إعراب القرآن - ج1

- الزجاج المزيد...
397 /
103

آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ) فقال بعد: (إِذََا مَا اِتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ ثُمَّ اِتَّقَوْا) (1) .

و مما يبين أن المعنى فيه ما ذكرت قوله تعالى: (إِنَّ اَلَّذِينَ قََالُوا رَبُّنَا اَللََّهُ ثُمَّ اِسْتَقََامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلاََئِكَةُ) (2) و فى الأخرى‏ (إِنَّ اَلَّذِينَ قََالُوا رَبُّنَا اَللََّهُ ثُمَّ اِسْتَقََامُوا فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ) (3) و المعنى: اتبعوا التوحيد ثم داموا عليه و أقاموا. فاستقام/مثل أقام، كاستجاب و أجاب.

و قال أبو الحسن‏ (4) فى قوله تعالى: (ثُمَّ تََابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) (5) : إن «ثمّ» زيادة. و المعنى على ما قال: لأن المعنى: حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت تاب عليهم ليتوبوا. فجواب الجزاء، إن لم تقدّر «ثمّ» زيادة، غير مذكور.

فإن قال قائل: إن «ثمّ» زيادة فى قوله: (ثُمَّ اِهْتَدى‏ََ) (6) كما قال أبو الحسن‏ (7)

فى الآية الأخرى، فإنه يكون قوله‏ (اِهْتَدى‏ََ) بعد تقدير زيادة «ثمّ» على تقديرين:

أحدهما: (وَ إِنِّي لَغَفََّارٌ لِمَنْ تََابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صََالِحاً) (8) إنسانا مهتديا، و يكون حالا. و لم يقع بعد، فإنه كقوله: (هَدْياً بََالِغَ اَلْكَعْبَةِ) (9) .

و يجوز أن يكون على إضمار «قد» على تقدير: (وَ كُنْتُمْ أَمْوََاتاً) (10)

أي: قد كنتم.

و قال أبو على فى قوله تعالى: (وَ لَقَدْ خَلَقْنََاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنََاكُمْ) (11) على ما تقدم من حذف المضاف. و على قولهم: هزمناكم، أي: هزمنا إيّاكم، كقوله:

(فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيََاءَ اَللََّهِ) (12) أي: فلم قتلتم.

____________

(1) المائدة: 93.

(2) فصلت: 30.

(3) الأحقاف: 13.

(4، 7) هو أبو الحسن علي بن سليمان. و انظر الحاشية (2 ص 48) .

(5) التوبة: 118.

(6، 8) طه: 82.

(9) المائدة: 95.

(10) البقرة: 28.

(11) الأعراف: 1.

(12) البقرة: 91.

104

و أما قوله تعالى: (ثُمَّ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ تَمََاماً عَلَى اَلَّذِي أَحْسَنَ) (1)

بعد قوله‏ (قُلْ تَعََالَوْا) (2) فالتقدير: ثم قل: آتينا موسى الكتاب.

و كذلك قوله: (خَلَقَهُ مِنْ تُرََابٍ ثُمَّ قََالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) . (3)

هو على ترتيب الخبر، أي: أخبركم أولا بخلقه من تراب، ثم أخبركم بقوله «كن» .

و أما قوله: (فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ) (4) و بعده‏ (ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا) (5)

فهو مثل الأول فى ترتيب الخبر.

و أما قوله تعالى: (وَ أَنِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) (6) أي: اثبتوا على التوبة و دوموا عليه.

قال عثمان‏ (7) فى بعض كلامه فى قوله تعالى: (وَ هُوَ اَلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ) (8) : «الواو» و إن كان لا يوجب الترتيب، فإن لتقديم المقدّم حظّا و فضلا على المؤخّر.

ألا ترى كيف قال: (أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ) فقدّم المؤخّر فى موضع تعداد النّعم، فكان أولى.

و قال أبو علىّ أيضا فى موضع آخر فى قوله تعالى‏ (ثُمَّ تََابَ عَلَيْهِمْ) * (9)

ثمّ، زائدة؛ و قد يجوز أن يكون جواب «إذا» محذوفا، و «ثمّ تاب عليهم»

____________

(1) الأنعام: 154.

(2) الأنعام: 151.

(3) آل عمران: 59.

(4) البلد: 11.

(5) البلد: 17.

(6) هود: 3.

(7) هو: أبو الفتح عثمان بن جني.

(8) الفتح: 24.

(9) التوبة: 118.

105

معطوف على جملة الكلام، أي: حتى إذا/ضاقت عليهم الأرض تنصّلوا و تندّموا، ثم تاب عليهم. و «إذا» بعد «حتى» للجزاء، و هى بمعنى: متى، أي: متى ضاقت عليهم الأرض.

و أما قوله تعالى: (ثُمَّ مَحِلُّهََا إِلَى اَلْبَيْتِ اَلْعَتِيقِ) (1) فإن «ثم» للعطف على تراخ، و قد عطفت فى الآية «النحر» الذي هو بآخرة، أو «الطواف» الذي هو الخاتمة، على الانتفاع بما يقام فى المناسك فى الدين، أو بمنافع البدن و الهدايا فى الدنيا، على القولين، و كذلك «إلى» التي هى غاية الفرائض، إما لنحر الهدايا، و إما للطواف الذي هو غاية إقامة جمع الواجبات.

و قيل معناه: إن أجرها على رب البيت العتيق.

و أما قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ اَلنَّعِيمِ) (2) فقد قيل هذا على الإخبار أيضا، أي: ثم أخبركم بالسؤال عن النعيم، لأن السؤال قبل رؤية الجحيم.

و قيل: بل المعنى يقال لكم: أين نعيمكم فى النار و أين نمتعكم به؟و شاهد هذه الآي البيت المعروف، و هو قوله:

قل للّذى ساد ثمّ ساد أبوه # ثمّ ساد من بعد ذلك جدّه‏ (3)

و معلوم أن سيادة الجد قبل سيادة أبيه، و سيادة أبيه قبل سيادته أولا، ثم أخبركم بسيادة أبيه ثانيا، ثم أخبركم بسيادة جده ثالثا.

____________

(1) الحج: 33.

(2) التكاثر: 8.

(3) الرواية في المغني (ج 1: 105) :

إن من ساد ثم ساد أبوه # ثم قد ساد قبل ذلك جده‏

106

الباب الرابع‏

هذا باب ما جاء في التنزيل و قد حذف منه حرف الجر فمن ذلك قوله تعالى: (اِهْدِنَا اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ) (1) . التقدير: اهدنا إلى الصراط، فحذف «إلى» ، دليله قوله تعالى: (وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (2) ، و قوله تعالى: (وَ يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرََاطاً) (3) ؛ لأن العرب تقول:

هديته إلى الطريق؛ فإذا قال: هديته الطريق، فقد حذف «إلى» .

و من ذلك قوله تعالى: (وَ بَشِّرِ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ أَنَّ) (4) أي:

بأن لهم، فحذف الباء و انتصب «أن» على مذهب سيبويه، و بقي الجر عند الخليل و الكسائي. و حجاجهم مذكور فى الخلاف.

و على هذا جميع ما جاء فى التنزيل من قوله: (يُبَشِّرُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلصََّالِحََاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً) * (5) فى/بنى إسرائيل و الكهف، دليله ظهوره فى قوله تعالى: (بَشِّرِ اَلْمُنََافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ) (6) . و قوله: (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ) (7) ، و قوله: (فَبَشَّرْنََاهََا بِإِسْحََاقَ) (8) ، و قوله: (بَشَّرْنََاكَ بِالْحَقِّ) (9) ، و قوله: (يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى‏ََ) (10) ، و قوله: (لِتُبَشِّرَ بِهِ اَلْمُتَّقِينَ) (11) .

و من ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مََا بَعُوضَةً فَمََا فَوْقَهََا) (12) أي: لا يستحيى من ضرب المثل، فحذف «من» . و يكثر

____________

(1) الفاتحة: 5.

(2) الشورى: 52.

(3) النساء: 175.

(4) البقرة: 25.

(5) الإسراء-بني إسرائيل: 9، الكهف: 2.

(6) النساء: 138.

(7) التوبة: 21.

(8) هود: 71.

(9) الحجر: 55.

(10) آل عمران: 39.

(11) مريم: 97.

(12) البقرة: 26.

107

حذف المثل لجر من أن‏ (1) و يقلّ مع المصدر؛ يحسن «أن يصرب» و التقدير:

من أن يضرب، و لا يحسن حذف: من ضرب. و أما قوله «بعوضة» فقيل: التقدير: أن يضرب مثلا ببعوضة، و «ما» صلة زائدة، فحذف الباء.

و قيل: أن يضرب مثلا ما بين بعوضة فما فوقها-عن الفراء-فحذف «بين» .

و قيل: «ما» ، نكرة فى تقدير: شى‏ء، و «بعوضة» بدل منه.

و قال أبو علىّ، فى معنى الآية: لا يجوز فى القياس أن يريد أصغر منها.

و قد حكى عن الكلبي أنه يريد: دونها.

و قال ابن عبّاس «فما فوقها» الذباب فوق البعوضة، و هو الحسن.

قال أبو علىّ: و إنما يجوز هذا فى الصفة، هذا صغير و فوق الصغير، و قليل و فوق القليل، أي جاوز القليل.

فأما هذه نملة و فوق النملة، و حمار و فوق الحمار؛ يريد أصغر من النملة و من الحمار، فلا يجوز ذلك؛ لأن «هذا» اسم ليس فيه معنى الصفة التي جاز فيها ذلك.

الفرّاء: «فما فوقها» ، يريد: أكبر منها، و هو العنكبوت و الذباب.

و لو جعلت فى مثله من الكلام «فما فوقها» تريد أصغر منها، لجاز، و لست

____________

(1) هكذا الأصل. و لعل صواب العبارة: «و يكثر حذف من مع الفعل» .

108

أستحسنه، لأن البعوضة غاية فى الصغر، فأحبّ إلىّ أن أجعل «فما فوقها» أكبر منها.

ألا ترى أنك تقول: تعطى من الزكاة الخمسون فما دونها، و الدرهم فما فوقه، و يضيق الكلام أن تقول: فوقه فيهما، أو دونه فيهما. و موضع حسنها فى الكلام أن يقول القائل: إن فلانا لشريف. فيقول السامع:

و فوق ذلك؛ يريد المدح. أو يقول: إنه لبخيل. فيقول: و فوق ذلك. يريد بكليهما معنى أكبر. فإذا عرّفت الرجل فقلت: دون ذاك؛ فكأنك تحطّه عن غاية الشرف، أو غاية البخل.

/و من ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) (1) أي: بأن تذبحوا، لأن «أمر» فعل يتعدى إلى مفعولين، الثاني منهما بالباء؛ دليله (أَ تَأْمُرُونَ اَلنََّاسَ بِالْبِرِّ) (2) .

و مثله: (أَعُوذُ بِاللََّهِ أَنْ أَكُونَ) (3) أي: من أن أكون.

و مثله: (أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ) (4) أي: فى أن يؤمنوا لكم.

و من ذلك قوله تعالى: (بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اَللََّهُ) (5) أي: بغيا لأن ينزّل اللّه، فإن «ينزّل اللّه» متعلق بـ «بغيا» بواسطة حرف الجر. و «بغيا» مفعول له، و «أن يكفروا» رفع مخصوص بالذم. و «ما اشتروا» ، «ما» يجوز أن يكون نصبا على تقدير:

بئس شيئا؛ و يجوز أن يكون رفعا على تقدير: بئس الذي اشتروا به.

____________

(1) البقرة: 67.

(2) البقرة: 44.

(3) البقرة: 67.

(4) البقرة: 75.

