إعراب القرآن - ج1

- الزجاج المزيد...
397 /
303

و عندى أنه على الاستثناء المنقطع، و ليس على: تغلو غلوّا غير الحق؛ لأن «غلوا» نكرة، و إن كان لا يتعرف فى غير هذا الموضع بالإضافة، فقد تعرف هنا، إذ ليس إلا الحق أو الباطل.

و من ذلك قوله تعالى: (لِيَحْمِلُوا أَوْزََارَهُمْ كََامِلَةً يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَ مِنْ أَوْزََارِ) (1)

يجوز أن يكون «من» زيادة على قياس قول أبى الحسن. و يجوز أن يكون على حذف الموصوف، أي: و أوزارا من أوزار الذين يضلونهم. و يؤكد هذا قوله: (وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقََالَهُمْ وَ أَثْقََالاً مَعَ أَثْقََالِهِمْ) (2) ، فكما أن «مع» صفة فكذلك الجار هاهنا.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ مِنْ ثَمَرََاتِ اَلنَّخِيلِ وَ اَلْأَعْنََابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً) (3) أي: ما تتخذون، فحذف «ما» و هو موصوف.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ قُلْ رَبِّ اِرْحَمْهُمََا كَمََا رَبَّيََانِي صَغِيراً) (4) أي:

ارحمهما رحمة مثل رحمة تربيتهما/إياى صغيرا؛ فحذف ذا الكلام.

و معنى رحمة التربية: الرحمة التي كانت عنها التربية، مثل ضرب التلف.

و يجوز أن يكون المعنى: على ما ربّيانى صغيرا.

____________

(1) النحل: 25.

(2) العنكبوت: 13.

(3) النحل: 67.

(4) الإسراء: 24.

304

و كذلك تأوّل أبو الحسن قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمََا أُمِرْتَ) (1) . أي: على ما أمرت، فكذلك ارحمهما على ذلك. و نحو منه فى أول السورة: (وَ يَدْعُ اَلْإِنْسََانُ بِالشَّرِّ دُعََاءَهُ بِالْخَيْرِ) (2) . التقدير: دعاء مثل دعائه الخير.

و من ذلك قوله تعالى: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ) (3) أي: زمانا غير بعيد من الزمان، فيكون فاعل «مكث» «سليمان» .

و قيل الفاعل: «الهدهد» ؛ أي: بمكان غير بعيد.

و من ذلك قوله: (وَ حَبَّ اَلْحَصِيدِ) (4) أي: و حبّ الزرع الحصيد.

و (حَبْلِ اَلْوَرِيدِ) (5) أي: حبل عرق الوريد. و (دِينُ اَلْقَيِّمَةِ) (6)

و (حَقُّ اَلْيَقِينِ) * (7) كل هذا على حذف المضاف الموصوف.

و من ذلك قوله تعالى: (أَ هُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنََاهُمْ) (8)

يحتمل موضع «الّذين من قبلهم» وجهين:

الأول: أن يكون رفعا بالعطف على «قوم تبّع» ، تقديره: أهم خير أم هذا؟، فإذا جعلته على هذا أمكن فى صلة «الذين» أن تكون «أهلكناهم» ، و يكون «من قبلهم» متعلقا به.

و يجوز أن يكون صلة «الذين من قبلهم» ، فيكون على هذا فى الظرف عائد إلى الموصول.

____________

(1) هود: 112.

(2) الإسراء: 11.

(3) النمل: 22.

(4) ق: 9.

(5) ق: 16.

(6) البينة: 5.

(7) الواقعة: 95.

(8) الدخان: 37.

305

فإذا كان كذلك كان «أهلكناهم» على أحد أمرين:

إما أن يكون يريد فيه حرف العطف، و قد يكون فى موضع الحال؛ أو يقدر حذف موصوف كأنه: قوما أهلكناهم. و هذان على قول أبى الحسن.

و المعنى: أفلا تعتبرون أنا إذا قدرنا على إهلاك هؤلاء و استئصالهم قدرنا على إهلاك هؤلاء المشركين.

و يجوز أن يكون «الذين» مبتدأ، و «أهلكناهم» الخبر، أي: الذين من قبل هؤلاء أهلكناهم، فلم لا تعتبرون.

و[الثاني‏] (1) يجوز أن يجعل «الذين» جرا بالعطف على «تبّع» ، أي قوم تبع و المهلكين من قبلهم.

و من ذلك ما قاله الفرّاء فى قوله: (وَ إِذََا رَأَيْتَ ثَمَّ) (2) أي: ما ثم، فحذف.

قال أبو على: قول الكسائي و إجازته: نعم الرجل يقوم، و أنه منع فى النصب: نعم رجلا يقوم.

فأما منعه فى النصب فبيّن، و ذلك أن «يقوم» يصير صفة/للنكرة، فيخلو الكلام من مقصود بالذم أو المدح مخصوص به، و إذا خلا منه لم يجز. و لو زاد فى الكلام مقصود بالمدح جازت المسألة. و أما: نعم الرجل يقوم، فإنه أجازه

____________

(1) تكملة يقتضيها السياق.

(2) الإنسان: 20.

306

على أنه أقام الصفة مقام الموصوف، كأنه: نعم الرجل رجل يقوم، فحذف «رجلا» المقصود بالمدح أو الذم.

قال أبو بكر: هذا عندى لا يجوز، لأن إقامة الصفة مقام الموصوف، إذا كانت الصفة فعلا، غير مستحسن.

قال: فإذا كان كذلك وجب ألا يجوز إذا لم يكن اسما، إذ الاسم الموافق للمحذوف فى أنه مثله اسم، لذلك، غير مستحسن فيه، فإن‏ (1) هذا الذي ذكره حسن.

فإن قيل: قد جاء (وَ مََا مِنََّا إِلاََّ لَهُ مَقََامٌ مَعْلُومٌ) (2) ، (وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ إِلاََّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) (3) .

[و قول الشاعر] (4) :

و ما منهما قد مات حتّى رأيته‏

[و قوله‏] (5)

و ما الدّهر إلاّ تارتان فمنهما # أموت و أخرى أبتغى العيش أكدح‏ (6)

و التقدير: تارة منهما أموت و تارة منهما أكدح، و نحو هذا. فحذف الموصوف فى هذه الأشياء.

قيل: إنما جاز الحذف فى قوله: (وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ إِلاََّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) (7)

لأنه مبتدأ غير موصوف، إنما هو محذوف من قوله: و إنّ من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به. فهذا خبر محذوف على هذا التقدير، و المبتدأ حذفه سائغ.

____________

(1) في الأصل: «فأو» .

(2) الصافات: 164.

(7-3) النساء: 159.

(6-4) البيت لابن مقبل (الكتاب 1: 376) .

(5) تكملة يقتضيها السياق.

307

و كذلك: (وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاََّ وََارِدُهََا) (1) (وَ مََا مِنََّا إِلاََّ لَهُ) (2) . أي: ما منا أحد إلا له مقام معلوم.

و يستدل متأوّل هذا على أن قوله أرجح بقوله تعالى: (فَمََا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حََاجِزِينَ) (3) ألا ترى أن «منكم» ليس صفة لـ «أحد» ، فإذا كان كذلك لم يكن فيه دلالة.

و ما جاء من نحو ذا فى الشعر، لا يحمل الكلام عليه، لأنه حال سعة، و ليس حال ضرورة.

فإن قيل: «منكم» متعلقة بحاجزين، و لا يصح أن يعلق «منكم» فى قوله:

(وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاََّ وََارِدُهََا) (4) (وَ مََا مِنََّا إِلاََّ لَهُ مَقََامٌ مَعْلُومٌ) (5) بما بعد «إلاّ» و لا يصح أن يكون خبرا عن «أحد» لأن «واردها» خبر عنه. و «له مقام معلوم» خبر عنه، و لا يكونان خبرين، كقولهم: هذا حلو حامض، لأن «إلا» لا يفصل بينهما لأنهما بمنزلة اسم واحد/فى المعنى. و أيضا فإن المعنى يمنع من ذلك، لأنه ليس يريد: إنه لا أحد منهم.

فهذا يمنع من أن يكون «منكم» خبرا، و يمنع أن يكون «واردها» صفة لـ «أحد» . و كذلك «له مقام معلوم» . و يمنع من ذلك أن «إلا» لا مدخل لها بين الاسم و صفة.

____________

(4-1) مريم: 71.

(5-2) الصافات: 164.

(3) الحاقة: 47.

308

فأما: ما جاءنى أحد إلا ظريف، فإنه على إقامة الصفة مقام الموصوف، كأنه: إلا رجل ظريف. أو على البدل من الأول، فكذلك‏ (وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ إِلاََّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) (1) . و هذا يمنع فيه من تعلق «من» بقوله «ليؤمننّ» أعنى اللام من «إلا» . و إذا كان كذلك فلا وجه لـ «من» إلا الحمل على الصفة.

قيل: هى متعلقة بفعل مضمر يدل عليه قوله: (لَهُ مَقََامٌ مَعْلُومٌ) (2)

و (وََارِدُهََا) (3) ، و (لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) (4) و معناها البيان لـ «أحد» .

فإن قياس قول الكسائي فى: «نعم الرجل يقوم» ، أن يجوز فى المنصوب:

نعم رجلا يقوم يذهب. على أن يكون «يذهب» صفة محذوف، كأنه: نعم رجلا يقوم رجل يذهب. كما كان التقدير فى حذف الموصوف، فمرة أجازوه مستحسنا، و مرة منعوه و لم يستحسنوا.

و كثرة ذلك فى التنزيل لا محيص عنه، على ما عددته لك.

____________

(4-1) النساء: 159.

(2) الصافات: 164.

(3) مريم: 71.

309

الباب الخامس عشر

هذا باب ما جاء في التنزيل من حذف الجار و المجرور و قد جاء ذلك فى خبر المبتدأ، و صفة الموصوف، و صلة الموصول، و فى الفعل جميعا.

