منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - ج4

- عبد الله بن سعيد محمد العبادي المزيد...
531 /
105

295- «يا أبا ذرّ؛ جدّد السّفينة، فإنّ البحر عميق».

296- «يا أنس؛ أطب كسبك .. تستجب دعوتك».

ساعتين تقريبا، و ذلك في خروجهما متوجّهين إلى المدينة للهجرة، و لمّا بعثت قريش الطّلب في آثارهما؛ و كانا مختفيين في الغار المذكور، و وصلت قريش إلى باب الغار؛ قال سيدنا أبو بكر (رضي الله تعالى عنه) للنبيّ صلى اللّه عليه و سلم: لو أنّ أحدهم نظر تحت قدميه لأبصارنا! فقال المصطفى صلى اللّه عليه و سلم: «ما ظنّك باثنين اللّه ثالثهما»!

و الحديث أخرجه البخاري و مسلم و غيرهما؛ عن أبي بكر الصديق (رضي الله تعالى عنه)؛ و فيه منقبة ظاهرة لسيّدنا أبي بكر الصدّيق (رضي الله تعالى عنه).

295- ( «يا أبا ذرّ؛ جدّد السّفينة)- أي: أكثر من الأعمال الصّالحة ما دمت في هذه الحياة الدّنيا- (فإنّ البحر عميق») يعني: يوم القيامة الّتي تستقلّ فيه الأعمال الصّالحة لما اشتمل عليه من الهول؛

فشبّه الأعمال الصّالحة الكثيرة في تعاضدها؛ إذ يتسبب عنها تخليص صاحبها من الأهوال؛ بالسّفينة الجديدة في قوّتها و تحمّلها ما يطرأ عليها من مصادمات و أخطار المتسبّب ذلك في نجاة ركابها.

و شبّه يوم القيامة و ما اشتمل عليه من أهوال يشيب فيها الوليد؛ بحيث لا ينجيه من ذلك إلّا كثرة الأعمال الصّالحة؛ شبّهه بالبحر العميق المحاط بالأخطار، بحيث لا ينجيه منه إلّا السّفينة السليمة الآلات، القوية في المعدات، أمّا غيرها! فيخشى عليه الوقوع في الهلاك. و هذا من أبدع الكلام و أحسن الاستعارة.

و هذا الحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس».

296- ( «يا أنس؛ أطب كسبك)- أي: مطعمك، و كسوتك، و توابعهما، و أهمّها المطعم بأن يكون ذلك من حلال، سليما من الشّبهة، فإذا فعلت ذلك‏ (تستجب دعوتك») أي: دعاؤك إن دعوت اللّه تعالى في أمر من الأمور، و حاجة من الحاجات.

106

297- «يا حرملة؛ ائت المعروف و اجتنب المنكر».

و هذا كقوله لسعد: «أطب طعمتك تجب دعوتك». أمّا من كان مطعمه من حرام، و ملبسه من حرام، و غذي بالحرام فأنى يستجاب له!!.

و الحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس».

297- ( «يا حرملة)- بفتح المهملة و سكون الراء و فتح الميم- ابن عبد اللّه بن إياس- و ربّما نسب إلى جدّه فظنّ أنّه غيره- و هو التميمي العنبري الصحابي، كان من أهل الصّفّة، و نزل البصرة، قال: قلت يا رسول اللّه؛ ما تأمرني به أعمل!! فقال:

(ائت المعروف) أي: افعله. و المعروف: ما عرفه الشّرع، و هو الواجب و المندوب، (و اجتنب المنكر»)؛ أي: لا تقربه، و المنكر: ما أنكره الشّرع، و هو المكروه و الحرام.

و الحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطّيالسي.

و ذكره في «الجامع» بلفظ: «ائت المعروف، و اجتنب المنكر، و انظر ما يعجب أذنك أن يقول لك القوم إذا قمت من عندهم فأته. و انظر الّذي تكره أن يقول لك القوم إذا قمت من عندهم فاجتنبه».

