إعراب القرآن - ج1

- الزجاج المزيد...
397 /
53

فقد جاز فى‏ (أَنْ تَضِلَّ) أن تتعلّق بأحد ثلاثة أشياء:

أحدها: المضمر الذي دل عليه قوله: (وَ اِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ) (1) .

و الثاني: الفعل الذي هو: فليشهد رجل و امرأتان.

و الثالث: الفعل، الذي هو خبر المبتدأ.

فإن قيل: فإن الشهادة لم توقع للضلال الذي هو النسيان، إنما وقعت للذكر و الحفظ.

فالقول فى ذلك أن سيبويه قد قال: أمر بالإشهاد لأن تذكّر إحداهما الأخرى، و من أجل أن تذكّر إحداهما الأخرى. و ذكر الضلال لأنه سبب للإذكار، كما تقول: أعددته أن تميل الحائط فأدعمه. و هو لا يطلب بذاك ميلان الحائط، و لكنه أخبره بعلة الدّعم و سببه.

و من حذف المضاف قوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا اَلصَّدَقََاتِ فَنِعِمََّا هِيَ) (2) .

أي: فنعم شيئا إبداؤها، فحذف المضاف، و هو إبداء، فاتصل الضمير فصار «ها هى» لأن «ها» يتصل بالاسم. فإذا انفصل قيل: هى.

و من ذلك قوله تعالى: (إِنَّهُ كََانَ حُوباً كَبِيراً) (3) . أي: إنّ أكله.

و مثله: (وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مََا دُمْتُ فِيهِمْ) (4) . أي: وقت دوامى فيهم.

و مثله: (أَعْلَمُ بِمََا لَبِثْتُمْ) (5) أي: بوقت لبثكم.

____________

(1) البقرة: 282.

(2) البقرة: 271.

(3) النساء: 2.

(4) المائدة: 117.

(5) الكهف: 19.

54

و قال: (يََا حَسْرَتَنََا عَلى‏ََ مََا فَرَّطْنََا فِيهََا) (1) أي: فى عملها و تأهبها. و يجوز أن تعود «الهاء» إلى «ما» حملا على المعنى.

و مثله: (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ) (2) أي: من قبل تلاوته.

و من حذف المضاف قوله تعالى: (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ) (3) أي: جزاء قولهم‏ (4) ، لقوله‏ (5) : (وَ قََالُوا هََذِهِ أَنْعََامٌ وَ حَرْثٌ حِجْرٌ) (6) و الوصف القول، فحذف المضاف كقوله تعالى: (فِيهََا مَتََاعٌ لَكُمْ) (7) أي: فى دخولها استمتاع لكم. ألا ترى أنه قيل: أراد به البنادق‏ (8) .

و مثله: (وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنََاحٌ فِيمََا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَ لََكِنْ مََا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (9) . أي: ليس عليكم جناح العمل و إثمه دون الخطأ.

و مثله: (رَبِّ نَجِّنِي وَ أَهْلِي مِمََّا يَعْمَلُونَ) (10) تقديره تقدير حذف المضاف، أي: من عقوبة ما يعملون، أو جزاء ما يعملون. ألا ترى أن الأنبياء تعتزل عن المعاقبين/فى المحلّ إذا عوقبوا؛ على هذا (وَ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ) (11) و قوله تعالى: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) * (12) و نحو ذلك. و يجوز أن يكون التقدير: من مشاهدة ما يعملون.

____________

(1) الأنعام: 31.

(2) يونس: 16.

(3) الأنعام: 139.

(4) في الكشاف (2: 72) : «وصفهم» .

(5) في الأصل: «كقوله» .

(6) الأنعام: 138.

(7) النور: 29.

(8) كذا في الأصل. و لعل توجيه العبارة: «أو الفنادق» . أي البيوت المستثناة من الاستئذان. قال الزمخشري (3: 228) : «استثنى من البيوت التي يجب الاستئذان على داخلها. ما ليس بمسكون منها، و ذلك نحو الفنادق، و هي الخانات و الربط و حوانيت البياعين» .

(9) الأحزاب: 5.

(10) الشعراء: 169.

(11) الدخان: 21.

(12) هود: 81.

55

و مثله: (إِنَّمََا تَقْضِي هََذِهِ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا) (1) أي: أمور هذه الحياة الدنيا، و إنما تقضى بوقت هذه الحياة الدنيا؛ فعلى الأول مفعول، و على الثاني ظرف.

و كقوله تعالى: (بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ) (2) أي: بهزّ جذع النخلة. و قيل: الباء زيادة. و قيل: و هزى إليك رطبا بجذع النّخلة.

و كقوله تعالى: (لاََ تَقْرَبُوا اَلصَّلاََةَ) (3) أي: مواضع الصلاة. ألا ترى أنه إنما يعبر موضع الصلاة، و موضع الصلاة هو المسجد؛ لأن سائر المواضع عبوره قد وقع الاتفاق على إباحته.

و من ذلك قوله تعالى: (اَلْيَوْمَ يَئِسَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ) (4)

أي: من توهين دينكم.

و مثله قوله تعالى: (لَقَدْ كََانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ) (5) أي: فى مواضع سكناهم، فحذف المضاف، و المسكن: السّكنى.

[و]قال: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) (6) أي: فى مواضع قعود صدق، فلا يكون من باب قوله:

فى حلقكم عظم و قد شجينا (7)

و أمّا جلدها فصليب‏ (8)

لأن ذلك فى الشعر.

____________

(1) طه: 72.

(2) مريم: 25.

(3) النساء: 43.

(4) المائدة: 3.

(5) سبأ: 15.

(6) القمر: 55.

(7) عجز بيت للمسيب بن زيد مناة الغنوي، و صدره:

لا تنكر القتل و قد سبينا

و الشاهد فيه وضع الحلق موضع الحلوق.

(8) جزء من بيت لعلقمة بن عبدة، و البيت كاملا:

بها جيف الحسري فأما عظامها # فبيض و أما جلدها فصليب‏

و الشاهد فيه وضع الجلد موضع الجلود، لأنه اسم جنس ينوب واحده عن جميعه، فأفرد ضرورة لذلك. (الكتاب لسيبويه 1: 107) .

56

كذا ذكره سيبويه و أبو علىّ، و قد وجدنا خلاف ذلك فى التنزيل.

و قال: (لاََ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَوََاءٌ) (1) . و قال: (وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ) (2) .

و من ذلك قوله تعالى: (قُلْ مََا يَعْبَؤُا بِكُمْ) (3) أي: بعذابكم، أي: لا وزن لعذابكم عنده لو لا دعاؤكم‏ (4) الآلهة الذين أشركتموها فى عبادته. و المفعول الذي هو مفعول المصدر محذوف، و كل واحد من الفاعل و المفعول قد يحذف مع المصدر.

و يجوز أن يكون قوله تعالى: (لَوْ لاََ دُعََاؤُكُمْ) (5) الآلهة، أي: عبادتكم إيّاها.

و على هذا قوله تعالى: (مََا نَعْبُدُهُمْ إِلاََّ لِيُقَرِّبُونََا إِلَى اَللََّهِ زُلْفى‏ََ) (6) أي:

لم يكن يعذّبكم بعذابه لو لا دعاؤكم الآلهة، و لكن إذا عبدتم داعين إليها، كما يرغب الموحدون مجتهدين فى دعاء اللّه و عبادته، عذّبكم. و يقوّى أن الدعاء يراد به دعاء الآلهة، الذي هو العبادة لها و الرغبة إليها فى دعائها، قوله:

(فَقَدْ كَذَّبْتُمْ) لأنهم إذا دعوا الآلهة فقد كذبوا الموحدين فى توحيدهم و كذّبوا الرسل‏ (فَسَوْفَ يَكُونُ لِزََاماً) . أما فاعل‏ (يَكُونُ) للعذاب المحذوف لذى قد حذف/و أقيم المضاف إليه مقامه، أي: سوف يكون العذاب لازما لكم. و (لِزََاماً) مصدر، فإما أن يكون بمعنى لازم، أو يكون: ذا لزام.

____________

(1) إبراهيم: 43.

(2) الأعراف: 157.

(3، 4، 5) الفرقان: 77.

(6) الزمر: 3.

57

و مثله: (وَ لاََ تَأْكُلُوهََا إِسْرََافاً وَ بِدََاراً أَنْ يَكْبَرُوا) (1) أي: حين كبرهم؛ لأنهم إذا كبروا زالت ولايتهم عنهم.

و مثله: (لَحَبِطَ عَنْهُمْ) (2) أي: عن ثواب أعمالهم، فلهذا عدّاه بـ «عن» .

و مثله: (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ) (3) أي: هل يسمعون دعاءكم.

و مثله: (إِنََّا خَلَقْنََاهُمْ مِمََّا يَعْلَمُونَ) (4) أي: من أجل ما يعلمون، و هو الطاعة، كقوله تعالى: (وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ) (5) .

و قال اللّه تعالى: (يُسََارِعُونَ فِيهِمْ) (6) أي: فى معونتهم.

و قال اللّه تعالى: (وَ قََالُوا لَوْ لاََ نُزِّلَ هََذَا اَلْقُرْآنُ عَلى‏ََ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (7) أي: من إحدى القريتين: مكة و الطائف، أي: أبى مسعود الثقفي، [أ]و: الوليد بن المغيرة. هكذا قالوه. و أنكره الأسود، و قال: هذه الآية نزلت فى الأخنس بن شريق الثّقفي، و كان من أهل الطائف، و كان ينزل مكة، و هو حليف لبنى زهرة، و هو أحد المنافقين. مطاع، فلما كان ثقيفيّا من أهل الطائف ثم نزل مكة، جاز أن يقال: على رجل من القريتين.

و هذا ظاهر.

____________

(1) النساء: 6.

(2) الأنعام: 88.

(3) الشعراء: 73.

(4) المعارج: 39.

(5) الذاريات: 56.

(6) المائدة: 52.

(7) الزخرف: 31.

58

و مثله: (وَ جَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبََادِهِ جُزْءاً) (1) المعنى: من مال عباده نصيبا، لأن الجزء هو النّصيب؛ كقوله تعالى: (وَ يَجْعَلُونَ لِمََا لاََ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ) (2) .

و مثله: (فَلْتَقُمْ طََائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) (3) أي:

و ليأخذ باقيهم.

كقوله تعالى: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي اَلدِّينِ) (4) أي ليتفقّه باقيهم. و قال: (لَهُمْ عَذََابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ) * (5) أي: من شرب رجز؛ كقوله تعالى: (وَ يُسْقى‏ََ مِنْ مََاءٍ صَدِيدٍ) (6) .

و قال اللّه تعالى: (إِنَّ كِتََابَ اَلْأَبْرََارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) (7) أي: فى محلّ عليين، و هم الملائكة.

و مثله: (وَ لاََ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حََاجَةً مِمََّا أُوتُوا) (8) أي: مسّ حاجة من فقد ما أوتوا.

و مثله: (فَوَيْلٌ لِلْقََاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اَللََّهِ) (9) أي: من ترك ذكر اللّه.

و مثله: (عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) (10) .

____________

(1) الزخرف: 15.

(2) النحل: 56.

(3) النساء: 102.

(4) التوبة: 122.

(5) سبأ: 5.

(6) إبراهيم: 16.

(7) المطففين: 18.

(8) الحشر: 9.

(9) الزمر: 22.

(10) ص: 32.

59

و مثله: (فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اَللََّهِ) (1) أي من بعد إضلال‏ (2) اللّه إياه، يطبعه على قلبه، جزاء بأعمالهم الخبيثة.

و مثله‏ (اِسْتَحَقََّا إِثْماً) (3) أي عقوبة إثم.

و مثله: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ) (4) تقدير هذا الكلام: إنى أريد الكفّ عن قتلى/كراهة أن تبوء بإثم قتلى و إثم فعلك، الّذى من أجله لم يتقبّل قربانك، فحذف ثلاثة أسماء مضافة، و حذف مفعول «أريد» .

لا بد من هذا التقدير، فموضع «أن تبوء» نصب، لأنه قام مقام «كراهة» الذي كان مفعولا له، و ليس مفعول «أريد» .