فأما فى الفعل، فكقوله عز و جل: (إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ) . (1)

و التقدير: إن الذين كفروا باللّه، و هو شائع فى التنزيل، أعنى حذفها من «كفروا» . قال: (وَ أَمَّا اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ) (2) . (وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمََالُهُمْ كَسَرََابٍ) (3) . (وَ مَثَلُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ اَلَّذِي يَنْعِقُ) (4) .

و التقدير فى كله: كفروا باللّه، و كفروا بربهم.

كما أن قوله: (إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَلَّذِينَ هََادُوا) * (5) ، (إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَلَّذِينَ هََاجَرُوا) (6) ، و قوله‏ (لاََ يُؤْمِنُونَ) * (7) ؛ التقدير فى كله: باللّه.

____________

(1) البقرة: 6.

(2) البقرة: 26.

(3) النور: 39.

(4) البقرة: 171.

(5) الحج: 17 و البقرة 62.

(6) البقرة: 218.

(7) البقرة: 6.

310

فأما قوله: (اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا) * (1) فالباء من صلة التكذيب عندنا، و قد حذف صلة كفروا لدلالة الثاني عليه، و هو متعلق بالفعل الأول عند الكوفيين/دون الثاني.

نظيره‏ (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللََّهُ يُفْتِيكُمْ فِي اَلْكَلاََلَةِ) (2) . و هذا باب من إعمال الفعلين، سنأتى عليه هناك إن شاء اللّه.

و مما جاء و قد حذف منه العائد إلى المبتدأ من خبره قوله تعالى: (إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَلَّذِينَ هََادُوا وَ اَلنَّصََارى‏ََ وَ اَلصََّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ) (3) إلى آخر الآية.

فـ «من آمن» مبتدأ و خبره‏ (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ) (4) و الجملة خبر «الذين» ، و التقدير:

من آمن منهم باللّه.

و قال: (وَ اَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوََاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) (5)

و التقدير: يتربصن بعدهم.

و قال قوم: إن قوله‏ (وَ اَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ) (6) مبتدأ، و الخبر مضمر. أي: فيما يتلى عليكم الذين يتوفون منكم.

و مثله: (وَ اَلسََّارِقُ وَ اَلسََّارِقَةُ) (7) ، و (اَلزََّانِيَةُ وَ اَلزََّانِي) (8) .

و قوله: (مَثَلُ اَلْجَنَّةِ) * (9) . و قوله: (شَهْرُ رَمَضََانَ) (10) .

____________

(1) الروم: 16.

(2) النساء: 176.

(4-3) البقرة: 62.

(6-5) البقرة: 234.

(7) المائدة: 38.

(8) النور: 2.

(9) الرعد: 35، محمد: 15.

(10) البقرة: 185.

311

هذا كله على إضمار الخبر، أي: فيما يتلى عليكم. كما أضمر الخبر فى قوله:

(وَ اَللاََّئِي يَئِسْنَ مِنَ اَلْمَحِيضِ مِنْ نِسََائِكُمْ إِنِ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاََثَةُ أَشْهُرٍ وَ اَللاََّئِي لَمْ يَحِضْنَ) (1) . و التقدير: و اللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر، فأضمر المبتدأ و الخبر.

و إضمار الخبر على أنواع، فنوع منها هذا الذي ذكرناه، و نوع آخر يضمر الخبر لتقدم ذكره، كقوله: (وَ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) (2) .

و التقدير: و اللّه أحق أن يرضوه و رسوله أحق أن يرضوه.

و قوله: (أَنَّ اَللََّهَ بَرِي‏ءٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ) (3) أي: و رسوله برى‏ء من المشركين. و إذا جاز حذف الخبر بأسره، فحذف الضمير أولى.

و من حذف الضمير فى حذف المبتدأ، قوله تعالى: (وَ مَنْ يَتَوَلَّ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اَللََّهِ هُمُ اَلْغََالِبُونَ) (4) أي فإن حزب اللّه هم الغالبون معه، لأن «من» موصولة مبتدأة، و تمت بصلتها عند قوله «آمنوا» و «إن» مع اسمه و خبره خبر «من» و العائد مضمر.

و مثله: (وَ اَلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتََابِ وَ أَقََامُوا اَلصَّلاََةَ إِنََّا لاََ نُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُصْلِحِينَ) (5) أي المصلحين منهم.

____________

(1) الطلاق: 4.

(2) التوبة: 62.

(3) التوبة: 3.

(4) المائدة: 56.

(5) الأعراف: 170.

312

و قال: (إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ إِنََّا لاََ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً) (1) أي: أجر من أحسن منهم.

و قال: (وَ لَمَنْ صَبَرَ وَ غَفَرَ إِنَّ ذََلِكَ لَمِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ) (2) أي/منه.

و مثله: (إِنْ تَكُونُوا صََالِحِينَ فَإِنَّهُ كََانَ لِلْأَوََّابِينَ) (3) أي للأوابين منكم، فحذف.

و مما جاء من العائد المحذوف فى الوصف إلى الموصوف قوله تعالى:

(وَ اِتَّقُوا يَوْماً لاََ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ) (4) أي: لا تجزى فيه. و كذلك (وَ لاََ يُقْبَلُ مِنْهََا شَفََاعَةٌ) (5) أي: فيه. (وَ لاََ يُؤْخَذُ مِنْهََا عَدْلٌ) (6) أي: فيه.

(وَ لاََ هُمْ يُنْصَرُونَ) (7) أي: فيه.

كل هذه جمل جرت وصفا على «يوم» المنتصب بأنه مفعول به، و قد حذف منه «فيه» .

و فى هذه المسألة اختلاف: ذهب سيبويه إلى أن «فيه» محذوف من الكلام، قال فى قولهم: أمّا العبيد فذو عبيد. المعنى: أما العبيد فأنت منهم ذو عبيد.

كما قال: (وَ اِتَّقُوا يَوْماً لاََ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً) (8) أي: فيه.

و قال أبو الحسن فى ذلك: اتقوا يوما لا تجزى فيه.

____________

(1) الكهف: 29.

(2) الشورى: 43.

(3) الإسراء: 25.

(4، 5، 6، 7، 8) البقرة: 48.

313

قال: و قال قوم: لا يجوز إضمار فيه، ألا ترى أن‏[من يقول‏] (1) ذلك لا يقول:

هذا رجل قصدت، و أنت تريد: إليه. و لا: رأيت رجلا، و أنت تريد: فيه.

فالفرق بينهما: أن أسماء الزمان يكون فيها ما ليس فى غيرها.

و إن شئت حملته على المفعول فى السعة، كأنك تقول: قلت:

و اتقوا يوما لا تجزيه، ثم ألغيت الهاء، كما تقول: رأيت رجلا أحب، نريد: أحبه.

قال أبو علىّ: حذف الظرف فى الأسماء مراد، و إن كان محذوف اللفظ فيها، فمن أجل ذلك تمتنع الإضافة إليها، و الحديث عنها، و أن تجعلها مفعولا بها فى حال ما هى ظروف، لأن ما يقدر من الحرف المراد يمنع ذلك و يحجر عنه.

و يدلك على إرادة الحرف فى كل ذا؛ إظهارك إياه فى جميع ذلك، إذا كنيت عنها عن «خلف» و نحوه فى قولك: قمت خلفك، و خلفك قمت فيه، كما تقول: السوق قمت فيها.

و كما أعلمتك من إرادة الحرف معها إذا كانت ظروفا كثيرا ما ترى سيبويه إذا علم أنها مفعولة على الاتساع يذكرها مضافة، ليبدى بذلك أن الظرفية زائلة عنها.

و الجائز عندى من هذه الأقاويل التي قيلت فى الآية: قول من قال.

إن «اليوم» جعل مفعولا على الاتساع، ثم حذفت الهاء من الصفة كما تحذف من الصلة، لأن حذفها منها فى الكثرة/و القياس كحذفها منها.

____________

(1) تكملة يقتضيها السياق.

314

أما القياس فإن الصفة تخصص الموصوف، كما أن الصلة تخصص الموصول، و لا تعمل فى الموصوف، و لا تتسلط عليه، كما لا تعمل الصلة فى الموصول، و مرتبتها أن تكون بعد الموصوف، كما أن مرتبة الصلة كذلك.

و قد تلزم الصفة فى أماكن كما تلزم الصلة، و ذلك إذا لم يعرف الموصوف.

إلا بها. و لا تعمل فيما قبل الموصوف كما لا تعمل الصلة فيما قبل الموصول.

و تتضمن ذكرا من موصوفها كما تتضمنه الصلة من موصولها. و شدة مشابهة الصفة الصلة على ما تراه.

و قد كثر مجى‏ء الصلة محذوفا منها العائد إذا كان مفعولا فى التنزيل، و جميع التنزيل و النظم، حتى إن الحذف فى التنزيل أكثر من الإثبات فيها، و الصفة كالصلة فيما ذكرت لك من جهات الشبه، فإذا كان كذلك حسن الحذف منها حسنه من الصلة.

فإن قيل: ما تنكر أن يكون المحذوف من الآية فيه دون الهاء على التأويل الذي ذكرته، و أن حذف الجار و المجرور فى هذا و نحوه كحذفهما فى قولهم:

السّمن منوان بدرهم. و ما شبّه سيبويه به و نحوه؟ قيل له: ليس يسوغ حذفهما، و لا يحسن حسنه من خبر المبتدأ كحذفهما من الخبر، لأن خبر المبتدأ قد يحذف بأسره حتى لا يترك منه شى‏ء فيما كثر تعداده، فإذا حسن حذف الخبر و جاز كان حذف بعضه أسوغ و أجود. و إبقاء البعض فى باب الدلالة على المحذوف و إرادته أقوى‏

315

من حذف الكل، و ليس كذلك الصفة، ألا ترى أن الصفة لا تحذف كما يحذف الخبر، فيسوغ حذف هذا البعض منها كما حسن حذف كلها، فلا يجوز تقدم حذف الجار و المجرور هنا من حيث جاز حذفهما فى الخبر لما ذكرنا.

