إعراب القرآن - ج1

- الزجاج المزيد...
397 /
153

قال: التقدير: دونك دلوى، و هذا عندنا مبتدأ و خبر. ليس كما قالوا.

فأما وقف من وقف على قوله تعالى: (فَمَنْ حَجَّ اَلْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلاََ جُنََاحَ) (1)

ثم يبتدئ فيقرأ (عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمََا) فليس بالمتّجه، لأن سيبويه قال:

إن هذا يكون فى الخطاب دون الغائب، فلا يجوز حمله على الإغراء. و هذا لفظ سيبويه. قال: حدّثنى من سمعه: أن بعضهم قال: عليه رجلا ليسنى.

هذا قليل، شّبهوه بالفعل. يعنى أنه أمر غائبا، فقال: عليه.

و أما ما روى عن النبي «عليه السلام» أنه قال: «من استطاع منكم الباءة فليتزوّج و إلاّ فعليه بالصوم فإنّه له و جاء» .

و إنما أمر الغائب بهذا الحرف على شذوذه، لأنه قد جرى للمأمور ذكر، فصار بالذكر الذي جرى له كالحاضر، فأشبه أمر الحاضر.

و إنما قوله‏ (عَلَيْهِ) خبر (لا) أي: لا إثم عليه فى التطوف بينهما، و الطواف ليس بفرض.

و أما قوله تعالى: (هَيْتَ لَكَ) (2) فقد قالوا: معناه: هلمّ لك.

قال رجل لعلىّ بن أبى طالب صلوات اللّه و سلامه عليه:

أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتا

أنّ العراق و أهله # عنق‏ (3) إليك فهيت هيتا

____________

(1) البقرة: 158.

(2) يوسف: 23.

(3) عنق أي: أقبلوا إليك بجماعتهم. يقال: جاء القوم عنقا، أي فرقا. و الرواية في اللسان «هيت» :

«سلم» .

154

أي: هلم إلينا، و قد كسر قوم الهاء، و هو لغة فى ذا المعنى، و رفعت فى ذا المعنى‏ (1) .

/قال: و قراءة أهل المدينة: «هيت لك» فى ذا المعنى، الهاء مكسورة و التاء مفتوحة. و المعروف: هيت و هيت بضم التاء و فتحها. و حكى الكسر أيضا. و هو اسم للفعل. و «لك» على هذا للتبيين-بمنزلة «لك» فى قولهم: هلّم لك. و مثل تبيينهم: «رويدك» بالكاف فى «رويدك» .

و تبيينهم «هاء و هاء» بقولهم: «هاك، و هاك» . و «لك «فى «هلمّ لك» -متعلق بهذا الاسم الذي سمى به الفعل. و لا يجوز أن يتعلق بمضمر، لأنك لو علّقته بمضمر لصار وصفا.

و هذه الأسماء التي سميت الأفعال بها لا توصف، لأنها بمنزلة مثال الأمر، و كما لا يوصف مثال الأمر كذلك لا توصف هذه الأسماء.

و من ذلك «هلمّ» فى قوله: (هَلُمَّ شُهَدََاءَكُمُ) (2) ، و فى قوله: (هَلُمَّ إِلَيْنََا) (3) .

و هى «ها» ضمّت إلى «لمّ» فجعلا كالشى‏ء الواحد. و فيه لغتان:

إحداهما-و هو قول أهل الحجاز، و لغة التنزيل-أن يكون فى جميع الأحوال للواحد و الواحدة و الاثنين و الاثنتين و الجماعة من الرجال و النساء على لفظ واحد، لا تظهر فيه علامة تثنية و لا جمع، كقولهم: «هلمّ إلينا» فيكون بمنزلة: رويد، و صه، و مه، و نحو ذلك، نحو الأسماء التي سميت بها الأفعال، و تستعمل للواحد و الجمع، و التأنيث و التذكير على صورة واحدة.

____________

(1) مدلول العبارة: رفع الهاء: و ما سمع هذا.

(2) الأنعام: 150.

(3) الأحزاب: 18.

155

و الأخرى: أن تكون بمنزلة «ردّ» فى ظهور علامات الفاعلين، على حسب ما تظهر فى «ردّ» و سائر ما أشبهها من الأفعال. و هى فى اللغة الأولى و فى اللغة الثانية، إذا كانت للمخاطب، مبنية مع الحرف الذي بعدها على الفتح. كما أن «هل تفعلنّ» مبنى مع الحروف على الفتح. و إن اختلف موقع الحرفين فى الكلمتين، فلم يمنع الاختلاف من البناء على الفتح. و لخفّة «ها» المنبهة، لكون الأمر موضعا للاستعطاف، كما لحقت «يا» (أَلاََّ يَسْجُدُوا) (1) و «ها» (هََا أَنْتُمْ) * (2) فحذف لكثرة استعمال الألف من «ها» كـ «لا أدرى، «و لم أبل» . و لأن الألف حذفت لما كانت اللام فى نية السكون، و كأنه. هلمم. و الساكن معتبر بدليل: جيل، و مول، فلم يعلّوا اعتبارا بسكون الياء و الواو فى «موئل» ، «و جيأل» . و حسّن حذف الألف جعلها مع «لم» كخمسة عشر، بدلالة اشتقاقهم الفعل منه. فيما حكى الأصمعى: إذا قيل لك. هلمّ. فقال: ما أ هلمّ، فاشتقاقهم الفعل نظير «أهريق» زيادة لا معنى له. و يكون اشتقاق: هلّل، و حوقل، و هو أحسن، لأنهم لم يغيروه فى التثنية و الجمع.

و قال الفراّء: إن: أصله: هل أمّ. و «أمّ «، من «قصدت» .

و الدليل على فساد هذا القول: أن «هل» لا يخلو من أحد أمرين:

إما أن يكون بمعنى: قد، و هذا يدخل فى الخبر.

و إما أن يكون بمعنى الاستفهام، و ليس لواحد من الحرفين تعلّق بالأمر.

____________

(1) النمل: 25.

(2) محمد: 38. آل عمران: 119.

156

و إن قلت: هو خبر بمعنى الأمر؛ فإن ذلك لا يدخل عليه «هل» لأن من قال: «رحم اللّه» لا يقول: هل رحم اللّه، و الفتح فيه كالفتح فى «ليقومنّ» و ليس لالتقاء الساكنين، كالفتح فى «ردّ» لأن «ردّ» يجوز فيه الأوجه الثلاثة، و «هلمّ» لا يجوز فيه إلا الفتح، على لغة أهل الحجاز.

و من ذلك «أفّ» فى قوله تعالى: (فَلاََ تَقُلْ لَهُمََا أُفٍّ) (1) و قوله:

(أُفٍّ لَكُمْ) (2) .

و فى قوله: (وَ اَلَّذِي قََالَ لِوََالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمََا) (3) .

و فيه لغات: و المقروء منها الكسر بلا تنوين، و الكسر بتنوين، عن نافع و حفص، و الفتح بلا تنوين، و يجوز فى العربية الضم بلا تنوين، و الضم بتنوين.

و فى لغة سابعة، أفّى، مثل: أمليت، و أمللت‏ (4) .

و معنى كله: نتنا و ذفرا. و قد سمى الفعل به فبنى. و هذا فى البناء على الفتح، كقولهم: سرعان ذا إهالة (5) ، لما صار اسما لـ «يسرع» ، و كذلك «أف» ، لمّا كان اسما لما يكره أو يضجر منه، و نحو ذلك. فمن نوّن نكره، و من لم ينون كان عنده معرفة؛ مثل: صه، و صه، و مه، و مه، إلا أن «أف» فى الخبر، و «صه» فى الأمر.

____________

(1) الإسراء: 23.

(2) الأنبياء: 67.

(3) الأحقاف: 17.

(4) جمعها الشاعر في بيت فقال:

فأف ثلث و نون إن أردت و قل # أفي و أفي و أف و أفة تصب‏

(5) الإهالة: الودك و الشحم. و هذا مثل، أصله: أن رجلا كان يحمق اشترى شاة عجفاء يسيل رغامها هزالا و سوء حال و فطن أنه ودك فقال: سرعان ذا إهالة.

157

فإن قلت: ما موضع «أفّ» فى هذه الآي بعد «القول» ، هل يكون موضعه نصبا كما ينتصب المفرد بعده، أو كما تكون الجمل؟و كذلك لو قلت: «أفّ» (1)

و إذا لم يكن مع «أف» «لك» ، كان ضعيفا، ألا ترى أنك لو قلت:

«ويل» لم يستقم حتى توصل به «لك» فيكون فى موضع الجر.

و من الأسماء/التي سميت بها الأفعال قوله تعالى: (هََاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتََابِيَهْ) (2)

و فيها لغات:

إحداها: هاك، للرجل، و هاك، للمرأة. و الكاف للخطاب. يدل على ذلك أن معنى: هاك زيدا، أي: خذ زيدا «فزيدا» ، هو منصوب بهذا الفعل، و لا يتعدى إلى مفعولين.

و يدلك على أن الكاف فى «هاك» و «هاك» حرف لا اسم إيقاعهم موقعها ما لا يكون اسما على وجه؛ و ذلك قولك: «هاؤم» . و على هذا قوله تعالى:

(هََاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتََابِيَهْ) (3) . و على هذا قالوا للاثنين: هاؤما، و للنساء.

هاؤنّ؛ كما يقال: هاك، و هاكما، و هاكم، و هاكنّ.

و فيها لغة ثالثة، و هى أن تترك الهمزة مفتوحة على كل حال و تلحقها كافا مفتوحة للمذكّر، و مكسورة للمؤنث، فتقول: هاءك، و هاءكما، و هاءكم، و هاءك، و هاءكما، و هاءكنّ.

و فيها لغة رابعة: و هى قولك للرجل: هأ، بوزن: هع. و للمرأة: هانى‏ء، بوزن: هاعى، و للاثنين: هاءا، بوزن: هاعا، و للمذكرين: هاءوا، بوزن: هاعوا.

____________

(1) أحقاف: 17.

(2، 3) كذا في الأصل. و السياق يملي أن للكلام بقية لم تذكر.

158

و للنساء: هأن، بوزن: هعن‏ (1) . فهذه اللغة تتصرف تصرف «خف» و «خافى» و «خافا» و «خافوا» و «خفن» ، و هى لغة، مع ما ذكرناه، قليلة.

فأما قول على بن أبى طالب صلوات اللّه و سلامه عليه:

أفاطم هائى السيف غير ذميم # فلست برعديد و لا بلئيم

لعمرى لقد قاتلت فى جنب أحمد # و طاعة ربّ بالعباد رحيم

و سيفى بكفّى كالشّهاب أهزّه # أجذّ به من حالق و صميم

و مازلت حتّى فضّ ربّى جموعهم # و أشفيت منهم صدر كلّ حطيم‏

و الوجه أن يكون على قول من كسر الهمزة للمؤنث، لأن القرآن بهذه اللغة نزل، و هو أفصح اللغات.

و يجوز أن يكون على قول من قال: هائى، بوزن خافى. فحذف الياء لالتقاء الساكنين.

و فيه لغة خامسة، و هو أن يقال للواحد و الواحدة و التثنية و الجمع على صورة واحدة. و الذي ينبغى أن يحمل هذا عليه أن يجعل بمنزلة «صه» و «مه» و «رويد» و «إيه» .

و أما «رويدا» من قوله عز و جل: (فَمَهِّلِ اَلْكََافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً) / (2)

فإن «رويدا» فى الآية ليست بمبنية. اسما لـ «ارفق» ، نحو: رويد عليّا، و لكنه صفة مصدر مضمر، أي: أمهلهم إمهالا رويدا، و يجوز أن يكون حالا.