(5) البقرة: 90.

109

و من ذلك قوله تعالى: (وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرََاهِيمَ إِلاََّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) (1) أي: فى نفسه، فحذف «فى» .

و قال قوم: سفه، بمعنى سفّه.

و قال قوم: هو تمييز. و المعرفة لا تكون تمييزا.

و من ذلك قوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ) (2) .

قال عثمان‏ (3) : يمكن أن يكون تقديره: فمن عفى له من أخيه عن شى‏ء، فلما حذف حرف الجر ارتفع «شى‏ء» لوقوعه موقع الفاعل؛ كما أنك لو قلت: سير بزيد، ثم حذفت الباء، قلت: سير زيد.

و مثل حذف «عن» فى التنزيل قوله تعالى: (وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ اَلْكُفْرَ بِالْإِيمََانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوََاءَ اَلسَّبِيلِ) (4) و التقدير: فقد ضل عن سواء السبيل.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ عَهِدْنََا إِلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ وَ إِسْمََاعِيلَ أَنْ طَهِّرََا بَيْتِيَ) (5)

أي: بأن طهرا بيتي.

و منه قوله تعالى: (فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمََا) (6) أي: فى أن يطوف؛ و كذلك: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنََاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) (7)

أي: فى أن تبتغوا.

____________

(1) البقرة: 130.

(2) البقرة: 178.

(3) هو عثمان بن جني النحوي، و قد مر التعريف به.

(4) البقرة: 108.

(5) البقرة: 125.

(6) البقرة: 158.

(7) البقرة: 198.

110

و مثله قوله تعالى: (وَ لاََ تَجْعَلُوا اَللََّهَ عُرْضَةً لِأَيْمََانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا) (1)

أي: فى أن تبرّوا.

و قال أبو إسحاق: بل «أن تبروا» مبتدأ، و الخبر محذوف. أي: البرّ و التقوى أولى.

و منه قوله تعالى: (أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاََدَكُمْ) (2) أي لأولادكم.

و منه قوله تعالى: (وَ لاََ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ اَلنِّكََاحِ) (3) أي: على عقدة النكاح، لقوله‏ (4) :

/عزمت على إقامة ذى صباح # ليوم‏ (5) ما يسوّد من يسود.

و مثله قوله تعالى: (وَ مََا لَنََا أَلاََّ نُقََاتِلَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ) (6) التقدير: ما لنا فى ألا نقاتل، فحذف «فى» .

و قال الأخفش: إن «أن» زائدة، أي ما لنا غير مقاتلين؛ لأن قوله «لا نقاتل» فى موضع الحال.

و عن بعض الكوفيين: إنما دخلت «أن» لأن معناه: ما يمنعنا، فلذلك دخلت «أن» ، لأن الكلام: مالك تفعل كذا و كذا.

قال أبو علىّ: و القول هو الأول.

____________

(1) البقرة: 224.

(2) البقرة: 233.

(3) البقرة: 235.

(4) البيت لرجل من خثعم. (الكتاب 1: 116) .

(5) رواية الكتاب: «لشي‏ء» . و في هامشه: «لأمر» . و الشاهد فيه جرذي صباح بالإضافة توسعا و مجازا، و الوجه فيه أن يستعمل ظرفا لقلة تمكنه.

(6) البقرة: 246.

111

وجه قول أبى الحسن إن «أن» لغو كإذن، يكون لغوا، كما تكون هى، و كما تكون عوامل الأسماء لغوا، و لا يمنعها كونها لغوا من العمل فى معمولها، كما لم تمتنع عوامل الأسماء، كقوله تعالى: (فَمََا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) (1) .

فإن قال قائل: فهلاّ أجاز فى «لن» أيضا كما أجاز فى «أن» كذلك، فإن هذا لا يلزمه، لأن «أن» أشد تصرفا من «لن» و هى لذلك أحمل للتوسع و أجلد به.

ألا ترى أنها تدخل على الماضي و المستقبل، و تدخل على أمثلة الأمر، كقولك: كتبت إليه بأن قم، و ليس شى‏ء من هذا فى «لن» .

ألا ترى أنها تلزم المستقبل و لا تتجاوز عن ذلك، إلا أن الوجه فيها مع ذلك ألاّ تكون كـ «إذن» لأن «إذن» إذا وقع بعدها فعل الحال ألغيت و لم تعمل فيه، و «أن» قد عملت هنا، فلو كانت مثل «إذن» لوجب ألا تعمل فيما بعدها من الفعل، كما لم تعمل «إذن» إذا كان الفعل الذي بعده فعل الحال، ألا ترى أن الاسم فى «مالك قائما» ينتصب على الحال، فكذلك الفعل بعد «إذن» هنا فعل حال، فلو كانت «أن» كـ «إذن» لوجب ألا تعمل فى فعل الحال كما لم تعمل «إذن» فيه، فى نحو قولك: إذا حدّثت بحديث: إذن أظنك كاذبا. و أيضا فلا يجوز أن تكون «أن» مثل «إذن» فى أن تلغى كما تلغى «إذن» .

ألا ترى أن فيها من الاتساع أكثر مما فى «أن» ، تقول: أنا أقوم إذن؛ فلا توليه فعلا. و تقول: إذن و اللّه أقوم، فتفصل بينه و بين الفعل.

____________

(1) الحاقة: 47.

112

و الإلغاء سائغ فيه. فإذا كان له من التصرف ما ليس «لأن» ، لم/ينكر أن يجوز فيه الإلغاء، فلا يجوز فى «أن» لكون تصرفها أقل من تصرف «إذن» .

و جوّز أبو الحسن أن يكون المعنى: و ما لنا فى ألاّ نقاتل. و هذا أوضح، و يكون «أن» مع حرف الجر فى موضع النصب على الحال، كقوله تعالى:

(فَمََا لَهُمْ عَنِ اَلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) (1) و نحو ذلك، ثم حذف الحرف فسدّ «أن» و صلتها ذلك المسدّ. و الحال فى الأصل هو الجالب للحرف المقدّر، إلا أنه ترك إظهاره لدلالة المنصوب عنه عليه.

و مثل هذه الآية فى التنزيل: (وَ مََا لَكُمْ أَلاََّ تَأْكُلُوا) (2) أي: ما لكم فى ألاّ تأكلوا و من إضمار حرف الجر قوله تعالى: (أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِي حَاجَّ إِبْرََاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتََاهُ اَللََّهُ اَلْمُلْكَ) (3) أي: لأن آتاه اللّه الملك.

و منه قوله تعالى: (وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاََّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) (4) أي: إلاّ على إغماض فيه، و «على» مع المجرور فى موضع الحال، أي: إلاّ مغمضين فيه.

و من حذف حرف الجر قوله تعالى: (وَ لاََ تُؤْمِنُوا إِلاََّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ اَلْهُدى‏ََ هُدَى اَللََّهِ أَنْ يُؤْتى‏ََ أَحَدٌ مِثْلَ مََا أُوتِيتُمْ) (5) .

____________

(1) المدثر: 49.

(2) الأنعام: 119.

(3) البقرة: 258.

(4) البقرة: 267.

(5) آل عمران: 73.

113

الذي عليه البصريّون حذف المضاف على تقدير: كراهة أن يؤتى.

قال أبو علىّ: فى الآية «أن» لا يخلو من أن يكون منتصبا بأنه مفعول به، أو مفعول له؛ فلا يجوز أن ينتصب بأنه مفعول به؛ و ذلك أن الفعل قد تعدّى باللام إلى قوله: (لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) (1) كما تعدى بها فى قوله: (وَ مََا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنََا) (2) فإذا انتصب هذا بأنه مفعول به لم ينتصب به مفعول آخر، فإذا لم ينتصب بأنه مفعول به انتصب بالوجه [الآخر] (3) ، و التقدير: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم: كراهة ذكر أن يؤتى أحد، و ذكر أن يحاجّوكم. و الدليل على انتصابه بهذا الوجه: قوله فى الآية الأخرى (إِذََا خَلاََ بَعْضُهُمْ إِلى‏ََ بَعْضٍ قََالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِمََا فَتَحَ اَللََّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ) (4) و كما أن قوله‏ «لِيُحَاجُّوكُمْ» فى هذه الآية مفعول له، و قد دخلت اللام عليه؛ و كذلك قوله‏ (أَوْ يُحََاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ) منتصب بالعطف على ما هو مفعول له.

/و هذه الآية عندنا على غير ما قاله الشيخ رحمه اللّه، و التقدير: و لا تؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو يحاجوكم عند ربكم، إلا من تبع دينكم، فالباء مضمر، و «أن يؤتى» مفعول «لا تؤمنوا» و اللام زيادة، و من تبع دينكم استثناء من «أحد» على التقدير الذي ذكرنا.

و يجوز أن يكون قوله (لمن تبع دينكم) ، «من» صلة «تؤمنوا» و إنما لا يتعدى الفعل بحرفين إذا كانا متفقين، و أما إذا كانا مختلفين فالتعدّى بهما جائز. و قد استقصينا هذه المسألة فى غير كتاب من كتبنا.

____________

(1) آل عمران: 73.

(2) يوسف: 17.

(3) تكملة يقتضيها السياق.

(4) البقرة: 76.

114

و من ذلك قوله تعالى: (وَ اِخْتََارَ مُوسى‏ََ قَوْمَهُ) (1) أي من قومه، فحذف «من» .

و منه قوله تعالى: (فَقَدْ جََاؤُ ظُلْماً وَ زُوراً) (2) أي: بظلم و زور، فحذف الباء. و إن زعمت على أنه ليس على حذف الباء، و إنما هو من باب (وَ اَلْعََادِيََاتِ ضَبْحاً) (3) لم يمكنك تقدير «زور» على لفظه، و إنما تقدّره:

ظالمين مزورين، فتعدل أيضا عما تلزمنيه. فقد ثبت أنه على تقدير: فقد جاءوا بظلم و زور.

و منه قوله تعالى: (وَ ضََائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا) (4) أي: من أن يقولوا، أي: يضيق صدرك من مقالتهم: (لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ) (5) .

و من ذلك قوله تعالى: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذََلِكَ زَنِيمٍ*`أَنْ كََانَ ذََا مََالٍ وَ بَنِينَ) (6)

أي: لأن كان ذا مال، فحذف اللام. و فيما يتعلق به هذا اللام اختلاف و اضطراب: فى قول أبى علىّ، مرّة: هو متعلق بمحذوف و لم يعلقه بقوله (إِذََا تُتْلى‏ََ) (7) و لا بقوله‏[ «قال» الذي هو جواب «إذا» ] (8) قال: لأن ما بعد «إذا» لا يعمل فيما قبله.

و قال مرة: بقوله «عتلّ» و هذا كلامه على تفرقة.

قال فى التذكرة (9) : و من لم يدخل همزة (10) الاستفهام كان «أن» متعلقا بـ «عتل» و ذلك كأنه القليل الانقياد، و أنشد أبو زيد:

و عتل داويته من العتل # من قول ما قيل و قيل لم يقل‏

____________

(1) الأعراف: 155.

(2) الفرقان: 4.

(3) العاديات: 1.

(4، 5) هود: 12.

(6) القلم: 13، 14.

(7) القلم: 15.

(8) كتاب كبير في علوم العربية.

(9) في المخطوطة بياض بقدر كلمتين إشارة إلى كلام ساقط، و التكملة من الكشاف (4: 588) .

(10) في المخطوطة: «مرة» . و لعل الصواب ما أثبتناه.

115

فإن قلت: كيف جاز تعلّقه بقوله «عتل» و هو موصوف؟و ما يعمل عمل الفعل، إذا وصف لم يعمل عمله، ألا ترى أنه لم يستجز و لم يستحسن:

مررت/بضارب ظريف زيدا؟و قد وصف «عتل» بـ «زنيم» .