قال: و ليس حذف «فيه» فى الآية كحذف «الهاء» من قوله:

و يوم نسر (1) ؛ لأن «فيه» جار و مجرور. و لا يجوز فى الصلة: الذي مررت زيد: تريد: مررت به، /و كذا لا يجوز حذف «فيه» بخلاف قوله: يوم نسر (2) ؛ لأنه يحسن: الذي ضربت زيد.

و هذا الذي قاله عندى غيره قد جاء فى التنزيل: قال اللّه تعالى:

(وَ خُضْتُمْ كَالَّذِي خََاضُوا) (3) أي خاضوا فيه.

و قال: (ذََلِكَ اَلَّذِي يُبَشِّرُ اَللََّهُ عِبََادَهُ) (4) أي: يبشر اللّه به عباده.

قال: (ثُمَّ بَعَثْنََاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ اَلْحِزْبَيْنِ أَحْصى‏ََ لِمََا لَبِثُوا) (5) أي: لما لبثوا فيه.

على أنه حكى عن يونس أن «الذي» فى الآيتين بمنزلة المصدر، و التقدير خضتم كخوضهم. (و الذي يبشر) بمنزلة التبشير.

____________

(1) هذا آخر جزء من عجز بيت للنمر بن تولب، و البيت هو:

فيوم علينا و يوم لنا # و يوم نساء و يوم نسر

(2) الكتاب لسيبويه (1: 44) .

(3) التوبة: 69.

(4) الشورى: 23.

(5) الكهف: 12.

316

رجع إلى كلام أبى على قال أبو على: فإن قلت: أو-كلام سيبويه فى هذا مثل قول من قال:

إن الحذف‏ (1) وجب فيه من حيث وجب فى المظهر فى البعد من الصواب؟ فالجواب: أن قول سيبويه أقرب إلى الصواب و أبعد من الخطأ، و ذلك أنه لم يذكر أن الحذف‏ (2) فى هذا أوجب من حيث يحذف فى المظهر.

لكنه شبهه بما يحذف للدلالة عليه كخبر المبتدأ و نحو ذلك، و كأنه عنده حذف حذفا لذلك، لا من حيث حذف فى المظهر.

و قد قدمنا الفصل بين هذا و بين خبر المبتدأ، فإن الحذف فيه أسوغ من الحذف فى هذا لأنه صفة. و ليس الوصف من المواضع التي يسوغ فيها الحذف، و ليس قول سيبويه فى حذف (فيه) كقول من قال: إن الحذف مع المضمر يجوز، كالحذف مع المظهر فى: سرت اليوم.

فأمّا ما احتج به أبو الحسن على من منع جواز إضمار «فيه» فى الآية عند قولهم لا يجوز هذا، كما لا يجوز: هذا رجل قصدت، و أنت تريد:

قصدت إليه. و لا: رأيت رجلا أرغب، و أنت تريد: فيه. فالفرق بينهما أن أسماء الزمان يكون فيها ما لا يكون فى غيرها. فالذى فى أسماء الزمان مما لا يكون فى غيرها-ما جاز فيها من إضافتها إلى الفعل، و تعدى الفعل إلى كل ضرب منها مختصها و مبهمها.

____________

(2-1) في الأصل: «الحرف» .

317

و أما إضافة الفعل. فليس شى‏ء يوجب حذف هذا، و إن أراد أن قوة دلالة الفعل عليها يسوغ الحذف فيها، فهو كأنه شبيه بما ذهب إليه سيبويه أنه حذف حذفا. و ليس فى قوة/دلالة الفعل على أسماء الزمان ما يوجب الحذف من الصفة كما قدمنا، إلا أن هذا القول أقرب إلى الصواب من غيره كما ذكرت لك‏ (1) .

و من هذا الباب قوله تعالى: (وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاََّ سََاعَةً مِنَ اَلنَّهََارِ يَتَعََارَفُونَ بَيْنَهُمْ) (2) .

قال أبو على فى قوله: (كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا) (3) ثلاثة أوجه:

أحدها: أن يكون صفة لليوم.

و الآخر: أن يكون صفة للمصدر المحذوف.

و الثالث: أن يكون حالا من الضمير فى «نحشرهم» .

فإذا جعلته صفة لليوم احتمل ضربين من التأويل:

أحدهما: أن يكون التقدير: كأن لم يلبثوا قبله إلا ساعة، فحذفت الكلمة لدلالة المعنى عليها.

و مثل ذلك فى حذف‏[الظرف‏] (4) لهذا النحو، منه قوله تعالى: (فَإِذََا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) (5) أي أمسكوهن قبله.

____________

(1) في هامش الأصل هنا: «بلغ مقابلة» .

(3-2) يونس: 45.

(4) تكملة يقتضيها السياق.

(5) الطلاق: 2.

318

و كذلك قوله: (فَإِنْ فََاؤُ فَإِنَّ اَللََّهَ) (1) ، أي، قبل الأربعة الأشهر.

[الثاني‏] (2) و يجوز أن يكون المعنى: كأن لم يلبثوا قبله، فحذف المضاف، و أقيم المضاف إليه مقامه، ثم حذفت الهاء من الصفة، كقولك: الناس رجلان رجل أكرمت و رجل أهنت.

و إن جعلته صفة للمصدر كان على هذا التقدير الذي وصفنا، و تمثيله:

و يوم نحشرهم حشرا كأن لم يلبثوا قبله، فحذف.

و إن جعلته حالا من الضمير المنصوب لم يحتج إلى حذف شى‏ء من اللفظ، لأن الذكر من الحال قد عاد إلى ذى الحال.

و المعنى: نحشرهم مشابهة أحوالهم أحوال من لم يلبث إلا ساعة، لأن التقدير: كأن لم يلبثوا، فلما خفف أضمر الاسم كقوله:

كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم‏ (3)

فأما قوله‏ (وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ) (4) فإنه يصلح أن يكون منصوبا بـ «يتعارفون» فى هذا اليوم، فيكون ظرفا له، أو مفعولا به على السعة.

و يجوز أن يعمل فيه فعلا مضمرا دل عليه‏ (كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا) (5) أي: يستقلون المدة يوم نحشرهم، فيكون‏ (يَتَعََارَفُونَ) (6) صفة لـ «يوم» أيضا، كما أن‏ (لَمْ يَلْبَثُوا) صفة. و التقدير: يتعارفون فيه بينهم، فحذف «فيه» .

.

____________

(1) البقرة: 226.

(2) تكملة يقتضيها السياق.

(3) البيت لابن صريم اليشكري، و صدره:

و يوما توافينا بوجه مقسم‏

(الكتاب 1: 281 و 481)

(6-5-4) يونس: 45.

319

و لا يجوز أن يعمل‏ (كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا) (1) فى‏ (يَوْمَ) لأن الصفة لا تعمل فى الموصوف. و كذلك الحال لا تعمل فيما قبل صاحبها/و كذا صفة المصدر لا يعمل فيما قبل المصدر، و فى الآية كلام طويل.

و من ذلك قوله تعالى: (إِنَّ رَبِّي عَلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (2) أي: إن ربى فى تدبيركم على صراط مستقيم. فالجار الثاني خبر «إن» و المحذوف متعلق بالخبر معمول له. ذكره الرّمانى.

و قيل: إن ربى على طريق الآخرة، فيصيرّكم إليها لفصل القضاء.

و قيل: إن ربى على الحق، دون آلهتكم و العبادة له دونهم.

و من ذلك قوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ) (3) أي: إن أحصرتم بمرض و غيره.

و قوله: (فَإِذََا أَمِنْتُمْ) (4) أي: من العدو، فالأول عام و الثاني خاص.

و من ذلك قوله: (وَ بَشِّرِ اَلْمُؤْمِنِينَ) * (5) (وَ بَشِّرِ اَلْمُحْسِنِينَ) (6) و التقدير فى كله «بالجنة» .

____________

(1) يونس: 45.

(2) هود: 56.

(4-3) البقرة: 196.

(5) الصف: 13.

(6) الحج: 37.

320

أبو عبيد: يبشّرك، و يبشرك، و يبشرك، واحد، أبو الحسن: فى «يبشّر» ثلاث لغات:

بشر، و أبشر إبشارا، و بشّر، يبشر، و بشر يبشر بشرا و بشورا، بكسر الشين. يقال: أتاك أمر بشرت به. و أبشرت به، فى معنى بشرت، و منه:

(وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ) (1) و أنشدوا:

و إذا رأيت الباهشين إلى العلا # غبرا أكفّهم بقاع ممحل‏ (2)

فأعنهم و ابشر بما بشروا به # فإذا هم نزلوا بضنك فانزل‏

قال أبو زيد: و بشّرنى القوم بالخير تبشيرا. و الاسم: البشرى.

و مما حذف فيه الجار و المجرور قوله تعالى: (أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحََادِدِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نََارَ جَهَنَّمَ) (3) .

التقدير: فله أن له نار جهنم، و يقوّى رفعه بالظرف فتح «أنّ» و يكسر هو فى الابتداء، و استغنى عن الظرف بجريه فى الصلة، كما استغنى عن الفعل بعد «لو» فى: [لو] (4) أنه ذهب لكان خبرا له.

و من حذف الجار و المجرور قوله تعالى: (أَبْصِرْ بِهِ وَ أَسْمِعْ) (5) أي و اسمع به.

و قال: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ) (6) أي و أبصر بهم.

____________

(1) فصلت: 30.

(2) الشعر لعبد القيس بن خفاف.

(3) التوبة: 63.

(4) تكملة يقتضيها السياق.

(5) الكهف: 26.

(6) مريم: 38.

321

قال أبو على: لا يكون من باب حذف المفعول، لأن «بهم» فاعل، نحو قولهم: ما جاءنى من رجل. و الفاعل لا يحذف.

و إن قدّرت حذف الباء لكان: أبصروا. لكنه جرى «أبصر» مجرى الاسم به، لدلالة: ما أميلح زيدا، و ما أقوله! و يجرى مجرى نعم، و بئس، أو يصير، كقوله:

و نار، توقّد باللّيل نارا (1)

حيث حذف «كلا» لجرى ذكره فى قوله:

أ كلّ امرئ تحسبين امرا و لأنك لم تجمع الضمير فى «ما أفعل» فى موضع، فحمل عليه.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ كَثِيرٌ مِنَ اَلنََّاسِ وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ اَلْعَذََابُ) (2)

بعد قوله: (أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ وَ اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ) (3) .

