددا و الأعظمون عند اللّه قدرا يحفظ اللّه بهم حججه و بيناته حتى يودعوها نظرائهم إلى قوله عليه السّلام (اولئك خلفاء اللّه في أرضه و الدعاة الى دينه آه آه شوقا إلى رؤيتهم) .

هؤلاء لا تعيّنهم الألقاب التي باتت تتطور بتطور الزمان لأنهم مظاهر القرآن و روح العرفان لا تؤنسهم العناوين و لا تخدعهم مدارج العلم لأن العلماء كثيرون فكم من عالم قتله جهله و عارف بقطب رحى الاسلام ينتقض عليه فتله في يوم ينفع الصادقين صدقهم، أجل هكذا يكون نتاج الجهد إذ غربلت الأمم و ان هوّن الخطب على النفس في ميادين الوهم و الخيال ان كل واحد منا يظن واقع الأمر حكما يخص قوما آخرين. فكم بت أنظر الى مزالق أقدام كانت منارا للهدى و سبيلا للرشاد كيف أضحت ترسم حجب الغفلة بعد صحو من العيش، كانت فيه النخبة التي انتخبت فكيف حارت بعد الايمان و اسرّت بعد الاعلان، و نكصت بعد الاقدام فملئت من مشهدهم رعبا، كاد أن يلقى بي الى هوة حضيض ظلمات اليأس من كبوة عقبات الأوهام خوفا من انتقاض الجزم في ميادين العلم و العزم في ميادين العمل، فقلت يا اللّه!كيف يأمن أمثالي خواتيم الأمور و ها هم أسود الوغى صرعى في مخالب الذئبان، فوقفت لدهشة المصاب أسلي النفس بهدير الآهات و أقوّي اللب بسيل العبرات، لا أدري الى أي ركن وثيق أو خفض سحيق تأخذ بي مطارق الاقدار و تسلك بي مسالك الأسرار التي جف القلم عند أعتاب مدارجها و أقرّ اللب بالاستسلام عند بعض هضبات عروجها.

أجل وقفت على مصارع أقوام كانوا للحق أنصارا (قد تحملوا الكد و التعب

298

و ناطحوا الأمم و كافحوا البهم) انظر إليهم و الحزن مل‏ء جوانحي مجزّرين صرعى في و ديان الظلمات كأنهم لم يشربوا من عذب فرات ماء رويا و لم يذوقوا من فيض أنوار عسلا نقيا.

بلى و اللّه قد عاشوا في ظل مدرسة حق لا ريب فيها لم يشهد لها الكون من نظير، أعواما تسطع عليهم أنوار الملكوت، و تنشر في ربوعهم كنوز اللاهوت. فتركتهم في مواطن قتلهم أشلاء تمزقهم الذئبان يأتون يوم القيامة تحت راية إمامهم قائد المنقلبين على الأعقاب، فرحت أتابع السير مع الأجيال، و هم يتلوا بعضهم بعضا انظر الى الرايات كأنها السيل المنحدر تساق الى منازل كدحها و محافل وجدها، كل منها يظن وقفة الكون اجلالا لهيبته و تكريما لبريق رايته و أنا أنظر الى تهافت المضطهدين تحت أقدام الجائرين أنينهم جرم و صراخهم كفر و ارتداد، و اشاهد تكسّر أضلاع البؤساء و المحرومين كيف تهمل في سلة من النسيان و تكون و هما حتى في محافل الأديان الا عند عباد اللّه المخلصين، فكم قد راح يسبح المترفون في بحر من دماء و دموع اليتامى و المساكين؟!حتى مرّ على هذا المشهد الرهيب أعوام بات الصمت يخرس حناجر البلغاء الصادقين و فخر التأريخ لأنه يكتب تحت ظلال سيوف الجبارين و الماكرين، و تسلّق في هذه الاعوام الذئبان الأعواد باسم سيد المرسلين صلّى اللّه عليه و آله و أخذ يتسابق الشعراء لمدح قادة المنافقين و العلماء يوجهون أفعال الشياطين، و الخطباء يخطبون طمعا لما في أيدي الولاة الظالمين.

