منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - ج4

- عبد الله بن سعيد محمد العبادي المزيد...
531 /
455

38- «اللّهمّ؛ اجعلني أخشاك حتّى كأنّي أراك، و أسعدني بتقواك، و لا تشقني بمعصيتك، و خر لي في قضائك، و بارك لي في قدرك، حتّى لا أحبّ تعجيل ما أخّرت؛ و لا تأخير ما عجّلت.

38- ( «اللّهمّ؛ اجعلني أخشاك حتّى كأنّي أراك، و أسعدني بتقواك)؛ فإنّها سبب كلّ خير، و سعادة في الدارين. و قد أثنى اللّه في التنزيل على المتقين بقوله‏ وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) [آل عمران‏]. و وعدهم بالحفظ و الحراسة من الأعداء بقوله‏ وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [120/ آل عمران‏]. و بالنصر و التأييد بقوله‏ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ‏ (128) [النحل‏]. و قوله‏ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ‏ (123) [التوبة]. و لا سعادة أعظم من هذه المعيّة.

(و لا تشقني بمعصيتك)، فإنّ المعاصي بريد الكفر، لأنّه كلّما فعل الشخص معصية اسودّ جزء من قلبه، و انطفأ بعض نور إيمانه؛ فربّما غلب عليه و طفئ جميعه.

(و خر لي)؛ أي: اختر لي‏ (في قضائك)؛ أي: مقضيّك، أي: اختر لي خير الأمرين من مقضيّك، فإنّك لا تفعل بي إلّا ما هو الأوفق و الأصلح لي.

(و بارك لي في قدرك)؛ بأن ترضّيني به‏ (حتّى لا أحبّ تعجيل ما أخّرت؛ و لا تأخير ما عجّلت)، لأنّ الخير كلّه في الرضا و التسليم.

قال العارف باللّه سيدي أبو الحسن الشاذليّ (رحمه الله تعالى):

تردّدت؛ هل ألزم القفار للطاعة و الأذكار، أو أرجع إلى الديار لصحبة الأخيار؟!! فوصف لي شيخ برأس جبل، فوصلت لغاره ليلا؛ فبتّ ببابه، فسمعته يقول: اللّهمّ؛ إنّ قوما سألوك أن تسخّر لهم خلقك ففعلت، فرضوا، و أنا أسألك اعوجاج الخلق عنّي، حتّى لا يكون لي ملجأ إلّا أنت.

456

و اجعل غناي في نفسي، و أمتعني بسمعي و بصري، و اجعلهما الوارث منّي، ...

فقلت: يا نفس؛ انظري من أيّ بحر يغترف هذا الشيخ!! فأصبحت، فدخلت عليه، فأرهبت من هيبته، فقلت: كيف حالكم؟

فقال: إنّي أشكو إلى اللّه من برد الرضا و التسليم؛ كما تشكو من حرّ التدبير و الاختيار!!

فقلت: أمّا شكواي من حرّهما؛ فذقته، و أما شكواك من بردهما؛ فلما ذا؟!

قال: أخاف أن تشغلني حلاوتهما عن اللّه تعالى.

قلت: سمعتك اللّيلة تقول ... كذا؟! فتبسّم و قال: عوض ما تقول «سخّر لي خلقك»، قل: «كن لي»؛ تره إذا كان لك لا يفوتك شي‏ء؛ فما هذه الجناية!؟! فحصل للشيخ أبي الحسن من هذا المجلس معارف و أنوار عظيمة.

(و اجعل غناي في نفسي)، لأنّ غنى النفس هو الغنى بالحقيقة، و هو المحمود النافع، بخلاف غنى المال؛ فإنّ النفس المنهمكة لا تغتني، بل كلّما حدث لها شي‏ء من المال حدث لها طبع آخر، فإذا طلبت مائة دينار مثلا و حصّلتها توجّهت إلى جهات مصارف أخرى، كبنيان بيت و شراء أرقاء فتطلب ألف دينار، فإذا حصلتها، توجهت إلى مصارف أخرى و هكذا ... و لا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب.

(و أمتعني بسمعي و بصري): الجارحتين المعروفتين، بأن تديم سلامتهما من الصمم و العمى، (و اجعلهما الوارث منّي)؛ أي: اجعلهما آخر ما يسلب منه الانتفاع من البدن.

و في «الأذكار» للإمام النووي (رحمه الله تعالى): قال العلماء: معنى «اجعلهما الوارث مني»؛ أي: أبقهما صحيحين سليمين إلى أن أموت. و قيل:

المراد بقاؤهما و قوّتهما عند الكبر و ضعف الأعضاء و باقي الحواس، أي: اجعلهما

457

و انصرني على من ظلمني، و أرني فيه ثأري، و أقرّ بذلك عيني».

(طس؛ عن أبي هريرة).

39- «اللّهمّ؛ اكفني بحلالك عن حرامك، و أغنني بفضلك عمّن سواك». (ت؛ عن عليّ).

وارثي قوّة باقي الأعضاء، و الباقيين بعدها. و روي: «و اجعله الوارث منّي»، فردّ الهاء إلى الإمتاع؛ فوحّده. انتهى.

(و انصرني على من ظلمني): تعدّى و بغى عليّ، (و أرني فيه ثأري، و أقرّ بذلك عيني»)؛ أي: فرحتي بالظفر عليه.

(طس)؛ أي: أخرجه الطبراني في «الأوسط»؛ (عن أبي هريرة) (رضي الله تعالى عنه) قال: كان النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم يكثر أن يدعو بهذا الدّعاء. قال الحافظ الهيثمي:

و فيه إبراهيم بن خيثم بن عراك: و هو متروك. انتهى «مناوي». و في العزيزي:

أنّه حديث ضعيف.

39- ( «اللّهمّ؛ اكفني)- بهمزة وصل و كسر الفاء-: من كفى كفاية، و كفاك الشي‏ء يكفيك، (بحلالك عن حرامك، و أغنني بفضلك عمّن سواك»).

(ت)؛ أي: أخرجه الترمذيّ؛ (عن عليّ) أمير المؤمنين (رضي الله تعالى عنه): أنّ مكاتبا جاءه فقال: إنّي عجزت عن كتابتي فأعنّي!! قال: أ لا أعلّمك كلمات علّمنيهنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؛ لو كان عليك مثل جبل دينا أدّاه عنك، قل:

اللّهمّ ...» الخ.

و رواه الحاكم في «المستدرك»؛ عن عليّ أيضا، و قال الترمذيّ: حديث حسن غريب. قال في «شرح الأذكار»: و في رواية: «يقول بعد صلاة الجمعة سبعين مرّة: اللّهمّ اكفني بحلالك عن حرامك، و بطاعتك عن معصيتك، و بفضلك عمّن سواك». انتهى.

458

40- «اللّهمّ؛ اجعل أوسع رزقك عليّ عند كبر سنّي و انقطاع عمري». (ك؛ عن عائشة).

41- «اللّهمّ؛ إنّي أسألك إيمانا يباشر قلبي حتّى أعلم أنّه لا يصيبني إلّا ما كتبت لي، و أرضني من المعيشة بما قسمت لي».

40- ( «اللّهمّ؛ اجعل أوسع رزقك)؛ أي: أحد قسمي الرزق: و هو ما يحصل به غذاء الأبدان؛ دون ما يحصل به غذاء الأرواح، لأنّ الرزق نوعان:

1- ظاهر للأبدان كالقوت، و هو المراد هنا.

و 2- باطن للقلوب و النفوس؛ كالمعارف.

و يرجّح الأوّل قوله‏ (عليّ عند كبر سنّي و انقطاع عمري»). أي: إشرافه على الانقطاع و الرحيل من هذه الدار، فإنّ الإنسان عند الشيخوخة قليل القوّة، ضعيف الكدّ؛ عاجز عن السعي، فإن أوسع اللّه عليه رزقه حين ذلك كان عونا له على العبادة.

(ك)؛ أي: أخرجه الحاكم؛ عن سعدويه؛ عن عيسى بن ميمون؛ عن القاسم بن محمد؛ (عن عائشة) (رضي الله تعالى عنها) قالت: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يكثر هذا الدّعاء: اللّهمّ ...». إلى آخره. قال الحاكم: حسن غريب. و ردّه الذهبي؛ بأن عيسى متّهم بالوضع، و من ثمّ حكم ابن الجوزي بوضعه. نعم؛ رواه الطبرانيّ بسند، قال فيه الحافظ الهيثميّ: إنّه حسن، و به تزول التّهمة. انتهى.

ذكره المناوي.

41- ( «اللّهمّ؛ إنّي أسألك إيمانا يباشر قلبي)، أي: يلابسه و يخالطه، فإنّ الإيمان إذا تعلّق بظاهر القلب أحبّ الدنيا و الآخرة، و إذا بطن الإيمان في سويداء القلب و باشره أبغض الدنيا فلم ينظر إليها؛ ذكره حجّة الإسلام.

(حتّى أعلم): أجزم و أتيقن‏ (أنّه لا يصيبني إلّا ما كتبت لي)، أي: قدّرته عليّ في العلم القديم الأزلي، (و أرضني من المعيشة بما قسمت لي»)، أي:

459

(البزّار؛ عن ابن عمر [(رضي الله تعالى عنهما)]).

42- «اللّهمّ؛ إنّي أسألك عيشة نقيّة، و ميتة سويّة، و مردّا غير مخزيّ و لا فاضح». (طب، ك، البزّار، عن ابن عمر).

و أعطني الرّضا بما قسمت لي من الرزق؛ فلا أسخطه و لا أستقلّه.

قال الشاذليّ: من أجلّ مواهب اللّه الرّضا بمواقع القضاء، و الصبر عند نزول البلاء، و التوكّل على اللّه عند الشدائد، و الرجوع إلى اللّه عند النوائب، فمن خرجت له هذه الأربع من خزائن الأعمال على بساط المجاهدة، فقد صحّت ولايته للّه و رسوله و المؤمنين.

وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ‏ (56) [المائدة].

(البزّار)؛ أي: أخرجه البزّار في «مسنده»؛ (عن ابن عمر) بن الخطاب.

قال الحافظ الهيثميّ: و فيه أبو مهدي: سعيد بن سنان؛ و هو ضعيف الحديث.

42- ( «اللّهمّ؛ إنّي أسألك عيشة)- بكسر العين المهملة- أي: حياة (نقيّة)، أي: طاهرة مرضيّة، (و ميتة)- بكسر الميم و سكون التحتيّة- أي: هيئة موت‏ (سويّة)- بفتح فكسر فتشديد- أي: مستوية؛ أي: معتدلة؛ بأن لا ينالني مشقّة شديدة، (و مردّا)؛ أي: مرجعا إلى الآخرة (غير مخزيّ)- بضم الميم و بالزاي و إثبات الياء المشدّدة- أي: غير مذلّ و لا موقع في بلاء، (و لا فاضح»)؛ أي: كاشف للمساوئ و العيوب.

(طب، ك، البزّار)؛ أي: أخرجه الطبراني في «الكبير»، و الحاكم في «المستدرك»، و البزّار في «مسنده»- و اللّفظ له-؛ من حديث خلّاد بن يزيد الجعفي؛ عن شريك؛ عن الأعمش؛ عن مجاهد؛ (عن ابن عمر) بن الخطاب (رضي الله تعالى عنهما) قال: كان النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم يدعو به.

قال الحاكم: على شرط مسلم، و تعقّبه الذهبيّ؛ فقال: خلّاد ثقة، لكن شريك ليس بحجّة. انتهى. قال الحافظ الهيثمي: إسناد الطبرانيّ جيّد. انتهى‏

460

43- «اللّهمّ؛ أصلح لي ديني الّذي هو عصمة أمري، و أصلح لي دنياي الّتي فيها معاشي، و أصلح لي آخرتي الّتي فيها معادي، و اجعل الحياة زيادة لي في كلّ خير، و اجعل الموت راحة لي من كلّ شرّ». (م؛ عن أبي هريرة).

44- «اللّهمّ؛ إنّي أسألك الهدى ...

«مناوي». قال: و هذا الدعاء قطعة من دعائه يومي العيد، كما رواه الطبراني؛ عن ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه). انتهى.

43- ( «اللّهمّ؛ أصلح لي ديني الّذي هو عصمة أمري)- مفرد مضاف فيعمّ-؛ أي: الذي هو حافظ لجميع أموري، فإنّ من فسد دينه فسدت جميع أموره، و خاب و خسر في الدنيا و الآخرة.

(و أصلح لي دنياي الّتي فيها معاشي)؛ أي: أصلحها بإعطاء الكفاف فيما يحتاج إليه، و كونه حلالا معينا على الطاعة. (و أصلح لي آخرتي)؛ بأن توفّقني للأعمال الصالحة التي تنفعني في الآخرة (الّتي فيها معادي)؛ أي: ما أعود إليه يوم القيامة. و قد جمع في هذه الثلاث صلاح الدنيا و الدين و المعاد، و هي أصول مكارم الأخلاق التي بعث لإتمامها.

(و اجعل الحياة زيادة لي في كلّ خير)؛ أي: اجعل عمري مصروفا فيما تحبّ و ترضى، و جنّبني عمّا تكره، (و اجعل الموت راحة لي من كلّ شرّ») أي: اجعل موتي سبب خلاصي من مشقّة الدنيا و التخلّص من غمومها و همومها. قال الطّيبيّ:

و هذا الدعاء من جوامع الكلم.

(م)؛ أي: أخرجه مسلم في «الدعوات»؛ (عن أبي هريرة) (رضي الله تعالى عنه)، و لم يخرّجه البخاريّ.

44- ( «اللّهمّ؛ إنّي أسألك الهدى)؛ أي: الهداية إلى الصراط المستقيم؛

461

و التّقى، و العفاف و الغنى». (م، ت، ه؛ عن ابن مسعود).

45- «اللّهمّ؛ اجعل حبّك أحبّ الأشياء إليّ، و اجعل خشيتك أخوف الأشياء عندي، و اقطع عنّي حاجات الدّنيا بالشّوق إلى لقائك،

صراط الذين أنعمت عليهم. (و التّقى): الخوف من اللّه، و الحذر من مخالفته.

قال الطّيبي: أطلق الهدى و التّقى!! ليتناول كلّ ما ينبغي أن يهدى إليه من أمر المعاش و المعاد و مكارم الأخلاق، و كلّما يجب أن يتّقى منه من شرك و معصية و خلق ديني. انتهى. (و العفاف): الصيانة عن مطامع الدنيا، (و الغنى)؛ أي:

غنى النفس و الاستغناء عن الناس و عمّا في أيديهم.

