إعراب القرآن - ج1

- الزجاج المزيد...
397 /
253

و من ذلك قوله تعالى: (وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) (1) أي: حامدين لك.

نظيره: (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ) (2) أي حامدين‏ (3) له.

نظيره: (وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) (4) أي: حامدين له، و من ذلك قوله: (آتَيْنََاكُمْ بِقُوَّةٍ) * (5) أي: مجدين مجتهدين.

نظيره بعده فى الأعراف: (أَنَّهُ وََاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مََا آتَيْنََاكُمْ بِقُوَّةٍ) (6) أي بجد و اجتهاد.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ أَدََاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسََانٍ) (7) أي: محسنا، أي له أن يؤدى إليه محسنا لا مماطلا.

و من ذلك قوله: (فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ فِيمََا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (8)

أي: مؤتمرة بأمر اللّه، فالباء فى موضع الحال.

و من ذلك قوله تعالى: (نَزَّلَ عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً) (9) فـ «الكتاب» مفعول به، و قوله «بالحق» فى موضع نصب على الحال، و هو متعلق بمحذوف.

و «مصدقا» حال من الضمير الذي فى قوله «بالحق» و العامل فيه المعنى، و لا يجوز أن تجعله بدلا، لأن الاسم لا يبدل من الاسم، هكذا ذكروه، و فيه إشارة إلى أن الظرف لا يتعلق بالاسم، و يكون بدلا من الاسم قبله.

____________

(1) البقرة: 30.

(2) الإسراء: 52.

(3) في الأصل: «أي حامدون» .

(4) الإسراء: 44.

(5) البقرة: 63.

(6) الأعراف: 171.

(7) البقرة: 178.

(8) البقرة: 234.

(9) آل عمران: 3.

254

و أعجب من ذا جعله «مصدقا» حالا من نفس الحق، بعد أن قال فى قوله‏ (وَ اَلسََّاعَةُ لاََ رَيْبَ فِيهََا) (1) أنه يجوز أن يكون عطفا على الضمير فى «حق» .

و قال غيره و هو قد رضى به فى قوله: (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مََا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) (2)

إن نصب «مثل» راجع إلى الضمير فى «لحقّ» . فلم لا تجعل قوله «مصدقا» حالا من الضمير فى قوله «بالحق» ؟ و مثله: (وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْنََاهُ) (3) حال من الضمير فى «أنزلناه» .

و أما قوله: (وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ) (4) فيحتمل الجار فيه ضميرين: أحدهما «أن يكون التقدير» نزل بالحق؛ كما تقول: نزلت بزيد.

و يجوز أن يكون حالا من الضمير الذي فى «نزل» .

و مثله: (نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ) (5) فمن رفع «الأمين» يكون الجار مثل الذي فى: مررت بزيد؛ و يكون حالا، كما تقول: نزل زيد بعدته، و خرج بسلاحه.

و فى التنزيل: (وَ قَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَ هُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) (6) أي: دخلوا كافرين و خرجوا كافرين.

و مثله: (مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ) (7) .

____________

(1) الجاثية: 32.

(2) الذاريات: 23.

(4-3) الإسراء: 105.

(5) الشعراء: 193.

(6) المائدة: 61.

(7) الأنعام: 114.

255

ألا ترى أن «أنزلت» يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا بنيته للمفعول لم يبق له متعدّى إلى مفعول به.

و قوله «من ربك» على حد: (وَ لَمََّا جََاءَهُمْ كِتََابٌ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ) (1) .

و «بالحق» حال من «الذكر» الذي فى «منزل» .

و مما جاء الجار فيه حالا كما جاء فى الآي الأخر: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) (2) . المعنى:

أنزله و فيه علمه. كما أن «خرج بعدته» تقديره: خرج و عليه عدته. و العلم:

المعلوم. أي: أنزله و فيه/معلومه.

و مثل ذلك قوله تعالى: (وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ اَلسَّمََاءُ بِالْغَمََامِ) (3) .

فالمعنى-و اللّه أعلم-: يوم تشقق السماء و عليها الغمام.

فالجار متعلق بمحذوف فى موضع الحال كما تقول: خرج زيد بثيابه.

و منه قوله تعالى: (هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ مِنْهُ آيََاتٌ مُحْكَمََاتٌ) (4) الجار فى موضع الحال، أي: ثابتا منه آيات محكمات. و «آيات» يرتفع بالظرف هنا على المذهبين.

و منه قوله تعالى: (وَ آتَيْنََاهُ اَلْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَ نُورٌ وَ مُصَدِّقاً) (5) أي: ثابتا فيه هدى و نور. يدل عليه انتصاب قوله «و مصدقا» و يرتفع «هدى» بالظرف فى المذهبين.

____________

(1) البقرة: 89.

(2) النساء: 166.

(3) الفرقان: 25.

(4) آل عمران: 7.

(5) المائدة: 46.

256

و من هذا الباب قوله: (وَ مِمََّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي اَلنََّارِ اِبْتِغََاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتََاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ) (1)

قوله‏ (فِي اَلنََّارِ) لا يخلو من أن يكون متعلقا بـ «يوقدون» أو بمحذوف؛ فلا يجوز أن يكون تعلقه بـ «يوقدون» من حيث لا يستقيم «أوقدت عليه فى النار» إلا أن الموقد عليه إنما يكون فى النار. فيصير (فِي اَلنََّارِ) على هذا غير مفيد، و كذلك‏ (فَأَوْقِدْ لِي يََا هََامََانُ عَلَى اَلطِّينِ) (2) .

و كما أنه لو قيل هنا: أوقد لى يا هامان على الطين فى النار، لم يستقم.

كذلك الآية الأخرى.

و إذا كان كذلك ثبت أن تعلق «فى النار» من قوله: (وَ مِمََّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي اَلنََّارِ) (3) إنما هو المحذوف، و الظرف الذي هو «فى النار» فى موضع حال. و ذو الحال الهاء التي فى «عليه» أي و مما يوقدون عليه ثابتا فى النار، أو كائنا فى النار. ففى قوله «فى النار» ضمير مرفوع يعود إلى الهاء التي هى اسم ذى الحال.

و من ذلك قوله تعالى: (إِنَّمََا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نََاراً) (4) الجار فى قوله (فِي بُطُونِهِمْ) حال من المذكور، و كان وصفا له كقوله:

لميّة موحشا طلل‏ (5)

____________

(1) الرعد: 17.

(2) القصص: 38.

(3) الرعد: 17.

(4) النساء: 10.

(5) البيت لكثير، و عجزه: (يلوح كأنه خلل) .

257

و لا يتعلق بـ «يأكلون» لأن الأكل لا يكون فى بطنه. و المعنى: إنما يأكلون مثل النار فى بطونهم، لأنه يؤدى إلى حصول النار فى بطونهم. أو يجعله نارا على الاتساع، لما يصير إليه من ذلك فى العاقبة.

و من هذا الباب قوله: / (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلذِّلَّةُ أَيْنَ مََا ثُقِفُوا إِلاََّ بِحَبْلٍ مِنَ اَللََّهِ) .

فالباء فى قوله‏ (بِحَبْلٍ) (1) متعلق بمحذوف فى موضع الحال. و التقدير:

ضربت عليهم الذلة فى جميع أحوالهم أينما ثقفوا إلا متمسكين بحبل اللّه. فحذف اسم الفاعل و انتقل الضمير إلى الظرف.

و قال أبو على: الاستثناء من «الذلة» المعنى: يذلون إلا أن يكون معهم حبل من اللّه، و هو ما يكونون به ذمة. و لا يكون متعلقا بقوله «ثقفوا» ألا ترى أنه لا يصح: أينما ثقفوا إلا بحبل من اللّه؛ لأنه إذا كان معهم حبل من اللّه لم يثقفوا.

و من هذا الباب قوله تعالى: (وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا) (2) الكاف فى موضع الحال، أي مشابهة أحوالهم أحوال من‏[لم‏] (3) يلبثوا. و فيه غير هذا، ذكرناه فى باب آخر.

و من ذلك قوله تعالى: (يََا يَحْيى‏ََ خُذِ اَلْكِتََابَ بِقُوَّةٍ) (4) أي: بجد و اجتهاد، أي: خذ الكتاب مجدّا. و مثله. خذها بقوة. أي: بجدّ، أي: مجدّا.

____________

(1) آل عمران: 112.

(2) يونس: 45.

(3) تكملة يقتضيها السياق.

(4) مريم: 12.

258

و مثله قوله تعالى: (وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ) (1) أي: هزى إليك رطبا جنيا متمسكة بجذع النخلة. فعلى هذا لا تكون الباء زائدة، بل يكون مفعول «هزى» فيمن أعمل الأول رطبا، و أضمر فى «تساقط» و من أعمل الثاني أضمر فى «هزى» .

و مثله: (فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى‏ََ سَوََاءٍ) (2) أي: فانبذ إليهم مستوين. كما أن قوله: (فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى‏ََ سَوََاءٍ) (3) أي: آذنتكم مستوين. فالحال من الفاعل و المفعول جميعا.

كقوله:

متى ما تلقنى فردين‏ (4)

و قوله:

و إن تلقنى برزين‏

و لأبى علىّ فى هذا كلام طويل ذكر فيه أن الحال كالصفة، من حيث لا يجوز تعريض الصفة لعاملين مختلفين. و كذا يقبح فى الحال ما يقبح فى الصفة من تعريضها لعمل عاملين مختلفين فيهما، كما قبح ذلك فى الصفة.

و قد حمل سيبويه شيئا منها على المعنى، نحو ما أجازه من قولهم: هذا رجل مع رجل قائمين. حيث جعل ما عملت فيه «مع» داخلا فى معنى الإشارة، فأجاز نصب «قائمين» على الحال، كما أجاز نصبهما فى: هذا رجل و رجل قائمين.

____________

(1) مريم: 25.

(2) الأنفال: 58.

(3) الأنبياء: 109.

(4) البيت بتمامه:

متى ما تلقني فردين ترجف # روانف أليتيك و تستطارا

259

فأما قوله:

متى ما تلقنى فردين‏ (1)

و

تعلّقت‏[من‏]ليلى صغيرين‏ (2)

و: «إن تلقنى برزين» لا يعتد به.

و لا أعلم لسيبويه فى ذلك نصاّ، و لا يجوز أن نقول: إنه/لا يجوز على قياس قوله، لأن السائل الذي منع ذلك فيها عاملان، و ليس فى هذا إلا عامل واحد.

فإذا كان هناك عامل واحد، و ذو الحال واحد من جهة تعريضه لعاملين، لا يصح لأنه ليس هناك عاملان.