فالقول: إن ذلك إنما لم يستحسن لخروجه بالصفة إلى شبه الاسم، و بعده من شبه الفعل، و قد يعمل ما يبعد من شبه الأسماء، نحو: مررت برجل خير منه أبوه؛ و إن كان غير ذلك أحسن. و الإعمال فى الآية له مزيّة، و إن كان قد وصف، و ذلك أن حرف الجرّ كأنه ثابت فى اللفظ، لطول الكلام بـ «أن» ، و لأنّ «أن» . قد صارت كالبدل منه؛ و من ثم قال الخليل فى هذا النحو: إنه فى موضع جر، و إذا كان كذلك فقد يعمل بتوسط الحرف.

و قد ينتصب «أن» من وجه آخر غير ما ذكرنا، و ذلك أن قوله: (إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِ آيََاتُنََا قََالَ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ) (1) يدل على الإنكار و الاستكبار و ترك الانقياد، فأعمل هذا المعنى، الذي دل عليه هذا الكلام، فى «أن» و كان التقدير، استكبر و كفر، لأن كان ذا مال و بنين.

فأما من أدخل الهمزة فقال: أ أن كان ذا مال و بنين. فقد يكون فى موضع النصب أيضا من وجهين:

أحدهما: أن ما تقدم مما دلّ عليه من قوله «عتل» صار بمنزلة الملفوظ به بعد الاستفهام، فكأنه: أ لأن كان ذا مال و بنين يعتل أو يكفر أو يستكبر، و نحو ذلك.

____________

(1) القلم: 15.

116

كما أن ما تقدم من ذكر قوله: (آمَنْتُ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاَّ اَلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرََائِيلَ) (1) صار كالمذكور بعد قوله: (آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) (2) ، و يكون‏ (إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِ آيََاتُنََا) كلاما مستأنفا.

[ثانيهما (3) ]: و يجوز أيضا مع الاستفهام أن يعمل فى «أن» ما دل عليه قوله:

(إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِ آيََاتُنََا قََالَ) .

كما جاز أن يعمل إذا لم يدخل الاستفهام؛ و مثل ذلك قوله تعالى:

(يَوْمَ يَرَوْنَ اَلْمَلاََئِكَةَ لاََ بُشْرى‏ََ يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ) (4) .

و من حذف الجر قوله: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ) (5) أي: من أن تكون.

و كذلك: (إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ) (6) أي: من سؤالك.

فأما قوله فى التنزيل: (يُرْسِلِ اَلسَّمََاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرََاراً) * (7) إن حملت «السماء» / على التي هى تظل الأرض، أو على السحاب، كان من هذا الباب، و كان التقدير: يرسل من السماء عليكم مدرارا. فيكون «مدرارا» مفعولا به. و إن حملت «السماء» على المطر، كان مفعولا به، و يكون انتصاب «مدرارا» على الحال.

و يقوّى الوجه الأول‏ (فَأَنْزَلْنََا مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً) (8) ، (وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ جِبََالٍ) (9) ، (وَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً) * (10) و غير ذلك من الآي.

____________

(1) يونس: 90.

(2) يونس: 91.

(3) تكملة يقتضيها السياق.

(4) الفرقان: 22.

(5) هود: 46.

(6) هود: 47.

(7) هود: 52.

(8) الحجر: 22.

(9) النور: 43.

(10) البقرة: 22.

117

و من ذلك قوله تعالى: (إِنَّمََا ذََلِكُمُ اَلشَّيْطََانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيََاءَهُ) (1) و التقدير:

يخوفكم بأوليائه. فحذف المفعول و الباء.

و قيل: الأولياء: المنافقون، لأن الشيطان يخوف المنافقين.

و أما قوله تعالى: (فِي كِتََابٍ لاََ يَضِلُّ رَبِّي وَ لاََ يَنْسى‏ََ) (2) فقيل: التقدير:

لا يضل عن ربى، أي: الكتاب لا يضل عن ربى و لا ينساه ربى، فحذفت «عن» .

و قيل التقدير: لا يضل ربى عنه، فحذف الجار مع المجرور، و الجملة فى موضع جر صفة للكتاب.

و من ذلك قوله تعالى: (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرََاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ) (3) أي: على صراطك.

و قال: (وَ اُقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) (4) أي: على كل مرصد.

قال أبو إسحاق: قال أبو عبيدة: المعنى كل طريق.

و قال أبو الحسن: «على» محذوفة. المعنى: على كل مرصد. و أنشد:

نغالى الّلحم للأضياف نيئا (5)

أي: باللحم، فحذف الباء، و كذلك حذف «على» .

قال أبو إسحاق: (كُلَّ مَرْصَدٍ) ظرف، كقولك: ذهبت مذهبا، و ذهبت طريقا، و ذهبت كلّ طريق، فلست تحتاج إلى أن تقول فى هذا الأمر بقوله فى الظروف، نحو: خلف و قدام.

____________

(1) آل عمران: 175.

(2) طه: 52.

(3) الأعراف: 16.

(4) التوبة: 5.

(5) عجز البيت كما في اللسان «غلا» : «و نرخصه إذا نضج القديد» .

118

قال أبو علىّ: القول فى هذا عندى كما قال، و ليس يحتاج فى هذا إلى تقدير «على» إذا كان «المرصد» اسما للمكان. كما أنك إذا قلت: ذهبت مذهبا، و دخلت مدخلا، فجعلت «المدخل» و «المذهب» اسمين للمكان لم نحتج إلى «على» و لا إلى تقدير حرف جر. إلا أن أبا الحسن ذهب إلى أن «المرصد» اسم للطريق، كما فسّره أبو عبيدة. و إذا كان اسما للطريق كان مخصوصا، و إذا كان مخصوصا وجب ألاّ يصل/الفعل الذي لا يتعدى إليه إلا بحرف جر، نحو: ذهبت إلى زيد، و دخلت به، و خرجت به، و قعدت على الطريق؛ إلا أن يجى‏ء فى شى‏ء من ذلك اتساع، فيكون الحرف معه محذوفا، كما حكاه سيبويه من قولهم: ذهبت الشام، و دخلت البيت‏ (1) .

فالأسماء المخصوصة إذا تعدّت إليها الأفعال التي لا تتعدّى فإنما هو على الاتساع. و الحكم فى تعدّيها إليها، و الأصل أن يكون بالحرف.

و قد غلط أبو إسحاق فى قوله: (كُلَّ مَرْصَدٍ) (2) حيث جعله ظرفا كالطريق، كقولك: ذهبت مذهبا، و ذهبت طريقا، و ذهبت كل مذهب، فى أن جعل «الطريق» ظرفا كالمذهب، و ليس «الطريق» بظرف.

____________

(1) الكتاب (1: 16) .

(2) التوبة: 6.

119

ألا ترى أنه مكان مخصوص، كما أن البيت و المسجد مخصوصان. و قد نص سيبويه على اختصاصه، و النص يدل على أنه ليس كالمذهب.

ألا ترى أنه حمل قول ساعدة (1) :

لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه # فيه كما عسل الطّريق الثّعلب‏ (2)

على أنه قد حذف معه الحرف اتساعا، كما حذف عنده من: ذهبت الشام.

و قد قال أبو إسحاق فى هذا المعنى خلاف ما قاله هذا. ألا ترى أنه قال فى قوله تعالى: (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرََاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ) (3) أي: على صراطك.

قال: و لا اختلاف بين النحويين أن «على» محذوفة.

و من حذف الجار قوله تعالى: (لاََ يَسْتَأْذِنُكَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ أَنْ يُجََاهِدُوا بِأَمْوََالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ) (4) أي: فى أن يجاهدوا، فحذف «فى» .

و قال: (وَ تَخِرُّ اَلْجِبََالُ هَدًّا*`أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمََنِ وَلَداً) (5) أي: لأن دعوا، فحذف اللام.

و أما قوله: (ثُمَّ اَلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ) (6) فقد قالوا: التقدير: ثم يسره للسبيل، و إنها كناية الولد المخلوق من النطفة فى قوله‏ (مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ‏`مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ) (7) ثم يسره للسبيل، فحذف اللام و قدّم المفعول، لأن «يسر» يتعدى

____________

(1) هو ساعدة بن جؤية. و انظر الكتاب لسيبويه (1: 16) .

(2) يعسل: يضطرب. و عسل الطريق: أي عسل في الطريق، فحذف و أوصل.

(3) الأعراف: 16.

(4) التوبة: 44.

(5) مريم: 90، 91.

(6) عبس: 20.

(7) عبس: 18، 19.

120

الى مفعولين، أحدهما باللام؛ قال: (وَ نُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى‏ََ) (1) ، / (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى‏ََ) (2) ، (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى‏ََ) (3) .

و لو قالوا إن التقدير: ثم السبيل يسره له، فحذف الجار و المجرور، لكان أحسن. كقوله تعالى: (رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) `وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي) (4)

فينصب إذ ذاك «السبيل» بمضمر فسره «يسره» .

و من ذلك قوله تعالى: (سَنُعِيدُهََا سِيرَتَهَا اَلْأُولى‏ََ) (5) أي: إلى سيرتها، أو: كسيرتها.

و من حذف حرف الجر قوله تعالى: (نُودِيَ يََا مُوسى‏ََ*`إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) (6)

فيمن فتح؛ و التقدير: بأنى أنا ربك، لأنك تقول: ناديت زيدا بكذا.

و مثله: (فَنََادَتْهُ اَلْمَلاََئِكَةُ وَ هُوَ قََائِمٌ يُصَلِّي فِي اَلْمِحْرََابِ أَنَّ اَللََّهَ) (7) فيمن فتح الهمزة، أي: نادته بأن اللّه.

فأما من كسر الهمزتين فى الموضعين فبإضمار القول، و ما قام مقام فاعل «نودى» ضمير موسى، أي: نودى هو يا موسى. و يجوز أن يقوم المصدر مقام الفاعل، و لا يجوز أن يقوم «يا موسى» مقام الفاعل، لأنه جملة.

هذا كلامه فى «الحجة» (8) . و قد جرى فيه على أصلهم حيث خالفوا سيبويه فى قوله: (ثُمَّ بَدََا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مََا رَأَوُا اَلْآيََاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ) (9) ، من أن

____________

(1) الأعلى: 8.

(2) الليل: 7.

(3) الليل: 10.

(4) طه: 25 و 26.

(5) طه: 21.

(6) طه: 11، 12.

(7) آل عمران: 39.

(8) هو كتاب الحجة في القراءات لأبي علي الحسن بن أحمد الفارسي المتوفي سنة 377 ه.

(9) يوسف: 35.

121

الفاعل هو المصدر دون ليسجننه) . بخلاف مذهبه-أعنى سيبويه- حيث جعل‏ (لَيَسْجُنُنَّهُ) الفاعل و إن كان جملة. فإذا كان كذلك كان فى قوله: (يََا مُوسى‏ََ) بمنزلة (لَيَسْجُنُنَّهُ) عند سيبويه، هذا سهو.

و مثله: (وَ أَنَا اِخْتَرْتُكَ) (1) فى قراءة حمزة، بفتح الألف و التشديد و الألف و النون على تقدير: و لأنا اخترناك فاستمع لما يوحى؛ أي: استمع لما يوحى لأنا اخترناك، فاللام الأولى بمعنى إلى، لو لا ذلك لم يجز، لأنه لا يتعدّى فعل واحد بحر فى جر متفقين، و إن اختلفوا فى المختلفين.