____________

(1) في الأصل: «عهن» بتقديم العين على الهاء.

(2) الطارق: 17.

159

و فى كلا الوجهين تصغير «إرواد» تصغير الترخيم، أو تصغير «رود» (1) .

فأما قوله تعالى: (قِيلَ اِرْجِعُوا وَرََاءَكُمْ) (2) فالتقدير: ارجعوا ارجعوا و «وراءكم» لا موضع له لأنه تكرير. ألا ترى قولهم: وراءك أوسع لك‏ (3) .

و أما قوله تعالى: (هَيْهََاتَ هَيْهََاتَ لِمََا تُوعَدُونَ) (4) «فهيهات» مبنية على الفتح.

و هو اسم لـ «بعد» . و الفاعل مضمر فيه. و التقدير: هيهات إخراجكم؛ لأنه تقدم أنكم تخرجون. و لا يصح قول من قال: إن التقدير: البعد لما توعدون، أو البعيد لما توعدون، لأن هذا التقدير لا يوجب لها البناء على الفتح، و إنما يوجب بناءه كونه فى موضع «بعد» ، كسرعان، فى موضع سرع، و قد ذكرته فى «المختلف» .

و أما قولهم: «إيها» و قوله عليه السلام: «إيها أصيل‏ (5) ، دع القلوب تقر» (6) .

فإيها، مبنى على الفتح، و هو بالتنوين، اسم «لكفّ» ، و هو نكرة.

____________

(1) في الأصل: «مرود» .

(2) الحديد: 13.

(3) ساق ابن منظور هذا القول و قال: «تنصب بالفعل المقدر، و هو: تأخر» .

(4) المؤمنون: 36.

(5) هو أصيل الخزاعي و كان قدم على النبي صلى اللّه عليه و سلم المدينة فقال له صلى اللّه عليه و سلم: كيف تركت مكة؟فوصفها له أصيل (النهاية لابن الأثير، إيه) .

(6) أي كف و اسكت.

160

الباب السابع‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من أسماء الفاعلين مضافة إلى ما بعدها، بمعنى الحال أو الاستقبال فمن ذلك قوله تعالى: (مََالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ) (1) . الإضافة فيه إضافة غير تحقيقيّة، و هو فى تقدير الانفصال، و التقدير: مالك أحكام يوم الدين؛ و إذا كان كذلك لم يكن صفة لما قبله، و لكن يكون بدلا.

فإن قلت: إنه أريد به الماضي فأضيف؛ فجاز أن يكون وصفا لما قبله، و المعنى معنى المستقبل، كما قال: (وَ نََادى‏ََ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ) (2) .

فالوجه الأول أحسن؛ لأنه ليس فى لفظه ما يدل على الماضي، و الشي‏ء إنما يحمل فى المعنى على ما يخالف فى اللفظ، نحو «نادى» ، يقال لفظه لفظ الماضي و المعنى المستقبل، و هذا التقدير لا يصح فى‏ (مََالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ) (3) إذ لا يقال: لفظه لفظ الماضي و معناه المستقبل.

و من ذلك قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذََائِقَةُ اَلْمَوْتِ) * (4) لو لا ذلك لم يجز خبرا على «كل» لأنه لا يكون المبتدأ نكرة و الخبر معرفة.

نظيره فى الأنبياء: (كُلُّ نَفْسٍ ذََائِقَةُ اَلْمَوْتِ وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ اَلْخَيْرِ) (5) .

____________

(1، 3) الفاتحة: 3.

(2) الأعراف: 44.

(4) آل عمران: 18.

(5) الأنبياء: 35.

161

و من ذلك قوله تعالى: (هَدْياً بََالِغَ اَلْكَعْبَةِ) (1) أي: بالغا الكعبة، إضافة فى تقدير الانفصال، أي هديا مقدرا به بلوغ الكعبة، ليس أن البلوغ ثابت فى وقت كونه هديا؛ فإنما الحال هنا كالحال فى قوله تعالى:

(وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي اَلْجَنَّةِ خََالِدِينَ فِيهََا) (2) أي: مقدرين الخلود فيها.

و مثله: (وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يُجََادِلُ فِي اَللََّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لاََ هُدىً وَ لاََ كِتََابٍ مُنِيرٍ`ثََانِيَ عِطْفِهِ) (3) أي: ثانيا عطفه، و الإضافة فى تقدير الانفصال، لو لا ذلك لم ينتصب على الحال.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ لاَ اَللَّيْلُ سََابِقُ اَلنَّهََارِ) (4) أي سابق النهار.

و التقدير به التنوين.

و من ذلك قوله تعالى: (إِنَّكُمْ لَذََائِقُوا اَلْعَذََابِ اَلْأَلِيمِ) (5) أي: لذائقون العذاب الأليم، فالنّية به ثبات النون؛ لأنه بمعنى الاستقبال.

و من ذلك قوله تعالى: (هَلْ هُنَّ كََاشِفََاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرََادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكََاتُ رَحْمَتِهِ) (6) هو فى تقدير التنوين، دليله قراءة من نوّن و نصب «ضرّه» و «رحمته» .

و من ذلك قوله تعالى: (فَلَمََّا رَأَوْهُ عََارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ) (7)

أي: مستقبلا أوديتهم.

____________

(1) المائدة: 95.

(2) هود: 109.

(3) الحج: 8، 9.

(4) يس: 40.

(5) الصافات: 38.

(6) الزمر: 38.

(7) الأحقاف: 24.

162

و مثله ما بعده: (عََارِضٌ مُمْطِرُنََا) (1) أي: عارض ممطر إيّانا، لو لا ذلك لم يجز وصفا على النكرة.

و من ذلك قوله: (إِنَّمََا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشََاهََا) (2) ، دليله قراءة «يزيد» «منذر من يخشاها» بالتنوين.

فهذه الأسماء كلها إذا أضيفت خالفت إضافتها إضافة الماضي، نحو قوله تعالى: (فََالِقُ اَلْإِصْبََاحِ وَ جَعَلَ اَللَّيْلَ سَكَناً) (3) لأن الإضافة فى نحو ذلك صحيحة، و توصف به المعرفة؛ ألا ترى أن «فالق» صفة لقوله‏ (ذََلِكُمُ اَللََّهُ) (4)

و إنما صحت إضافته لأنه لا يعمل فيما بعده، فلا يشبه الفعل، و إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال عمل فيما بعده، لأنه يشبه «يفعل» بدليل أن «يفعل» أعرب.

فأما قوله تعالى: (وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاََقُوهُ) (5) .

و قوله تعالى: (فَلَمََّا كَشَفْنََا عَنْهُمُ اَلرِّجْزَ إِلى‏ََ أَجَلٍ هُمْ بََالِغُوهُ) (6) .

و قوله تعالى: (وَ تَحْمِلُ أَثْقََالَكُمْ إِلى‏ََ بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بََالِغِيهِ) (7) .

و قوله تعالى: (إِنََّا مُنَجُّوكَ وَ أَهْلَكَ) (8) .

____________

(1) الأحقاف: 24.

(2) النازعات: 45.

(3) الأنعام: 96.

(4) الأنعام: 95.

(5) البقرة: 223.

(6) الأعراف: 134.

(7) النحل: 7.

(8) العنكبوت: 33.

163

و قوله تعالى: (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاََّ كِبْرٌ مََا هُمْ بِبََالِغِيهِ) (1) .

و قوله تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنََا مَنْسَكاً هُمْ نََاسِكُوهُ) (2) .

فالهاء و الكاف عند سيبويه فى موضع الجر بالإضافة، لكفّ «النّون» ، كما أن الظاهر فى قوله: (سََابِقُ اَلنَّهََارِ) (3) و قوله: (لَذََائِقُوا اَلْعَذََابِ) (4) جر، و إن كانت الإضافة فى تقدير الانفصال.

و عند الأخفش: الكاف و الهاء فى موضع النصب، بدليل قوله:

(وَ أَهْلَكَ) (5) فنصب المعطوف، فدل على نصب المعطوف عليه.

و سيبويه يحمل قوله: (وَ أَهْلَكَ) (6) على إضمار فعل، كما يحمل: (وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ حُسْبََاناً) (7) على إضمار فعل.

و كذلك: (وَ مََا كُنْتُ مُتَّخِذَ اَلْمُضِلِّينَ عَضُداً) (8) .

فسيبويه يعتبر المضمر بالظاهر.

و كما جاز: (ذََلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حََاضِرِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ) (9) بجرّ «المسجد» و إضافة «حاضرى» إليه، فكذا هذا.

____________

(1) غافر: 56.

(2) الحج: 67.

(3) يس: 40.

(4) الصافات: 38.

(5، 6) العنكبوت: 33.

(7) الأنعام: 96.

(8) الكهف: 52.

(9) البقرة: 196.

164

و الأخفش يدّعى أن النون لا يمكن إظهارها هنا، لا يجوز (مُنَجُّوكَ) (1) ، و لا: (بََالِغِيهِ) * (2) ، و لا: (بََالِغُوهُ) (3) .

فافترق الحال بين الظاهر و المضمر.

و اما قوله: (فَتَبََارَكَ اَللََّهُ أَحْسَنُ اَلْخََالِقِينَ) (4) ليس بوصف للّه، لأنه نكرة، و الإضافة في تقدير الانفصال. بدليل تعلّق الظرف به في «أحوج ساعة» (5) .

و (أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ) * (6) ، و قد جاء:

ملك أضلع البرّية ما يو # جد فيها لما لديه كفاء (7)

فإن «أحسن» مرتفع بـ «هو» ، لأنه موضع بناء.

و إن شئت كان بدلا؛ لأن إضافة «أفعل» فى تقدير «من» . فإذا ثبت:

زيد أفضل القوم؛ و التقدير: أفضل من القوم؛ فإضافته غير محضة، لا يتعرّف بها، فوجب أن يكون «أحسن» بدلا لا وصفا.

و من ذلك قوله: (وَ خََاتَمَ اَلنَّبِيِّينَ) (8) بالكسر، اسم الفاعل، ليكون معرفة فيشاكل المعطوف عليه، و من فتح‏ (9) ، فهو مصدر، أي، ذا ختم.

____________

(1) العنكبوت: 33.

(2) النحل: 7.

(3) الأعراف: 135.

(4) المؤمنون: 14.

(5) جزء من بيت لأوس بن حجر، و هو بتمامه:

فإنا رأينا العرض أحوج ساعة # إلى الصون من ريط يمان مسهم‏

و يروي (فإنا وجدنا) .

(6) النحل: 125.

(7) البيت من معلقة للحارث بن حلزة.

(8) الأحزاب: 40.

(9) الذي في كتب اللغة ان «الخاتم» بالفتح و الكسر اسم فاعل.

165

الباب الثامن‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من إجراء «غير» في الظاهر على المعرفة فمن ذلك قوله تعالى: (صِرََاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) (1) . قال قوم: إنما انجرّ «غير» لأنه بدل من «الذين» و هو معرفة، و لا كلام فى هذا.

و قال قوم: بل هو صفة لـ «الذين» .

فقيل لهم: إن «غيرا» أبدا نكرة، فكيف تجرى وصفا على المعرفة؟/.

و إنما قالوا ذلك لأنك إذا قلت: مررت برجل غيرك، فكلّ الناس غير المخاطب.