فان قلت: فهلا فسد حمله على الحال؛ لأن الحال تقتضى أن يكون فيها ذكر من ذى الحال، و ذو الحال مفردان و حالهما مثناة، فلا يرجع إذن إليهما من حاليهما ذكر، و إذا لم يرجع فسد أن يكون حالا لهما، فاحمله على فعل مضمر.

قلنا: لا يفسد أن يكون ذلك حالا لأنا نحمله على المعنى، ألا تراهم قالوا:

مررت برجلين قائم و قاعد. فرددت الذكر إليهما على المعنى، فكما رددت إلى المثنى المفردين، للحمل على المعنى، كذلك ترد إلى المفردين من المثنى للحمل على المعنى.

____________

(1) البيت:

متى‏

ما تلقني فردين ترجف # روانف أليتيك و تستطارا

(2) البيت:

تعلقت من ليلى صغيرين ليتنا # إلى اليوم لم نكبر و لم تكبر إليهم.

260

و من ذلك قوله تعالى: (وَ لَقَدْ جِئْنََاهُمْ بِكِتََابٍ فَصَّلْنََاهُ عَلى‏ََ عِلْمٍ) (1) . أي:

فصّلناه عالمين.

و قال عزّ و جلّ: (عِلْمُهََا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتََابٍ) (2) و التقدير: علمها ثابت فى كتاب ثابت عند ربى، ف «عِنْدَ رَبِّي» كان صفة للمجرور. فلما تقدم انتصب على الحال.

و من ذلك قوله تعالى: (اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللََّهَ قِيََاماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ََ جُنُوبِهِمْ) (3) .

أي: مضطجعين، ففى الظرف ضمير لوقوعه موقع مضطجعين و قائمين.

و مثله: (وَ إِذََا مَسَّ اَلْإِنْسََانَ اَلضُّرُّ دَعََانََا لِجَنْبِهِ أَوْ قََاعِداً أَوْ قََائِماً) (4) أي:

دعانا مضطجعا.

لا بد من ذا التقدير فى الموضعين ليصح العطف عليه.

و أبو إسحاق حمل اللام و ما بعده على المس دون الدعاء، و إذا مس الإنسان مضطجعا أو قائما أو قاعدا الضّر دعانا. و حمله على الدعاء أولى من حمله على المس لكثرة الآي فى ذلك.

من قوله: (اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللََّهَ قِيََاماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ََ جُنُوبِهِمْ) (5) .

و قوله: (وَ إِذََا مَسَّ اَلنََّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ) (6) و غيرهما.

____________

(1) الأعراف: 52.

(2) طه: 52.

(5-3) آل عمران: 191.

(4) يونس: 12.

(6) الروم: 33.

261

فأما قوله: (وَ سََارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ) (1) فقد يكون من هذا الباب، أي: لم يخرج منفردا عن مدين.

و يجوز أن يكون كقوله: (أَسْرى‏ََ بِعَبْدِهِ) (2) فتعدّيه بالباء.

و أما قوله فى‏ (أَحْبَبْتُ حُبَّ اَلْخَيْرِ/عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) (3) أي: لزمت حب الخير معرضا عن ذكر ربّى.

و الجارّ فى موضع الحال. و «أحببت» بمعنى: لزمت الأرض، من قولهم:

أحبّ البعير: إذا برك.

و من قال: «أحببت» بمعنى: آثرت، كان «عن» بمعنى «على» ، أي:

آثرت حب الخير على ذكر ربى.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ لَكُمْ فِيهََا مََا تَدَّعُونَ‏`نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (4) فيما يتعلق به الجار و ما ينتصب عنه «نزلا» أوجه:

يجوز أن يكون «نزلا» جمع نازل، مثل: شارف و شرف.

قال الأعشى:

أو تنزلون فإنّا معشر نزل‏ (5)

فإذا حملته على ذلك أمكن أن يكون حالا من شيئين:

أحدهما: الضمير المرفوع فى «تدّعون» .

____________

(1) القصص: 29.

(2) الإسراء: 1.

(3) ص: 32.

(4) فصلت: 31 و 32.

(5) صدره:

قالوا الركوب فقلنا تلك عادتنا

.

262

و الآخر: أن يكون من الضمير المجرور فى قوله «لكم» .

و الآخر: أن يكون «النزل» كالتى فى قوله: (فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ‏`وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) (1) فإذا حملته على هذا كان حالا للموصول و العامل فيها «لكم» .

فأما قوله: (مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (2) فمتعلق بمحذوف، و هو صفة للحال، كقوله:

جاءنى زيد رجلا صالحا.

و لا يجوز أن يكون «من» متعلقا بـ «تدّعون» إذا جعلت «نزلا» حالا من «ما» لأنك لا تفصل بين الصلة و الموصول بأجنبىّ.

ألا ترى أن الحال إذا كانت من الموصول كانت بمنزلة الصفة له، و لا يجوز أن يعترض بها بين الصلة و الموصول، كما لا يجوز ذلك فى الصفة.

و لو جعلت «نزلا» جمع نازل، حالا من الضمير المرفوع لجاز أن يكون «من غفور رحيم» متعلقا بـ «تدّعون» و لم تكن لتفصل بها؛ لأن الحال و الجار جميعا فى الصلة.

و لو جعلت الحال-أعنى: نزلا-من «كم» فى «و لكم» و الجار متعلق بـ «تدّعون» لم يجز أيضا؛ للفصل بأجنبى بين الصلة و الموصول.

و لا يجوز أن يكون متعلقا بـ «لكم» على أن يكون ظرفا، لأنه تعلق به ظرف آخر و هو «فيها» .

____________

(1) الواقعة: 93 و 94.

(2) فصلت: 32.

263

و يجوز أن يكون «من» و المجرور به فى موضع حال من الضمير المجرور فى «لكم» .

و فى هذا نظر، لأنك لو قدرت «لكم» ثابتين «من غفور رحيم» لم يكن له معنى، فإذا حملته على ذلك جعلت «نزلا» حالا من الضمير المرفوع فى «تدعون» أو من «ما» .

و لا يجوز أن يكون حالا من الضمير المجرور فى «لكم» لأنه لا يكون منه/ حالان، كما لا يكون له ظرفان.

فإن جعلت «من» صفة لنزل جاز أن يكون «نزلا» حالا من الضمير المجرور في «لكم» .

فأما قوله تعالى: (كََانَتْ لَهُمْ جَنََّاتُ اَلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً) (1) .

فإن جعلت «نزلا» ، من قوله‏ (فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ) (2) فعلى حذف المضاف، كأنه: كانت لهم كل جنات الفردوس نزلا، لأن الجنات مكان.

و إن جعلته جمع نازل، كانت حالا من الضمير المجرور فى «لهم» .

و من ذلك قوله تعالى: (فَمََا لِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ‏`عَنِ اَلْيَمِينِ وَ عَنِ اَلشِّمََالِ عِزِينَ) (3) .

فإن: «قبلك» ينتصب على ثلاثة أضرب:

أحدها: أن يكون ظرفا لمعنى الفعل فى اللام الجارة.

____________

(1) الكهف: 107.

(2) الواقعة: 93.

(3) المعارج: 36 و 37.

264

و الآخر: أن يكون ظرفا «لمهطعين» .

و الثالث: أن يكون الظرف فى موضع الحال، و كون الظرف فى موضع الحال كثير فاش.

و مثله: (يَأْتُوكَ رِجََالاً وَ عَلى‏ََ كُلِّ ضََامِرٍ) (1) أي ركبانا. كقوله تعالى فى الأخرى: (فَرِجََالاً أَوْ رُكْبََاناً) (2) فيكون فيه ذكر فيمكن أن يكون «مهطعين» (3) حالا من ذلك الضمير.

و أما قوله‏ (عِزِينَ) (4) فيجوز أن ينتصب من ثلاثة أضرب:

أحدها أن يكون صفة للحال الذي هو «مهطعين» .

و يجوز أن ينتصب عن «مهطعين» و فيه ضمير يعود إلى ما فى «مهطعين» .

و يجوز أن ينتصب عما فى قوله: (عَنِ اَلْيَمِينِ وَ عَنِ اَلشِّمََالِ عِزِينَ) (5) .

ذلك أن الظرف يجوز أن يكون صفة لـ «مهطعين» لأنه نكرة، و إذا كان كذلك تضمن ضميرا، و إذا تضمن الضمير أمكن أن ينتصب «عزين» عن ذلك.

و يجوز فى قوله: (عَنِ اَلْيَمِينِ وَ عَنِ اَلشِّمََالِ) (6) أن يكون متعلقا بـ «مهطعين» .

و يجوز أن يتعلق بـ «عزين» على حد قولك: أخذته عن زيد.

و من ذلك قوله تعالى: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ) (7) أي: أتبعهم عقوبته.

مستعدا جامعا لجنوده.

____________

(1) الحج: 27.

(2) البقرة: 238.

(3) المعارج: 36.

(6-5-4) المعارج: 37.

(7) طه: 78.

265

و من ذلك قول الفراء: (فَمَنْ كََانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ََ سَفَرٍ) (1) أي:

مسافرا؛ لأن «مسافرا» حال عند الفراء، و خبر «كان» على قولنا.

و قال: (وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ََ أَوْ عَلى‏ََ سَفَرٍ) * (2) .

و مثله: (يَأْتُوكَ رِجََالاً وَ عَلى‏ََ كُلِّ ضََامِرٍ) (3) -أي: ركبانا-ففى الظرف ضمير، كما فى قوله‏ (فَاذْكُرُوا اَللََّهَ قِيََاماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ََ جُنُوبِكُمْ) (4) أي:

مضطجعين.

و من ذلك قوله: (وَ يُكَلِّمُ اَلنََّاسَ فِي اَلْمَهْدِ) (5) أي: يكلمهم صبيّا و كهلا.

و كذلك قوله: (وَ مِنَ اَلصََّالِحِينَ) (6) أي: صالحا.

كما أن ما قبله‏ (وَ مِنَ اَلْمُقَرَّبِينَ) (7) حال، أي: مقربا.

/و من ذلك قوله: (وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) `وَ بِاللَّيْلِ) (8) فقوله «بالليل» جنس‏ (9) فى موضع الحال، أي: مصبحين و مظلمين، و فيه ذكر.

و من ذلك قوله تعالى: (فَخَرَجَ عَلى‏ََ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) (10) أي: متزيّنا.

و من ذلك قوله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللََّهُ أَنْ تُرْفَعَ) (11) .

الجار يتعلق بمحذوف فى موضع النصب على الحال من الضمير فى قوله (وَ مَثَلاً مِنَ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) (12) .