و زعم الفارسىّ أن قوله‏ (وَ أَنَا اِخْتَرْتُكَ) محمول على‏ (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) (2)

فسبحان اللّه-إن من قرأ (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) بالفتح يقرأ (وَ أَنَا اِخْتَرْتُكَ) - و هو ابن كثير. و أبو عمرو-فكيف نحمل عليه!إنما ذلك على قوله (فَاسْتَمِعْ) أو على المعنى، لأنه لما قال‏ (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوََادِ اَلْمُقَدَّسِ طُوىً) (3) /كأنه قال: اخلع نعليك لأنك بالوادي المقدس طوى.

و لو قال ذلك صريحا لصلح‏ (وَ أَنَا اِخْتَرْتُكَ) على تقدير: و لأنا اخترناك:

أي: اخلع نعليك لهذا و لهذا.

و مثله: (عَبَسَ وَ تَوَلََّى (1) `أَنْ جََاءَهُ اَلْأَعْمى‏ََ) (4) أي: لأن جاءه الأعمى، فحذف اللام.

و مثله: (وَ فَجَّرْنَا اَلْأَرْضَ عُيُوناً) (5) أي: و فجرنا من الأرض عيونا. أو يكون كقوله‏ (جََاؤُ ظُلْماً وَ زُوراً) (6) [أي‏] (7) بظلم. و التقدير: و فجرنا الأرض بعيون.

____________

(1) طه: 13 و القراءة المشهورة: (وَ أَنَا اِخْتَرْتُكَ) .

(2، 3) طه: 12.

(4) عبس: 1، 2.

(5) القمر: 12.

(6) الفرقان: 4.

(7) تكملة يقتضيها السياق.

122

و من ذلك قوله تعالى: (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً) (1) أي: بيوم، فحذف الحرف، و أوصل للفعل، و ليس بظرف، لأن الكفر لا يكون يومئذ لارتفاع الشّبه لما يشاهد. و قيل: التقدير، كيف تتقون عقاب يوم؟ و من ذلك قوله تعالى: (تَبْغُونَهََا عِوَجاً) * (2) حكم تعدّيه إلى أحد المفعولين أن يكون بحرف الجر، نحو: بغيت لك خيرا، ثم يحذف الجار.

و حكى فى قوله تعالى: (وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ اَلْإِسْلاََمِ دِيناً) (3) أي: دينا غير الإسلام فـ، «غير» على هذا وصف للنكرة فتقدّم عليها، فانتصب على الحال؛ نحو: فيها قائما رجل.

و من ذلك قوله تعالى: (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي اَلنََّارِ) (4) أي: على من فى النار.

كما قال: (وَ بََارَكْنََا عَلَيْهِ وَ عَلى‏ََ إِسْحََاقَ) (5) . و قال: (إِلَى اَلْأَرْضِ اَلَّتِي بََارَكْنََا فِيهََا لِلْعََالَمِينَ) (6) .

فكأنه قال: باركت على من فى النار من دخل فيها. و لكن على معنى:

من قرب منها و من داناها، فحذف المضاف.

فإن قلت: فـ «من حولها» بقربها، فما معنى التكرير؟ قيل: لا يدل «حول كذا» على التقريب، لأنك تقول: هو يطوف حول البيت، و يكون متراخيا عنه.

____________

(1) المزمل: 17.

(2) آل عمران: 99.

(3) آل عمران: 85.

(4) النمل: 8.

(5) الصافات: 113.

(6) الأنبياء: 71.

123

و أبين من هذا قوله تعالى: (وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ اَلْأَعْرََابِ) (1)

و الأعراب لا يكونون فى الأكثر إلا متراخين عن البلدان.

فالمعنى: أن بورك من فى قرب النار أو طلب النار و من فى بعدها، و من حولها: الملائكة و غيرهم. و القريب منها موسى، لأنه أراد أن يحمل نارا إلى أهله ليصطلوا بها.

و مثله قوله تعالى: (وَ لَمََّا وَرَدَ مََاءَ مَدْيَنَ) (2) أي: قربه و لم يتوغّل فيه.

و من ذلك: (أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ اَلذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً) (3) فمن فتح أراد: لأن كنتم.

و المعنى: أ فنضرب عنكم ذكر الانتقام/منكم و العقوبة لكم لأن كنتم قوما مسرفين.

و هذا يقرب من قوله: (أَ يَحْسَبُ اَلْإِنْسََانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً) (4) و انتصاب «صفحا» على المصدر، من باب: (صُنْعَ اَللََّهِ) (5) ، و (كِتََابَ اَللََّهِ) * (6) ، و (وَعَدَ اَللََّهُ) * (7) .

و من ذلك قوله تعالى: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ) (8) أي: على أمركم.

و من هذا الباب قوله: (يُسَبِّحُونَ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ لاََ يَفْتُرُونَ) (9) و التقدير:

يسبحون بالليل. كقوله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهََا بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصََالِ) (10) .

____________

(1) التوبة: 101.

(2) القصص: 23.

(3) الزخرف: 5.

(4) القيامة: 36.

(5) النمل: 88.

(6) النساء: 24.

(7) النساء: 122، يونس: 4.

(8) يونس: 71.

(9) الأنبياء: 20.

(10) النور: 36.

124

فأما قوله: (وَ اَلنَّهََارَ) فقيل: هو منصوب بقوله‏ (لاََ يَفْتُرُونَ) و الأحسن أن يكون عطفا على «اللّيل» .

و مثله: (وَ صَدُّوكُمْ عَنِ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ وَ اَلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) (1)

فإنه يجوز أن يحمل على «عن» تقديره: معكوفا عن أن يبلغ محله. فلما كانت «أن» الموصولة بالفعل قد طال الكلام بها جاز إضمار الجار.

و يجوز النصب فى موضع «أن» على هذا، و العامل فيه على ضريين:

أحدهما أن يكون التقدير: و الهدى معكوفا كراهة أن يبلغ، أو لئلا يبلغ محله؛ على تقدير الكوفيين.

فإن قلت: فإن «معكوفا» يقتضى حرف جر على تقدير «على» -و لا يكون متعديا بنفسه، و التنزيل يشهد بصحة ذا؛ قال عز من قائل:

(يَعْكُفُونَ عَلى‏ََ أَصْنََامٍ لَهُمْ) (2) . و (سَوََاءً اَلْعََاكِفُ فِيهِ وَ اَلْبََادِ) (3) .

قيل: هو محمول على المعنى، كأنه قال: و الهدى محبوسا كراهة أن يبلغ، كالرّفث حيث حمل على الإفضاء فى قوله: (اَلرَّفَثُ إِلى‏ََ نِسََائِكُمْ) . (4)

و جاز ذا لأن المسلمين أحصروا إذ ذاك، و يكون «معكوفا» فى بابه، كمدرهم‏ (5) ، حيث لم يقل درهم، و مفؤود، للجبان، و «بماء معين» (6) ، و لم يقل: عين، و كذلك لم يقل: عكف.

____________

(1) الفتح: 25.

(2) الأعراف: 138.

(3) الحج: 25.

(4) البقرة: 187.

(5) مدرهم: كثير الدراهم.

(6) الملك: 30.

125

و إن حملته على‏ (وَ صَدُّوكُمْ) كان فيه إضمار «عن» كالأول، أو يكون من باب‏ (وَ اِخْتََارَ مُوسى‏ََ قَوْمَهُ) (1) أو يكون من باب: بمن تمرر أمرر؛ و لم يحتج إلى: امر ربه؛ لجرى الأول. فكذا لم يحتج إلى «عن» لذكره (عَنِ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ) .

و من ذلك قوله تعالى: (تَتَّخِذُونَ أَيْمََانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ) (2) أي: لأن تكون. فموضع «أن» نصب، مفعول له و قدّره الزجاج: بأن يكون، فحذف الباء.

و من ذلك قوله تعالى: (فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكََانَهُ فَسَوْفَ تَرََانِي) (3) . أي:

فى مكانه.

و كذلك/قوله تعالى‏ (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنََاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا) (4) أي:

فى أن تبتغوا. لقوله: (وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنََاحٌ فِيمََا أَخْطَأْتُمْ بِهِ) (5) فحذف «فى» .

و قال: (وَ تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) (6) يجوز أن يكون: و ترغبون فى أن تنكحوهن لجمالهن‏ (7) ؛ و يجوز أن يكون: و ترغبون عن نكاحهن لدمامتهن.

و أما قوله تعالى: (وَ أَوْرَثْنَا اَلْقَوْمَ اَلَّذِينَ كََانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشََارِقَ اَلْأَرْضِ) (8) فقد قيل: التقدير: يستضعفون فى مشارق الأرض، أي.

جعلنا الذين يستضعفون فى مشارق الأرض و مغاربها ملوك الشام و مصر.

____________

(1) الأعراف: 155.

(2) النحل: 92.

(3) الأعراف: 143.

(4) البقرة: 198.

(5) الأحزاب: 5.

(6) النساء: 127.

(7) في الأصل «لمالها» .

(8) الأعراف: 137.

126

و أنكر الطّبرى‏ (1) هذا القول، و اعتل بأنهم ما كانوا يستضعفون إلا فى أرض مصر من جهة القبط.

و غلط الطّبرى، لأنه ظن أنهم لا يكونون مستضعفين إلا بعد أن يقتل أبناؤهم و تستحيا نساؤهم، و يلزموا أن يضربوا لبنا صلبا بلا تبن، و ليس كذلك، لأنهم لمّا تفردوا بدين إبراهيم، و لم يكن يدين به فى ذلك الوقت أحد، إلا و كانوا مدفوعين عندهم غير مقبولين، و مقهورين غير مالكين.

ألا ترى أنّ قوما منهم صاروا بعد «بختنصر» إلى أرض فارس، و كانوا أذلّ من بها، لمفارقتهم لهم فى أديانهم. و الشأن فى أنه أنكر هذا القول، و لم يذكر هو شيئا يعبأ به، لأنه قال: أورثهم مشارق الشام؛ و ذلك مما يلى الشرق منها، و مغاربها التي باركنا فيها.

و قيل: التقدير: أورثنا مشارق هذه الأرض التي أغرقنا مالكيها و سالكيها.

فإذا نصبت «مشارق» بأورثنا، كان قوله «التي» جرّا، صفة لـ «الأرض» المجرورة، و إذا نصبت «مشارق» بـ «يستضعفون» ، كان «التي» نصبا، صفة موصوف محذوف منصوب بـ «أورثنا» أي: أورثناهم الأرض التي باركنا فيها.

____________

(1) هو أبو جعفر محمد بن جرير يزيد الطبري، المؤرخ المفسر. و كانت وفاته سنة 310 هـ.

127

و مثله قوله تعالى: (وَ لَقَدْ بَعَثْنََا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ) (1)

ففى موضع‏ (أَنِ) قولان:

أحدهما: أن يكون بتقدير الباء، أي: أرسلناه بأن اعبدوا اللّه؛ فانتصب بالنّزع.

و الثاني: أن تكون‏ (أَنِ) بمعنى «أي» المفسّرة.

و أما قوله فى التنزيل: (لاََ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ اَلنََّارَ) (2) و (لاََ جَرَمَ أَنَّمََا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) (3) (لاََ جَرَمَ أَنَّهُمْ/فِي اَلْآخِرَةِ) * (4) فبعضهم يحمله على إضمار «من» .

أي: من أن لهم النار (5) ، فيحمل «لا جرم» على معنى: لا بد. و هذا لا يصح، لأن «جرم» يقتضى مرفوعا، لأنه فعل ماض عندنا.

و ذهب الفرّاء (6) إلى أن «جرم» معمول «لا» و هو اسم، و هو جار مجرى القسم.

و قيل: إن «أن» منصوبة الموضع، مفعول «جرم» .