و قال أبو إسحاق فى ذلك: إن «غيرا» جرى وصفا لـ «الذين» هنا، لأن معنى: الذين أنعمت عليهم: كل من أنعم اللّه عليه منذ زمن آدم إلى قيام الساعة. و ليسوا مقصودا قصدهم.

و قال أبو بكر بن دريد: «غير» إذا أضيف إلى اسم يضاد «الموصوف» و ليس له

____________

(1) الفاتحة: 6.

166

ضدّ سواه، يتعرف «غير» بالإضافة، كقولك: مررت بالمسلم غير الكافر، و عليك بالحركة غير السكون، لا يضاد المنعم عليهم إلا المغضوب عليهم، فتعرف «غير» .

و قال أبو علىّ: يشكل هذا بقوله: (أَخْرِجْنََا نَعْمَلْ صََالِحاً غَيْرَ اَلَّذِي كُنََّا نَعْمَلُ) (1) .

و مثل‏ (غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ) قوله تعالى: (لاََ يَسْتَوِي اَلْقََاعِدُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ) (2) . فمن رفع «غيرا» جعله تابعا لـ «القاعدين» على الوجهين.

و كذا قوله: (أَوِ اَلتََّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي اَلْإِرْبَةِ مِنَ اَلرِّجََالِ) (3) ، فيمن جر «غيرا» .

____________

(1) فاطر: 37.

(2) النساء: 95.

(3) النور: 31.

167

الباب التاسع‏

هذا باب ما جاء في التنزيل من كاف الخطاب المتصلة بالكلمة و لا موضع لها من الإعراب فمن ذلك‏ (1) الكاف المتصلة بقوله تعالى: (إِيََّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيََّاكَ نَسْتَعِينُ) (2)

فالكاف هنا للخطاب.

و من ادعى فيه أنه جرّ بالإضافة فقد أحال، لأن «إيّا» اسم مضمر، و المضمر أعرف المعارف، فلا يجوز إضافته بتّة.

فإن قال: إن «ايا» اسم ظاهر.

قلنا: لم نر اسما ظاهرا ألزم إعرابا واحدا إلا فى الظروف، نحو: «الآن» ، و «إذ» -فى أغلب الأحوال-و «أين» ، و «إيّا» ليس بظرف.

فإن قال: فقد قالت العرب: إذا بلغ الرجل الستين فإيّاه و الشّواب‏ (3) ، فهذا نادر لا اعتبار به، و لا يجوز بناء القواعد عليه.

و إذا كان كذلك كان «إياكما» و «إياكم» و «إياك» و «إياى» من قوله:

(فَإِيََّايَ فَارْهَبُونِ) (4) ، و «إياه» الياء و الهاء أيضا حرفان، و قد جرّدتا عن الاسمية و صارتا حرفين.

____________

(1) في الأصل: «فمن ذلك قوله الكاف» و «قوله» هنا زيادة لا معنى لها.

(2) الفاتحة: 4.

(3) الشواب: جمع شابة.

(4) النحل: 51.

168

و من ذلك الكاف فى «ذلك» من قوله: (ذََلِكَ اَلْكِتََابُ) (1) و «ذانك» من قوله: (فَذََانِكَ بُرْهََانََانِ) (2) و ما أشبهه. الكاف للخطاب لثبات النون فى «ذانك» . و لو كان جرّا/بالإضافة حذفت النون كما تحذف من قولهم:

هذان غلاماك، لأن «ذا» اسم مبهم، و هو أعرف من المضاف، فلا يجوز إضافته بتة.

و لأنك تقول: عندى ذلك الرجل نفسه. و لا يجوز أن تقول: ذاك نفسك، بالجر، و لو كان الكاف جرا لجاز، فثبت: ذلك نفسه، و ذاك نفسه، يفسد كون الكاف مجرورا.

و من ذلك الكاف فى قوله تعالى: (أَ رَأَيْتَكَ هََذَا اَلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) (3)

فالكاف هنا للخطاب، و لا محلّ له من الإعراب؛ لأن العرب تقول:

أ رأيتك زيدا ما صنع؟ و لو كان «الكاف» المفعول الأول لكان «زيدا» المفعول الثاني، و «زيدا» غير الكاف، لأن «زيدا» غائب و هو غير المخاطب، و لأنه لا فرق‏[بينه و] (4) بين قول القائل: أ رأيتك زيدا ما صنع؟ ألا ترى قوله: (قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتََاكُمْ عَذََابُ اَللََّهِ) * (5) .

و قوله تعالى: (قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللََّهُ سَمْعَكُمْ وَ أَبْصََارَكُمْ) (6) .

فالكاف و الميم ثبوتهما لا يزيد معنى يختلّ بسقوطهما، فعلى هذا فقس

____________

(1) البقرة: 2.

(2) القصص: 32.

(3) الإسراء: 62.

(4) زيادة يقتضيها السياق.

(5) الأنعام: 40.

(6) الأنعام: 46.

169

جميع «الكاف» المتصل بـ «إياك» ، و «ذلك» ، و «ذاك» ، و «ذانك» ، و «أ رأيتك» ، و «أ رأيتكم» .

و هذا قوله: (فَذََلِكُنَّ اَلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) (1) .

و قوله: (وَ نََادََاهُمََا رَبُّهُمََا أَ لَمْ أَنْهَكُمََا عَنْ تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ) (2) .

و قوله: (وَ نُودُوا أَنْ تِلْكُمُ اَلْجَنَّةُ) (3) .

«الكاف» فى هذه المواضع للخطاب و لا محلّ لها من الإعراب.

و هكذا «الكاف» فى: «أولئك» ، و «أولئكم» ، فى جميع التنزيل للخطاب، و ليس لها محل من الإعراب، لاستحالة معنى الإضافة فيه.

____________

(1) يوسف: 32.

(2) الأعراف: 22.

(3) الأعراف: 43.

170

الباب العاشر

هذا باب ما جاء في التنزيل من المبتدأ و يكون الاسم على إضمار المبتدأ، و قد أخبر عنه بخبرين و قد ذكر سيبويه ذلك فى «الكتاب» حيث يقول فى باب ما يجوز فيه الرفع مما ينتصب فى المعرفة (1) :

و ذلك قولك: هذا عبد اللّه منطلق.

حدّثنا بذلك يونس و أبو الخطاب عمّن يوثق به من العرب.

و زعم الخليل أن رفعه يكون على وجهين:

فوجه أنك حيث قلت: هذا عبد اللّه منطلق، أضمرت «هذا» أو «هو» ، فكأنك قلت: هذا عبد اللّه هو منطلق.

و الوجه الآخر: أن تجعلهما/جميعا خبرا لـ «هذا» ، كقولك: هذا حلو حامض. لا تريد أن تنقص الحلاوة، و لكن تزعم أنه قد جمع الطعمين.

قال اللّه تعالى: (كَلاََّ إِنَّهََا لَظى‏ََ (15) `نَزََّاعَةً لِلشَّوى‏ََ) (2) و زعم أنها فى قراءة ابن مسعود: (وَ هََذََا بَعْلِي شَيْخاً) (3)

____________

(1) انظر الكتاب لسيبويه (ج 1 ص 258) .

(2) المعارج: 15، 16.

(3) هود: 72 و القراءة المشهورة: (و هذا بعلى شيخا) بالنصب.

171

و قال الشاعر (1) :

من يك‏ (2) ذا بتّ فهذا بتّى # مقيّظ مصيّف مشتّى‏ (3)

البتّ: الكساء.

انتهت الحكاية عن سيبويه.

فمن ذلك قوله تعالى: (الم (1) `ذََلِكَ اَلْكِتََابُ لاََ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) (4)

فـ «ذلك» مبتدأ؛ و «الكتاب» عطف بيان، أي جمع أنه لا شك فيه، و أنه هدى.

و كان أبو علىّ يقول: إنك إذا قلت: هذا حلو حامض، فالعائد إلى المبتدأ ضمير من مجموعهما. ألا ترى أنهم فسروه بقولهم: هذا مزّ.

و كان عثمان يقول: قد قال هذا. و عندى أن الضمير يعود إليه من كل واحد منهما.

و بينهما كلام طويل ذكرته فى «الاختلاف» .

و من ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ) (5) فـ «الذين كفروا» اسم «إن» بمنزلة المبتدأ.

و «سواء عليهم» ابتداء. و قوله «أ أنذرتهم أم لم تنذرهم» استفهام بمعنى الخبر فى موضع الرفع: خبر «سواء» . و التقدير: سواء عليهم الإنذار و ترك الإنذار. و الجملة خبر «الذين» . و قوله‏ (لاََ يُؤْمِنُونَ) جملة أخرى خبر بعد خبر، أي: إن الذين كفروا فيما مضى يستوى عليهم الإنذار و ترك الإنذار، لا يؤمنون فى المستقبل.

____________

(1) في الكتاب: «الراجز» .

(2) في اللسان (مادة بت) : «من كان» .

(3) زاد في اللسان: «تخذته من نعجات ست» .

(4) البقرة: 1 و 2.

(5) البقرة: 6.

172

و هذا يراد به قوم خاص كأبي جهل و أصحابه، ممن لم ينفعهم الإيمان، و ليس على العموم.

فإن قلت: فإن قوله: (أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) إذا كان خبرا لـ «سواء» فليس في هذه الجملة ما يعود إلى المبتدأ الذي هو «سواء» ، فكيف صح وقوعه خبرا عنه؟ فالجواب: أن هذه جملة فى تقدير المفرد، على تقدير: سواء عليهم الإنذار و ترك الإنذار. و لو صرح بهذا لم يكن ليحتاج فيه إلى الضمير، فكذا إذا وقع موقعه جملة.

و قدّر قوم أن «الإنذار» ، مبتدأ، و ترك الإنذار عطف عليه، و «سواء» خبر.

و الأول أوجه، و لكنه على/هذا المخبر عنه مقدر، و ليس فى اللفظ.

و على الأول المخبر عنه فى اللفظ.

و مثله: (سَوََاءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صََامِتُونَ) (1) . و التقدير:

سواء عليكم الدّعاء و الصّموت.

و يجوز أن يكون «هدى» خبر مبتدأ مضمر، أي: هو هدى. لأن سيبويه جوز فى المسألة المتقدمة هذا.

و من إضمار المبتدأ قوله: (وَ قُولُوا حِطَّةٌ) * (2) و التقدير: قولوا: مسألتنا حطة؛ أو إرادتنا حطة. فحذف المبتدأ.

و أما قوله تعالى: (قََالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهََا بَقَرَةٌ لاََ فََارِضٌ وَ لاََ بِكْرٌ) (3) فحمله أبو إسحاق مرة على حذف المبتدأ، أي: لا هى فارض و لا بكر. و حمله مرة

____________

(1) الأعراف: 193.

(2) البقرة: 58، و الأعراف: 161.

(3) البقرة: 68.

173

اخرى على أن «فارض» صفة لبقرة، كما حكاه سيبويه: مررت برجل لا فارس و لا شجاع.

و فى التنزيل: (وَ فََاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) `لاََ مَقْطُوعَةٍ وَ لاََ مَمْنُوعَةٍ) (1) ، فجر «مقطوعة» صفة لـ «فاكهة» .

و من هذا الباب قوله تعالى: (بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا) (2)

ف (أَنْ يَكْفُرُوا) مخصوص بالذم. و المخصوص بالمدح و الذم فى باب «بئس» و «نعم» فيه قولان:

أحدهما: أنه مبتدأ و «بئس» خبر، على تقدير: بئس كفرهم، بئسما اشتروا به أنفسهم.

و القول الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، لأنه كأنه لما قيل: بئسما اشتروا به أنفسهم، قيل: ما ذلك؟قيل: أن يكفروا.