روى عن ابن عباس أنه قال: المعنى: و كثير من الناس فى الجنة.

و هذا حسن، كأنه جعله استئناف كلام، لأن ما تقدم من قوله: (يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ) ، قد دخل تحته كثير الناس و قليلهم.

فلم يحمله على التكرير، و أضمر الخبر لدلالة ما يجى‏ء بعد عليه.

____________

(1) هذا عجز بيت، صدره ذكر بعد. و هو لأبي داود. (الكتاب 1: 33) .

(3-2) الحج: 18.

322

لأن قوله‏ (وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ اَلْعَذََابُ) (1) يدل على أن من تقدمهم لهم حالة أخرى.

و نظيره: (فَرِيقٌ فِي اَلْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي اَلسَّعِيرِ) (2) و قوله تعالى: (وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسََّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ) (3) . و إن حملت قوله: (وَ كَثِيرٌ مِنَ اَلنََّاسِ) (4) على أنه معطوف على‏ (يَسْجُدُ) (5) و يرتفع بذلك، كان تكريرا، كقوله: (اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ) (6) .

و من حذف الجار و المجرور قوله تعالى: (كَلاََّ لَمََّا يَقْضِ مََا أَمَرَهُ) (7)

أي: ما أمره به. فحذفت الباء، فصار: ما أمره هو. فحذف الأول دون الثاني. و مثله‏ (فَاصْدَعْ بِمََا تُؤْمَرُ) (8) و إن شئت كان على ما تؤمر به، ثم تؤمره، ثم تؤمر.

قال أبو عثمان: الضميران عندى فى الآيتين مختلفان، و ذلك أن الضمير المحذوف فى: (أَ هََذَا اَلَّذِي بَعَثَ اَللََّهُ رَسُولاً) (9) هو عائد إلى الموصول.

و الضمير المحذوف من قوله سبحانه: (أَمَرَهُ) ليس ضمير الموصول إنما هو ضمير الرجل المذكور.

و لعمرى إن حذف الضمير من الصلة، و إن كان عائدا على غير

____________

(1) الحج: 18.

(2) الشورى: 7.

(3) الروم: 14.

(5-4) الحج: 18.

(6) العلق: 1.

(7) عبس: 23.

(8) الحجر: 94.

(9) الفرقان: 41.

323

الموصول جائز كقراءة من قرأ: (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ) (1) فيمن فتح الياء.

و من ذلك قوله تعالى: (جَنََّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ اَلْأَبْوََابُ) (2) فقوله:

(مُفَتَّحَةً) صفة لجنات، و الأبواب مرتفعة بها. و ليس فيه ضمير يعود إلى الموصوف.

فيجوز أن يكون التقدير: مفتحة لهم الأبواب منها. فحذف «منها» للدلالة عليه.

و يجوز أن يكون «الأبواب» /بدلا من الضمير فى «مفتحة» لأن التقدير: مفتحة هى، كما (3) تقول: فتحت الجنان، أي: أبوابها.

و قال الكوفيون: التقدير، مفتحة أبوابها، فقامت الألف مقام الضمير.

قال أبو إسحاق: إلا أنه على تقدير العربية: الأبواب منها أجود من أن تجعل الألف و اللام بدلا من الهاء و الألف، لأن معنى الألف و اللام ليس من معنى الهاء و الألف فى شى‏ء، لأن الهاء و الألف أسماء، و الألف و اللام دخلتا للتعريف، و لا يبدل حرف جاء لمعنى من اسم، و لا ينوب عنه، هذا محال.

قال أبو على: اعلم أنه لا تخلو الألف و اللام فى قوله «الأبواب» من أن يكون للتعريف كما تعرّف: الرجل و الفرس، و نحو ذلك.

أو يكون بدلا من الهاء التي هى ضمير التأنيث التي كان يضاف «أبواب»

____________

(1) الأنعام: 16.

(2) ص: 50.

(3) في (ص 216) من هذا الكتاب ما يخالف هذا القول، فراجعه.

324

إليها ليتعرف بها. كما أن الألف و اللام فى الوجه فى قولك: حسن الوجه، بدل منها.

فلو كان مثل التي فى «حسن الوجه» لوجب أن يكون فى «مفتحة» ضمير «جنات» .

كما أن فى «حسن الوجه» من: مررت برجل حسن الوجه، ضمير رجل.

بدليل: مررت بامرأة حسنة الوجه.

و لو كان فى «مفتحة» ضمير «جنات» كما أن فى «حسن» ضمير «رجل» ، و قد نون «مفتحة» لوجب أن ينتصب الأول، و لا يرتفع، لكون الضمير فى «مفتحة» للجنان، فإذا صار فيه ضمير لم يرتفع به اسم آخر، لامتناع ارتفاع الفاعلين بفعل واحد، غير وجه الإشراك، فكما لم ينتصب قوله «الأبواب» كما ينتصب: مررت برجل حسن الوجه، أنه ليس فيه ضمير الأول، و إذا لم يكن فيه ضمير الأول فلا بد من أن يكون الثاني مرتفعا لم يكن مثل «الوجه» ، لأن «الوجه» فى قولك:

مررت برجل حسن الوجه، لا يرتفع بـ «حسن» .

و إذا لم يكن مثل «حسن الوجه» لم يكن الألف و اللام فيه بدلا من الضمير، ثبت أنه للتعريف المحض، على حد التعريف فى: رجل و فرس.

و إذا كان للتعريف لم يكن بدلا من الضمير، و إذا لم يكن بدلا من الضمير الذي كان يضاف «أبواب» إليه، لم يعد على الموصوف مما جرى صفة عليه ذكر، لارتفاع «الأبواب» به فى اللفظ بالظاهر، فإذا كان كذلك فلا بد/ من ضمير فى شى‏ء يتعلق بالصفة يرجع إلى الموصوف.

و ذلك الراجع لا يخلو من أن يكون منها أو فيها، فحذف ذلك، و حسن‏

325

الحذف للدلالة عليه لطول الكلام.

و على هذا الحد حذف فى قوله: (فَإِنَّ اَلْجَحِيمَ هِيَ اَلْمَأْوى‏ََ) (1) أي: المأوى لهم و على هذا التقدير فى هذه الآية أوضح، لأنه لا ضمير فيه عائد على موصوف، فيشكل بباب: حسن الوجه.

فتقدير من قدر: مفتّحة أبوابها، إن كان المراد إفهام المعنى، فإنه لا بد من شى‏ء يقدر فى الكلام يرجع إلى الموصوف فمستقيم.

و إن كان أراد أن الألف و اللام فى‏ (اَلْأَبْوََابُ) كالألف و اللام فى «الوجه» ، فليس مثله.

لأن الألف و اللام إذا صارت بدلا من الضمير الذي يضاف إليه الاسم المتعلق بالصفة التي هى نحو: حسن و شديد، انتصب الاسم الذي هو فاعل الصفة، إذا نوّنت الصفة لكون ضمير الذي يجرى عليه فيه. ألا تراهم قالوا:

الحزن بابا و العقور كلبا (2)

و:

الشعر الرّقابا (3)

فترك نصب «الأبواب» هنا دلالة على أن الألف و اللام لم يرد بها أن تكون بدلا من علامة الضمير كالتى فى: حسن الوجه.

و إذا لم يجز هذا فلا بد من تقدير الراجع إلى الموصوف الذي جرى (مُفَتَّحَةً) صفة عليه، و هو: منها أو نحوها، فمن هاهنا كان هذا التقدير أجود.

____________

(1) النازعات: 39.

(2) البيت لرؤبة، يصف رجلا بغلظ الحجاب و منع الضيف فجعل بابه حزنا وثيقا، لا يستطيع فتحه، و كلبه عقورا لمن حل بفنائه طالبا لمعروفه.

(3) جزء من بيت للحارث بن ظالم و تمام البيت (الكتاب 1: 103) :

فما قومي بثعلبة بن سعد # و لا بفزارة الشعر الرقابا

ينتفي من بني سعد و يصف فزارة بالغمم، و هو كثرة الشعر على القفا.

326

و يجوز أن تكون‏ (اَلْأَبْوََابُ) بدلا من الضمير الذي فى‏ (مُفَتَّحَةً) على ما تقدم، و قوله: لام التعريف لا يكون بدلا من الهاء، فللقائل أن يقول قد قالوا:

مررت برجل حسن وجهه، ثم قالوا: مررت بالرجل الحسن الوجه، فقد قام اللام مقام الضمير. و قد قالوا، غلام زيد، فقام الاسم مقام التنوين.

هذا كلامه فى «الإغفال» (1) .

و قال فى موضع آخر: و لم يستحسنوا: مررت برجل حسن الوجه، و لا بامرأة حسن الوجه-و أنت تريد منه لما ذكرت من أن الصفة يحتاج فيها إلى ذكر يعود منها إلى الموصوف.

و لو استحسنوا هذا الحذف من الصفة كما استحسنوه من الصلة لما قالوا مررت بامرأة حسنة الوجه.

و أما قوله: (جَنََّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ اَلْأَبْوََابُ) (2) /فليست على: مفتحة لهم الأبواب منها، و لا أن الألف و اللام سدّ مسدّ الضمير العائد من الصفة.

و لكن‏ (اَلْأَبْوََابُ) بدل من الضمير الذي فى‏ (مُفَتَّحَةً) لأنك لا تقول:

فتحت الجنان، إذا فتحت أبوابها.

و فى التنزيل: (وَ فُتِحَتِ اَلسَّمََاءُ فَكََانَتْ أَبْوََاباً) (3) فصار ذلك بمنزلة «ضرب زيد رأسه» .

____________

(1) هو كتاب: الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني، لأبى علي الفارسي.

(2) ص: 50.

(3) النبأ: 19.

327

و قال مرة أخرى: يكون من باب «سلب زيد ثوبه» .