و رمز له برمز البخاري في «الأدب المفرد»، و البيهقي في «شعب الإيمان»، و ابن سعد، و البغوي في «معجمه»، و الباوردي في «معرفة الصحابة»؛ كلّهم عن حرملة المذكور و ليس له غيره.

قال المناوي: يعني لا يعرف له رواية غير هذا الحديث.

ثمّ قال المناوي: و كلام الحافظ ابن حجر مصرّح بحسن الحديث، فإنّه قال:

حديثه- يعني حرملة- في «الأدب المفرد» للبخاري، «و مسند الطيالسي» و غيرهما بإسناد حسن. انتهى.

107

298- «يا حبّذا كلّ ناطق عالم، و كلّ مستمع واع».

299- «يا حذيفة؛ عليك بكتاب اللّه».

300- «يا عبادة؛ اسمع و أطع في عسرك و يسرك».

298- (يا) للتنبيه؛ أو للنّداء، و المنادى محذوف أي: يا قوم‏ (حبّذا):

كلمة مدح ركبت من كلمتين «حبّ» فعل ماض، و «ذا» اسم إشارة، و أصله حبّب بضمّ الحاء- و هو مسند إلى اسم الإشارة إلّا أنهما جريا بعد التّركيب مجرى الأمثال الّتي لا تتغيّر؛ أي حبّ هذا الأمر المذكور في قوله‏

(كلّ ناطق عالم)؛ أي: متكلّم عن علم بما يتكلّم، لا سيما إذا انضاف إلى ذلك العمل بما يعلمه و بما يقوله، (و كلّ مستمع واع)؛ أي: حافظ لما يسمعه من العلم، فإنّ هذا هو الّذي يزداد علما كلما طلعت عليه شمس يوم.

و الحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس».

299- ( «يا حذيفة) بن اليمان‏ (عليك) اسم فعل بمعنى «الزم»، و قوله‏ (بكتاب اللّه»)! بباء الجر، و استشكاله بتعديته بنفسه في نحو عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ‏ [المائدة/ 105]!! دفعه الرضيّ بأن أسماء الأفعال؛ و إن كان حكمها في التعدّي و اللّزوم حكم الأفعال التي هي بمعناها؛ لكن كثيرا ما تزاد الباء في مفعولها؛ نحو «عليك به» لضعفها في العمل. انتهى «مناوي».

أي: الزم تلاوة كتاب اللّه تعالى القرآن، و تدبّره، و اتّخذه إماما و قائدا، آمن بمتشابهه، و اعتبر بأمثاله، و اعمل بأحكامه.

و الحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الإمام أحمد.

300- ( «يا عبادة؛ اسمع و أطع) أميرك في كلّ ما يأمر به؛ و إن شقّ ما لم يكن إثما، و جمع بينهما تأكيدا!! للاهتمام بالمقام؛ أي: اسمع و أطع على كل حال‏ (في عسرك)؛ أي: ضيقك و شدّتك، (و يسرك»)- بضمّ أوّله و سكون‏

108

301- «يا عقبة؛ صل من قطعك، و أعط من حرمك».

302- «يا عليّ؛ لا ترج إلّا ربّك، و لا تخف إلّا ذنبك».

303- «يا عمرو؛ نعمّا بالمال الصّالح للرّجل الصّالح».

السّين المهملة-: نقيض العسر، يعني: في حال فقرك و غناك.

و الحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الإمام أحمد.

301- ( «يا عقبة؛ صل من قطعك) من ذوي قرابتك و غيرهم، (و أعط من حرمك») عطاءه أو مودّته، أو معروفه.

و الحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الإمام أحمد.

302- ( «يا عليّ؛ لا ترج) في قضاء حاجتك‏ (إلّا ربّك)؛ لا غيره من المخلوقين، (و لا تخف) أحدا (إلّا ذنبك») يعني؛ إذا وقعت في الذّنب فخف أن يصيبك من اللّه شي‏ء؛ عقابا لذنبك الّذي ارتكبته.

و الحديث ذكره المناوي في «الكنوز» مرموزا له برمز الدّيلمي في «الفردوس».