و قد شاهدت في هذا المطاف أمرا عجبا كيف أصبح الطليق أميرا للمؤمنين و الطريد وزيرا للخلفاء الراشدين و المتخلف عن نداء الحق مثالا للصديقين. فلما أمعنت النظر وجدت الخرق متسعا بأعين السالكين،

299

لا تحدده الأزمان و لا تقيّد ملاعب خيله المذاهب و الأديان، فرجعت بعد رسم الوهم أملا زهيدا، ألمس طرفا من الموازين الحاكمة بواقع أمرها آيسا من كل منطيق و عربيد، أنظر مواقع النجوم لعلي اشاهد قمرا منيرا حجبته عن الابصار غيوم الأوهام، فرأيت أن صبر الصابرين خير من أمل الآملين لبزوغ شمس الحقيقة قبل صباح المتقين لأنه قد يكون من تسويل النفس طمعا لرغيف الغاصبين.

و ها أنا قد كنت قبل اليوم وقفت وقفة في مسالك السائرين أردد التجوال انظر مواقع الأمور و سير الليالي في مقاطع الدهور، حينما تركت اخوان الصفا بعد التخبط في الظلمات صرعى، حائرا لا أعرف للنجاة سبيلا حتى ظننت أنه قد انطفأت مصابيح الهدى و استسلمت دعائم الحق لمطارق الكفر و الشقى، إذ بي في هذه البرهة من الزمن العضوض اسمع صوتا يملأ الكون ضجيجا، يهب فوق أركان الملكوت فتضطرب له الأجساد تحت ثرى الناسوت، و تطير شوقا لهمس انغامه أصحاب اللب في مسالك اللاهوت و هو يصيح: (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك) ، من بعد ما ودّع ديار الهجرة متوجها نحو بيت اللّه الحرام قاصدا بعد ذلك التحلل من مناسكه شوقا لاسلافه الكرام و سعيا لتحكيم موازين الحق و السلام لما اقيمت الحجة بوجود الناصر.

فاسرع كالطيف يتم الحجة على حشد المسلمين يحث السير نحو كعبة العاشقين و حرم سيد الوصيين و امام الموحدين، و قائد الغر الميامين على أمير المؤمنين عليه السّلام فبت أساير ركب السلام و هو يمرّ على صفحات الدهر ليرسم فيها خطى النبيين التي كادت أن تندرس على أيدي الولاة الظالمين باسم شريعة سيد المرسلين صلّى اللّه عليه و آله، فرحت انظر الى كواكب الاسحار مشرقة تطل من‏

300

وراء الحجب على مرابع الظلمات يكاد سنا برقها أن يتوّج ظلمة العدم حلل الانوار، بلى رحت أكدح مع الكادحين استلهم انغام الأزل و استنشق عبير الجنان يأخذ بي طرب الوصال الى منازل الوالهين و ينقلني الشوق الى كعبة العارفين و يقلّبني الوجل عن مضاجع الجاهلين، فقلت سبحان ربي، كيف يغمض الطرف من يعانق أسرار الملكوت؟

أجل هب ركب السلام مسرعا يلبي نداء البائسين، و يؤمن روع الخائفين و يبث نسيم الخلد فوق ديار الناسكين انه لمشهد عظيم، و خطب جسيم، انقدحت منه مشاعل العلم و تعاطفت عنده محامل السلم، فبات يهز أركان الطاغين و يسكت هدير الظالمين فقلت في أيام فرحتي و سروري و طربي قولا يشبه مقالة الشعراء لا وقف مطيتي لحظة تتاح لي فيها القوى لمتابعة السير:

دعيني ايا سلمى او اللوم فاقصدي # فاني في درب الهوى غير معتد

دعيني ايا سلمى الغرام و غرّدي # بربع فتى احلامه طيف معضد

فكم قد روينا من أحاديث للهوى # ليال بوجد الواله المتوقد

و صغنا أنا شيد الغرام صبابة # بدمع كضوء اللؤلؤ المتفرّد

فقلت لها صرم الفؤاد عن المها # أيا سلم من بعد الرشاد المسدّد

و لا راح يلهيني بانغامه الهوى # اذا ما استدير الكأس من ناعم اليد

طربت و لم أطرب لخد مورّد # و لا هاجني طيف لحسناء أغيد

طربت لذكراي البشير و لم أكن # لا طرب الا من مناقب امجد

احن الى ربع به آل احمد # و ابعد عن قصر العذول المشيّد

فبت يناغيني الفؤاد بحبهم # و يرسم لي من حبهم كل سؤدد

يهيمون طلابا الى المجد و العلي # و يبكون اشواق الفراق المبدد

رأيت بني الزهراء للمجد قادة # هداة مع الكرار في كل مشهد

رأيت بني الزهراء و الفخر أحمد # هداة لمن قد كان للحق يهتدي‏