و مثله: (يُبَيِّنُ اَللََّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) (5) أي: كراهة أن تضلّوا، و لئلا تضلوا.

عن الكوفي. و عن النّحاس: أن موضع‏ (أَنْ تَضِلُّوا) نصب بوقوع الفعل عليه، أي يبين اللّه لكم الضلالة.

و مثله: (وَ أَلْقى‏ََ فِي اَلْأَرْضِ رَوََاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) * (6) أي كراهة أن تميد بكم.

و مثله: (قُلْ إِنَّ اَلْهُدى‏ََ هُدَى اَللََّهِ أَنْ يُؤْتى‏ََ أَحَدٌ مِثْلَ مََا أُوتِيتُمْ) (7) أي:

كراهة أن يؤتى.

____________

(1) الجاثية: 23.

(2) في الأصل: «عضو» . و لا يستقيم بها الكلام. (الكشاف 4: 291) .

(3) المائدة: 107.

(4) المائدة: 29.

(5) النساء: 176.

(6) النحل: 15.

(7) آل عمران: 73.

60

و فيه قول آخر ستراه فى حذف الجار.

و مثله: (وَ لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ اَلْمَوْتَ) (1) أي: أسباب الموت، فحذف المضاف، يدل عليه: (فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ) أي: رأيتم أسبابه، لأن من رأى الموت لم ير شيئا.

و مثله: (وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) (2) أي: شكر رزقكم، فحذف المضاف.

و مثله: (أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي اَلنََّارِ) (3) أي: من فى طلب النار، أو قرب النار.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَ ثََامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) (4) .

قال محمد بن كعب: كانوا ثمانية، و الثامن راعى كلبهم.

فيكون التقدير: و ثامنهم صاحب كلبهم.

و الجمهور على خلافه، و أنهم كانوا سبعة و ثامنهم كلبهم.

و مثله من حذف المضاف، قوله تعالى: (حَتََّى إِذََا جََاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَ وَجَدَ اَللََّهَ عِنْدَهُ) (5) أي: عند جزاء عمله.

____________

(1) آل عمران: 143.

(2) الواقعة: 82.

(3) النمل: 8.

(4) الكهف: 22.

(5) النور: 39.

61

قال أبو على فى الآية: معنى‏ (لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً) (1) لم يجده وجودا، فصار قوله «شيئا» موضوعا موضع المصدر؛ ألا ترى أن التقدير، لم يدركه، فهو من وجدان الضالة التي هى رؤيتها و إدراكها.

و أما قوله تعالى: (وَ وَجَدَ اَللََّهَ عِنْدَهُ) فإن أبا إسحاق فسّر الوجود هاهنا بما فى الحديث، من قول القائل: ذرونى فى الريح لعلّى أضل اللّه، أي:

وجده فلم يضلّ عنه. و يجوز قد أحاط اللّه بعلمه عنده. و معنى «عنده» يشبه أن يكون: عند جزاء عمله، فيكون محيطا لم ينتفع بشى‏ء منه.

و أما قوله تعالى: (أَوْ كَظُلُمََاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ) (2) ، فمعناه: أو كذى ظلمات، و يدل على حذفه قوله تعالى: / (إِذََا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرََاهََا) (3) . و الضمير الذي أضيف إليه (يده) يعود إلى المضاف المحذوف. و معنى:

«ذى ظلمات» : أنه فى ظلمات. و معنى‏ (ظُلُمََاتٌ بَعْضُهََا فَوْقَ بَعْضٍ) (4) ظلمة البحر، و ظلمة الموج الذي فوق الموج، و ظلمة الليل.

و قوله تعالى: (فَنََادى‏ََ فِي اَلظُّلُمََاتِ) (5) ظلمة البحر، و ظلمة بطن الحوت. و يجوز أن يكون الالتقام كان فى ليل، فهذه ظلمات.

و قوله تعالى: (خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمََاتٍ ثَلاََثٍ) (6) .

قيل: من ظلمة بطن الأم، و الرحم، و المشيمة، عن ابن عباس.

____________

(1) النور: 39.

(2، 3، 4) النور: 40.

(5) الأنبياء: 87.

(6) الزمر: 6.

62

و قيل: ظلمة صلب الأب، ثم بطن الأمّ، ثم الرّحم.

فمن قرأ: (سَحََابٌ ظُلُمََاتٌ) (1) بالرفع، أي: هذه ظلمات.

و من جر (ظلمات) و نوّن (سحابا) كان بدلا من ظلمات الأولى، و من ذلك قوله تعالى: (سَمِعُوا لَهََا تَغَيُّظاً) (2) ، و المعنى على الصوت، لأن التّغيّظ لا يسمع.

و مثله: (وَ قَدِمْنََا إِلى‏ََ مََا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ) (3) كقوله تعالى: (أَضَلَّ أَعْمََالَهُمْ) * (4) أي: جزاء أعمالهم، كقوله تعالى: (عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ مِمََّا كَسَبُوا) (5)

أي: جزاء ما كسبوا.

و مثله: (إِنَّمَا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا) * (6) تقديره: انما مثل متاع الحياة الدنيا كمثل ماء. يدلك على ذلك قوله تعالى: (مَثَلُ اَلَّذِينَ حُمِّلُوا اَلتَّوْرََاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهََا كَمَثَلِ اَلْحِمََارِ) (7) .

و قال: (مَثَلُ اَلْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى‏ََ) (8) أي: كمثل الأعمى، و كمثل السميع، هل يستويان مثلا، أي ذوى مثل.

و قال اللّه تعالى: (ضَرَبَ اَللََّهُ مَثَلاً رَجُلاً) (9) أي: مثل رجل، (مَثَلاً قَرْيَةً) (10) ، أي: مثلا مثل قرية. و (مَثَلاً رَجُلَيْنِ) * (11) أي مثلا مثل رجلين.

____________

(1) النور: 40.

(2) الفرقان: 12.

(3) الفرقان: 23.

(4) محمد: 1 و 8.

(5) البقرة: 264.

(6) محمد: 36.

(7) الجمعة: 5.

(8) هود: 24.

(9) الزمر: 29.

(10) النحل: 112.

(11) النحل: 76.

63

و قال اللّه تعالى: (وَ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحََابَ اَلْقَرْيَةِ) (1) أي: مثلا مثل أصحاب القرية.

و قال مرة أخرى: (إِنَّمََا مَثَلُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا كَمََاءٍ) (2) أي: مثل زينة الحياة الدنيا كمثل زينة الماء، و زينة الماء نضارة ما ينبته.

و قال: (قََادِرُونَ عَلَيْهََا) (3) أي: على قطف ثمارها.

و قوله تعالى: (فِيهِ شُرَكََاءُ مُتَشََاكِسُونَ) (4) أي: فى ملكه. أي ضرب اللّه مثل عبد مشرك بين شركاء متشاكسين.

و مثله قوله تعالى: (إِلاََّ مََا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمََا أَوِ اَلْحَوََايََا) (5) أي: شحم الحوايا.

و قال أبو على فى الآية: الذي حرم عليهم الشّحوم، و الثّروب‏ (6) .

[قال‏] (7) الكلبي: و كأنه ما خلص فلم يخالط العصب و غيره. فأما «الحوايا» ، فيجوز أن يكون له موضعان: أحدهما رفع، و الآخر نصب.

فالرفع أن/تعطفها على‏ (حَمَلَتْ ظُهُورُهُمََا) كأنه: إلا ما حملته ظهورهما، أو حملته الحوايا.

____________

(1) يس: 13.

(2-3) يونس: 24.

(4) الزمر: 29.

(5) الأنعام: 146.

(6) الثروب: شحوم رقيقة تغشى الكرش و الأمعاء.

(7) تكملة يقتضيها السياق.

64

و الآخر: أن يريد: إلا ما حملت ظهورهما، أو شحم الحوايا، فيحذف الشحم و يقيم الحوايا مقامه.

و المعنى فى الوجهين التحليل؛ ألا ترى أن ما حملت الظهور محلّل.

و كذلك إذا جعلت موضع «الحوايا» نصبا بالعطف على «إلاّ ما حملت» كان أيضا محللا، (أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) (1) ، أي: الإلية. و الحوايا: المباعر و بنات اللبن.

و مثله: (سَوََاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ اَلْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ) (2) . و التقدير فيه حذف المضاف، كأنه: سواء منكم اسرار من أسرّ و جهر من جهر، كما قال اللّه تعالى: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ) (3) .

و أما الجار فى قوله تعالى: (سَوََاءٌ مِنْكُمْ) (4) ، فيجوز أن يكون وصفا لسواء، تقديره: سرّ من أسرّ و جهر من جهر سواء ثابت منكم.

و يجوز أن يكون متعلقا «بسواء» ، أي: يستوى فيكم. مثل: مررت بزيد.

و يجوز ألا يكون: جهر من جهر منكم، و سرّ من أسرّ منكم، سواء.

هكذا قال أبو على‏[علىّ‏] (5) الموصول؛ إلا أن تجعله من باب قوله:

____________

(1) الأنعام: 146.

(2) الرعد: 10.

(3) الأنعام: 3.

(4) الرعد: 10.

(5) تكملة يقتضيها السياق.

65

(وَ كََانُوا فِيهِ مِنَ اَلزََّاهِدِينَ) (1) (وَ أَنَا عَلى‏ََ ذََلِكُمْ مِنَ اَلشََّاهِدِينَ) (2) و (إِنِّي لَكُمََا لَمِنَ اَلنََّاصِحِينَ) (3)

و مثله: (إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاََلٍ وَ عُيُونٍ (41) `وَ فَوََاكِهَ مِمََّا يَشْتَهُونَ) (4) تقديره:

إن المتقين فى ظلال و شرب عيون، أي: شرب ماء عيون، و أكل فواكه.

يدل على ذلك قوله تعالى: (كُلُوا وَ اِشْرَبُوا هَنِيئاً) * (5) . و قوله: (إِنَّ اَلْأَبْرََارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كََانَ مِزََاجُهََا كََافُوراً (5) `عَيْناً) (6) أي: يشربون من كأس ماء عين، فحذف «الماء» كما حذف فى الأولى، فحذف الماء للعلم بأن الماء من العين، ماؤها لا نفسها.

و مثله: (لَوْ لاََ يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطََانٍ بَيِّنٍ) (7) أي: على دعواهم بأنها آلهتهم، كقوله تعالى: (وَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ) (8) أي: دعوى ذنب.

و من حذف المضاف قوله تعالى: (وَ اِزْدَادُوا تِسْعاً) (9) أي: لبث تسع. فـ «تسعا» منصوب؛ لأنه مفعول به، و المضاف معه مقدر.

و مثله: (جََامِعُ اَلنََّاسِ لِيَوْمٍ) (10) أي: لجزاء يوم لا ريب فيه.

و مثله: (فَلَيْسَ مِنَ اَللََّهِ فِي شَيْ‏ءٍ) (11) فحذف.

____________

(1) يوسف: 20.

(2) الأنبياء: 51.

(3) الأعراف: 20-قال أبو حيان في البحر (5: 291) : «خرج تعلق الجار إما «بأعني» مضمرة، أو بمحذوف يدل عليه «من الزاهدين» . أي: و كانوا زاهدين فيه من الزاهدين أو بالزاهدين، لأنه يتسامح في الجار و الظرف، فيجوز فيهما ما لا يجوز في غيرهما» .

(4) المرسلات: 41، 42.

(5) المرسلات: 42، 43.

(6) الإنسان: 5، 6.

(7) الكهف: 15.

(8) الشعراء: 14.

(9) الكهف: 25.

(10) آل عمران: 9.

(11) آل عمران: 28.

66

و مثله: (وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللََّهُ نَفْسَهُ) * (1) أي: عذاب نفسه.

و مثله: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللََّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللََّهُ) (2) أي: تحبون دين اللّه فاتبعوا دينى يحبب اللّه فعلكم.