303- ( «يا عمرو) بن العاص‏ (؛ نعمّا بالمال) قال في «النّهاية»: أصله «نعم ما»؛ فأدغم و شدّد، و «ما» غير موصوفة و لا موصولة، كأنّه قال: نعم شيئا المال‏ (الصّالح). و الباء زائدة مثل زيادتها في‏ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ حَسِيباً (39) [الأحزاب‏] انتهى.

(للرّجل الصّالح) الّذي يقيم به أوده، و يستعين به على آخرته.

و الحديث ذكره في «مجمع الزوائد» عن عمرو بن العاص قال: بعث إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال: «خذ عليك ثيابك و سلاحك ثمّ ائتني»،- قال: فأتيته و هو يتوضّأ فصعّد فيّ البصر ثمّ طأطأ؛ فقال: «إنّي أريد أن أبعثك على جيش فيسلّمك اللّه و يغنمك و أرغب لك من المال رغبة صالحة»، فقلت:- يا رسول اللّه‏

109

304- «يا عمّ رسول اللّه؛ أكثر من الدّعاء بالعافية»، قاله للعبّاس.

305- «يا فاطمة؛ كوني له أمّة .. يكن لك عبدا».

ما أسلمت من أجل المال، و لكنّي أسلمت رغبة في الإسلام، و أن أكون مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

فقال: «يا عمرو نعمّا بالمال الصّالح للمرء الصّالح» رواه أحمد، و قال: كذا في النّسخة «نعمّا» بنصب النّون و كسر العين، و قال أبو عبيدة: بكسر النّون و العين.

و رواه الطّبراني في «الأوسط» و «الكبير» و قال فيه: و لكن أسلمت رغبة في الإسلام و أكون مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. فقال: «نعم و نعمّا بالمال الصّالح للمرء الصّالح». انتهى كلام «مجمع الزوائد».

304- (يا عمّ رسول اللّه؛ أكثر من الدّعاء بالعافية») أي: السّلامة من الشّدائد و البلايا و المكاره الدّنيوية و الأخرويّة، أي: أكثر من الدّعاء بدوامها و استمرارها عليك، لأنّها جامعة لأنواع خير الدّارين من الصّحة في الدّنيا؛ و السّلامة في العقبى، و من كملت له العافية علّق قلبه بملاحظة مولاه، و عوفي من التّعلّق بسواه.

قال الدّيلمي: و هذا (قاله للعبّاس) عمّه حين قال: يا رسول اللّه؛ علمني شيئا أسأله اللّه. فذكره.

و الحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الحاكم؛ عن ابن عباس.

و رواه عنه الطّبراني باللّفظ المزبور، و فيه راو ضعّفه جمع، و بقيّة رجاله ثقات. و ذكره المناوي في «الكنوز» باللفظ المزبور.

305- ( «يا فاطمة؛ كوني له)- أي: زوجها عليّ- (أمة)- أي: مطيعة كالأمة المطيعة لسيّدها- (يكن لك)- أي: بعلك- (عبدا») موافقا منقادا، كالعبد الموافق لسيّده في أغراضه.

110

306- «يبصر أحدكم القذى في عين أخيه .. و ينسى الجذع في عينه».

307- «يسّروا ...

306- ( «يبصر أحدكم القذى)- جمع: قذاة، و هي ما يقع في العين و الماء و الشّراب من نحو تراب و تبن و وسخ- (في عين أخيه)- في الإسلام- (و ينسى الجذع)- واحد: جذوع النّخل- (في عينه») أي: في عين نفسه، كأنّ الإنسان لنقصه و حبّ نفسه يتوفّر على تدقيق النّظر في عيب أخيه فيدركه مع خفائه، فيعمى به عن عيب في نفسه ظاهر لا خفاء به.

