منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - ج4

- عبد الله بن سعيد محمد العبادي المزيد...
531 /
55

239- «من فارق الجماعة شبرا .. فقد خلع ربقة الإسلام».

و أخرجه العسكري بلفظ التّرجمة، و زاد «قيل يا رسول اللّه؛ ما معنى ليس منّا!!- قال- ليس مثلنا». و عند أبي نعيم و الطّبراني في «الكبير» و «الصغير» برجال ثقات؛ عن ابن مسعود رفعه: «من غشّنا فليس منّا، و المكر و الخداع في النّار»؛ أي: صاحبهما يستحقّ دخول النّار إن لم يعف اللّه عنه، لأن الداعي إلى ذلك الحرص و الشّحّ و الرغبة في الدّنيا، و ذلك يجرّ إلى النّار. و أخذ الذّهبي أنّ الثلاثة من الكبائر، فعدّها منها. و للدّارقطني بسند ضعيف؛ عن أنس: «من غشّ أمّتي فعليه لعنة اللّه» انتهى زرقاني على «المواهب».

239- ( «من فارق) بقلبه و لسانه و اعتقاده، أو ببدنه و لسانه‏ (الجماعة) المعهودين؛ و هم جماعة المسلمين.

قال العامريّ في «شرح الشهاب»: لفظ الجماعة ينصرف لجماعة المسلمين لما اجتمع فيهم من جميل خصال الإسلام، و مكارم الأخلاق، و ترقّي السّابقين منهم إلى درجة الإحسان؛ و إن قلّ عددهم، حتّى لو اجتمع التّقوى و الإحسان في واحد كان هو الجماعة. انتهى.

(شبرا) أي: قدر شبر. كنى به عن ترك السّنّة و التمسّك بالبدعة؛ و لو بأدنى نوع من أنواع التّرك، أو بأقلّ سبب من أسباب الفرقة؛

(فقد خلع ربقة الإسلام») من عنقه، أي: أهمل حدود اللّه و أوامره و نواهيه، و تركها بالكليّة. قال في «النّهاية»: مفارقة الجماعة ترك السّنّة و اتّباع البدعة، و الرّبقة- في الأصل-: عروة تجعل في عنق البهيمة أو يدها، تمسكها. فاستعارها للإسلام، يعني: ما يشدّ به المسلم نفسه من عرى الإسلام؛ أي: حدوده و أحكامه و أوامره و نواهيه. انتهى.

و الحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الإمام أحمد، و أبو داود و الحاكم؛ عن أبي ذرّ.

56

240- «من كثّر سواد قوم .. فهو منهم».

و أخرجه الإمام أحمد؛ عن رجل من أصحاب النّبي صلى اللّه عليه و سلم قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «و أنا آمركم بخمس إلى أن قال: «فمن خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من رأسه» الحديث، و رجاله ثقات رجال الصّحيح، خلا عليّ بن إسحاق السّلمي و هو ثقة. و رواه الطّبراني باختصار؛ إلّا أنّه قال «من فارق الجماعة قيد قوس، لم تقبل منه صلاة و لا صيام، و أولئك هم وقود النّار».

و رواه الطّبراني؛ عن معاذ بن جبل قال:

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «ألا إنّ الجنّة لا تحلّ لعاص- إلى أن قال- و من خرج من الجماعة قيد شبر متعمّدا؛ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» ... الحديث. و في سنده عمرو بن واقد و هو متروك.

و أخرجه الطّبراني؛ عن أبي الدّرداء قال: قام فينا رسول اللّه- إلى أن قال:

«و من خرج من الطّاعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» ... الحديث، و في سنده عمرو بن رويبه. و هو متروك.

و أخرجه البزّار و الطّبراني في «الأوسط»؛ عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «من فارق الجماعة قياس- أو قيد- شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» ... الحديث. و في سنده خليد بن دعلج، و هو ضعيف؛ ذكره في «مجمع الزوائد».

240- ( «من كثّر سواد قوم)؛ بأن عاشرهم و ناصرهم و سكن معهم‏ (فهو منهم») و إن لم يكن من قبيلتهم أو بلدهم؛ يعني: أنّ له حكمهم من صلاح و غيره، و فيه تلميح إلى مجانبة أعداء اللّه و مباعدتهم، و التحرّز عن مخالطتهم، و عن التشبّه بهم إذ صدور ذلك من المسلم دالّ على ضعف إيمانه، لأنّ المشابهة و المشاكلة في الأمور الظّاهرة توجب مشابهة و مشاكلة في الأمور الباطنة، و المشاركة في الهدي الظّاهر توجب مناسبة و ائتلاف؛ و إن بعد المكان و الزّمان، و هذا أمر محسوس،

57

241- «من كنت مولاه .. فعليّ مولاه».

فمرافقتهم و مساكنتهم- و لو قليلا- سبب و مظنة لاكتساب أخلاقهم و أفعالهم المذمومة، بل هي سبب لمشابهتهم في نفس الاعتقادات، فيصير مساكن الكافر مثله.

و أيضا المشاركة في الظّاهر تورث نوع مودّة و محبّة و موالاة في الباطن، كما أنّ المحبّة في الباطن تورّث المشابهة، و هذا مما يشهد به الحس، فإن الرّجلين إذا كانا من بلد؛ و اجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودّة و الائتلاف أمر عظيم بموجب الطبع، و إذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورّث المحبّة و الموالاة؛ فكيف المشابهة في الأمور الدينية!! انتهى «مناوي».

و الحديث ذكره في «كشف الخفا»؛ و قال: رواه أبو يعلى، و علي بن معبد في «كتاب الطاعة» أنّ رجلا دعا ابن مسعود إلى وليمة، فلما جاء ليدخل سمع لهوا؛ فلم يدخل، فقيل له!! فقال: إني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «من كثّر سواد قوم فهو منهم، و من رضي عمل قوم كان شريك من عمل». و هكذا عند الدّيلمي بهذه الزيادة.

و لابن المبارك في «الزّهد»؛ عن أبي ذرّ نحوه موقوفا، و شاهده حديث:

«من تشبّه بقوم فهو منهم» و تقدّم. انتهى. و ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز أبي يعلى.

241- ( «من كنت مولاه) أي: وليّه و ناصره‏ (فعليّ مولاه»).

قال الشّافعي: أراد بذلك ولاء الإسلام، لقوله تعالى‏ ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى‏ لَهُمْ‏ (11) [محمد] انتهى «عزيزي».

و خصّ سيدنا عليّا لمزيد علمه، و دقائق مستنبطاته و فهمه، و حسن سيرته، و صفاء سريرته، و كرم شيمته، و رسوخ قدمه.

قيل: سببه أنّ أسامة قال لعلي: لست مولاي، إنّما مولاي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم!.

58

242- «من لا يرحم .. لا يرحم».

فقال النّبي صلى اللّه عليه و سلم: «من كنت مولاه فعليّ مولاه».

قال ابن حجر: حديث كثير الطّرق جدا استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد؛ منها صحاح، و منها حسان، و في بعضها: قال ذلك يوم غدير خمّ.

و زاد البزّار في رواية: «اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه، و أحبّ من أحبّه، و أبغض من أبغضه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله».

و لا حجّة في ذلك على تفضيله على الشّيخين؛ كما هو مقرّر في محلّه من فن الأصول. انتهى مناوي على «الجامع».

و ذكره «في كشف الخفا» و قال: رواه الطّبراني، و أحمد، و الضياء في «المختارة»؛ عن زيد بن أرقم و عليّ و ثلاثين من الصّحابة بلفظ: «اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه». فالحديث متواتر؛ أو مشهور. انتهى.

و ذكره في «الجامع الصغير»، و في «الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة» للجلال السّيوطي (رحمه الله تعالى).

242- ( «من لا يرحم) بالبناء للفاعل‏ ( «لا يرحم») بالبناء للمفعول، أي:

من لا يكون من أهل الرّحمة لا ي(رحمه الله)، أو من لا يرحم النّاس بالإحسان لا يثاب من قبل اللّه‏ هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ‏ (60) [60/ الرحمن‏].

قال ابن أبي جمرة: يحتمل أن يكون المعنى: من لا يرحم نفسه بامتثال أوامر اللّه تعالى و اجتناب نواهيه؛ لا ي(رحمه الله) في الآخرة. انتهى.

و هو بالرّفع فيها [يرحم؛ يرحم‏] (1) على الخبر، و بالجزم [يرحم، يرحم‏] (1) على أنّ «من» موصولة أو شرطيّة، و رفع الأول و جزم الثاني [يرحم، يرحم‏] (1) و عكسه [يرحم، يرحم‏] (1).

____________

(1) إضافة اقتضاها الإيضاح. (عبد الجليل).

59

243- «من لم يكن ذئبا .. أكلته الذّئاب».

244- «من مزح .. استخفّ به».

قال ابن بطّال: و فيه الحضّ على استعمال الرّحمة لجميع الخلق، فيدخل المؤمن و الكافر و البهائم، و يدخل في الرّحمة التّعاهد بالإطعام و السّقي، و التّخفيف من الحمل، و ترك التعدي بالضرب، انتهى شروح «الجامع الصغير».

و الحديث أخرجه الشيخان و غيرهما؛ عن أبي هريرة و جرير بن عبد اللّه البجلي و غيرهما: البخاري في «كتاب الأدب؛ باب رحمة الولد و تقبيله و معانقته»، و في «باب رحمة النّاس و البهائم» و اللّفظ له، و مسلم في كتاب الفضائل؛ باب رحمته صلى اللّه عليه و سلم الصّبيان و تواضعه و فضل ذلك ... الخ‏

و هو حديث متواتر ذكره السّيوطي في «الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة» عن عدّة من الصّحابة (رضوان الله عليهم).

و سببه أنّ النّبي صلى اللّه عليه و سلم قبّل الحسين، فقال الأقرع بن حابس: لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدا! فنظر إليه ... فذكر الحديث. انتهى.

و بمعناه حديث الرحمة المسلسل بالأولية، و هو قوله (عليه الصلاة و السلام): «الرّاحمون يرحمهم الرّحمن تبارك و تعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السّماء».

و قد ذكرت من أخرجه في رسالتي «إعانة رب البرية على تراجم رجال الحديث المسلسل بالأولية» مع ذكر إسنادي المسلسل به؛ فليراجع ذلك من شاء فيها. و اللّه أعلم.

243- ( «من لم يكن ذئبا أكلته الذّئاب»)؛ أخرجه الطّبراني في «الأوسط»؛ عن أنس رفعه بلفظ: «يأتي على النّاس زمان هم ذئاب، فمن لم يكن ذئبا أكلته الذّئاب».

قال الحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد»: و فيه من لم أعرفهم. انتهى.

244- ( «من مزح استخفّ به») أي: هان على النّاس، و نظروا إليه بعين‏

60

245- «من نوقش الحساب ...

الاحتقار و الهوان فاحفظ لسانك منه، فإنّه يسقط المهابة، و يريق ماء الوجه، و يستجرّ الوحشة، و يؤذي القلوب، و هو مبدأ اللّجاج و الغضب و التّضارب، و مغرس الحقد في القلوب، فإن مازحك غيرك! فأعرض عنهم حتّى يخوضوا في حديث غيره، و كن من الّذين إذا مرّوا باللّغو مروا كراما. انتهى.

و قال في الأذكار: المزاح المنهيّ عنه ما فيه إفراط و مداومة، فإنّه يورّث الضّحك و القسوة و يشغل عن الذّكر و الفكر في مهمات الدّين؛ فيورّث الحقد، و يسقط المهابة و الوقار، و ما سلم من ذلك هو المباح الّذي كان المصطفى صلى اللّه عليه و سلم يفعله، فإنّه إنّما كان يفعله نادرا لمصلحة، كموانسة و تطييب نفس المخاطب، و هذا لا منع منه قطعا، بل هو مستحبّ. انتهى.

و الحديث ذكره في «الكنوز» مرموزا له برمز ابن عساكر، و ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الدّيلمي، في «مسند الفردوس»؛ عن أنس (رضي الله عنه)؛ لكن بلفظ: «الصّمت سيّد الأخلاق، و من مزح استخفّ به».

قال المناوي: و تمامه «و من حمل الأمر على القضاء استراح». انتهى.

و في كتاب «كشف الخفا» للعجلوني: الصّواب أنّه من قول عمر، و أنّ الأحنف قال: قال لي عمر: يا أحنف؛ من كثر ضحكه قلّت هيبته، و من مزح استخفّ به، و من أكثر من شي‏ء عرف به، و من كثر كلامه كثر سقطه، و من كثر سقطه قل حياؤه، و من قل حياؤه قل ورعه، و من قلّ ورعه مات قلبه.

و رواه ابن عساكر و قال: غريب الإسناد و المتن عن أبي هريرة (رضي الله عنه) بلفظ: «من كثر ضحكه استخفّ بحقّه، و من كثرت دعابته ذهبت جلالته، و من كثر مزاحه ذهب وقاره، و من شرب الماء على الرّيق ذهب بنصف قوّته، و من كثر كلامه كثرت خطاياه، و من كثرت خطاياه فالنّار أولى به». انتهى.

245- ( «من نوقش) بضم النّون و كسر القاف‏ (الحساب)- بالنّصب؛ بنزع‏

61

عذّب».