قال أبو علّى‏ (3) : /فى قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقََاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اَللََّهِ) (4)

أي: من ترك ذكر اللّه. ألا ترى أن القلوب إنما تقسو من ترك الذكر لا من الذكر؛ كما قال اللّه تعالى: (تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلى‏ََ ذِكْرِ اَللََّهِ) (5)

و (اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اَللََّهِ) (6) .

و قد يمكن أن تكون الآية على ظاهرها، فتكون القسوة تحدث عن ذكر اللّه، و ذلك ممن يستكبر و لا ينقاد و لا يخضع و لا يعترف. و قريب من هذا قوله تعالى: (وَ إِذََا ذُكِرَ اَللََّهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) (7) و هؤلاء الذين تشمئزّ قلوبهم عن ذكر اللّه يجوز أن تقسو من ذكره، فيكون المعنى بالآية هؤلاء.

و من حذف المضاف قوله تعالى: (وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً) (8) أي: قتلا ذا خطأ، فحذف الموصوف و المضاف جميعا.

و من هذا الباب قوله تعالى: (تَرَى اَلظََّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمََّا كَسَبُوا وَ هُوَ وََاقِعٌ بِهِمْ) (9) أي: جزاؤه واقع، أي: جزاء الكسب، فحذف المضاف فاتصل ضمير المنفصل.

____________

(1) آل عمران: 28، 30.

(2) آل عمران: 31.

(3) انظر الحاشية (رقم 1 ص 22) .

(4) الزمر: 22.

(5) الزمر: 23.

(6) الرعد: 28.

(7) الزمر: 45.

(8) النساء: 92.

(9) الشورى: 22.

67

و مثله: (إِلى‏ََ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاََقِيهِ) (1) أي: ملاق جزاءه.

و مثله: (وَ اَلْمَوْتى‏ََ يَبْعَثُهُمُ اَللََّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (2) أي: إلى جزائه و ثوابه و جنّته.

و مثله: (وَ لاََ تَجْهَرْ بِصَلاََتِكَ) (3) أي: بقراءة صلاتك، ألا ترى أن الصلاة لا يخافت بها و إنّما يخافت بالقراءة.

و مثله: (قَرَّبََا قُرْبََاناً) (4) أي: قرّب كل واحد منهما. فحذف المضاف.

كقوله تعالى: (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمََانِينَ جَلْدَةً) (5) أي: فاجلدوا كلّ واحد منهم.

و قال اللّه تعالى: (إِلى‏ََ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) * (6) أي: إلى إهلاك قوم مجرمين.

و قال: (وَ عِنْدَ اَللََّهِ مَكْرُهُمْ) (7) أي: جزاء مكرهم.

و مثله: (وَ لاََ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) * (8) أي: على كفرهم. [و مثله‏] (9) : (وَ اَلَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) (10) أي: بتوليته.

و قال: (مََا أَخْلَفْنََا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنََا) (11) أي: بمعاناة ملكنا و إصلاحه.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ هََذََا كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ مُبََارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَ اِتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) `أَنْ تَقُولُوا) (12) أي: كراهة أن تقولوا. و قال الفّراء: لئلاّ تقولوا.

____________

(1) الانشقاق: 6.

(2) الأنعام: 36.

(3) الإسراء: 110.

(4) المائدة: 27.

(5) النور: 4.

(6) الحجر: 58.

(7) إبراهيم: 46.

(8) النحل: 127.

(9) تكملة يقتضيها السياق.

(10) النحل: 100.

(11) طه: 87.

(12) الأنعام: 155 و 156.

68

و كذلك: (أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنََّا أُنْزِلَ) (1) تقديره: أو: كراهة أن تقولوا.

و مثله: (وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ) (2) إلى قوله- (أَنْ تَقُولُوا) (3) /أي: أشهدهم على أنفسهم كراهة أن يقولوا، فيمن قرأ بالياء. فأما من قرأ بالتاء، فالتقدير: و قال لهم (أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلى‏ََ) (4) فقال اللّه تعالى: شهدنا كراهة أن تقولوا.

و قيل: (وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلى‏ََ) (5) فقال اللّه للملائكة: اشهدوا. و قالت الملائكة: شهدنا كراهة أن تقولوا.

و من حذف المضاف قوله تعالى: (سََاءَ مَثَلاً اَلْقَوْمُ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا) (6)

تقديره: ساء المثل مثلا مثل القوم الذين كذبوا، فحذف «المثل» المخصوص بالذم فارتفع «القوم» لقيامه مقامه.

و مثله: (بِئْسَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِ اَللََّهِ) (7) أي: بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا، فحذف المضاف، فيكون «الذين» على هذا فى موضع الرفع لقيامه مقام المضاف إليه.

و يجوز أن يكون «الذين» فى موضع الجر وصفا للقوم، و المخصوص بالذّم مضمر، و التقدير: بئس مثل القوم المكذبين بآيات اللّه مثلهم.

فأما قوله تعالى: (نِعْمَ أَجْرُ اَلْعََامِلِينَ (58) `اَلَّذِينَ صَبَرُوا) (8) أي: أجر الذين صبروا، فحذف المضاف. فيجوز أن يكون التقدير: فنعم أجر العاملين

____________

(1) الأنعام: 157.

(2، 3، 4، 5) الأعراف: 172.

(6) الأعراف: 177.

(7) الجمعة: 5.

(8) العنكبوت: 58، 59.

69

أجر الذين صبروا، فحذف المضاف. و يكون «الذين» فى موضع الرفع لقيامه مقام الآخر. و يجوز أن يكون «الذين» فى موضع الجر؛ و التقدير:

فنعم أجر العاملين الصابرين أجرهم، فحذف المخصوص بالمدح.

و من ذلك قوله تعالى: (فَسََالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهََا) (1) أي: سالت مياه أودية.

و كذلك قوله تعالى‏ (بِقَدَرِهََا) يعنى بقدر مياهها. ألا ترى أن المعنى ليس على أنها سالت بقدر أنفسها؛ لأن أنفسها على حال واحدة، و إنما تكون كثرة المياه و قلتها، و شدة جريها و لينه؛ على قدر قلة المياه المنزلة و كثرتها.

و من حذف المضاف قوله تعالى: (إِذْ قََالَ اَلْحَوََارِيُّونَ يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) (2) بالتّاء و نصب الباء (3) . و المعنى: هل تستطيع سؤال ربك؟فحذف المضاف. و ذكروا الاستطاعة فى سؤالهم لأنهم شكّوا فى استطاعته، و لكنهم ذكروه على وجه الاجتماع عليه منهم، كأنهم قالوا:

إنك تستطيع فما يمنعك؟مثل ذلك قولك لصاحبك: أ تستطيع أن تذهب عنّى/فإنى مشغول؟أي: اذهب لأنك غير عاجز عن ذلك.

و أما «أن» فى قوله: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ) فهو من صلة المصدر المحذوف، و لا يستقيم الكلام إلا بتقدير ذلك. ألا ترى أنه لا يصلح:

هل تستطيع أن يفعل غيرك؟و إن الاستفهام لا يقع عنه، كما لا يصح فى الإخبار: أنت تستطيع أن يفعل زيد. «و أن» فى قوله‏ (أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنََا) (4)

متعلق بالمصدر المحذوف على أنه مفعول به.

____________

(1) الرعد: 17.

(2) المائدة: 112.

(3) بالتاء أي بالتاء الأولى في «تستطيع» . و نصب الباء، أي باء «ربك» . و هذه قراءة علي و معاذ و ابن عباس و عائشة و ابن جبير. (البحر المحيط 4: 54) .

(4) المائدة: 112.

70

فإن قلت: هل يصح هذا على قول سيبويه، و قد قال: إن بعض الاسم لا يضمر فى قوله: إلاّ الفرقدان‏ (1) . فإن ذلك لا يصح‏ (2) ، لأنه كما ذهب إليه فى قوله:

و نار توقّد باللّيل نارا (3)

و مثل حذف المضاف قوله تعالى: (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صََالِحٍ) (4) أي ذو عمل، فحذف المضاف.

و مثله قوله تعالى: (كَذََلِكَ يَطْبَعُ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبََّارٍ) (5) أي:

على كل قلب كل متكبر، و ذلك فيمن قرأ مضافا، أعنى «قلبا» ، إذ لا يصح أن يقال:

يطبع على جملة كل قلب من المتكبر. إنما المعنى: أنه يطبع على القلوب إذا كانت قلبا قلبا. و قد ظهر هذا المضاف فى قراءة ابن مسعود: (على قلب كلّ متكبّر) .

و مثله: (ثُمَّ لاََ تَجِدُ لَكَ بِهِ) (6) أي: بإذهابه و إغراقه

____________

(1) جزء من بيت لعمرو بن معدي يكرب، و يروى لسوّار بن المضرب:

و كل أخ مفارقة أخوه # لعمر أبيك إلا الفرقدان‏

(2) قال سيبويه: «و إذا قال: ما أتاني أحد إلا زيد. لا يجوز رفع «زيد» على إلا أن يكون، لأنك لا تضمر الاسم الذي هذا من تمامه، لأن «أن يكون» اسما. (سيبويه ج 1 ص 371) .

(3) عجز بيت لأبي داود، صدره:

أكل امرئ تحسبين امرأ و التقدير: و كل نار، فحذف. (سيبويه 1: 33) . و انظر الحاشية (رقم 1 من صفحة 49) من هذا الجزء.

(4) هود: 46.

(5) غافر: 35.

(6) الإسراء: 86.

71

و من حذف المضاف قوله تعالى: (وَ مََا عَلَّمْنََاهُ اَلشِّعْرَ) (1) تقديره: و ما علّمناه صناعة الشّعر، لأنهم نسبوه عليه السلام إلى ذلك فى قوله تعالى:

(اِفْتَرََاهُ بَلْ هُوَ شََاعِرٌ) (2) .

و قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ شََاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ اَلْمَنُونِ) (3) فنفى ذلك.

و ليس المراد بهذا الكلام أنه لا يقيم بيتا؛ لأنّ ذلك تكرر عليه مع صحة العقل و السّمع بعد ألا يحفظه. ألا ترى أنّ الصّغار منا و من يقرب من الأطفال قد يحفظون ذلك و يؤدّونه. و البيت الواحد يكون شعرا إلا أنّ قائله لا يكون شاعرا، كما أنّ من بنى مفحصا (4) و درجة و معلفا و نحو ذلك مما يقلّ‏[يقال له‏] بناء. إلا أن فاعله لا يقال له بنّاء؛ كما أن من أصلح قميصا لا يكون خيّاطا، و إن كان ذلك الإصلاح خياطة.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ حَرَّمْنََا عَلَيْهِ اَلْمَرََاضِعَ) (5) أي: ثدىّ المراضع.

قال أبو علىّ: فى الآية يجوز أن يكون جمع المصدر، كأنه جمع مرضعا مراضع. و يجوز أن يكون المراضع جمع/مرضع، على أنه صفة للمرأة، مثل مطفل و مطافل. فيكون التقدير: «ثدىّ المراضع» . و على الوجه الأول: و حرّمنا عليه الإرضاعات.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ) (6) أي: أهل القرية. كما قال:

(فَلْيَدْعُ نََادِيَهُ) (7) أي: أهل ناديه.

____________

(1) يس: 69.

(2) الأنبياء: 5.

(3) الطور: 30.

(4) المفحص: حيث تفرخ القطاة.

(5) القصص: 12.

(6) يوسف: 82.

(7) العلق: 17.

72

و من ذلك قوله تعالى: (وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ََ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اَللََّهَ شَيْئاً) (1)

و التقدير: على موطئ عقبيه فنكص عليهما، فلم يسلك الصّراط السّوى فحاد و زاغ عنه و زال، فإنما ذلك عليه، لن يضرّ اللّه بذلك شيئا.

و مثله: (اِنْقَلَبْتُمْ عَلى‏ََ أَعْقََابِكُمْ) (2) أي: على مواطئ أعقابكم. و من ذلك قوله تعالى: (مِنْ شَرِّ اَلْوَسْوََاسِ اَلْخَنََّاسِ) (3) أي: من شرّ ذى الوسواس، فحذف المضاف.