و القول الثاني: (3) أي: هو أن يكفروا، أي: هو كفرهم.

و على هذا فقس جميع ما جاء من هذا الباب من قوله تعالى:

(فَنِعِمََّا هِيَ) (4) . و قوله: (بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ) و غير ذلك.

و من ذلك قوله تعالى-فى قراءة أبى حاتم- (لاََ ذَلُولٌ تُثِيرُ اَلْأَرْضَ) (5) .

ألا ترى أنه يقف على «ذلول» ثم يبتدئ فيقرأ «تثير الأرض» على:

فهى تثير الأرض.

و قال قوم: هذا غلط، لأنه لو قال‏[و تسقى الحرث لجاز، و لكنه‏] (6)

قال: (وَ لاََ تَسْقِي اَلْحَرْثَ) (7) و أنت لا تقول: يقوم زيد و لا يقعد، و إنما تقول: يقوم زيد لا يقعد.

____________

(1) الواقعة: 32-33.

(2) البقرة: 90.

(3) هكذا في الأصل. و لعله تفسير للقول الثاني السابق.

(4) البقرة: 271.

(5) البقرة: 71.

(6) زيادة يقتضيها السياق.

(7) البقرة: 90.

174

و قد ذكرنا فى غير موضع من كتبنا: أن الواو واو الحال، أي: تثير الأرض غير ساقيه. /و الأحسن أن يكون «تثير» داخلا فى النفي.

و من حذف المبتدأ قوله تعالى: (مُسَلَّمَةٌ لاََ شِيَةَ فِيهََا) (1) أي هى مسلّمة.

و إن شئت كان قوله: «لا ذلول» أي: لا هي ذلول مسلمة، خبر بعد خبر.

و من حذف المبتدأ قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيََّامٍ أُخَرَ) * (2) أي: فالواجب عدة.

و كذلك: (فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ) * (3) أي: فالواجب ما استيسر من الهدى.

و أما قوله تعالى: (فَلاََ رَفَثَ وَ لاََ فُسُوقَ وَ لاََ جِدََالَ فِي اَلْحَجِّ) (4) من رفع «رفثا» و «لا فسوقا» و نصب «لا جدال فى الحج» (5) فإن خبر المرفوعين مضمر، على قول الأخفش، لأنه يزعم أن رفعهما بالابتداء، و يجعل الناصب «جدال» نفس «لا» و لا يجعل «لا» مع «جدال» مبتدأ، كما هو مذهب سيبويه، و إنما يجعل «لا» بمنزلة «أن» ، فلا يجوز أن يشترك المنصوب المرفوع فى الخبر، و على هذا مذهب سيبويه خبر الجميع قوله‏ (فِي اَلْحَجِّ) لأن الجميع مبتدأ.

و على هذا الخلاف قوله:

فلا لغو و لا تأثيم فيها # و ما فاهوا به أبدا مقيم‏ (6)

____________

(1) البقرة: 71.

(2) البقرة: 184، 185.

(3) البقرة: 196.

(4) البقرة: 197.

(5) في الأصل: «و أما قوله تعالى: (فَلاََ رَفَثَ وَ لاََ فُسُوقَ وَ لاََ جِدََالَ فِي اَلْحَجِّ) من رفع رفثا و لا فسوقا و نصب و لا جدال في الحج. من رفع رفثا و لا فسوقا و نصب جدالا فإن جدالا... إلخ» .

(6) البيت لأمية بن أبي الصلت. و الرواية في اللسان (أتم) . «لهم مقيم» .

175

و من ذلك قوله تعالى: (لِمَنِ اِتَّقى‏ََ وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ) (1) أي: هذا الشرع، و هذا المذكور لمن اتقى، أي: كائن لمن اتقى.

و من ذلك قوله تعالى: (اَلطَّلاََقُ مَرَّتََانِ فَإِمْسََاكٌ بِمَعْرُوفٍ) (2) أي: فالواجب إمساك بمعروف.

و منه: (فَنِصْفُ مََا فَرَضْتُمْ) (3) أي: فالواجب نصف ما فرضتم.

و منه قوله تعالى: (وَصِيَّةً لِأَزْوََاجِهِمْ) (4) أي: فالواجب وصية لأزواجهم.

فأما قوله تعالى: (وَ اَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوََاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) (5) فإن أبا إسحاق و أبا العباس حملا قوله «يتربصن» على أنه خبر ابتداء محذوف، مضاف إلى ضمير «الذين» ، على تقدير: و الذين يتوفون منكم و يذرون أزواجا أزواجهم يتربصن. و الجملة خبر «الذين» . و العائد إلى «الذين» من الجملة المضاف إليه «الأزواج» .

و قد جاء المبتدأ المضاف محذوفا فى قوله تعالى: (لاََ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي اَلْبِلاََدِ (196) `مَتََاعٌ قَلِيلٌ) (6) أي. تقلّبهم متاع قليل، فحذف المبتدأ.

فى مواضع.

و قال الأخفش: /التقدير فى الآية: يتربصن بعدهم، فحذف «بعدهم» العائد إلى «الذين» و إن كان متصلا بالظرف؛ لأنه قد جاء مثل ذلك كقوله تعالى: (وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا) (7) . التقدير: و كأن لم يلبثوا قبله. لا بد من إضمار «قبله» . و سترى ذلك فى مواضع إن شاء اللّه.

____________

(1) البقرة: 203.

(2) البقرة: 229.

(3) البقرة: 237.

(4) البقرة: 240.

(5) البقرة: 234.

(6) آل عمران: 196 و 197.

(7) يونس: 45.

176

و قال الكسائي: إن قوله «يتربصن» جرى خبرا عن الاسم الذي تقدم فى صلة الموصول، لأن الغرض من الكلام: أن يتربصن هن. و أنشد الفرّاء:

لعلّى إن مالت بي الرّيح ميلة # على ابن أبى الذّبّان أن يتندمّا

فأخبر عن ابن أبى الذّبان، الذي تعلّق بقوله: «إن مالت بي الريح» فقال: أن يتندما.

و لا حجة له فى البيت، لأنه قد عاد من جملة الكلام إلى ياء المتكلم ضمير، و هو قوله «إن مالت بي الريح» فبطل حجته بالبيت. و صح قول أبى الحسن و قول أبى العباس، و من ذلك قوله تعالى: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمََا مََا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ) (1) .

قال سيبويه: قال اللّه عز و جل: (فَلاََ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ) (2) فارتفع لأنه لم يخبر عن الملكين أنهما قالا: فلا تكفر فيتعلموا؛ لنجعل قولهما «لا تكفر» سببا للتعلّم، و لكنه قال «فيتعلّمون» أي فهم يتعلمون‏ (3) .

و مثله: (كُنْ فَيَكُونُ) * (4) كأنه قال: إنما أمرنا ذاك فيكون، أي: فهو يكون.

قال أبو على: تقدير قولك: لا تقرب الأسد فيأكلك، هاهنا غير سائغ.

ألا ترى أن كفر من نهى عن أن يكفر فى الآية ليس سببا لتعلّم من يتعلم ما يفّرق به بين المرء و زوجه؛ و ذلك أن الضمير الذي فى قوله‏ (فَيَتَعَلَّمُونَ) لا يخلو من أحد أمرين:

____________

(1، 2) البقرة: 102.

(3) في الأصل: «فيتعلمون» .

(4) النحل: 40.

177

إما أن يكون راجعا إلى «الناس» من قوله‏ (يُعَلِّمُونَ اَلنََّاسَ) (1) ، أو إلى (أَحَدٍ) (2) .

فإن كان راجعا إلى «الناس» فلا تعلق له بقوله‏ (فَلاََ تَكْفُرْ) ، لأنه لا معنى لقوله‏ (فَيَتَعَلَّمُونَ) إذا كان فعل الغير أن يحمل على‏ (فَلاََ تَكْفُرْ) ، لفساده فى المعنى.

و إن كان راجعا إلى‏ (أَحَدٍ) لم يكن‏ (فَيَتَعَلَّمُونَ) أيضا جوابا لقوله (فَلاََ تَكْفُرْ) ، لأن التقدير: لا يكن كفر فتعلم. /و المعنى: إن يكن كفر يكن تعلم، و هذا غير صحيح، ألا ترى أنه يجوز أن يكفر و لا يتعلم، فليس الأول سببا للثانى، فإذا لم يجز ذلك لم يخل من أحد أمرين:

إما أن تجعل الفعل معطوفا بالفاء على فعل قبله؛ و إما أن نجعله خبرا لمبتدأ محذوف.

و الفعل الذي قبله لا يخلو من أن يكون‏ (كَفَرُوا) أو (يُعَلِّمُونَ) أو (يُعَلِّمََانِ) ، أو فعلا مقدرا محذوفا من اللفظ، و هو «يأبون» . فإن عطفت على «كفروا» جاز، و يكون موضعه رفعا كموضع «كفروا» .

و إن عطفت على‏ (يُعَلِّمُونَ اَلنََّاسَ) فيتعلّمون، جاز. و (يُعَلِّمُونَ اَلنََّاسَ) يجوز أن يكون منصوبا على الحال من الواو فى‏ (كَفَرُوا) . و يجوز أن يكون بدلا عن‏ (كَفَرُوا) ، لأن تعليم السحر كفر.

____________

(1، 2) البقرة: 102.

178

فأما ما اعترض به أبو إسحاق على المعطوف على‏ (يُعَلِّمُونَ) من أنه خطأ، لأن قوله‏ (مِنْهُمََا) دليل هاهنا على التعلم من الملكين خاصة، فهو ساقط غير لازم من جهتين: إحداهما، أن التعلم إن كان من الملكين خاصة لا يمنع أن يكون قوله‏ (فَيَتَعَلَّمُونَ) عطفا على‏ (كَفَرُوا) و على‏ (يَتَعَلَّمُونَ) ، و إن كان متعلقا ب (مِنْهُمََا) فكأن الضمير فى‏ (مِنْهُمََا) راجع إلى الملكين.

فإن قلت: كيف يجوز هذا؟و هل يسوغ أن يقدر هذا التقدير (و لكن الشّياطين كفروا يعلّمون النّاس السّحر فيتعلّمون منهما) . فتضمر الملكين قبل ذكرهما؟.

قيل له: أما المضمر فعلى ما ذكرته صحيح.

فأما الإضمار قبل الذكر فساقط هنا، ليس يلزم على تقديره فى قول سيبويه إضمار قبل الذّكر. ألا ترى أن‏ (مِنْهُمََا) إذا كان ضميرا عائدا إلى الملكين، فإن إضمارهما بعد تقدم ذكرهما، و ذلك شائع. و نظيره قوله: (وَ إِذِ اِبْتَلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمََاتٍ) (1) فإن قال: إن المعطوف على قول سيبويه بعيد من المعطوف عليه، و على قول غيره قريب، و مهما احتملت الآية من غير تأويل كان أولى.

قيل له: إن بعد المعطوف عن المعطوف عليه و تراخيه عنه لا يمنع من عطفه عليه و إتباعه إياه.

____________

(1) البقرة: 124.

179

ألا ترى أن الناس/حملوا قوله تعالى: (وَ قِيلِهِ يََا رَبِّ إِنَّ هََؤُلاََءِ قَوْمٌ لاََ يُؤْمِنُونَ) (1) فيمن جرّ على‏ (وَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلسََّاعَةِ) (2) و علم «قيله» ، و ليس بعده من المعطوف عليه و تراخيه عنه بأقل من هذا، و هذا كثير.