(م، ت، ه)؛ أي: أخرجه مسلم، و الترمذيّ، و ابن ماجه .. كلّهم في «الدعوات»؛ (عن ابن مسعود) (رضي الله تعالى عنه)، و لم يخرّجه البخاريّ.

45- ( «اللّهمّ؛ اجعل حبّك)؛ أي: حبّي إيّاك‏ (أحبّ الأشياء إليّ)، و ذلك يستلزم الترقّي في مدارج معرفة الحق، و مطالعة كمال جماله، فكلّما ازدادت المعرفة تضاعفت الأحبّيّة.

(و اجعل خشيتك)؛ أي: خوفي منك المقترن بكمال التعظيم‏ (أخوف الأشياء عندي)؛ بأن تكشف لي من صفات الجلال ما يستلزم كمال الخوف منك؛ مع حصول الرجاء و الطمع في رحمتك.

(و اقطع عنّي حاجات الدّنيا)؛ أي: امنعها و ادفعها (بالشّوق إلى لقائك)؛ أي: بسبب حصول الشوق إلى النظر إلى وجهك الكريم الذي هو أرفع درجات النعيم، و غاية الأماني لكل قلب سليم.

و من منح الشوق انقطعت عنه حاجات الدنيا و الآخرة، و أولادهم باللّه أشدّهم له شوقا. و قد كان المصطفى صلى اللّه عليه و سلم طويل الفكر، دائم الأحزان، فهل كان كذلك إلّا من‏

462

و إذا أقررت أعين أهل الدّنيا من دنياهم .. فأقرر عيني من عبادتك».

(حل؛ عن الهيثم بن مالك الطّائيّ [(رحمه الله)‏]).

شدّة شوقه إلى منزله!؟ و أقربهم قربا، و أعلمهم به أشدّهم حرقة في القلوب شوقا.

قال حجّة الإسلام: لو خلق فيك الشوق إلى لقائه، و الشهوة إلى معرفة جلاله؛ لعلمت أنّها أصدق و أقوى من شهوة الأكل و الشّرب، و كذلك كلّ شي‏ء، بل و آثرت جنّة المعرفة و رياضتها على الجنّة التي فيها قضاء الشهوات المحسوسة، و هذه الشهوة خلقت للعارفين؛ و لم تخلق لك، كما خلق لك شهوة الجاه؛ و لم تخلق للصبيان؛ و إنما لهم شهوة اللعب! و أنت تعجب من عكوفهم عليه و خلوّهم عن لذّة العلم و الرئاسة!! و العارف يعجب منك و من عكوفك على لذّة العلم و الرئاسة، فإنّ الدنيا بحذافيرها عنده لهو و لعب، فلمّا خلق للكمّل معرفة الشوق كان التذاذهم بالمعرفة بقدر شهوتهم، و يتفاوتون في ذلك، و لذلك سأل المصطفى صلى اللّه عليه و سلم المزيد من ذلك، و لا نسبة لتلك اللّذة إلى لذّة الشهوات الحسيّة!! و لذلك كان العارف إبراهيم بن أدهم يقول: لو علم الملوك ما نحن فيه من النعيم لقاتلونا عليه بالسيوف. انتهى «مناوي».

(و إذا أقررت أعين أهل الدّنيا من دنياهم)؛ أي: فرّحتهم بما آتيتهم منها، (فأقرر عيني من عبادتك»)؛ أي: فرّحني بها، و ذلك لأنّ المستبشر إذا بكى من كثرة السرور يخرج من عينه ماء بارد، كما قال:

طفح السّرور عليّ حتّى أنّه‏ * * * من فرط ما قد سرّني أبكاني‏

و الباكي جزعا يخرج من عينيه ماء سخن.

(حل)؛ أي: أخرجه أبو نعيم في «الحلية»؛ (عن الهيثم بن مالك الطّائيّ)؛ ذكره في «الإصابة» في القسم الرابع، و قال: هو تابعيّ من أهل الشام، أرسل حديثا فظنّه بعضهم صحابيا، و ذكره البخاريّ، و ابن أبي حاتم في التابعين. و اللّه أعلم. انتهى ملخصا.

463

46- «اللّهمّ؛ إنّي أسألك الصّحّة، و العفّة، و الأمانة، و حسن الخلق، و الرّضا بالقدر». (طب؛ عن ابن عمرو [(رضي الله تعالى عنهما)]).

47- «اللّهمّ؛ إنّي أسألك التّوفيق لمحابّك ...

46- ( «اللّهمّ؛ إنّي أسألك الصّحّة)؛ أي: العافية من الأمراض و العاهات.

(و العفّة) عن المحرّمات و المكروهات و ما يخلّ بكمال المروءة؛ قاله المناوي.

(و الأمانة)؛ أي: حفظ ما ائتمنت عليه من حقوق اللّه تعالى و حقوق عباده.

(و حسن الخلق)- بضم اللّام-؛ أي: مع الخلق، بالصبر على أذاهم، و كفّ الأذى عنهم، و التلطّف بهم، (و الرّضا بالقدر»)؛ أي: بما قدّرته عليّ في الأزل.

و هذا تعليم لأمّته، و تمرين للنفس على الرضا بالقضاء، و ذلك لأمرين:

الأول: أن يتفرّغ العبد للعبادة، لأنّه إذا لم يرض بالقضاء يكون مهموما مشغول القلب أبدا؛ بأنه لم كان كذا!!، و لما ذا لا يكون كذا!!، فإذا اشتغل القلب بشي‏ء من هذه الهموم كيف يتفرّغ للعبادة؟! إذ ليس له إلّا قلب واحد؛ و قد امتلأ من الهموم، و ما كان و ما يكون، فأيّ محل فيه لذكر العبادة و فكر الآخرة؟! و لقد صدق شقيق في قوله «حسرة الأمور الماضية؛ و تدبير الآتية ذهبت ببركة الساعات».

الثاني: خطر ما في السخط من مقت اللّه و غضبه؛ مع أنّه لا فائدة لذلك، إذ القضاء نافذ؛ و لا بدّ منه، رضي العبد؛ أم سخط. انتهى «مناوي».

(طب)؛ أي: أخرجه الطبراني في «الكبير»، و أخرجه البزّار أيضا، كلاهما؛ (عن ابن عمرو) بن العاصي. قال الحافظ الهيثمي: فيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: و هو ضعيف الحديث، و بقيّة رجال أحد الإسنادين رجال الصحيح.

قاله المناوي.

47- ( «اللّهمّ؛ إنّي أسألك التّوفيق) الذي هو خلق قدرة الطاعة (لمحابّك)

464

من الأعمال، و صدق التّوكّل عليك، و حسن الظّنّ بك». (حل؛ عن الأوزاعيّ و الحكيم؛ عن أبي هريرة).

- بالتشديد- أي: ما تحبّه و ترضاه‏ (من الأعمال) الصالحة، و لأترقّى في الأفضل فالأفضل منها. (و صدق التّوكّل عليك، و حسن الظّنّ بك»)؛ أي: يقينا جازما يكون سببا لحسن الظنّ بك، لقوله: «أنا عند ظنّ عبدي بي».

و انظر إلى هذه الثلاث المسئولة كيف يشبه بعضها بعضا؟! فكأنّه نظام واحد!.

1- سأله التوفيق لمحابّه!! و محابّه في الغيب لا تدرى، فربّما كان محابّه في شي‏ء هو في الظاهر دون غيره؛ فإذا استقبل النفس به و احتاج إلى إيثاره على ما هو في الظاهر أعلى، تردّد في النفس سؤاله.

2- و سأله صدق التوكل!! و التوكّل: هو التفويض إليه؛ و اتّخاذه وكيلا في سائر أموره، فسأله صدق ذلك، و صدقه: أنّه إذا استقبلك أمر هو عندك أدون فوفّقك لهذا الأدون، و هو مختاره: ألّا تتردّد فيه و تمرّ به مسرعا.

3- ثم قال: أسألك حسن الظنّ بك، فإنّ النفس إذا دخلت في الأدون دخل سوء الظنّ من قبلها، تقول: لعلّي مخذول فيها!! فسأله حسن الظن حتى لا تأخذه الحيرة من ربّه فيخاف الخذلان.

(حل)؛ أي: أخرجه أبو نعيم في «الحلية»؛ عن محمّد بن نصر الحارثي؛ من حديث حسين الجعفي؛ عن يحيى بن عمر؛ (عن الأوزاعيّ):

عبد الرحمن بن عمرو، تابعيّ، ثقة جليل؛ فهو مرسل.

ثم قال أبو نعيم: لم يروه عن الأوزاعيّ- فيما أعلم- إلّا محمّد بن نصر الحارثي، و لا عنه إلّا يحيى، تفرّد به الحسين.

(الحكيم)؛ أي: و أخرجه الحكيم التّرمذيّ؛ (عن أبي هريرة) (رضي الله تعالى عنه) قال- أعني الحكيم-: و هذا باب غامض يخفى على الصادقين، و إنّما ينكشف للصّدّيقين. انتهى. و فيه عمر بن عمرو: فيه كلام. انتهى. ذكره المناوي.

465

48- «اللّهمّ؛ إنّي أسألك صحّة في إيمان، و إيمانا في حسن خلق، و نجاحا يتبعه فلاح، و رحمة منك و عافية، و مغفرة منك و رضوانا». (طس، ك؛ عن أبي هريرة [(رضي الله تعالى عنه)‏]).

49- «اللّهمّ؛ الطف بي في تيسير كلّ عسير، فإنّ تيسير كلّ عسير عليك يسير، ...

48- ( «اللّهمّ؛ إنّي أسألك صحّة في إيمان) «في» بمعنى «مع»؛ على حدّ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ‏ [38/ الأعراف‏]؛ أي: صحّة في بدني مع تمكّن التصديق من قلبي.

(و إيمانا في حسن خلق)- بالضم-؛ أي: و أسألك إيمانا يصحبه حسن خلق، ف «في» بمعنى «مع».

(و نجاحا)؛ أي: حصولا للمطلوب‏ (يتبعه فلاح)؛ أي: فوز ببغية الدنيا و الآخرة، (و رحمة)؛ أي: و أسألك رحمة (منك و عافية)؛ أي: سلامة من البلايا و المصائب، (و مغفرة منك)؛ أي: سترا للعيوب، (و رضوانا)- بكسر الراء و ضمّها-: اسم مبالغة في معنى الرضا، أي: و أسألك رضوانا منك لأفوز بخير الدارين.

(طس، ك)؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط»، و الحاكم في «المستدرك» كلاهما؛ (عن أبي هريرة) قال: أوصى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم سلمان الخير؛ فقال: «إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يريد أن يمنحك كلمات تسألهنّ الرّحمن؛ ترغب إليه فيهنّ، و تدعو بهنّ في اللّيل و النّهار، قل: اللّهمّ ...» إلى آخره. قال الحافظ الهيثميّ: رجاله ثقات. انتهى.

49- ( «اللّهمّ؛ الطف): ارفق‏ (بي في تيسير كلّ عسير)؛ أي: تسهيل كلّ صعب شديد، (فإنّ تيسير كلّ عسير عليك يسير)؛ أي: لا يعسر عليك شي‏ء، لأنّك خالق الكلّ، و مقدّر الجميع.

466

و أسألك اليسر و المعافاة في الدّنيا و الآخرة». (طس؛ عن أبي هريرة).

50- «اللّهمّ؛ اعف عنّي، فإنّك عفوّ كريم». (طس؛ عن أبي سعيد).

51- «اللّهمّ؛ إنّي عبدك، و ابن عبدك، و ابن أمتك، في قبضتك، ناصيتي بيدك، ...

(و أسألك اليسر)؛ أي: سهولة الأمور و حسن انقيادها، (و المعافاة في الدّنيا و الآخرة)؛ بأن تصرف أذى الناس عنّي، و تصرف أذاي عنهم.

(طس)؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط»؛ (عن أبي هريرة) (رضي الله تعالى عنه) قال: لمّا وجّه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة شيّعه، و زوّده هذه الكلمات. قال الحافظ الهيثميّ: فيه من لم أعرفهم. انتهى.

و أورده في «الميزان» في ترجمة عبد اللّه بن عبد الرحمن، و قال: إسناده مظلم.

50- ( «اللّهمّ؛ اعف عنّي)؛ أي: امح ذنوبي، (فإنّك عفوّ كريم»)؛ أي: فإنّك كثير الفضل و الكرم، تحبّ الإفضال و الإنعام.

(طس)؛ أي: أخرجه الطبراني في «الأوسط»؛ (عن أبي سعيد) الخدري (رضي الله تعالى عنه) قال: جاء رجل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؛ فقال: علّمني دعاء أصيب به خيرا. فقال: «ادن»، فدنا حتّى كادت ركبته تمسّ ركبته؛ فقال:

«اللّهمّ ...» إلى آخره. قال الحافظ الهيثميّ: فيه يحيى بن ميمون التمّار: و هو متروك؛ قاله المناوي. و في العزيزيّ: هو حديث ضعيف.

51- ( «اللّهمّ؛ إنّي عبدك، و ابن عبدك، و ابن أمتك)؛ أي: ابن جاريتك و مملوكتك، (في قبضتك، ناصيتي بيدك). الناصية: مقدّم الرأس، و هي- هنا

467

ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم نور صدري، و ربيع قلبي، ...

كناية- عن كمال قدرته، و إشارة إلى أنّ إحاطته على وفق إرادته.

(ماض): نافذ (فيّ)- بتشديد الياء-؛ أي: في حقّي‏ (حكمك)، إذ لا مانع لما قضيت. و قال القاري في «الحرز»: المعنى: سابق في شأني حكمك الأزليّ الذي لا يبدّل و لا يحوّل.

(عدل فيّ)- بتشديد الياء- (قضاؤك)؛ أي: ما قضيت به عليّ، فهو عدل لا جور فيه؛ و لا ظلم.

(أسألك بكلّ اسم هو لك)؛ أي: ثابت لك‏ (سمّيت به نفسك)، هو أعمّ من قوله‏ (أو أنزلته في كتابك)؛ أي: القرآن و سائر كتبك المنزلة.

(أو علّمته أحدا من خلقك)؛ من الأنبياء و المرسلين، و الملائكة المقرّبين، و الأولياء و العارفين.

(أو استأثرت به)؛ أي: اخترته و اصطفيته‏ (في علم الغيب) الذي لا يعلمه إلّا أنت، و (عندك): عنديّة مكان. قال الشوكانيّ: و فيه دليل أنّ للّه تعالى أسماء غير التسعة و التسعين الاسم.