ألا ترى أن‏ (اَلْأَبْوََابُ) تشتمل على الجنة، كما اشتمل «الأخدود» على النار و «الشهر» على القتال.

فإن قلت: فهل يجوز أن يكون المعنى: مفتحة لهم الأبواب منها، فحذف «منها» ؟ قيل: هذا لا يستقيم، كما جاز: السّمن منوان بدرهم، و أنت تريد: منه، فتحذف، لأن خبر المبتدأ قد يحذف بأسره.

و إذا جاز أن يحذف جميعه جاز أن يحذف بعضه، و ليس الصفة كذلك، لأنه موضع تخصيص و تلخيص.

و لا يجوز أن يراد الصفة و تحذف، كما يراد الخبر و يحذف، و لو جاز ذا لجاز: مررت بهند حسن الوجه، يريد: منها.

و اعلم أن البدل من الشي‏ء ليس يلزم أن يكون حكمه حكم المبدل منه، و ليس يريد أهل العربية بقولهم فى نحو هذا أن معنى البدل معنى المبدل منه.

ألا تراهم يقولون: التنوين بدل من الألف و اللام و من الإضافة، و التنوين إذا ثبت فى النكرات دلّت على الإشاعة و التنكير، و الألف و اللام و الإضافة، و إذا دخلا شيئا (1) دلا على خلاف ذلك.

و إنما يريدون بالبدل: أنه لا يجتمع مع ما هو بدل منه فى اللفظ

____________

(1) كذا في الأصل.

328

ألا ترى أن الهاء فى «زنادقة» عوض من الياء، فى «زناديق» لمعاقبتهما، و تنافى اجتماعهما، و لم يلزم أن يكون ثبات الهاء لمنع الصرف، كما يمتنع الصرف فى الاسم إذا ثبتت الياء.

و يقولون: الميم فى «فم» بدل من الواو التي هى عين. و لم يلزم أن يمتنع تعاقب الحركات عليها بعد حذف اللام كما يمتنع تعاقبها على الواو.

و يقولون: الألف فى «يمان» بدل من إحدى الياءين، و لو نسبت إلى «قريش» (1) لحذفت، و أثبت ياءين أخريين، و لو أضفت إلى «يمان» لم تحذف الألف.

و يقولون: التاء فى «أخت» بدل من الواو، و لم يجب ألاّ تدل على/التأنيث كما لو ثبتت الواو لم تدل على التأنيث، و هذا يكثر إذا جمع، فليس يريدون أن معنى البدل معنى المبدل منه قد يكون فى البدل معان لا تكون فى المبدل منه، و يكون فى البدل معان لا تكون فى المبدل، و إنما مرادهم بالبدل أنه لا يجتمع فى اللفظ مع ما هو بدل منه لا غير.

و على هذا قياس قول سيبويه فى «نون التثنية» أنه بدل من الحركة و التنوين.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ غَدَوْا عَلى‏ََ حَرْدٍ قََادِرِينَ) (2) أي: قادرين على حيازة ثمار ذلك، و يكون قادرين من باب: (هَدْياً بََالِغَ اَلْكَعْبَةِ) (3) .

____________

(1) الأصل: «قرشي» .

(2) القلم: 25.

(3) المائدة: 95.

329

و إن قدّرت «قادرين» : مقدرين عند أنفسهم رفع غلتهم و تحصيلها.

و على هذا قراءة من قرأ: (فَقَدَرْنََا فَنِعْمَ اَلْقََادِرُونَ) (1)

و قال فى موضع آخر: قادرين عليها، أي: على جناها و ثمارها عند أنفسهم، فحذف الجار لتقدم ذكره فى الكلام، كما حذفه عند الخليل من قوله:

إنّ الكريم و أبيك يعتمل # إن لم يجد يوما على من يتّكل‏ (2)

و المعنى عنده: على من يتكل عليه، و كذلك الآية، و هو وجه.

و يبين أن «على» مرادة[بدليل‏]قوله فى‏[الآية]الأخرى: (وَ ظَنَّ أَهْلُهََا أَنَّهُمْ قََادِرُونَ عَلَيْهََا) (3) أي: على ما أخرجت من ثمر و جنى.

و قوله: (خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) (4) أي: قدّره على الاستواء، فحذف الجار و المجرور، لقوله‏ (ثُمَّ سَوََّاكَ رَجُلاً) (5) ، و قدره على هذه الصورة التي هو عليها.

و قيل: أخرجه على التقدير.

و قيل: جعله على مقدار تقتضيه الحكمة.

و قيل: قدّره أحوالا: نطفة تارة، و علقة أخرى، ثم مضغة، إلى أن أتت عليه أحواله و هو فى رحم أمه.

و قيل: وقوع التقدير هنا بين الخلق و تيسير السبيل.

و تيسير السبيل، يحتمل أن يكون بمعنى الإقدار، لأن فعّل و أفعل أختان.

____________

(1) المرسلات: 23.

(2) الكتاب (1: 443) .

(3) يونس: 24.

(4) عبس: 19.

(5) الكهف: 37.

330

أي: خلقه من النطفة ثم قدّره، أي: جعله قادرا على الطاعة و العصيان، ثم سهل عليه السبيل، بأن بيّنه لّه، و دله عليه.

و من ذلك قوله تعالى: (سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نََاراً كُلَّمََا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنََاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهََا) (1) أي: كلما نضجت جلودهم منها؛ فحذف الجار و المجرور من الصفة إلى الموصوف.

و مثله: (جَنَّتََانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمََالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اُشْكُرُوا لَهُ) (2) .

قال أبو على: هذا الكلام صفة «للجنتين» المقدّم ذكرهما، فإذا كان كذلك فالراجع فيه مقدّر محذوف.

التقدير: قيل لهم: كلوا من رزق ربكم منهما، و القول مراد فيه محذوف، و هذا مما يدل على أن الحذف من الصفة كالحذف من الصلة.

و فى الكتاب: يقول: إنه فى الصلة أكثر، ألا ترى أنه قال: و إنما شبّهوه-يعنى حذف الهاء من الخبر-بقولهم: الذي رأيت فلان، حيث لم يذكر الهاء.

و هو فى هذا أحسن، لأن «رأيت» تمام الاسم و به يتم، و ليس بخبر، و لا صفة، فكرهوا طوله حيث كان بمنزلة اسم واحد، كما كرهوا طول «اشهيباب» فقالوا: «اشهباب‏ (3) » و هو فى الوصف أمثل منه فى الخبر.

____________

(1) النساء: 56.

(2) سبأ: 15.

(3) الاشهباب و الاشهيباب: البياض الذي غلب على السواد.

331

و هو على ذلك ضعيف، يعنى حذف الهاء ليس كحسنه فى الهاء التي فى الصلة، لأنه فى موضع ما هو من الاسم و ما يجرى عليه، و ليس منقطع منه خبرا منفيا و لا مبتدأ، فضارع ما يكون تمام الاسم، و إن لم يكن تماما له و لا منه فى النداء، و ذلك قولك: هذا رجل ضربته، و الناس رجلان رجل أهنته و رجل أكرمته.

قلت: حذف الهاء فى الصلة مستحسن جدّا، و هو فى التنزيل كثير كقوله: (أُولََئِكَ اَلَّذِينَ هَدَى اَللََّهُ فَبِهُدََاهُمُ اِقْتَدِهْ) (1) أي: هداهم اللّه.

و قال: (وَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) * (2) أي: يدعونهم.

و قال: (فَلَوْ لاََ نَصَرَهُمُ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ) (3) أي: اتخذوهم من دون اللّه، و ما أشبه ذلك.

و فى الخبر قبيح جدا، لم يأت إلا فى موضع واحد، و ذلك فى قراءة ابن عامر:

(وَ كُلاًّ وَعَدَ اَللََّهُ اَلْحُسْنى‏ََ) * (4) أي: وعده اللّه الحسنى.

و حذفها من الصفة منزلة بين المنزلتين، و فى الكتاب كما نقلته لك.

و قد قدّمنا مجيئه فى آي شتى، فوجب أن يكون حذفها من الصفة كحذفها من الصلة.

فمن هاهنا تردّد كلامه فى قوله: (مُفَتَّحَةً لَهُمُ اَلْأَبْوََابُ) (5) فحمله مرّة على حذف «منها» و مرة على البدل.

____________

(1) الأنعام: 90.

(2) الرعد: 14.

(3) الأحقاف: 28.

(4) الحديد: 10، و النساء: 95.

(5) ص: 50.

332

و قد نقلت لك ما ذكر فى الكتاب.

و من ذلك قوله تعالى: / (إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ) * (1) يصاحبه حتى يهجم به على الجنة.

و من ذلك قوله تعالى: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ اَلثَّقَلاََنِ) (2) أي: سنفرغ لكم مما وعدناكم أنا فاعلوه بكم من ثواب أو عقاب، هذا قول أبى حاتم.

قال أبو عثمان: فرغت إلى الشي‏ء و الشي‏ء: عمدت له..

قال الشاعر:

فرغت إلى العبد المقيّد فى الحجل‏ (3)

و من ذلك قوله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ) (4) أي: إن توليتم عن كتابى و دينى.

و من ذلك قوله: (فَلَمََّا آتََاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ) (5) أي: آتاهم ما تمنّوا.

و مما حذف فيه الجار و المجرور: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ) (6)

أي إن أحصرتم بمرض.

و منه قوله: (فَإِذََا أَمِنْتُمْ) (7) أي: أمنتم من العدوّ، فحذف، ففى الثاني اتفاق، و فى الأول خلاف.

____________

(1) الشورى: 52.

(2) الرحمن: 31.

(3) عجز بيت لجرير، و صدره:

و لما اتقى الفين العراقي باسته‏

(4) محمد: 22.

(5) التوبة: 76.

(7-6) البقرة: 196.

333

و يقدر الشافعي: بأن أحصرتم بعدوّ، فينشأ من هذا التقدير، أن المريض له أن يتحلل بالدم.

لأن التقدير عندنا: فإن أحصرتم بمرض، و عنده لا يتحلل، لأن التقدير عنده: فإن أحصرتم بعدو. و إنما يقدر هذا التقدير، لأن الآية نزلت فى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و أصحابه عام الحديبية، و كان الإحصار بالعدو.