و قال بعض الكوفيين: جرم: أصله الفعل الماضي، فحول عن طريق الفعل، و منع التصرف، فلم يكن له مستقبل و لا دائم و لا مصدر، و جعل مع «لا» قسما، و تركت «الميم» على فتحها الذي كان عليها فى المضي، كما نقلوا

____________

(1) النحل: 36.

(2) النحل: 62.

(3) غافر (المؤمن) : 43.

(4) هود: 22، و النحل: 109 و قد كتبت الآية في الأصل «لا جرم أن لهم في الآخرة» .

(5) كأن في الكلام استكفاء، لعدوله عن التقدير في الآيتين الأخريين.

(6) هو يحيى بن زياد بن عبد اللّه بن منظور، أبو زكريا، إمام الكوفيين. و له كتاب المعاني في التفسير، و الجمع و التثنية في القرآن، و غيرهما. توفي سنة 207 هـ.

128

«حاشى» -و هو فعل ماض، مستقبله: يحاشى، و دائمه: محاش، و مصدره: محاشاة-من باب الانفعال إلى باب الأدوات، لمّا أزالوه عن التصرّف.

و الصحيح أنه فعل ماض، و تجعل «لا» داخلة عليه، و هو مذهب سيبويه.

و من أصحابه من يجعلها جوابا لما قبله. و مثله: يقول الرجل كان كذا و كذا، و فعلوا كذا، فيقول: لا جرم أنهم سيندمون.

و بيّن غير الخليل‏ (1) و قال: إنه ردّ على أهل الكفر فيما قدّروه، من اندفاع عقوبة الكفر و مضرّته عنهم يوم القيامة.

و قد ذكر حجاج هؤلاء فى «المختلف» (2) .

و من ذلك قوله تعالى: (لاََ تَجْعَلُوا دُعََاءَ اَلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعََاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً) (3) أي، كدعاء بعضكم على بعض. فالمصدر فى قوله‏ (دُعََاءَ اَلرَّسُولِ) مضاف إلى الفاعل، أي: كدعاء الرسول عليكم.

و قيل: لا تجعلوا دعاءه إياكم إلى الحرب كدعاء بعضكم بعضا إليها، فيكون أيضا مضافا إلى الفاعل.

____________

(1) هو ابو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي، اللغوي الأديب، و كانت وفاته سنة 170 هـ.

(2) لعله: «مختلف الرواية» لعلاء الدين محمد بن عبد الحميد، المعروف بالعلاء السمرقندي المتوفي سنة 552 هـ. ذكر فيه مختلف الرواية، و ذكر لخلاف كل واحد من الأئمة بابا.

(3) النور: 63.

129

و قيل: لا تجعلوا دعاءكم الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا، أي: لا تدعوه بـ «يا محمد» ، و ادعوه بـ «يا نبيّ اللّه» ، كقوله تعالى: (وَ لاََ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ) (1)

فيكون المصدر مضافا إلى المفعول.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ اَلْقَمَرَ قَدَّرْنََاهُ مَنََازِلَ) (2) أي: يسير فى منازل، سائرا فيها.

و من ذلك قوله تعالى: (لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اَلْيَقِينِ) (3) قيل: التقدير: بعلم اليقين لترونّ، فحذف الجار.

و قيل: بل هو نصب على المصدر.

و من ذلك قوله تعالى: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ) (4) أي: بخير، فحذف الباء.

و يجوز أن يكون التقدير: فمن تطوع تطوعا خيرا، فحذف/الموصوف.

و من ذلك قوله تعالى: (آتِنََا غَدََاءَنََا) (5) .

قال أبو على: (آتِنََا) ليس من الإعطاء، إنما هو من، أتى الغداء و آتيته، كجاء و أجأته، و منه قوله تعالى: (تُؤْتِي أُكُلَهََا) (6) أي: تجى‏ء.

و (آتِنََا غَدََاءَنََا) يتعدّى إلى غدائنا بإرادة الجار، لا بد من ذلك؛ لأن الهمزة لا تزيده إلا مفعولا واحدا؛ بخلاف‏ (وَ آتََاكُمْ مِنْ كُلِّ مََا سَأَلْتُمُوهُ) (7)

____________

(1) الحجرات: 2.

(2) يس: 39.

(3) التكاثر: 5.

(4) البقرة: 184.

(5) الكهف: 62.

(6) إبراهيم: 25.

(7) إبراهيم: 34.

130

(وَ مََا آتََاكُمُ اَلرَّسُولُ) (1) لأنه من الإعطاء؛ إذ هو متعد إلى ضمير الموصول، و إلى الكاف و الميم. و قد عددت لك هذه الآي.

و قد قال سيبويه فى الباب المترجم عنه: «فهذا باب ما ينتصب من الأسماء ليست بصفة و لا مصادر، لأنه حال يقع فيه الأمر، فينتصب لأنه مفعول فيه» (2) .

قال: و زعم الخليل أن قولهم: ربحت الدرهم درهما، محال؛ حتى يقولوا: فى الدرهم، أو للدرهم. كذلك وجدنا العرب تقول.

(3) و من زعم أنه يريد معنى الباء و اللام و يسقطها، قيل له: أ يجوز أن تقول له: مررت أخاك، و هو يريد بأخيك؟فإن قال: لا يقال؛ فإن هذا لا يقال أيضا.

____________

(1) الحشر: 7.

(2) الكتاب (1: 195) .

(3) النقل من هنا فيه بعض تصرف.

131

الباب الخامس‏

باب ما جاء في التنزيل و قد زيدت فيه «لا» و «ما» و في بعض ذلك اختلاف، و في بعض ذا اتفاق و قد ذكر سيبويه‏ (1) زيادة «لا» (2) فى قوله: «أما العبيد فذو عبيد» :

«و أما قول الناس للرجل: أما أن يكون عالما فهو عالم؛ و أما أن يعلم شيئا فهو عالم. و قد يجوز أن تقول: أما أن لا يكون يعلم فهو يعلم؛ و أنت تريد: أن يكون كما جاءت: (لِئَلاََّ يَعْلَمَ أَهْلُ اَلْكِتََابِ) (3) فى معنى: «لأن يعلم أهل الكتاب، فهذا يشبه أن يكون بمنزلة المصدر» فى كلام طويل.

فمن ذلك قوله تعالى: (غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لاَ اَلضََّالِّينَ) (4) ف «لا» فى قوله: (وَ لاَ اَلضََّالِّينَ) زيادة. و جاءت زيادتها لمجى‏ء (غَيْرِ) قبل الكلام، و فيه معنى النفي.

ألا ترى أن التقدير: لا مغضوبا عليهم و لا الضالين، و كما جاء:

(وَ مََا يَسْتَوِي اَلْأَحْيََاءُ وَ لاَ اَلْأَمْوََاتُ) (5) فكّرر «لا» و هى زيادة، و كذلك هذا.

____________

(1) الكتاب (1: 194-195) .

(2) يريد: عند قوله: أي عند الكلام على وجوه الأعراب في هذه العبارة: «أما العبيد... إلخ» .

(3) الحديد: 29.

(4) الفاتحة: 7.

(5) فاطر: 22.

132

و من ذلك قوله تعالى: (قََالَ مََا مَنَعَكَ أَلاََّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) (1) .

و التقدير: ما منعك أن تسجد، ف «لا» زائدة.

و قيل: فى قوله تعالى: (وَ أَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ لَئِنْ جََاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهََا قُلْ إِنَّمَا اَلْآيََاتُ عِنْدَ اَللََّهِ وَ مََا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهََا إِذََا جََاءَتْ لاََ يُؤْمِنُونَ) (2)

إن «لا» زائدة (3) .

و المعنى: و ما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون، فيمن فتح «أن» .

و لما كان فتح «أن» يؤدى إلى زيادة «لا» عدل الخليل إلى أنّ «أن» من قوله «أنّها» بمعنى: لعلها. قال: و المعنى: و ما يشعركم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون؛ لأن فى حملها على بابها عذرا لهم فى ترك الإيمان حيث لم ينزل الآية، و ذلك لأنه إذا قال: و ما يشعركم أن الآيات إذا جاءت لا يؤمنون، فالمعنى: لو جاءت آمنوا. فلما كان كذلك حملها على «لعل» .

و قيل: بل إن «أن» على بابها. و التقدير: و ما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون، فيكون من باب حذف الجمل.

و قال قوم: بل فى الآية تقديم و تأخير، و التقدير: إنما الآيات عند اللّه و لا ينزلها، لأنها إذا جاءت لا يؤمنون.

فهذه ثلاثة أقوال.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ حَرََامٌ عَلى‏ََ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا أَنَّهُمْ لاََ يَرْجِعُونَ) (4)

قالوا: «لا» زائدة. و التقدير: و حرام على قرية أهلكناها رجوعها إلى الدنيا،

____________

(1) الأعراف: 12.

(2) الأنعام: 109.

(3) يضعف الرازي في كتابه «مفاتيح الغيب» (3: 130) هذا الرأي نقلا عن الزجاج.

(4) الأنبياء: 95.

133

فـ «لا» زائدة و قال أبو علىّ: إن قوله: (أَنَّهُمْ لاََ يَرْجِعُونَ) (1) داخل فى المصدر، الذي هو حرام؛ و خبر «حرام» مضمر. و التقدير: و حرام على قرية أهلكناها بأنهم لا يرجعون، موجود، أو كائن، أو مقضى. أي حرام عليهم بالاستئصال وجودهم فى الدنيا أو رجوعهم إليها.

و أما قوله تعالى: (فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ) * (2) لا يخلو «لا» من أن يكون لتأكيد النفي، كالتى فى قولك: ما قائم زيد و لا عمرو. فيفيد أن كل واحد منتف على حياله. أو يكون «لا» نفيا مستأنفا. فالدلالة على الوجه الأول أنك لو حملته على الوجه الثاني لم يجز حتى تكرّرها، كما تقول: لا زيد عندك و لا عمرو. فلما لم تكرر علمت أنها على الوجه الأول.

و لا يكون مثل:

حياتك لا نفع و موتك فاجع‏ (3)

لأن ذلك يقع فى الشعر.

فأما قوله تعالى: (لاََ أُقْسِمُ) * (4) فقيل: «لا» زائدة. و قيل: «لا» ردّ لكلامهم: (لاََ يَبْعَثُ اَللََّهُ مَنْ يَمُوتُ) . فقال: لا. أي: ليس الأمر كما تظنون.

____________

(1) أنبياء: 95.

(2) البقرة: 38.

(3) عجز بيت لرجل من بني سلول، و صدره:

و أنت امرؤ منا خلقت لغيرنا

(4) القيامة: 1.

134

و من ذلك/قوله تعالى: (لِئَلاََّ يَعْلَمَ أَهْلُ اَلْكِتََابِ) (1) قالوا: التقدير:

ليعلم أهل الكتاب؛ و لا، زائدة. أجمعوا على هذا، غير ابن بحر (2) فإنه زعم أن الأولى ألا يكون فى كلام اللّه شذوذ و ما يستغنى عنه. و الذي يوجبه اللفظ على ظاهره أن يكون الضمير فى‏ (يَقْدِرُونَ) (3) للنبى صلى اللّه عليه و آله و المؤمنين. و المعنى: لئلا يعلم اليهود و النصارى أن النبي صلى اللّه عليه و آله و المؤمنين لا يقدرون على ذلك، و إذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون فقد علموا أنهم يقدرون عليه. أي إن آمنتم كما أمرتم آتاكم اللّه من فضله فعلم أهل الكتاب ذلك و لم يعلموا خلافه. و العلم فى هذا و مثله يوضع موضع وقوع الفعل؛ لأنه إنما يعلم الأشياء واقعة بعد وقوعها.