و هذا مثل ضرب لمن يرى الصغير من عيوب النّاس و يعيّرهم به، و فيه من العيوب ما نسبته إليه كنسبة الجذع إلى القذاة، و ذلك من أقبح القبائح و أفضح الفضائح، فرحم اللّه من حفظ قلبه و لسانه و لزم شأنه، و كفّ عن عرض أخيه، و أعرض عمّا لا يعنيه، فمن حفظ هذه الوصيّة دامت سلامته و قلّت ندامته، فتسليم الأحوال لأهلها أسلم، و اللّه أعلى و أعلم. و للّه درّ القائل:

أرى كلّ إنسان يرى عيب غيره‏ * * * و يعمى عن العيب الّذي هو فيه‏

فلا خير فيمن لا يرى عيب نفسه‏ * * * و يبصر عيبا كائنا بأخيه‏

و الحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز أبي نعيم في «الحلية»؛ عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه).

قال المناوي في «شرحه»: و رواه القضاعي، و هو حديث حسن. انتهى.

و ذكره في «كشف الخفا» و قال: رواه الإمام أحمد؛ عن أبي هريرة، و ابن أبي الدّنيا في «المداراة»؛ عن بكر بن عبد اللّه المزني قال: «إذا رأيتم الرّجل موكّلا بذنوب النّاس، ناسيا لذنبه، فاعلموا أنّه قد مكر به».

و روى الدّيلمي؛ عن أنس: «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب النّاس». انتهى.

307- ( «يسّروا)- بفتح فتشديد-؛ أي: خذوا بما فيه التّيسير على النّاس‏

111

و لا تعسّروا، و بشّروا و لا تنفّروا».

بذكر ما يؤلّفهم لقبول الموعظة في جميع الأيّام، لئلا يثقل عليهم فينفروا، و ذلك لأن التّيسير في التعليم يورّث قبول الطاعة، و يرغّب في العبادة، و يسهل به العلم و العمل.

(و لا تعسّروا)؛ لا تشدّدوا، أردفه بنفي التعسير مع أنّ الأمر بشي‏ء نهي عن ضده تصريحا بما لزم ضمنا للتأكيد. ذكره الكرماني. و أولى منه قول جمع‏ (عقّبه به إيذانا بأن مراده نفي التّعسير رأسا، و لو اقتصر على «يسّروا» لصدق على كل من يسّر مرّة و عسّر كثيرا)، كذا قرره أئمة هذا الشّأن، و منهم النّووي و غيره.

(و بشّروا) بفضل اللّه، و عظيم ثوابه، و جزيل عطائه، و سعة رحمته، و شمول عفوه و مغفرته؛ من التّبشير، و هو إدخال السّرور، و البشارة: الإخبار بخبر سار.

و قوله «بشّروا» بعد قوله «يسّروا» فيه جناس خطي‏ (1)، و لم يكتف به، بل أردفه بقوله:

(و لا تنفّروا») لما مرّ و هو من التّنفير؛ أي: لا تذكروا شيئا تنهزمون منه، و لا تصدّروا بما فيه الشّدّة.

و قابل‏ (2) به «بشّروا» مع أنّ ضد البشارة النّذارة!! لأن القصد من النفارة التّنفير، فصرّح بالمقصود منها.

و هذا الحديث- كما قاله الكرماني و غيره- من جوامع الكلم لاشتماله على الدّنيا و الآخرة، لأن الدّنيا دار العمل؛ و الآخرة دار الجزاء، فأمر المصطفى صلى اللّه عليه و سلم فيما يتعلق بالدّنيا بالتسهيل، و فيما يتعلّق بالآخرة بالوعد الجميل و الإخبار بالسّرور؛ تحقيقا لكونه رحمة للعالمين في الدّارين.

____________

(1) و هو المسمّى «جناسا غير تامّ» لعدم اتحاد نوع الحروف.

(2) من المقابلة أحد أنواع علم البديع؛ من علوم البلاغة، و هي ذكر المعنى و ضدّه.

112

308- «اليمين الفاجرة تدع الدّيار بلاقع».

و فيه الأمر بالتّيسير بسعة الرّحمة و النّهي عن التّنفير بذكر التّخويف؛ أي: من غير ضمّه إلى التّبشير، و تأليف من قرب عهده بالإسلام، و ترك التّشديد عليه و الأخذ بالرّفق، و تحسين الظّنّ باللّه لكن لا يجعل وعظه كلّه رجاء، بل يشوبه بالخوف.