الخافض، أي: من ضويق في حسابه بحيث سئل عن كل شي‏ء؛ فاستقصي في حسابه حتّى لم يترك منه شي‏ء من الكبائر و لا من الصّغائر إلّا و أوخذ به‏ (عذّب») بضمّ أوّله و كسر الذّال المعجمة- أي: تكون تلك المضايقة عذابا، لما فيها من التّوبيخ، أو إنها سبب يفضي إلى العذاب، لأنّ التّقصير غالب على العباد، فمن استقصي عليه و لم يسامح هلك و عذب؛ أي: و من لم يناقش الحساب لا يعذب، بل يحاسب حسابا يسيرا، أو لا يحاسب أصلا.

قال الحكيم التّرمذي: يحاسب المؤمن في القبر ليكون أهون عليه في الموقف فيمحّص في البرزخ؛ فيخرج و قد اقتصّ منه. انتهى مناوي و حفني على «الجامع».

و الحديث أخرجه البخاري و مسلم، و أبو داود و التّرمذي؛ عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) و تمامه: قالت عائشة: فقلت أ ليس يقول اللّه‏ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (8) [الانشقاق‏]؛ أي: سهلا هيّنا بأن يجازى على الحسنات الّتي صدرت منه في حياته، و يتجاوز عن سيئاته!؟ قال: «ذلك- بكسر الكاف- العرض»- بفتح العين المهملة و سكون الرّاء- أي: عرض أعمال المؤمن عليه حتى يعرف منّة اللّه تعالى عليه في سترها عليه عن النّاس في الدّنيا، و في عفوه عنها في الآخرة، فله الحمد على منّته على عباده المؤمنين و إتحافهم بسعادتهم في الدّارين.

و للإمام أحمد من وجه آخر؛ عن عائشة: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول في بعض صلاته «اللّهمّ حاسبني حسابا يسيرا» فلما انصرف قلت: يا رسول اللّه؛ ما الحساب اليسير؟! قال: «أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، إنّ من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك» انتهى.

فعائشة (رضي الله عنها) فهمت أنّ الحديث معارض للآية!! لأنّ «من» من صيغ العموم، فظنّت أنّ كلّ من حوسب معذّب؛ مع أنّ ظاهر قوله تعالى‏ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (8) [الانشقاق‏] دالّ على أنّ الحساب لا يستلزم العذاب فأزال صلى اللّه عليه و سلم الإشكال‏

62

246- «منهومان لا يشبعان: طالب علم، و طالب دنيا».

عنها بقوله «ذلك العرض»، فاقتنعت، مع أنّها (رضي الله عنها) لو تأمّلت في قوله «من نوقش الحساب» لعلمت أنّ هذا الحديث لا يعارض قوله تعالى‏ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (8) [الانشقاق‏]، لأن الآية خاصّة بمن أوتي كتابه بيمينه دون غيره، فلذلك وصف تعالى حسابه بكونه حسابا يسيرا، و الحساب غير المناقشة، بل هو العرض الّذي تقدّم معناه، و لذلك أجابها النّبي صلى اللّه عليه و سلم بقوله «ذلك العرض»، هذا ما تبادر للذّهن.

قال شيخ مشايخنا في «زاد المسلم في ما اتفق عليه البخاري و مسلم» قال:

و بنحوه ساق الأبّي كيفيّة جوابه صلى اللّه عليه و سلم لها على مقتضى القواعد المنطقيّة حيث قال في شرح هذا الحديث: فهمت (رضي الله عنها) أنّ الحديث معارض للآية، لأنّ الحديث في قوّة موجبة كلية؛ أي: كلّ من نوقش الحساب عذّب، و الآية في قوة سالبة جزئية، أي: تعطي أنّ من يحاسب ليس بمعذّب.

و حاصل جوابه: أنّه لم يتّحد الموضوع، لأنّه في الكلّيّة من نوقش. و في الجزئيّة من حوسب، و المناقشة غير المحاسبة. انتهى.

246- ( «منهومان) تثنية منهوم، و هو: شديد الشّهوة المنكبّ على الشّي‏ء طلبا لحيازته‏ (لا يشبعان)، لعدم انتهاء حرصهما و هما: (طالب علم، و طالب دنيا). فمن كان شديد الشّهوة لجمع المال أو طلب العلم لا يشبع من ذلك، إذ ليس للعلم غاية ينتهي إليها، و لا للمال غاية ينتهي إليها فلهذا لا يشبعان.

قال بعضهم: ما استكثر أحد من شي‏ء إلّا ملّه و ثقل عليه إلّا العلم و المال، فإنّه كلما زاد اشتهى له، و لكنهما لا يستويان، أمّا صاحب الدّنيا فيتمادى في الطّغيان، و أمّا صاحب العلم فيزداد من رضا الرّحمن. انتهى شروح «الجامع الصغير».

و الحديث ذكره في «كشف الخفا» و قال: رواه الطّبراني في «الكبير» و القضاعي؛ عن ابن مسعود رفعه.

63

247- «المؤمن .. مرآة المؤمن».

و هو عند البيهقي في «المدخل»؛ عن ابن مسعود أنّه قال: «منهومان لا يشبعان طالب علم و طالب دنيا؛ و لا يستويان، أمّا صاحب الدّنيا فيتمادى في الطّغيان، و أمّا صاحب العلم فيزداد من رضا الرّحمن» ثم قرأ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى‏ (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى‏ (7) [العلق‏]، و قوله‏ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [28/ فاطر] و قال: إنّه موقوف و منقطع، ثمّ ساقه عن أنس مرفوعا بلفظ: «منهومان لا يشبعان: منهوم في العلم لا يشبع منه، و منهوم في الدّنيا لا يشبع منها».

قال: و روي عن كعب الأحبار من قوله، و رواه البزّار، من حديث ليث بن أبي سليم عن طاوس- أو مجاهد- عن ابن عباس مرفوعا بلفظ التّرجمة. و قال:

لا نعلمه يروى من وجه أحسن من هذا.

و رواه العسكري عنه بلفظ: «منهومان لا يقضي واحد منهما نهمته: منهوم في طلب العلم، و منهوم في طلب الدّنيا».

و أخرجه العسكريّ أيضا عن أبي سعيد رفعه: «لن يشبع المؤمن من خير سمعه حتّى يكون منتهاه الجنّة». و رواه أيضا عن الحسن قال:

بلغني أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «أيّها النّاس؛ إنّهما منهومان، فمنهوم في العلم لا يشبع، و منهوم في المال لا يشبع».

و في الباب عن ابن عمر، و أبي هريرة، و هي؛ و إن كانت مفرداتها ضعيفة؛ فبمجموعها يتقوّى الحديث. انتهى كلام «كشف الخفا»، و نحوه في «المقاصد الحسنة» للحافظ السخاوي.

247- ( «المؤمن مرآة) بهمزة ممدودة (المؤمن»)؛ أي: يرى فيه عيوبه كما يراها في المرآة، ثمّ يميطها عنه بوجه حسن، فإذا أبصرت عيبا في أخيك؛ فأخبره به، و انصحه بما يقتضي إذهابه عنه بلطف أو عنف؛ إن اقتضى الحال ذلك.

انتهى حفني.

64

248- «المؤمن .. من أمنه النّاس على أنفسهم و أموالهم».

249- «المؤمن .. يسير المؤنة».

و لبعضهم في معنى الحديث:

صديقي مرآة أميط بها الأذى‏ * * * و عضب حسام إن منعت حقوقي‏

و إن ضاق أمري أو ألمّت ملمّة * * * لجأت إليه دون كلّ شقيق‏

و الحديث أخرجه الطّبراني في «الأوسط» و الضّياء و القضاعي و البزّار؛ عن أنس (رضي الله عنه).

و أخرجه أبو داود و البخاري في «الأدب المفرد»؛ عن أبي هريرة رفعه، و العسكري من طرق؛ عن أبي هريرة، و لفظه في بعضها: «إنّ أحدكم مرآة أخيه، فإذا رأى شيئا فليمطه».

و أخرجه ابن المبارك؛ عن الحسن من قوله، و قال في «اللآلئ» أخرجه أبو داود في «سننه»؛ عن أبي هريرة أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال: «المؤمن مرآة المؤمن، و المؤمن أخو المؤمن، يكفّ عنه ضيعته و يحوطه من ورائه». و في إسناده كثير بن زيد مختلف في عدالته. انتهى «كشف الخفا»، و مناوي على «الجامع». قال المناوي نقلا عن العراقي: إنّ حديث أبي هريرة إسناده حسن. انتهى.

248- ( «المؤمن من أمنه النّاس على أنفسهم و أموالهم») أي: حقه أن يكون متّصفا بذلك، و قال العلقمي: هو محمول على المؤمن الكامل. انتهى «عزيزي».

و تمام الحديث: «و المهاجر من هجر الخطايا و الذّنوب». أخرجه ابن ماجه؛ عن فضالة بن عبيد. قال المناوي: و رواه عنه أيضا التّرمذيّ و حسّنه، و قال في «الكشف»: رواه الدّيلميّ عن أنس (رضي الله عنه). انتهى.

249- ( «المؤمن يسير المؤنة») أي: قليل الكلفة على إخوانه، و الحديث‏

65

250- «المؤمنون كرجل واحد».

ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز أبي نعيم في «الحلية»، و البيهقي في «شعب الإيمان»؛ كلاهما عن أبي هريرة (رضي الله عنه). قال العزيزي: و إسناده ضعيف.

و قال في «كشف الخفا»: موضوع؛ كما قاله الصغاني، لكن معناه صحيح.

انتهى.

250- ( «المؤمنون كرجل واحد)؛ إن اشتكى رأسه اشتكى كلّه، و إن اشتكى عينه اشتكى كلّه». هذا تمام الحديث كما في «الجامع».

قال المناوي: أفاد تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض، و حثّهم على التّراحم و التّعاضد في غير إثم و لا مكروه و نصرتهم، و الذبّ عنهم و إفشاء السّلام عليهم، و عيادة مرضاهم، و شهود جنائزهم و غير ذلك.

و فيه مراعاة حقّ الأصحاب و الخدم و الجيران و الرفقاء في السفر، و كلّ ما تعلّق بهم بسبب، حتّى الهرة و الدّجاجة؛ ذكره الزمخشري.

قال ابن عربي: و مع هذا التمثيل فأنزل كلّ أحد منزلته، كما تعامل كلّ عضو منك بما يليق به و ما خلق له؛ فتغض بصرك عن أمر لا يعطيه السمع، و تفتح سمعك لشي‏ء لا يعطيه البصر، و تصرف يدك في أمر لا يكون لرجلك، و كذا جميع قواك، فنزّل كلّ عضو منك فيما خلق له، و إذا ساويت بين المسلمين فأعط العالم حقّه من التّعظيم و الإصغاء لما يأتي به، و الجاهل حقّه من تذكيره و تنبيهه على طلب العلم و السّعادة، و الغافل حقّه بأن توقظه من نوم غفلته بالتذكّر لما غفل عنه، ممّا هو عالم له غير مستعمل لعلمه فيه، و السّلطان حقّه من السّمع و الطّاعة فيما يباح، و الصّغير حقّه من الرّفق به؛ و الرّحمة؛ و الشّفقة، و الكبير حقّه من الشّرف؛ و التّوقير.

انتهى.

و الحديث ذكره في «الجامع» بالزيادة التي ذكرناها، مرموزا له برمز الإمام أحمد، و مسلم؛ عن النّعمان بن بشير (رضي الله تعالى عنهما).

66

251- «من كان آخر كلامه‏ (لا إله إلّا اللّه) .. دخل الجنّة».

251- ( «من كان آخر) قال أبو البقاء: بالرفع اسم «كان»، و كلمة التّوحيد في موضع نصب خبر «كان» و يجوز عكسه. انتهى‏ (كلامه) في الدنيا (لا إله إلّا اللّه) بأن لم يتكلّم بعدها بشي‏ء (دخل الجنّة») أي: مع السابقين. انتهى «حفني».

و قال ابن رسلان: معنى ذلك أنّه لا بدّ له من دخول الجنّة، فإن كان عاصيا غير تائب؛ فهو في أوّل أمره في خطر المشيئة: يحتمل أن يغفر اللّه له، و يحتمل أن يعاقبه، و يدخل الجنّة بعد العقاب، و يحتمل أن يكون من وفّق لأن يكون آخر كلامه لا إله إلّا اللّه؛ يكون ذلك علامة على أنّ اللّه تعالى يعفو عنه، فلا يكون في خطر المشيئة؛ تشريفا له على غيره ممّن لم يوفق أن يكون آخر كلامه ذلك. فنسأل اللّه أن يجعلنا في الخاتمة من أهل لا إله إلّا اللّه حالا و مقالا، و ظاهرا و باطنا، حتى نودّع الدّنيا غير ملتفتين إليها، بل متبرّمين منها و محبّين للقاء اللّه تعالى. انتهى شروح «الجامع الصغير».

و الحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الإمام أحمد، و أبي داود في الجنائز، و الحاكم فيه؛ كلّهم عن معاذ بن جبل (رضي الله تعالى عنه). و قال الحاكم: صحيح. و أعلّه ابن القطّان! و لكن انتصر له التّاج السبكي؛ و قال:

حديث صحيح. انتهى مناوي على «الجامع الصغير».