قال أبو سعيد السيرافي‏ (4) : إن لم تجعل «لا» زائدة جاز؛ لأن قوله:

(يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اَللََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏`لِئَلاََّ يَعْلَمَ أَهْلُ اَلْكِتََابِ) (5) أي: يفعل بكم هذه الأشياء ليتبين جهل أهل الكتاب و أنهم لا يعلمون ما يؤتيكم اللّه من فضله، لا يقدرون على تغييره و إزالته عنكم. فعلى هذا لا يحتاج إلى زيادة «لا» .

____________

(1، 2) الحديد: 29.

(3) هو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المولود سنة 163 هـ-780 م-المتوفى سنة 255 هـ-869 م-و من كتبه «مسائل القرآن» و لعله هو الذي منه النقل هنا.

(4) هو أبو سعيد الحسن بن عبد اللّه السيرافي النحوي. كان مولده سنة 284 هـ-897 م-و وفاته سنة 368 هـ-979 م.

(5) الحديد: 28، 29.

135

قلت:

و حمل ابن بحر زيادة «لا» على الشذوذ جهل منه بقواعد العربية. و ليس كل من يعرف شيئا من الكلام يجوز له التكلم على قواعد العربية. و ليس كون «لا» زائدة فى فحوى خطاب العرب مما يكون طعنا من الملحدة على كلام اللّه، لأن كلام اللّه منزّل على لسانهم. فما كان متعارفا فى لسانهم لا يمكن الطعن به على كتاب اللّه، تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

و كيف يكون زيادة «لا» شاذة، و قد جاء ذلك عنهم و شاع، كقول الهذلي‏ (1) :

أ فعنك لا برق كأن و ميضه # غاب تسنّمه ضرام مثقب‏

أي، أ فمن ناحيتك أيتها المرأة هذا البرق الذي يشبه ضوؤه ضوء غاب.

/و أنشد أبو عبيدة للأحوص‏ (2) :

و تلحيننى فى اللّهو ألاّ أحبّه # و لّلهو داع دائب غير غافل‏

أي: فى اللهو أن أحبه؛ و «لا» زائدة:

و منه ما أنشده سيبويه لجرير:

ما بال جهلك بعد الحلم و الدين # و قد علاك مشيب حين لا حين‏ (3)

لا «فيه» زائدة؛ إذا قلت: علاك مشيب حين حين، فقد أثبت حينا علاه فيه المشيب. فلو جعلت «لا» غير زائدة لوجب أن تكون نافية

____________

(1) هو: ساعدة الهذل. (اللسان 20: 354) .

(2) بغية الوعاة (1: 195) .

(3) الديوان (ص 586) و الكتاب لسيبويه (1: 358) .

136

على حدها فى قولهم: جئت بلا مال، و أبت بلا غنيمة. فنفيت ما أثبت من حيث كان النفي بـ «لا» عامّا منتظما لجميع الجنس. فلما لم يستقم حمله على الجنس لتدافع العارض فى ذلك حكمت بزيادتهما، فصار التقدير: حين حين. و هو من باب: حلقة فضة، و خاتم حديد؛ لأن الحين يقع على الزمان القليل كالساعة و نحوها؛ و على الطويل كقوله تعالى: (هَلْ أَتى‏ََ عَلَى اَلْإِنْسََانِ حِينٌ مِنَ اَلدَّهْرِ) (1) و على ما هو أقصر من ذلك كقوله تعالى:

(تُؤْتِي أُكُلَهََا كُلَّ حِينٍ) (2) . فصار: حين حين، كقوله:

و لو لا يوم يوم ما أردنا

و منه قول الشماّخ:

أ عايش ما لأهلك لا أراهم # يضيعون الهجان مع المضيع‏ (3)

و روى التّوّزىّ عن أبى عبيدة أن «لا» زائدة.

و منه قول المرّار، بيت الكتاب‏ (4) -:

و لا ينطق الفحشاء من كان منهم # إذا جلسوا (5) منّا و لا من سوائنا

____________

(1) الدهر: 1.

(2) إبراهيم: 25.

(3) الديوان (ص 56) . و فيه: «ما لقومك» مكان «ما لأهلك» . و عائش: ترخيم: عائشة، و هي امرأة الشماخ.

قال ابن فارس: «و أما قول أبي عبيدة في شعر الشماخ أن «لا» زائدة فقط، لأنه ظن أنه أنكر فساد المال و ليس الأمر كما ظن. و ذلك أن الشماخ احتج على امرأته بصنيع أهلها أنهم لا يضيعون المال، و ذلك أنها قالت له: لم تشدد على نفسك في العيش حتى تلزم الإبل و تعذب فيها فهو عليك. فرد عليها فقال:

ما لي أرى أهلك يتعهدون أموالهم و لا يضيعونها بل يصلحونها و أنت تأمرينني بإضاعة المال!» .

(4) الكتاب (1: 203) .

(5) في الكتاب: «إذا قعدوا» .

137

و أما قوله تعالى: (مََا أَصََابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي أَنْفُسِكُمْ) (1)

فإن موضع قوله‏ (فِي اَلْأَرْضِ) يحتمل ضربين:

أحدهما: أن يكون مفعولا فيه ظرفا.

و الآخر: أن يكون وصفا.

فإن جعلته ظرفا احتمل أن يكون ظرفا لـ «أصاب» و احتمل أن يكون لـ «مصيبة» . و لا ذكر فيه على شى‏ء من هذين التأويلين. كما أن قولك:

بزيد، من: مررت بزيد. كذلك يؤكد ذلك. و يحسنه دخول «لا» فى قوله:

(وَ لاََ فِي أَنْفُسِكُمْ) . فصار ذلك مثل: ما ضربت من رجل و لا امرأة.

و الضرب الآخر أن يكون صفة للنكرة، و يكون متعلّقا بمحذوف.

/و فيه ذكر يعود إلى الموصوف. و قوله: (وَ لاََ فِي أَنْفُسِكُمْ) صفة معطوفة على صفة، لأنه صفة منفىّ، فيكون كالبدل فى قوله:

فى ليلة لا ترى بها أحدا # يحكى علينا إلاّ كواكبها (2)

من الضمير فى «يحكى» لمّا جرى على المنفىّ.

و زيادة الحروف فى التنزيل كثير، فأقرب من ذلك إلى ما نحن فيه قوله: (فَبِمََا رَحْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ) (3) و قوله: (فَبِمََا نَقْضِهِمْ مِيثََاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ) (4)

____________

(1) الحديد: 22.

(2) البيت لعدي بن زيد، و الشاهد فيه: رفع الكواكب على البدل من الضمير الفاعل في يحكي. لأنه في المعنى منفى، و لو نصب على البدل من أحد لكان أحسن. (الكتاب 1: 361) .

(3) آل عمران: 159.

(4) النساء: 154.

138

و قوله تعالى: (فَبِمََا نَقْضِهِمْ مِيثََاقَهُمْ لَعَنََّاهُمْ) (1) و كقوله: (عَمََّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ) (2) أي: عن قليل و كقوله: (جُنْدٌ مََا هُنََالِكَ) (3) أي: جند هنالك.

و قيل فى قوله تعالى: (كََانُوا قَلِيلاً مِنَ اَللَّيْلِ مََا يَهْجَعُونَ) (4) «ما» صلة.

و كذلك قوله: (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مََا أَنَّكُمْ) (5) أي: مثل أنكم.

و قيل فى قوله: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مََا شََاءَ) (6) فكقوله:

*فهى ترثى بأبى و ابنيما (7)

و كقولهم: افعله آثرا ما.

فهذه حروف جاءت للتأكيد عند سيبويه.

و عند قوم، هو اسم و لا خلاف فى زيادتها. فمن قال: هو اسم، قال:

قد جاء من الأسماء مثله مزيدا، كقولهم: كان زيد هو العاقل.

قال اللّه تعالى: (إِنْ كََانَ هََذََا هُوَ اَلْحَقَّ) (8) «فهو» فصل. و قال‏ (تَجِدُوهُ عِنْدَ اَللََّهِ هُوَ خَيْراً) (9) و قال: (إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ) * (10) و قال: (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ) (11) .

و سأعد لك الفصل فيما بعد.

____________

(1) المائدة: 13.

(2) المؤمنون: 40.

(3) ص: 11.

(4) الذاريات: 17.

(5) الذاريات: 23.

(6) الانفطار: 8.

(7) البيت لرؤبة. و «ما» فيه فصل، و إنما حكى ندبتها. (الكتاب 1: 322) . و يروى: (فهي تنادي بأبي و ابنما) .

(8) الأنفال: 32.

(9) المزمل: 20.

(10) البقرة: 129.

(11) الكهف: 39.

139

و الصحيح قول سيبويه، إذ لا معنى لها سوى التوكيد، و لا تكاد الأسماء تزاد. فأمّا «هو» فإنما جى‏ء به ليفصل الخبر عن الوصف، فهو لمعنى.

فثبت أن «ما» حرف زيدت كزيادة «من» فى النفي، و زيادة الباء فى: ألقى بيده و ساعده لك.

[و]زيادة «أن» و «إن» فى قوله تعالى: (فَلَمََّا أَنْ جََاءَ اَلْبَشِيرُ) (1)

و قوله:

فما إن طبّنا جبن و لكن # منايانا و دولة آخرينا (2)

و أما قوله تعالى: (وَ لَقَدْ مَكَّنََّاهُمْ فِيمََا إِنْ مَكَّنََّاكُمْ فِيهِ) (3) فإن الكسائي يقول: إنّ «إن» زائدة، و التقدير: فى الذي مكناكم فيه.

و الفرّاء يقول: فى الذي نمكنكم فيه. و إياه اختار أبو علىّ، و زعم أنه من جهة المعنى و اللفظ أقرب.

فأما المعنى، فلأن قوله: (فِيمََا/إِنْ مَكَّنََّاكُمْ فِيهِ) فى المعنى فى قوله: (مَكَّنََّاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ مََا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ) (4) .

و كما أن «لم» نفى بلا إشكال، و كذلك «إن» ، و يبين ذلك قوله: (أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كََانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ أَثََارُوا اَلْأَرْضَ وَ عَمَرُوهََا أَكْثَرَ مِمََّا عَمَرُوهََا) (5) فهذا كله يدل على أن تمكين من تقدمهم يزيد على تمكينهم، فهذا بمنزلة (مََا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ) .

____________

(1) يوسف: 96.

(2) البيت لفروة بن مسيك. و طبنا، أي: عادتنا. (الكتاب 1: 475. المغني 1: 23) .

(3) الأحقاف: 26.

(4) الأنعام: 6.

(5) الروم: 9.

140

و أما اللفظ فلأن «ما» موصولة، و «أن» لا يزاد بعد «ما» الموصولة و إنما يزاد بعد النفي فى نحو: «ما إن طبّنا جبن» .

و الذي جاء من ذلك فى الشعر فيما أنشده سيبويه و أبو زيد من قوله:

و رجّ الفتى للخير ما إن رأيته‏ (1)

إنما هو لتشبيه اللفظ.

فثبت بهذا كله و تحقق أن من تكلم فى الجوهر و العرض و الجزء الذي يتجزأ (2) أو لا يتجزأ لا يعرف معنى قوله: «حين لا حين» لأن ذاك عقلى و هذا سماعى، و بين ما يكون مبنيّا على السماع، و بين ما يكون مبنيّا على العقل تفاوت و بون.

و لو لا أنى خفت أن تقول بعدي ما لا يحل لك فى هذا الكتاب؛ لسقت جميع ما اختلفوا فى زيادته فى التنزيل فى هذا الباب، لكنى ذكرتها فى مواضع ليكون أحفظ عندك.