انتهى مناوي على «الجامع».

و الحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الإمام أحمد و البخاري و مسلم و النّسائي؛ كلهم عن أنس (رضي الله تعالى عنه).

قال المناوي. و رواه البخاري و غيره؛ عن أبي موسى الأشعري، و ذكر أنّه قال ذلك له و لمعاذ لمّا بعثهما إلى اليمن، و زاد- بعد ما ذكر هنا-: «و تطاوعا و لا تختلفا».

قال أبو البقاء: و إنّما قال «يسّروا» بالجمع مع أنّ المخاطب اثنان!! لأن الاثنين جمع في الحقيقة، إذ الجمع ضمّ إلى شي‏ء إلى شي‏ء. أو يقال: إن الاثنين أميران، و الأمير إذا قال شيئا توقع قبول الأمر إلى الجمع، أو أراد أمرهما و أمر من يوليانه. انتهى.

308- ( «اليمين الفاجرة)- أي: الكاذبة- (تدع)- أي: تترك- (الدّيار بلاقع») بفتح الباء و اللّام، و كسر القاف؛ جمع: بلقع؛ و هي الأرض القفراء الّتي لا شي‏ء فيها.

يريد أن الحالف كاذبا يفتقر، و يذهب ما في بيته من الرّزق.

و قيل: هو أن يفرّق اللّه شمله، و يغيّر عليه ما أولاه من نعمه.

و الحديث ذكره في «المواهب»، و قال: رواه الديلمي في «مسند الفردوس» من حديث أبي هريرة مرفوعا، و ذكره في «الجامع» بلفظ: «ليس شي‏ء أطيع اللّه فيه أعجل ثوابا من صلة الرّحم، و ليس شي‏ء أعجل عقابا من البغي و قطيعة الرّحم، و اليمين الفاجرة تدع الدّيار بلاقع» و رمز له برمز البيهقي في «سننه»؛ عن أبي هريرة

113

309- «اليوم .. الرّهان، و غدا .. السّباق، و الغاية .. الجنّة، و الهالك .. من دخل النّار».

(رضي الله تعالى عنه)، و إسناده حسن؛ كما في «العزيزي».

309- ( «اليوم)- أي: الدّنيا- (الرّهان)- بكسر الرّاء- قال المجد:

المخاطرة و المسابقة على الخيل. انتهى. استعير للمسابقة على الأعمال في الدنيا، كما قال تعالى‏ سابِقُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ‏ [21/ الحديد] قال البيضاوي: سابقوا؛ سارعوا مسارعة المتسابقين في المضمار.

(و غدا)- أي: يوم القيامة- (السّباق)- بالكسر- مصدر سابق مسابقة و سباقا بمعنى السّبق- بفتحتين-: ما يجعل من المال رهنا على المسابقة، استعير للأعمال التي يلقاها العاملون يوم القيامة.

(و الغاية) التي يقع عليها الرّهان‏ (الجنّة)، فيه حذف دلّ عليه المذكور؛ أي: و النّار. فالفائز من دخل الجنّة، (و الهالك من دخل النّار»).

و المعنى: الفائز من عمل الأعمال الصّالحة، و فعل المأمورات، و اجتنب المنهيّات؛ فدخل الجنّة، فرفعت له فيها الدّرجات، و الهالك من فعل المعاصي، فآل إلى استحقاق دخول النّار.

و حاصل معنى الحديث: أنّ الدّنيا بتمامها للنّاس كيوم يتسابق فيه المتسابقون على خيلهم إلى غاية معلومة لهم، و قد جعلوا مالا يأخذه السّابق غدا، فمن عمل الصّالحات فاز بذلك الجعل؛ الذي هو الجنّة، بمقتضى الوعد الصادق. و من عمل السّيئات حرم الجعل و استحقّ النّار، بمقتضى الوعيد ما لم يعف عنه؛ إن كان مسلما. هذا ما ظهر لي، و لم أر أحدا شرحه.