____________

(1) البقرة: 184.

(2) المائدة: 6.

(3) الحج: 27.

(4) النساء: 103.

(6-5) آل عمران: 46.

(7) آل عمران: 45.

(8) الصافات: 137 و 138.

(9) هكذا في الأصل. و لعلها: «خبر» .

(10) القصص: 79.

(11) النور: 36.

(12) النور: 34.

266

أي: خلوا من قبلكم ثابتين فى بيوت أذن اللّه، و ما بينهما من الكلام تسديد لهم و بيان أحوالهم.

و إن قدّرت مبتدأ على معنى: أولئك فى بيوت أذن اللّه أن ترفع، جاز، و جاد.

و قال: و المراد بهم الأنبياء، صلوات اللّه عليهم، و المؤمنون معهم.

و قيل: بل هو متعلق بمحذوف صفة «مصباح» فى قوله: (فِيهََا مِصْبََاحٌ) (1)

أي: المصباح ثابت فى بيوت.

و قيل: بل هو صفة لـ «مشكاة» ، أي كمشكاة ثابتة فى بيوت.

و قيل: هو من صلة «توقد» أي توقد فى بيوت أذن اللّه.

و قيل: إن البيوت لا تكون مسجدا واحدا، و لا يستعمل مصباح واحد إلا فى مسجد واحد، فالمشكاة إذا كانت كوة غير نافذة فمصباحها لا يضى‏ء عدة مساجد.

و قيل: بل هو من صلة «يسبّح» فيمن جعل «رجالا» فاعلين.

و من رتب المفعول للمفعول فإنه يمكن أن يكون كقولهم: فى الدار زيد.

فيكون «رجال» مبتدأ و الظرف خبرا (2) . و هكذا فى تفسير الدّمياطى.

فتسقط خصومة الفارسي من أن رجالا يرتفع ب

مضمر، كقوله:

# ليبك يزيد

ضارع لخصومة*

____________

(1) النور: 35.

(2) تكملة يستقيم بها الكلام.

267

و لعل الحارثي لم يحتج بهذه الآية لهذا المعنى، و احتج بقراءة الذّمارى:

(قَتْلَ أَوْلاََدِهِمْ شُرَكََاؤُهُمْ) (1) ، و قد رجّحنا قول قطرب على ذلك.

و من ذلك‏ (فَلَيْسَ مِنَ اَللََّهِ فِي شَيْ‏ءٍ) (2) أي: من دين اللّه، فيكون «فى شى‏ء» حالا من الضمير فى «من اللّه» .

و معنى «ليس من اللّه» البراءة و خلاف الموالاة، ألا تر

ى إلى قوله:

عرين من عرينة ليس منّى # برئت إلى عرينة

من عرين‏ (3)

و قد يكون‏[منه‏]قوله: (لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ‏ءٍ) (4) .

و من ذلك قوله تعالى: (وَ جَعَلْنََا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنََّاسِ) (5) .

و قوله: (وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ) (6) أي: تمشون و لكم هذا النور.

فيجوز أن يكون ذلك علما للمؤمنين و فصلا لهم ممن خالفهم و رغب عن دينهم.

و من ذلك قوله: (قََالَ اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ فِي اَلنََّارِ) (7) .

قال أبو على: (فِي أُمَمٍ) متعلق بـ «ادخلوا» و لا يجوز أن يتعلق «بخلت» نفسه، لتعلق حرف الجر به. و «فى النّار» يجوز أن يكون صفة لـ «أمم» .

____________

(1) الأنعام: 137.

(2) آل عمران: 28.

(3) عرين: هو ابن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. و قيل: هو ثعلبة بن يربوع.

و عرينة: بطن من بجيلة. و البيت لجرير.

(4) الأنعام: 159.

(5) الأنعام: 122.

(6) الحديد: 28.

(7) الأعراف: 38.

268

و يجوز أن يكون حالا من الضمير الذي فى الظرف، الذي هو (مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ) (1) .

و يجوز أن يكون حالا من الذكر الذي فى «خلت» و متى جعلت الشي‏ء حالا لم يجز أن تكون عنه حال أخرى.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ مََا مَنَعَنََا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيََاتِ إِلاََّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا اَلْأَوَّلُونَ) (2) .

قيل: الباء زيادة. و معنى «منعنا» : اقتضى منّا ألا نفعل. و كل ما أوجب ألا يفعل شى‏ء فهو مانع منه، و إن لم تزل القدرة عليه، و موضع «أن نرسل» نصب، لأنه مفعول «منع» .

و قيل: الباء فى «بالآيات» باء الحال، أي: نرسل رسولنا و معه الآيات.

و من ذلك قوله: (يَدْعُونَ فِيهََا بِكُلِّ فََاكِهَةٍ) (3) .

قال أبو على: لا تكون الباء زائدة، لأن الفاكهة لا تدعى، فتكون على وجهين.

إما أن تكون حالا من الداعين، أي: يدعون مقدّرين فيها الملابسة بكل فاكهة، فيكون كقولهم: خرج بناقته، و ركب بسلاحه.

و إما أن تكون صفة للمصدر المحذوف، كأنه: يدعون فيها دعاء بكل فاكهة، أي: قد التبس الدعاء بكل فاكهة.

____________

(1) الأعراف: 38.

(2) الإسراء: 59.

(3) الدخان: 55.

269

و من ذلك قوله تعالى: (إِنِّي رَسُولُ اَللََّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً) (1) .

قال أبو علىّ: هو حال مؤكدة منتصبة عن معنى الفعل الذي دلت عليه الجملة.

و لو جعلت قوله «إليكم» متعلّقا بمحذوف و جعلته حالا مؤكدة كقوله «و مصدقا» فيمن جعل إليكم غير متعلق بالرسول و لكن بالمحذوف، أمكن أن يكون «مصدقا» حالا من الضمير فى «إليكم» فكان العامل فى الحال ما فى معنى الفعل من «إليكم» .

و من ذلك قوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اِسْتَغْفِرْهُ) (2) .

قيل: الباء للحال. /و المعنى: فسبح حامدا، أو: فسبّح تسبيحك حامدا.

لتكون الحال مضامّة للفعل.

و قيل: الباء للسبب، أي: سبّحه بأن تحمده. و المعنى: احمده لتكون مسبحا له.

و أما قوله تعالى: (وَ لاََ تَتَّبِعْ أَهْوََاءَهُمْ عَمََّا جََاءَكَ مِنَ اَلْحَقِّ) (3) .

أي: عن قوله، فتصير معه محاذرا ما جاءك من الحق.

و قال: (أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ) (4) .

____________

(1) الصف: 6.

(2) النصر: 3.

(3) المائدة: 48.

(4) قريش: 4.

270

و أما قوله: (مََا أَصََابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ -إلى قوله- يَسِيرٌ) (1) .

فقد قال أبو على: يجوز أن يكون «فى» ظرفا لـ «أصاب» و لـ «مصيبة» أيضا. يؤكد ذلك و يحسّنه دخول «لا» فى قوله:

(وَ لاََ فِي أَنْفُسِكُمْ) فصار بمنزلة: ما مررت برجل و لا امرأة. و يجوز أن يكون صفة للنكرة.

و قوله: (وَ لاََ فِي أَنْفُسِكُمْ) (2) صفة أخرى لها. فيحتمل على ذلك أن يكون موضعه جرّا على لفظ «مصيبة» رفعا على الموضع.

و جاز دخول «لا» هنا و إن لم يكن الكلام على هذا التأويل نفيا؛ لأنه لما كان معطوفا على ما هو منفى فى المعنى، حمل عليه، كقوله:

يحكى علينا إلاّ كواكبها (3)

و كذلك قوله: (فِي اَلْأَرْضِ) (4) لما كان صفة لمنفى حمل الأمر على معناه. و إن شئت قلت إن «لا» زائدة. و الأول أبين، لأن الحمل على معنى‏[لا] (5) قد كثر. قالوا: إن أحدا لا يقول ذاك إلا زيد.

____________

(1-2-4) الحديد: 22.

(3) عجز بيت لعدي بن زيد العبادي أو صدره:

فى ليلة لا ترى بها أحدا

(5) تكملة يقتضيها السياق.

271

و قوله: (إِلاََّ فِي كِتََابٍ) (1) منصوب الموضع على الحال. و لا يجوز أن يكون صفة، لأن «إلا» لا تدخل بين الموصوف و الصفة كدخولها بين الحال و ذى الحال، نحو: ما جاء زيد إلا قائما. و ذلك لأن الصفة مع الموصوف كالجزء الواحد، و ما بعد «إلا» جار مجرى ما بعد حرف النفي فى انقطاعه من الأول، و الحال بمنزلة الخبر، و ليس الخبر مع المخبر عنه كالشى‏ء الواحد. فأما العامل فى الحال إذا كان «فى الأرض» ظرفا.

فشيئان: أحدهما «أصاب» و ذو الحال نكرة. و الآخر: أن يجعل حالا مما فى «مصيبة» من الذكر.

و حسنت الحال من النكرة لتعلق الظرف به، كـ «منك» فى «خير منك» لأنه قد خصصه.

و أما من جعل‏ (فِي اَلْأَرْضِ) وصفا فيجوز أن يكون هو العامل فى الحال، و ذو الحال الذكر الذي فيه.

/و يجوز أن يكون ذو الحال الذكر الذي فى قوله: (وَ لاََ فِي أَنْفُسِكُمْ) (2)

و العامل فيها الظرف.

و لا يجوز أن تكون الحال منهما جميعا، لأنه لا يعمل فى معمول واحد عاملان.

____________

(2-1) الحديد: 22.

272

فأما قوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهََا) (1) فمتعلّق «فى» بقوله: «فى كتاب» و يكون ذو الحال‏ (إِنَّ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ) .

و فى قوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهََا) ذكر من الفاعل الظاهر. و لا شى‏ء فى قوله: (فِي كِتََابٍ) لارتفاع الظاهر به فى القولين.

و المعنى: ما أصاب من مصيبة فى الأرض و لا فى أنفسكم إلا مكتوبا، بتيسير ذلك على اللّه من قبل أن نبرأها.

و يجوز فى قوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهََا) أن يتعلق بما دل عليه ما تقدم قبل‏ (إِلاََّ) ، فيكون المعنى: ما أصاب من مصيبة فى الأرض و لا فى أنفسكم من قبل أن نبرأها إلا فى كتاب، تيسير ذلك على اللّه.

و نظير هذا المعنى قوله: (وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ إِلاََّ رِجََالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ) (2) .