67

[ (حرف النّون)]

(حرف النّون) 252- «النّاس بزمانهم .. أشبه منهم بآبائهم».

253- «النّاس .. كأسنان المشط».

254- «النّاس .. معادن في الخير و الشّرّ».

(حرف النّون) 252- ( «النّاس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم») من قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)؛ كما قاله الحافظ الصريفيني، و قال محمد بن أيّوب: ارتحلت إلى يحيى الغسّاني من أجله، و قيل: إنّه من قول علي بن أبي طالب!! قال ملّا علي قاري: و هو الأشهر الأظهر. انتهى «كشف الخفا».

253- ( «النّاس)- أي: المسلمون في تساوي إجراء الأحكام عليهم- (كأسنان المشط»)- بضم الميم و تكسر، و قد تفتح، و شينه مثلاثة- و قيل: في تساوي الأخلاق و الطّباع و تقاربها، و يؤيّده ما جاء في رواية أخرى: «النّاس سواسية كأسنان المشط؛ لا فضل لعربيّ على عجميّ، و لا فضل لعجميّ على عربيّ، و إنّما الفضل بالتّقوى». انتهى؛ ملّا علي قاري (رحمه الله تعالى).

و في معناه ما نسب للإمام علي كرّم اللّه وجهه:

النّاس في عالم التّمثيل أكفاء * * * أبوهم آدم و الأمّ حوّاء

جسم كجسم و أعضاء مشاكلة * * * و أعظم خلقت فيها و أعضاء

و قدر كلّ امرئ ما كان يحسنه‏ * * * و الجاهلون لأهل العلم أعداء

و الحديث ذكره في «الشّفاء». قال في «شرحه»: أخرجه ابن لال في «مكارم الأخلاق»؛ عن سهل بن سعد (رضي الله تعالى عنه).

254- ( «النّاس معادن في الخير و الشّرّ») معدن كلّ شي‏ء: أصله، أي:

أصول بيوتهم تعقب أمثالها، و يسري كريم أعراقها إلى فروعها، يعني النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم‏

68

255- «نحن .. أهل بيت لا يقاس بنا أحد».

256- «نحن .. بنو عبد المطّلب سادات أهل الجنّة».

بذلك: أنّ بني آدم يختلفون باختلاف أصلهم، فمن كان أصله شريفا أعقب مثله، و سرى طيب عرقه لفرعه، و من كان دون ذلك؛ كان عقبه مثله، و من كان خبيثا كان فرعه خبيثا، فهم يختلفون بحسب الطّباع؛ كالمعادن، و هم من الأرض كما إنّ المعادن منها؛ و فيها الطّيب و الخبيث، فإنّ منها ما يستعدّ للذّهب الإبريز، و منها ما يستعد للفضّة، و منها ما يستعد لغير ذلك، و منها ما يحصل منه بكدّ و تعب كثير شي‏ء يسير، و منها ما هو بعكس ذلك، و منها ما لا يحصل منه شي‏ء أصلا؛ فكذلك بنو آدم، منهم من لا يعي و لا يفقه، و منهم من يحصل له علم قليل بسعي طويل، و منهم من أمره عكس ذلك، و منهم من يفاض عليه من حيث لا يحتسب؛ كما هو معلوم في كثير من الأولياء و الصّالحين و العلماء العاملين. انتهى شرح ملّا علي قاري على «الشفاء».

و الحديث أخرجه أبو داود الطيالسي، و ابن منيع، و الحارث، و البيهقي؛ عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه)، و تمامه: «خيارهم في الجاهليّة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»؛ قاله في «كشف الخفا».

و في «الشهاب الخفاجي»؛ على «الشفاء»: رواه الشيخان؛ عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه)، و تمامه: «النّاس معادن كمعادن الذّهب و الفضّة؛ خيارهم في الجاهليّة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، أو «الأرواح جنود مجنّدة؛ ما تعارف منها ائتلف، و ما تناكر منها اختلف». انتهى.

255- ( «نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد»)؛ ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس».

256- ( «نحن بنو عبد المطّلب سادات أهل الجنّة») أي: كبراؤهم و أشرافهم، و الحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي‏

69

257- «النّدم .. توبة».

في «الفردوس». و ذكره ابن ماجه؛ في «كتاب الفتن» من حديث أنس بن مالك قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «نحن ولد عبد المطّلب سادة أهل الجنّة: أنا و حمزة، و عليّ و جعفر، و الحسن و الحسين و المهديّ». و رواه الحاكم أيضا.

257- ( «النّدم توبة») أي: الحزن على ما فعله؛ أو كراهته له بعد فعله، من حيث كونه تاركا فيه لإجلال اللّه، و مخالفا أمره و نهيه.

أمّا إذا كان النّدم لافتضاح، أو مرض أو عقاب ... و نحو ذلك!! فليس توبة، بل قد يكون معصية، لأنّه لو لا مراقبة النّاس لم يكن عنده حرج من فعل المعصية.

ثمّ المعنى: أنّ النّدم معظم أركان التّوبة لأنّه شي‏ء يتعلّق بالقلب؛ و الجوارح تبع له، فإذا ندم القلب انقطع عن المعاصي، فرجعت برجوعه الجوارح.

و ليس المراد أن النّدم وحده كاف فيها، فهو نحو «الحجّ عرفة».

قال الغزالي (رحمه الله تعالى): إنّما نص على أنّ النّدم توبة؛ و لم يذكر جميع شروطها و مقدماتها!! لأنّ النّدم غير مقدور للعبد، لأنّه قد يندم على أمر و هو يريد أن لا يكون، و التّوبة مقدورة له مأمور بها، فعلم أنّ في هذا الحديث معنى لا يفهم من ظاهره، و هو أنّ النّدم لتعظيم حقوق اللّه تعالى، و خوف عقابه ممّا يبعث على التّوبة النّصوح، فإذا ذكر مقدّماتها الثّلاث؛ و هي 1- ذكر غاية قبح الذّنب، و 2- ذكر شدّة عقوبة اللّه تعالى؛ و أليم غضبه، و 3- ذكر ضعف العبد و قلة حيلته يندم، و يحمله النّدم على ترك اختيار الذّنب، و تبقى ندامته بقلبه في المستقبل، فتحمله على الابتهال و التضرّع، و يجزم بعدم العود، و بذلك تتم شروط التّوبة الأربعة. فلمّا كان النّدم من أسباب التّوبة سمّاه باسمها. انتهى زرقاني على «المواهب»، و مناوي على «الجامع».

و الحديث أخرجه الإمام أحمد و الترمذي و ابن ماجه و الحاكم و البيهقي؛ عن‏

70

258- «النّساء .. حبائل الشّيطان».

259- «نعم الصّهر .. القبر».

أنس (رضي الله عنه). و أخرجه أبو داود الطيالسي؛ عن ابن مسعود- و رجاله ثقات- بل قال الحافظ في «الفتح»: سنده حسن. قال السّخاوي: يعني لشواهده، و إلّا! فأبو عبيدة لم يسمع من ابن مسعود. انتهى.

و أخرجه الطّبراني في «الكبير»، و أبو نعيم في «الحلية»؛ عن أبي سعيد الأنصاري بزيادة: «و التّائب من الذّنب كمن لا ذنب له» و سنده ضعيف. انتهى «زرقاني».

و ذكره في «الجامع الصغير» مع الزيادة مرموزا له برمز من ذكرهم الزرقاني.

و ذكره أيضا بلفظ الترجمة مرموزا برمز بنحو ما تقدّم، و زيادة رمز الإمام أحمد، و البخاري في «التاريخ»؛ عن ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه).

258- ( «النّساء حبائل الشّيطان») أي: مصائده، جمع حبالة- بالكسر-:

ما يصاد به من أي شي‏ء كان، و المراد أنّ النّساء آلات الشّيطان يتوصّل بهنّ إلى إغواء الفسقة، فإنهم إذا رأوا النّساء مالت قلوبهم إليهنّ لا سيما المتبرجات، فالنّساء له كالشّبكة التي تصاد بها الوحوش النّافرة، فأرشد صلى اللّه عليه و سلم لكمال شفقته على أمته إلى الحذر من النّظر إليهنّ، و القرب منهنّ، و كفّ الخاطر عن الالتفات إليهنّ باطنا ما أمكن. انتهى «زرقاني».

و الحديث ذكره في «المواهب» مع الشرح بلفظ: «الشّباب شعبة من الجنون، و النّساء حبائل الشّيطان». و قال: رواه الدّيلمي بتمامه في مسند «الفردوس»، و كذا القضاعي؛ كلاهما عن عقبة بن عامر الجهني، و رواه الدّيلمي أيضا؛ عن عبد اللّه بن عامر، و أبو نعيم؛ عن عبد الرحمن بن عابس، و ابن لال؛ عن ابن مسعود، و الخرائطي و التيمي؛ عن زيد بن خالد و هو حديث حسن. و نحوه في «الجامع» و المناوي.

259- ( «نعم الصّهر) للولي في موليّته‏ (القبر»)، لأنّ المرأة عورة،

71

260- «نيّة المؤمن .. خير من عمله».

و لضعفها بالأنوثة و عدم استقلالها، و كثرة مؤونتها و أثقالها، و قد تجرّ العار، و تجلب الغدر إلى الدار.

أخرج ابن أبي الدّنيا؛ عن قتادة: أنّ الحبر ابن عباس ماتت له بنت، فأتاه الناس يعزّونه، فقال: عورة سترت، و مؤونة كفيت، و أجر ساقه اللّه تعالى.

فاجتهد المهاجرون أن يزيدوا فيها حرفا فما قدروا.

و في «الفردوس» عن الحبر: نعم الكف‏ء القبر للجارية. انتهى مناوي؛ على «الجامع».

و للّه درّ من قال:

لكلّ أبي بنت على كلّ حالة * * * ثلاثة أصهار إذا ذكر الصّهر

فزوج يراعيها و خدن يصونها * * * و قبر يواريها و خيرهم القبر

و روى الطّبراني؛ عن ابن عباس مرفوعا: «للمرأة ستران: القبر و الزّوج».

قيل: فأيّهما أفضل؟ قال: «القبر» و هو ضعيف جدا.

و للدّيلمي؛ عن علي رفعه: «للنّساء عشر عورات، فإذا تزوّجت المرأة ستر الزّوج عورة، فإذا ماتت ستر القبر عشر عورات. انتهى «كشف الخفا».

و الحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس».

و في «الكشف»: قال بعض العلماء: لم أظفر به بعد التفتيش، و إنّما ذكر صاحب «الفردوس» ممّا لم يسنده ابنه: «نعم الكف‏ء القبر للجارية» و بيّض له في «المسند».

و رواه ابن السّمعاني؛ عن ابن عباس من قوله بلفظ «نعم الأختان القبور» انتهى.

260- ( «نيّة المؤمن خير من عمله») لأنّ تخليد اللّه العبد في الجنّة ليس بعمله، و إنّما هو لنيّته، لأنّه لو كان بعمله كان خلوده فيها بقدر مدّة عمله؛ أو

72

..........

أضعافه، لكنّه جازاه بنيّته، لأنّه كان ناويا أن يطيع اللّه أبدا، فلمّا اخترمته المنيّة جوزي بنيّته.

و كذا الكافر لأنّه لو جوزي بعمله لم يستحقّ التّخليد في النّار إلا بقدر مدة كفره، لكن جازاه بنيّته لأنّه نوى الإقامة على كفره أبدا؛ فجوزي بنيّته. ذكره بعضهم.

و لأن النيّة بانفرادها توصل إلى ما لا يوصله العمل بانفراده، و لأنها هي الّتي تقلب العمل الصّالح فاسدا؛ و الفاسد صالحا مثابا عليه، و يثاب عليها أضعاف ما يثاب على العمل، و يعاقب عليها أضعاف ما يعاقب عليه، فكانت أبلغ و أنفع.

و من النّاس من تكون نيّته و همّته أجلّ من الدّنيا و ما عليها، و آخر نيّته و همّته من أحسن نيّة و همّة، فالنيّة تبلغ بصاحبها في الخير و الشّرّ ما لا يبلغه عمله، فأين نيّة من طلب العلم و علّمه ليصلّي اللّه عليه و ملائكته، و تستغفر له دوابّ البرّ، و حيتان البحر، إلى نيّة من طلبه لمأكل، أو وظيفة كتدريس!!

و سبحان اللّه كم بين من يريد بعلمه وجه اللّه، و النّظر إليه، و سماع كلامه، و تسليمه عليه في جنّة عدن؛ و بين من يطلب حظّا خسيسا، كتدريس أو غيره من العرض الفاني!! انتهى مناوي على «الجامع».

و الحديث ذكره في «كشف الخفا» و قال: رواه العسكري في «الأمثال»، و البيهقي؛ عن أنس مرفوعا، قال الحافظ ابن دحية: لا يصحّ، و البيهقيّ: إسناده ضعيف.

و له شواهد؛ منها ما أخرجه الطّبراني؛ عن سهل بن سعد السّاعدي مرفوعا:

«نيّة المؤمن خير من عمله، و عمل المنافق خير من نيّته، و كلّ عمل يعمل على نيّته، فإذا عمل المؤمن عملا نار في قلبه نور».