(أن تجعل القرآن العظيم)- كذا عند بعض الرواة بزيادة: «العظيم».

و «أن» و مدخولها: ثاني مفعول «أسأل»، و المفعول الثاني ل «جعل» هو قوله:

(نور صدري)؛ أي: تشرق في قلبي نوره فأميّز الحقّ من غيره. (و ربيع قلبي)؛ أي: متنزّهه، و مكان رعيه و انتفاعه بأنواره و أزهاره و أشجاره و ثماره المشبّه بها أنواع العلوم و المعارف، و إضاءة الحكم و الأحكام و اللطائف.

468

و جلاء حزني، و ذهاب همّي». (ابن السّنّيّ؛ ...

(و جلاء حزني)- بكسر الجيم و المدّ- أي: إزالة حزني و كشفه، من:

جلوت السيف جلاء- بالكسر-، أي: صقلته، و يقال: جلوت همّي عني؛ أي:

أذهبته. و وقع في بعض نسخ «الحصن»- بفتح الجيم-.

قال في «الحرز»: فهو جلاء القوم عن الموضع، و منه‏ وَ لَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ [3/ الحشر]. و المعنى: اجعله سبب تفرقة حزني، و جمعيّة خاطري.

انتهى.

(و ذهاب همّي»)؛ أي: الهمّ الذي لا ينفعني و يفرّقني لا يجمعني.

رواه‏ (ابن السّنّيّ)- بضم السين المهملة و تشديد النون بعدها ياء النّسبة-:

و هو الإمام الجليل الحافظ: أبو بكر أحمد بن محمّد بن إسحاق بن إبراهيم بن أسباط بن بديح- بصيغة التصغير * * * البديحيّ- بالموحدة؛ فالدال المهملة فالمثنّاة التحتيّة

فالحاء المهملة- منسوب إلى جدّه «بديح» القرشيّ، الهاشميّ «مولاهم»، الدينوري، المعروف ب «ابن السّنّيّ». و بديح جدّه: مولى عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب.

يكنى «أبا بكر»، أحد الحفّاظ المشهورين، الثقات المأمونين، ولي قضاء القضاة بالرّي، ثمّ انفصل و تركه، و نفذ حكمه إلى العراق و الحجاز و مصر.

و في شيوخه كثرة، منهم: أبو يعلى الموصلي البغوي، و أبو الحسين بن جوصا، و أبو عبد الرحمن النسائي، و أبو عرفة الكراني، و جماعة.

روى عنه: القاضي أحمد بن عبيد اللّه بن شاذان، و أبو نصر أحمد بن الحسين بن الكسار، الدينوريان، و جماعة غيرهما.

توفي سنة- 364-: أربع و ستين و ثلاثمائة، و مات عن بضع و ثمانين سنة.

(رحمه الله تعالى). آمين.

469

عن أبي موسى الأشعريّ).

(عن أبي موسى الأشعريّ): عبد اللّه بن قيس (رضي الله تعالى عنه) قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «من أصابه همّ أو حزن؛ فليدع بهذه الكلمات ...» الخ.

و قال في آخره: فقال رجل من القوم: يا رسول اللّه؛ إنّ المغبون لمن غبن هؤلاء الكلمات!؟ فقال: «أجل؛ فقولوهنّ و علّموهنّ، فإنّه من قالهنّ التماس ما فيهنّ أذهب اللّه تعالى حزنه، و أطال فرحه».

قال في «مجمع الزوائد»: و أخرجه الطبرانيّ؛ عن أبي موسى أيضا، و فيه من لم أعرفه. انتهى. و أخرجه الإمام أحمد، و ابن حبان، و الحاكم، و أبو يعلى، و البزّار، و الطبرانيّ، و ابن أبي شيبة: كلّهم؛ عن ابن مسعود، و صحّحه ابن حبّان، و الحاكم. و قال الحافظ ابن حجر: حديث ابن مسعود أثبت سندا و أشهر رجالا، و هو حديث حسن، و قد صحّحه بعض الأئمة.

و قال الحافظ الهيثميّ في «مجمع الزوائد»: و رجال أحمد؛ و أبي يعلى رجال الصحيح، غير أبي سلمة الجهني! و قد وثّقه ابن حبّان. انتهى. لكن قال الذهبيّ:

إنّ أبا سلمة الجهني ما روى عنه إلّا فضيل بن مرزوق، و لا يعرف اسمه و لا حاله!!. قال الحافظ ابن حجر: لكنّه لم ينفرد به، و ذكره مع ذلك ابن حبّان في الثقات. انتهى.

و في رواية ابن مسعود (رضي الله عنه): عن النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال: «ما أصاب عبدا همّ و لا حزن؛ فقال: اللّهمّ ... الخ إلّا أذهب اللّه حزنه و همّه، و أبدل مكانه فرحا».

قال في «المواهب»: و إنّما كان هذا الدعاء بهذه المنزلة!! لاشتماله على الاعتراف بعبوديّة الداعي و عبوديّة آبائه و أمّهاته، و أنّ ناصيته بيده يصرّفها كيف يشاء!! و إثبات القدر، و أن أحكام الربّ تعالى نافذة في عبده؛ ماضية فيه، لا انفكاك له عنها، و لا حيلة له في دفعها، و اللّه سبحانه و تعالى عدل في هذه الأحكام غير ظالم لعبده.

470

52- «اللّهمّ؛ احرسني بعينك الّتي لا تنام، و اكنفني بكنفك الّذي لا يرام، و ارحمني بقدرتك عليّ؛ فلا أهلك و أنت رجائي، فكم من نعمة أنعمت بها عليّ قلّ لك بها شكري، و كم من بليّة ابتليتني قلّ لك بها صبري، فيا من قلّ عند نعمته شكري؛ فلم يحرمني، ...

ثم توسّله بأسماء الربّ تعالى الذي سمّى بها نفسه، ما علم العباد منها و ما لم يعلموا، و منها ما استأثر به في علم الغيب عنده؛ فلم يطلع عليه ملكا مقرّبا، و لا نبيّا مرسلا، و هذه الوسيلة أعظم الوسائل، و أحبّها إلى اللّه تعالى، و أقربها تحصيلا للمطلوب.

ثم سؤاله أن يجعل القرآن العظيم لقلبه ربيعا؛ كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، و أن يجعله لصدره كالنور الذي هو مادّة الحياة و به يتمّ معاش العباد، و أن يجعله شفاء همّه و غمّه، فيكون بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء؛ و يعيد البدن إلى صحته و اعتداله، و أن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع و الأصدية و غيرها، فإذا صدق العليل في استعمال هذا الدواء أعقبه شفاء تاما. انتهى.

قال الزرقاني: و صدقه باليقين التام، و صدق النيّة، و خلوص الطويّة، و أن لا يقصد به التجربة، لأنّ قاصد ذلك عنده شكّ. انتهى.

52- ( «اللّهمّ؛ احرسني)- بضم الراء-: احفظني‏ (بعينك الّتي لا تنام، و اكنفني)؛ أي: استرني‏ (بكنفك)، هذه رواية ابن أبي الدنيا، و رواية الدّيلمي «بركنك» (الّذي لا يرام)؛ أي: لا يقدر على طلبه‏ (و ارحمني بقدرتك عليّ)، لأنّ ذلك شأن الكرام، أي: الرحمة مع القدرة، (فلا أهلك و أنت رجائي)؛ أي: مرجويّ في جميع أموري.

(فكم من نعمة أنعمت بها عليّ قلّ لك بها شكري)؛ أي: قيامي بواجبها من الطاعات!! (و كم من بليّة ابتليتني قلّ لك بها صبري!!

فيا من قلّ عند نعمته شكري؛ فلم يحرمني)- بفتح أوّله و ضمه و كسر الراء-؛

471

و يا من قلّ عند بلائه صبري؛ فلم يخذلني، و يا من رآني على الخطايا؛ فلم يفضحني.

يا ذا المعروف الّذي لا ينقضي أبدا، و يا ذا النّعمة الّتي لا تحصى عددا .. أسألك أن تصلّي على محمّد و على آل محمّد، و بك أدرأ في نحور الأعداء و الجبّارين.

اللّهمّ؛ أعنّي على ديني بالدّنيا، و على آخرتي بالتّقوى، و احفظني فيما غبت ...

أي: يمنعني من نعمه، من «حرم كضرب»، و «أحرم كأكرم». (و يا من قلّ عند بليّته صبري؛ فلم يخذلني)- بضم الذال-: يترك نصرتي.

(و يا من رآني على الخطايا؛ فلم يفضحني)- بفتح الياء و الضاد-: يكشف مساوئي، فأفتضح، و هذا من مزيد تواضعه صلى اللّه عليه و سلم، و استغراقه في شهود الجلال، و إلّا فمن يشكر و من يصبر إذا لم يشكر و لم يصبر هو، و أيّ خطيئة له، فضلا عن خطايا، و هو أيضا من باب التعليم لأمّته.

(يا ذا المعروف الّذي لا ينقضي أبدا)؛ بل هو دائم، (و يا ذا النّعمة الّتي لا تحصى عددا)، و في رواية: «النّعماء»، و الأولى أنسب، لأنّها التي يتعلق بها العدّ، و أمّا النّعماء! فصفة له تعالى بمعنى الإنعام، لا يتعلّق بها العدّ، لأنّ الصفة لا تعدّد فيها؛ و لا تكثر.

(أسألك؛ أن تصلّي على محمّد، و على آل محمّد. و بك أدرأ)- بفتح الهمزة و سكون الدال و بالراء-: أدفع‏ (في نحور الأعداء و الجبّارين): العتاة المتكبّرين.

(اللّهمّ؛ أعنّي على ديني بالدّنيا، و على آخرتي بالتّقوى، و احفظني فيما غبت‏

472

عنه، و لا تكلني إلى نفسي فيما حضرته.

يا من لا تضرّه الذّنوب، و لا ينقصه العفو .. هب لي ما لا ينقصك، و اغفر لي ما لا يضرّك، إنّك أنت الوهّاب.

أسألك فرجا قريبا، و صبرا جميلا، و رزقا واسعا، و العافية من البلايا، و أسألك تمام العافية، و أسألك دوام العافية، و أسألك الشّكر على العافية، ...

عنه) من الأفعال التي لا أستحضرها، أو من الأهل و المال، (و لا تكلني إلى نفسي فيما حضرته): من الحضور: ضدّ الغيبة، و كذلك في «فهرس الكاملي»، و «الشراباتي»، و «ابن عابدين»، و غيرهم من أرباب الفهارس، و مثله في رواية ابن أبي الدنيا.

و في «المنح»: أمّا «المواهب»!! ففي روايته من طريق الدّيلمي: «فيما حظرته عليّ»- بالظاء المشالة-؛ من الحظر: و هو المنع، و معناه- كما قال الزرقاني على «المواهب»-: «لا تكلني إلى نفسي فيما منعته عليّ، بل إلى توفيقك؛ لئلّا أقع فيما حظرته».

(يا من لا تضرّه الذّنوب، و لا ينقصه العفو؛ هب لي ما لا ينقصك) وصوله إليّ و هو عفوك، (و اغفر لي ما لا يضرّك) و هو الذنوب.

(إنّك أنت الوهّاب): كثير النعم دائم العطا، صيغة مبالغة من الهبة؛ و هي العطيّة بلا سبب سابق و لا استحقاق، و لا مقابلة و لا جزاء.

(أسألك فرجا قريبا؛ و صبرا جميلا) لا جزع فيه، (و رزقا واسعا، و العافية من البلايا، و أسألك تمام العافية، و أسألك دوام العافية)؛ أي: السلامة من الأسقام، (و أسألك الشّكر على العافية)، أعادها مظهرة!! لأنّ مقام الدعاء يطلب فيه البسط، لأنّه مقام خطاب و خضوع.

473

و أسألك الغنى عن النّاس، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم». (الدّيلميّ؛ عن جعفر الصّادق؛ عن أبيه؛ عن جدّه [(عليهم السلام)‏]).

(و أسألك الغنى)- بكسر الغين المعجمة و القصر- (عن النّاس، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم») ختم بها الدعاء لما فيه من التوحيد الخفيّ؛ قاله الزرقاني.

(الدّيلميّ)؛ أي: أخرجه أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي، الهمذاني، المتوفى سنة- 558-: ثمان و خمسين و خمسمائة، يتصل نسبه بالضّحّاك بن فيروز الديلمي الصحابي.

و قد أخرجه الديلمي في كتاب «مسند الفردوس»؛ (عن جعفر الصادق)، لصدقه في مقاله؛ من سادات أهل البيت.

(عن أبيه) محمد الباقر؛ (عن جدّه) عليّ زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب؛ مرسلا، لأنّ جدّه تابعيّ: أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم كان إذا حزبه أمر دعا بهذا الدّعاء: «اللّهمّ احرسني ... الخ.

و ذكره المصنّف في «رياض الجنة»؛ و قال: أخرجه ابن عساكر؛ عن جعفر بن محمد؛ عن أبيه؛ عن جدّه: عليّ زين العابدين؛ عن أبيه الحسين؛ عن أبيه عليّ (رضي الله تعالى عنهم): أن النبي صلى اللّه عليه و سلم إذا حزبه أمر دعا بهذا الدّعاء:

«اللّهمّ؛ احرسني- إلى قوله- العظيم». و كان يقول: إنّه دعاء الفرج.

و هو حزب عظيم، مشهور بالبركة، مجرّب لدفع الشدائد، مسلسل بقول كلّ راو: «كتبته و ها هو في جيبي». و قد بسطت الكلام عليه في كتابي: «سعادة الدارين في الصلاة على سيّد الكونين صلى اللّه عليه و سلم». انتهى.

و قال المصنّف في «سعادة الدارين»: رأيت في بعض المجاميع ما نصّه:

474

..........