و مثله قول الأعشى:

و لا قائلا إلاّ هو المتعتّبا (3)

و لا يمتنع هذا الوجه من أجل الفصل الذي وقع بين الفاعل و ما ارتفع به بذلك، لأنه مما يلابسه، فلا يتنزّل منزلة الأجنبى منه. و مع ذلك فالظرف أحمل للفصل من غيره. انتهت الحكاية عن أبى على، و فيه غير سهو:

____________

(1) الحديد: 22.

(2) النحل: 43.

(3) صدره:

و ليس بجيرا إن أتى الحق خائفا

273

أما تشبيهه «إلا» بحرف النفي، و منع ما بعد «إلا» متعلقا بما قبلها كحرف النفي، فليس كذلك. ألا ترى قوله: (وَ فََاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) `لاََ مَقْطُوعَةٍ وَ لاََ مَمْنُوعَةٍ) (1) فجر «مقطوعة» حملا على ما قبل «إلا» . و قال: (إِنَّهََا بَقَرَةٌ لاََ فََارِضٌ) (2) . و قال: (إِنَّهََا بَقَرَةٌ لاََ ذَلُولٌ) (3) .

و مسألة الكتاب: مررت برجلين لا شجاع و لا جبان.

و أما قوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهََا) (4) أنه متعلق بمحذوف حال، و صاحب الحال‏ (إِنَّ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ) (5) فهو فاسد، كسرت «إن» أو فتحت.

أما الكسر فلأن ما بعد «إنّ» لا يتقدم عليه، لأن «إنّ» تقطع ما بعدها مما قبلها. و قد ذكرنا هذا فى هذا الكتاب.

و أما فتح «أنّ» فإنه لم يقرأ به، و هو فى تقدير المصدر، /و ما فى حيّز المصدر لا يتقدم عليه.

و قد وقعت هذه المسألة فى عدة نسخ من «التذكرة» ، و ليس فيه هذا الفصل الأخير.

و إنما وقع فى تهذيب عثمان، و هو يتكلم على مثل هذه الأشياء، و لم يتكلم هنا بشى‏ء، فلا أدرى كيف سها عنه مع وضوحه؟.

____________

(1) الواقعة: 32، 33.

(2) البقرة: 68.

(3) البقرة: 71.

(5-4) الحديد: 22.

274

الباب الثالث عشر

هذا باب ما جاء في التنزيل دالا على جواز تقديم خبر المبتدأ و إنما ذكرنا هذا الباب لأن أبا على خيل إلى عضد الدولة أنه استنبط من الشعر ما يدل على جواز ذلك فقال:

و مما يدل على جواز تقديم خبر المبتدأ على المبتدأ قول الشماخ:

كلا يومى طوالة وصل أروى # ظنون آن مطرّح الظّنون‏ (1)

قال: فـ «وصل أروى» مبتدأ، و «ظنون» خبره. و «كلا» ظرف لظنون. و التقدير فيه: كلا يومى مشهد طوالة، كأنها رباب بها فى اليومين، كقول جرير:

كلا يومى أمامة يوم صدّ # و إن لم تأتها إلاّ لماما

المعنى: كلا يومى زيارة أمامة يوم صد. أي: إن زرناها لماما أو دراكا صدّت عنا كلا يومى زيارتها.

و لو كان أبو الحسن حاضرا لم يستدل بقول الشماخ، و إنما يتبرك بقوله عزّ من قائل: (وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (2) ألا ترى أن «هم» مبتدأ و «يوقنون» فى موضع خبره، و الجار، من صلة (يُوقِنُونَ) و قدّمه على المبتدأ.

و مثله: (وَ فِي اَلنََّارِ هُمْ خََالِدُونَ) (3) أي: هم خالدون فى النار.

____________

(1) طوالة: اسم بئر.

(2) البقرة: 4.

(3) التوبة: 17.

275

و أما قوله تعالى‏ (وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ كََافِرُونَ) (1) فليس من هذا الباب، لأن «هم» مبتدأ. و «كافرون» خبره. و الجار من صلة الخبر.

و كذلك فى هود و يوسف قوله: (وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كََافِرُونَ) * (2) «هم» مبتدأ:

و «كافرون» الخبر، و الجار من صلة الخبر، فكرر «هم» تأكيدا.

و سأعدّه فى جملة المكررات.

و مثله قوله: (وَ مِنْ قَبْلُ مََا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ) (3) .

«ما فرطتم» فى موضع ابتداء، و لا يكون مرتفعا بالظرف، لأن «قبل» لما بنى خرج من أن يكون خبرا.

ألا ترى أنه/قال: لا يبنى عليه شى‏ء و لا يبنى على شى‏ء.

فإذا لم يجز أن يكون مستقرا علمت أن قوله: «فى يوسف» و أن قوله: «من قبل» معمول هذا الظرف. الذي هو: «فى يوسف» و إن تقدم عليه، لأن الظرف يتقدم على ما يعمل فيه، و إن كان العامل معنى قوله: أ كلّ يوم لك ثوب؟و التقدير: لك ثوب كل يوم.

و التقدير: و تفريطكم فى يوسف من قبل، فوقع الفصل بين حرف العطف و المبتدأ بالظرف.

و إذا كان كذلك فالفصل فيه لا يقبح فى الرفع و النصب كما قبح فى الجر.

و يجوز ألا يكون ذلك فصلا و لكن الحرف يعطف جملة على ما قبل.

____________

(1) الأعراف: 45.

(2) هود: 19، و يوسف: 37.

(3) يوسف: 80.

276

و كما استدل أبو الحسن بجواز تقديم الخبر على المبتدأ بالبيت، استدل بجواز تقديم خبر كان على كان بقوله: (قُلْ أَ بِاللََّهِ وَ آيََاتِهِ وَ رَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ) (1) . و التقدير: أ كنتم تستهزئون باللّه.

و قد جاء تقديم خبر «كان» ، على «كان» ، فى قوله:

(وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مََا كُنْتُمْ) (2) .

و قوله: (هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مََا كََانُوا) (3) .

فـ «أينما» فى الآيتين خبر «كان» .

و كذلك فى قصة عيسى: (وَ جَعَلَنِي مُبََارَكاً أَيْنَ مََا كُنْتُ) (4) .

فأما قوله: (حَتََّى إِذََا جََاءَتْهُمْ رُسُلُنََا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قََالُوا أَيْنَ مََا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ) (5) فـ «ما» موصولة بمعنى: الذي، و الفعل بعده صلة له و العائد إليه محذوف، أي: كنتم تدعونه أو تدعونهم، لقوله «ضلّوا» . و الموصول مرفوع بالابتداء، «و أين» خبر مقدم عليه.

بخلاف ما فى الآيتين المتقدمتين، لأنها صلة زائدة؛ و التقدير: أين كنتم؟ و أين كانوا؟

____________

(1) التوبة: 65.

(2) الحديد: 4.

(3) المجادلة: 7.

(4) مريم: 31.

(5) الأعراف: 37.

277

و كما استدل بهذين فيما ذكرنا استدل بتقديم خبر «ليس» على «ليس» بقوله تعالى: (أَلاََ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ) (1) .

فقال: التقدير: ألا ليس العذاب مصروفا عنهم يوم يأتيهم.

فـ «يوم» ، منصوب بمصروف، و قدمه على «ليس» فدل على جواز: قائما ليس زيد.

فزعم عثمان أن الآية تحتمل وجهين غير ما قاله.

أحدهما: أن «يوما» ظرف، و الظرف يعمل فيه الوهم، فيجوز تقديم الظرف الذي عمل فيه خبر ليس على ليس، و لا يدل على/جواز «قائما ليس زيد» و الوجه الثاني: أن «يوما» منصوب بمعنى «ألا» لأن معنى «ألا» تنبيه.

قال سيبويه: «ألا» تنبيه، تقول: ألا إنه ذاهب. و «ألا» حرف واحد، و ليست «لا» التي للنفى دخل عليها الهمزة.

ألا ترى وقوع «إنّ» بعدها فى قوله: (أَلاََ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) (2) (أَلاََ إِنَّهُمْ هُمُ اَلسُّفَهََاءُ) (3) (أَلاََ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْمُفْسِدُونَ) (4) ، (أَلاََ إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ) (5) .

و لو كانت تلك لم تخل من أن يقع بعدها اسم أو فعل، نحو: ألا رجل، و ألا امرأة، و ألا يقوم زيد، ففى وقوع «إن» بعدها دليل على ما ذكرنا.

____________

(1) هود: 8.

(2) هود: 5.

(3) البقرة: 13.

(4) البقرة: 12.

(5) الصافات: 151.

278

فإن قلت: إذا كان حرف تنبيه فكيف جاز أن يدخل على التنبيه فى مثل قوله: ألا يا أسلمي‏ (1) ، و (أَلاََّ يَسْجُدُوا) (2) .

فإنما جاز ذلك: لأن «يا» لما استعمل استعمال الجمل سد مسدها فى النداء، جاز دخول هذا الحرف عليه كما جاز دخولها على الجمل.

و يدلك على أنها ليست للنفى قوله تعالى: (أَلاََ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ) (3) و لو كان نفيا لم يدخل على «ليس» ، إذ تقلب المعنى إلى الإيجاب، و ليس الأمر كذلك، لأن معنى النفي «بلا» قائم صحيح فى «ليس» هذا، فهذا يدلك على أنها ليست «لا» التي للنفى.

و يدلك على ذلك أيضا أن «لا» النافية لم تدخل على «ليس» فى موضع، فحملها على النافية هنا لا يصح، لأنه لم يوجد له نظير، فـ «ألا» بمعنى:

انتبه.

و قد عمل فى‏ (يَوْمَ يَأْتِيهِمْ) ، فلا يدل على جواز: قائما ليس زيد. و إنما يدل عليه: (أَيْنَ مََا كََانُوا) (4) (أَيْنَ مََا كُنْتُمْ) * (5) لأن «ليس» من أخوات «كان» .

____________

(1) البيت بتمامه:

ألا يا اسلمي يا دارمي على البلى # و لا زال منهلا بجر عائك القطر

(2) النمل: 25.

(3) هود: 8.

(4) المجادلة: 7.

(5) الحديد: 4.

279

و قد جاء «ألا» فى التنزيل يراد بـ «لا» فيه معنى النفي فى موضعين فى ابتداء الكلام:

أحدهما: قوله‏ (أَ لاََ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) (1) .

و الموضع الآخر: (أَ لاََ يَظُنُّ أُولََئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) (2) .

و ما ذكرناه من أن قوله: (مََا فَرَّطْتُمْ) (3) مبتدأ، و (فِي يُوسُفَ) (4) خبره.