و الجهة الأخرى، و هى أن الضمير لهاروت و ماروت. و التقدير: (و لكنّ الشّياطين هاروت و ماروت كفروا يعلّمون النّاس السّحر فيتعلمّون منهما) .

فلا يعود إلى الملكين، إنما يعود إلى هاروت و ماروت، و جاز (يُعَلِّمُونَ) حملا على المعنى.

و يجوز عطف‏ (يَتَعَلَّمُونَ) على‏ (مََا يُعَلِّمََانِ) ، فيكون التقدير: و ما يعلّمان من أحد فيتعلّمون منهما، فيكون الضمير الذي فى‏ (يَتَعَلَّمُونَ) على هذا التأويل «لأحد» .

إلا أنه جمع لمّا حمل على المعنى، كقوله تعالى: (فَمََا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حََاجِزِينَ) (3) . و ارتفاعه لا يمنع عطفك إياه على هذا الفعل الذي ذكرناه، لأن هذا الفعل، و إن كان منفيا فى اللفظ، فهو موجب فى المعنى. ألا ترى أن معناه: يعلّمان كلّ أحد إذا قالا له: (إِنَّمََا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاََ تَكْفُرْ) .

و يجوز أن يكون معطوفا على مضمر دل عليه الكلام، و هو: يأبون فيتعلمون. إلا أن قوله‏ (فَلاََ تَكْفُرْ) نهى عن الكفر، فدل‏ (فَيَتَعَلَّمُونَ) على إبائهم.

____________

(1) الزخرف: 88.

(2) الزخرف: 85.

(3) الحاقة: 47.

180

فأما كونه خبرا المبتدأ المحذوف، فعلى أن تقدّره: فهم يتعلمون منهما، فهذا ما احتملته هذه الآية.

و من إضمار المبتدأ قوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) * (1) فأضمر المبتدأ و أخبر عنه بثلاثة أخبار.

و كان عباس بن الفضل يقف على‏ (صُمٌّ) * ثم على‏ (بُكْمٌ) * ثم على‏ (عُمْيٌ) * فيصير لكل اسم مبتدأ، و الأول أوجه.

و دل قوله فى الأخرى: (وَ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا صُمٌّ وَ بُكْمٌ فِي اَلظُّلُمََاتِ) (2)

على أن الواو هنا مقدرة أيضا؛ و أنه فى قولهم: هذا حلو حامض، مقدّر أيضا. و الجارّ فى قوله‏ (فِي اَلظُّلُمََاتِ) متعلّق بمحذوف. و التقدير: صمّ و بكم ثابتون فى الظلمات.

و من هذا الباب قوله تعالى: (اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ اَلْحَيُّ اَلْقَيُّومُ) (3) . إذا وقفت على‏ (هُوَ) كان‏ (اَلْحَيُّ) خبر مبتدأ مضمر. و لا يجوز أن يكون‏ (اَلْحَيُّ) وصفا لـ «هو» لأن المضمر لا يوصف. و يجوز أن يكون خبرا لقوله‏ (اَللََّهُ) .

و يجوز أن يرتفع‏ (اَلْحَيُّ) /بالابتداء و (اَلْقَيُّومُ) خبره.

و يجوز أن يكون‏ (اَلْحَيُّ) * مبتدأ و (اَلْقَيُّومُ) صفة، و (لاََ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ) (4)

جملة خبر المبتدأ. و يكون قوله‏ (مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ) (5) الظرف، و ما ارتفع به خبر آخر، فلا تقف على قوله‏ (وَ لاََ نَوْمٌ) (6) .

____________

(1) البقرة: 18، 171.

(2) الأنعام: 39.

(3، 4، 5، 6) البقرة: 255.

181

و من ذلك قوله تعالى: (لِلْفُقَرََاءِ اَلَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ) (1) . هذا خبر مبتدأ مضمر، و التقدير فيه: وجوب صدقة البر (لِلْفُقَرََاءِ اَلَّذِينَ أُحْصِرُوا) .

و قيل اللام بدل من اللام فى قوله تعالى: (وَ مََا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ) (2) . (لِلْفُقَرََاءِ اَلَّذِينَ أُحْصِرُوا) (3) .

و هذا لا يصح، لأن «الفقراء» مصرف الصدقة، و المنفقون هم المزكّون، فإنما لأنفسهم ثواب الصدقة التي أدّوها إلى الفقراء.

و إن قال: إن المراد بالعموم الخصوص، يعنى بالأنفس: بعض المزكين الذين لهم أقرباء فقراء، فهو وجه ضعيف.

و من ذلك قوله تعالى: (فَإِمْسََاكٌ بِمَعْرُوفٍ) (4) أي: فالواجب إمساك بمعروف.

و منه قوله تعالى: (وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) (5) أي:

فالواجب تحرير رقبة.

و قوله بعده: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) (6) أي: فالواجب.

و كذلك‏ (فَدِيَةٌ) أي: فالواجب دية.

و كذلك فى سورة المجادلة: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمََا قََالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) (7) أي:

فالواجب تحرير رقبة.

____________

(1) البقرة: 273.

(2) البقرة: 272.

(3) البقرة: 273.

(4) البقرة: 229.

(5، 6) النساء: 92.

(7) المجادلة: 3.

182

فأما قوله تعالى: (ذََلِكَ جَزََاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمََا كَفَرُوا) (1) فـ «ذلك» مبتدأ، و (جَزََاؤُهُمْ) خبر «ذلك» ، و (جَهَنَّمُ) خبر ثان.

و يجوز أن يكون: «ذلك» خبر مبتدأ مضمر، أي ذلك جزاؤهم ثابتا بما كفروا.

و مثله قراءة ابن مسعود (وَ هََذََا بَعْلِي شَيْخاً) (2) فى الأوجه المتقدمة.

فأما المخصوص بالذم و المدح فإنه على أحد الوجهين، نحو قولهم:

نعم الرجل زيد.

و قال قوم: زيد خبر، مبتدأ مضمر؛ لأنه لما قال: نعم الرجل؛ كأنه قيل: من هو؟فقيل: زيد، أي: هو زيد.

فعلى هذا يكون قوله: (وَ لَنِعْمَ دََارُ اَلْمُتَّقِينَ‏`جَنََّاتُ عَدْنٍ) (3) أي:

هى جنات عدن.

و من قال‏ (جَنََّاتُ عَدْنٍ) مبتدأ، و يكون قوله‏ (وَ لَنِعْمَ دََارُ اَلْمُتَّقِينَ) خبرا عنه، كان المقدّر فى نحو قوله تعالى‏ (نِعْمَ اَلْعَبْدُ) * (4) (وَ بِئْسَ اَلْمِهََادُ) * (5)

(وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ) * (6) (وَ بِئْسَ/مَثْوَى اَلظََّالِمِينَ) (7) و (فَبِئْسَ مَثْوَى اَلْمُتَكَبِّرِينَ) * (8) .

و فى الزمر و المؤمن: (فَلَبِئْسَ مَثْوَى اَلْمُتَكَبِّرِينَ) (9) و قوله تعالى: (نِعْمَ اَلثَّوََابُ وَ حَسُنَتْ مُرْتَفَقاً) (10) و (بِئْسَ لِلظََّالِمِينَ بَدَلاً) (11) .

____________

(1) الكهف: 106.

(2) هود: 72.

(3) النحل: 30 و 31.

(4) ص: 30، 44.

(5) آل عمران: 12، 197.

(6) البقرة: 126، آل عمران: 162.

(7) آل عمران: 151.

(8) النحل: 29.

(9) الزمر: 72، المؤمن: 76.

(10) الكهف: 31.

(11) الكهف: 50.

183

فهذه الأشياء كلها على الوجه الأول، حذف الخبر و المبتدأ جميعا. و على القول الثاني، حذف المبتدأ وحده.

فأما قوله تعالى: (وَ أَسَرُّوا اَلنَّجْوَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا) (1) .

فقيل: إن الذين ظلموا) خبر مبتدأ مضمر، كأنه قال: (وَ أَسَرُّوا اَلنَّجْوَى) .

قيل: من هم؟فقال: الذين ظلموا، أي: هم الذين ظلموا. و قيل: بل (اَلَّذِينَ ظَلَمُوا) مبتدأ.

و قوله تعالى: (هَلْ هََذََا إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (2) فى موضع الجر، و قيل:

هو بدل من الواو فى‏ (وَ أَسَرُّوا) .

كقوله: (ثُمَّ عَمُوا وَ صَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ) (3) . و قوله تعالى: (إِمََّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ اَلْكِبَرَ أَحَدُهُمََا أَوْ كِلاََهُمََا) (4) فيمن قرأ بالألف.

و قيل: إن «كثيرا منهم» مبتدأ، و خبره: عموا و صموا، أي: كثير منهم عموا و صموا.

و مما لا يتجه إلا على إضمار المبتدأ:

قوله: (وَ مََا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقََالِ ذَرَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي اَلسَّمََاءِ وَ لاََ أَصْغَرَ مِنْ ذََلِكَ وَ لاََ أَكْبَرَ إِلاََّ فِي كِتََابٍ مُبِينٍ) (5)

____________

(1، 2) الأنبياء: 3.

(3) المائدة: 71.

(4) الإسراء: 23.

(5) يونس: 61.

184

فالجار يتعلّق بمحذوف خبر ابتداء مضمر، و هو هو، أي: هو ثابت فى كتاب مبين، و (إِلاََّ) بمعنى «لكن» .

و لا يجوز أن يكون‏ (إِلاََّ فِي كِتََابٍ) استثناء متصلا بقوله‏ (وَ مََا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ) (1) لأنه يؤدى إلى أن يكون: يعزب/عن ربك مثقال ذرة إذا كان فى كتاب مبين، فثبت أن الجار خبر ابتداء مضمر.

و كذلك فى سورة سبأ (2) . فكذلك قوله تعالى: (وَ لاََ حَبَّةٍ فِي ظُلُمََاتِ اَلْأَرْضِ وَ لاََ رَطْبٍ وَ لاََ يََابِسٍ إِلاََّ فِي كِتََابٍ) (3) أي: لكن هو فى كتاب.

و من هذا الباب قوله تعالى: (إِنَّمََا بَغْيُكُمْ عَلى‏ََ أَنْفُسِكُمْ مَتََاعَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا) (4) .

فمن رفع‏ (مَتََاعَ) كان خبر مبتدأ مضمر محذوف، أي: ذلك متاع الحياة الدنيا.

قال أبو على فى قوله: (عَلى‏ََ أَنْفُسِكُمْ) يحتمل تأويلين:

أحدهما:

أن يكون متعلقا بالمصدر، لأن فعله يتعدى بهذا الحرف. يدلك على ذلك قوله تعالى: (بَغى‏ََ بَعْضُنََا عَلى‏ََ بَعْضٍ) (5) و (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اَللََّهُ) (6) /فإذا جعلت الجار من صلة المصدر كان الخبر (مَتََاعَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا) .

و المعنى: بغى بعضكم على بعض متاع الحياة الدنيا، و ليس مما يقرّب إلى اللّه تعالى من الطاعات‏ (7) .

____________

(1) يونس: 61.

(2) سبأ: 3 و الآية (لاََ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقََالُ ذَرَّةٍ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ لاََ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ أَصْغَرُ مِنْ ذََلِكَ وَ لاََ أَكْبَرُ إِلاََّ فِي كِتََابٍ مُبِينٍ) .

(3) الأنعام: 59.

(4) يونس: 23.

(5) ص: 22.

(6) الحج: 60.

(7) هذا هو التأويل الثاني.