____________

(1) عجزه:

على السن خيرا لا يزال يزيد

(المغني 1: 23-الكتاب 2: 306) .

(2) في الأصل: «لا يتجزأ» .

141

الباب السادس‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من الأسماء التي سميت بها الأفعال و هى أبواب ذكرها سيبويه، نحو: صه، و مه، و رويد، و النّجاء، و إياك، و عليك، و هاك، و هلم. كما تراه فى الكتاب‏ (1) . فهذه كلها أسماء سميت بها الأفعال.

و قد أبطلنا قول من قال: هى قسم رابع، فى غير كتاب من كتبنا.

فما جاء فى التنزيل من ذلك قولهم فى الدعاء بعد الفاتحة (آمين) .

و فيه لغتان: أمين، و آمين، بالقصر و المد؛ و كلاهما اسم لـ «استجب» ؛ كما أن «صه» اسم. لـ «اسكت» و «مه» كذلك. و فى «آمين» ضمير المخاطب.

و روى عن الأخفش أنه اسم أعجمى، مثل: هابيل و قابيل؛ فإن سميت به رجلا لم ينصرف.

قال أبو علىّ «فى التذكرة» : لو قال قائل إنه ليس/بأعجمى، لأنه لا يخلو لو كان أعجميا من أن يكون اسم جنس، أو منقولا من معرفة، و ليس باسم جنس و لا منقولا من معرفة. فإذا لم يخل من هذين الوجهين فى العجمة، و ليس واحدا منهما، ثبت أنه ليس بأعجمى، فهو وجه.

____________

(1) انظر الكتاب لسيبويه (1: 122-127) .

142

فإن قلت: إنه وزن جاء فى الأعجمية.

قيل: لا ينكر، و إن كان جاء فى الأعجمى: مثل، هابيل، أن يجى‏ء هذا عربيّا، و يكون إفراده فى الأبنية العربية مثل: درّىّ، و مرنّق، و نحو ذلك من الأبنية التي تجى‏ء مفردة، نحو: انقحل، و ما أشبه. فبعضهم لا يصرفه لتوهم العجمة، و بعضهم يصرفه و يجعله مثل: قيراط، و فيروز.

قال أبو علىّ فى موضع آخر: اختلف فى «آمين» فقال قائلون:

إنه اسم من الأسماء التي سمى بها الفعل، نحو: صه، و مه، و إيه، و رويد، و ما أشبه ذلك. و قال قائلون: هو اسم من أسماء اللّه.

فما يدل على أنه اسم سمى به الفعل: ما روى حجّاج‏ (1) عن ابن جريح‏ (2)

عن عكرمة (3) قال: أمّن هارون على دعاء موسى عليه السلام، فقال اللّه:

(قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمََا فَاسْتَقِيمََا) (4) .

و كما أن قول موسى: (رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى‏ََ أَمْوََالِهِمْ) (5) جملة مستقلة و كلام تام، كذلك قول هارون‏ (آمِّينَ) جملة مستقلة و كلام تام. و لولا أنه كذلك لم يكن هارون داعيا، لأن من تكلّم باسم مفرد أو كلمة مفردة لم يكن داعيا،

____________

(1) هو حجاج بن محمد المصيصي-بكسر الميم و تشديد الصاد المهملة، و قيل بفتح الميم و خفة الصاد-و كانت وفاته سنة 206 هـ (تهذيب التهذيب 2: 205) .

(2) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح. و كانت وفاته سنة 150 هـ (تهذيب التهذيب 6: 402) .

(3) هو عكرمة بن خالد بن العاص بن هشام. و عنه يروى ابن جريج (تهذيب التهذيب 7: 258) .

(4) يونس: 89.

(5) يونس: 88.

143

كما لا يكون آمرا، ألا ترى أن الدعاء لفظه كلفظ الأمر، فيقول القائل: اللهم اغفر لي فى الأمر لى، كقوله لصاحبه: اذهب بي. إلا أنه استعظم فى الدعاء أن يقال إنه أمر.

كما أن قولهم: صه، بمنزلة: اسكت؛ و مه، بمنزلة: اكفف.

كذلك فى الدعاء: آمين، بمنزلة: استجب. و فيه ضمير مرفوع بأنه فاعل.

كما أن فى سائر هذه الأسماء التي سمى بها الفعل أسماء مضمرة مرتفعة.

و يدل على ذلك ما رواه عبد الوهاب‏ (1) عن إسماعيل بن مسلم قال:

كان الحسن إذا سئل عن «آمين» قال: تفسيرها: اللهم استجب.

عبد الوهاب، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن فى «آمين» : ليكن ذلك.

و من حيث كان دعاء كما ذكرنا، أخفى فى قول أبى حنيفة و أصحابه فى الصلاة و لم يجهر به، لأن المسنون فى الدعاء الإخفاء، بدلالة قول اللّه تعالى: (اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً) (2) . و لما روى من قول النبي صلى اللّه عليه و على آله أنه قال لقوم رافعى أصواتهم بالدعاء: إنكم لا تنادون أصمّ و لا غائبا، و إن الذي تنادونه أقرب إليكم من رءوس مطيكم.

و مما يدل على أن هذه الأسماء المسمى بها الفعل فيها ضمير فاعل، كما أن فى قولنا «اضرب» و ما أشبهه-من أمثلة الأمر-ضمير فاعل، أنك لما عطفت عليه المضمر المرفوع أكّدته، كما أنك لما عطفت على الضمير

____________

(1) هو عبد الوهاب بن عطاء الخفاف أبو نصر العجلي. و كانت وفاته سنة 204 هـ. (تهذيب التهذيب 6: 450) .

(2) الأعراف: 55.

144

المرفوع فى مثال الأمر أكّدته. و ذلك نحو قوله تعالى: (مَكََانَكُمْ أَنْتُمْ وَ شُرَكََاؤُكُمْ) (1) لما عطف (الشركاء) على‏ (مَكََانَكُمْ) ، و كان قوله: (مَكََانَكُمْ) بمنزلة قولك: اثبتوا، و اسما لهذا الفعل، أكد بأنتم؛ كما أنه لما عطف على المضمر المرفوع فى مثال الأمر أكد فى قوله تعالى: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقََاتِلاََ) (2) ، و (اُسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ اَلْجَنَّةَ) * (3) . فإذا ثبت احتمال هذه الأسماء المسمى بها الفعل الضمير، كما احتملته أمثلة الأمر، ثبت أنها جمل.

و إذا كانت جملا لم تصحّ أن تكون من أسماء اللّه سبحانه، و أن القائل بذلك مخطئ، لادعائه ما لا دليل عليه. و قد قامت الدلالة على فساده.

ألا ترى أن أسماء اللّه ليس فيها ما هو جملة، و أنها كلها مفردة، و هى على ضربين:

أحدهما ما كان صفة، نحو: عالم، و قادر، و خالق، و رازق.

و الآخر ما كان مصدرا، نحو: الإله، و السلام، و العدل. فإذا لم تخل من هذين الضربين، و لم يكن «آمين» من واحد من هذين، و لا اسما غير وصف و لا مصدرا، كقولنا «شى‏ء» ثبت أنه ليس منها.

فأمّا ما روى عن جرير بن عبد الحميد، عن منصور بن‏[المعتمر عن‏] (4)

هلال بن يساف، عن مجاهد أنه قال: آمين اسم من أسماء اللّه تعالى.

فعندنا هذا الاسم لما تضمن الضمير المرفوع الذي وصفنا، /و ذلك الضمير

____________

(1) يونس: 28.

(2) المائدة: 24.

(3) البقرة: 35.

(4) تكملة يستقيم بها السند. و انظر التهذيب في أسماء: جرير، و منصور، و هلال (3: 75 و 10:

312 و 11: 86) .

145

مصروف إلى اللّه سبحانه، قال: إنه اسم اللّه على هذا التقدير، و لم يرد أن الكلمة اسم من أسماء اللّه دون الضمير، كعالم، و رازق.

فإذا احتمل هذا الذي وصفت لم يكن فيما روى عنه حجة لمن قال: إن جملة الكلمة اسم.

و مما يدل على أنه ليس باسم من أسماء اللّه تعالى، و أنه من أسماء الأفعال على ما ذكرت، أنه مبنى، كما أن هذه الأسماء الموضوعة للأمر مبنية. و ليس فى أسماء اللّه تعالى اسم مبنى. على هذا الحد. فلما كان هذا الاسم مبنيّا كصه، و إيه، و نحوهما. دلّ ذلك على أنه بمنزلتهما، و ليس من أسماء القديم سبحانه، إذ ليس فى أسمائه اسم مبنى على هذا الحد.

فإن قال قائل: فقد حكى سيبويه و عامة البصريين فى: لاه أبوك. أنهم يريدون للّه أبوك. و هذا الاسم مبنى. لأنه لا يخلو من أن يكون على قول من قال: [لاه‏]لأفعلن. فأضمر حرف الجر و اختص به.

أو على قول من قال:

ألا ربّ من قلبى-له اللّه-ناصح لأنه ليس بمنون، فأوصل الفعل لما حذف الجار، و أعمله، فبين أنه ليس على إضمار حرف الجر، إذ هو مفتوح فى اللفظ (1) .

____________

(1) تكررت هذه العبارة في الأصل مرة أخرى بهذا النص: «و ليس أيضا على قول من قال: ألا رب من قلبي له اللّه ناصح، لأنه ليس بمنون» و هي كما ترى زيادة من الناسخ.

146

و ليس فى نحو: إبراهيم، و عمر. فيكون مفتوحا فى موضع الجر، أو منصوبا بلا تنوين، نحو: رأيت عمر، لتعرّى الاسم مما يمنع الصرف.

فإذا لم يكن على شى‏ء من هذه الأنحاء، التي ينبغى أن يكون المعرب عليها.

ثبت أنه مبنى، و إذا كان مبنيا لم يمتنع أن يكون «آمين» اسما مثله و إن كان مبنيا.

قيل له: إنما بنى هذا الاسم الذي حكاه سيبويه لتضمنه معنى الحرف «ال» للتعريف.

ألا ترى أنه زعم أنهم أرادوا: للّه أبوك، فلماّ لم يذكر لام المعرفة و تضمن الاسم معناها بنى كما بنى آمين، لما تضمن معنى الألف و اللام، و كما بنى خمسة عشر «لما تضمن معنى حرف العطف، و كم، و كيف، و أين» لما تضمنت [معنى الاستفهام‏]أغنت عن حروف الاستفهام. و الاسم إذا تضمن معنى الحرف بنى. /فأما «آمين» لم يتضمن معنى الحرف على هذا الحد، و لا على نحو «كيف» و كم، و إنما بنى كما بنى «صه» و «مه» و «نزال» و «حذار» ، و نحو ذلك من الأسماء التي تستعمل فى الأمر للخطاب.

و حكى قطرب: له أبوك، بإسكان الهاء. و هذا صحيح فى القياس مستقيم، و ذلك أنه لما وجب البناء و حرك الآخر منه بالفتح لالتقاء الساكنين، ثم حذف منه حرف اللّين الواقع موقع اللام، كما حذف فى نحو: يد و دم، و بقي على حرفين، زال التقاء الساكنين، فبنى على السكون، لزوال ما كان يوجب التحريك من التقاء الساكنين.

فإن قال: فهلاّ بنى على الحركة و إن كان على حرفين، لأنه قد جرى متمكّنا فى غير هذا الموضع، كما بنى «عل» عند سيبويه على الحركة، فى قولهم:

147

من عل. و إن كان على حرفين، تجريه غير متمكن مجراه متمكّنا، قبل حال البناء.