أخبرنا الشيخ أبو العباس: أحمد بن محمد بن حسن اللواتي؛ قال: أخبرنا أبو الحسين: يحيى بن محمد عرف ب «ابن الصائغ»؛ قال: أخبرنا أبو القاسم بن خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال؛ قال: أخبرنا أبو الحسن: محمّد بن عبد الرحمن «صاحبنا» بقراءتي عليه؛ قال: أخبرنا أبو القاسم بن صواب سماعا؛ قال: أخبرنا أبو مروان: عبد الملك بن زيادة اللّه الطبني؛ قال: حدثنا أبو القاسم بن بندار، قال: حدثني محمد بن علي بن محمد بن صخر الأزدي، أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو عياض: أحمد بن محمد بن يعقوب الهرويّ الشافعي؛ قال: أنبأنا أحمد بن منصور الحافظ؛ قال: أنبأنا أبو الحسن: علي بن الحسين بن أحمد القطّان البلخي «المحتسب بمدينة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؛ و كان صدوقا»؛ قال: أنبأنا محمد بن هارون الهاشمي؛ قال: حدثنا محمد بن يحيى المازنيّ؛ قال: أنبأنا موسى بن سهل عن الربيع؛ قال: لمّا استولى على الخلافة أبو جعفر المنصور؛ قال لي: يا ربيع؛ ابعث إلى جعفر بن محمّد. قال: فقمت بين يديه؛ فقلت: أيّ بليّة يريد أن يفعل، و أو همته أنّي أفعل، ثم أتيته بعد ساعة؛ فقال: أ لم أقل لك؛ ابعث إلى جعفر بن محمّد!؟ فو اللّه؛ لتأتينّي به، أو لأقتلنّك شرّ قتلة، قال: فذهبت إليه؛ فقلت: أبا عبد اللّه؛ أجب أمير المؤمنين!! فقام معي، فلمّا دنونا من الباب قام فحرّك شفتيه ثمّ دخل، فسلّم فلم يردّ (عليه السلام)، و وقف فلم يجلسه، ثم رفع رأسه؛ فقال: يا جعفر؛ أنت الذي ألّبت و كثّرت؛ و قد حدّثني أبي؛ عن أبيه؛ عن جدّه: أنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «ينصب للغادر لواء يوم القيامة يعرف به»!؟

قال جعفر: حدّثني أبي؛ عن أبيه؛ عن جدّه: أنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «ينادي مناد يوم القيامة من بطنان العرش: ألا فليقم من كان أجره على اللّه!! فلا يقوم من عباد اللّه إلّا المتفضّلون».

فلم يزل يقول حتّى سكن ما به و لان له، فقال: اجلس أبا عبد اللّه؛ ارتفع‏

475

..........

أبا عبد اللّه، ثم دعا بمدهن غالية، فجعل يغلّفه بيده و الغالية تقطر من بين يدي أمير المؤمنين، ثم قال: انصرف أبا عبد اللّه؛ في حفظ اللّه. و قال لي: يا ربيع؛ اتبع أبا عبد اللّه و أعطه جائزته و أضعفها له. قال: فخرجت؛ فقلت: يا أبا عبد اللّه؛ تعلم محبّتي لك!! قال: أنت منّا، حدّثني أبي؛ عن أبيه؛ عن جدّه: أنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: مولى القوم منهم». قلت: يا أبا عبد اللّه؛ شهدت ما لم تشهد، و سمعت ما لم تسمع، و قد دخلت و رأيتك تحرّك شفتيك عند دخولك إليه؟! قال: نعم؛ دعاء كنت أدعو به. قال: دعاء حفظته عند دخولك إليه؛ أم شي‏ء تأثره عن آبائك الطاهرين؟ قال: لا، بل حدّثني أبي عن جدّه: «أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كان إذا حزبه أمر دعا بهذا الدعاء، و كان يقول: «دعاء الفرج». و هو هذا: «اللّهمّ ... إلى قوله العظيم».

قال الربيع: فكتبته من جعفر بن محمد؛ فها هو في جيبي. قال موسى بن سهل: فكتبته من الربيع؛ فها هو في جيبي. قال محمد بن يحيى: فكتبته من موسى؛ فها هو في جيبي. قال: محمد بن هارون، فكتبته من محمّد بن يحيى؛ فها هو في جيبي. قال أبو الحسن عليّ بن الحسين: فكتبته من محمد بن هارون؛ فها هو في جيبي. قال أحمد بن منصور: فكتبته من عليّ بن الحسين؛ فها هو في جيبي. قال أبو عياض أحمد بن محمد الهروي: فكتبته من أحمد بن منصور؛ فها هو في جيبي. قال: محمد بن عليّ بن صخر: فكتبته عن أبي عياض؛ و جعلت نسخته في جيبي. قال أبو القاسم ابن بندار: هو عندي بخطّ القاضي ابن صخر أبي الحسن. قال أبو مروان الطبني: فكتبته عن ابن بندار أبي القاسم؛ و هو عندي. قال أبو القاسم بن صواب: فكتبته عن أبي مروان عبد الملك الطبني؛ و هو عندي. قال أبو الحسن محمد بن عبد الرحمن: كتبته عن أبي القاسم بن صواب؛ فها هو عندي. قال أبو القاسم ابن بشكوال: فكتبته عن أبي الحسن محمد بن عبد الرحمن؛ فها هو عندي. قال الشيخ أبو الحسين بن الصائغ: فكتبته عن أبي القاسم بن بشكوال؛ فها هو عندي. و أراناه.

476

..........

قال شيخنا أبو العبّاس- أيّده اللّه-: كتبته عن أبي الحسين، و ها هو عندي، و أراناه. و صلى اللّه على سيدنا محمّد و آله و صحبه و سلم.

و بخط اللّواتي المذكور قرأ جميع هذا الدعاء و سلسله؛ كما فيه عليّ بن إبراهيم بن سوار البوصيري، و قرأه ابن النّعمان المزالي على اللّواتي المذكور و سلسله، و اتّصل سندنا بشيخنا شيخ الإسلام؛ بركة الأنام؛ محمّد البهائي «خادم السنّة بثغر دمياط» بإجازته من الشيخ إبراهيم الكوراني المدني؛ عن الشيخ أحمد العشاشي المدنيّ؛ عن الشمس محمّد الرّملي؛ عن شيخ الإسلام زكريّا الأنصاري؛ عن الحافظ أبي الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني عمّن لقي من أصحاب ابن النّعمان. و الحمد للّه على ذلك، و صلى اللّه على سيدنا محمد، و على آله و صحبه و سلم. انتهى.

ثمّ رأيته في ثبت العلّامة الشيخ محمد عابد بن أحمد علي الأنصاري الخزرجي السنديّ ثم المدنيّ؛ المسمّى: «حصر الشارد من أسانيد محمد عابد» بسند آخر يجتمع مع السند المتقدم في أبي الحسن محمد بن علي الأزدي.

قال الشيخ محمد عابد المذكور:

المسلسل بقول كل راو من الرواة «كتبته؛ فها هو في جيبي»:

أرويه عن السيد عبد الرحمن بن سليمان بن يحيى بن عمر مقبول الأهدل، عن أبيه؛ عن السيّد أحمد بن محمد شريف مقبول الأهدل، عن السيّد يحيى بن مقبول الأهدل، عن السيّد أبي بكر بن علي البطاح الأهدل، عن السيّد يوسف بن محمّد البطاح الأهدل، عن السيد الطاهر بن حسين الأهدل، عن الحافظ عبد الرحمن بن عليّ الديبع، عن الشمس محمّد بن عبد الرحمن السخاوي قال: أنبأنا الشيخان؛ أبو إسحاق إبراهيم بن عليّ البيضاوي، و الكاتبة مريم بنت علي بن عبد الرحمن؛ قالت الثانية: أنبأنا المحبّ محمد بن أحمد الطبري- سماعا- و عبد اللّه بن سليمان المكي إذنا؛ إن لم يكن سماعا. و قال الأوّل: أنبأنا أبو السادة عبد اللّه بن أسعد

477

..........

اليافعي قال: هو و المكيّ: أنبأنا الرضي أبو إسحاق الطبري؛ قال: أنبأنا المحبّ أحمد بن عبد اللّه الطبري؛ قال: أنبأنا التقيّ أبو الحسن: عليّ بن أبي بكر الطبري قال: أنبأنا التقيّ أبو عبد اللّه محمّد بن إسماعيل بن أبي الصيف اليمني الفقيه، قال: أنبأنا الحافظ أبو الحسن عليّ بن الفضل المقدسي.

قال السخاوي: قال شيخي الأول- و هو أعلى-: أنبأنا الإمام المجد أبو الطاهر الفيروزآبادي، و كتب إليّ أيضا عاليا: عبد الرحمن قالا: أنبأنا محمّد بن أبي القاسم الفارقي؛ قال: أنبأنا عليّ بن أحمد العراقي؛ قال: أنبأنا جعفر بن عليّ قال: أنبأنا الشريف أبو محمد عبد اللّه بن عبد الرحمن الديباجي؛ قال: حدّثنا أبو عبد اللّه محمد بن الحسين بن صدقة بن سليمان الإسكندري؛ قال: حدّثنا أبو الفتح نصر بن الحسين بن القاسم الشاشي، قدم علينا إسكندرية، قال؛ حدّثنا عليّ بن الحسين بن إبراهيم العاقولي؛ قال: حدثنا القاضي أبو الحسن محمد بن علي بن صخر الأزدي ... إلى آخر السند المتقدّم!!. و قال كلّ من الرواة «كتبته من فلان؛ و ها هو في جيبي» إلى أن قال محمّد عابد «صاحب الثبت» المذكور: فكتبته عن شيخنا السيّد عبد الرحمن بن سليمان؛ و أجازني به. قال:

و قد أخرج الديلمي هذا الحديث في «الفردوس» بلفظ «يا عليّ؛ إذا حزبك أمر؛ فقل: اللّهمّ احرسني بعينك الّتي لا تنام ... الخ».

و قد أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب «الفرج بعد الشدّة» أيضا. انتهى ما في «سعادة الدارين».

قلت: و الذي أخرجه ابن أبي الدنيا فيه بعض مخالفة لما هنا، و من طريق ابن أبي الدنيا أورده السيوطيّ في «الأرج في الفرج»، و في الدعاء بعض مخالفة، و ليس فيه إسناد الدعاء إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم!!.

و أورد القسطلاني في «المواهب» رواية الديلمي- كما في المصنف-، و هو حديث جليل، حسن غريب، أخرجه ابن الطيلسان، و أبو عليّ بن أبي الأحوص،

478

53- «اللّهمّ؛ طهّر قلبي من النّفاق، و عملي من الرّياء، و لساني من الكذب، و عيني من الخيانة، فإنّك تعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصّدور».

و غيرهما من أرباب المسلسلات. قال ابن الطيلسان: قد جرّبت بركته في غير ما شي‏ء من الشدائد النازلة، و جرّبه غير واحد ممّن كتبه عنّي؛ فوجدنا نفعه، و الحمد للّه.

و في «ثبت الكاملي» الذي جمعه الملا إلياس الكوراني: هو حديث، و دعاء، و تميمة، و قد وجد فيه ما يرغب في الاعتناء به، و فيه ما يدلّ على أنّه مشتمل على اسم اللّه الأعظم.

انتهى كلام المصنّف في «سعادة الدارين». (رحمه الله تعالى) آمين.

53- ( «اللّهمّ؛ طهّر قلبي من النّفاق)؛ أي: من إظهار خلاف ما في الباطن، و هذا قاله تعليما لغيره كيف يدعو.

(و عملي من الرّياء)- بمثنّاة تحتيّة- أي: حبّ اطّلاع الناس على عملي.

(و لساني من الكذب)؛ أي: و نحوه من الغيبة و النميمة.

(و عينيّ)- بالتثنية و الإفراد- (من الخيانة)؛ أي: النظر إلى ما لا يجوز.

(فإنّك تعلم خائنة الأعين)؛ أي: الرمز بها، أو مسارقة النظر، أو هو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: الأعين الخائنة، (و ما تخفي) القلوب الحالّة في‏ (الصّدور») من الوسوسة و إضمار الخيانة.

و هذا قاله المصطفى صلى اللّه عليه و سلم- مع أنّ ذاته الشريفة جبلت على الطهارة ابتداء، و نزعت من قلبه علقة الشيطان، و أعين على شيطانه فأسلم- تشريعا؛ من قبيل قوله‏ وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ (4) [المدثر]. و كانت ثيابه طاهرة على كلّ تأويل، لكن هذا مقتضى الحكمة في تكليف البشريّة، و هو (عليه الصلاة و السلام) المشرّع المربّي، فعمل على ما تقتضيه البشريّة؛ قاله المناوي (رحمه الله تعالى).

479

(الحكيم، خط؛ عن أمّ معبد الخزاعيّة [(رضي الله تعالى عنها)]).

54- «ربّ؛ أعنّي و لا تعن عليّ، و انصرني و لا تنصر عليّ، و امكر لي ...

(الحكيم)؛ أي: أخرجه الحكيم الترمذيّ في «نوادر الأصول».

(خط)؛ أي: و أخرجه الخطيب: كلاهما؛

(عن أمّ معبد) بنت خالد (الخزاعيّة) الكعبيّة: عاتكة التي نزل عليها المصطفى صلى اللّه عليه و سلم في طريق الهجرة. قال العراقيّ: سنده ضعيف.

54- ( «ربّ؛ أعنّي)؛ أي: «على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك»؛ كما في حديث آخر. (و لا تعن عليّ) من يمنعني عن ذلك. و يحتمل أن يكون المراد:

أعنّي على أعدائك الذين يريدون قطعي عنك، و لا تعن أحدا منهم عليّ.

و على هذا التقرير فيكون قوله: (و انصرني و لا تنصر عليّ) تأكيدا لما قبله، أو من عطف الخاصّ على العامّ، لأنّ الأوّل في الأعداء المقاتلين و غيرهم، و الثاني في المقاتلين، و على التقرير الأوّل؛ فقوله: «و انصرني»، أي: على نفسي و شيطاني و سائر أعدائي، و «لا تنصر عليّ» أي: أحدا من خلقك؛ من عطف العام على الخاص.

(و امكر لي) هذا مما استعمل في حقه تعالى و المراد غايته، كما هو القاعدة في كلّ ما استحالت حقيقته على اللّه تعالى، إذ المكر: الخداع؛ و هو إبطال الحيلة للغير حتى ينفذ فيه ما يريده به من الشرّ، و هذا محال على اللّه عزّ و جلّ، إذ لا يفعل ذلك إلّا عاجز عن الأخذ مقاهرة، و لكن غايته إيقاع البلاء بالعدوّ من حيث لا يشعر، أو استدراجه بالطاعة حتى يظنّ أنه على شي‏ء، و من ثمّ قال بعض العارفين- في قوله تعالى‏ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ‏ (182) [الأعراف‏]-: نظهر لهم الكرامات حتى يظنّوا أنّهم من الأولياء، ثمّ نأخذهم على غرّة. فقوله: «امكر لي»؛ أي: أوقع البلاء بالأعداء من حيث لا يشعرون.