قال أبو علىّ فى الآية: فاعل «يوسوس» من قوله‏ (اَلَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ اَلنََّاسِ) : الجنّة.

و ذلك أن أبا الحسن يقول: إن قوله‏ (مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنََّاسِ) متعلّق «بالوسواس» ، كأنه: من شر الوسواس، من الجنة و الناس. و إذا كان كذلك ففاعل «يوسوس» هو «الجنّة» و لا يمتنع ذلك، و إن كان لفظ «الجنّة» مؤنّثا؛ لأن معنى الجن و الجنّة واحد. و العائد على هذا إلى الموصول، الهاء المحذوفة، أي: الذي يوسوسه، فحذف.

فإن قلت: إنّ فى هذا إضمارا قبل الذكر، كما أن: ضرب غلامه زيد، كذلك. و إن شئت كان مثل ما حكاه من قوله: إذا كان غدا فائتنى. و الحال قد دلّت عليه.

و إن شئت قدّرت فى «الوسواس» فيكون العائد إلى الموصول ذكر الفاعل فى «يوسوس» : و لا تضمر الهاء كما أضمرت فى الوجه الآخر.

____________

(1) آل عمران: 144.

(2) آل عمران: 144.

(3) الناس: 4.

73

و من حذف المضاف قوله تعالى: (ثُمَّ تُوَفََّى كُلُّ نَفْسٍ مََا كَسَبَتْ) * فى «البقرة» (1) أي: جزاء ما كسبت؛ و فى «آل عمران» (2) فى موضعين؛ و فى سورة «النحل» (وَ تُوَفََّى كُلُّ نَفْسٍ مََا عَمِلَتْ) (3) أي: جزاء ما عملت.

و فى «حم*عسق» (4) و «الجاثية» (5) ، و فى جميع التنزيل.

و منه قوله تعالى: (هُمْ دَرَجََاتٌ عِنْدَ اَللََّهِ) (6) أي ذوو درجات، عند الجمهور. و قدّره البخاري: لهم درجات، على نزع الخافض.

و من حذف المضاف قوله تعالى: (قَدْ نَرى‏ََ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي اَلسَّمََاءِ) (7) .

قال أبو علىّ: هذا يكون على ضربين: أحدهما: تقلّب وجهك نحو السماء؛ و هذا يفعله المهتم المتفكر، فالسماء هذه التي تظل الأرض، و يكون السماء ما ارتفع و كان خلاف السفل، أي: تقلّب وجهك فى الهواء.

و لا يكون «فى السماء» متعلقا بـ «نرى» لأنه سبحانه و تعالى يرى فى السماء و غيرها، فلا وجه لتخصيص السماء.

هذه لفظة ذكرها سيبويه فى الأبنية مع كينونته فى باب: سيّد، و ميّت، مما مقحمة يقلب فيه الواو (8) .

و من ذلك قوله تعالى: (وَ أُوتِينَا اَلْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهََا وَ كُنََّا مُسْلِمِينَ) (9) المعنى:

من قبل مجيئها، أي: (أُوتِينَا اَلْعِلْمَ) بالعرش أنه عرشها، (وَ كُنََّا مُسْلِمِينَ) هذا من قول سليمان، و لذلك قد عطف على هذا من قوله: (قََالَ هََذََا مِنْ فَضْلِ رَبِّي)

____________

(1) البقرة: 281.

(2) آيتا آل عمران تختلفان. فالآية 161 تتفق و آية البقرة. و لكن الآية 25: وَ وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ .

(3) النحل: 111.

(4) كذا في الأصل. و ليست من بين آيات هذه السورة «اي سورة الشورى» آية مما يشير إليه المؤلف و ثمة آيتان ترجعان إلى ما يشير إليه المؤلف و هما فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ الآية: 30 بِمََا كَسَبُوا الآية 34 و الآية التي توائم المساق هي آية الزمر وَ وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مََا عَمِلَتْ الآية: 70.

(5) نص الآية في الجاثية وَ لِتُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ رقم 22.

(6) آل عمران: 163.

(7) البقرة: 144.

(8) كذا وردت هذه العبارة مقحمة في السياق.

(9) النمل: 42.

74

و أوتينا العلم من قبلها، أي: كنّا مؤمنين بأنّ اللّه يقدر من نقل العرش على ثقله، فى المدة التي ذكرها أنه ينقله فيها، لأن ذلك بإقدار اللّه إيّاه على هذا، من هذا الذي هو معجز له.

و من حذف المضاف قوله تعالى: (شَهََادَةُ بَيْنِكُمْ إِذََا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ حِينَ اَلْوَصِيَّةِ اِثْنََانِ) (1) [أي‏]: (2) إذا حضر أحدكم أسباب الموت حين الوصية شهادة اثنين.

و من ذلك قوله: (يََا مَعْشَرَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) (3) أي.

من أحدكم. لأنه لم يأت الجن رسل. قاله ابن جريج.

و قال الضّحّاك: بل أتتهم الرّسل كما أتت الإنس.

و قال غيرهما: الرسل التي أتتهم هم النّفر المذكورون فى قوله تعالى: (فَلَمََّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى‏ََ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) (4) .

و من ذلك قوله تعالى: (نَسِيََا حُوتَهُمََا) (5) أي: نسى أحدهما، و هو يوشع، لأن الزاد كان فى يده.

و قال اللّه تعالى: (وَ مِنْ آيََاتِهِ خَلْقُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مََا بَثَّ فِيهِمََا مِنْ دََابَّةٍ) (6) أي: فى إحداهما.

____________

(1) المائدة: 106.

(2) تكملة يقتضيها السياق.

(3) الأنعام: 130.

(4) الأحقاف: 29.

(5) الكهف: 61.

(6) الشورى: 29.

75

و قال: (عَلى‏ََ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (1) أي: من إحدى القريتين، و قد تقدّم.

و قال: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اَللُّؤْلُؤُ وَ اَلْمَرْجََانُ) (2) أي: من أحدهما، و هو الملح دون العذب.

و مثله: (وَ جَعَلَ اَلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً) (3) أي: فى إحداهن.

و قال اللّه تعالى: (فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْهِمََا فِيمَا اِفْتَدَتْ) (4) أي على أحدهما، و هو الزوج؛ لأنه آخذ ما أعطى.

قال: و يراد الزوج دون المرأة، و إن كانا قد ذكرا جميعا، كما قال اللّه تعالى: / (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاََ إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلاََ إِثْمَ عَلَيْهِ) (5)

و موضع طرح تعجل الإثم للمتعجل، فجعل للمتأخّر الذي لم يقصّر مثل ما جعل على المقصّر.

قال: و قد تحتمل هذه وجها آخر، و هو أن يريد: لا يقولن واحد منهما لصاحبه: أنت مقصّر؛ فيكون المعنى: لا يؤثمن أحدهما صاحبه.

و مثله: (مِنَ اَلْعَذََابِ اَلْمُهِينِ*`مِنْ فِرْعَوْنَ) (6) أي: من عذاب فرعون.

و من حذف المضاف قوله تعالى: (لاََ يَرْجُونَ لِقََاءَنََا) * (7) أي: لقاء رحمتنا.

____________

(1) الزخرف: 31.

(2) الرحمن: 22.

(3) نوح: 16.

(4) البقرة: 229.

(5) البقرة: 203.

(6) الدخان: 30، 31.

(7) الفرقان: 21.

76

و مثله: (قَدْ يَئِسُوا مِنَ اَلْآخِرَةِ كَمََا يَئِسَ اَلْكُفََّارُ مِنْ أَصْحََابِ اَلْقُبُورِ) (1)

أي: من ثوابها، لإنكارهم و كفرهم بها، فى نحو قوله تعالى: (لاََ تَأْتِينَا اَلسََّاعَةُ) (2)

(وَ قََالُوا مََا هِيَ إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا) (3) .

فأما قوله تعالى: (كَمََا يَئِسَ اَلْكُفََّارُ مِنْ أَصْحََابِ اَلْقُبُورِ) (4) أي: من بعث أصحاب القبور، يدل على ذلك قوله: (زَعَمَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا) (5) .

أو يكون: من مجازاة أهل القبور، أي: لا يثابون و لا يعاقبون، و يكون‏ (كَمََا يَئِسَ اَلْكُفََّارُ) الموتى من الآخرة، فأضمر «من الآخرة» لجرى ذكره. و يكون قوله‏ (مِنْ أَصْحََابِ اَلْقُبُورِ) متعلقا ب (اَلْكُفََّارُ) دون‏ (يَئِسَ) محذوف، لجرى ذكره.

و من ذلك قوله تعالى: (جَعَلَ اَللََّهُ اَلْكَعْبَةَ اَلْبَيْتَ اَلْحَرََامَ) (6) أي: حج الكعبة، ليكون فى المعنى‏ (قِيََاماً لِلنََّاسِ) (7) .

و منه قوله تعالى: (وَ لاََ تَزََالُ تَطَّلِعُ عَلى‏ََ خََائِنَةٍ مِنْهُمْ) (8) أي: على ذوى خيانة منهم‏ (إِلاََّ قَلِيلاً) (9) . و الاستثناء من المضاف المحذوف.

و من حذف المضاف قوله: (لاََ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوََاهُمْ إِلاََّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ) (10) أي: إلا نجوى من أمر.

قال أبو علىّ: قد تكون موضع «من» نصبا إذا استثنيته من المنتجين، كما جاء (وَ إِذْ هُمْ نَجْوى‏ََ) (11) أي. هم منتجون. و قد يكون جزاء، أي: لا خير

____________

(1) الممتحنة: 13.

(2) سبأ: 3.

(3) الجاثية: 24.

(4) الممتحنة: 13.

(5) التغابن: 7.

(6-7) المائدة: 97.

(8-9) المائدة: 13.

(10) النساء: 114.

(11) الإسراء: 47.

77

فى كثير من نجواهم إلا فى انتجاء من أمر بصدقة. و يكون هذا على قياس قوله:

(أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ نُهُوا عَنِ اَلنَّجْوى‏ََ) (1) . فهذا لا يكون من المنتجين، و لكن على الانتجاء. و إنما قال أبو علّى: قد يكون نصبا على أصل الباب كقراءة ابن عامر (2) : (مََا فَعَلُوهُ إِلاََّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ) (3) و قوله تعالى: (إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ) * (4)

إذا استثنيته من «أحد» و نصبته.

و أما قوله تعالى: (مََا يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ََ ثَلاََثَةٍ) (5) فالأظهر فيه أن تكون (ثلاثة) /وصفا لنجوى. و النّجوى هاهنا مثله فى قوله تعالى: (وَ إِذْ هُمْ نَجْوى‏ََ) (6) و لا يكون جرّا بإضافة النجوى إليه، كقوله تعالى: (لاََ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْوََاهُمْ) (7) .

و منه قوله تعالى: (وَ أَنََّا لَمَسْنَا اَلسَّمََاءَ) (8) أي: لمسنا غيب السماء و رمناه.

و منه قوله تعالى: (لاََ يَسَّمَّعُونَ إِلَى اَلْمَلَإِ اَلْأَعْلى‏ََ) (9) أي: إلى قول الملأ الأعلى، و إلى كلام الملأ الأعلى. كقوله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلاََّ أَسْمََاءٌ سَمَّيْتُمُوهََا) (10)

أي: ذوات أسماء.

____________

(1) المجادلة: 8.

(2) هو عبد اللّه بن عامر بن يزيد اليحصبي المقرئ. ولد سنة 21 من الهجرة. و كانت وفاته سنة 120 هـ (التهذيب 5: 274) .

(3) النساء: 66.

(4) هود: 81 و الآية: وَ لاََ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ .

(5) المجادلة: 7.

(6) الإسراء: 47.

(7) الزخرف: 80.

(8) الجن: 8.

(9) الصافات: 8.

(10) النجم: 23، سبأ: 3.