185

أن يجعل‏ (عَلى‏ََ) متعلقا بمحذوف فى موضع الخبر، و لا تجعله من صلة المصدر؛ فإذا جعلته كذلك كان خبرا للمصدر. و فيه ذكر يعود إلى المصدر، كما أنك إذا قلت: الصلاة فى المسجد، كان كذلك.

و المعنى فيه: أن المصدر مضاف إلى الفاعل، و مفعول المصدر محذوف.

المعنى: إنما بغى بعضكم على بعض عائد على أنفسكم. ف «على» هذا يتعلق بالمحذوف دون المصدر المبتدأ. و هذا فى المعنى كقوله تعالى: (وَ لاََ يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلاََّ بِأَهْلِهِ) (1) و (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمََا يَنْكُثُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ) (2) .

و فى قوله: (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اَللََّهُ) إبانة عن هذا المعنى، ألا ترى أن المبغىّ عليه إذا نصره اللّه لم ينفذ فيه بغى الباغي عليه و لا كيده، فإذا لم ينفذ فيه صار كالعائد على الباغي. فإذا رفعت‏ (مَتََاعَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا) على هذا التأويل كان خبر مبتدأ محذوف، كأنك قلت: ذلك متاع الحياة الدنيا، أو هو متاع الحياة الدنيا. و من نصب‏ (مَتََاعَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا) احتمل النصب فيه وجهين:

أحدهما: أن تجعل‏ (عَلى‏ََ) من صلة المصدر، فيكون الناصب «للمتاع» هو المصدر الذي هو «البغي» و يكون خبر المبتدأ محذوفا. و حسن حذفه لطول الكلام، و لأن‏ (بَغْيُكُمْ) يدل على «تبغون» فيحسن الحذف لذلك.

و هذا الخبر المقدّر لو أظهرته لكان يكون مذموما أو منهيّا عنه.

____________

(1) فاطر: 43.

(2) الفتح: 10.

186

و الآخر: أن تجعل‏ (عَلى‏ََ) من قوله‏ (عَلى‏ََ أَنْفُسِكُمْ) خبر المبتدأ. فإذا حملته على هذا، احتمل نصب‏ (مَتََاعَ) وجهين:

أحدهما: تتمتعون متاعا، فيدل انتصاب المصدر عليه.

و الآخر: أن تضمر (تبغون) لأن ما يجرى مجرى ذكره قد تقدم، كأنه لو أظهر لكان: تبغون متاع الحياة الدنيا، فيكون مفعولا به.

و أما قوله تعالى: (وَ يَقُولُونَ طََاعَةٌ) (1) و قوله: (قُلْ لاََ تُقْسِمُوا طََاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ) (2) . و قوله‏ (طََاعَةٌ/وَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ) (3) .

فالمبتدأ مضمر فى جميع ذلك، و التقدير: و يقولون أمرك طاعة، و قل لا تقسموا أمرنا طاعة.

و كذلك: (طََاعَةٌ وَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ) (4) أي: أمرنا طاعة.

فحذف المبتدأ، كقوله‏ (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) (5) أي: فشأنى صبر جميل.

و قدّره قوم على أن الخبر مضمر، أي: طاعة و قول معروف أمثل من غيرهما.

و قال أبو إسحاق: بل قوله: (طََاعَةٌ وَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ) (6) تقديره: و يقول الذين آمنوا: لو لا أنزلت سورة ذات طاعة، فحذف المضاف.

و أما قوله تعالى: (قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذََلِكُمُ اَلنََّارُ وَعَدَهَا اَللََّهُ) (7)

و التقدير: هى النار.

____________

(1) النساء: 81.

(2) النور: 53.

(3، 4، 6) محمد: 21.

(5) يوسف: 18، 83.

(7) الحج: 72.

187

و يجوز أن يكون مبتدأ، و «وعدها اللّه» خبره.

و من ذلك قوله تعالى: (لَمْ يَلْبَثُوا إِلاََّ سََاعَةً مِنْ نَهََارٍ بَلاََغٌ) (1) أي: ذلك بلاغ، فحذف المبتدأ و أبقى الخبر. و قال: (سُورَةٌ أَنْزَلْنََاهََا) (2) أي: هذه سورة أنزلناها. و قال: (كِتََابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ) (3) أي: هذا كتاب أنزل إليك.

و قال الفراء: تقديره: (المص‏`كِتََابٌ) ، أي: بعض حروف كتاب أنزل إليك، فحذف الاسمين المضاف أحدهما إلى صاحبه.

و أنكره الزّجاج و قال: حذف المبتدأ أحسن. و قال: (الر كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ) (4)

أي: هذا كتاب أنزلناه. و قال‏ (تَنْزِيلُ اَلْكِتََابِ مِنَ اَللََّهِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ) * (5)

أي: هذا تنزيل الكتاب، و الجار خبر بعد خبر. و يجوز أن يكون:

هو من اللّه.

و على هذا (حم (1) `تَنْزِيلُ اَلْكِتََابِ) * (6) و (حم (1) `تَنْزِيلٌ مِنَ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ) (7) و (الم (1) `تَنْزِيلُ اَلْكِتََابِ) (8) أي: هذا تنزيل الكتاب، و مثله: (تَنْزِيلَ اَلْعَزِيزِ اَلرَّحِيمِ) (9) أي: هذا تنزيل العزيز.

و مثله: (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ) * (10) .

____________

(1) الأحقاف: 35.

(2) النور: 1.

(3) الأعراف: 2.

(4) إبراهيم: 1.

(5) الزمر: 1.

(6) الجاثية: 1، 2 و غافر: 1، 2.

(7) فصلت: 1، 2.

(8) السجدة: 1، 2.

(9) يس: 5.

(10) الواقعة: 80.

188

و مما جاء و قد حذف منه المبتدأ:

قوله تعالى: (قََالَ اَلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ اَلْقَوْلُ رَبَّنََا هََؤُلاََءِ اَلَّذِينَ أَغْوَيْنََا أَغْوَيْنََاهُمْ) (1) موضع‏ (اَلَّذِينَ) رفع بأنه خبر مبتدأ، و لا يكون رفعا بأنه وصف لـ «هؤلاء» . ألا ترى أنك لو جعلته صفة لكان‏ (أَغْوَيْنََاهُمْ) الخبر. فإذا جعلته الخبر لم يستقم، لأنك لا تفيد به إلا ما استفيد من المبتدأ، فصار بمنزلة قولك: الذاهبة جاريته صاحبها؛ و نحو ذلك.

فإن قلت/: فهلا جعلت‏ (أَغْوَيْنََا) الخبر، و جعلت‏ (اَلَّذِينَ) صفة المبتدأ، و استجزت أن يكون الخبر، لاتصال‏ (كَمََا) به، و جواز «الكاف» أن يكون و ما اتصل به فى موضع الخبر، كما يكون فى موضع الحال. فإذا كان كذلك صار فيه فائدة لم تكن فى قوله‏ (أَغْوَيْنََا) الذي فى الصلة.

قيل: لا يستقيم ذلك؛ لأن الجزء الذي هو خبر ينبغى أن يكون مفيدا بنفسه، فإذا افتقر إلى اتصال ما هو فضلة به لم يفد إلا كذلك، لم يجز.

ألا ترى أنك لا تجيز: زيدا ضرب، إذا كان الضمير الذي فيه لزيد، لأن المفعول الذي هو فضلة يصير محتاجا إليه و غير مستغنى عنه. فإذا لم يجز ذلك فى الفاعل لم يجز فى خبر المبتدأ أيضا، لأن خبر المبتدأ كالفاعل عند سيبويه. فقوله‏ (أَغْوَيْنََا) جملة مستأنفة، و استغنت عن حرف العطف لتضمنها الذكر مما تقدم.

____________

(1) القصص: 63.

189

و لا يجوز على «حلو حامض» فتجعل‏ (اَلَّذِينَ أَغْوَيْنََا) و (أَغْوَيْنََاهُمْ كَمََا غَوَيْنََا) خبرين، و لم يجز أن تجعله كالمفرد، ألا ترى أنك لم تستفد من قولك «هذا حلو حامض» واحدا من الخبرين.

و نظير ما منعنا منه فى الخبر منع سيبويه منه فى الصفة فى قوله:

إذا كان يوم ذو كواكب أشهبا (1)

قال عثمان: الفضلة قد تصير معتمد الكلام دون الخبر و الصلة، فى نحو: قامت هند فى داره. و لو لا الفضلة فسد الكلام، و كذا: الذي قمت إليه قمت فى داره. فينبغى أن يصير (اَلَّذِينَ أَغْوَيْنََا أَغْوَيْنََاهُمْ) (2) خبرا؛ فـ «أغوينا» بالفضلة معتمد الكلام.

و فى التنزيل: (إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَخْفى‏ََ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ فِي اَلْأَرْضِ) (3) لو لا الفضلة.

أعنى‏ (عَلَيْهِ) . لم يجز للجملة أن تجرى على‏ (إِنَّ) .

و من حذف المبتدأ قوله تعالى: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ) أي: هذا ذكر رحمة ربك، فحذف المبتدأ.

و قوله تعالى: (ذََلِكَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ اَلْحَقِّ) (4) قرئ بالرفع و النصب.

فالرفع على أن قوله‏ (ذََلِكَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ) كلام، و المبتدأ المضمر ما دل عليه هذا الكلام، أي: هذا الكلام‏ (قَوْلَ اَلْحَقِّ) .

____________

(1) البيت لمقاس العائذي، و اسمه مسهر بن النعمان، و صدره:

فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي و قد ورد عجزه في اللسان (مادة شهب) و الكتاب (1: 21) هكذا: «إذا كان يوم ذو كواكب أشهب» برفع «أشهب» .

(2) القصص: 63.

(3) آل عمران: 5.

(4) مريم: 34.

190

و يجوز أن تضمر «هو» و تجعله كناية عن «عيسى» فيكون الرافع (قَوْلَ اَلْحَقِّ) ، أي: هو قول الحق؛ لأنه قد قيل فيه: روح اللّه، و كلمته، و الكلمة قول.

و من ذلك قوله تعالى: (رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مََا بَيْنَهُمََا فَاعْبُدْهُ) (1)

يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هو رب السموات و الأرض.

و يجوز أن يكون بدلا من اسم «كان» فى قوله: (وَ مََا كََانَ رَبُّكَ نَسِيًّا `رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ) (2) .

و يجوز على قول الأخفش أن يكون مبتدأ و خبره‏ (فَاعْبُدْهُ) لأنه يجيز إدخال الفاء فى خبر المبتدأ.

و سيبويه لا يجيز ذلك فى قوله:

و قائلة خولان فانكح فتاتهم # و أكرومة الحيّين خلو كما هيا (3)

أي: هذه خولان. و لم يجز أن يكون «فانكح» مسندا إلى «خولان» لأنه لا يرى «الفاء» فى خبر المبتدأ إلا فى الموصول و النكرة الموصوفة، و قد قلنا ما يقتضيه قول أبى الحسن:

يا ربّ، موسى أظلمى و أظلمه‏ (4) # فاصبب عليه ملكا لا يرحمه‏

من أن التقدير: يا رب، اظّلمنا فاصبب على أينا أظلم.

____________

(1) مريم: 65.

(2) مريم: 64 و 65.

(3) (الكتاب: 70) .

(4) اللسان (ظلم) : «يقول العربي لصاحبه أظلمني و أظلمك افعل اللّه به، أي الأظلم منا» .