480

و لا تمكر عليّ، و اهدني، و يسّر الهدى لي، و انصرني على من بغى عليّ.

ربّ؛ اجعلني لك شاكرا، لك ذاكرا، لك راهبا، لك مطواعا، لك مخبتا، ...

(و لا تمكر عليّ) بالاستدراج بالطاعة و توهّم أنّها مقبولة؛ و هي مردودة.

(و اهدني)؛ أي: دلّني على عيوب نفسي، و أوصلني إلى المقامات الكريمة، (و يسّر الهدى لي)؛ أي: سهّل أسبابه لي، (و انصرني على من بغى عليّ)؛ أي: ظلم و تعدّى و طغى. و هذا تأكيد لقوله: «أعنّي ... الخ».

(ربّ؛ اجعلني لك)؛ أي: وحدك، كما أفاده تقديم المعمول، و كذا في الباقي، فتقديم الصلات لذلك و الاهتمام.

(شاكرا) بلساني و جناني و أركاني؛ بأن أصرف ذلك كلّه إلى ما خلقته لأجله؛ من دوام الذكر، و شهود الجلال، و القيام بوظائف الخدمة و العبوديّة.

(لك ذاكرا)؛ أي: باللسان و الجنان بذكر أسمائك، و جلائل نعمك و دقائقها، فهو كالتأكيد لما علم- ممّا تقرّر في الشكر أنّه يشمله- و كذا يقال فيما بعده. (لك راهبا)؛ أي: منقطعا عن الخلق، متجرّدا عنهم، متوجّها إلى الحضور مع الحقّ. (لك مطواعا)- بكسر أوّله و سكون ثانيه المهمل- أي: كثير الطّوع: و هو الطاعة؛ ذكره الطّيبي.

(لك مخبتا)، قيل: الأصل: إليك؛ كما في‏ وَ أَخْبَتُوا إِلى‏ رَبِّهِمْ‏ [23/ هود] و عدل منه إلى اللّام!! تأكيدا لمعنى الاختصاص المتبادر من التقديم.

و المخبت: قال ابن الجزري: الخاشع؛ من الإخبات: الخشوع و التواضع.

و قال ابن حجر الهيتميّ: مخبتا؛ أي: وجل القلب عند ذكرك، صابرا على ما أصابني، مقيما للصلاة على ما ينبغي، منفقا ممّا رزقتني.

481

إليك أوّاها منيبا.

ربّ؛ تقبّل توبتي، و اغسل حوبتي، و أجب دعوتي، و ثبّت حجّتي، و اهد قلبي، ...

دلّ على ذلك قوله‏ وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ الصَّابِرِينَ عَلى‏ ما أَصابَهُمْ وَ الْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ‏ (35) [الحج‏].

و أصل الإخبات: الطّمأنينة، و منه‏ وَ أَخْبَتُوا إِلى‏ رَبِّهِمْ‏ [23/ هود]، أي:

اطمأنّت نفوسهم إلى امتثال جميع ما برز منه، و المخبت: الخاشع المتواضع.

انتهى «شرح الأذكار».

(إليك أوّاها) أتى ب «إلى» في هذا المقام!! لكونها أظهر تبادلا؛ أو معنى من اللّام. و الأوّاه: مبالغة من: أوّه تأويها؛ إذا قال: أوّه، و هو صوت الحزين المتفجع.

(منيبا)؛ أي: اجعلني راجعا إليك عن المعصية إلى الطاعة، و عن الغافلة إلى الحضرة.

(ربّ؛ تقبّل توبتي)؛ أي: اجعلها قابلة للقبول، (و اغسل حوبتي)- بفتح المهملة-، و الحوب- بالضم و الفتح-: الإثم، و غسلها كناية عن إزالتها بالكليّة؛ بحيث لا يبقى منها أثر.

(و أجب دعوتي)؛ أي: جميع دعواتي؛ كما أفادته الإضافة و ذكر!! لأنّه من فوائد القبول التوبة. و ذكر ابن حجر في «شرح المشكاة»: أنّ دعوات التائب مستجابة بإعطائها نفسها، أو ما هو أفضل منها.

(و ثبّت حجّتي)؛ أي: على أعدائك في الدنيا، و عند إجابة الملكين في البرزخ، و بين يديك عند الحساب يوم القيامة.

(و اهد قلبي)؛ أي: أوصله إلى دوام مراقبة اطّلاعك عليه، ثمّ شهود

482

و سدّد لساني، و اسلل سخيمة صدري». (ت، د، ه؛ عن ابن عبّاس).

55- «اللّهمّ؛ أغنني بالعلم، ...

عظمتك، بحيث يكون فانيا عما سواك، راغبا في دوام إمدادك و رضاك.

(و سدّد لساني)؛ أي: اجعله متحرّيا للسداد؛ فلا أنطق إلّا بالحق فأكون مصيبا، كما أنّ من سدّد ساعده عند رمية سهمه يكون مصيبا غالبا.

(و اسلل سخيمة صدري»)؛ أي: أخرجها. من سلّ السيف؛: أخرج من غمده، و السّخيمة هنا- كما قال النوويّ-: الحقد، و جمعها السخائم؛ أي:

أخرج ما في صدري؛ من الحسد و الكبر و غيرهما من الأخلاق الرديئة، من السّخمة: و هي السواد، و منه سخائم القدر.

و إضافتها للصدر!! لأنّ مبدأها- أي: غالبا- القوّة الغضبيّة المنبعثة من القلب الذي هو في الصدر. و في رواية ابن أبي شيبة: «قلبي» بدل «صدري»؛ قاله ابن علّان.

(ت، د، ه)؛ أي: أخرجه الترمذيّ، و أبو داود، و ابن ماجه- كما في المصنّف-؛ (عن ابن عبّاس) (رضي الله تعالى عنهما)، و قال الترمذي: حسن صحيح.

و كذا أخرجه عنه النسائي، و الحاكم، و ابن حبّان في «صحيحيهما»؛ كما في «السلاح». و رواه ابن أبي شيبة في «مصنّفه»؛ كما في «الحصن»؛ قاله ابن علان.

و كذا رواه الإمام أحمد في «مسنده».

55- ( «اللّهمّ؛ أغنني بالعلم)؛ أي: علم طريق الآخرة، إذ ليس الغنى إلّا به، و هو القطب؛ و عليه المدار، لأنّ العلم و العبادة جوهران؛ لأجلها كان كلّ ما ترى و تسمع؛ من تصنيف المصنفين، و تعليم المعلّمين، و وعظ الواعظين،

483

و زيّنّي بالحلم، و أكرمني بالتّقوى، و جمّلني بالعافية». (ابن النّجّار؛ ...

و نظر الناظرين. بل لأجلهما أنزلت الكتب، و أرسلت الرسل. بل لأجلها خلقت السموات و الأرض و ما فيهما من الخلق، اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً (12) [الطلاق‏].

و كفى بهذه الآية دليلا على شرف العلم؛ لا سيّما علم معرفة اللّه. و العلم أشرف الجوهرين؛ و أفضلها، فمن أوتي العلم فهو الغنيّ بالحقيقة؛ و إن كان فقيرا من المال، و من حرم العلم- لا سيّما علم المعرفة و التوحيد- فهو الفقير بالحقيقة؛ و إن كان غنيّا بالمال، و لهذا قال:

من عرف اللّه فلم تغنه‏ * * * معرفة اللّه فذاك الشّقيّ‏

قاله المناوي في «كبيره».

(و زيّنّي بالحلم)؛ أي: اجعله زينة لي، فإنّه لا زينة كزينته.

(و أكرمني بالتّقوى) لأكون من أكرم الناس عليك؛ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ‏ [13/ الحجرات‏]. (و جمّلني بالعافية»)، فإنّه لا جمال كجمالها.

و قد قيل: العافية تاج على رءوس الأصحّاء لا يعرفها إلّا المرضى، و خصّ سؤال الإكرام بالتقوى!؟ موافقة للآية الكريمة في قوله‏ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ‏ لأنّها أساس كلّ خير و عماد كلّ فلاح، و سبب لسعادة الدنيا و العقبى. و لقد صدق القائل:

من اتّقى اللّه فذاك الذي‏ * * * سيق إليه المتجر الرّابح‏

و قال الآخر:

ما يصنع العبد بغير التّقى‏ * * * و العزّ كلّ العزّ للمتّقي‏

وهب أنّ الإنسان تعب جميع عمره، و جاهد و كابد؛ أ ليس الشأن كلّه في القبول!؟ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ‏ (27) [المائدة]. فمرجع الأمر كلّه للتقوى.

(ابن النّجّار)؛ أي: أخرجه ابن النّجّار في «تاريخه».

484

عن ابن عمر).

56- «اللّهمّ؛ اغفر لي ذنوبي و خطاياي كلّها.

و هو الإمام العلّامة الحافظ: محمّد بن محمود بن الحسن بن هبة اللّه بن محاسن، محبّ الدين بن النجار؛ البغداديّ، الحافظ، المؤرّخ، الأديب، أحد أفراد عصره.

ولد في بغداد في ذي القعدة الحرام، سنة- 578-: ثمان و سبعين و خمسمائة هجريّة.

و سمع من الحافظ ابن الجوزيّ الواعظ و غيره.

و رحل إلى الشام و مصر و الحجاز و خراسان و أصبهان و مرو و هراة و نيسابور، مع الكثير، و حصّل الأصول و المسانيد، و استمرت رحلته سبعا و عشرين سنة، و اشتملت «مشيخته» على ثلاثة آلاف شيخ.

و كان إماما حجّة، ثقة حافظا، مقرئا، أديبا، عارفا بالتاريخ و علوم الأدب، حسن الإلقاء و المحاضرات، و له التصانيف الممتعة؛ منها «تاريخ بغداد»: ذيّل به على «تاريخ بغداد» للحافظ أبي بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الخطيب البغدادي، و استدرك عليه، و هو تاريخ حافل، دل على تبحّره في التاريخ، و سعة حفظه للتراجم و الأخبار.

و كانت وفاته في بغداد سنة- 643- ثلاث و أربعين و ستمائة هجرية، (رحمه الله تعالى) آمين.

(عن ابن عمر) بن الخطّاب (رضي الله تعالى عنهما)، و رواه عنه الإمام الرافعيّ أيضا.

56- ( «اللّهمّ؛ اغفر لي ذنوبي): جمع ذنب، و الذنب: ماله تبعة دنيويّة؛ أو أخرويّة، مأخوذ من الذّنب. و لما كان المصطفى صلى اللّه عليه و سلم معاتبا بترك ما هو الأولى تأكيدا لعصمته- أطلق عليه اسم الذنب. (و خطاياي): جمع خطيئة، و يقال:

خطيّة، و هي مرادفة للذنب- كما في كتب اللغة- و إن كان أصل العطف يقتضي المغايرة. (كلّها)؛ أي: صغيرها و كبيرها.

485

اللّهمّ؛ أنعشني، و اجبرني، و اهدني لصالح الأعمال و الأخلاق؛ فإنّه لا يهدي لصالحها، و لا يصرف سيّئها إلّا أنت».

(طب؛ عن أبي أمامة [(رضي الله تعالى عنه)‏]).

57- «اللّهمّ؛ إنّي أسألك علما نافعا، و رزقا ...

(اللّهمّ؛ أنعشني)- بهمزة قطع و يجوز وصلها-، أي: ارفعني و قوّ جأشي، (و اجبرني)؛ أي: أصلح شأني بحصول الغنى لي.

(و اهدني لصالح الأعمال).

أي: للأعمال الصالحة.

(و الأخلاق): جمع خلق- بالضم-: الطبع و السجيّة، و جمعه!! باعتبار مخالفته الناس و مجاملتهم، كما أشار إليه خبر: «و خالق النّاس بخلق حسن».

(فإنّه لا يهدي لصالحها، و لا يصرف سيّئها) عنّي‏ (إلّا أنت»)؛ لأنّك المقدّر للخير و الشرّ، فلا يطلب جلب الخير إلّا منك، و لا دفع الشرّ إلّا منك وحدك.

و فيه حذف من الأوّل، فكأنّه قال: و اهدني لصالح الأعمال و الأخلاق، و اصرف عنّي سيّئها؛ فإنّه لا يهدي ... الخ.

(طب)؛ أي: أخرجه الطبراني في «الكبير»؛ (عن أبي أمامة) الباهليّ (رضي الله تعالى عنه) قال: ما صلّيت وراء نبيّكم صلى اللّه عليه و سلم إلّا سمعته يقول ذلك!!.

قال الحافظ الهيثميّ: رجاله وثّقوا. و كذا رواه ابن السّنّيّ عن أبي أمامة الباهليّ.

قال في «شرح الأذكار»: و هو حديث غريب؛ كما قاله الحافظ ابن حجر، (رحمه الله تعالى)، انتهى.

57- ( «اللّهمّ؛ إنّي أسألك علما نافعا)؛ أي: شرعيا، أعمل به، و قدم على ما بعده؟ لأنه طريق إلى معرفة الحلال و الحرام و أسباب القبول. (و رزقا

486

طيّبا، و عملا متقبّلا». (حم، ه؛ عن أمّ سلمة).

58- «اللّهمّ؛ بعلمك الغيب و قدرتك على الخلق .. أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، و توفّني إذا علمت الوفاة خيرا لي.

اللّهمّ؛ و أسألك خشيتك في الغيب و الشّهادة، ...

طيّبا)؛ أي: حلالا ملائما للقوّة، معينا على الطاعة و العبادة، (و عملا متقبّلا») بفتح الباء-؛ أي: مقبولا؛ بأن يكون مقرونا بالإخلاص.

(حم)؛ أي: أخرجه الإمام أحمد، و ابن ماجه؛ (عن أمّ سلمة) (رضي الله تعالى عنها)، «زوج النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و أم المؤمنين» و قد تقدّمت ترجمتها.

و كذا رواه عنها ابن السّنّي في «عمل اليوم و الليلة»، و النسائي في «السنن الكبرى»، و أبو يعلى، و الدارقطني في «الأفراد»، و الطبرانيّ في «الصغير»، و هو حديث حسن لشاهده؛ كما قال الحافظ ابن حجر و خرّجه من طرق. انتهى «شرح الأذكار».

58- ( «اللّهمّ؛ بعلمك الغيب)- الباء للاستعطاف و التذلل-؛ أي: أنشدك بحقّ علمك ما خفي على خلقك ممّا استأثرت به، فالغيب مفعول به؛ أي: أتوسّل إليك بهذه الصفة المتعلّقة بكلّ شي‏ء.