78

و من ذلك قوله تعالى: (لَتَرَوُنَّ اَلْجَحِيمَ) (1) ، أي: عذاب الجحيم، لأن الوعيد برؤية العذاب لا برؤيتها، لأن المؤمنين أيضا يرونها، قال اللّه تعالى: (وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاََّ وََارِدُهََا) (2) .

و من ذلك قوله تعالى: (اَلرِّجََالُ قَوََّامُونَ عَلَى اَلنِّسََاءِ) (3) أي: على مصالح النساء.

و من ذلك قوله تعالى: (فَلاََ عُدْوََانَ إِلاََّ عَلَى اَلظََّالِمِينَ) (4) أي: فلا جزاء ظلم إلا على ظالم.

و من ذلك قوله تعالى: (فَلاََ يَصُدَّنَّكَ عَنْهََا) (5) أي: عن اعتقادها، و مثله:

(لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى‏ََ مََا جََاءَنََا) (6) أي: لن نؤثر اتباعك.

و من حذف المضاف قوله تعالى: (لَنْ يَضُرُّوا اَللََّهَ شَيْئاً) * (7) أي: دين اللّه، أو جند اللّه، أو نبىّ اللّه.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ لاََ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ) (8) التقدير: و لا تحسبن بخل الذين كفروا خيرا لهم، فيمن قرأ بالتاء، فيكون المضاف محذوفا مفعولا، و هو تكرار لطول الكلام.

و «خيرا» المفعول الثاني.

____________

(1) التكاثر: 6.

(2) مريم: 71.

(3) النساء: 34.

(4) البقرة: 193.

(5) طه: 16.

(6) طه: 72.

(7) آل عمران: 176، 177.

(8) آل عمران: 180.

79

و من قرأ بالياء، فقد كفانا سيبويه حيث قال: و من ذلك قوله عز و جل:

(وَ لاََ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ) البخل‏ (هُوَ خَيْراً لَهُمْ) و لم يذكر «البخل» اجتزاء لعلم المخاطب بأنه البخل، لذكره‏ (يَبْخَلُونَ) .

و من ذلك قول العرب: من كذب كان شرّا له. يريدون: كان الكذب شرّا له. إلا أنه استغنى بأن المخاطب علم أنه الكذب، لقوله: كذب، فى أول حديثه، فصارت «هو» هاهنا و أخواتها بمنزلة ما إذا كانت لغوا فى أنها لا تغير ما بعدها عن حاله، قبل أن تذكر.

و من ذلك قوله تعالى: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) (1) المعنى: لقبل عدتهن.

لأن العدة الحيض، و المرأة لا تطلق فى حيضها.

ألا ترى أن ابن عمر (2) لما طلّق فى الحيض، أمره بأن يراجعها ثم يطلّقها. فإذا كانت العدة الحيض/، و كان النهى قد حصل و ثبت عن الطلاق فى الحيض، لم يجز أن يكون المراد إيقاع الطلاق فى العدة، و إذا لم يجز ذلك ثبت أنه لقبل عدتهن، إذ ذلك هو الظرف، و هو المأمور بإيقاع الطلاق‏[فيه‏] (3)

و من ذلك قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوََالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ) (4) المعنى:

خذ من مال كل واحد منهم. كقوله تعالى: (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمََانِينَ جَلْدَةً) (5)

المعنى: فاجلدوا كل واحد.

ألا ترى أنه لا تفرق الثمانون على الجماعة، إنما يضرب كلّ واحد ثمانين.

____________

(1) الطلاق: 1.

(2) في الأصل: «أن أبو عمر» تحريف. و التصويب من الجامع لأحكام القرآن (18: 151) . و كان عبد اللّه بن عمر قد طلق امرأته و هي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقال: ليراجعها ثم ليمسكها حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيها، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا من حيضها قبل أن يمسها» .

(3) تكملة يقتضيها السياق.

(4) التوبة: 103.

(5) النور: 4.

80

و إذا كان كذلك دلّ أنّ ما دون النّصاب بين الشّريكين لا يحتسب فيه شى‏ء بظاهر قوله: (خُذْ مِنْ أَمْوََالِهِمْ) (1) .

و من حذف المضاف قوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) * (2) هو على حذف المضاف، كأنه قال: تيمموا استعمال صعيد. و لا يكون على الظاهر و غير حذف المضاف، لخلوّ اللفظ من الفائدة على هذا.

ألا ترى أن قوله‏ (فَامْسَحُوا) * (3) يغنى عن ذلك. و هذا الحذف ينبغى أن يكون على تأويل أبى حنيفة، لأن أبا يوسف روى عنه فيما حكى الشيخ أنه قال: أمر اللّه فى آية التيمم شيئين: تيمم، و مسح.

و فى قول زفر: لا يلزم أن يقدّر هذا المضاف، لأنّ المراد كان عنده المسح، و لا ينبغى أن يكون المراد: تيمموا الصعيد: اقصدوه. لأن من الفقهاء من لم يذهب إليه؛ لأن زفر كان المعنى عنده: امسحوا؛ لأن زفر يقول: يصح التيمم بغير النيّة؛ و أبو حنيفة يقول: لا يصح إلا بالنية؛ لأن التيمم قصد، و القصد هو النية. و زفر يقيسه على الوضوء، فيصير فى الآية تكرار، لأنه لا يقدّر المضاف و لا يجعل التيمم النية.

و من حذف المضاف قوله تعالى: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) (4)

أي من تأسيس أول يوم، لا بد من ذا، لأن «من» لا تدخل على «أوّل» .

و من ذلك قوله تعالى: (تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى‏ََ عَلَيْهِ مِنَ اَلْمَوْتِ) (5)

يجوز أن يكون الجار و المجرور صفة للمصدر المحذوف، كأنه: تدور أعينهم دورا

____________

(1) التوبة: 103.

(2-3) النساء: 43.

(4) التوبة: 108.

(5) الأحزاب: 19.

81

كدور الذي يغشى عليه، أي: كدور عين الذي يغشى عليه من الموت، أي:

من حذر الموت، أو: من خوف الموت، أو: من مقارفة الموت.

و يجوز/أن يكون حالا من المضاف إليه «الأعين» ، أي: تدور أعينهم مشبهين الذي يغشى عليه، لأن الذي يغشى عليه تدور عينه، فيكون الكاف على هذا حالا، و على القول الأول وصفا للمحذوف منه، و فى كلا الأمرين فيه ذكر من هو له.

و من حذف المضاف قوله تعالى: (هَلْ لَكُمْ مِنْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ مِنْ شُرَكََاءَ فِي مََا رَزَقْنََاكُمْ) (1) أي: فى ملك ما ملكناكم تخافونهم، أي: تخافون تسويتهم فى الملك، لأن سياقة الكلام عليه، و لا يكون المعنى على: تخافون مكايدتهم أو بأسهم، لأن ذلك غير مأمون منهم. فالمعنى: تخافون تسويتهم إياكم، فتقدير المصدر الإضافة إلى الفاعل، فقوله‏ (كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) (2)

أي: كخيفتكم المساواة بينكم. فهو من باب‏ (فَمَنِ اِعْتَدى‏ََ عَلَيْكُمْ) (3) ، لأن التسوية بين الأحرار قائمة واقعة، أي: تخافون المماليك كما تخافون الأحرار.

و المراد بأنفسكم: الأحرار.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ ثِيََابَكَ فَطَهِّرْ) (4) ، أي ذا ثيابك فطهر، فحذف المضاف، فهذا كقوله تعالى‏ (إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفََاكِ وَ طَهَّرَكِ) (5) أي برأك مما رميت به.

و من ذلك قوله تعالى‏ (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ اَلطَّيِّبََاتُ وَ مََا عَلَّمْتُمْ) (6) أي صيد ما علّمتم.

و منه قوله تعالى‏ (طَرِيقاً فِي اَلْبَحْرِ يَبَساً) (7) أي ذا يبس.

____________

(1) الروم: 28.

(2) الروم: 28.

(3) البقرة: 194.

(4) المدثر: 4.

(5) آل عمران: 42.

(6) المائدة: 4.

(7) طه: 77.

82

و من ذلك قوله تعالى: (سُبُلَ اَلسَّلاََمِ) (1) أي: سبل دار السلام، يعنى:

سبل دار اللّه. و يجوز أن يكون «السلام» السلامة، أي: دار السلامة.

و من ذلك قوله تعالى: (فَأْتُوا بِهِ عَلى‏ََ أَعْيُنِ اَلنََّاسِ) (2) أي: على مرآة أعين الناس.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ لاََ تَوَلَّوْا عَنْهُ) (3) أي: لا تعرضوا عن أمره و تلقّوه بالطاعة و القبول، كما قال عز و جل: (فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخََالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) (4) .

و من ذلك قوله تعالى: (أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذََا مِتُّمْ) (5) أي: أن إخراجكم إذا متّم.

لا بد من حذف المضاف، لأن ظرف الزمان لا يكون خبرا عن الجثة، كقولهم: الليلة الهلال.

و من ذلك قوله تعالى: (مََا وَعَدْتَنََا عَلى‏ََ رُسُلِكَ) (6) أي: على ألسن رسلك.

و قال: (ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهََا كََافِرِينَ) (7) أي: بردّها، لأنهم إذا سألوا عما يسوؤهم «إذا أظهر لهم فأخبروا به» ردوها، و من رد على الأنبياء كفر، فالتقدير فيه: بردها/و تركهم قبولها.

____________

(1) المائدة: 16.

(2) الأنبياء: 61.

(3) الأنفال: 20.

(4) النور: 63.

(5) المؤمنون: 35.

(6) آل عمران: 194.

(7) المائدة: 102.

83

و قال اللّه تعالى: (إِلاََّ أَنْ تَكُونََا مَلَكَيْنِ) (1) أي: كراهة أن يكونا ملكين.

و من ذلك قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكََاثاً) (2) أي: من بعد إمرار قوة، و «قوة» واحد فى معنى الجمع. و «أنكاثا» ، حال مؤكدة، لأن فى النقض دلالة على النكث.

و من ذلك قوله تعالى: (فَلَمََّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ اَلْجِنُّ أَنْ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ اَلْغَيْبَ) (3) و الجن قد تبينوا أنهم لا يعلمون الغيب، فهو على حذف المضاف، أي بتبين أمر الجن، فصار بمنزلة: اجتمعت اليمامة. و حمل «أن» على موضع المحذوف، فـ «أن» بدل من أمر الجن.

و من ذلك قوله تعالى، فى قصة شعيب: (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ اَلْإِصْلاََحَ) (4)

أي: فعل الإصلاح، لأن الاستطاعة من شرط الفعل دون الإرادة.

و من ذلك قوله تعالى: (أُولََئِكَ لَهُمْ عُقْبَى اَلدََّارِ (22) `جَنََّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهََا) (5)

أي: دخول جنات عدن‏ (وَ مَنْ صَلَحَ) (6) أي: دخول من صلح.

فإن قلت: فهل يكون‏ (وَ مَنْ صَلَحَ) (7) على: زيدا ضربته و عمرا، فتحمله على المضمر دون «ضربته» ، فإن ذلك لا يجوز.

ألا ترى أن «يدخلونها» صفة و ليس بخبر، لأن «جنات عدن» نكرة و ليس كزيد. قاله أبو علىّ.

____________

(1) الأعراف: 20.

(2) النحل: 92.

(3) سبأ: 14.

(4) هود: 88.

(5، 6، 7) الرعد: 22، 23.

84

و عندى فيه نظر، لأنّ كون قوله «يدخلونها» صفة لجنات لا يمنع عطف «و من صلح» على الضمير الذي فيه.

و من ذلك قوله تعالى: (قََالُوا جَزََاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ) (1) أي: أخذ من وجد فى رحله، فحذف المضاف.

و منه قوله تعالى: (إِلاََّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللََّهُ) (2) أي: أمر اللّه.

و منه قوله تعالى: (وَ إِذْ أَخَذَ اَللََّهُ مِيثََاقَ اَلنَّبِيِّينَ لَمََا آتَيْتُكُمْ) (3) أي: أمم النبيين.