191

و من ذلك قوله تعالى: (وَ يَسْئَلُونَكَ مََا ذََا يُنْفِقُونَ قُلِ اَلْعَفْوَ) (1) أي:

الذي ينفقون العفو، فيمن رفع، و من نصب نصبه بفعل مضمر.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ لاََ تَقُولُوا ثَلاََثَةٌ) (2) أي: لا تقولوا: هو ثالث ثلاثة، أي: لا تقولوا: اللّه ثالث ثلاثة، لأنه حكى عنهم فى قوله: (لَقَدْ كَفَرَ اَلَّذِينَ قََالُوا إِنَّ اَللََّهَ ثََالِثُ ثَلاََثَةٍ) (3) فنهاهم عن قول ما حكى عنهم. فالمبتدأ مضمر و المضاف محذوف، لأنهم لم ينتهوا عن قول «ثلاثة» التي تنقص عن أربعة.

و مثله: (كَلاََّ إِنَّ كِتََابَ اَلْأَبْرََارِ لَفِي عِلِّيِّينَ‏`وَ مََا أَدْرََاكَ مََا عِلِّيُّونَ) (4) قد ثبت أن أن‏ (عِلِّيِّينَ) موضع، بقوله‏ (لَفِي عِلِّيِّينَ) .

و بما فى الحديث من قوله عليه السلام: إنّ أهل الجنّة ليتراءون أهل علّيّين، كما ترون الكوكب الّذى فى أفق السّماء.

فالمعنى: إن كتاب الأبرار فى هذا الموضع.

و قال: (وَ مََا أَدْرََاكَ مََا عِلِّيُّونَ (19) `كِتََابٌ مَرْقُومٌ) (5) .

فالمعنى: عليون موضع كتاب مرقوم، فحذف المبتدأ و المضاف.

و هذا الموضع يشهده المقرّبون من الملائكة.

و قال: (كَلاََّ إِنَّ كِتََابَ اَلفُجََّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) `وَ مََا أَدْرََاكَ مََا سِجِّينٌ) (6) فا «لسجين» فعيل من «السجن» كأنه موضع متأخر. /فالقول فى‏ (كِتََابٌ مَرْقُومٌ) كالقول فيما تقدم ذكره.

____________

(1) البقرة: 219.

(2) النساء: 171.

(3) المائدة: 73.

(4) المطففين: 18-19.

(5) المطففين: 19-20.

(6) المطففين: 7 و 8.

192

قال ابن بحر: ظاهر التلاوة، قد فسر «السجين» فقال: (وَ مََا أَدْرََاكَ مََا سِجِّينٌ `كِتََابٌ مَرْقُومٌ) فأخبر أن «للسجين» كتاب مرقوم.

و كأن المعنى: إن الذي كتبه اللّه على الفجّار-أي أوجبه عليهم من الجزاء-هو فى هذا الكتاب المسمى سجّينا. و يكون لفظ تسميته من السجن و الشدة، و اشتمال الصخرة (1) ، على معنيين:

أحدهما: أن مصير أصحابه إلى ضيق و شدة و سفال.

و الآخر: أن يكون ما كتب عليهم لا يتبدل و لا ينمحى، كالنقش فى الحجر، فإنه لا يزال باقيا كبقاء النّقش فى الحجر.

و قال فى قوله تعالى‏ (إِنَّ كِتََابَ اَلْأَبْرََارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) : ظاهر التلاوة يدل على أن‏ (عِلِّيِّينَ) اسم للكتاب، و إن كان على بناء الجمع؛ أي الذي أوجبه اللّه للابرار لفى كتابه المسمّى: عليين، و هو كتاب مرقوم يشهده الملائكة المقرّبون.

و ذكر بعضهم أن «عليين» : الملائكة. فإن كان فى حديث صحيح فإن وجهه أن يكون قوله‏ (كِتََابٌ مَرْقُومٌ) خبر «إنّ» مؤخّرا؛ و تقديره:

إن كتاب الأبرار كتاب مرقوم فى عليين، أي: فى محل الملائكة.

فعلى هذا يكون قد حذف المضاف، و تكون اللام داخلة على الفضلة، كقولهم: إنّ زيدا لطعامك آكل. و كان هذا لا يصح؛ لأن الاختيار إدخال اللام على الخبر دون الفضلة.

____________

(1) يشير إلى ما جاء على ألسنة المفسرين من أن «سجين» صخرة تحت الأرض السابعة.

193

و شى‏ء آخر، و هو أنهم قالوا: إن كل ما جاء فى التنزيل من قوله «و ما أدراك» فإنه فسّره كقوله:

(وَ مََا أَدْرََاكَ مََا هِيَهْ (10) `نََارٌ حََامِيَةٌ) . (1) (وَ مََا أَدْرََاكَ مَا اَلْحُطَمَةُ (5) `نََارُ اَللََّهِ اَلْمُوقَدَةُ) (2) (وَ مََا أَدْرََاكَ مَا اَلْعَقَبَةُ`فَكُّ رَقَبَةٍ) (3) و هاهنا إذا جعلت «كتابا مرقوما» خبر «إن» لم يكن لـ «سجين» و لا لـ «عليين» تفسير.

و هذا نظير قولهم على هذا القول: إنّ زيدا فافهم ما أقول رجل صدق، فيكون اعتراضا بين اسم «إن» و خبره.

و هناك شى‏ء آخر، و هو أنك إذا قلت: إن التقدير: إن كتاب الأبرار كتاب مرقوم فى علّيين، وجب أن تعلّق الجارّ بمضمر يكون خبرا ثانيا، على تقدير: كائن فى علّيين ثابت فيه. و لا تعلّقه بـ «مرقوم» /لأنك قدّمته على الموصوف بـ «مرقوم» ، و ما تعمل فيه الصفة لا يتقدم على الموصوف، لأنه يوجب تقديم الصفة على الموصوف، لأن العامل يقع حيث يقع المعمول، و لا يجوز أن تعلّقه بمحذوف يكون صفة لـ «كتاب» لما ذكرنا من أن الصفة لا تتقدم على الموصوف. فإن جعلته خبر «إن» -أعنى «فى عليين» ، و جعلت «كتابا مرقوما» خبرا أيضا-، لم يجز، لأنه لا فائدة فيه أكثر مما فى الاسم و قد قالوا: إنّ الذّاهبة جاريته صاحبها، لا يجوز. فثبت أن القول قول أبى على، و هو ما قدمناه.

____________

(1) القارعة: 10، 11.

(2) الهمزة: 5 و 6.

(3) البلد: 12، 13.

194

و من ذلك قوله تعالى: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) * (1) أي: دأبهم كدأب آل فرعون، فحذف المبتدأ، و قيل: بل الكاف فى موضع النصب، أي: يتوقدون فى النار توقدا مثل توقد آل فرعون، و كدأب آل فرعون.

و منه قوله تعالى: (ذََلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ) * (2) أي: الأمر ذلك.

و كذا: (ذََلِكَ وَ مَنْ عََاقَبَ) (3) أي: الأمر ذلك.

فأما قوله تعالى: (ذََلِكَ بِمََا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) * (4) «فذلك» مبتدأ و «الباء» خبره.

و لا يجوز أن يكون التقدير: الأمر ذلك، لأنه يبقى «الباء» لا تعلّق له بشى‏ء.

و أما قوله تعالى: (وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) (5) فالتقدير: هو سحر مستمر، أو: هى سحر مستمر.

و مثله: (هََذََا ذِكْرٌ وَ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ) (6) (هََذََا وَ إِنَّ لِلطََّاغِينَ) (7) أي: الأمر هذا.

و أما قوله‏ (هََذََا فَلْيَذُوقُوهُ) (8) اعتراض. و قوله‏ (حَمِيمٌ وَ غَسََّاقٌ) (9)

خبر. و «الغساق» ، هو الحميم. كما تقول: زيد ظريف و كاتب، فتجعل «الكاتب» صفة للظريف، فتخبر عنه بهما.

و لو كان «الحميم» غير «الغساق» لوجب تثنية المبتدأ. الذي هو «هذا» .

____________

(1) آل عمران: 10-و قبلها: (أُولََئِكَ هُمْ وَقُودُ اَلنََّارِ) .

(2) الحج: 30 و 32.

(3) الحج: 60.

(4) آل عمران: 182-الأنفال: 52.

(5) القمر: 2.

(6) ص: 49.

(7) ص: 55.

(8) ص: 57.

(9) ص: 57.

195

و قال أبو إسحاق: «حميم» رفع من جهتين:

إحداهما على معنى: هذا حميم و غساق فليذوقوه.

و يجوز أن يكون «هذا» على معنى التفسير، أي: هذا فليذوقوه.

ثم قال بعد: هو حميم و غساق.

و يجوز أن يكون «هذا» فى موضع نصب على هذا التفسير. و يجوز أن يكون فى موضع رفع.

فإذا كان فى موضع نصب، فعلى: فليذوقوه هذا فليذوقوه. كما قال:

(وَ إِيََّايَ فَاتَّقُونِ) (1) . و مثله: هذا زيد فاضربه.

و من رفع فبالابتداء، و يجعل الأمر فى موضع خبر الابتداء، /مثل:

(وَ اَلسََّارِقُ وَ اَلسََّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمََا) (2) .

قال أبو على: اعلم أنه لا يجوز أن يكون «هذا» فى موضع رفع بالابتداء، و يكون الأمر فى موضع خبره، لمكان الفاء؛ ألا ترى أن الفاء قد دخل فى الأمر، فإذا كان كذلك لم يكن فى موضع خبره، و لو جاز هذا لجاز:

زيد فمنطلق، على أن يكون «منطلق» خبر الابتداء.

فأما تشبيهه له بالسارق و السارقة فلا يشبه قوله‏ (هََذََا فَلْيَذُوقُوهُ) قوله (وَ اَلسََّارِقُ وَ اَلسََّارِقَةُ) ، لأن فى «السارق و السارقة» معنى الجزاء فى الصلة،

____________

(1) البقرة: 41.

(2) المائدة: 38.

196

و هو مثل قوله‏ (اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ) (1) . ثم قال: (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) (2) و ليس فى هذا الاسم معنى الشرط و الجزاء، و يجوز دخول الفاء فيما وقع موقع خبره، ألا ترى أن سيبويه حمل قول من قال: (3)

و قائلة خولان فانكح فتاتهم‏ (4)

على أن «خولان» من جملة أخرى، فقال: كأنه قال: هذه خولان، أو: هؤلاء خولان؛ فيكون عطف جملة على جملة، و لا يكون مثل:

زيد فمنطلق.

و أما قوله تعالى: (وَ آخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوََاجٌ) (5) فالتقدير: و لهم آخر، أي: عذاب آخر من شكله أزواج، أي: ثابت من شكله، أي: من شكل العذاب أنواع. فيرتفع «أزواج» بالظرف، لكون الظرف وصفا لـ «آخر» فيرفع ما بعده بالاتفاق.

و جوز أن يكون «و آخر» -فيمن أفرد-مبتدأ، و الظرف مع ما ارتفع به خبر. و العائد إلى المبتدأ الهاء المضاف إليه فى «من شكله» ، كما تقول: زيد ما فى داره عمرو.

و يجوز عندى أن يكون «و آخر» معطوفا على «غسّاق» أي: و حميم و غساق. و آخر من شكل الغساق أزواج، و يكون «من شكله» وصفا.

و من قال: «و آخر» على الجميع فهو مبتدأ، و «أزواج» خبره، و «من شكله» وصف، أي من شكل الحميم.

____________

(1) النساء: 38.

(2) البقرة: 274.

(3) في الأصل: هذه خولان.