لأنه لا يجوز أن يكون‏ (مِنْ قَبْلُ) (5) خبرا؛ لما نقلناه عن سيبويه، يقودك إليه فى قول الشاعر:

و ما صحب زهر فى السّنين الّتى مضت # و ما بعد لا يدعون إلاّ الأشائما

ألا ترى أن شارحكم زعم أن «ما» موصولة و «بعد» صلته، و لم يكن له حسّ و لا علم بقول صاحب الكتاب من أن «قبل» و «بعد» فى حالتى البناء لا يخبر عنهما و لا بهما، و لا توصل بهما الموصولات.

فـ «ما» فى البيت زيادة غير موصولة كقوله: (فَبِمََا نَقْضِهِمْ مِيثََاقَهُمْ) * (6)

فأمّا تقدم خبر «كان» على اسمها فقد شاع عنهم، و جاء فى التنزيل فى مواضع منها: قوله‏ (لَيْسَ اَلْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) (7) فيمن نصب «البر» و قوله: (وَ مََا كََانَ قَوْلَهُمْ إِلاََّ أَنْ قََالُوا رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنََا) (8) و هى قراءة أهل الأمصار أعنى قولهم‏ (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاََّ أَنْ قََالُوا) (9) فيمن نصب.

____________

(1) الملك: 14.

(4-2) المطففين: 4.

(3) يوسف: 80.

(5) النساء: 155.

(6) المائدة: 13.

(7) البقرة: 177.

(8) آل عمران: 147.

(9) الأنعام: 23.

280

و قوله: (إِنَّمََا كََانَ قَوْلَ اَلْمُؤْمِنِينَ إِذََا دُعُوا إِلَى اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنََا وَ أَطَعْنََا) (1) .

و قوله‏ (أَ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ) (2) . فإن «يعلمه» اسم «يكن» و «آية» خبر مقدم على الاسم، و هى قراءة الناس سوى ابن عامر، فإنه قرأ «أو لم تكن» بالتاء، «و آية» رفعا.

فحمله الفارسي على إضمار القصة، و أن «يعلمه» مبتدأ و «آية» ، خبره و الجملة خبر (تكن) ، كقوله: (أَ وَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ) (3) .

إلا أن التقدير: أو لم تكن القصة، و قوله‏ (تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ) (4) فعل و فاعل فى موضع الجر.

و مثل قوله: (وَ مََا كََانَ جَوََابَ قَوْمِهِ) (5) قوله: (مََا كََانَ حُجَّتَهُمْ إِلاََّ أَنْ قََالُوا اِئْتُوا بِآبََائِنََا) (6) .

و مثل قوله: (وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (7) قوله: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (8) .

فهو مبتدأ. و «فى شأن» خبره. أي: هو كائن فى شأن كل يوم. فـ «كل يوم» ظرف لقوله «فى شأن» فـ «فى شأن» ضمير انتقل إليه من اسم الفاعل، و ليس فى «كل يوم» ضمير لتعلقه بالظرف دون المضمر.

____________

(1) النور: 51.

(2) الشعراء: 197.

(4-3) غافر: 50.

(5) الأعراف: 82.

(6) الجاثية: 25.

(7) البقرة: 4.

(8) الرحمن: 29.

281

و هذا على قول من وقف على قوله «كلّ يوم» ، فهو منصوب بـ «يسأله» .

و قوله «هو فى شأن» مبتدأ و خبر. و مثل الأول ما حكاه سيبويه من قولهم: أ كلّ يوم لك ثوب.

و أمّا جعل «أن» بصلته اسم «كان» ، و ليس فى الآي التي تلوناها، فإنما كان لأن «أن» و صلتها أولى و أحسن لشبهها بالمضمر فى أنها لا يوصف‏[بها] (1) المضمر، و كأنه اجتمع مضمر و مظهر.

و الأولى إذا اجتمع مضمر و مظهر أن يكون المضمر الاسم من حيث كان أذهب فى/الاختصاص من المظهر، فكذلك إذا اجتمع مع مظهر غيره كان أن يكون اسم كان المضمر و المظهر الخبر أولى.

فلهذا المعنى قال قوم: إذا قلت: فى الدار إنك قائم، و نحو قوله:

(وَ مِنْ آيََاتِهِ أَنَّكَ تَرَى اَلْأَرْضَ خََاشِعَةً) (2) (وَ مِنْ آيََاتِهِ أَنْ تَقُومَ اَلسَّمََاءُ وَ اَلْأَرْضُ) (3) (وَ مِنْ آيََاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرََابٍ) (4) . إنما رفع بالظرف لأنه يشبه المضمر. و «غدا الرحيل» ، هو «أن» مع الفعل، فيشبه المضمر.

و يلزم على تشبيه «أن» بالمضمر أن تكون «أن» الناصبة للفعل مرتفعة فى قوله بالظرف لاجتماعها مع «أن» فيما ذكرنا.

____________

(1) تكملة يقتضيها السياق.

(2) فصلت: 39.

(3) الروم: 25.

(4) الروم: 20.

282

و ليس الأمر فى «أن» كذلك لارتفاعها بالابتداء، و إن لم يجز تقديمه فى قوله: (وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) (1) و (وَ أَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) (2) .

و لا يستقيم أن يفصل بينهما بـ «أن» يقال: إنّ «أن» الخفيفة قد ابتدئت و الثقيلة لم تبتدأ.

لأنه يقال له: ارفعه بالابتداء، و إن لم يجز تقديمه، كما رفعت «زيدا» و نحوه بالابتداء، و إن لم يجز أن يبتدأ بها فى أول الكلام.

و أما قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ مََا كََادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) (3) ، فمذهب سيبويه أن فى «كاد» ضمير القصة و الحديث، و فسر بالجملة من الفعل و الفاعل.

و جاز ذلك فيها و إن لم تكن مثل «كان» و بابها من الأفعال المجردة من الدلالة على الحدث، لمشابهتها لها فى لزوم الخبر إياها.

ألا ترى أنها لا تخلو من الخبر، كما أن تلك الأفعال كذلك.

و قد أجاز أبو الحسن فى قوله: (مِنْ بَعْدِ مََا كََادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) (4) أن يكون فى «كاد» ضمير ممن تقدم، و يرفع‏ (قُلُوبُ فَرِيقٍ) (5)

«تزيغ» .

قال: و إن شئت رفعتها، يعنى «القلوب» بـ «كاد» و جعلت «تزيغ» حالا.

____________

(1) البقرة: 184.

(2) النور: 60.

(5-4-3) التوبة: 117.

283

فأما احتماله الضمير مما جرى، فوجهه: أنه لما تقدم قوله:

(لَقَدْ تََابَ اَللََّهُ عَلَى اَلنَّبِيِّ وَ اَلْمُهََاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصََارِ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي سََاعَةِ اَلْعُسْرَةِ) (1) . و كانوا قبيلا، و من عاندهم من الكفار و المنافقين قبيلا، أضمر فى كاد، قبيلا.

فأما كون «يزيغ» حالا فيدل على صحته قول العجّاج:

إذا سمعت صوتها الخرّارا # أصمّ يهوى وقعها الصّوارا

ألا ترى أنه قد تقدم «يهوى» على «وقعها» فى موضع هاويا، و هذا يدل على جواز تقديم الحال من المضمر.

و من تقديم خبر «كان» قوله: (وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) (2) فالظرف حشو و «أحد» اسم «كان» ، و «كفوا» خبره، و أجاز أن يكون «له» وصفا للنكرة، فلما تقدم انتصب على الحال.

و حمله الكوفي على إضمار المجهول فى «يكن» ، و فى «يكن» ضمير القصة، و «كفوا» حال.

و هذا إنما جاز عندهم للحاق النفي الكلام، و إلا كان كفرا، لأنك إذا قلت: لم يكن الأمر له كفوا أحد، كان إيجابا، تعالى اللّه عن ذلك و تقدّس.

____________

(1) التوبة: 117.

(2) الإخلاص: 4.

284

فهو كقولهم: ليس الطيب إلا المسك، على إضمار فى «ليس» و إدخال «إلا» بين المبتدأ و الخبر، لأنه يؤول إلى النفي.

و العامل فى الظرف إذا كان حالا هو «يكن» . و على قول البغداديين فى «كفوا» المنتصب على الحال «له» ، و «له» متعلق بمحذوف فى الأصل، و «أحد» مرتفع به على قولهم.

و كانّ «له» إنما قدمت و إن لم يكن مستقرا، لأن فيه تبيينا و تخصيصا لـ «كفو» . فلهذا قدّم، و حسن التقديم و إن لم يكن مستقرا.

فهذا كله فى تقديم ما فى حيزّ المبتدأ.

فأما الظرف إذا كان خبرا لـ «كان» فتقديمه على اسم «كان» كثير، كقوله:

(وَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عََاقِبَةُ اَلدََّارِ) (1) و قوله: (وَ تَكُونَ لَكُمَا اَلْكِبْرِيََاءُ) (2) .

و قوله: (قَدْ كََانَ لَكُمْ آيَةٌ) (3) و كقوله: (وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ) (4) .

فأما قوله: (وَ كََانَ حَقًّا عَلَيْنََا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ) (5) فقيل: «نصر» يرتفع بـ «كان» ، و «حقا» خبر مقدم. و قيل: بل اسم «كان» مضمر، و التقدير: كان الانتقام حقّا، فتقف على هذا، و تبتدئ‏ (عَلَيْنََا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ) (6) .

____________

(1) القصص: 37.

(2) يونس: 78.

(3) آل عمران: 13.

(4) الكهف: 43.

(6-5) الروم: 47.

285

و من هذا الباب قوله تعالى: (كََانُوا قَلِيلاً مِنَ اَللَّيْلِ مََا يَهْجَعُونَ (17) `وَ بِالْأَسْحََارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (1) فـ «هم» مبتدأ، و «يستغفرون» الخبر، و الجار فى صلة «يستغفرون» ، و قدمه على المبتدأ كما قدم‏ (وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (2) .

و مثله: (أَ فَبِهََذَا اَلْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ) (3) . فـ «أنتم» مبتدأ، و «مدهنون» خبره، و الجار من صلة «مدهنون» .

و أما قوله‏ (قَلِيلاً) (4) فستراه فى باب آخر إن شاء اللّه.

____________

(4-1) الذاريات: 17، 18.

(2) البقرة: 4.

(3) الواقعة: 81.

286

الباب الرابع عشر

هذا باب ما جاء في التنزيل و قد حذف الموصوف و أقيمت صفته مقامه /و هو جائز حسن فى العربية يعد من جملة الفصاحة و البلاغة. و قد ذكره سيبويه فى غير موضع من كتابه.