و قال: (كَمَثَلِ رِيحٍ) (4) ، أي: كمثل إنفاق زرع ذى ريح، فحذف، أي:

فإنفاق بعض هذا الزرع لا يجدى عليه شيئا، كذلك إنفاق هؤلاء لا يجدى عليهم نفعا و لا يرد عنهم ضيرا. و وصف الزرع بأنه ذو ريح، فى وقتها كان، كما أن من قرأ فى قوله تعالى: (سَحََابٌ ظُلُمََاتٌ) (5) أضاف السحاب إلى الظلمات، لأنه فى وقتها نشأت، و على هذا ينبغى أن يحمل، ليكون مثل النفقة. و لا تكون النفقة كالريح و لا كمثل الريح، فانما هو كلام فيه اتساع لمعرفة المخاطبين بالمعنى، كقولهم: ما رأيت كاليوم رجلا.

و قدره أبو علىّ/مرة أخرى: كمثل إهلاك ريح، أو فساد ريح.

و إن جعلت «ما» بمنزلة «الذي» كان التقدير مثل إفساد ما ينفقون، و إتلاف ما ينفقون، كمثل إتلاف ريح، تقدّر إضافة المصدر إلى المفعول فى الأول، و فى الثاني إلى الفاعل.

____________

(1) يوسف: 75.

(2) البقرة: 210.

(3) آل عمران: 81.

(4) آل عمران: 117.

(5) النور: 40.

85

و قال فى قوله تعالى: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) (1) اللفظ على «تسؤهم» للحسنة، و التقدير على حذف المضاف، أي: تسؤهم إصابتك الحسنة، نقدّر المصدر مضافا إلى المفعول به.

و كذلك‏ (يَفْرَحُوا بِهََا) (2) أي: بإصابتكم السيئة.

و من ذلك قوله تعالى: (لاََ تُبْطِلُوا صَدَقََاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ اَلْأَذى‏ََ كَالَّذِي يُنْفِقُ مََالَهُ) (3) أي كإبطال الذي ينفق، أو كإهلاك الذي ينفق.

و من ذلك قوله تعالى: (لَنْ يَنََالَ اَللََّهَ لُحُومُهََا) (4) أي: لن ينال ثواب اللّه (وَ لََكِنْ يَنََالُهُ اَلتَّقْوى‏ََ) (5) ، أي: ينال ثواب التّقوى و من ذلك قوله تعالى: (لاََ تُكَلَّفُ إِلاََّ نَفْسَكَ) (6) أي: قتال نفسك، أو: جهاد نفسك. و فى الأخرى: (وَ جََاهِدْهُمْ بِهِ جِهََاداً كَبِيراً) (7) ألا ترى أن الإنسان لا يكلّف العين‏ (8) ، و إنما يكلّف معنى فيه، كقول الأعشى:

إلاّ كخارجة المكلّف نفسه # و ابني قبيصة أن أغيب و يشهدا (9)

و التقدير فيه؛ شرة نفسه. المعنى: و المتكلّف شرة نفسه، فحذف المضاف إليه‏ (10) ، كما حذف فى الآية.

و من ذلك قوله تعالى: (لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ‏ءٍ) (11) أي: من قتالهم فى شى‏ء، نسختها سورة التّوبة. عن الكلبي.

____________

(1-2) آل عمران: 120.

(3) البقرة: 264.

(4-5) الحج: 37.

(6) النساء: 84.

(7) الفرقان: 52.

(8) أي: ذات المسي‏ء.

(9) الديوان (ص 153) طبعة أورية.

(10) كذا في الأصل، و المحذوف هنا المضاف لا المضاف إليه.

(11) الأنعام: 159.

86

و قيل: لست عن مخالطتهم فى شى‏ء. نهى نبيّه-صلى اللّه عليه و آله-عن مقاربتهم، و امره بمساعدتهم. عن قتادة.

قال أبو علىّ: (لست منهم) ، كقوله: فإنّي لست منك، للمبارأة.

و حمل الجار «فى شى‏ء» على أنه حال من الضمير فى «منهم» على الوجوه كلها.

و من ذلك قوله تعالى: (بُشْرََاكُمُ اَلْيَوْمَ جَنََّاتٌ تَجْرِي) (1) أي: دخول جنات، فحذف المضاف.

و قال: (جَزََاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنََّاتُ عَدْنٍ) (2) أي: دخول جنات، كما أن قوله: (فَجَزََاؤُهُ جَهَنَّمُ) (3) كذلك، لأن جهنم و الجنة عين، فلا يكون حدثا.

و من ذلك قوله تعالى: (فَرِحَ اَلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاََفَ رَسُولِ اَللََّهِ) (4)

أي: خلاف خروج رسول اللّه. و الخلاف و الخلف واحد، و هو ظرف.

و قيل: هو مصدر فى موضع الحال، أي: فرح المخلّفون/بمقعدهم مخالفين رسول اللّه، و المقعد المصدر لا غير لتعلّق «خلاف» به، و المكان لا يتعلق به شى‏ء. و إن كان «خلاف» مصدرا فهو مضاف إلى المفعول به.

____________

(1) الحديد: 12.

(2) البينة: 8.

(3) النساء: 93.

(4) التوبة: 81.

87

و «المقعد» ، و «المثوى» فى قوله تعالى: (اَلنََّارُ مَثْوََاكُمْ) (1) [و «مغار» فى قول حميد بن ثور] (2) :

مغار ابن هماّم على حىّ خثعما (3)

مصادر كلها، لما يتعلق به ما بعدها، فالمقعد: القعود. و المثوى:

الثواء. و المغار: الإغارة.

و «الملقى» ، فى قول ذى الرّمة:

فظل بملقى واجف جرع المعا أي: فظل بالإلقاء.

و «المجرّ» ، فى قول النابغة:

كأن مجرّ الراسيات ذيولها [فالملقى و] (4) المجرّ مصدران.

و من ذلك قوله تعالى: (وَقُودُهَا اَلنََّاسُ) * (5) لا يكون إلا على الاتساع، أي: وقودها يلهب الناس.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ اَللََّهُ مُخْرِجٌ مََا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) (6) . «ما» ، بمنزلة الذي. و يجوز أن تجعلها مصدرا، أي: الكتمان. و يريد مع هذا بالكتمان:

المكتوم، أي: ذا الكتمان، فحذف المضاف، و يخرج على معنى الحكاية،

____________

(1) الأنعام: 128.

(2) التكملة من الكتاب لسيبويه (1: 120) .

(3) عجز بيت صدره:

و ما هي إلا في إزار و علقة

(4) التكملة من الكتاب لسيبويه (1: 120) .

(5) التحريم: 6.

(6) البقرة: 72.

88

كقوله: (بََاسِطٌ ذِرََاعَيْهِ) (1) . و إنما قال: (مََا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) * (2) لمن علم القاتل و كتم أمره، دون القاتل، لأنه يجعد و لا يكتم.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ كَفى‏ََ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً) (3) .

و قال أبو عبيدة (4) : أي: وقودا. و هذا يصح على حذف المضاف و المضاف إليه كله، أي و كفى بسعير جهنم سعيرا، لأن السعير هو الاستعار، و «جهنم» اسم مكان، فلا يكون ذو الحال الحال إلا على هذا التقدير، و تكون الحال مؤكّدة كقوله:

كفى بالنّأي من أسماء كاف و قال أبو الحسن فى «سعير» : أي مسعورة. و استدل على ذلك بقوله تعالى:

(وَ إِذَا اَلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ) (5) .

و إن أراد أبو عبيدة بالوقود الحطب، كان أيضا على حذف المضاف، أي: و كفى بوقود جهنم وقودا، و الحال أيضا مؤكدة.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ فَضَّلَ اَللََّهُ اَلْمُجََاهِدِينَ عَلَى اَلْقََاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً* `دَرَجََاتٍ مِنْهُ وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً) (6) انتصب «أجرا» لأن «فضّل» يدل على «أجر» و لا ينتصب بفضّل، لاستيفائه المجاهدين أولا، و الثاني‏ (7) «على القاعدين» .

و «درجات» ، أي: أجر درجات، فحذف، و هو بدل. أو يكون: «بدرجات» ، فهو ظرف. و «مغفرة» ، أي: و جزاهم/مغفرة، أو يكون: و غفر مغفرة.

____________

(1) الكهف: 18.

(2) البقرة: 72.

(3) النساء: 55.

(4) ابو عبيدة معمر بن المثنى. و كانت وفاته سنة 209 هـ.

(5) التكوير: 12.

(6) النساء: 95 و 96.

(7) و الثاني، بمعنى المفعول الثاني للفعل «فضل» .

89

و من ذلك قوله تعالى: (وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ اَلْبَرِّ) (1) أي: اصطياد صيد البر، لأن الاسم غير محرم. و إن حملت الصيد على المصدر، و التقدير:

صيد وحش البر، لأن البرّ لا يصاد، فالصيد هنا مثله فى قوله: (لاََ تَقْتُلُوا اَلصَّيْدَ) (2) على الوجه الأول.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ رُسُلاً قَدْ قَصَصْنََاهُمْ عَلَيْكَ) (3) يحتمل أمرين:

أحدهما: رسلا قصصنا أخبارهم عليك و رسلا لم نقصص عليك، أي:

لم نقص أخبارهم عليك.

و قد يكون على: رسلا قصصنا أسماءهم عليك، و رسلا لم نقصص أسماءهم.

ففى كلا القولين يكون على تأويل حذف المضاف و إقامة المضاف إليه مقامه.

و من ذلك قوله عزّ و جلّ: (وَ مََا مِنْ حِسََابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ) (4) .

و من ذلك قوله تعالى: (أَ وَ مَنْ كََانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنََاهُ) (5) . و التقدير:

أو مثل من كان ميتا، ليطابق قوله‏ (كَمَنْ مَثَلُهُ) (6) فحذف المضاف. و إن شئت كان التقدير: كمن مثله. فهو كقولهم: أنا أكرم مثلك، أي أكرمك. و قال عز و جل: (كَمَنْ هُوَ أَعْمى‏ََ) (7) .

____________

(1) المائدة: 996.

(2) المائدة: 95.

(3) النساء: 164.

(4) الأنعام: 52 و يلاحظ أن تعقيب المؤلف على الآية لم يذكر.

(5-6) الأنعام: 122.

(7) الرعد: 19.

90

و من ذلك قوله تعالى: (قَدِ اِسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ اَلْإِنْسِ) (1) ، أي: من استمتاع الإنس، أي: من استمتاعكم بالإنس، فحذف بعد ما أضاف إلى المفعول مع الجار، و المجرور مضمرّ لقوله: (اِسْتَمْتَعَ بَعْضُنََا بِبَعْضٍ) (2) .

و من ذلك قوله تعالى: (لاََ يَزََالُ بُنْيََانُهُمُ اَلَّذِي بَنَوْا) (3) أي: هدم بنيانهم، أو حرق بنيانهم.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ لاََ يَقْطَعُونَ وََادِياً إِلاََّ كُتِبَ لَهُمْ) (4) أي:

كتب ثواب قطعه، فحذف المضاف، فصار: كتب لهم قطعه؛ ثم حذف أيضا «القطع» فارتفع الضمير.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) (5) أي «جزاء فضله، لأنّ الفضل قد أوتيه.

و من ذلك قوله تعالى: (بِدَمٍ كَذِبٍ) (6) أي: ذى كذب؛ و قيل: بدم مكذوب فيه.

و من ذلك قوله تعالى: (إِنِّي أَرََانِي أَعْصِرُ خَمْراً) (7) أي: عنب خمر، فحذف.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ كََانَ اَلْكََافِرُ عَلى‏ََ رَبِّهِ ظَهِيراً) (8) أي: على معصية ربه، فحذف المضاف. قال أبو علّى: أي: ساقطا. مثل قوله: جعل قضاء حاجتى بظهر، أي: نبذه وراء ظهره، و لم يلتفت إليه.

____________

(1-2) الأنعام: 128.

(3) التوبة: 110.

(4) التوبة: 121.

(5) هود: 3.

(6) يوسف: 18.

(7) يوسف: 36.