(و قدرتك على الخلق)؛ أي: جميع المخلوقات؛ من إنس و جنّ و ملك و غيرها. (أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، و توفّني إذا علمت الوفاة خيرا لي) عبّر بما في الحياة!! لاتّصافه بالحياة حالا؟ و ب «إذا» الشرطيّة في الوفاة!! لانعدامها حال التمنّي؟ أي: إذا آل الحال أن تكون الوفاة بهذا الوصف فتوفّني.

(اللّهمّ؛ و أسألك خشيتك في الغيب) عن أعين الناس، (و الشّهادة) للناس، أي: في السّر و العلانية، فإنّ خشية اللّه رأس كلّ خير.

و الشأن في الخشية في الغيب!! لمدحه تعالى من يخافه بالغيب، قال تعالى‏

487

و أسألك كلمة الإخلاص في الرّضا و الغضب، و أسألك القصد في الفقر و الغنى، و أسألك نعيما لا ينفد، و أسألك قرّة عين لا تنقطع، و أسألك الرّضا بالقضاء، و أسألك برد العيش بعد الموت، ...

إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ (12) [الملك‏].

(و أسألك كلمة الإخلاص)، أي: النطق بالحقّ‏ (في الرّضا و الغضب)، أي: في حالتي رضا الخلق منّي و غضبهم عليّ فيما أقوله؛ فلا أداهن، و لا أنافق، أو في حالتي رضاي و غضبي، بحيث لا تلجئني شدّة الغضب إلى النطق بخلاف الحقّ، ككثير من الناس إذا اشتدّ غضبه أخرجه من الحقّ إلى الباطل.

قال الحفني: و لا مانع من إرادة الأمرين معا، أي: أسألك ألّا أخرج عن الحق في جميع الأحوال.

(و أسألك القصد)؛ أي: التوسط (في الفقر) بأن لا أقتّر في حال فقري، (و الغنى)؛ أي: التوسّط في الغنى بأن لا أسرف و أنفق المال فيما لا يليق.

(و أسألك نعيما لا ينفد)- بالدال المهملة- أي: لا ينقضي، و هو نعيم الآخرة.

(و أسألك قرّة عين) بكثرة النسل المستمرّ بعدي، أو بالمحافظة على الصلاة، لقوله: «و جعلت قرّة عيني في الصّلاة».

(لا تنقطع)؛ بل تستمرّ ما بقيت الدنيا، و قيل: أراد قرّة عينه بدوام ذكره و كمال محبّته و الأنس به. قال بعضهم: من قرّت عينه باللّه قرّت به كلّ عين؛ قاله المناوي.

و قال الحفني: قوله: «قرّة عين»؛ أي: فرّحني دائما، و خصّ العين!!؟

لأنّها سبب في فرح القلب عند نظرها ما يسر.

(و أسألك الرّضا بالقضاء) بأن تسهّله عليّ فأتلقّاه بانشراح صدر.

(و أسألك برد العيش بعد الموت) برفع الروح إلى منازل السعداء و مقامات المقرّبين، فهو كناية عن السرور الدائم.

488

و أسألك لذّة النّظر إلى وجهك، و الشّوق إلى لقائك، في غير ضرّاء مضرّة، و لا فتنة مضلّة.

اللّهمّ؛ زيّنّا بزينة الإيمان، ...

و قيّد ببعد الموت!! لأنّ السرور الدائم لا يتيسر في الدنيا، لأنّها دار همّ و غمّ و سقم.

هي الدّنيا تقول بمل‏ء فيها * * * حذار حذار من بطشي و فتكي‏

(و أسألك لذّة النّظر إلى وجهك)؛ أي: الفوز بالتجلّي الذاتيّ الأبدي الذي لا حجاب بعده، و لا مستقرّ للكمّل دونه؛ و هو الكمال الحقيقيّ.

و قيّد النظر باللّذّة!! إيذانا بأنّ المسئول هو نظر اللطف و الجمال في الجنّة، لا نظر الهيبة و الجلال في عرصات القيامة. (و الشّوق)- بالنصب- أي: و أسألك الشوق‏ (إلى لقائك). قال ابن القيّم: جمع في هذا الدعاء بين أطيب ما في الدنيا؛ و هو الشوق إلى لقائه، و أطيب ما في الآخرة؛ و هو النظر إليه.

(في غير ضرّاء مضرّة) بأن لا يكون هناك ضرّاء أصلا، أو هناك ضرّاء غير مضرّة، و ذلك أنّ أهل الشوق إلى اللقاء الذين هم أهل الحبّ الخالص المشاهدون لذاته تعالى؛ قد يحصل لهم حجب عن الشهود في بعض الأحيان، ثمّ يزول و يرجع لهم الشهود، فهذا الحجب ضرر، لكنه غير مضرّ لكونه يزول، فإن دام! فهو الضرر المضرّ، و بعض أهل اللّه لا يحصل لهم حجب أصلا؛ فضلا عن دوامه.

(و لا فتنة مضلّة)؛ أي: موقعة في الحيرة، مفضية إلى الهلاك.

قال القونوي: الضّراء المضرّة: حصول الحجاب بعد التجلّي، و التجلّي بصفة تستلزم سدل الحجب، و الفتنة المضلّة: كلّ شبهة توجب الخلل، أو تنقص في العلم و الشهود.

(اللّهمّ؛ زيّنّا بزينة الإيمان)، و هي زينة الباطن، إذ لا معوّل إلّا عليها، لأنّ‏

489

و اجعلنا هداة مهتدين». (ن، ك؛ عن عمّار بن ياسر [(رضي الله تعالى عنهما)]).

الزينة زينتان: زينة البدن، و زينة القلب؛ و هي أعظمهما قدرا، و إذا حصلت زينة القلب حصلت زينة البدن على أكمل وجه.

و المعنى: اللّهمّ اجعلنا مستكملين لشعب الإيمان؛ لتتنوّر بواطننا بالنّور الناشى‏ء عن التصديق القلبيّ فيظهر نوره علينا.

(و اجعلنا هداة)؛ أي: نهدي غيرنا (مهتدين») في أنفسنا، لأنّ الهادي إذا لم يكن مهتديا في نفسه لم يصلح كونه هاديا لغيره؛ لأنّه يوقع الناس في الضلال من حيث لا يشعر.

(ن، ك)؛ أي: أخرجه النسائيّ، و الحاكم؛ أي: و كذا الإمام أحمد في «المسند»، كلهم؛ (عن) أبي اليقظان‏ (عمّار بن ياسر) العنسي- بالعين المهملة المفتوحة و النون الساكنة و السين المهملة- ثم المذحجيّ؛ القحطانيّ نسبا، المخزوميّ حلفا و ولاء، المكّي ثمّ المدنيّ ثمّ الشاميّ ثمّ الدمشقيّ.

أحد السابقين الأوّلين المعذّبين في اللّه أشدّ العذاب، و كذا عذّب أبوه و أمّه سميّة، و مرّ بهم النبيّ صلى اللّه عليه و سلم؛ و هم يعذّبون فقال: «صبرا آل ياسر، فإنّ موعدكم الجنّة»، و كانت سميّة أمّه أوّل شهيدة في الإسلام.

شهد عمّار جميع المشاهد مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و كان مخصوصا منه بالبشارة و الترحيب، و البشاشة و التطييب، و أخبر أنه أحد الأربعة الذين تشتاق إليهم الجنّة، و قال له: «مرحبا بالطّيّب المطيّب».

و أخبر أنّه ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما. و قال: عمّار جلدة ما بين عيني و أنفي»، و قال: «اهتدوا بهدي عمّار»، و قال: «من عادى عمّارا عاداه اللّه، و من أبغض عمّارا أبغضه اللّه». و آخى النبيّ صلى اللّه عليه و سلم بينه و بين سعد بن أبي وقّاص.

و لمّا أخبر صلى اللّه عليه و سلم أنه أكره على الكفر فكفر؛ قال: «كلّا؛ و اللّه إنّ عمّارا ملئ إيمانا من قرنه إلى مشاشه». و نزل فيه قوله تعالى‏ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏ [106/ النحل‏].

490

59- «اللّهمّ؛ أنت خلقت نفسي، و أنت توفّاها، لك مماتها و محياها، إن أحييتها .. فاحفظها، و إن أمتّها .. فاغفر لها.

اللّهمّ؛ إنّي أسألك العافية» ...

ولّاه عمر على الكوفة؛ و كتب إليهم: إنّه من النّجباء الرّفقاء؛ فاعرفوا له قدره.

روي له عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم اثنان و ستّون حديثا؛ اتّفقا منها على واحد، و انفرد البخاريّ بثلاثة، و مسلم بواحد. و أخرج عنه أصحاب «السّنن» و غيرهم.

قتل (رضي الله عنه) بصفّين؛ سنة: سبع و ثلاثين، عن ثلاث و خمسين سنة، قال قبل أن يقتل: ائتوني بشربة لبن، فإنّي سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «آخر شربة تشربها شربة لبن»؛ كذا نقل من «الرياض» للعامريّ باختصار.

59- ( «اللّهمّ؛ أنت خلقت نفسي)؛ أي: أوجدتها من العدم، و أبدعتها على غير مثال سبق. (و أنت توفّاها)- بحذف إحدى التاءين للتّخفيف- أي:

تتوفّاها.

و حسن الحذف هاهنا!! لئلّا يجتمع ثلاث تاءات؛ قاله ابن الجزريّ في «مفتاح الحصن».

(لك مماتها و محياها)؛ أي: موتها و حياتها ملكان لك، لا يملك غيرك شيئا من ذلك، قال تعالى‏ وَ لا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَ لا حَياةً وَ لا نُشُوراً (3) [الفرقان‏].

(إن أحييتها فاحفظها) من البليّات، و ممّا يوجب العذاب أو يقتضي الحجاب، (و إن أمتّها فاغفر لها) ذنوبها و سائر المخالفات و التقصيرات، فإنّه لا يغفر الذّنوب إلّا أنت.

(اللّهمّ؛ إنّي أسألك)، أي: أطلب منك‏ (العافية»)- تعميم بعد تخصيص- أي: أسألك العافية في اليقظة و المنام، و في الحياة الدنيا من سائر الآلام و جميع‏

491

(م؛ عن ابن عمر [(رضي الله تعالى عنهما)]).

60- «اللّهمّ؛ اغفر لي خطيئتي و جهلي، و إسرافي في أمري، و ما أنت أعلم به منّي.

المؤذيات و الأسقام، و في الآخرة من حلول دار الانتقام، و البعد عن رضا الملك العلّام.

(م)؛ أي: أخرجه مسلم في «صحيحه»؛ من حديث خالد بن عبد اللّه بن الحارث‏ (عن ابن عمر) بن الخطّاب، و رواه عنه النسائي أيضا.

قال خالد: سمعت عبد اللّه بن الحارث يحدّث عن ابن عمر: أنّه أمر رجلا إذا أخذ مضجعه أن يقول ذلك، فقال له رجل: سمعت هذا من عمر!؟ فقال: من خير من عمر .. من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

و أخرجه أبو يعلى؛ كما أشار إليه الحافظ ابن حجر قال: و ليس لعبد اللّه بن الحارث- و هو أبو الوليد البصري؛ نسيب ابن سيرين- إلّا هذا الحديث الواحد عن ابن عمر في الصحيح.

60- ( «اللّهمّ؛ اغفر لي خطيئتي)؛ أي: ذنبي، و يجوز تسهيل الهمزة فيقال: خطيتي- بالتحتيّة المشدّدة- (و جهلي)، أي: ما صدر منّي من أجل جهلي.

و فيه إيماء إلى قوله تعالى‏ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ [النساء].

قال البغويّ: أجمع السلف على أنّ من عصى اللّه تعالى؛ فهو جاهل؛ قاله في «شرح الأذكار» لابن علّان (رحمه الله تعالى).

و قال الحفني: قوله: «و جهلي» أي: ما يقع منّي حال الجهل.

(و إسرافي في أمري)؛ أي: مجاوزتي الحدّ في كلّ شي‏ء، (و ما أنت أعلم به منّي) من المعاصي و السيّئات، و التقصير عن الطاعات؛ ممّا علمته و ممّا لم أعلمه، فهو تعميم بعد تعميم.

492

اللّهمّ؛ اغفر لي خطيئتي و عمدي، و هزلي و جدّي، و كلّ ذلك عندي.

(اللّهمّ؛ اغفر لي ما قدّمت و ما أخّرت، و ما أسررت و ما أعلنت، ...

(اللّهمّ؛ أغفر لي [خطئي‏]): نقيض الصواب. (و عمدي)، هما متقابلان؛ قاله المناوي. و أقول: كذا وقع في نسخة «الجامع الصغير»:

«خطئي» بلفظ المفرد، و مثله في «الأذكار النووية». و وقع عند أكثر رواة البخاريّ: «خطاياي»؛ كما نبّه عليه ميرك!! قال الحافظ ابن حجر: في رواية الكشميهني: «خطئي»، و كذا أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد» بالسند الذي في «الصحيح»، و هو المناسب لذكر العمد، و لكنّ جمهور الرواة على الأوّل.

و الخطايا: جمع خطيئة، و عطف العمد عليها!! من عطف الخاصّ على العامّ، فإنّ الخطيئة أعمّ من أن تكون خطأ أو عمدا، أو من عطف أحد المتقابلين على الآخر. انتهى.

و المعنى: أنّه اعتبر المغايرة بينهما باختلاف الوصف؛ كما في قوله تعالى‏ تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَ قُرْآنٍ مُبِينٍ‏ (1) [الحجر].

(و هزلي و جدّي)- بكسر الجيم-: و هما ضدّان. (و كلّ ذلك عندي)، أي:

موجود و متحقّق، كالتذييل للسابق، أي: أنا متّصف بهذه الأشياء فاغفرها لي.

قاله صلى اللّه عليه و سلم تواضعا.

و عن عليّ (رضي الله عنه): عد فوات الكمال و ترك الأولى ذنبا، و هذا هو الأعلى، و بالاعتبار أولى، فإنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين.

(اللّهمّ؛ اغفر لي ما قدّمت) قبل هذا الوقت، (و ما أخّرت) عنه، (و ما أسررت)؛ أي: أخفيت، (و ما أعلنت)؛ أي: أظهرت، أو ما حدّثت به‏

493

أنت المقدّم و أنت المؤخّر، و أنت على كلّ شي‏ء قدير». (ق؛ عن أبي موسى).