و نحن نقول: إن الإحصار بالمرض دون العدو، يقال: أحصره المرض، و حصره العدو.

و لهذا جعل محمد بن الحسن الإحصار بالمرض أصلا فى كتابه. و الحصر بالعدو بناء عليه. و الحصر بالعدو على تفسير اللغة دون بيان الحكم.

فإن قيل: الفرّاء يخالف فى ذلك.

قلنا: ما خالفهم فى حقيقة اللغة، و لكن حمل الآية على المنع، لأنها نزلت فى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏ (1) ، و كان ممنوعا بالعدو، لا بالمرض.

و هذا التأويل حجة، كأن اللّه تعالى قال: فإن منعتم، فتكون مطلقة سببا للتحلل بالهدى من غير اعتبار أسباب المنع.

فإن قيل: كيف يستقيم الحمل على المرض، و الآية نزلت فى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و أصحابه، و كان المنع بالعدو؟ ـ

____________

(1) تكملة يقتضيها السياق.

334

قلنا: إن النصوص إذا وردت لأسباب لم تعلّق بها، إلا أن يكون السبب منقولا معها، كقول الراوي: منها رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فسجد. فأما إذا وردت/مطلقة عن الأسباب، فيعمل بظاهرها، و لا تحمل على السبب، فبقى الإشكال فى أنهم كيف عرفوا التحلل؟ فنقول: إن كان تأويل الإحصار المنع مطلقا من غير اعتبار سبب، و إنما عرّفوا الإحلال بنصّ مطلق غير مقيد، فإن كان التأويل هو المنع بالمرض فعرفوا الإحلال بمدلول النص؛ فإن النص لما أباح الإحلال، بمنع من جهة المرض، فالمنع من جهة العدو أولى بالإباحة، لأن منع العدو أشد، فإنه حقيقى لا يدفع له إذا كانت القوة لهم، و منع المرض مما يزول بالدابة و المحمل و نحوه.

و كذلك إباحة الإحلال لضرب من الارتفاق يحصل به، و هذا الارتفاق فى العدو أكثر، لأن جميع ما يستفيده المريض يستفيده الممنوع بالعدو و زيادة، و هى النجاة من شرهم بالرجوع، و المريض لا يستفيد هذا؛ و البيان من جهة الشرع مرة يكون بالنص و مرة بدلالته.

فإن قيل: فإذا حملناه على المرض فإن اللّه تعالى قال: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ) (1) ، و لا تبتدر الأوهام إلى العدو.

____________

(1) البقرة: 196.

335

قلنا: لا كذلك، فإن الإحصار فى اللغة ليس بعبارة عن المرض فحسب، بل عن منع يكون بالمرض، فيكون المنع علة، و المرض سببا، و يصير كأن اللّه تعالى قال: فإن منعتم بمرض فما استيسر. فدل على المنع بالعدو من طريق الأولى، لأن المنع موجود نصا فى الحالين، و بالعدو أشد، و الارتفاق بالإحلال فيه أكثر، فجرى مجرى الشتم من التأفيف فى تحريمه.

فإن قيل: إن اللّه تعالى نسق به: (فَمَنْ كََانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ) (1) ، و لو كان أحصرتم عبارة عن المرض، لم يستقم نسق المرض به ثانيا، لأنه تكرار، لأن المعطوف أبدا يكون غير المعطوف عليه.

قلنا: قد ذكرنا أن الإحصار ليس بالمرض بعينه، لكن منع بسبب المرض، فيستفاد به التحلّل بالدم، و لا يباح به الحلق، إذا لم يتأذّ به رأسه، و بمرض يتأذّى به رأسه يباح الحلق، أو بنفس الأذى، و إن لم يمنعه عن الذهاب فلا يباح به التحلل، فكانا/غيرين، و تكون العبارة عنهما على أن عطف الخاص جائز على العام، كعطف جبريل و ميكائيل و غير ذلك.

فإن قيل: كيف يستقيم هذا و اللّه يقول فى آخر الآية: (فَإِذََا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجِّ) (2) يعنى: زال عنكم السبب المانع، و لو كان السبب

____________

(2-1) البقرة: 196.

336

المانع مرضا، لكان من حق الكلام: فإذا شفيتم؛ فلما قال: (أَمِنْتُمْ) علم أن المانع كان خوف العدو.

قلنا: يقال فى اللغة: أمن الرجل، إذا شفى، و إنما يعنى به: إذا زال عنه خوف عدو أو سبع.

قلنا: روى فى التفسير، فإذا أمنتم من الوجع، و يقال: مرض مخوف، و مرض يؤمن معه، فلا كلام على هذا. على أنه نبّه فى الأول على المرض، فدخل تحته العدو على طريق الأولى. ثم عاد إلى الطرف الآخر فى آخر الآية، و هذه سنة معتادة فى التنزيل، إذا اجتمع شيئان يذكر طرفا من كل واحد من الشيئين.

ألا ترى أنه ذكر الركعتين مع الإمام فى صلاة الخوف عن طائفتين، و ذكر مثل العدو فى قوله: (وَ مَثَلُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا) (1) مثل الداعي فى الطرف الآخر فى قوله: (كَمَثَلِ اَلَّذِي يَنْعِقُ) (2) فكذا هاهنا ذكر المرض أولا، فدخل تحته العدو، ثم ذكر الأمن من العدو، فلم يكّر على الأول بالنقض و الإبطال.

و من ذلك قوله تعالى: (سَيَهْدِيهِمْ وَ يُصْلِحُ بََالَهُمْ) (3) . أي: يهديهم إلى طريق الجنة. و قال: (فَإِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ) (4) . أي: لا يهدى إلى طريق الجنة.

____________

(2-1) البقرة: 171.

(3) محمد: 5.

(4) النحل: 37.

337

و قال: (مَنْ يَهْدِ اَللََّهُ فَهُوَ اَلْمُهْتَدِ) * (1) ، أي: من يهد اللّه إلى الحق.

و أما قوله: (إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمََانِهِمْ) (2) .

فإنه يكون مثل قوله: (سَيَهْدِيهِمْ وَ يُصْلِحُ بََالَهُمْ) (3) بدلالة اتصال الحال به، و هو قوله: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ اَلْأَنْهََارُ فِي جَنََّاتِ اَلنَّعِيمِ) (4) .

و يكون الظرف على هذا متعلقا بـ «يهديهم» ، أعنى: بإيمانهم، و يجوز أن يكون يهديهم فى دينهم، كقوله: (وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زََادَهُمْ هُدىً) (5) .

فأما قوله: (وَ يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرََاطاً مُسْتَقِيماً) (6) . فقوله: (صِرََاطاً مُسْتَقِيماً) (7) على فعل دل عليه «يهديهم» ، كأنه: يعرفهم صراطا مستقيما، و يدلهم عليه.

و إن شئت قلت: إن معنى يهديهم إليه: يهديهم إلى صراطه. /فيكون انتصاب «صراط» كقوله: مررت بزيد رجلا صالحا.

و من ذلك قوله تعالى: (يَأْتُوكُمْ أُسََارى‏ََ تُفََادُوهُمْ) (8) أي: تفادوهم بالمال. و كذلك من قرأ: تفدوهم، أي: تفدوهم بالمال.

____________

(1) الكهف: 17.

(4-2) يونس: 9.

(3) محمد: 5.

(5) محمد: 17.

(7-6) النساء: 175.

(8) البقرة: 85.

338

و من ذلك ما قال الفرّاء فى قوله تعالى: (قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا خََالِصَةً يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ) (1) إن التقدير: و هى لهم خالصة، فحذف «لهم» ، غير جائز، لأن الظرف يشبه الفعل، و ليس بفعل محض، فلا يعمل و هذا مضمرا، كما لا تعمل «ليت» مضمرا، و لهذا امتنع:

[إذ هم قريش‏]و إذ ما مثلهم بشر

من إعمال الظرف فى مثل هذا.

و قد قال فى قوله: (وَ لِمَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ جَنَّتََانِ) (2) إلى قوله:

(مُتَّكِئِينَ عَلى‏ََ فُرُشٍ) (3) إن العامل فى الحال ما فى اللام من قوله:

(وَ لِمَنْ) (4) و لا كلام فى هذا. ثم قال: (وَ مِنْ دُونِهِمََا جَنَّتََانِ) (5) إلى قوله «متّكئين» ، و التقدير: و لهم من دونهما جنتان، فأعمل الظرف مضمرا فى «متكئين» .

و من ذلك قوله تعالى: (أَ يَحْسَبُونَ أَنَّمََا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مََالٍ وَ بَنِينَ‏`نُسََارِعُ لَهُمْ فِي اَلْخَيْرََاتِ) (6) أي: نسارع لهم به، فحذف «به» ، و لا بد من تقديره ليعود إلى اسم «إن» عائد من خبره.

____________

(1) الأعراف: 32.

(2) الرحمن: 46.

(3) الرحمن: 54.

(4) الرحمن: 46.

(5) الرحمن: 62.

(6) المؤمنون: 55، 56.

339

و من ذلك قوله تعالى: (لاََ مُقََامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا) (1) أي: لا ثبات لكم فى القتال، بالفتح، أو لا ثبات‏ (2) لكم فى المكان، بالضم، و يكون الإقامة، و بالفتح المنزل. فإن حملت‏ (لاََ مُقََامَ لَكُمْ) على القتال، يكون: فارجعوا إلى طلب الأمان؛ عن الكلبي. و قيل: لا مقام لكم على دين محمد عليه السلام، فارجعوا إلى دين مشركى قريش؛ عن الحسن.

و قيل لا مقام لكم فى مكانكم، فارجعوا إلى مساكنكم.

و من ذلك قوله تعالى: (فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) (3) «ما» بمعنى الذي، و العائد من الخبر إليه محذوف، أي:

أجورهن له.

و يجوز أن يكون «ما» بمعنى «من» ، و يكون «به» على اللفظ، و «آتوهنّ» على المعنى، و لا يكون مصدرا بعود الضمير إليه.