قيل: لم يشبه هذا «عل» ، لأن «عل» و نحوه مما يلحقه الإعراب فى التمكن على اللفظ الذي هو عليه. و «له» من قولهم: له أبوك، لحقه الحذف من شى‏ء لم يتمكن قط فى كلامهم. فإذا كان كذلك لم يلزم أن يكون مثل «عل» لمفارقته لـ «عل» فى أنه لم يجر الاسم المحذوف هذا عنه متمكّنا؛ فلما كان كذلك صار بمنزلة حذفهم «مذ» فى «منذ» فى أن المحذوف مبنى كما أن المحذوف منه كذلك، و فى أن المحذوف أسكن لزوال ما كان له حرك بالحذف، و هو التقاء الساكنين.

فأما قوله تعالى: (مَكََانَكُمْ أَنْتُمْ وَ شُرَكََاؤُكُمْ) (1) فالقول أنه مبنىّ غير معرب من حيث صار اسما للفعل، كما كان «صه» و «هلم» و نحوهما مبنية.

فإن قلت: إن «مكانكم» منصوب و النصب فيه ظاهر.

قيل: ليست هذه الفتحة بنصب، و ذلك أن انتصابه لا يخلو من أن يكون بعامل عمل فيه بعد أن جعل اسما للفعل، أو أن يكون بعد التسمية به فى الانتصاب على ما كان عليه قبل ذلك، فلا يجوز أن يكون انتصابه/ الآن، و قد سمى به الفعل على ما كان قبل، ألا ترى أن تقديره معمولا لذلك العامل، و اتصاله به لا يصح كما يصح اتصاله به فى هذه المواضع التي لا تكون أسماء للفعل؛ و ذلك قولك: زيد مكانك، و الذي مكانك زيد؛ فهذا سد مسد الفعل الذي عمل فيه، و أغنى من حيث كان تقدير العامل الذي تعلّق به هذا الظرف فى الأصل غير ممتنع، نحو: زيد استقر مكانك،

____________

(1) يونس: 28.

148

أو مستقر؛ و الذي استقر مكانك. و قدّرت هذا العامل فى الموضع الذي سميت الفعل به لم يتعلق به، على حد تعلق الظرف فى المعمولات بعواملها.

ألا ترى أنك إن علّقته بها على أنه ظرف بطل أن يكون جملة و زال عنه معنى الأمر، فإذا كان كذلك لم يتصل به بعد أن صار اسما للفعل كما كان يتصل به قبل. و إذا لم يتصل به لم يكن معمولا له، و لم يجز أن يكون، و هو اسم للفعل، معربا بالإعراب الذي كان يعرب به قبل. و لا يجوز أيضا أن يكون انتصابه بعامل عمل فيه بعد أن جعل اسما للفعل، و ذلك أنه بمنزلة الأمر، و هو نفسه العامل، كما أن أمثال الأمر نفس العامل، و كما أنه لا عمل لشى‏ء فى أمثلة الأمر، كذلك ما أقيم مقامه.

فإن قلت: إن الأفعال المضارعة عاملة فى فاعليها، و لم يمنعها ذلك من أن تكون معمولة لعوامل أخر؛ فكذلك ما تنكّر، ألا يمنع كون «مكانك» و نحوه عاملا فى الفاعل المضمر فيه أن يكون هو نفسه أيضا معمولا لغيره، كما لم يمنع المضارع أن يكون معمولا لغيره و إن كان عاملا فى فاعله.

قيل: إن المضارع لما أشبه الأسماء و وقع موقعها فى بعض المواضع تعرّف‏ (1) ، للمشابهة التي بينه و بين الاسم، على ما ذكر فى مواضع ذلك. و هذه الأسماء إذا سمى بها الفعل تخرج بذلك عن أن تقع مواقع الأسماء، فوجب بناؤها لوقوعها موقع ما لا يكون إلا مبنيا، كما بنى قولهم: «فدى لك» /فى قوله:

مهلا فداء لك يا فضاله # أجرّه الرّمح و لا تهاله‏ (2)

____________

(1) في الأصل: «الذي يعرف» .

(2) أي أطعنه به فاجعله يمشي به و هو يجره. و قد ساق ابن منظور البيت (فدى) شاهدا على أن «فداء» إذا كسرت فاؤه مد. و إذا فتحت قصر.

149

لمّا وقع موقع الأمر، و كما بنى المضارع-فى قول أبى عثمان-لما وقع موقع فعل الأمر.

كذلك بنى «دونك» و «حذرك» و نحوه، لوقوعه موقع فعل الأمر؛ ألا ترى أنهم بنوا «رويد» فى هذا الباب مع أنه مصغر. فما عداه من هذه الأسماء أجدر بالبناء.

و إذا كان كذلك لم يجز أن يتعرب «مكانك» بإعراب بعد ما سمى به الفعل، فإذا لم يجز أن يتعرب بما كان متعربا قبل أن سمى به الفعل، و لم يجز أن يعرب بشى‏ء بعد ما سمى به ثبت أنه غير معرب. و هذا مذهب أبى الحسن الأخفش.

و إذا لم يكن معربا كان مبنيّا، و لم يجز أن يكون فى موضع رفع و لا نصب و لا جر، لأن ما يعمل فى الأسماء لا يعمل فيه الآن عامل.

فأما ما يعمل فى الفعل فلا يعمل فيه أيضا، لأنه ليس بفعل؛ فإذا كان كذلك ثبت أنها غير معربة.

فأما تحرّك بعض هذه الأسماء بحركة قد يجوز أن تكون للإعراب، نحو:

مكانك، و حذرك، و فرطك؛ فإن ذلك لا يدل على أنها معربة.

ألا ترى أن الحركات قد تتفق صورها و تختلف معانيها، كقولك:

«يا منص» ، فى ترخيم رجل اسمه «منصور» على قول من قال: «يا حار» «و يا حار» .

و كذلك من قال: درع «دلاص» ، و «أدرع» دلاص لا تكون الكسرة التي فى الجمع الكسرة التي فى الواحد، لأن التي فى الواحد مثل التي فى «كناز» و «ضناك» و التي فى الجمع مثل التي فى «شراف» و «ظراف» .

150

و كذلك قوله تعالى: (فِي اَلْفُلْكِ اَلْمَشْحُونِ) * (1) فضمة الفاء مثل ضمة «قفل» و «برد» . و قوله تعالى: (وَ اَلْفُلْكِ اَلَّتِي تَجْرِي فِي اَلْبَحْرِ) (2) ضمة الفاء فيه للجمع على حد «أسد» و «أسد» و «وثن» و «وثن» .

و كذلك لا ينكر أن تتفق الحركات فى «مكانك» و يختلف معناها، لما ذكرنا من الدلالة على ذلك؛ فتكون، إذا كان ذلك ظرفا أو مصدرا، حركة إعراب، و إذا كان اسما/للفعل حركة بناء و نحوه.

ألا ترى اتفاق حركة الإعراب و حركة البناء فى: «يا ابن أمّ» ، و «لا رجل عندك» فكذلك اتفاقهما فى «مكانك» .

و فى «آمين» لغتان: قصر و مدّ؛ فالمقصور عربىّ، لكثرة «فعيل» فى العربي.

و الممدود مختلف فيه و قد حكينا عن الأخفش أنه أعجمى، لما لم ير هذا المثال فى العربي.

و هذا[لا] (3) يصح؛ لأن الأعجمى لا يخلو من قسمين:

أحدهما: نحو: اللّجام.

و الآخر: نحو: إبراهيم، و إسماعيل.

و هذا ليس واحدا منهما، فإذن هو عربى.

____________

(1) يس: 41.

(2) البقرة: 164.

(3) تكملة يفقدها الأصل.

151

و المدّ فيها لإشباع الفتح، كإشباع «منتزاح» (1) ، و «لا ترضّاها» (2) ، و «أنظور» (3) ، و «الصّياريف» (4) ، و غير ذلك.

[و]كما لا يجوز لأحد أن يقول إن هذه الكلمات أعجميات لخروجها عن كلامهم، فكذلك لا يقال فى «آمين» .

و إذا كان هذا للإشباع فيها، فكذلك فى «آمين» .

و قال محمد بن يزيد (5) : «آمين» مثل «عاصين» .

و أراد به أن الميم خفيفة كالصاد، و لم يرد به أنه جمع، لأنه إن كان اسما من أسماء اللّه فالجمع فيه كفر، و إن كان اسما للفعل فإنه نائب عن الجملة، فلا يجوز جمعه.

و أما قول الأخفش: إنك إذا سميت بـ «آمين» رجلا لم تصرفه.

فإن قال‏[قائل‏]: فأحد السببين المانعين من الصرف التعريف، فما السبب الثاني المنضم إلى التعريف، و ليس «آمين» بمنزلة «هابيل» فى أنه اسم جرى معرفة فى كلام العجم فيمنعه الصرف، كما يمنع «إبراهيم» و نحوه؟

____________

(1) من بيت لابن هرمة يرثى ابنه، و البيت هو:

فأنت من الغوائل حين ترمى # و من ذم الرجال بمنتزاح‏

أي: منتزح، فأشبع فتحة الزاي فتولدت الألف.

(2) يزيد قول الشاعر:

إذا العجوز غضبت فطلق # و لا ترضاها و لا تملق

و اعمد لأخرى ذات دل مونق # لينة المس كمس الخرنق‏

(3) يزيد قول الشاعر:

اللّه يعلم أنا في تلفتنا # يوم الفراق إلى إخواننا صور

و أتني حيثما يثنى أوى بصري # من حيثما سلكوا أوتو فأنظور

(4) من بيت الفرزدق، و البيت هو:

تنفى يداها الحصى في كل هاجرة # ففي الدنانير تنقاد الصياريف‏

(5) هو محمد بن يزيد المبرد.

152

قيل: يجوز أن تقول: إنه مالم يكن اسم جنس كـ «شاهين» أشبه‏[الأسماء] المختصة. فامتنع من الصرف كما امتنعت عنده «عريط» (1) .

و هذا الشبه فيما لا ينصرف معمل. ألا ترى أنهم شبهوا «عثمان» فى التعريف «بسكران» .

و من كان «آمين» عنده عربيّا فالقياس أن يصرفه إذا سمى به رجلا، على قول بنى تميم، و لا يمنعه خروجه عن أبنية كلامهم من الانصراف، لأنه يصير بمنزلة عربىّ لا ثانى له من دونه، نحو «انقحل» (2) .

و على قياس قول/أهل الحجاز ينبغى أن يحكى، ألا ترى أنهم لو سموا رجلا بفعال، نحو: حذام، و قطام، لحكوه و لم يعربوه. فهذا هو القول فى «آمين» .

و من ذلك قوله تعالى فى قول الكسائي‏ (كِتََابَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ) (3) و التقدير عنده: عليكم كتاب اللّه.

كقوله تعالى‏ (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) (4) أي: احفظوها.

هذا عندنا لا يصح، لأن معمول «عليك» لا يتقدم عليه، و إنما «كتاب اللّه» نصب مصدر مؤكّد ما تقدّم‏ (5) . و سأعدّ لك من أخواته معه ما يفهم به صحته. فإن قلت: فقد جاء ذلك فى قولها:

يا أيها الماتح دلوى دونكا # إنّى رأيت النّاس يحمدونكا

____________

(1) العريط: العقرب.

(2) الإنقحل: الكبير الهرم. قال ابن جني: ينبغي أن تكون الهمزة في «انقحل» للإلحاق بما اقترن بها من النون؛ من باب جردحل. ثم قال: و لم يحك سيبويه من هذا الوزن إلا إنقحلا وحده.

(3) النساء: 24.

(4) المائدة: 105.

(5) قال الزمخشري (1: 497) : مصدر مؤكد، أي كتب اللّه عليكم كتابا و فرضه فرضا.