و بقيّة الحديث: «أنا الأوّل، و أبو بكر الثّاني، و عمر الثّالث، و النّاس بعد على السّبق الأوّل فالأوّل». رواه الطّبرانيّ، و ابن عديّ، و الخطيب؛ عن ابن عبّاس بتمامه مرفوعا، و فيه أصرم بن حوشب: منكر الحديث. انتهى «زرقاني».

114

310- «يا أيّها النّاس؛ أ لا تستحيون؟! تجمعون ما لا تأكلون، و تبنون ما لا تسكنون».

311- «يا أيّها النّاس؛ أفشوا السّلام، و أطعموا الطّعام، وصلوا الأرحام، و صلّوا و النّاس نيام .. تدخلوا الجنّة بسلام».

310- ( «يا أيّها النّاس)، قال ابن مالك في «شرح الكافية»: إذا قلت «أيّها الرّجل» ف «أيّها» و «الرّجل» كاسم واحد، و «أيّ» مدعوّ، و «الرّجل»: نعت له ملازم، لأنّ «أيّ» مبهم لا يستعمل بغير صلة؛ إلّا في الجزاء و الاستفهام.

و «ها» حرف تنبيه، فإذا قلت «يا أيّها الرّجل» لم يصحّ في «الرّجل» إلّا الرّفع، لأنّه المنادى حقيقة، و «أيّ» يتوصّل به إليه، و إن قصد به مؤنّث زيدت التّاء، نحو يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) [الفجر]. انتهى «مناوي».

(أ لا تستحيون) من اللّه تعالى!! (تجمعون ما لا تأكلون) أي: ما يزيد على كفايتكم، (و تبنون ما لا تسكنون»)؛ بل عن قريب منه راحلون!!. أو المراد ما يزيد على قدر حاجتكم.

311- ( «يا أيّها النّاس؛ أفشوا السّلام)- بقطع الهمزة-، أي: انشروه و أعلنوه بين من تعرفونه، و من لا تعرفونه من المسلمين الّذين يندب (عليهم السلام).

(و أطعموا الطّعام) للبرّ و الفاجر، أي: تصدّقوا بما فضل عن حاجة من تلزمكم نفقته. فالمراد: بذل الطّعام و المال و نحوه؛ لا خصوص إطعام الطّعام.

(وصلوا) بكسر الصّاد؛ أمر من الصّلة (الأرحام) أي: أحسنوا إلى أقاربكم بالقول و الفعل.

(و صلّوا) باللّيل‏ (و النّاس نيام)، جملة حاليّة، أي: تهجّدوا حال نوم غالب النّاس، و الأولى من اللّيل السّدس الرّابع و الخامس، فإذا فعلتم ما ذكر؛ (تدخلوا الجنّة بسلام»)، أي: مع سلامة من الآفات الأخرويّة.

و المراد: أنّ فعل المذكورات من الأسباب الموصلة إلى الجنّة.

115

312- «يا معاذ»، قال: لبّيك يا رسول اللّه و سعديك. قال:

«يا معاذ»، قال: لبّيك يا رسول اللّه و سعديك، قال: «يا معاذ»، قال: لبّيك يا رسول اللّه و سعديك، (ثلاثا)، قال: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا عبده و رسوله صدقا من قلبه .. إلّا حرّمه اللّه على النّار» ...

و الحديث أخرجه التّرمذيّ؛ عن عبد اللّه بن سلام الإسرائيليّ الصّحابيّ الجليل (رضي الله تعالى عنه)؛ و قال: حديث صحيح.

312- ( «يا معاذ») أي: ابن جبل‏ (قال: لبّيك يا رسول اللّه و سعديك)، اللّبّ بفتح اللّام-: معناه هنا الإجابة، و السّعد: المساعدة، كأنّه قال: لبّا لك و إسعادا لك، و لكنّهما ثنّيا على معنى التّأكيد و التّكثير، أي: إجابة بعد إجابة، و إسعادا بعد إسعاد. و قيل في أصل «لبّيك» و اشتقاقها غير ذلك. انتهى «فتح الباري».