61- «اللّهمّ؛ اهدني فيمن هديت، ...

نفسي، و ما تحرّك به لساني؛ قاله تواضعا و إجلالا للّه تعالى.

(أنت المقدّم) بعض العباد إليك بتوفيق الطاعة، (و أنت المؤخّر) بخذلان بعضهم عن التوفيق، (و أنت على كلّ شي‏ء قدير»)، أي: أنت الفعّال لكلّ ما تشاء. و لذا لم يوصف به غير الباري. و معنى قدرته على الممكن الموجود حال وجوده: أنّه إن شاء أبقاه، و إن شاء أعدمه. و معنى قدرته على المعدوم حين عدمه: أنّه إن شاء إيجاده أوجده، و إلّا! فلا. و فيه: أنّ مقدور العبد مقدور للّه حقيقة؛ لأنّه شي‏ء.

(ق) أي: متفق عليه، أي: رواه البخاريّ، و مسلم في «صحيحيهما» في‏ (الدعوات)؛ (عن أبي موسى) الأشعريّ: عبد اللّه بن قيس (رضي الله تعالى عنه). و قد تقدّمت ترجمته، و أخرجه عنه البيهقيّ، و غيره أيضا.

61- ( «اللّهمّ؛ اهدني فيمن هديت) من النبيّين و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين، و «في» بمعنى «مع»، و كذا فيما بعده. قال تعالى‏ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ‏ [69/ النساء] الآية. و يصحّ بقاؤها على حالها متعلّقة بمحذوف، و أوثر حذفه!! للمبالغة، أي: اجعل لي نصيبا وافرا من الاهتداء، و اجعلني معدودا في جملتهم؛ مندرجا في زمرتهم.

و هذا كما قال نبيّ اللّه سليمان- صلّى اللّه على نبيّنا و عليه و سلم-: وَ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ‏ (19) [النمل‏]. و نبيّ اللّه يوسف- صلّى اللّه على نبينا و عليه و سلم-: وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‏ (83) [الشعراء]. و لم يعبّرا ب «من» كما في قوله تعالى في حق إبراهيم على نبيّنا و عليه و على سائر النبيّين الصلاة و السلام:

وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ‏ (122) [النحل‏]؛ إيثارا للتواضع و التذلّل للّه تعالى، فشهدا

494

و عافني فيمن عافيت، و تولّني فيمن تولّيت، و بارك لي فيما أعطيت، و قني شرّ ما قضيت، فإنّك تقضي و لا يقضى عليك، و إنّه لا يذلّ من واليت، ...

تأخّرهما عن الصالحين، ثمّ سألا أن يلحقا بهم.

و أمّا الآية الأخيرة!! فهي إخبار من اللّه تعالى عن حقيقة إبراهيم، فالملحظ مختلف. ثمّ الصلاح الذي سألاه صلاح الأنبياء، و هو أكمل مراتب الصلاح؛ لا مطلق الصلاح، إذ مرتبة النبوّة أسنى و أشرف. و اللّه أعلم. انتهى «شرح الأذكار».

(و عافني) من كلّ نقص؛ ظاهرا و باطنا، في الدنيا و الآخرة، و اجعلني مندرجا (فيمن عافيت) ممّن ذكر أوّلا، (و تولّني)؛ أي: بحفظك لي عن كلّ مخالفة و نظر إلى غيرك؛ بإنعامك عليّ بمعرفتك، و اجعلني مندرجا (فيمن تولّيت) كذلك، و هم المذكورون أولا.

(و بارك لي فيما أعطيت): «في» للظّرفية، متعلّقة بالفعل المذكور قبلها، أي: ضع بركتك العظمى لي في كلّ ما أعطيتني من خير الدارين.

و في «النهاية»: أي: أثبت لي دوام ما أعطيتني من التشريف و الكرامة.

(و قني شرّ ما)؛ أي: الفعل الذي‏ (قضيت) به عليّ، و شرّ ما يقترن به من وسوسة الشيطان و الهوى و النفس للإنسان، حتّى يمنع ثوابه؛ إن كان ابتلاء، و يحمل على الاستمرار فيه؛ إن كان معصية، أو يمنع كماله؛ إن كان طاعة.

(فإنّك تقضي؛ و لا يقضى عليك). وقع كالتعليل لسؤال ما قبله، إذ لا يعطي تلك الأمور المهمّة إلّا من كملت فيه حقائق القدرة؛ و لم يوجد منها شي‏ء في غيره.

و إثبات الفاء في رواية الترمذيّ، و إحدى روايات النسائي، و الحاكم.

(و إنّه)؛ أي: الشأن‏ (لا يذلّ)- بفتح فكسر- (من واليت)، الذل: ضدّ العز، و الموالاة: ضد المعاداة، و المعنى: لا يطرق الذلّ و الهوان في الدارين أحدا واليته من عبادك.

495

..........

و ما يطرقه من الحوادث الظاهرة و الأمراض الباطنة و نحوها!! فهو؛ و إن عدّه عوامّ الناس ذلّا؛ إلّا أنه غاية الرّفعة و العزّة عند اللّه و عند أوليائه.

و ما العبرة إلّا بهم!! و من ثمّ وقع للأنبياء- صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين- من الامتحان العجيب ما هو مشهور؛ زيادة في التشريف، و إعلاما بعلوّ المقام المنيف.

و زاد في رواية النسائي، و الطبراني، و البيهقي: «و لا يعزّ من عاديت» بعد قوله «و لا يذلّ من واليت»، و هذه الزيادة لم يخرّجها الباقون؛ قاله الشوكاني في «العدة».

قال السيوطيّ (رحمه الله تعالى): لا خلاف بين العلماء من أهل اللّغة و الحديث و الصرف أنّ «يعزّ»: بكسر العين و فتح الياء. قال: و ألّفت فيه مؤلّفا سمّيته:

«الثّبوت في ضبط ألفاظ القنوت». و قلت في آخره نظما:

يا قارئا كتب التّصريف كن يقظا * * * و حرّر الفرق في الأفعال تحريرا

«عزّ» المضاعف يأتي في مضارعه‏ * * * تثليث عين بفرق جاء مشهورا

فما ك «قلّ» و ضدّ الذّلّ مع عظم‏ * * * كذا «كرمت علينا» جاء مكسورا

و ما ك «عزّ علينا الحال»؛ أي: صعبت‏ * * * فافتح مضارعه؛ إن كنت نحريرا

و هذه الخمسة الأفعال لازمة * * * و اضمم مضارع فعل ليس مقصورا

«عززت زيدا» بمعنى قد غلبت كذا * * * أعنته فكلا ذا جاء مأثورا

و قل إذا كنت في ذكر القنوت «و لا * * * يعزّ» يا ربّ من عاديت مكسورا

و اشكر لأهل علوم الشّرع إذ شرحوا * * * لك الصّواب و أبدوا فيه تذكيرا

و أصلحوا لك لفظا أنت مفتقر * * * إليه في كلّ صبح ليس منكورا

لا تحسبن منطقا يحكى و فلسفة * * * ساوى لدى علماء الشّرع قطميرا

قال ابن علّان: و قد بقي عليه «عزّ»: بمعنى: قوي، ففي بعض حواشي‏

496

تباركت ربّنا و تعاليت». ( هق؛ عن الحسن بن عليّ).

«شرح التحفة» (1) في الكلام على نوع «العزيز»: يقال منه: عزّ بمعنى قوي، مضارعه يعزّ- بفتح العين-. انتهى.

و زاد الترمذيّ: «سبحانك» قبل قوله: (تباركت)؛ أي: تعاظمت‏ (ربّنا و تعاليت»). قال في «شرح الأذكار»: قال بعض مشايخنا: كأنّ الحكمة في الإتيان بضمير الجمع هنا؛ دون ما تقدّم من قوله: «اهدني ... الخ»!! لأنّ ذلك مقام سؤال؛ و هو مناسب للتذلّل و الانكسار، و هذا مقام ثناء على المولى؛ فناسب الإتيان فيه بضمير الجمع المذكور، إمّا إشارة إلى العجز عن قيام المرء بمفرده بأداء حقّ ثنائه، و إمّا إشارة إلى أنّ جميع أجزائه مربوبة للباري، و إمّا تعاظما بهذه الإضافة الشريفة إلى الربوبيّة المنيفة.

و في «التحفة» لابن حجر الهيتميّ: و زاد العلماء- بعد «تعاليت»-: «فلك الحمد على ما قضيت، أستغفرك و أتوب إليك». و لا بأس بهذه الزّيادة، بل قال جمع: إنّها مستحبّة، لورودها في رواية البيهقيّ. انتهى. و زاد ابن الجزري في «عدة الحصن»: «و صلّى اللّه على النّبيّ»، و عزاها إلى النسائيّ.

قال الشوكاني: و هو كما قال. قال النووي: إنّها زيادة بسند صحيح أو حسن.

و تعقّبه الحافظ ابن حجر: بأنّه منقطع، و أخرج هذه الزيادة الطبرانيّ، و الحاكم.

و قد طوّلنا المقال على حديث الحسن هذا في «شرحنا للمنتقى»؛ فليرجع إليه، و قد ضعّفه بعض الحفاظ، و صحّحه آخرون، و أقلّ أحواله- إذا لم يكن صحيحا- أن يكون حسنا. انتهى؛ كلام الشوكاني.

( هق)؛ أي: أخرجه أصحاب «السنن الأربعة»: أبو داود، و الترمذيّ، و النسائيّ، و ابن ماجه، و البيهقيّ في «سننه»؛ (عن الحسن بن عليّ) بن أبي طالب: سبط رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و ريحانته من الدنيا، رضي اللّه تعالى‏

____________

(1) صوابه النخبة. «هامش الأصل»!!

497

62- «اللّهمّ؛ إنّك سألتنا من أنفسنا ما لا نملكه إلّا بك.

اللّهمّ؛ فأعطنا منها ما يرضيك عنّا». (ابن عساكر؛ ...

عنهما. و قدّ تقدّمت ترجمته.

قال الترمذيّ: هذا حديث حسن لا نعرفه إلّا من هذا الوجه.

و أخرجه ابن حبّان في «صحيحه»، و الحاكم في «المستدرك» و صحّحاه، و ابن أبي شيبة في «مصنفه»، و أخرجه الإمام أحمد، و ابن خزيمة، و الدارقطني، و الدارمي، و الطبرانيّ: كلهم؛ من حديث الحسن بن عليّ. قال الحافظ ابن حجر كما في «شرح الأذكار»-: و الحديث حسن صحيح، أخرجه ابن خزيمة.

انتهى.

و أخرجه أيضا الحاكم؛ من حديث أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه) بلفظ حديث الحسن مقيّدا بصلاة الصبح، فقال: صحيح. و قال الحافظ ابن حجر: ليس هو كما قال! بل هو ضعيف، لأن في إسناده عبد اللّه بن سعيد المقبري.

و أخرجه بنحوه الطبرانيّ؛ من حديث بريدة، (رضي الله تعالى عنه). انتهى.

ملخصا من «شرح الأذكار» و «شرح العدة».

62- ( «اللّهمّ؛ إنّك سألتنا): كلّفتنا (من أنفسنا)- بمنزلة التّأكيد لما قبله- (ما لا نملكه)؛ أي: ما لا نستطيعه و لا نقدر عليه من فعل المأمورات و اجتناب المنهيّات. (إلّا بك)؛ أي: بإقدارك و تمكينك و توفيقك.

(اللّهمّ؛ فأعطنا منها ما): توفيقا نقتدر به على فعل الذي‏ (يرضيك عنّا») من الطاعات و تجنّب المخالفات، فإنّ الأمور كلّها بيدك؛ منك مصدرها و إليك مرجعها، و نحن ضعفاء و أنت القادر، فنسألك أن تسعفنا و تعيننا على ذلك.

(ابن عساكر)؛ أي: أخرجه ابن عساكر: و هو عليّ بن الحسن بن هبة اللّه، ثقة الدين، أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي.

498

عن أبي هريرة).

63- «اللّهمّ؛ زدنا و لا تنقصنا، و أكرمنا و لا تهنّا، و أعطنا و لا تحرمنا، و آثرنا و لا تؤثر ...

المؤرّخ، الحافظ، الرّحالة، كان محدّث الديار الشاميّة، و رفيق السمعانيّ صاحب «الأنساب»- في رحلاته.

مولده سنة- 499-: تسع و تسعين و أربعمائة، و وفاته سنة- 571-: إحدى و سبعين و خمسمائة في دمشق الشام، و عمره اثنان و سبعون سنة تقريبا.

له كتاب: «تاريخ دمشق الكبير»؛ يعرف ب «تاريخ ابن عساكر»، (رحمه الله تعالى). آمين.

(عن أبي هريرة) (رضي الله تعالى عنه)، و رواه أيضا باللّفظ المذكور المستغفريّ في‏ (الدعوات). قال الحافظ العراقيّ: و فيه و لهان بن جبير: ضعّفه الأزدي؛ قاله المناوي في «فيض القدير». و قال نقلا عن السيوطيّ: هذا الحديث متواتر.

و تعقّبه السيّد العلامة محمد بن جعفر الكتاني في «نظم المتناثر»؛ فقال: لم أره في «الأزهار»، و يتبادر إلى الذهن أنّه سبق قلم، أو تحريف من الناسخ، إلّا أن يريد أنّ رجوع سيّدنا محمد صلى اللّه عليه و سلم إلى اللّه تعالى في أحواله كلّها؛ و سؤاله التوفيق منه؛ متواتر عنه معنى، فيصحّ. و اللّه أعلم.

63- ( «اللّهمّ؛ زدنا) من خير الدارين، أي: من العلوم و المعارف، (و لا تنقصنا) شيئا من نعمائك، (و أكرمنا) بالتقوى، (و لا تهنّا) بفعل المعاصي و المخالفات.

(و أعطنا و لا تحرمنا)- بفتح أوّله و ضمه- قال العلقميّ: عطف النواهي على الأوامر!! للتأكيد.

(و آثرنا)- بالمد-: اخترنا بعنايتك و إكرامك. (و لا تؤثر)؛ أي: لا تختر

499

علينا، و أرضنا و ارض عنّا». (ت، ك؛ عن عمر).

(علينا) غيرنا، فتعزّه و تذلنا، يعني: لا تغلب علينا أعداءنا.