و من ذلك قوله: (بََاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ اَلْيَوْمَ) (4) أي:

باسطوا أيديهم بالعذاب، فحذف لقوله: (اَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذََابَ اَلْهُونِ) (5) .

و فى الكتاب: بسط عليه مرتين، يريد: بسط عليها العذاب مرتين. فليس إضمار العذاب هنا على حد إضماره فى الآية. لكنه على أحد أمرين:

____________

(1) الأحزاب: 13.

(2) في الأصل: «الإثبات» .

(3) النساء: 24.

(5-4) الأنعام: 93.

340

إما أن يكون/جرى ذكر العذاب فأضمر لجرى ذكره، و إما أن يكون دلالة حال كقوله: إذا كان غدا فائتنى.

و من ذلك قوله تعالى: (إِنْ تَكُونُوا صََالِحِينَ فَإِنَّهُ كََانَ لِلْأَوََّابِينَ غَفُوراً) (1) . أي: للأوابين منكم، أو لأن الأوابين هم الصالحون. كقوله:

(أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً) (2) بعد قوله: (اَلَّذِينَ آمَنُوا) (3) .

و منه قوله: (لاََ عِوَجَ لَهُ) (4) ، أي: لا عوج له منهم.

و من ذلك قوله: (اِتَّبِعُوا سَبِيلَنََا وَ لْنَحْمِلْ خَطََايََاكُمْ) (5) أي: لنحمل خطاياكم عنكم.

و منه قوله: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) * (6) ، أي: فى الدعاء.

و من ذلك قوله: (سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَ مَعََارِجَ) (7) أي: و معارج من فضة، و أبوابا من فضة، و سررا من فضة و «زخرفا» محمول على موضع قوله:

«من فضة» .

و منه قوله تعالى: (أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ اَلْكِتََابِ يَشْتَرُونَ اَلضَّلاََلَةَ) (8) أي: يشترون الضلالة بالهدى.

و قال: (إِنَّ اَلْعَهْدَ كََانَ مَسْؤُلاً) (9) أي: مسئولا عنه.

____________

(1) الإسراء: 25.

(3-2) الكهف: 30.

(4) طه: 108.

(5) العنكبوت: 12.

(6) الكهف: 28.

(7) الزخرف: 33.

(8) النساء: 44.

(9) الإسراء: 34.

341

و قال: (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ اَلدََّاعِيَ لاََ عِوَجَ لَهُ) (1) أي: لا عوج لهم عنه.

و قوله: (مَنْ كََانَ يُرِيدُ اَلْعِزَّةَ) (2) أي: ليعلم أن العزة لمن هى.

و قال اللّه تعالى: (مََا لَكُمْ مِنْ زَوََالٍ) (3) أي: عن الدنيا، لأنهم قالوا:

(مََا هِيَ إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا) (4) .

و قال: (قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ) (5) أي: لذكر اللّه.

و قوله: (فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (6) أي: لهم، على قول أبى الحسن.

و قال: (إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ ظََالِمِي أَنْفُسِهِمْ قََالُوا فِيمَ كُنْتُمْ) (7)

أي: قالوا لهم.

و من ذلك قوله تعالى: (وَ صَدَّهََا مََا كََانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اَللََّهِ) (8) أي:

صدها عبادة غير اللّه عن عبادة اللّه، فحذف الجار و المجرور، و هو المفعول، و «ما» فاعلة.

و قيل: صدها «سليمان» عما كانت تعبد، فحذف «عن» .

و قيل: التقدير: صدها اللّه عما كانت تعبد بتوفيقها.

____________

(1) طه: 108.

(2) فاطر: 10.

(3) إبراهيم: 44.

(4) الجاثية: 24.

(5) النحل: 22.

(6) البقرة: 192.

(7) النساء: 97.

(8) النمل: 43.

342

و قيل: الواو فى قوله «و صدها» واو الحال، و التقدير: تهتدى أم تكون على ضلالتها، و قد صدها ما كانت تعبد من دون اللّه.

و مثله قوله: (فَإِنَّهُ كََانَ لِلْأَوََّابِينَ غَفُوراً) (1) أي: للأوابين منكم.

و قيل: بل الأوابون هم الصالحون، فوضع الظاهر موضع المضمر، كقوله: (ثُمَّ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمََا مَعَكُمْ) (2) . على قول الأخفش، أي: مصدق له/فوضع الظاهر موضع المضمر، كقوله: (مِمََّا جََاءَكُمْ بِهِ) فحذف الجار و المجرور. كقوله: (نُسََارِعُ لَهُمْ فِي اَلْخَيْرََاتِ) (3) أي: نسارع لهم به.

و من ذلك قوله: (أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً) (4) عن الأمة (فَآوى‏ََ) أي: فآواك إلى أبى بكر. و قيل: إلى خديجة. و قيل: إلى أبى طالب. و قيل: بل آواه إلى كنف ظله، و ربّاه بلطف رعايته. و يقال: فآواك إلى بساط القربة، بحيث انفردت بمقامك فلم يشاركك فيه أحد.

(وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ) عن الاستثناء حين سئلت، فلم تقل إن شاء اللّه [فهدى) أي‏] (5) : فهداك لذلك، و يقال: فى محبتنا، فهديناك بنور القربة إلينا. و يقال: ضالا عن محبتى فعرّفتك أنى أحبك. و يقال: جاهلا بمحلّ شرفك، فعرّفتك قدرك. و يقال: مستترا فى أهل مكة لم يعرفك أحد، فهداهم إليك، حتى عرفوك.

____________

(1) الإسراء: 25.

(2) آل عمران: 81.

(3) المؤمنون: 56.

(4) الضحى: 6.

(5) تكملة يقتضيها السياق.

343

(وَ وَجَدَكَ عََائِلاً فَأَغْنى‏ََ (8) ) أي: أغناك عن الإرادة و الطلب، بأن أرضاك بالفقر. و يقال: أغناك عن السؤال، فيما أعطاك ابتداء بلا سؤال منك. و يقال: أغناك بالنبوة و الكتاب.

و من ذلك حكاية عن إبليس اللعين: (إِنِّي كَفَرْتُ بِمََا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ) (1) . قال قوم منهم الفراء: إنى كفرت باللّه، و جعل «ما» فى مذهب ما يؤدى عن الاسم، و يعنى من قوله: «من قبل» فى وقت آدم حين أبى السجود و استكبر.

و قال قوم التقدير: إنى كفرت اليوم بما كنتم تعبدونه لى فى الدنيا، فحذفوا الظرف دون الجار.

و قال أبو على: تقدير «من قبل» أن يكون متعلقا بـ «كفرت» . المعنى:

إنى كفرت من قبل بما أشركتمونى.

ألا ترى أن كفره قبل كفرهم، و إشراكهم إياه فيه بعد ذلك.

فإذا كان كذلك علمت أن «من قبل» لا يصح أن يكون من صلة «أشركتمون» .

و إذا لم يصح ذلك فيه، ثبت أنه من صلة «كفرت» .

فأما «ما» فيحتمل وجهين:

يجوز أن يكون المصدر، فإذا كان إيّاه لم يحتج إلى عائد، و كان التقدير:

بإشراككم إياى فيه.

____________

(1) إبراهيم: 22.

344

و إن جعلتها موصولة، كان التقدير: بإشراككم إياى فيه، فحذف «فيه» .

على قياس ما قاله فى قوله: (لاََ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً) * (1) و أوصل 7 ليه الفعل/ثم حذف الضمير.

و المعنى، إنى كفرت من قبل بما أشركتمونى فيه من بعد، و يقدر «أشركتمون» جعلتمونى شريكا فى كفركم.

و مما حذف منه الجار و المجرور: قول العرب «الحملان حمل و درهم» .

فالحملان يرفع بالابتداء. و «حمل» ابتداء ثان. و «درهم» فى موضع الجر.

و المعنى الحملان حمل منهما بدرهم. فقولك «منهما» مقدر فى الكلام، و بتقديره يستقيم، و لو قلت: حمل و درهم رخيص. و يكون بـ «درهم» يتعلق بـ «رخيص» -جاز.

و مما حذف منه الجار و المجرور قوله: (وَ مََا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) * (2) .

أي: على إيمانهم أجرا، أي: ما دعوا إليه من الإيمان.

و الإيمان المقدر المحذوف على ضربين:

أحدهما أن يكون إيمان من آمن، و يجوز أن يكون إيمانا نسب إلى من يؤمن.

و جاز ذلك فيه للالتباس الذي لهم به فى دعائهم إليه، كما قال:

(وَ لِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) (3) . و التقدير: الذي شرع لهم و دعوا إليه.

____________

(1) البقرة: 48.

(2) الشعراء: 109.

(3) الأنعام: 137.

345

و من ذلك قوله تعالى: (وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللََّهُ لَهُ نُوراً) (1) أي: نورا فى القيامة. (فَمََا لَهُ مِنْ نُورٍ) (2) أي: فى الخلق.

و منه قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَا اَلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً) (3) . أي: دليلا على الظل، إذ لولاه لم تعرف، و بضدها تتبين الأشياء، عن ابن سحبر[ة]، و قيل: تاليا على الظل حتى يأتى عليه كله. عن قتادة.

و قيل: دليلا على قدرة اللّه، (ثُمَّ قَبَضْنََاهُ) (4) يعنى: الظل، أي: بطلوع الشمس، و قيل: بغروبها، (يَسِيراً) (5) أي: سريعا، و قيل: هو فعيل بمعنى مفعولة. أي: جعلنا الشمس مدلولة على الظل، أي: دللناها عليه حتى أذهبته و حكت له‏ (6) .

و أما قوله: (وَ يَسْتَجِيبُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) (7) . فقيل: هو من هذا الباب. و الذين آمنوا هم الفاعلون.

و التقدير: و يستجيب الذين آمنوا و عملوا الصالحات لربهم، كالآية الأخرى:

(وَ اَلَّذِينَ اِسْتَجََابُوا لِرَبِّهِمْ) (8) و قيل: بل الذين آمنوا نصب مفعول به على تقدير: و يستجيب اللّه للذين آمنوا، فحذف اللام.