فمن ذلك قوله: (وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (1) و التقدير: و بالدار الآخرة هم يوقنون.

و من ذلك قوله: (وَ إِنَّهُ فِي اَلْآخِرَةِ لَمِنَ اَلصََّالِحِينَ) * (2) أي: فى الدار الآخرة.

كما أن قوله: (وَ لَقَدِ اِصْطَفَيْنََاهُ فِي اَلدُّنْيََا) (3) أي: فى الدار الدنيا.

دليله قوله: (وَ مَا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا إِلاََّ لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ لَلدََّارُ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ) (4) .

و ما جاء فى التنزيل من قوله: (وَ لَدََارُ اَلْآخِرَةِ خَيْرٌ) * (5) فهو على تقدير:

و لدار السّاعة الآخرة، فتكون «الآخرة» صفة للساعة المضمرة.

و عليه قراءة ابن عامر فى قوله: (لَلدََّارُ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) فى الأنعام‏ (6) .

____________

(1) البقرة: 4.

(2) البقرة: 130.

(3) البقرة: 130.

(4) الأنعام: 32.

(5) النحل: 30.

(6) الأنعام: 32.

287

و ليست «الدار» مضافة إلى الآخرة؛ لأن الشي‏ء لا يضاف إلى صفته كما لا يضاف إلى نفسه.

و على هذا: مسجد الجامع، أي الوقت الجامع؛ و صلاة الأولى، أي:

صلاة الساعة الأولى؛ و (دِينُ اَلْقَيِّمَةِ) (1) ، أي: دين الملة القيمة؛ و كذلك (وَ حَبَّ اَلْحَصِيدِ) (2) أي: حب الزرع الحصيد؛ و (حَقُّ اَلْيَقِينِ) * (3) أي: حق العلم اليقين. فمن قال بخلاف ذا فقد أخطأ.

و من ذلك قوله تعالى: (آمِنُوا كَمََا آمَنَ اَلنََّاسُ) (4) أي: آمنوا إيمانا مثل إيمان الناس، (قََالُوا أَ نُؤْمِنُ كَمََا آمَنَ اَلسُّفَهََاءُ) (5) أي أ نؤمن إيمانا كإيمان السفهاء. فحذف الموصوف و أقيمت الكاف التي هى صفته بمقامه.

و على هذا جميع ما جاء فى التنزيل من قوله: «كما» .

و مثله: «كذلك» فى نحو قوله: (كَذََلِكَ قََالَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) (6) أي قولا مثل ذلك قال الذين لا يعلمون. و يكون‏ (مِثْلَ قَوْلِهِمْ) بدلا من الأول و تفسيرا.

و مثله: (كَذََلِكَ اَللََّهُ يَفْعَلُ مََا يَشََاءُ) (7) ، و: (كَذََلِكِ اَللََّهُ يَخْلُقُ مََا يَشََاءُ) (8) .

و مثله: (كَذََلِكَ قََالَ رَبُّكَ) * (9) أي: فعلا مثل ذلك، و قولا مثل ذلك.

____________

(1) البينة: 5.

(2) ق: 9.

(3) الواقعة: 95.

(4) البقرة: 13.

(6-5) البقرة: 113.

(7) آل عمران: 40.

(8) آل عمران: 47.

(9) مريم: 9.

288

و أما قوله: (كَمََا أَرْسَلْنََا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ) (1) إن‏ (2) شئت كان وصفا لمصدر قوله: (وَ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) (3) على تقدير: إتماما مثل إرسالنا الرسول. و إن شئت كان من صلة قوله: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) (4) أي:

ذكرا مثل إرسالنا الرسول.

و أما قوله: (كَمََا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ) (5) فإن شئت كان صفة لمصدر خبر مبتدأ تقدم/ذكره، على تقدير: (قُلِ اَلْأَنْفََالُ لِلََّهِ وَ اَلرَّسُولِ) (6)

أي: الأنفال ثابتة للّه ثبوتا كثبوت إخراج ربك إياك من بيتك.

و إن شئت: فاتقوا اللّه و أصلحوا ذات بينكم إصلاحا مثل إخراجك من بيتك.

و أما قوله تعالى: (كَمََا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) (7) أي: تعودون عودا مثل بدئنا إياكم، كقوله: (بَدَأْنََا أَوَّلَ خَلْقٍ) (8) .

و على هذا قياس كاف التشبيه فى التنزيل، و هذا نوع آخر من حذف الموصوف.

و من ذلك‏ (وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ اَلنََّاسِ عَلى‏ََ حَيََاةٍ وَ مِنَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا) (9)

فريق- (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ) (10) فحذف الموصوف و جعل‏ (يَوَدُّ) وصفا له.

____________

(1) البقرة: 151.

(2) الأصل: «و إن» .

(3) البقرة: 150.

(4) البقرة: 152.

(5) الأنفال: 5.

(6) الأنفال: 1.

(7) الأعراف: 29.

(8) الأنبياء: 104.

(10-9) البقرة: 96.

289

و قدّره آخرون: و لتجدنهم و من الذين أشركوا، أي: و لتجدنهم و طائفة من الذين أشركوا أحرص الناس؛ فهو وصف لموصوف منصوب معطوف على مفعول‏ (لَتَجِدَنَّهُمْ) .

و قدره الفرّاء: من يود. و «من» إن كان موصولا فلا يجوز إضماره، و إن كان موصوفا جاز إضماره، كقول حسّان:

فمن يهجو رسول اللّه منكم # و يمدحه و ينصره سواء

أي: من يمدحه و من ينصره. و يكون «من» موصوفا. و من لم يقف على «حياة» ، فإنما أدخل «من» على قوله: (وَ مِنَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا) (1) حملا على المعنى.

إذ المعنى: و لتجدنهم أحرص من الناس و من الذين أشركوا.

و من ذلك قوله تعالى: (مِنَ اَلَّذِينَ هََادُوا يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ) (2) قال أبو على:

و من الذين هادوا فريق يحرف الكلم، فحذف الموصوف، كما قال:

(وَ مِنْ آيََاتِهِ يُرِيكُمُ اَلْبَرْقَ) (3) أي: و من آياته آية يريكم البرق دليله قوله:

(وَ مِنَ اَلَّذِينَ هََادُوا سَمََّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمََّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوََاضِعِهِ) (4) أي: سماعون من أجل الكذب.

أي: يسمعون ليكذبوا عليك و يحرفوا ما سمعوا. فقوله «يحرفون» صفة لقوله «سماعون» و ليس بحال من الضمير الذي فى «يأتوك» .

ألا ترى أنهم إذا لم يأتوا لم يسمعوا فيحرفوا، و إنما التحريف ممن يشهد و يسمع ثم يحرف.

____________

(1) البقرة: 96.

(2) النساء: 46.

(3) الروم: 24.

(4) المائدة: 41.

290

و إذا كان كذلك فالمحرفون من اليهود بعضهم، و إذا كانوا بعضهم لا جميعهم كان حمل قوله: (مِنَ اَلَّذِينَ هََادُوا) فريق‏ (يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ) أشبه من حمله على ما أجبنا نحن به أحد شيوخنا، لأنه لهذه الآية أوفق.

*يعنى بذلك حين سأله أحد شيوخه عن تعلق‏ (مِنَ) فى قوله: (مِنَ اَلَّذِينَ هََادُوا) (1) فأجابه بأنه يتعلق بـ «نصير» من قوله‏ (وَ كَفى‏ََ بِاللََّهِ نَصِيراً) (2) .

كقوله‏ (فَمَنْ يَنْصُرُنََا مِنْ بَأْسِ اَللََّهِ إِنْ جََاءَنََا) (3) فإن قلت: فلم لا نجعل قوله‏ (يُحَرِّفُونَ) (4) حالا منها فى‏ (لَمْ يَأْتُوكَ) (5) على حد (هَدْياً بََالِغَ اَلْكَعْبَةِ) (6)

أي مقدرا البلوغ فيه، فإن الذي قدمناه أظهر إن شاء اللّه‏ (7) .

و من حذف الموصوف، قوله: (أَوْ جََاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) (8) أي: قوما حصرت صدورهم، فحذف الموصوف و قدر «قوم» فيه. أي: قد حصرت صدورهم، ليكون نصبا على الحال. و قال قوم: هو على الدعاء.

و من حذف الموصوف قوله: (مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثََالِهََا) (9)

أي: عشر حسنات أمثالها. فحذف الموصوف. و فيه وجهان آخران نخبرك عنهما فى بابيهما إن شاء اللّه.

و من حذف الموصوف قوله تعالى: (وَ لَقَدْ جََاءَكَ مِنْ نَبَإِ اَلْمُرْسَلِينَ) (10)

أي: شى‏ء من نبأ المرسلين. لا بد من هذا التقدير، لأنك لو لم تقدر هذا

____________

(1) النساء: 46.

(2) النساء: 45.

(3) المؤمن: 29.

(4-5) المائدة: 41.

(6) المائدة: 95.

(7) يبدو أن هذه العبارة التي بين النجمتين من تعليق قارئ.

(8) النساء: 90.

(9) الأنعام: 160.

(10) الأنعام: 34.

291

لوجب عليك تقدير زيادة «من» فى الواجب، و ليس‏ (1) مذهب صاحب الكتاب.

و مثله قراءة من قرأ: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمََا شُوََاظٌ مِنْ نََارٍ وَ نُحََاسٌ) (2) بالجر.

تقديره: و شى‏ء من نحاس. فحذف الموصوف، إذ لا يجوز جر «نحاس» على النار، لأن النحاس لا يكون منه شواظ.

و من حذف الموصوف قوله: (وَ مََا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي اَلسَّمََاءِ) (3) أي: ما أنتم بمعجزين من فى الأرض. «فمن» موصوف، و قد حذفه.

و من حذف الموصوف: (وَ دََانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاََلُهََا) (4) أي‏ (وَ جَزََاهُمْ بِمََا صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً (5) ... وَ دََانِيَةً) أي: و جنة دانية، فحذف الموصوف.

و مثله‏ (وَ مََا مِنََّا إِلاََّ لَهُ مَقََامٌ مَعْلُومٌ) (6) أي ما منّا أحد إلا ثابت له مقام، فالظرف صفة لـ «أحد» المضمر. و لا بد من تقديره ليعود الهاء إليه، و هذا يدل على قول الفقهاء حيث قالوا فيمن قال لعبده: إن كان فى هذا[البيت‏] إلا رجل فأنت حر. فإذا كان فيه رجل و الصبى فإنه يحنث؛ لأن التقدير:

إن كان فى/هذا البيت أحد إلا رجل و الصبى من جملة الأحد، إلا أن يعنى أحدا من الرجال، فيدّين إذ ذلك.