(و أرضنا) بما قضيت لنا؛ أو علينا؛ بإعطاء الصبر و التحمّل، و القنع بما قسمت لنا من الرزق، و ذلك أنّ اللّه سبحانه دبّر لعبده- قبل أن يخلقه- شأنه من الرزق، و الأحوال، و الآثار، و كلّ ذلك مقدر مؤقّت، يبرزه له في وقته كما قدّره، و العبد ذو شهوات، و قد اعتادها و تخلّق بها، و دبّر اللّه لعبده غير ما تخلّق به من الشهوات، فمرّة سقم؛ و مرّة صحّة، و مرّة غنى؛ و مرّة فقر، و عسر و ذلّ، و مكروه و محبوب، فأحوال الدنيا تتداوله لا ينفك عن قضائه.

و العبد يريد ما وافقه و اشتهاه، و تدبير اللّه فيه غير ذلك، فإذا رزق العبد الرضا بالقضاء استقام قلبه؛ فترك جميع إرادته لمشيئة اللّه تعالى؛ ينتظر ما يبرز له من تدبيره في جميع أحواله، فيتلقّاه بانشراح صدر و طيب نفس؛ فيصير راضيا مرضيّا، و المصطفى صلى اللّه عليه و سلم أعظم من رزق الرضا، و ليس للشهوات و لا للشيطان عليه سبيل، و إنّما ذكر ذلك على طريق الإرشاد و التعليم للأمة.

(و ارض عنّا») بما نقيم من الطاعة القليلة التي هي جهدنا.

قال الراغب: منزلة الرضى أشرف المنازل بعد النّبوّة، فمن رضي عن اللّه فقد (رضي الله عنه)، لقوله تعالى‏ (رضي الله عنهم) وَ رَضُوا عَنْهُ‏ [119/ المائدة]. فجعل أحد الرضاءين مقرونا بالآخر، فمن بلغ هذه المنزلة فقد عرف خساسة الدنيا، و اطلع على جنة المأوى، و خطب مودّة الملأ الأعلى، و حظي بتحيّتهم المعيّنة بقوله تعالى‏ وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) [الرعد].

(ت، ك)؛ أي: أخرجه الترمذيّ، و الحاكم في «الدعاء»؛

(عن عمر) بن الخطّاب، أمير المؤمنين (رضي الله تعالى عنه) قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا نزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدويّ النّحل، فمكثنا ساعة، فسرّي عنه؛ فاستقبل القبلة و رفع يديه .... فذكره، و صحّحه الحاكم.

500

64- «اللّهمّ؛ أصلح ذات بيننا، و ألّف بين قلوبنا، و اهدنا سبل السّلام، و نجّنا من الظّلمات إلى النّور، و جنّبنا الفواحش ما ظهر منها و ما بطن.

اللّهمّ؛ بارك لنا في أسماعنا و أبصارنا و قلوبنا، و أزواجنا و ذرّيّاتنا، و تب علينا؛ إنّك أنت التّواب الرّحيم، ...

64- ( «اللّهمّ؛ أصلح ذات بيننا)؛ أي: الحال التي يقع بها الاجتماع، (و ألّف بين قلوبنا)؛ أي: اجعل بينها الإيناس و المحبة و التراحم؛ لتثبت على الإسلام، و تقوى على مقاومة أعدائك و نصرة دينك.

(و اهدنا سبل السّلام)؛ أي: دلّنا على طريق السّلامة من الآفات، أو على طريق دار السّلام، الجنة، (و نجّنا من الظّلمات إلى النّور)؛ أي: أنقذنا من ظلمات الدّنيا إلى نور الآخرة، أو من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة.

(و جنّبنا الفواحش؛ ما ظهر منها و ما بطن)؛ أي: بعّدنا عن القبائح الظاهرة و الباطنة، فإنّا عاجزون عن التنقّل منها، و رفع الهمم عن مواقعها؛ و إن اجتهدنا، بما جبلنا عليه من الضّعف و تسلّط الشيطان علينا، فلا قوّة لنا إلّا بك.

(اللّهمّ؛ بارك لنا في أسماعنا، و أبصارنا، و قلوبنا، و أزواجنا، و ذرّيّاتنا، و تب علينا)؛ أي: اصرف قلوبنا إلى الطاعة.

ف «التّوّاب» إذا وصف به المولى تعالى؛ كان معناه: الصارف لقلوب عباده عن المعاصي إلى الطاعة. و إذا وصف به العبد؛ كان معناه: كثير الخروج من الذنوب. فهو يختلف معناه باعتبار ما يوصف به؛ قاله الحفني.

(إنّك أنت التّوّاب)؛ أي: الرجّاع بعباده إلى مواطن النجاة، بعد ما سلّط عليهم عدوّهم بغوايته، ليعرفوا فضله عليهم و عظيم قدرته، ثمّ أتبعه وصفا كالتعليل له فقال: (الرّحيم): المبالغ في الرّحمة لعبادك.

501

و اجعلنا شاكرين لنعمك، مثنين بها، قابلين لها، و أتمّها علينا».

(طب، ك؛ عن ابن مسعود).

56- «اللّهمّ؛ إنّا نسألك موجبات رحمتك، و عزائم مغفرتك،

(و اجعلنا شاكرين لنعمك، مثنين بها) أي: عليها، (قابلين لها، و أتمّها علينا»)؛ أي: بدوام ذلك.

و إنّما سأل التوفيق لدوام الشكر!؟ لأنّ الشكر قيد النعم، فبه تدوم و تبقى، و بتركه تزول و تحول، قال اللّه تعالى‏ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ‏ [11/ الرعد]، و قال تعالى‏ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‏ [7/ إبراهيم‏].

فالحقّ- تقدّس- إذا رأى عبده قام بحقّ نعمته بالدوام على شكرها؛ منّ بأخرى رآه لها أهلا، و إلّا! قطع عنه ذلك.

(طب)؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الكبير»، و كذا في «الأوسط».

(ك) و أخرجه الحاكم في «المستدرك»: كلهم؛ (عن ابن مسعود) (رضي الله تعالى عنه) قال: كان النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم يعلّمنا هذا الدّعاء. قال الحافظ الهيثميّ: إسناد «الكبير» جيّد. انتهى. و من ثمّ آثره المصنّف تبعا ل «الجامع الصغير».

65- ( «اللّهمّ؛ إنّا نسألك موجبات)- بكسر الجيم- جمع موجبة؛ و هي الخصلة التي أوجبت لقائلها الرحمة؛ أي: مقتضيات‏ (رحمتك) بوعدك، فإنّه لا يجوز الخلف فيه، و إلّا! فالحقّ سبحانه لا يجب عليه لأحد شي‏ء؛ قاله السيوطيّ.

و في الحفني على «الجامع الصغير»: موجبات رحمتك؛ أي: أسبابها؛ أي: كلّ قول و فعل مقتض للرحمة ليترتّب عليها المسبّبات، فليس المراد بالموجبات الواجبات، إذ لا يجب عليه تعالى شي‏ء. انتهى.

(و عزائم): جمع عزيمة (مغفرتك)؛ أي: الأسباب المؤكّدة المقتضية

502

و السّلامة من كلّ إثم، و الغنيمة من كلّ برّ، و الفوز بالجنّة، و النّجاة من النّار». (ك؛ عن ابن مسعود).

66- «اللّهمّ؛ اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا و بين ...

لمغفرتك، يعني: نسألك أعمالا تعزم و تتأكّد بها مغفرتك.

(و السّلامة من كلّ إثم) يوجب عقابا؛ أو عتابا؛ أو نقص درجة، أو غير ذلك.

قال العلقمي، قال شيخنا- يعني السيوطيّ-: قال العراقيّ: فيه جواز سؤال العصمة!! و قد أنكر بعضهم جواز ذلك؛ إذ العصمة إنّما هي للأنبياء و الملائكة!! قال:

و الجواب: أنّها في حقّ الأنبياء و الملائكة واجبة، و في حقّ غيرهم جائزة، و سؤال الجائز جائز، إلّا أنّ الأدب سؤال الحفظ في حقّنا؛ لا العصمة، و قد يكون هذا هو المراد هنا. انتهى.

و قال العلّامة ابن حجر الهيتمي في «شرح العباب»: الحقّ ما قاله بعض المتأخّرين: أنّه إن قصد التوقّي عن جميع المعاصي و الرذائل في سائر الأحوال امتنع؛ لأنّه سؤال مقام النبوّة، و إن قصد التحفّظ من أعمال السوء! فهذا لا بأس به. انتهى «شرح الأذكار».

(و الغنيمة من كلّ برّ)- بكسر الموحدة- أي: طاعة و خير.

(و الفوز بالجنّة، و النّجاة من النّار»)، ذكره تعليما لأمّته، لأنّه متيقّن الفوز و النجاة.

(ك)؛ أي: أخرجه الحاكم في «المستدرك»؛ (عن) عبد اللّه‏ (بن مسعود) (رضي الله تعالى عنه) قال: كان من دعاء رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم «اللّهمّ ... الخ».

و قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.

66- ( «اللّهمّ؛ اقسم لنا)؛ أي: اجعل لنا قسما و نصيبا (من خشيتك)؛ أي: خوفك المقترن بالتّعظيم‏ (ما تحول) أنت؛ أي: تحجز و تمنع‏ (به بيننا و بين‏

503

معاصيك، و من طاعتك ما تبلّغنا به جنّتك، و من اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدّنيا، ...

معاصيك)، لأنّ القلب إذا امتلأ من الخوف أحجمت الأعضاء جميعها عن ارتكاب المعاصي، و بقدر قلّة الخوف يكون الهجوم على المعاصي، فإذا قلّ الخوف جدّا؛ و استولت الغافلة؛ كان ذلك من علامة الشقاء، و من ثمّ قالوا: المعاصي بريد الكفر؛ كما أنّ القبلة بريد الجماع، و الغناء بريد الزّنا، و النّظر بريد العشق، و المرض بريد الموت، و للمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرّة بالعقل و البدن؛ و الدنيا و الآخرة ما لا يحصيه إلّا اللّه.

(و من طاعتك ما تبلّغنا)- بتشديد اللّام المكسورة، و يجوز تخفيفها- أي:

توصلنا (به جنّتك)؛ أي: مع شمولنا برحمتك، إذ ليست الطاعة وحدها مبلّغة، بدليل خبر: «لن يدخل أحدكم الجنّة بعمله»، قالوا: و لا أنت يا رسول اللّه؟!! قال: «و لا أنا؛ إلّا أن يتغمّدني اللّه برحمته».

(و من اليقين)؛ أي: و ارزقنا من اليقين بك، و نفوذ قضائك، و أنّه لا رادّ له، و بأنّه لا يصيبنا إلّا ما كتب اللّه لنا، و بأنّ ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا؛ و ما أصابنا لم يكن ليخطأنا.

(ما تهوّن)- بكسر الواو المشدّدة و بالتحتيّة و الفوقيّة- قال ابن الجزري: رواية «ما تهوّن علينا» بحذف «به» يقتضي أن يكون بالتّحتيّة، و إثباته يقتضي أن يكون بالفوقيّة!! انتهى.

أي: يسهّل و يخفّف‏ (به علينا مصائب الدّنيا) بأن نعلم أنّ ما قدّرته لا يخلو عن حكمة و مصلحة و استجلاب منفعة، و أنّك لا تفعل بالعبد شيئا؛ إلّا و فيه صلاحه، و ذلك كموت الولد، فيلاحظ أنّ هذه المصيبة في طيّها رفع درجات، و تكفير سيّئات، و يتيقّن أنّها بإرادته تعالى، فهذا شأن الكاملين. و قوله:

«مصائب»- بالنصب- و قد يرفع على أنّ «يهون»- بفتح أوّله و ضمّ الهاء-:

مضارع هان؛ بالتحتيّة و الفوقيّة. و اللّه أعلم.

504

و متّعنا بأسماعنا و أبصارنا و قوّتنا ما أحييتنا، و اجعله الوارث منّا، و اجعل ثأرنا على من ظلمنا، و انصرنا على من عادانا، و لا تجعل مصيبتنا في ديننا، و لا تجعل الدّنيا أكبر همّنا، ...

(و متّعنا بأسماعنا و أبصارنا)، لأنّها طرائق الدلائل الموصلة لمعرفة اللّه تعالى و توحيده؛ من البراهين المأخوذة، إمّا من الآيات المنزّلة؛ و طريق ذلك السمع، أو من الآيات في الآفاق و الأنفس؛ و طريق ذلك البصر.

(و قوّتنا)؛ أي: قوّة قلبنا الذي عليه مدار إيماننا، أو المراد: قوّة سائر قوانا؛ من الحواسّ الظاهرة و الباطنة، و باقي الأعضاء البدنيّة.

(ما أحييتنا)؛ أي: متّعنا بذلك مدّة حياتنا، (و اجعله)؛ أي: المذكور من السمع و البصر و القوّة. أو الضمير للتّمتّع؛ المأخوذ من: «متّعنا»- على حدّ قوله‏ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏ [8/ المائدة]. (الوارث منّا)، و معنى وراثتها: لزومها له عند موته لزوم الوارث له؛ قاله المناوي. و قد تقدّم الكلام عليه.

(و اجعل ثأرنا)- بالمثلّثة- أي: انتقامنا و نصرنا مقصورا (على من ظلمنا)، و لا تجعلنا ممّن تعدّى في طلب ثأره، و أخذ به غير الجاني، كما كان أهل الجاهليّة يفعله، و كما يفعله الآن القبائل أهل البوادي؛ من قتل غير القاتل، بل و لو كان الآخذ بالثأر من غير أولياء الدم. أو المراد: اجعل إدراك ثأرنا على من ظلمنا فندرك ثأرنا، و أصل الثأر: الحقد و الغضب، ثمّ استعير لمطالبة دم القتيل.

(و انصرنا على من عادانا)؛ أي: ظفّرنا عليه و انتقم منه، و هو تعميم بعد تخصيص. (و لا تجعل مصيبتنا في ديننا)؛ أي: لا تصيبنا بما ينقص ديننا؛ من أكل الحرام، و اعتقاد السوء، و الفترة في العبادة، و الغافلة عن الطاعة.

(و لا تجعل الدّنيا أكبر همّنا)، الهمّ: المقصد و الحزن؛ أي: لا تجعل أكبر قصدنا أو حزننا لأجل الدنيا، فإنّ ذلك سبب الهلاك، بل اجعله مصروفا في عمل الآخرة. و أشار ب «أكبر» أنّ القليل من الهمّ ممّا لا بدّ منه في أمر المعاش له و لعياله‏