(8) الفرقان: 55.

91

و قوله تعالى: / (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً) (1) أي: عقاب يوم.

و من ذلك قوله تعالى: (فَإِنَّهََا مُحَرَّمَةٌ) (2) أي: إنّ دخولها، لقوله: (لَنْ نَدْخُلَهََا أَبَداً مََا دََامُوا فِيهََا) (3) .

و من ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اَلْعَهْدَ كََانَ مَسْؤُلاً) (4) أي ذا العهد[كان‏] مسئولا عنه، و ذا الأمانة، فحذف.

و قوله تعالى: (إِنَّ اَلسَّمْعَ وَ اَلْبَصَرَ وَ اَلْفُؤََادَ كُلُّ أُولََئِكَ كََانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) (5)

أي: كل أفعال أولئك، أي: إن ذا العهد كان مسئولا عنه، أي عن كل الأفعال.

و قيل: أي: يكون الإنسان هو المسئول عن السمع و البصر و الفؤاد، تسأل عن الإنسان لتكون شهودا عليه و له، بما فعل من طاعة و ارتكب من معصية (6) .

و قيل: يعود إلى «البصر» (7) .

و قيل: يعود إلى «كل» .

و من ذلك قوله تعالى: (لَنْ تَخْرِقَ اَلْأَرْضَ) (8) أي: لن تخرق عمقها، أي: لن تبلغ طول ذا و لا خرق ذا و أنت ضعيف عاجز.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ يَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) (9) أي: تزيدهم تلاوته خشوعا، أو سماعهم له.

____________

(1) المزمل: 17.

(2) المائدة: 26.

(3) المائدة: 24.

(4) الإسراء: 34.

(5) الإسراء: 36.

(6) و زاد القرطبي (10: 260) عبارة موضحة: «فالإنسان راع على جوارحه، فكأنه قال: كل هذه كان الإنسان عنه مسؤولا» .

(7) الأصل: «إلى العصر» .

(8) الإسراء: 37.

(9) الإسراء: 109.

92

و من ذلك قوله تعالى: (كََانَتْ لَهُمْ جَنََّاتُ اَلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً) (1) أي:

دخول جنات الفردوس، فـ «نزلا» ، حال من الضمير المجرور فيمن جعلها جمع نازل. و من جعله كقوله: (هََذََا نُزُلُهُمْ) (2) كان خبرا، و التقدير:

كانت لهم ثمر الجنات، فحذف المضاف.

و من ذلك قوله تعالى: (كَمََا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) (3) أي: كما بدأ خلقكم تعودون. أي: يعود خلقكم عودا كبدئه. و الخلق: اسم الحدث، لا الذي يراد به المخلوق.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ كََانَ بَيْنَ ذََلِكَ قَوََاماً) (4) أي: كان الانفاق ذا قوام بين ذلك.

و إن شئت علّقت الظرف بما دلّ عليه القوام، كأنه: [قال‏] (5) : مستقيما بين الإسراف و الإقتار، فلا تجعله متقدما على المصدر و ما يجرى مجراه، لأن ذلك لا يستقيم.

و إن شئت علّقته‏[به‏] (6) فكان على هذا النّحو.

و إن شئت علّقته بمحذوف جعلته الخبر، كأنه قال: بين الإسراف أو التبذير و الإقتار، فأفرد ذلك كما أفرد فى قوله: (عَوََانٌ بَيْنَ ذََلِكَ) (7)

و كلا «ذلك» وجه حسن.

و من ذلك قوله تعالى: (حَسِبَتْهُ لُجَّةً) (8) أي: حسبت صحن الصّرح من القوارير ماء ذا لجة.

____________

(1) الكهف: 107.

(2) الواقعة: 56.

(3) الأعراف: 29.

(4) الفرقان: 67.

(5-6) زيادة يقتضيها السياق.

(7) البقرة: 68.

(8) النمل: 44.

93

و قال تعالى: (بَلِ اِدََّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ) (1) بمعنى: أدرك و لحق؛ فالمعنى:

أنهم لم يدركوا علم الآخرة، أي: لم يعلموا حدوثها و كونها. و دل على ذلك/:

(بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهََا بَلْ هُمْ مِنْهََا عَمُونَ) (2) أي: من عملها. فـ «فى» بمعنى الباء، أي: لم يدركوا علمها، و لم ينظروا فى حقيقتها فيدركوها، أي إدراك علمهم بحدوثها، بل هم فى شك من حدوثها، بل هم عن علمها عمون.

و من ذلك قوله تعالى: (أَ جَعَلْتُمْ سِقََايَةَ اَلْحََاجِّ) (3) أي: صاحب سقاية الحاج.

و قال عزّ من قائل: (وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ) (4) أي: من أهل قرية (هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ اَلَّتِي أَخْرَجَتْكَ) (5) أي: أخرجك أهلها.

و من ذلك قوله تعالى: (وَعَدَكُمُ اَللََّهُ مَغََانِمَ) (6) أي: تمليك مغانم، و يراد به المفعول، لأن الحرث لا يؤخذ (7) .

و من ذلك: (لَقَدْ صَدَقَ اَللََّهُ رَسُولَهُ اَلرُّؤْيََا) (8) [أي: تأويل الرؤيا]؛ لأن «الرؤيا» إنما هى مخايل ترى فى المنام و ليس بحديث فيحتمل الصدق و الكذب.

و التأويل: حديث، فيحتمل الصدق و الكذب، و «صدق» . فعل يتعدى إلى مفعولين.

و من ذلك قوله تعالى: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اَللََّهِ) (9) أي:

من رهبة اللّه. و المعنى: يرهبونكم أشد مما ترهبون اللّه.

____________

(1-2) النمل: 66.

(3) التوبة: 19.

(4-5) محمد: 13.

(6) الفتح: 20.

(7) كلما وردت هذه العبارة، و هي ليست متصلة بالآية السابقة بل بآية أخرى تتصل بالحرث.

(8) الفتح: 27.

(9) الحشر: 13.

94

و هذا مثل قوله تعالى فى صفتهم: (وَ لََكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ) (1) . و قال عزّ من قائل: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) (2) فوصفوا فى ذلك بالجبن و الفرق.

و التقدير: رهبتهم لكم تزيد على رهبة اللّه. فالمصدر المقدر حذفه فى تقدير الإضافة إلى المفعول به.

و من ذلك قوله تعالى: (قَوََارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ) (3) أي: من صفاء فضة.

و يكون قوله «من فضة» صفة للقوارير، كما أن «قدّروها» صفة.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ مََا أَدْرََاكَ مَا اَلْعَقَبَةُ) (4) أي: اقتحام العقبة.

ثم قال: (فَكُّ رَقَبَةٍ) (5) أي: اقتحامها فكّ رقبة.

(ثُمَّ كََانَ) (6) أي: إن كان، أي: ثم كونه من الذين، فحذف «أن» كقوله:

«أحضر الوغى‏ (7) » .

و من ذلك قوله تعالى: (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) `سَلاََمٌ) (8) أي: من كل ذى أمر.

و من ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اَلَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ) (9) أي: من خشية عقاب ربهم. و الخشية: خوف فيه تعظيم للمخشىّ منه، بخلاف الإشفاق، فكأنه قال: هم حذرون المعاصي من أجل خشية عقاب اللّه.

____________

(1) التوبة: 56.

(2) المنافقون: 4.

(3) الدهر (الإنسان) : 16.

(4) البلد: 12.

(5) البلد: 13.

(6) البلد: 17.

(7) جزء من بيت لطرفة بن العبد في معلقته، و هو بتمامة:

ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغي # و أن أشهد اللذات هل أنت مخلدي‏

(8) القدر: 4 و 5.

(9) المؤمنون: 57.

95

الباب الثالث‏

باب ما جاء في التنزيل معطوفا بالواو و الفاء و ثم من غير ترتيب الثاني على الأول /فمن ذلك قوله تعالى: (إِيََّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيََّاكَ نَسْتَعِينُ) (1) ألا ترى أن الاستعانة على العبادة قبل العبادة.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ إِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هََذِهِ اَلْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهََا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَ اُدْخُلُوا اَلْبََابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ) (2) .

و قال عزّ من قائل فى سورة الأعراف: (وَ قُولُوا حِطَّةٌ وَ اُدْخُلُوا اَلْبََابَ سُجَّداً) (3) و القصة قصة واحدة، و لم يبال بتقديم الدخول و تأخيره عن قول الحطّة.

و مثله: (فَاعْفُوا وَ اِصْفَحُوا) (4) لأن العفو ألاّ يكون فى القلب من ذنب المذنب أثر، و الصفح أن يبقى له أثر ما، و لكن لا تقع به المؤاخذة.

و من ذلك قوله تعالى: (يََا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اُسْجُدِي وَ اِرْكَعِي مَعَ اَلرََّاكِعِينَ) (5) و السجود قبل الركوع، و لم يبال بتقديم ذكره لمّا كان بالواو، فوجب أن يجوز تقديم غسل اليد و الرجل على غسل الوجه فى قوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرََافِقِ وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ) (6) .

____________

(1) الفاتحة: 4.

(2) البقرة: 58.

(3) الأعراف: 161.

(4) البقرة: 109.

(5) آل عمران: 43.

(6) المائدة: 6.

96

و من ذلك قوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رََافِعُكَ إِلَيَّ) (1) و الرفع قبل التّوفّى.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ وَهَبْنََا لَهُ إِسْحََاقَ وَ يَعْقُوبَ) (2) إلى قوله:

(وَ إِسْمََاعِيلَ وَ اَلْيَسَعَ وَ يُونُسَ وَ لُوطاً) (3) فأخّر لوطا عن إسماعيل و عيسى.

نظيره فى النساء: (وَ عِيسى‏ََ وَ أَيُّوبَ وَ يُونُسَ) (4) و عيسى بعد جماعتهم.

و من ذلك قوله تعالى: (رَبِّ مُوسى‏ََ وَ هََارُونَ) * (5) فى الأعراف، و فى طه:

(بِرَبِّ هََارُونَ وَ مُوسى‏ََ (70) ) (6) . و فى الشعراء (7) أيضا، فبدأ أولا بموسى ثم قدّم هارون فى الأخريين.

و من ذلك قوله تعالى: (فَلَمََّا جََاءَ أَمْرُنََا جَعَلْنََا عََالِيَهََا سََافِلَهََا وَ أَمْطَرْنََا عَلَيْهََا حِجََارَةً) (8) و إمطار الحجارة قبل جعل الأسافل أعالي. فقدّم و أخّر الإمطار. نظيره في سورة الحجر (9) .

و قال تعالى: (فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ) * (10) و النذر قبل العذاب.

و فسر قوله تعالى: (فَإِذََا أَنْزَلْنََا عَلَيْهَا اَلْمََاءَ اِهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ) * (11) أي:

و انتفخت لظهور نباتها، فيكون من هذا الباب؛ و فسروها بأضعف نباتها، فلا يكون من هذا الباب.

____________

(1) آل عمران: 55.

(2) الأنعام: 84.

(3) الأنعام: 86.

(4) النساء: 163.

(5) الأعراف: 122.

(6) طه: 70.

(7) الشعراء: 48 (رَبِّ مُوسى‏ََ وَ هََارُونَ) * . و يظهر من ذلك أن تقديم هارون في سورة طه وحدها.

(8) هود: 82.

(9) يريد قول اللّه تعالى: (فَجَعَلْنََا عََالِيَهََا سََافِلَهََا وَ أَمْطَرْنََا عَلَيْهِمْ حِجََارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) الحجر: 74.

(10) القمر: 16.

(11) الحج: 5.

97

و أما قوله تعالى: (وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا فَجََاءَهََا بَأْسُنََا) (1) فلا يخلو «أهلكناها» من أن يكون خبرا أو صفة؛ فالذى يقوّى الخبر قوله تعالى/:

(وَ كَمْ أَهْلَكْنََا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهََا) (2) . و قوله تعالى: (وَ كَمْ أَهْلَكْنََا مِنَ اَلْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ) (3) . فكما أن «كم» فى هذه المواضع محمولة على «أهلكنا» كذلك إذا شغل عنها الفعل بالضمير ترتفع بالابتداء، مثل زيدا ضربت، و زيد ضربته. و من قال: زيدا ضربته، كان قوله تعالى:

(وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا) «كم» فى موضع النصب.