(قال: «يا معاذ». قال: لبّيك يا رسول اللّه و سعديك. قال: «يا معاذ» قال: لبّيك يا رسول اللّه و سعديك، ثلاثا) أي: النّداء و الإجابة قيلا ثلاثا. (قال) أي: النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم: ( «ما من عبد يشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا عبده و رسوله صدقا من قلبه)- متعلّق ب «صدقا»، أي: يشهد بلفظه، و يصدّق بقلبه- (إلّا حرّمه اللّه على النّار»).

فإن قلت: إنّ ظاهر هذا يقتضي عدم دخول جميع من شهد الشّهادتين النار، لما فيه من التّعميم و التّأكيد، و هو مصادم للأدلّة القطعيّة الدّالّة على دخول طائفة من عصاة الموحّدين النار، ثمّ يخرجون بالشّفاعة؟

أجيب: بأنّ هذا مقيّد 1- بمن قالها تائبا ثمّ مات على ذلك. أو أنّ المراد بالتّحريم هنا: تحريم الخلود؛ لا أصل الدخول. أو أنّه خرج مخرج الغالب؛ إذ الغالب أنّ الموحّد يعمل الطّاعة، و يجتنب المعصية، أو 2- من قال ذلك مؤدّيا حقّه و فرضه.

116

قال: يا رسول اللّه؛ أ فلا أخبر بها النّاس فيستبشروا؟ قال: «إذا يتّكلوا». فأخبر بها معاذ- عند موته- تأثّما. رواه الشّيخان:

البخاريّ و مسلم.

قوله: (تأثّما) أي: خوفا من الإثم في كتم هذا العلم.

أو المراد: تحريم النّار على اللّسان النّاطق بالشّهادتين، كتحريم مواضع السّجود.

(قال)- أي معاذ- (: يا رسول اللّه؛ أ فلا)- بهمزة الاستفهام، وفاء العطف المحذوف معطوفها، و التّقدير: أقلت ذلك فلا- (أخبر بها النّاس فيستبشروا؟!) نصب بحذف النّون لوقوع الفاء بعد النّفي؛ أو الاستفهام، أو العرض، و هي تنصب في كلّ ذلك، و التّقدير: فأن يستبشروا.

(قال) صلى اللّه عليه و سلم: ( «إذا)- أي: إن أخبرتهم- (يتّكلوا»). بتشديد المثنّاة الفوقيّة، و كسر الكاف، أي: يعتمدوا على الشّهادة المجرّدة، و هو جواب و جزاء و نصب.

(فأخبر بها معاذ- عند موته-)- أي: موت معاذ (تأثّما)- بفتح المثنّاة الفوقية؛ و فتح الهمزة؛ و تشديد المثلّثة المضمومة؛ أي: تجنّبا عن الإثم- (رواه الشّيخان: البخاريّ) في «كتاب العلم؛ باب: من خصّ بالعلم قوما دون قوم».

(و مسلم) و اللّفظ له في «كتاب الإيمان؛ باب: الدّليل على أنّ من مات على التّوحيد دخل الجنّة قطعا»؛ كلاهما عن أنس بن مالك (رضي الله تعالى عنه) أنّ نبيّ اللّه صلى اللّه عليه و سلم و معاذ بن جبل رديفه على الرّحل قال: «يا معاذ ...» فذكره.

(قوله: «تأثّما»)؛ بالتّشديد. (أي: خوفا من) الوقوع في‏ (الإثم في) أي: بسبب- (كتم هذا العلم) الّذي أمر اللّه بتبليغه، حيث قال‏ وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ‏ [187/ آل عمران‏]، و ليس فيه مخالفة لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لأنّ نهيه مقيّد بالاتّكال، إذ كانوا حديثي عهد بالإسلام، فلما زال القيد، و صاروا حريصين على العبادة لم يبق نهي، أو أنّ النّهي لم يكن للتّحريم، بل للتّنزيه، و إلّا! لما كان يخبر به أصلا. قال في «الفتح»: و هذا أوجه، لكون معاذ أخّر ذلك إلى وقت موته. و اللّه أعلم.