و للعسكري بسند ضعيف؛ عن النّوّاس بن سمعان بلفظ: «نيّة المؤمن خير من عمله، و نيّة الفاجر شرّ من عمله».

73

..........

و روى الدّيلمي؛ عن أبي موسى الجملة الأولى و زاد: «و إنّ اللّه عزّ و جلّ ليعطي العبد على نيّته ما لا يعطيه على عمله» و ذلك لأن النيّة لا رياء فيها.

قال في «المقاصد»: و هي؛ و إن كانت ضعيفة!! فبمجموعها يتقوّى الحديث، و قد أفردت فيه و في معناه جزءا. انتهى.

و قال في «اللآلي»: حديث «نيّة المؤمن خير من عمله» أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان»؛ عن أنس، و في إسناده يوسف بن عطية ضعيف؛ كما قاله ابن دحية: و قال النّسائي: متروك الحديث.

و روي من طريق النّواس بن سمعان بسند ضعيف. انتهى ملخصا.

74

[ (حرف الهاء)]

(حرف الهاء) 261- «الهديّة .. تعور عين الحكيم».

262- «هما .. جنّتك و نارك» يعني: الوالدين.

263- «الهمّ .. نصف الهرم».

(حرف الهاء) 261- ( «الهديّة تعور عين الحكيم») أي: تصيّره أعور لا يبصر إلّا بعين الرّضا فقط، و تعمي عين السّخط، و لهذا كان دعاء السّلف: اللّهم لا تجعل لفاجر عندي نعمة؛ يرعاه بها قلبي.

فيصير ذلك كأنّه أعور، أو هو كناية عن كون قبولها يعود عليه بالذّم و العيب؛ أي: إذا كان حاكما. قال ابن الأثير: يقولون للردي من كلّ شي‏ء من الأخلاق و الأمور «أعور». و منه قول أبي طالب لأبي لهب- لمّا اعترض على النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم في إظهار الدّعوة- يا أعور ما أنت و هذا؟ و لم يكن أبو لهب أعور! انتهى مناوي؛ على «الجامع».

و الحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الدّيلمي في مسند «الفردوس»؛ عن ابن عباس (رضي الله تعالى عنهما)، و في سنده عبد الوهاب بن مجاهد. قال الذّهبي: قال النّسائي و غيره: متروك. انتهى مناوي؛ على «الجامع».

262- ( «هما جنّتك و نارك» يعني الوالدين)- قاله لرجل- قال: يا رسول اللّه: ما حق الوالدين على ولدهما!؟ فذكره. رواه ابن ماجه عن أبي أمامة رفعه.

انتهى «كشف الخفا».

263- ( «الهمّ نصف الهرم») لأنّ الهرم ضعف ليس وراءه قوّة، أي: مع اليأس من القوة، و الهمّ يورّث الضّعف و الأسقام، فهو نصفه باعتبار أنهما شيئان:

75

..........

الضّعف و اليأس من القوّة، و الهمّ يورّث أحدهما. انتهى «حفني».

و الحديث ذكره في «الجامع الصغير» بلفظ «التّدبير نصف العيش، و التّودّد نصف العقل، و الهمّ نصف الهرم، و قلّة العيال أحد اليسارين».

و قال: أخرجه القضاعي؛ عن علي، و الدّيلمي في «الفردوس»؛ عن أنس (رضي الله تعالى عنهما).

قال في «العزيزي»: و إسناده حسن. و ذكره في «كنوز الحقائق» بلفظ الترجمة؛ مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس».

76

[ (حرف الواو)]

(حرف الواو) 264- «وجدت النّاس .. اخبر تقله»؛ يعني: جرّب تكره.

(حرف الواو) 264- ( «وجدت النّاس؛ أخبر)- بضمّ الهمزة و الموحّدة و سكون الخاء المعجمة، بينهما أمر بمعنى الخبر (تقله») بضمّ اللّام، و يجوز الكسر و الفتح لغة، و القلى: البغض، أي: وجدت أكثرهم كذلك، أي: علمتهم مقولا فيهم هذا القول. أي: ما فيهم أحد إلّا و هو مسخوط الفعل عند الاختبار؛ كما قال المصنّف:

(يعني: جرّب تكره) أي: جرّب النّاس فإنك إذا جرّبتهم قليتهم، أي:

بغضتهم و تركتهم و ما زكّيتهم لما يظهر لك من بواطن أسرارهم، و ندرة إنصافهم، و في العيان ما يغني عن البرهان.

و في هذا اللّفظ من البلاغة ما هو غنيّ عن البيان، و قد قيل: اللّفظ الحسن إحدى النفاثات في العقد.

قال الغزالي: و احذر- خصوصا- مخالطة متفقّهة هذا الزّمان، لا سيّما المشتغلين بالخلاف و الجدل، فإنّهم يتربّصون بك- لحسدهم- ريب المنون، و يقطعون عليك بالظّنون، و يتغامزون وراءك بالعيون، يحصون عليك عثراتك؛ في عشرتهم و في عشيرتهم، و يجبهونك بها في عصبتهم و مناظرتهم، لا يقيلون لك عثرة، و لا يغفرون لك زلة، و لا يسترون لك عورة، يحاسبونك على النقير و القطمير، و يحسدونك على القليل و الكثير، و يحرّضون عليك الإخوان بالتّهمة و البهتان، إن رضوا فظاهرهم الملق، و إن سخطوا فباطنهم الحنق، ظاهرهم ثياب و باطنهم ذئاب، هذا ما قضت به المشاهدة في أكثرهم؛ إلا من رحم اللّه، فصحبتهم خسران، و معاشرتهم خذلان، هذا حكم من يظهر لك الصداقة، فكيف بمن يجاهرك بالعداوة!!. إلى هنا كلام حجّة الإسلام الغزالي- (رحمه الله تعالى)-.

77

265- «الوحدة .. خير من جليس السّوء».

فإذا كان هذا في زمانه، فما بالك بهذا الزّمان!!

و من نظم أبي الحسين الطائي:

نظرت و ما كلّ امرئ ينظر الهدى‏ * * * إذا اشتبهت أعلامه و مذاهبه‏

فأيقنت أنّ الخير و الشّرّ فتنة * * * و خيرهما ما كان خيرا عواقبه‏

أرى الخير كلّ الخير أن يهجر الفتى‏ * * * أخاه و أن ينأى عن الشّرّ جانبه‏

يعيش بخير كلّ من عاش واحدا * * * و يخشى عليه الشّرّ ممّن يصاحبه‏

و الحديث أخرجه ابن عدي؛ عن أبي الدّرداء، و في سنده ضعيف.

و قال ابن الجوزي: حديث لا يصحّ، و قال السخاوي: طرقه كلّها ضعيفة، لكن شاهده في الصحيحين «النّاس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة». انتهى «مناوي»، و «كشف الخفا».

265- ( «الوحدة خير من جليس السّوء») لما في الوحدة من السّلامة، و هي رأس المال، و قد قيل: لا يعدل بالسّلامة شي‏ء، و جليس السّوء يبدي سوءه، و النّفس أمّارة بالسّوء، فإن ملت إليه شاركك، و إن كففت عنه نفسك شغلك، و لهذا كان مالك بن دينار كثيرا ما يجالس الكلاب على المزابل؛ و يقول: هم خير من قرناء السّوء.

و فيه حثّ على إيثار الوحدة إذا تعذّرت صحبة الصّالحين، و حجّة لمن فضّل العزلة. و أما الجلساء الصّالحون فقليل ما هم.

و قد ترجم البخاري على ذلك «باب: العزلة راحة من خلّاط السّوء».

قال ابن حجر: هذا أثر أخرجه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن عمر؛ لكنّه منقطع.

و أخرج ابن المبارك عن عمر: خذوا حظّكم من العزلة.

78

..........

و ما أحسن قول الجنيد «مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطاء»!!.

و قال الغزالي: عليك بالتفرّد عن الخلق، لأنّهم يشغلونك عن العبادة.

و وجد مع داود الطائي كلب، فقيل: ما هذا الذي تصحبه؟ قال: هذا خير من جليس السوء!.

و اعلم أنّ خواصّ الخواصّ يرون أنّ كلّ مشتغل بغير اللّه تعالى؛ و لو مباحا صحبته من قبيل أهل الشّرّ و ملحقة به، و إن أهل الجدّ و التشمير ممّن لم يبلغ مرتبة أولئك يرى أنّ صحبة أهل البطالة؛ بل صحبة من لم يشاركهم في التّشمير كصحبة أهل الشّرّ.

و قال بعضهم: صحبة الأشرار تورث سوء الظنّ بالأخيار. انتهى مناوي على «الجامع».

و الحديث ذكره في «اللآلي» عن صدقة بن أبي عمران بلفظ: «قال:

رأيت أبا ذرّ فوجدته في المسجد محتبيا بكساء أسود وحده. فقلت:

يا أبا ذرّ؛ ما هذه الوحدة!.

فقال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «الوحدة خير من جليس السّوء، و الجليس الصّالح خير من الوحدة». و عزاه فيها لأبي الشّيخ؛ عن أبي ذرّ باللّفظ المذكور، و زاد فيه: «و إملاء الخير خير من السّكوت، و السّكوت خير من إملاء الشّرّ».

قال في «كشف الخفا»: و بهذا اللفظ الأخير ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الحاكم في «المناقب»، و البيهقي في «شعب الإيمان»؛ عن أبي ذرّ (رضي الله عنه).

قال المناوي في شرح «الجامع»: قال الذّهبي: لا يصحّ. و لا صحّحه الحاكم!! و قال ابن حجر: سنده حسن، لكن المحفوظ أنّه موقوف على أبي ذرّ.

انتهى.

79

266- «الودّ و العداوة .. يتوارثان».

و رواه أيضا أبو الشّيخ و الدّيلمي و ابن عساكر في «تاريخه». انتهى كلام المناوي.

و ثبت في «صحيح البخاري» و غيره: «لو يعلم النّاس ما في الوحدة ما أعلم؛ ما سار راكب بليل وحده». و ترجم البخاريّ بقوله: «العزلة راحة من خلاط السّوء» و ذكر حديث أبي سعيد رفعه: «و رجل في شعب من الشّعاب يعبد ربّه و يدع النّاس من شرّه». و في لفظ: «يأتي على النّاس زمان خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال و مواقع القطر؛ يفرّ بدينه من الفتن».

و ما أحسن ما قيل:

أنست بوحدتي و لزمت بيتي‏ * * * فدام الأنس لي و نما السّرور

و أدّبني الزّمان فلا أبالي‏ * * * هجرت؛ فلا أزار و لا أزور

و لست بسائل ما دمت يوما * * * أسار الجيش أم قدم الأمير

266- ( «الودّ) أي: المودّة يعني: المحبّة (و العداوة يتوارثان») أي:

يرثهما الفروع عن الأصول، جيلا بعد جيل، و قرنا بعد قرن، إلى أن يرث اللّه الأرض و من عليها؛ و هو خير الوارثين، و هذا شي‏ء كالمحسوس.

و إطلاق الإرث على غير المال و نحوه من التركة؛ الّتي يخلفها المورّث مجاز.

و فيه تنبيه 1- على محبّة المتّقين لنفسك، ليرثه عنك و ارثك؛ فينتفع بودّهم في الدّنيا من مواصلتهم و التّعلم منهم، و في الأخرى، و 2- على بغض الفجرة، لأنّ أوثق عرى الإيمان الحبّ في اللّه و البغض في اللّه؛ فينتفع به عاجلا في البعد منهم و آجلا، فيرثه ولدك؛ فينتفع به كما انتفعت.

و فيه تحذير عن بغض أهل الصلاح، فإنّه يضرّ في الدّارين، و يرثه الأعقاب فيضرّهم، و قد عدّوا من أنواع التالف و التودّد تالف صديق الصّديق و التودّد إليه، و استأنسوا له بهذا الحديث. انتهى مناوي على «الجامع».

80

267- «الورع .. سيّد العمل».

268- «الولد .. ثمرة القلب».

269- «الولد .. مبخلة، مجبنة، محزنة».

و الحديث ذكره في «كنوز الحقائق»، و في «الجامع الصغير»، و في «كشف الخفا»؛ و قال: رواه العسكري؛ عن أبي بكر الصديق رفعه بلفظ: «الودّ الّذي يتوارث في أهل الإسلام». و رواه الحاكم في «البرّ و الصّلة»؛ عن عفير بلفظ:

«الودّ يتوارث و البغض يتوارث».

و روى البيهقي؛ عن أبي بكر أنّه قال لرجل من العرب كان يصحبه؛ يقال له عفير: يا عفير؛ كيف سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول في الودّ؟ قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول في الودّ: «يتوارث و العداوة تتوارث» و هو معنى ما اشتهر على الألسنة «محبّة في الآباء صلة في الأبناء». و اللّه أعلم. انتهى.

267- ( «الورع) بفتح الرّاء الّذي هو ترك الشّبهات احتياطا، و حذرا من الوقوع في الحرام! (سيّد العمل») الصّالح، لأنّه الأساس للأعمال، ففي الحديث: «لا يكون الرّجل من المتّقين حتّى يدع ما ليس به بأس حذرا ممّا به بأس». و الحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطّبراني.