فإن قلت: فما وجه دخول الفاء فى قوله‏ (فَجََاءَهََا بَأْسُنََا) و البأس لا يأتى المهلكين، إنما يجيئهم البأس قبل الإهلاك، و من مجى‏ء البأس يكون الإهلاك، فإنه يكون المعنى فى قوله‏ (أَهْلَكْنََاهََا) قربت من الهلاك و لم تهلك بعد، و لكن لقربها من الهلاك و دنوها وقع عليها لفظ الماضي، لمقاربتها له و إحانته إياها. و نظير هذا قولهم: قد قامت الصلاة، إذا كان المقيم مفردا، و إن لم تقع التحريمة بها، للقرب من التحريمة بها. و منه قول رؤبة:

يا حكم الوارث عن عبد الملك # أوديت إن لم تحب حبو المعتنك‏ (4)

فأوقع لفظ الماضي على الهلاك لمقاربته منه، و مراده الآتي. ألا ترى أنك لا تقول: أتيتك إن قمت؛ و إنما تقول: آتيك إن قمت. فمن حيث كان معناه الآتي، قال: إن لم تحب، و من حيث قارب ذاك أوقع عليه لفظ

____________

(1) الأعراف: 3.

(2) القصص: 58.

(3) الإسراء: 17.

(4) اعتنك البعير: حبا في العانك فلم يقدر على السير. و العانك: الرمل إذا تعقد و ارتفع. يقول:

هلكت إن لم تحمل حمالتي بجهد.

98

الماضي، و كأن المعنى: كم من قرية قاربت الهلاك فجاءها البأس ليلا أو نهارا فأهلكناها، خبر على هذا. و قوله‏ (فَجََاءَهََا) معطوف. فإن جعلت‏ (أَهْلَكْنََاهََا) صفة للقرية و لم تجعله خبرا، فـ «كم» فى المعنى هى القرية. فإذا وصفت القرية فكأنك قد وصفت «كم» إذ كان «كم» فى المعنى هو القرية.

و يدلك على ذلك قوله تعالى: (وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي اَلسَّمََاوََاتِ لاََ تُغْنِي شَفََاعَتُهُمْ شَيْئاً) (1) فعاد الذكر على «كم» على المعنى، إذ كانت الملائكة فى المعنى.

و على هذا قال: (أَوْ هُمْ قََائِلُونَ) (2) فيعاد مرّة الذكر على لفظ القرية، و مرة على معناها، فيكون دخول الفاء فى قوله: (فَجََاءَهََا بَأْسُنََا) (3) على حد: كل رجل جاءنى فله درهم؛ فيكون المعنى: كم من قرية جاءها الهلاك فقاربت البأس، فكان سبب الإهلاك/مجى‏ء البأس، لأن الإهلاك إنما يكون عما يستحق له الإهلاك، فكأنها استحقت الإهلاك فجاءها البأس، فصار نزول البأس استحقاق ذلك. فإذا سلكت فيه هذا المسلك لم يجز فى موضع (كَمْ) النصب‏ (4) لأن من قال: زيدا ضربته، لا يقول: أزيدا أنت رجل تضربه؛ إذا جعلت تضربه صفة للرجل. و كذلك‏ (أَهْلَكْنََاهََا) إذا جعلتها صفة و لم تجعلها خبرا. و يكون قوله‏ (فَجََاءَهََا) فى موضع الخبر، كما أن قوله فله درهم، من قولك: كل رجل يأتينى فله درهم، فى موضع الخبر.

و يجوز أيضا أن تكون الفاء عاطفة جملة على جملة، على تقدير: جاءها البأس قبل الإهلاك؛ لأن المعنى يدل على أن البأس مجئ الإهلاك، فصار (فَجََاءَهََا بَأْسُنََا) كالتبيين للإهلاك لهم، و التعريف لوقته.

____________

(1) النجم: 26.

(2-3) الأعراف: 4.

(4) في الأصل «لأن إن» . و فيها زيادة من الناسخ.

99

قال أبو سعيد (1) : دخول الفاء فى هذا الموضع و نحوه يجرى مجرى الفاء فى جواب الشرط، و جواب الشرط قد يكون متأخرا فى الكلام و متقدما فى المعنى، كقول القائل: من يظهر منه الفعل المحكم فهو عالم به؛ و من يقتصد فى نفقته فهو عاقل. و معلوم أن العلم بالفعل المحكم قبل ظهوره، و عقل المقتصد قبل الاقتصاد[ممتنع‏] (2) . و إنّما يقدر فى ذلك: من يظهر منه الفعل فيحكم أنه عالم به.

و كذلك لو جعلناه‏ (3) جزاء فقلنا: زيد إن ظهر منه الفعل المحكم فهو عالم، فهو محكوم له بالعلم بعد ظهور ذلك.

و كذلك قوله تعالى: (فَجََاءَهََا بَأْسُنََا بَيََاتاً) (4) لما أهلكها اللّه حكم بأن البأس جاءها بياتا أو بالنهار. و نحو هذا فى القرآن و الكلام كثير. قال اللّه تعالى: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيََاءَ اَللََّهِ) (5) و الخطاب لليهود بعد قتل أسلافهم الأنبياء، على معنى: لم ترضون بذلك؟ و قال عز من قائل: (إِذََا زُلْزِلَتِ اَلْأَرْضُ زِلْزََالَهََا) (6) إلى قوله‏ (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ) (7) الآية. و معلوم أنه لا يشترط فى الآخرة شروط الثواب و العقاب. و فى هذا جوابان، أحدهما: أن معنى‏ (فَمَنْ يَعْمَلْ) أي: فمن يظهر ذلك اليوم فى صحيفته خير أو شر يرى مكافأته.

____________

(1) هو أبو سعيد الحسن بن عبد اللّه النحوي. ولد سنة 284 هـ. و كانت وفاته سنة 368 هـ. (وفيات الأعيان-نزهة الألباء) .

(2) تكملة يقتضيها السياق.

(3) في الأصل: «لو جعلته» .

(4) الأعراف: 4.

(5) البقرة: 91.

(6) الزلزلة: 1.

(7) الزلزلة: 17.

100

و الآخر: /أن المعنى: فمن يعمل فى الدنيا. و يكون كون الفاء بعد ذكر ما ذكر فى الآخرة على معنى: أن ما يكونه اللّه فى الآخرة من الشدائد التي ذكرها توجب أنه من عمل فى الدنيا خيرا أو شرّا يره، كما يقول القائل: الآخرة دار المجازاة فمن يعمل خيرا يره. و لم يرد خيرا مستأنفا دون ما عمله العاملون.

و قد يكون ذلك أيضا على مذهب الإرادة، فيكون التقدير: و كم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا كما قال اللّه تعالى‏ (إِذََا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاََةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) (1) و القيام بعد غسل الوجه. و المعنى: إذا أردتم القيام إلى الصلاة.

قال الفرّاء: ربما أتى ما بعد الفاء سابقا إذا كان فى الكلام دليل السّبق.

فإذا عدم الدليل لم يجز. و ذكر قول اللّه تعالى: (وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا فَجََاءَهََا بَأْسُنََا) (2) فذكر عن قوم قالوا: البأس قبل الإهلاك، كما تأولوا فى «ثمّ» مثل هذا فى قوله تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهََا زَوْجَهََا) (3) [أي‏]ثم خلقكم منها. و قيل: معناها: خلقكم من نفس وحدها ثمّ جعل الزوج منها بعد التوحيد، فأفادت واحدة هذا المعنى.

قال: و الأجود فى قوله تعالى: (وَ لَقَدْ خَلَقْنََاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنََاكُمْ ثُمَّ قُلْنََا لِلْمَلاََئِكَةِ) (4) أن يريد: و لقد خلقنا أصلكم الذي هو آدم، كما قال:

(هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى‏ََ أَجَلاً) (5) ، معناه: خلق أصلكم، الذي هو آدم، من طين.

____________

(1) المائدة: 7.

(2) الأعراف: 4.

(3) الزمر: 6.

(4) الأعراف: 10.

(5) الأنعام: 2.

101

و قال الفرّاء فى قوله تعالى: (فَجََاءَهََا بَأْسُنََا) (1) إذا كان الشيئان يقعان فى حال واحدة نسقت بأيهما شئت على الآخر بالفاء كقولك: أعطيتنى فأحسنت، و أحسنت فأعطيتنى؛ لا فرق بين الكلامين؛ لأن الإحسان و الإعطاء وقتهما واحد.

قال أبو سعيد (2) : و هذا مشبه الذي بدأت به فى تفسيره، إلا أنه متى جعلنا أحدهما شرطا جاز أن يجعل الآخر جوابا، فتدخل الفاء حيث جاز أن تكون جوابا، كقولك: إن أعطيتنى أحسنت، و إن أحسنت أعطيت، و إن يعط فإنه محسن، و إن يحسن فإنه معط.

و قال غير الفراء فى قوله: (هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيََّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ عَلَى اَلْعَرْشِ) (3) /: معناه/ثم كان قد استوى على العرش قبل أن يخلق السموات و الأرض.

و هذا يشبه الجواب الذي حكاه الفرّاء فى قوله: (فَجََاءَهََا بَأْسُنََا) (4) .

و قالوا فيها جوابا آخر، على جعل «ثمّ» للتقديم، تقديره: هو الّذى خلق السّموات و الأرض، أي أخبركم بخلقهما، ثم استوى، ثم أخبركم بالاستواء.

و مثله: (اِذْهَبْ بِكِتََابِي هََذََا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ) (5) أي: فأخبرهم بالإلقاء، ثم أخبرهم بالتّولّى.

____________

(1، 4) الأعراف: 4.

(2) انظر الحاشية (2 ص 99) من هذا الجزء.

(3) الحديد: 4.

(5) النمل: 28.

102

و مثله: (ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ إِلَى اَلسَّمََاءِ وَ هِيَ دُخََانٌ) (1) و قد قال قبله: (قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ اَلْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) (2) و قال: (وَ اَلْأَرْضَ بَعْدَ ذََلِكَ دَحََاهََا) (3) ثم يكون «ثم استوى» على الإخبار، و يكون الدّحو بعد (4) ، و خلق الأرض قبل خلق السماء، و قيل فى قوله تعالى: (ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ) (5) فليس التولي الانصراف، و إنما معناه، تنحّ عنهم بعد إلقاء الكتاب إليهم بحيث يكونون عنك بمرأى و مسمع، فانظر ماذا يردّون من جواب الكتاب.

و قيل فى قوله تعالى: (وَ اَلْأَرْضَ بَعْدَ ذََلِكَ دَحََاهََا) (6) أي: مع ذلك.

كما قال: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذََلِكَ زَنِيمٍ) (7) أي: مع ذلك. و عكسه قوله تعالى:

(إِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ) (8) أي: بعد العسر.

و أما قوله تعالى: (لَغَفََّارٌ لِمَنْ تََابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صََالِحاً ثُمَّ اِهْتَدى‏ََ) (9)

أي: ثم دام و ثبت على الاهتداء. و هذا كقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ جُنََاحٌ فِيمََا طَعِمُوا إِذََا مَا اِتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ ثُمَّ اِتَّقَوْا وَ آمَنُوا ثُمَّ اِتَّقَوْا وَ أَحْسَنُوا وَ اَللََّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ) (10) .

و المعنى فى ذلك: الدوام على الإيمان و العمل الصالح، لأن الإيمان الذي يحظر النفس و المال قد تقدم فيما ذكر فى قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى اَلَّذِينَ

____________

(1) فصلت: 11.

(2) فصلت: 9.

(3، 6) النازعات: 30.

(4) في الأصل: «و يكون أن يكون الدحو» .

(5) النمل: 28.

(7) القلم: 13.

(8) الانشراح: 6.

(9) طه: 82.

(10) المائدة: 93.