و الذي يقوله النحويون فى قولهم «ما جاءنى إلا زيد» : «زيد» فاعل لـ «جاء» و «أحد» غير مقدر، و إن كان المعنى عليه؛ لأن تقدير «أحد» يجوّز نصب زيد، و لم يرد عن العرب نصبه فى شى‏ء من كلامهم بتة.

____________

(1) في الأصل: «فليس» .

(2) الرحمن: 35.

(3) العنكبوت: 22.

(4) الإنسان: 14.

(5) الإنسان: 12.

(6) الصافات: 164.

292

و حذف «أحد» جاء فى التنزيل، و إن لم يكن موصوفا، كقوله‏ (وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ إِلاََّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) (1) و التقدير: و إن من أهل الكتاب أحد.

كذا: (وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاََّ وََارِدُهََا) (2) أي: إن منكم أحد.

و إن جعلت الظرفين فى الآيتين وصفا لـ «أحد» على تقدير: و إن أحد ثابت من أهل الكتاب، و إن أحد منكم إلا واردها، كان وجها.

و إن طلبت شاهدا على حذف «أحد» من أشعارهم، فقد أنشد سيبويه:

لو قلت ما فى قومها لم تيثم # يفضلها فى حسب و ميسم‏ (3)

أي: ما فى قومها أحد يفضلها.

و لفظ سيبويه فى ذلك: و سمعنا بعض العرب الموثوق به يقول:

ما منهم مات حتى رأيته فى حال كذا و كذا. و إنما أراد: ما منهم أحد مات، و مثل ذلك‏ (وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ إِلاََّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) (4)

و مثل ذلك فى الشعر للنابغة (5) :

كأنّك من جمال بنى أقيش # يقعقع خلف رجليه بشنّ‏ (6)

أي: كأنك جمل من جمال بنى أقيش.

____________

(1) النساء: 159.

(2) مريم: 71.

(3) البيت للنابغة، و الشاهد فيه: حذف الاسم و التقدير: أو قلت ما في قومها أحد يفضلها لم تكذب فنأثم. و الميسم: الجمال. و كسر تاء تأثم على لغة من يكسر تاء تفعل فانقلبت التاء ياء (الكتاب 1:

375) .

(4) النساء: 159.

(6-5) الشاهد فيه: حذف الاسم لدلالة حذف التبعيض عليه، و التقدير كأنك جميل من هذا الجمال. و بنو أقيش حي من اليمن في إبلهم نفار، و يقعقع يصوت و القعقعة صوت الجلد البالي، و هو الفتن.

293

و من ذلك قوله تعالى: (وَ مِنَ اَلَّذِينَ قََالُوا إِنََّا نَصََارى‏ََ أَخَذْنََا مِيثََاقَهُمْ) (1)

و التقدير: و قوم أخذنا ميثاقهم، فحذف الموصوف و أقام الصفة مقامه.

و قيل: إن التقدير: و أخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم، ففصل بين الواو و الفعل. و قيل: هو محمول على قوله: (وَ لَقَدْ أَخَذَ اَللََّهُ مِيثََاقَ بَنِي إِسْرََائِيلَ) (2) (وَ مِنَ اَلَّذِينَ قََالُوا) (3) ، فحمل على المعنى.

و من ذلك قوله: (وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ اَلْأَعْرََابِ مُنََافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ اَلْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى اَلنِّفََاقِ) (4) أي: قوم مردوا (وَ آخَرُونَ) (5) (وَ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا) (6) .

و المعنى: و منهم آخرون، و منهم الذين اتخذوا.

و من ذلك قوله: (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوََاهِهِمْ) (7) أي: كبرت كلمة تخرج، فحذف و أقام الجملة مقامه.

قال أبو علىّ/: يحتمل ضربين:

أحدهما: أن يكون فى «كبرت» ضمير مما جرى من اتخاذ الولد، و أنث على المعنى، لأن ذلك «كلمة» فعلى هذا لا يكون بمنزلة «نعم» ، لأن فاعل «نعم» لا يكون معهودا. و تكون «كلمة» على هذا منتصبة على الحال. كما أن «مقتا» فى قوله‏ (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللََّهِ أَنْ تَقُولُوا) (8) حال.

____________

(1) المائدة: 14.

(2) المائدة: 12.

(3) المائدة: 14.

(4) التوبة: 101.

(5) التوبة: 102، 106.

(6) التوبة: 107.

(7) الكهف: 5.

(8) الصف: 3.

294

و يجوز أن تجعله بمنزلة «نعم» و تضمر فيها شائعا كما تضمر فى: نعم رجلا. فإذا جعلته كذلك احتمل قوله: (تَخْرُجُ مِنْ أَفْوََاهِهِمْ) (1) أمرين، و لكن لا بد منها لتبيين الضمير.

و الآخر: أن يكون صفة للمخصوص بالذم و قد حذف، و التقدير:

كبرت الكلمة كلمة تخرج من أفواههم، فحذف المخصوص بالذم، لأنه إذا جاز أن يحذف بأسره فى نحو: نعم العبد، كان أن يحذف و تبقى صفتها أجود. و إن جعلت قوله‏ (تَخْرُجُ مِنْ أَفْوََاهِهِمْ) (2) صلة لـ «كلمة» المذكورة، كان المخصوص بالذم مرادا، و يكون ذلك قولهم‏ (اِتَّخَذَ اَللََّهُ وَلَداً) * (3) فحذف و لم يذكر لجرى ذكرها، كما لم يذكر «أيّوب» فى قوله‏ (نِعْمَ اَلْعَبْدُ) (4)

لجرى ذكره.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ قُولُوا لِلنََّاسِ حُسْناً) (5) أي: قولا ذا حسن، فحذف الموصوف و أقام الصفة مقامه بعد حذف المضاف. و من قرأ (حسنا) فالتقدير: قولا حسنا.

قال أبو على: و حسن ذلك فى حسن، لأنه ضارع الصفة التي تقوم مقام الأسماء، نحو: الأبرق، و الأبطح، و الأبتر (6) . ثم يقولون: هذا حسن، و مررت بحسن، و لا يكادون يذكرون معه الموصوف.

____________

(2-1) الكهف: 5.

(3) الكهف: 4.

(4) ص: 44.

(5) البقرة: 83.

(6) في الأصل: «عبد الأبتر» .

295

و مثل ذلك فى حذف الموصوف قوله: (قََالَ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً) (1)

أي متاعا قليلا، يدلّك على ذلك قوله: (قُلْ مَتََاعُ اَلدُّنْيََا قَلِيلٌ) (2) .

و قوله: (لاََ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي اَلْبِلاََدِ*`مَتََاعٌ قَلِيلٌ) (3) يحسّن هذا، و إن كان قد جرى على الموصوف فى قوله: (إِنَّ هََؤُلاََءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) (4) .

و كذلك يحسن فى قوله: (وَ قُولُوا لِلنََّاسِ حُسْناً) (5) .

أما قوله: (ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ) (6) فينبغى أن يكون اسما، لأنه قد عودل به ما لا يكون إلا اسما، و هو السوء.

و أما قوله: (وَ إِمََّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً) (7) فيمكن أن يكون: /أمرا ذا حسن، و يمكن أن يكون: الحسن، مثل الحلو.

و من ذلك قوله: (فَقَلِيلاً مََا يُؤْمِنُونَ) (8) أي: إيمانا قليلا يؤمنون. فـ «قليلا» صفة إيمان، و قد انتصب بـ «يؤمنون» أعنى: إيمانا.

و كذلك قوله: (قَلِيلاً مََا تَذَكَّرُونَ) * (9) أي: تذكرا قليلا تذكرون. و (قَلِيلاً مََا تَشْكُرُونَ) * (10) أي: شكرا قليلا تشكرون.

____________

(1) البقرة: 126.

(2) النساء: 77.

(3) آل عمران: 196، 197.

(4) الشعراء: 54.

(5) البقرة: 83.

(6) النمل: 11.

(7) الكهف: 86.

(8) البقرة: 88.

(9) الأعراف: 3.

(10) الأعراف: 10.

296

و معنى‏ (فَقَلِيلاً مََا يُؤْمِنُونَ) (1) أي: الإيمان لهم، لأن القلة يراد به النفي.

قال سيبويه: قلّ رجل يقول ذاك إلا زيد. و المعنى: ما رجل يقول ذاك إلا زيد. فزيد لا يجوز فيه إلا الرفع لأنه منفى؛ و كذلك: قلّما سرت حتى أدخلها، بالنصب. كما تقول: ما سرت حتى أدخلها.

و أما قوله: (فَلاََ يُؤْمِنُونَ إِلاََّ قَلِيلاً) * (2) . فقد قال أبو على: قلة إيمانهم قولهم: اللّه ربّنا، و الجنّة و النّار حقّ. و ليس هذا بمدح إيمانهم، إذ ليس القدر مما يستحق به الجنة، و لا يكون التقدير إلا جماعة قليلا لقوله:

(لَعَنَهُمُ اَللََّهُ) (3) . فعمّهم باللعن. و إنما التقدير: إيمانا قليلا.

و أما قوله: (كََانُوا قَلِيلاً مِنَ اَللَّيْلِ مََا يَهْجَعُونَ) (4) أي: قليلا فى العدد من الليل لم يهجعوا، عن الضحّاك، و هو ضعيف. لأنه قدّم الجار على المنفي.

و قيل: كانوا قليلا هجوعهم، و «ما» مصدرية، فتكون بدلا من الضمير فى «كانوا» ، أي: يرتفع بالظرف. و (قَلِيلاً مِنَ اَللَّيْلِ) (5) خبره، لأنه حدث و الجملة فى موضع خبر «كان» .

قال الشيخ: هذا سهو منه، لأنه إذا ارتفع بالظرف لم يرتفع بالابتداء، و إذا لم يرتفع بالابتداء لم يكن «قليلا» خبرا، لا سيما و «قليلا» منصوب، فكيف يكون خبر «ما» ، إنما نصبه لأنه خبر «كان» .

____________

(1) البقرة: 88.

(2) النساء: 155.

(3) النساء: 52.

(5-4) الذاريات: 17.

297

و لا يمتنع أن يكون «قليلا» خبرا عن «ما» وصلته، و إن لم يجز أن يكون خبرا عن المبدل منه؛ لأن المقصود الآن هو البدل.