268- ( «الولد ثمرة القلب») لأنّ الثّمرة تنتجها الشّجرة، و الولد ينتجه الأب.

و الحديث أخرجه أبو يعلى، و البزّار بسند ضعيف؛ عن أبي سعيد الخدري (رضي الله تعالى عنه) بزيادة: «و أنّه مبخلة مجبنة محزنة». انتهى «كشف الخفا» و ذكره في «الجامع» بهذا اللفظ مرموزا له برمز من ذكر.

269- ( «الولد مبخلة) بفتح الميم فيه و فيما بعده، أي: يحمل أبويه على البخل و يدعوهما إليه، حتى يبخلا بالمال عن إنفاقه في وجوه القرب؛ لأجله خوف‏

81

..........

فقره، (مجبنة) أي: يجبن أباه عن الجهاد خشية ضيعته، فكأنّه أشار إلى التحذير من النّكول عن الجهاد، و النّفقة بسبب الأولاد، بل يكتفى بحسن خلافة اللّه تعالى فيقدم، و لا يحجم، فمن طلب الولد للهوى عصى مولاه، و دخل في قوله تعالى‏ إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَ أَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ‏ [14/ التغابن‏]، فالكامل لا يطلب الولد إلّا للّه فيربّيه على طاعته، و يمتثل فيه أمر ربه‏ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ‏ [74/ الفرقان‏] (محزنة») أي: يحمل أبويه على كثرة الحزن، لكونه إن مرض حزنا، و إن طلب شيئا لا قدرة لهما عليه حزنا، فأكثر ما يفوت أبويه من الفلاح و الصّلاح بسببه، فإن شبّ و عقّ؛ فذلك الحزن الدائم، و الهمّ السرمدي اللازم.

سئل حكيم عن ولده، فقال: ما أصنع بمن إن عاش كدّني و إن مات هدّني.

قال الماوردي: أخبر بهذا الحديث أن الحذر على الولد يكسب هذه الأوصاف، و يحدث هذه الأخلاق، و قد كره قوم طلب الولد؛ كراهة لهذه الحالة الّتي لا يقدر على دفعها من نفسه للزومها طبعا، و حدوثها حتما. انتهى مناوي على «الجامع».

و الحديث ذكره في «الجامع الصغير» بلفظ: «إنّ الولد مبخلة مجنبة». و رمز له برمز ابن ماجه عن يعلى بن مرة.

قال المناوي؛ نقلا عن الحافظ العراقي: إسناده صحيح. انتهى.

و ذكره في «الجامع» أيضا بلفظ: «إنّ الولد مبخلة مجنبة مجهلة محزنة» و رمز له برمز الحاكم في «الفضائل» عن الأسود بن خلف، من مسلمة الفتح (رضي الله تعالى عنه).

قال المناوي: قال الحاكم على شرط مسلم، و أقره الذّهبي. و قال الحافظ العراقي: إسناده صحيح. انتهى. و رمز له أيضا برمز الطّبراني في «الكبير» عن‏

82

270- «الولد .. للفراش، و للعاهر .. الحجر».

خولة بنت حكيم، قال المناوي؛ نقلا عن الذّهبي: إسناده قوي.

و ذكره في «الجامع» أيضا بلفظ: «الولد ثمرة القلب، و إنّه مجبنة مبخلة محزنة»، و رمز له برمز أبي يعلى، زاد المناوي: و كذا البزار؛ كلاهما عن أبي سعيد الخدري (رضي الله تعالى عنه).

قال المناوي: قال الزين العراقي- و تبعه الهيثمي-: فيه عطية العوفي و هو ضعيف. انتهى، و تقدم في الحديث الذي قبل هذا.

270- (الولد)- ذكر و أنثى، مفرد و متعدد، تابع أو محكوم به- (للفراش) أي: صاحبه؛ زوجا كان أو سيدا، لأنّهما يفترشان المرأة بالاستحقاق، لكن السّيد لا يلحق به الولد إلّا إذا أقرّ بالوطء (1) بخلاف الزّوج فيلحق به من إمكان الاجتماع بعد العقد؛ و إن أنكر الوطء؛ و محلّ كونه تابعا للفراش إذا لم ينفه بلعان، و إلّا! انتفى. و مثل الزّوج أو السيّد هنا واطئ بشبهة، و ليس لزان في نسبه حظّ، إنّما حظّه منه استحقاق الحدّ كما قال:- (و للعاهر)-: الزّاني، يقال‏ (عهر إلى المرأة)؛ إذا أتاها ليلا للفجور بها، و العهر- بفتحتين- الزّنا (الحجر») أي: حظّه ذلك، يعني: الخيبة و الحرمان فيما ادعاه من النّسب، لعدم اعتبار دعواه مع وجود الفراش للآخر. انتهى؛ من الزرقاني و شروح «الجامع الصغير».

قال الزرقاني: و أوّل من استلحق في الإسلام ولد الزّنا معاوية؛ استلحق في خلافته زياد بن سميّة أخا، لأنّ أباه كان زنى بها زمن كفره؛ فجاءت به منه.

و استلحاقه خلاف إجماع المسلمين. انتهى. و نحوه في المناوي.

قال المناوي: و هذا الحديث قد مثل به أصحابنا في الأصول إلى أنّ المقام‏

____________

(1) بل بالنسب.

83

271- «ويل للشّاكّين في اللّه».

الوارد على سبب خاصّ يعتبر عمومه، و صورة السبب قطعيّة الدّخول فلا تخصّ منه باجتهاد كما فعله الحنفيّة، فإنّه وارد في ابن زمعة المختصم فيه عبد بن زمعة و سعد بن أبي وقاص، فقال المصطفى صلى اللّه عليه و سلم: «هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش و للعاهر الحجر».

و الحديث ذكره في «الجامع» و غيره مرموزا له برمز متفق، و أبي داود، و النّسائي، و ابن ماجه؛ عن عائشة (رضي الله تعالى عنها). و برمز الإمام أحمد، و متفق عليه، و التّرمذي، و النّسائي، و ابن ماجه؛ عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه). و برمز أبي داود؛ عن عثمان بن عفان. و برمز النّسائي؛ عن ابن مسعود و عبد اللّه بن الزّبير. و برمز ابن ماجه؛ عن عمر بن الخطاب، و عن أبي أمامة الباهلي.

قال المناوي: و في الباب عن غير هؤلاء أيضا؛ كما بيّنه الحافظ في «الفتح»، و نقل عن ابن عبد البر أنّه جاء عن بضعة و عشرين صحابيا، ثم زاد عليه. انتهى.

و ذكره السّيوطي في «الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة».

271- ( «ويل) كلمة تقال لمن وقع في هلكة؛ و لا يترحم عليه، بخلاف «ويح»؛ كذا في «التنقيح»، ذكره المناوي. و قال في موضع آخر: «ويل» كلمة عذاب، أو واد في جهنّم، أو صديد أهل النّار.

قال ابن جماعة: لم يجئ في القرآن إلّا وعيدا لأهل الجرائم.

(للشّاكّين في اللّه») أي؛ في وجوده، أو في انفراده بالألوهية، أو كل وصف يليق به تعالى، كأن شكّ في قدرته أو علمه تعالى. انتهى «عزيزي و حفني».

و الحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس».

84

[ (حرف اللّام ألف)]

(حرف اللّام ألف) 272- « (لا إله إلّا اللّه) .. كنز من كنوز الجنّة».

273- «لا إيمان .. لمن لا أمانة له».

274- «لا تجتمع أمّتي .. على ضلالة».

(حرف اللّام ألف) 272- ( «لا إله) مستغن عن كلّ ما سواه، و مفتقر إليه كلّ ما عداه‏ (إلّا اللّه) بالرفع بدل من محلّ «لا» مع اسمها، و هو الرّفع بالابتداء عند سيبويه، و جملة كلمة التّوحيد مبتدأ قصد لفظها، و الخبر ما بعدها. أي؛ هذا اللّفظ الّذي هو كلمة التوحيد (كنز من كنوز الجنّة») أي؛ ذخيرة من ذخائرها، أو من محصلات نفائسها، و المعنى أنّ قائلها يحصّل ثوابا نفيسا يدّخر له في الجنّة.

و الحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق».

273- ( «لا إيمان) كامل‏ (لمن لا أمانة له») فالأمانة لبّ الإيمان، و هي منه بمنزلة القلب من البدن، و الأمانة في الجوارح السبعة: العين، و السمع، و اللسان، و اليد، و الرجل، و البطن، و الفرج. فمن ضيّع جزءا منها سقم إيمانه، و ضعف بقدره. انتهى «مناوي و زرقاني».

و تمام الحديث: «و لا دين لمن لا عهد له». ذكره في «المواهب»، و «الجامع الصغير». و قال: رواه الإمام أحمد، و أبو يعلى في «مسنديهما»، و البيهقي في «الشعب»؛ عن أنس. قال الذّهبي: و سنده قويّ. و صحّحه ابن حبّان. انتهى زرقاني على «المواهب».

274- ( «لا تجتمع أمّتي) أي؛ علماؤهم‏ (على ضلالة») لأنّ العامّة تأخذ عنها دينها، و إليها تفزع في النوازل؛ فاقتضت حكمة اللّه ذلك.

و الحديث ذكره في «كنوز الحقائق» و قال: أخرجه ابن أبي عاصم. انتهى.

85

..........

و هو في الترمذي؛ عن ابن عمر بن الخطاب (رضي الله تعالى عنهما) بلفظ: «إنّ اللّه تعالى لا يجمع أمّتي على ضلالة، و يد اللّه على الجماعة، و من شذّ شذّ في النّار».

و رواه عن ابن عمر أيضا الضّياء في «المختارة» بلفظ: «إنّ اللّه لا يجمع هذه الأمّة على ضلالة أبدا، و إنّ يد اللّه مع الجماعة؛ فاتّبعوا السّواد الأعظم، فإنّه من شذّ شذّ في النّار».

قال ابن حجر (رحمه الله تعالى) في «تخريج المختصر»: حديث غريب؛ أخرجه أبو نعيم في «الحلية» و اللالكائي في «السّنّة»، و رجاله رجال الصحيح؛ لكنّه معلول، فقد قال الحاكم: لو كان محفوظا لحكمت بصحّته على شرط الصحيح! لكن اختلف فيه على معتمر بن سليمان على سبعة أقوال؛ فذكرها، و ذلك مقتضى الاضطراب، و المضطرب من أقسام الضعيف. انتهى مناوي على «الجامع».

و ذكره في «الكشف» بلفظ المصنّف، و قال:

رواه الإمام أحمد، و الطبراني في «الكبير»، و ابن أبي خيثمة في «تاريخه»؛ عن أبي نضرة الغفاري رفعه في حديث: «سألت ربّي ألّا تجتمع أمّتي على ضلالة فأعطانيها».

و الطّبراني وحده، و ابن أبي عاصم في «السنّة»؛ عن أبي مالك الأشعري رفعه: «إنّ اللّه تعالى أجاركم من ثلاث خلال: 1- أن لا يدعو عليكم نبيّكم فتهلكوا جميعا، و 2- أن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحقّ، و 3- أن لا يجتمعوا على ضلالة».

و رواه أبو نعيم و الحاكم، و أعلّه اللالكائي في «السّنّة» و ابن منده.

و من طريقه الضّياء؛ عن ابن عمر رفعه: «إنّ اللّه لا يجمع هذه الأمّة على ضلالة أبدا، و إنّ يد اللّه مع الجماعة، فاتّبعوا السّواد الأعظم، فإنّ من شذّ شذّ في النّار». و كذا هو عند التّرمذي، لكن بلفظ «أمّتي».

86

275- «لا تختلفوا .. فتختلف قلوبكم».

276- «لا تسبّوا الدّنيا .. فإنّها مطيّة المؤمن».

و رواه عبد بن حميد، و ابن ماجه؛ عن أنس رفعه: «إنّ أمّتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسّواد الأعظم».

و رواه الحاكم؛ عن ابن عباس رفعه بلفظ: «لا يجمع اللّه هذه الأمّة على ضلالة، و يد اللّه مع الجماعة».

و الجملة الثانية عند التّرمذي و ابن أبي عاصم؛ عن ابن مسعود موقوفا في حديث: «عليكم بالجماعة، فإنّ اللّه لا يجمع هذه الأمّة على ضلالة» زاد غيره:

«و إيّاكم و التّلوّن في دين اللّه».

و بالجملة فالحديث مشهور المتن، و له أسانيد كثيرة، و شواهد عديدة في المرفوع و غيره؛ فمن الأول: «أنتم شهداء اللّه في الأرض». و من الثّاني قول ابن مسعود: اذا سئل أحدكم فلينظر في كتاب اللّه، فإن لم يجده! ففي سنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فإن لم يجده فيها! فلينظر فيما اجتمع عليه المسلمون، و إلّا! فليجتهد. انتهى كلام «الكشف».