و أما قوله: (فَلَمََّا جََاءَ أَمْرُنََا نَجَّيْنََا صََالِحاً وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ

____________

(2-1) النور: 40.

(3) الفرقان: 45.

(4) الفرقان: 46.

(6-5) كذا.

(7) الشورى: 26.

(8) الشورى: 38.

346

مِنََّا) (1) . أي: نجيّناهم من الإهلاك‏ (وَ نَجَّيْنََاهُمْ مِنْ عَذََابٍ غَلِيظٍ) (2) فحذف الجار/و المجرور. و لا يكون‏ (وَ نَجَّيْنََاهُمْ) مكررا. لمكان الواو.

و من ذلك قوله تعالى: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ اَلدُّنْيََا) (3) أي: الدنيا من المدينة.

(وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ اَلْقُصْوى‏ََ) (4) أي: من المدينة.

و قال: (فِي أَدْنَى اَلْأَرْضِ) (5) أي فى أدنى الأرض منهم.

و عند الكوفيين: قام اللاّم مقام الضمير، كقوله: (فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوى‏ََ) (6) .

و من ذلك قوله تعالى: (وَ إِذََا أَرَدْنََا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنََا مُتْرَفِيهََا) (7) .

أي: أمرنا مترفيها بالطاعة، ففسقوا فيها، فحذف «بالطاعة» .

و فسّره قوم فقالوا: أمرنا، أي كثّرنا، قالوا: و يقال: أمرت القوم و آمرت و أمّرت، إذا كثّرتهم.

و فى الحديث: خير المال سكّة مأبورة، أو مهرة مأمورة؛ أي: كثيرة النتاج، «فمأمورة» من «أمرت» .

و زعم أبو عبيدة عن يونس عن أبى عمرو أنه قال: لا يقال أمرت، أي كثرت؛ و إنما فسر «أمر» ، أي: أمرناهم بالطاعة.

____________

(2-1) هود: 58-65.

(4-3) الأنفال: 42.

(5) الروم: 3.

(6) النازعات: 41.

(7) الإسراء: 16.

347

و زعم ثعلب: أمر القوم، إذا كثروا؛ أمر علينا فلان، إذا ولى.

و كأنه اقتدى بأبى عمرو، و لم ير «أمرت» أي: كثرت، صحيحا و لم ير حجه فى قوله: مهرة مأمورة؛ لأنه يكون من باب قوله: (حِجََاباً مَسْتُوراً) (1) .

أي: ذا ستر؛ و يكون بمعنى: ساتر؛ فكذا «مأمورة» أي: ذات كثرة؛ أو بمعنى أمر.

و زعم أبو عليّ: أن أمر و أمرته، من باب رجع و رجعته، و وقف و وقفته.

و من ذلك قوله تعالى: (فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) (2)

قال أبو على: يجوز أن يكون «ما» بمعنى «الذي» و لا يكون «استمتعتم» فى موضع جزم بالجزاء، و قد عاد الذكر فى «به» إليه، و يكون العائد إليه من الخبر محذوفا، كأنه: فآتوهن أجورهن له: أي: لما استمتعتم به.

و لا يجوز أن تكون «ما» مصدرا لعود الذكر إليها من قوله؛ و لا يستقيم فى المعنى أيضا، لأن الأجور المهور فلا تؤتاه المرأة إلا مرة.

و لا يجوز أيضا أن تكون «ما» كالتى فى قوله:

فما تك يا ابن عبد اللّه فينا

____________

(1) الإسراء: 45.

(2) النساء: 24.

348

هذا المعنى أيضا و يجوز (1) .

أن تكون «ما» بمنزلة «من» ، فإذا كان كذلك لم يلزم أن يضمر شيئا يعود على المبتدأ؛ لأن قوله: / «فآتوهنّ» يرجع إلى «ما» على المعنى، لأن التقدير بـ «ما» يجوز أن يكون جمعا، قد قال هذا (2) .

فقال فى قوله: (مَهْمََا تَأْتِنََا بِهِ مِنْ آيَةٍ) (3) فكلاهما فى موضع رفع فيمن قال: زيد ضربته، و من قال: زيدا ضربته، و زيدا مررت به؛ كان عنده فى موضع نصب.

و كلام سيبويه فى هذا: و يرفع الجواب حين يذهب الجزم قولهم: أيهم يأتك تضرب، إذا جزمت؛ لأنك جئت «بتضرب» مجزوما بعد أن عمل فى أيهم، و لا سبيل له عليه، و كذلك هذا حيث جئت بجوابه مجزوما بعد أن عمل فيه الابتداء.

قلت: الصحيح ما ذكر فى قوله: (مَهْمََا تَأْتِنََا بِهِ) (4) و منعه فى:

(فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ) (5) من أن يكون شرطا، محتجا بما يعود إليه من «به» شبهة وقعت له من قول سيبويه: أيهم يأتك تضرب، إذا جزمت «تضرب» على الجواب لم يعمل فى «أيهم» .

____________

(1) في الأصل: «و يجوز أن تكون» .

(2) يشير إلى أن هذا من كلام أبي علي الفارسي.

(4-3) الأعراف: 132.

(5) النساء: 24.

349

فأما: أيهم تضرب يأتك؛ فإنك تنصبه «بتضرب» و لو أدخلت الهاء فقلت: أيهم تضربه يأتك، جاز رفعه، و إن كان الاختيار النصب.

و مثل الآية قول المتنخّل الهذلي:

إذا سدته سدت مطواعة # و مهما وكلت إليه كفاه‏ (1)

فالهاء فى «كفاه» عائدة إلى «مهما» ، كما يعود إلى «ما» و لا يكون بمثل هذا العائد فى: أين و متى، لا تقل: أين تكن أكن فيه، و لا: متى تأتنى آتك فيه، لأن «أين» و «متى» لا يبتدآن، فهما منصوبان على الظرف فلا يشتغل الفعل عنهما، و «ما» قد تكون مبتدأة.

ثم اعلم بعد: أنى لا أختار فى «ما» من قوله: (فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ) (2)

أن يكون بمعنى «الذي» ، لأنه يحتاج إلى ما يعود إليه من الخبر، على حد ما قال من قوله: (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) له؛ إذ لا يكاد يفيد معنى.

و لكن ما يكون شرطا؛ إما منصوبا بفعل مضمر يفسره: (فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ) (3) ، أو يكون مبتدأ، و ما بعده خبره.

و لا أختار أن يكون بمعنى «من» لقلة ذلك، و كلام اللّه لا يحمل على القليل.

و وجدت فى موضع آخر قال: لا يجوز أن تكون «ما» مصدرا على حدّ قوله: (بِمََا كََانُوا يَكْذِبُونَ) * (4) أي: بتكذيبهم؛ لأن الذكر قد عاد

____________

(1) اللسان (طوع) .

(3-2) النساء: 24.

(4) البقرة: 10.

350

إليه/من الصلة فى قوله‏ (1) به، فإذا كان كذلك كان بمعنى الذي، و دخلت الفاء على حد دخولها فى قوله: (وَ مََا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اَللََّهِ) (2) ، و قوله: (اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ سِرًّا وَ عَلاََنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ) (3) .

و إذا حملته على هذا وجب أن يعود مما بعد الفاء ذكر يعود إلى المبتدأ:

فآتوهن أجورهن له أو من أجله، أي: من أجل ما استمتعتم به؛ لا يكون إلا كذلك.

فإن قلت: لا يجوز أن تكون «ما» للجزاء، فإنه يجوز أن يكون له، و يكون موضع «استمتعتم» جزما و الفعل، و ما بعد «ما» فى موضع الجزم، و يكون اسما للوقت و قد قال:

فما تك يا ابن عبد اللّه فينا و موضع «ما» رفع لاشتغال الفعل بالجار.

و من قال: زيدا مررت به، كانت عنده فى موضع نصب، و رجوع الذكر من الشرط لا يمنع أن يكون الاسم الذي قبله للمجازاة.

____________

(1) في الأصل: «قوله في به» .

(2) النحل: 53.

(3) البقرة: 274.

351

ألا ترى أنك لو قلت: ما يحملك تركبه؛ لم يمتنع أن يكون جزاء.

و كذلك لو قلت: ما يحملك ينفعك. و قد جاءت «ما» فى مواضع للجزاء يراد به الزمان. و كذلك فى الآية: إن استمتعتم وقتا منهن به.

و ينبغى فى قياس قول أبى الحسن أن يكون فى الشرط ذكر يعود إلى ما يعود من الخبر على الجمل.

على هذا حمل هذا النحو فى مسائل الكثير، و هذا حكوا عنه فى الكتاب.

352

الباب السادس عشر

هذا باب ما جاء في التنزيل و قد حذف منه همزة الاستفهام هذا باب ما جاء فى التنزيل و قد حذف منه همزة الاستفهام و حذف الهمزة فى الكلام حسن جائز، إذا كان هناك ما يدل عليه.

فمن ذلك قوله تعالى فى قراءة الزهري: (سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) * (1) و التقدير: أ سواء عليهم الإنذار و ترك الإنذار، فحذف الهمزة.

و مثله قراءة ابن أبى عبلة فى قوله: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلشَّهْرِ اَلْحَرََامِ قِتََالٍ فِيهِ) (2) بالرفع على معنى: أقتال فيه؟ و قيل فى قوله تعالى: (وَ ذَا اَلنُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغََاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) (3) فحذف الهمزة و قال الأخفش فى قوله تعالى: (وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهََا عَلَيَّ) (4) التقدير:

أو تلك نعمة؟فحذف الهمزة.

و مثله: (قََالَ هََذََا رَبِّي) * (5) . أي أ هذا ربى؟فحذف الهمزة، فكذلك فى أختيها.

/و قيل فى قوله تعالى: (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) (6) : أ تلقون إليهم بالمودة؟ فحذف الهمزة.

____________

(1) البقرة: 6.

(2) البقرة: 217.

(3) الأنبياء: 87.

(4) الشعراء: 22.

(5) الأنعام: 76 و 77 و 78.

(6) الممتحنة: 1.