و لا يجوز أن يرتفع «ما» بـ «قليل» ، و هو موصول بالظرف؛ لأن «القليل» لما وصلت به من قوله‏ (مِنَ اَللَّيْلِ مََا يَهْجَعُونَ) (1) قد دل على أنه ليس بصفة الهجوع، إنما القلّة لّليل.

و إن علقت «من الليل» «بكانوا» أو بـ «قليل» «ما» نفى لم يجز، ألا ترى أن «قليلا» على هذا الخبر للضمير الذي فى «كانوا» /و لا يكون من «الليل» فلا يتعلق أيضا بـ «كانوا» على حد قولك: «كانوا من اللّيل» .

و لم يرض أبو على أن يكون‏ (مِنَ اَللَّيْلِ) مثل قوله: (مِنَ اَلزََّاهِدِينَ) (2)

(وَ أَنَا عَلى‏ََ ذََلِكُمْ مِنَ اَلشََّاهِدِينَ) (3) .

قال أبو على: فى الآي التي تقدم ذكرها فصل‏ (4) نقلته لك، و هو أنه قال فى قوله‏ (فَقَلِيلاً مََا يُؤْمِنُونَ) (5) ، أي: فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، كما تقول:

ضربته يسيرا و هينا.

و قال: (وَ اَلَّذِينَ يَمْكُرُونَ اَلسَّيِّئََاتِ) (6) أي: المكرات السيئات.

و يجوز أن يكون‏ (فَلاََ يُؤْمِنُونَ إِلاََّ قَلِيلاً) * أي: لا يؤمنون إلا نفرا قليلا، كقوله: (وَ مََا آمَنَ مَعَهُ إِلاََّ قَلِيلٌ) (7) . فهذا قلة فى العدد، و يكون حالا.

و لا يراد به القلة التي هى الوضع، و التي هى خلاف الكثرة فى قوله:

و أنت كثير يا ابن مروان طيّب‏

____________

(1) الذاريات: 17.

(2) يوسف: 20.

(3) الأنبياء: 56.

(4) في الأصل: «فصلا» .

(5) البقرة: 88.

(6) فاطر: 10.

(7) هود: 40.

298

و ما روى من قوله: المرء كثير بأخيه، لأن ذلك لا يوصف به المؤمنون.

و عكسه: (فَأَبى‏ََ أَكْثَرُ اَلنََّاسِ إِلاََّ كُفُوراً) * (1) .

فأما قوله: (وَ لاََ يَأْتُونَ اَلْبَأْسَ إِلاََّ قَلِيلاً) (2) فيكون العدد من الذل؛ لأنهم لكفرهم لا يكثرون عند البأس، فهم خلاف الأنصار الذين قال فيهم:

إنكم لتكثرون عند الفزع، و تقلّون عند الطّمع.

و قوله تعالى: (عَمََّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نََادِمِينَ) (3) ليس هو من قلة العدد، كأنه:

عن زمان قليل يندمون. و «عمّا» متعلق بمحذوف يدل عليه‏ (لَيُصْبِحُنَّ نََادِمِينَ) (4) .

و من حذف الموصوف قوله: (نِعِمََّا يَعِظُكُمْ بِهِ) (5) أي: نعم شيئا يعظكم به موعظته، فحذف المخصوص بالمدح، و كلاهما حسن.

و منه قوله: (وَ لاََ تَزََالُ تَطَّلِعُ عَلى‏ََ خََائِنَةٍ) (6) ، أي: فرقة خائنة. و قيل:

على خيانة. و قيل: الهاء للمبالغة.

فأما قوله: (فَأَمََّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطََّاغِيَةِ) (7) أي: بالصيحة الطاغية.

فحذف الموصوف.

____________

(1) الإسراء: 89.

(2) الأحزاب: 18.

(4-3) المؤمنون: 40.

(5) النساء: 58.

(6) المائدة: 13.

(7) الحاقة: 5.

299

و قيل: بفعل النفس الطاغية. فحذف المضاف و الموصوف، و هو عاقر الناقة.

و قيل: بل الطاغية للطغيان؛ أي: أهلكوا بطغيانهم كالكاذبة.

و قال: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوََاهََا) (1) . و قيل: بالذنوب الطاغية، أي: المطغية.

و لما قال: (وَ أَمََّا عََادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ) (2) فذكر العذاب، اقتضى ذلك الوجه الأول، كى يكون المعطوف كالمعطوف عليه.

/و اعلم أن فاعلة التي بمنزلة «العافية» و «العاقبة» أريتك فى هذه الآي الثلاث «الخائنة» و «الكاذبة» و «الطاغية» . و فى آيتين «الخالصة» فى قوله:

(مََا فِي بُطُونِ هََذِهِ اَلْأَنْعََامِ خََالِصَةٌ) (3) أي: ذات خلوص.

و قال: (إِنََّا أَخْلَصْنََاهُمْ بِخََالِصَةٍ) (4) ، أي: بإخلاصهم أو بالخلوص لهم، (ذِكْرَى اَلدََّارِ) . فهذه خمسة مواضع حضرتنا الآن.

و مثله «الكافة» فهو كالعافية و العاقبة، و نحوه. و يدل عليه قوله:

(اُدْخُلُوا فِي اَلسِّلْمِ كَافَّةً) (5) فأوقع على الجماعة. و قال: (وَ مََا أَرْسَلْنََاكَ إِلاََّ كَافَّةً) (6) .

____________

(1) الشمس: 11.

(2) الحاقة: 6.

(3) الأنعام: 139.

(4) ص: 46.

(5) البقرة: 208.

(6) سبأ: 28.

300

و مثله «الفاحشة» فى قوله: (وَ اَلَّذِينَ إِذََا فَعَلُوا فََاحِشَةً) (1) و قوله:

(إِلاََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفََاحِشَةٍ) * (2) . هى فاعلة بمعنى المصدر، عن أبى على و عن غيره، بل هى صفة موصوف محذوف، أي: فعلوا خصلة فاحشة، و أن يأتين بخصلة فاحشة.

و مثله‏ (لاََ تَسْمَعُ فِيهََا لاََغِيَةً) (3) قيل: «لغوا» مثل العافية. و قيل:

كلمة لاغية. و قيل: قائل لغو.

و مثله قوله تعالى: (أَ إِنََّا لَمَرْدُودُونَ فِي اَلْحََافِرَةِ) (4) (أَ إِذََا كُنََّا عِظََاماً نَخِرَةً) (5)

أو ناخره، نردّ فى الحافرة. فـ «إذا» فى موضع نصب بهذا الفعل. و «الحافرة» مصدر كالعاقبة، و العافية، و (لَيْسَ لِوَقْعَتِهََا كََاذِبَةٌ) (6) كأنه أراد نردّ إلى الطريق الذي حفرناه بسلوكنا.

و من حذف الموصوف جميع ما جاء فى التنزيل من قوله: (وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ) * (7) و التقدير: و عملوا الخصال الصالحات.

كما أن السيئات فى قوله: (وَ كَفِّرْ عَنََّا سَيِّئََاتِنََا) (8) و (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئََاتِكُمْ) (9) أي: الخصال السيئات.

____________

(1) آل عمران: 135.

(2) النساء: 19.

(3) الغاشية: 11.

(4) النازعات: 10 و 11.

(6-5) الواقعة: 2.

(7) البينة: 7.

(8) آل عمران: 193.

(9) النساء: 31.

301

و من ذلك قوله: (وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً وَ دُونَ اَلْجَهْرِ) (1)

فحذف للدلالة عليه نحو قوله‏ (وَ مِنْ آيََاتِهِ يُرِيكُمُ اَلْبَرْقَ) (2) . و قال: (مِنْهُمُ اَلصََّالِحُونَ وَ مِنْهُمْ دُونَ ذََلِكَ) (3) فحذف الموصوف. و قال: (وَ أَنََّا مِنَّا اَلصََّالِحُونَ وَ مِنََّا دُونَ ذََلِكَ) (4) . أي: فريق دون ذلك.

و على قياس قول أبى الحسن يكون «دون» فى موضع الرفع، و لكنه جرى منصوبا فى كلامهم. و على محمل قراءة من قرأ (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) (5)

على أنه ظرف و وقع موقع الفاعل.

و كذا قوله: (يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) (6) فيمن قرأه مرتبا للمفعول/بجعله قائما مقام الفاعل، لأنه جرى منصوبا.

و يجوز (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) على: ما بينكم، فحذف الموصوف دون الموصول.

و منه قوله: (وَ مَنْ تََابَ وَ عَمِلَ صََالِحاً) (7) أي: عملا صالحا، لقوله قبله:

(وَ عَمِلَ عَمَلاً صََالِحاً) (8) و قال: (يُبَدِّلُ اَللََّهُ سَيِّئََاتِهِمْ حَسَنََاتٍ) (9) أي:

الأعمال السيئات الأعمال الحسنات، فلم أعده لك.

____________

(1) الأعراف: 205.

(2) الروم: 24.

(3) الأعراف: 168.

(4) الجن: 11.

(5) الأنعام: 94.

(6) الممتحنة: 3.

(7) الفرقان: 71.

(9-8) الفرقان: 70.

302

و صاحب الكتاب يقول: «لو» بمنزلة «إن» فى هذا الموضع تبنى عليها الأفعال، فلو قلت: ألا ماء و لو باردا، لم يحسن إلا النصب؛ لأن «باردا» صفة. و لو قلت: ائتنى ببارد، كان قبيحا. و لو قلت: ائتنى بتمر، كان حسنا. ألا ترى كيف قبح أن تضع الصفة موضع الاسم.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ لاََ تَكُونُوا أَوَّلَ كََافِرٍ بِهِ) (1) أي: فريق كافر به، فحذف «الفريق» .

و من ذلك قوله تعالى: (اَلْخَبِيثََاتُ لِلْخَبِيثِينَ) (2) أي: النساء الخبيثات للرجال الخبيثين. و قيل: الكلمات الخبيثات للرجال الخبيثين، و كذا التقدير فيما بعدها.

و من ذلك قوله: (عَنْ قَوْلِهِمُ اَلْإِثْمَ) (3) أي: عن قولهم كلاما ذا الإثم.

قال أبو على: و يكون من باب: ضرب الأمير، و نسج اليمن، و تقديره:

عن قولهم كلاما مأثوما فيه.

و من ذلك قوله تعالى: (لاََ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ اَلْحَقِّ) (4) . فقد قيل:

هو صفة مصدر محذوف، و قيل: منتصب بفعل مضمر.

____________

(1) البقرة: 41.

(2) النور: 26.

(3) المائدة: 63.

(4) المائدة: 77.