275- ( «لا تختلفوا) أي: لا يتقدم بعضكم على بعض في الصّلاة (فتختلف) بالنّصب جواب النّهي‏ (قلوبكم») أي: هواها و إرادتها، لأنّ تقدّم البعض على البعض مظنّة للكبر المفسد للقلوب، و سبب لتأثّرها النّاشئ عن الحنق و الضّغائن،

و فيه أنّ القلب تابع للأعضاء، فإذا اختلفت اختلف، و إذا اختلف فسد ففسدت الأعضاء؛ لأنه رئيسها. انتهى شروح «الجامع».

و الحديث أخرجه الإمام أحمد و مسلم و النّسائي؛ عن أبي مسعود: عقبة بن عمرو البدري الأنصاري مرفوعا. و أخرجه الإمام أحمد و أبو داود و التّرمذي؛ عن عبد اللّه بن مسعود الهذلي مرفوعا. و أخرجه أبو داود و النّسائي و الإمام أحمد؛ عن البراء بن عازب (رضي الله تعالى عنه) مرفوعا.

276- ( «لا تسبّوا الدّنيا فإنّها مطيّة المؤمن») توصله إلى الآخرة لكونه يتزوّد

87

277- «لا تصحب .. إلّا مؤمنا، و لا يأكل طعامك .. إلّا تقيّ».

فيها أعمالا صالحة. ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس»؛ أي: عن ابن مسعود (رضي الله عنه).

277- ( «لا تصحب إلّا مؤمنا) و كامل الإيمان أولى، لأنّ الطّباع سرّاقة؛ و من ثمّ قيل: صحبة الأخيار تورث الخير، و صحبة الأشرار تورث الشرّ؛ كالرّيح إذا مرّت على نتن حملت نتنا، و إذا مرّت على الطّيب حملت طيبا.

و قال الشّافعيّ: ليس أحد إلّا له محبّ و مبغض؛ فإذن لا بدّ من ذلك فليكن المرجع إلى أهل طاعة اللّه. و لذلك قيل:

و لا يصحب الإنسان إلّا نظيره‏ * * * و إن لم يكونوا من قبيل و لا بلد

و صحبة من لا يخاف اللّه لا تؤمن غائلتها لتغيّره بتغيّر الأعراض، قال تعالى‏ وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) [الكهف‏]، و الطّبع يسرق من الطّبع من حيث لا يدري.

و معهم قد تفسد الأخلاق‏ * * * و الطّبع من عادته سرّاق‏

(و لا يأكل طعامك إلّا تقيّ») لأنّ المطاعمة توجب الألفة، و تؤدّي إلى الخلطة، بل هي أوثق عرى المداخلة، و مخالطة غير التقي تخلّ بالدّين؛ و توقع في الشّبه و المحظورات، فكأنّه ينهى عن مخالطة الفجّار، إذ لا يخلو عن فساد، إما بمتابعة في فعل، أو مساومة في إغضاء عن منكر، فإن سلم من ذلك و لا يكاد!! فلا تخطئه فتنة الغير به، و ليس المراد حرمان غير التّقي من الإحسان، لأنّ المصطفى صلى اللّه عليه و سلم أطعم المشركين و أعطى المؤلفة للمئين، بل يطعمه و لا يخالطه.

و الحاصل: أنّ مقصود الحديث- كما أشار إليه الطّيبي- النّهي عن كسب الحرام و تعاطي ما ينفر منه المتّقي، فالمعنى: لا تصاحب إلّا مطيعا، و لا تخالل إلّا تقيّا. انتهى مناوي على «الجامع».

و الحديث أخرجه الإمام أحمد و التّرمذي و أبو داود و ابن حبّان و الحاكم؛ عن أبي سعيد الخدري، و أسانيده صحيحة.

88

278- «لا خير .. في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له».

278- ( «لا خير في صحبة من لا يرى لك) أي: من الحقّ‏ (مثل ما ترى له») بأن يكون عنده من الرغبة و المودّة و النّفع مثل ما عندك له، كما قال الشاعر:

إذا كان لا يدنيك إلّا شفاعة * * * فلا خير في ودّ يكون بشافع‏

فمن لم يكن يرى لك مثل ما ترى له؛ فلا خير في صحبته.

قال المناوي: كجاهل قدّمه المال و بذل الرّشوة في فضائل دينيّة لحاكم ظالم منعها أهلها و أعطاه مكافأة لرشوته، فتصدّر و ترأس و تنكّب حتى أن يرى لأحد مثل ما يرى له، و تشبّه بالظّلمة في تبسّطهم و ملابسهم و مراكبهم.

قال بعضهم: و كأنّه يشير إلى تجنّب صحبة المتكبّرين المتعاظمين في دين أو دنيا، سواء كان فوقه أو دونه، لأنّه إن كان فوقه لم يعرف له حقّ متابعته و خدمته، بل يراه حقّا عليه، و أنّه شرف بصحبته، فإن صحبته في طلب الدّين قطعك بكثرة اشتغاله عن اللّه، و إن صحبته للدّنيا منّ عليك برزق اللّه. و إن كان دونك لم يعرف لك حرمة، بل يرى له حقّا بصحبته لك، فإن صحبته في الدّين كدّره عليك بسوء معاشرته، أو للدّنيا لم تأمن من أذيّته و خيانته. انتهى كلام المناوي.

و الحديث ذكره في «كشف الخفا»، و قال: رواه الدّيلمي؛ عن أنس (رضي الله عنه)، و رواه العسكري؛ عن أنس رفعه بلفظ: «المرء على دين خليله؛ و لا خير في صحبة من لا يرى لك من الخير- أو: من الحقّ- مثل الّذي ترى له». و رواه ابن عدي في «كامله» بسند ضعيف.

و روى اللّيث عن مجاهد أنّه قال: كانوا يقولون «لا خير في صحبة من لا يرى لك من الحق، مثل ما ترى له».

و لأبي نعيم؛ عن سهل بن سعد رفعه: «لا تصحبنّ أحدا لا يرى لك من الفضل كما ترى له». انتهى ملخّصا.

و ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز ابن عدي.

89

279- «لا ضرر .. و لا ضرار».

280- «لا طاعة لمخلوق .. في معصية الخالق».

279- ( «لا ضرر) أي: لا يضر الرّجل أخاه فينقصه شيئا من حقّه‏ (و لا ضرار»): فعال بكسر أوّله؛ أي لا يجازي من ضرّه بإدخال الضّرر عليه؛ بل يعفو. فالضّرر فعل واحد، و الضّرار فعل اثنين. أو: الضّرر ابتداء الفعل، و الضّرار الجزاء عليه، و الأوّل إلحاق مفسدة بالغير مطلقا، و الثّاني إلحاق مفسدة بالغير على وجه المقابلة؛ أي: كل منهما يقصد ضرر صاحبه.

و فيه تحريم سائر أنواع الضّرر إلّا بدليل، لأنّ النّكرة في سياق النّفي تعمّ. و فيه حذف أصله؛ لا لحوق أو إلحاق، أو: لا فعل ضرر أو ضرار بأحد في ديننا.

أي: لا يجوز شرعا إلّا لموجب خاصّ. انتهى «مناوي».

و الحديث ذكره في «كشف الخفا» و غيره؛ و قال: رواه مالك و الشّافعي. عن يحيى المازنيّ مرسلا، و الإمام أحمد و عبد الرّزّاق و ابن ماجه و الطّبراني؛ عن ابن عباس، و في سنده جابر الجعفي.

و أخرجه ابن أبي شيبة و الدّارقطنيّ عنه.

و في الباب عن أبي سعيد و أبي هريرة و جابر و عائشة و غيرهم. انتهى.

و في المناوي: الحديث حسّنه النووي في «الأربعين»، و رواه مالك مرسلا، و له طرق يقوّي بعضها بعضا.

و قال العلائيّ: للحديث شواهد؛ ينتهي مجموعها إلى درجة الصحّة أو الحسن المحتجّ به. انتهى.

280- ( «لا طاعة لمخلوق) من المخلوقين كائنا من كان؛ أبا أو أمّا، أو زوجا أو سيدا (في معصية الخالق») بل كلّ حقّ- و إن عظم- ساقط إذا جاء حقّ اللّه، فهو خبر بمعنى النهي، أي: لا ينبغي و لا يستقيم ذلك.

90

281- «لا عقل كالتّدبير، و لا ورع كالكفّ، و لا حسب ..

كحسن الخلق».

و تخصيص ذكر المخلوق و الخالق!! يشعر بعلّيّة هذا الحكم‏ (1).

قال الزّمخشري: قال مسلمة بن عبد الملك لأبي حازم: أ لستم أمرتم بطاعتنا بقوله تعالى‏ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ [59/ النساء] قال: أ ليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحقّ بقوله تعالى‏ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ‏ [59/ النساء].

قال ابن الأثير: يريد طاعة ولاة الأمر إذا أمروا بما فيه إثم كقتل و نحوه.

و قيل: معنى الحديث: أنّ الطّاعة لا تسلم لصاحبها، و لا تخلص إذا كانت مشوبة بمعصية. و الأوّل أشبه بمعنى الحديث. انتهى «مناوي».

و الحديث ذكره في «كشف الخفا» و غيره؛ و قال: رواه الإمام أحمد، و الحاكم؛ عن عمران بن حصين. و رواه أبو داود و النّسائي؛ عن علي بلفظ:

«لا طاعة لأحد في معصية اللّه، إنّما الطّاعة في المعروف».

و رواه أحمد؛ عن أنس بلفظ: «لا طاعة لمن لم يطع اللّه». انتهى.

قال المناوي في حديث عمران: قال الهيثميّ رجال أحمد رجال الصّحيح، و رواه البغوي عن النّواس، و ابن حبّان؛ عن علي بلفظ: «لا طاعة لبشر في معصية اللّه». و له شواهد في «الصّحيحين». انتهى.

281- ( «لا عقل كالتّدبير) قال الطّيبي: أراد بالتّدبير العقل المطبوع.

و قال القيصري: هو خاطر الرّوح العقلي، و هو خاطر التّدبير لأمر المملكة الإنسانيّة، فالنّظر في جميع الخواطر الواردة عليه من جميع الجهات، و منه تؤخذ الفهوم و العلوم الربّانيّة، و هذا الشّخص هو الملك، و إليه ترجع أمور المملكة؛ فيختار ما أمره الشّرع أن يختار و يترك ما أمره الشّرع أن يتركه، و يستحسن ما أمره الشّرع أن يستحسنه، و يستقبح ما أمره الشّرع أن يستقبحه، و صفة خاطر هذا الملك‏

____________

(1) أي: جعل الخلق علّة للطاعة من المخلوق لخالقه.

91

282- «لا فقر .. أشدّ من الجهل، و لا مال .. أعزّ من العقل، و لا وحشة .. أشدّ من العجب».

التثبّت و النّظر في جميع ما يرد عليه من الخواطر، فينفّذ منها ما يجب تنفيذه، و يردّ ما يجب ردّه.

و خواطر هذا الجوهر الشّريف؛ و إن كثرت ترجع إلى ثلاثة أنواع: 1- الأمر بالتنزّه عن دنيّ الأخلاق و الأعمال و الأحوال ظاهرا و باطنا. و 2- الأمر بالاتصاف بمحاسن الأخلاق و الأعمال و الأحوال و أعاليها كذلك. و 3- الأمر بإعطاء جميع أهل مملكته حقوقهم و تنفيذ الأحكام الشّرعية فيهم.

(و لا ورع كالكفّ) أي: كفّ اليد عن تناول ما يضطرب القلب في تحليله و تحريمه.

(و لا حسب) أي؛ و لا مجد و لا شرف‏ (كحسن الخلق») بالضم، إذ به صلاح الدّنيا و الآخرة.

و الحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز ابن ماجه، أي؛ و كذا ابن حبّان، و البيهقي في «الشعب»؛ كلّهم عن أبي ذرّ الغفاري (رضي الله تعالى عنه)، و إسناده ضعيف؛ كما في شروح «الجامع».

282- ( «لا فقر أشدّ من الجهل) بالعلم الشّرعي، لأنّ العلم ميراث الأنبياء، فمن حرمه فهو الفقير على الحقيقة.

(و لا مال أعزّ من العقل) لأنّ العقل دليل المؤمن، إذ هو عقال لطبعه أن يجري بعجلته و جهله لتقدّم العقل بين يدي كلّ أمر من فعل و ترك؛ مسترشدا به في عاقبته، استضاءة بنوره، فمن أعطي العقل فقد حصل على خير كبير. و للّه درّ من قال:

... (1)

____________

(1) فراغ في الأصل!!

92

283- «لا يجني على المرء .. إلّا يده».

284- «لا يحلّ لمسلم .. أن يروّع مسلما».

(و لا وحشة أشدّ من العجب») الّذي هو استعظام العمل غافلا عن منّة اللّه تعالى فيه. و الحديث ذكره في «كشف الخفا» بلفظ: «لا فقر أشدّ من الجهل، و لا مال أكثر من العقل، و لا وحشة أوحش من العجب، و لا ورع كالكفّ عن محارم اللّه، و لا حسب كحسن الخلق و لا عبادة كالتّفكّر»، و قال: رواه ابن ماجه، و الطّبراني عن أبي ذرّ. و في الباب عن عليّ بن أبي طالب. انتهى.

قال المناوي: أخرج في «الشّعب» عن علي كرّم اللّه وجهه: «التّوفيق خير قائد، و حسن الخلق خير قرين، و العقل خير صاحب، و الأدب خير ميراث، و لا وحشة أشدّ من العجب» قالوا: و ذا من جوامع الكلم. انتهى.