(4) انظر (ص 190) من هذا الجزء.

(5) ص: 58.

197

و أما قوله‏ (ذََلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَ أَنَّ لِلْكََافِرِينَ عَذََابَ اَلنََّارِ) (1) التقدير:

الأمر ذلك، و الأمر أن للكافرين عذاب النار.

قال أبو على: إن شئت جعلت قوله «فذوقوه» اعتراضا بين الابتداء و الخبر، فأضمرت الخبر، و إن شئت أضمرت الخبر بعدها و لم تجعل «فذوقوه» اعتراضا، كما جعلت فى الوجه الأول، و عطفته على الوجهين جميعا/على خبر الابتداء، المعنى أن الأمر هذا و هذا.

و مما يدل على الوجه الأول، قوله تعالى‏ (هََذََا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَ غَسََّاقٌ) .

و إن شئت جعلت «ذلكم» ابتداء، و جعلت الخبر «ذوقوه» . على أن تجعل الفاء زائدة، فإذا جعلته كذلك احتمل أن يكون رفعا على قول من قال:

زيد اضربه، و نصبا على قول من قال: زيدا اضربه.

و مثله قوله تعالى: (قََالَ كَذََلِكَ اَللََّهُ يَفْعَلُ مََا يَشََاءُ) (2) .

و قوله: (قََالَ كَذََلِكِ اَللََّهُ يَخْلُقُ مََا يَشََاءُ) (3) .

و قوله: (قََالَ كَذََلِكَ قََالَ رَبُّكَ) * (4) .

التقدير فى كلهن: الأمر كذلك، فحذف المبتدأ.

____________

(1) الأنفال: 14.

(2) آل عمران: 40.

(3) آل عمران: 47.

(4) مريم: 21.

198

و من ذلك قوله: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ عََالِمُ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهََادَةِ) (1)

التقدير: أي: هو عالم الغيب و الشهادة.

فيجوز أن يرتفع «عالم» بفعل دل عليه «ينفخ» أي: ينفخ فيه عالم الغيب، كقوله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهََا بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصََالِ) (2) فهو من باب قوله: ليبك يزيد ضارع لخصومة (3)

ألا ترى أنه حمل «ضارع» على إضمار فعل دل عليه «ليبك» . فزعم أن هذا الكلام يدل على أن له باكيا، فصار كأنه قال: ليبك ضارع به.

و مثله قراءة بعضهم: (زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاََدِهِمْ شُرَكََاؤُهُمْ) (4) على أن يكون «زيّن» مرتّبا للمفعول، و ارتفع «قتل» به مضافا إلى «أولادهم» و يكون «شركاؤهم» محمولا على فعل آخر، لأن التقدير كأنه قال: زيّنه شركاؤهم. و هذه القراءة مرويّة عن السّلمى، و الحسن، و يحيى بن الحارث الذّمارى، عن أهل الشام.

و قال سيبويه: فى هذا القول.

أبو علي: و أظننى مربى من كلام غلامه أنه حمل رفع «شركائهم على المصدر، أي: أن قتل أولادهم شركاؤهم.

و يحكى ذلك أيضا عن قطرب.

و هذا و إن كان محمولا على العامل الأقرب، فإنما الإخبار فى الآية عن تزيين الشركاء قتل أولاد المشركين. و قراءة السّلمى إنما يكون «الشركاء» قاتلين أولادهم بتشبيبهم و تربيتهم. و الكلام فى هذا طويل. و اللّه أعلم.

____________

(1) الأنعام: 73.

(2) النور: 36.

(3) عجزه:

هو مختبط مما تطيح الطوائح و البيت للحارس بن نهيك.

(الكتاب 1: 145) .

(4) الأنعام: 137.

199

و من ذلك قوله تعالى: (قََالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ اَلزِّينَةِ وَ أَنْ يُحْشَرَ اَلنََّاسُ ضُحًى) (1)

فيمن نصب. تقديره. موعدكم فى يوم الزينة، و موعدكم فى حشر الناس.

فقوله: «أن يحشر» فى موضع الرفع خبر مبتدأ/محذوف دل عليه قوله «موعدكم» الأول. و من رفع كان التقدير: موعدكم موعد يوم الزينة، فحذف المضاف، يدل على ذلك قوله: و أن يحشر، أي: موعد حشر الناس، أو: وقت حشر الناس، فحذف.

و أما قوله تعالى‏ (اِجْعَلْ لَنََا إِلََهاً كَمََا لَهُمْ آلِهَةٌ) (2) فإن جعلت فى «لهم» ضمير يعود إلى «ما» كان فى رفع آلهة و جهان:

أحدهما: إضمار «هى» ، أي: هى آلهة.

و الآخر: إبدالها من الضمير فى الظرف.

و زعم ابن عيسى أنه يجوز أن تكون «ما» كافة، فيستأنف الكلام بعدها، و يجوز فى «ما» أن تكون موصولة «بلهم» كأنه قيل: اجعل لنا إلها كالذى لهم، فيجوز الجر على هذا الوجه فى «آلهة» ، كأنه قيل: اجعل لنا إلها كآلهة لهم.

و يجوز على هذا الوجه النصب فى «آلهة» على الحال، ففيه ثلاثة أوجه:

الرفع، و النصب، و الجر، و لا يجوز على الكافة إلا الرفع.

و من هذا الباب قوله تعالى: (اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) * (3) أي: هذا الحق من ربك.

و قوله تعالى: (فَالْحَقُّ وَ اَلْحَقَّ أَقُولُ (84) `لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) (4) أي: قال: فأنا الحق و أقول الحق. و من نصبهما قال: فأقول الحق حقا. و من رفعهما جميعا

____________

(1) طه: 59.

(2) الأعراف: 138.

(3) هود: 17.

(4) ص: 84 و 85.

200

قال: فأنا الحق، و قولى لأملأن جهنم الحقّ، فيصير «قولى» فى صلة الحق، و يرتفع «الحق» باليمين، و كأنه قال: و الحق يمينى، و يكون «الحق» الأول خبر مبتدأ محذوف، على التقدير الذي ذكرنا.

و يجوز أن يكون مبتدأ و التقدير: فالحق منى. و يجوز أن يكون فيمن نصب «الحق» أن يكون حالا لـ «أملأن» جواب قوله «فالحق» ، و يكون قوله «و الحق أقول» اعتراضا بين القسم و جوابه، و جاز ذلك لأنه يوضح الأول، و يكون التقدير: فبالحق لأملأن، كما تقول: اللّه لأفعلن.

و أما قوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلشَّهْرِ اَلْحَرََامِ قِتََالٍ فِيهِ قُلْ قِتََالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ) (1)

فلا يخلو ارتفاع قوله‏ (وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ) من أن يكون بالعطف على الخبر الذي هو «كبير» ، كأنه قال: قتال فيه كبير و صد و كفر، أي: القتال قد جمع أنه كبير و أنه صدّ و كفر.

أو يكون مرتفعا بالابتداء، و خبره مضمر محذوف، لدلالة «كبير» المتقدم عليه، كأنه قال: و الصدّ/كبير، كقولك: زيد منطلق و عمرو.

أو يكون مرتفعا بالابتداء و الخبر مظهر، فيكون «الصد» ابتداء و ما بعده من قوله‏ (وَ كُفْرٌ بِهِ ... وَ إِخْرََاجُ أَهْلِهِ) (2) ، مرتفع بالعطف على المبتدأ، و الخبر قوله (أَكْبَرُ عِنْدَ اَللََّهِ) (3) . فلا يجوز الوجهان الأولان، و هما جميعا أجازهما الفرّاء.

____________

(1) البقرة: 217.

(2، 3) البقرة: 217.

201

أما الوجه الأول فلأن المعنى يصير: قل قتال فيه كبير و صد عن سبيل اللّه و كفر به. و القتال و إن كان كبيرا فيمكن أن يكون صدا، لأنه ينفر الناس عنه، فلا يجوز أن يكون كفرا، لأن أحدا من المسلمين لم يقل ذلك، و لم يذهب إليه. فلا يجوز أن يكون خبر المبتدأ شيئا لا يكون المبتدأ، و يمنع من ذلك أيضا بعد (وَ إِخْرََاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اَللََّهِ) (1) و محال أن يكون إخراج أهله منه أكبر من الكفر، لأنه لا شى‏ء أعظم منه.

و يمتنع الوجه الثاني أيضا، لأن التقدير فيه يكون: قتال فيه كبير، و كبير الصد عن سبيل اللّه و الكفر به، و كذلك مثّله الفراء و قدّره، فإذا صار كذلك، فكأن المعنى: و إخراج أهل المسجد الحرام أكبر عند اللّه من الكفر، فيكون بعض خلال الكفر أعظم منه كله، و إذا كان كذلك امتنع الأول، و إذا امتنع مذان ثبت الوجه الثالث، و هو أن يكون قوله‏ (وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ) ابتداء و «كفر به و إخراج أهله» معطوفان عليه، و «أكبر» خبر. فيكون المعنى: و صد عن سبيل اللّه، أي: منعهم لكم أيها المسلمون عن سبيل اللّه و عن المسجد الحرام و إخراجكم منه و أنتم ولاته، و الذين هم أحق به منهم، و كفر باللّه أكبر من قتال فى الشهر الحرام.

و أما قوله تعالى: (وَ اَلسََّابِقُونَ اَلْأَوَّلُونَ مِنَ اَلْمُهََاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصََارِ وَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ) (2) . قرئ: (وَ اَلْأَنْصََارِ) بالرفع: على أن يجعل «الأنصار» ابتداء، و لا تجعلهم من السابقين الذين هم المهاجرون. دليل هذه القراءة قوله

____________

(1) البقرة: 217.

(2) التوبة: 100.

202

(وَ اَلَّذِينَ جََاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنََا وَ لِإِخْوََانِنَا اَلَّذِينَ سَبَقُونََا بِالْإِيمََانِ) (1) و الذين جاءوا من بعدهم الأنصار. و «الذين» فى موضع جر، لأنه معطوف/على قوله‏ (لِلْفُقَرََاءِ اَلْمُهََاجِرِينَ) (2) ، ففى الآية دلالة من وجهين على أن المهاجرين هم السابقون: فى قوله‏ (وَ اَلَّذِينَ جََاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ) (3)

و قوله/: (اَلَّذِينَ سَبَقُونََا بِالْإِيمََانِ) (4) .

و على هذا ما روى عن خالد بن الوليد أنه قال لعماّر: إن كنت أقدم منى سابقة فليس لك أن تنازعنى. فالسابقون على هذا هم المهاجرون من دون الأنصار. و يقوّى ذلك ما روى من قوله عليه السلام: لو لا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار.

و وجه الجر فى‏ (اَلْأَنْصََارِ) أن يجعل‏ (اَلْأَنْصََارِ) مع المهاجرين السابقين.

و المعنى: أن كلا القبيلين سبقوا غيرهم ممن تأخر عن الإيمان إلى الإيمان.

و يقوّى هذه القراءة أن فى بعض الحروف: «من المهاجرين و من الأنصار» . حكاه أبو الحسن.

و قوله تعالى:

(وَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ) يجوز أن يكون مبتدأ و يكون الخبر (رَضِيَ اَللََّهُ عَنْهُمْ) .

و يجوز أن يكون: (وَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ) عطفا على الصّنفين المتقدمين.

و إذا رفعت‏ (اَلْأَنْصََارِ) بالابتداء يكون التقدير: هؤلاء فى الجنة.

فأضمر الخبر.

____________

(1، 3، 4) الحشر: 10.

(2) الحشر: 8.