283- ( «لا يجني على المرء) أي: الرّجل، و المراد الإنسان فيشمل المرأة، أي لا يوصل إليه مكروها (إلّا يده») لأنّه يذنب فيعاقب من اللّه؛ أو الحاكم، فكأنّه المعاقب لنفسه لتسبّبه في إيصال العقاب لها.

و خصّ اليد!! لمباشرتها غالبا الجنايات. انتهى «زرقاني».

و الحديث ذكره في «المواهب»؛ و قال: رواه الشيخان؛ أي: البخاري و مسلم في حديث، و لأحمد و ابن ماجه؛ من حديث عمرو بن الأحوص: إنّه شهد حجّة الوداع، و فيه: «لا يجني جان إلّا على نفسه» و قد أراد صلى اللّه عليه و سلم بهذا أنّه لا يؤخذ إنسان بجناية غيره؛ إن قتل أو جرح أو زنى، و إنّما يؤخذ بما جنته يده، فيده هي الّتي أدّته لذلك فهو إبطال لأمر الجاهليّة، كانوا يقودون بالجناية من يجدونه؛ من الجاني و أقاربه، الأقرب فالأقرب، و عليه الآن أهل الجفا من سكان البوادي و الجفاء. انتهى.

284- ( «لا يحلّ لمسلم أن يروّع)- بالتّشديد أي: يفزّع- (مسلما») و إن كان هازلا؛ كإشارته بسيف أو حديدة أو أفعى، أو أخذ متاعه فيفزع لفقده، لما في‏

93

285- «لا يزال الرّجال بخير .. ما لم يطيعوا النّساء».

286- «لا يشكر اللّه .. من لا يشكر النّاس».

ذلك من إدخال الأذى و الضّرر عليه، و «المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده».

و الحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الإمام أحمد و أبي داود؛ من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجال من الصّحابة: أنّهم كانوا يسيرون مع النّبي صلى اللّه عليه و سلم، فقام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى حبل معه، فأخذه؛ ففزّعه ...

فذكره رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

قال الزين العراقي بعد ما عزاه لأحمد و الطّبرانيّ: حديث حسن.

و ذكره في «كشف الخفا»؛ و قال: رواه الطّبراني و ابن منيع؛ عن النّعمان بن بشير.

و في الباب عن ابن عمر و أبي هريرة (رضي الله تعالى عنهم اجمعين). انتهى.

285- ( «لا يزال الرّجال بخير ما لم يطيعوا) أي: مدة عدم إطاعتهم‏ (النّساء»)، فإذا أطاعوهنّ قلّ خيرهم، و ذلك من أشراط السّاعة.

و الحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطّبراني.

286- ( «لا يشكر اللّه من لا يشكر النّاس») أي: من كان طبعه و عادته كفران نعمة النّاس و ترك الشّكر لمعروفهم كان عادته كفران نعم اللّه و ترك الشّكر له.

قال الحافظ ابن حجر كابن العربي: فيه أربع روايات رفع «اللّه» و «النّاس»، و نصبهما، و رفع أحدهما و نصب الآخر.

و على رفعهما؛ معناه: من لا يشكره النّاس لا يشكره اللّه.

و على نصبهما معناه: من لا يشكر النّاس بالثّناء بما أولوه لا يشكر اللّه؛ فإنّه أمر بذلك عبيده، أو من لا يشكر النّاس كمن لا يشكر اللّه، و من شكرهم كمن شكره.

94

287- «لا يغني حذر .. من قدر».

و على رفع أحدهما و نصب الآخر معناه: لا يكون للّه شاكرا إلا من كان شاكرا للنّاس، و شكر اللّه ثناؤه على المحسن، و إجراؤه النّعم عليه بغير زوال.

قال الزّين العراقي: و المعروف المشهور في الرّواية نصبهما، و يشهد له حديث عبد اللّه بن أحمد: «من لا يشكر النّاس لا يشكر اللّه». انتهى «مناوي».

و الحديث ذكره في «الكشف» و قال: رواه الإمام أحمد بسند رجاله ثقات؛ عن الأشعث بن قيس رفعه. و أبو داود و التّرمذي؛ عن أبي هريرة مرفوعا، و صححه التّرمذي؛ عن أبي هريرة. انتهى.

و ذكره في «الجامع» بلفظ: «من لم يشكر النّاس لم يشكر اللّه». و رمز له برمز الإمام أحمد و التّرمذي و الضّياء في «المختارة»؛ عن أبي سعيد الخدري.

قال المناوي: قال التّرمذي: حسن. و قال الهيثميّ: سند أحمد حسن.

و لأبي داود و ابن حبّان و نحوه؛ من حديث أبي هريرة، و قال: صحيح. انتهى.

و ذكره في «الجامع» أيضا بلفظ: «التّحدّث بنعمة اللّه شكر و تركه كفر، و من لا يشكر القليل لا يشكر الكثير، و من لا يشكر النّاس لا يشكر اللّه، و الجماعة بركة و الفرقة عذاب» و رمز له برمز البيهقي في «شعب الإيمان»؛ عن النّعمان بن بشير (رضي الله تعالى عنهما).

قال المناوي: فيه أبو عبد الرحمن الشّامي أورده الذّهبي في الضّعفاء، و قال الأزدي: كذّاب. و رواه عنه أحمد بسند رجاله ثقات، كما بيّنه الهيثمي، فكان ينبغي للمؤلف- يعني السّيوطي- عزوه له. انتهى كلام المناوي (رحمه الله تعالى).

287- ( «لا يغني حذر من قدر») و إنّما يستعمل العبد الحذر!! لأنّه من جملة الأسباب المأمور بمباشرتها؛ فهو يحترز حسب الاستطاعة؛ معتقدا أنّه لا يدفع القضاء المبرم.

و الحديث ذكره في «كشف الخفا» و قال: رواه الإمام أحمد، و الحاكم‏

95

288- «لا يلدغ المؤمن .. من جحر مرّتين».

و صحّحه؛ عن عائشة مرفوعا. و أخرجه الدّيلمي؛ عن عائشة و معاذ بلفظ:

«لا ينفع حذر من قدر، و الدّعاء ينفع ممّا نزل». انتهى.

و ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الحاكم، في «كتاب الدّعاء»؛ عن عائشة (رضي الله تعالى عنها)، قال المناوي: و تمامه عند الحاكم «و الدّعاء ينفع ممّا نزل و ممّا لم ينزل، و إنّ البلاء لينزل فيتلقّاه الدّعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة».

انتهى.

ثم قال المناوي: قال الحاكم: صحيح، و تعقّبه الذّهبي في «التلخيص» بأنّ زكريا بن منصور أحد رجاله مجمع على ضعفه. انتهى.

و في «الميزان»: ضعّفه ابن معين و وهّاه أبو زرعة. و قال البخاري: منكر الحديث، و ساق له هذا الخبر، و قال ابن الجوزي: حديث لا يصحّ. انتهى كلام المناوي.

288- ( «لا يلدغ)- بالمثنّاة التحتيّة المضمومة و اللام الساكنة و بالدّال المهملة المفتوحة و الغين المعجمة- (المؤمن من جحر)- بضم الجيم فحاء مهملة- (مرّتين»).

قال الشّهاب الخفاجي: أريد بها التكرار؛ كقوله تعالى‏ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى‏ مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ‏ [3- 4/ الملك‏] لكنّه اقتصر على الأقل، لأنّه أنسب بالجزم.

انتهى.

قال المناوي:

روي 1- برفع الغين المعجمة نفي؛ معناه المؤمن المتيقّظ الحازم لا يؤتى من قبل الغافلة فيخدع مرة بعد أخرى، و 2- بكسر الغين نهي؛ أي؛ ليكن فطنا كيّسا لئلا يقع في مكروه بعد وقوعه فيه مرة قبلها. و ذا من جوامع كلمه صلى اللّه عليه و سلم الّتي لم يسبق إليها.

96

289- «لا يكون الرّجل من المتّقين .. حتّى يدع ما لا بأس فيه، حذرا ممّا به بأس».

أراد به تنبيه المؤمن على عدم عوده لمحلّ حصول مضرّة سبقت له فيه، و كما أن هذا مطلوب في أمر الدّنيا؛ فكذا في أمور الآخرة، فالمؤمن إذا أذنب ينبغي أن يتألّم قلبه كاللّديغ، و يضطرب و لا يعود. انتهى.

و سبب الحديث أنّ أبا عزة الجمحي‏ (1) أسر ببدر فمنّ عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم على أن لا يهجوه، و لا يحرّض عليه؛ فغدر، ثم أسر بأحد، فقال: يا رسول اللّه؛ غلبت أقلني. فقال: «لا أدعك تمسح عارضيك بمكّة تقول‏ (خدعت محمّدا مرّتين)! و إنّ المؤمن لا يلدغ من جحر مرّتين». ثم أمر بضرب عنقه، فصار الحديث مثلا.

و لم يسمع ذلك قبل المصطفى صلى اللّه عليه و سلم.

نعم ذكر الشّهاب الخفاجي: أنّ من حكم اليونان و أمثالهم قولهم: لا يرمى العاقل بحجر مرتين. فانظر الفرق بين كلام النّبوّة و غيرها!!.

و في «العزيزي»: قيل: المراد بالمؤمن في هذا الحديث الكامل الّذي أوقفته معرفته على غوامض الأمور، حتى صار يحذر مما سيقع، و أمّا المؤمن المغفّل! فقد يلدغ مرارا من جحر.

و فيه أدب شريف أدّب به النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم أمّته، و نبّههم كيف يحذرون ممّا يخافون سوء عاقبته. انتهى.

و الحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الإمام أحمد، و الشّيخين:

البخاري و مسلم، و أبي داود، و ابن ماجه كلّهم؛ عن أبي هريرة، و برمز الإمام أحمد و ابن ماجه كلاهما؛ عن ابن عمر بن الخطاب (رضي الله عنهما).

289- ( «لا يكون الرّجل من المتّقين)- أي: لا يبلغ العبد حقيقة التّقوى- (حتّى يدع ما لا بأس فيه حذرا ممّا به بأس») أي: يترك فضول الحلال؛ حذرا من‏

____________

(1) و كان شاعرا.

97

290- «لا يؤمن أحدكم .. حتّى يحبّ ...

الوقوع في الحرام، و يسمّى هذا ورع المتّقين. و هذه الدرجة الثانية من درجات الورع.

قال عمر: كنّا ندع تسعة أعشار الحلال خوف الوقوع في الحرام.

و كان بعضهم يأخذ ما يأخذ بنقصان حبّة، و يعطي ما عليه بزيادة حبّة. و لذلك أخذ عمر بن عبد العزيز بأنفه‏ (1) من ريح المسك الذي لبيت المال، و قال: هل ينتفع إلّا بريحه!!

و من ذلك ترك النّظر إلى تجمّل أهل الدنيا، فإنّه يحرّك داعية الرّغبة فيها. انتهى «عزيزي».

و الحديث ذكره في «الجامع» بلفظ: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذرا ممّا به بأس» و رمز له برمز التّرمذي و ابن ماجه و الحاكم كلهم؛ عن عطية بن عروة السّعدي (رضي الله تعالى عنه)، و قال التّرمذي: حسن غريب. انتهى بزيادة من المناوي.

290- ( «لا يؤمن أحدكم) إيمانا كاملا؛ فالمراد بنفيه هنا نفي بلوغ حقيقته و نهايته، كخبر «لا يزني الزّاني حين يزني و هو مؤمن» و نفي اسم الشي‏ء على معنى نفي الكمال مستفيض في كلامهم، كقولهم: فلان ليس بإنسان. و لا يرد استلزامه أنّ فاعل ذلك يكمل إيمانه؛ و إن ترك بقيّة الأركان!! لأنّ هذا ورد مورد المبالغة، و يستفاد من قوله صلى اللّه عليه و سلم لأخيه المسلم ملاحظة بقية صفات المسلم. و صرّح في رواية ابن حبّان بالمراد، و لفظ «لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان» إذ معنى الحقيقة الكمال ضرورة إن من لم يتّصف بهذه الصّفة لا يكون كافرا.

(حتّى يحبّ)- بالنّصب، لأنّ «حتّى» جارّة و «أن» بعدها مضمرة،

____________

(1) أي: يمسك بيده على أنفه لئلا يتمتع بريح المسك. (عبد الجليل).

98

لأخيه ما يحبّ لنفسه».

و لا يجوز الرّفع فتكون «حتّى» عاطفة!! لفساد المعنى، إذ عدم الإيمان ليس سببا للمحبّة. ذكره الكرماني- (لأخيه)- المسلم كما زاده في رواية الإسماعيلي و لعلّه غالبي، فالمسلم ينبغي حبّه للكافر الإسلام، و ما يترتب عليه من خير و أجر- (ما يحبّ لنفسه») من الخير؛ كما في رواية النّسائي و ابن منده و الإسماعيلي و القضاعي، و المراد أن يحبّ لأخيه من الخير نظير ما حصل له من جهة لا يزاحمه فيها.

و ليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له مع سلبه عنه، و لا مع بقائه بعينه؛ إذ قيام الجوهر أو العرض بمحلّين محال، قال الكرماني: و من الإيمان أيضا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشّر، و لم يذكره! لأنّ حبّ الشّي‏ء مستلزم لبغض نقيضه، فترك النصّ عليه اكتفاء. انتهى.

و ذلك ليكون المؤمنون كنفس واحدة، و مقصود الحديث انتظام أحوال المعاش و المعاد، و الجري على قانون السّداد وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا [103/ آل عمران‏] و عماد ذلك كلّه و أساسه السّلامة من الأدواء القلبيّة، فالحاسد يكره أن يفوقه أحد، أو يساويه في شي‏ء، و الإيمان يقتضي المشاركة في كل خير؛ من غير أن ينقص على أحد من نصيب أحد شي‏ء.

نعم؛ و من كمال الإيمان تمنّي مثل فضائله الأخروية الّتي فاقه فيها غيره.

و قوله‏ وَ لا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ‏ [32/ النساء] نهي عن الحسد المذموم، فإذا فاقه أحد في فضل ديني اجتهد في لحاقه، و حزن على تقصيره، لا حسدا؛ بل منافسة في الخير، و غبطة. انتهى «مناوي و زرقاني».

قال ابن أبي زيد القيرواني المالكي: جماع آداب الخير تتفرع من أربعة أحاديث «لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه»، و حديث «من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت»، و حديث «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، و قوله للذي اختصر له في الوصية «لا تغضب». انتهى عزيزي ك «شرح مسلم».

99

291- «لا يؤمن أحدكم .. حتّى يكون هواه ...

و الحديث ذكره في «الجامع الصغير»، قال الزّرقاني: أخرجه الشيخان:

البخاري و مسلم، و التّرمذي و النّسائي و ابن ماجه؛ عن أنس (رضي الله عنه).

لكن لفظ رواية مسلم: «حتّى يحبّ لأخيه- أو قال- جاره». و رواية البخاري و غيره: «لأخيه» بلا شك. انتهى. و نحوه في «الجامع الصغير» مع المناوي (رحمهم الله تعالى).

291- ( «لا يؤمن أحدكم) إيمانا كاملا (حتّى يكون هواه)، بالقصر:

ما يهواه أي: تحبّه نفسه و تميل إليه، و جمعه أهواء، و المعروف في استعمال الهوى عند الإطلاق أنّه الميل إلى خلاف الحقّ، و هذا هو الغالب، و منه‏ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏ [26/ ص‏]، وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏ (40) [النازعات‏].

و منه قول ابن دريد:

و آفة العقل الهوى فمن علا * * * على هواه عقله فقد نجا

و قول هشام بن عبد الملك:

إذا لم تكن تعصي الهوى قادك الهوى‏ * * * إلى بعض ما فيه عليك مقال‏

و قول آخر:

إنّ الهوان من الهوى قصر اسمه‏ * * * فإذا هويت فقد لقيت هوانا

و قول آخر:

نون الهوان من الهوى مسروقة * * * و صريع كلّ هوى صريع هوان‏

و قد يطلق الهوى بمعنى مطلق الميل و المحبّة؛ فيشمل الميل للحقّ و غيره، و يطلب بمعنى محبّة الحقّ خاصّة، و الانقياد إليه، و منه ما في هذا الحديث، و منه قول عائشة (رضي الله عنها) لما نزل قوله تعالى‏ تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ‏

100

لما جئت به».)

تَشاءُ [51/ الأحزاب‏] قالت للنبيّ صلى اللّه عليه و سلم: ما أرى ربك إلّا يسارع في هواك، و قول عمر (رضي الله عنه)- في قصة المشاورة في أسارى بدر- «فهوي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ما قاله أبو بكر و لم يهو ما قلت»؛

فتبيّن أنّ للهوى ثلاث إطلاقات: 1- الميل إلى خلاف الحقّ، و هو الغالب.

و 2- مطلق الميل الشّامل للحقّ و غيره. و 3- الميل إلى الحقّ خاصّة.

و هذا كلّه في المقصور؛ أمّا الممدود [الهواء] فهو الجرم الّذي بين السماء و الأرض، و كلّ متجوّف، و جمعه أهوية.

(تبعا لما جئت به») من هذه الشّريعة المطهّرة الكاملة، بأن يميل قلبه و طبعه إليه؛ كميله لمحبوباته الدنيويّة الّتي جبل على الميل إليها من غير مجاهدة و تصبّر، بل يهواها كما يهوى المحبوبات المشتهيات، إذ من أحبّ شيئا أتبعه هواه، و مال عن غيره إليه، و من ثمّ آثر التعبير بذلك، على نحو «حتّى يأتمر بكلّ ما جئت به» لأنّ المأمور بالشي‏ء قد يفعله اضطرارا. انتهى؛ من شرح ابن حجر الهيتمي على «الأربعين النووية».

و قال الإمام النّووي (رحمه الله تعالى): يعني أنّ الشّخص يجب عليه أن يعرض عمله على الكتاب و السنّة، و يخالف هواه، و يتّبع ما جاء به النّبي صلى اللّه عليه و سلم، و هذا نظير قوله تعالى‏ وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ‏ [36/ الأحزاب‏] فليس لأحد مع اللّه عزّ و جلّ و رسوله صلى اللّه عليه و سلم أمر و لا هوى.

و عن إبراهيم بن محمد الكوفيّ قال: رأيت الشّافعي بمكة يفتي النّاس و رأيت إسحاق بن راهواه و أحمد ابن حنبل حاضرين، فقال أحمد لإسحاق: تعال حتّى أريك رجلا لم تر عيناك مثله، فقال له إسحاق: لم تر عيناي مثله!! قال: نعم.

فجاء به فوقفه على الشّافعي.

فذكر القصة إلى أن قال: ثمّ تقدّم إسحاق إلى مجلس الشّافعي فسأله عن كراء

101

..........

بيوت مكة. فقال الشّافعي: هذا عندنا جائز، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «فهل ترك لنا عقيل من دار!!».

فقال إسحاق: أخبرنا يزيد بن هارون؛ عن هشام؛ عن الحسن أنّه لم يكن يرى ذلك!، و عطاء و طاوس لم يكونا يريان ذلك!!

فقال له الشّافعي: أنت الّذي تزعم أهل خراسان أنّك فقيههم؟!.

قال إسحاق: كذلك يزعمون؟!

قال الشّافعي: ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك فكنت آمر بفرك أذنيه.

أنا أقول: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؛ و أنت تقول: قال عطاء و طاوس و الحسن و إبراهيم؛ هؤلاء لا يرون ذلك»؟! و هل لأحد مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حجّة؟.

ثمّ قال الشّافعي: قال اللّه تعالى‏ لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ‏ [59/ الحشر] أ فتنسب الدّيار إلى مالكين؛ أو غير مالكين؟.

قال إسحاق: إلى مالكين!.

قال الشافعي: فقول اللّه تعالى أصدق الأقاويل، و قد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»؛ و قد اشترى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) دار الحجلتين!؟ و ذكر الشّافعي جماعات من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

فقال له إسحاق: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ [الحج/ 52]!! فقال له الشّافعي:

فالمراد به المسجد خاصّة؛ و هو الّذي حول الكعبة، و لو كان كما تزعم لكان لا يجوز لأحد أن ينشد في دور مكّة ضالّة، و لا تحبس فيها البدن، و لا تلقى الأرواث، و لكن هذا في المسجد خاصّة!.

فسكت إسحاق و لم يتكلّم. فسكت الشّافعي عنه (رضي الله تعالى عنهم اجمعين)، و نفعنا بعلومهم آمين.

و الحديث ذكره النّووي في «الأربعين»؛ و قال: حديث صحيح روّيناه في كتاب «الحجّة» بإسناد صحيح.

102

..........

قال ابن حجر: كتاب «الحجّة في اتباع المحجّة» في عقيدة أهل السنّة لتضمّنه ذكر أصول الدّين على قواعد أهل الحديث، و هو كتاب جيد نافع و قدره ك «التنبيه» مرة و نصفا تقريبا، و مؤلفه هو العلامة أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني الحافظ؛ كذا قاله بعضهم! و خالفه غيره؛ فقال: إنّه أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشّافعي، الفقيه الزاهد نزيل دمشق. انتهى.

قال بعضهم: و رواه محيي السّنّة في «المصابيح» و «شرح السنة». انتهى.

قال ابن حجر: و هو على وجازته و اختصاره يجمع ما في هذه «الأربعين» و غيرها؛ من دواوين السّنّة، و بيانه أنّه صلى اللّه عليه و سلم إنّما جاء بالحقّ و صدّق المرسلين، و هذا الحقّ إن فسّر بالدّين شمل الإيمان و الإسلام و النّصح للّه و رسوله و لكتابه و لأئمة المسلمين و عامّتهم، و الاستقامة، و هذه أمور جامعة لا يبقى بعدها إلّا تفاصيلها، أو بالتّقوى فهي مشتملة على ما ذكرناه أيضا، فإذا كان كذلك؛ كان هوى الإنسان تبعا لما جاء به النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم من الدّين و التّقوى.

و علم من الحديث أنّ من كان هواه تابعا لجميع ما جاء به النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم كان مؤمنا كاملا، و ضدّه؛ و هو من أعرض عن جميع ما جاء به النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم- و منه الإيمان- فهو الكافر؛ و أما من اتبع البعض؛ فإن كان ما اتّبعه أصل الدّين؛ و هو الإيمان، و ترك ما سواه؛ فهو الفاسق، و عكسه المنافق، و استمداد الحديث من قوله تعالى‏ فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ‏ [65/ النساء] ... الآية، إذ فيها غاية التعظيم لحقّه صلى اللّه عليه و سلم و التأدّب معه، و وجوب محبّته و اتّباعه فيما يأمر به من غير توقّف؛ و لا تلعثم، و من ثمّ لم يكتف بالتّحكيم، بل عقّبه بقوله‏ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ‏ و لم يكتف بهذا أيضا، بل زاد التأكيد بقوله‏ وَ يُسَلِّمُوا [65/ النساء]، و لم يكتف به أيضا، بل زاد فيه فأتى بالمصدر الرافع لاحتمال التجوّز؛ فقال‏ تَسْلِيماً (65) [النساء]، و بهذا التسليم تكون النّفس مطمئنّة لحكمه، منشرحة به، لا توقف عندها فيه بوجه. انتهى.

103

292- «لا يؤمن عبد .. حتّى يكون قلبه و لسانه سواء».

292- ( «لا يؤمن عبد حتّى يكون قلبه و لسانه سواء») في كون ما يظهر على لسانه هو ما يكنّه قلبه، من حسن معاملة الخلق و الخالق.

و الحديث ذكره في «كشف الخفاء»، و قال: رواه الإمام أحمد؛ عن أنس.

و في الباب عن ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه). انتهى.

و ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الإمام أحمد (رحمه الله تعالى).

104

[ (حرف الياء)]

(حرف الياء) 293- «يا ابن آدم؛ ارض من الدّنيا .. بالقوت؛ فإنّ القوت لمن يموت كثير».

294- «يا أبا بكر؛ ما ظنّك باثنين اللّه ثالثهما». قاله له في الغار.

(حرف الياء) 293- ( «يا ابن آدم) المراد ب «ابن آدم» الجنس‏ (ارض من الدّنيا بالقوت)؛ أي: بما يسدّ الرّمق بغير زيادة على ذلك، قيل: سمّي قوتا! لحصول القوة منه؛ ذلك لأن ما أحوج من الفقر مكروه، و ما أبطر من الغنى مذموم، و الكفاف حالة متوسّطة بين الفقر و الغنى، و خير الأمور أوساطها، و لذلك سأله المصطفى صلى اللّه عليه و سلم بقوله: «اللّهمّ اجعل رزق آل محمّد قوتا». و معلوم أنّه لا يسأل [اللّه‏] إلّا أفضل الأحوال.

(فإنّ القوت لمن يموت كثير») هذا مبالغة في التقلّل من الدّنيا، و إلّا! فإن الإنسان لا يستغني عن القوت، إذ هو البلغة، و به قوام البنية.

و أقطاب القوت: الكنّ، و الكسوة، و الشّبع، و الرّيّ؛ فمن توفّرت له فهو مكفيّ، كما جاء ذلك في حديث رواه التّرمذي في «الزّهد»، و الحاكم في «الرّقاق» كلاهما؛ عن عثمان بن عفان (رضي الله تعالى عنه): «ليس لابن آدم حقّ فيما سوى هذه الخصال، بيت يسكنه، و ثوب يواري عورته، و جلف الخبز، و الماء» قال التّرمذي:

حسن صحيح، و قال الحاكم: صحيح، و أقرّه الذّهبيّ. و اللّه أعلم.

294- ( «يا أبا بكر)- الصّدّيق- (ما ظنّك باثنين)- يعني: نفسه و أبا بكر- (اللّه ثالثهما) بالنّصرة و الإعانة. و في رواية: «اسكت؛ يا أبا بكر اثنان اللّه ثالثهما». و هذا (قاله) النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم‏ (له)؛ أي: لأبي بكر الصّدّيق و هما ماكثان‏ (في الغار) المعهود؛ و هو غار ثور جبل من جبال مكّة بأسفلها؛ على مسير