117

[الباب الثّامن في طبّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و سنّه، و وفاته، و رؤيته في المنام‏]

الباب الثّامن في طبّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و سنّه، و وفاته، و رؤيته في المنام‏ و فيه ثلاثة فصول‏

(الباب الثّامن) من الكتاب و هو آخر الأبواب- (في) بيان الأحاديث الواردة في‏ (طبّه)؛

بكسر الطّاء: اسم مصدر، من طبّه طبا- بالفتح-: إذا داواه.

و المراد: بيان ما يتداوى به‏ (صلى اللّه عليه و سلم) من الأمراض البدنية.

(و) في بيان الأحاديث الواردة في‏ (سنّه)؛ أي: مقدار عمره الشّريف، (و وفاته)؛ أي: تمام أجله، (و رؤيته). الرّؤية التي بالتّاء تشمل: رؤية البصر في اليقظة، و رؤية القلب، و لهذا احتاج المصنّف إلى تقييدها بقوله: (في المنام) أمّا الّتي بالألف! فهي خاصّة برؤية القلب في المنام. و قد تستعمل في رؤية البصر أيضا.

و مذهب أهل السّنّة أنّ حقيقة الرّؤيا اعتقادات يخلقها اللّه في قلب النّائم، كما يخلقها في قلب اليقظان يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم و لا يقظة.

(و فيه)- أي: هذا الباب- (ثلاثة فصول)، سيأتي بيانها.

118

[الفصل الأوّل في طبّه (صلّى اللّه عليه و سلم)‏]

الفصل الأوّل في طبّه (صلّى اللّه عليه و سلم)‏ كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا اشتكى .. نفث على نفسه بالمعوّذات، و مسح عنه بيده.

(الفصل الأوّل) من الباب الثّامن‏ (في) ذكر شي‏ء من الأحاديث الواردة في‏ (طبّه صلى اللّه عليه و سلم)، الّذي تطبّب به، و الّذي وصفه لغيره.

قال ابن القيّم: كان من هديه صلى اللّه عليه و سلم فعل التداوي في نفسه، و الأمر به لمن أصابه مرض من أهله و أصحابه. انتهى.

و كان صلى اللّه عليه و سلم تارة يرقي بالطّبّ الرّوحانيّ، و تارة بالجسمانيّ؛ كالأجزاء، و تارة بهما. انتهى «حفني».

(كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا اشتكى)، أي: مرض‏ (نفث)- بالمثلّثة-، أي:

أخرج الرّيح من فمه مع شي‏ء من ريقه‏ (على نفسه بالمعوّذات)- بالواو المشدّدة- أي: المعوّذتين و سورة الإخلاص، ففيه تغليب.

أو المراد: الكلمات المعوّذات باللّه من الشّيطان و الأمراض؛ أي: قرأها و نفث الرّيح على نفسه.

(و مسح عنه بيده)؛ أي: المحلّ الّذي تصل إليه يده؛ و إن زاد على محلّ الوجع.

قال الطّيبيّ: الضّمير في عنه راجع إلى ذلك النّفث، و الجارّ و المجرور حال، أي: نفث على بعض جسده، ثمّ مسح بيده متجاوزا عن ذلك النّفث إلى جميع أعضائه.

119

قوله: (المعوّذات) يعني: المعوّذتين، و الإخلاص.

و فائدة النّفث: التّبرّك بتلك الرّطوبة؛ أو الهواء الّذي ماسّه الذّكر، كما يتبرّك بغسالة ما يكتب من الذّكر، و فيه تفاؤل بزوال الألم و انفصاله؛ كانفصال ذلك الرّيق.

و خصّ المعوّذات! لما فيها من الاستعاذة من كلّ مكروه؛ جملة و تفصيلا، ففي الإخلاص كمال التّوحيد الاعتقاديّ، و في الاستعاذة من شرّ ما خلق ما يعمّ الأشباح و الأرواح. انتهى «مناوي».

و بقيّة الحديث- كما في «البخاريّ»؛ في آخر المغازي-: فلمّا اشتكى وجعه الّذي توفّي فيه؛ طفقت أنفث على نفسه بالمعوّذات الّتي كان ينفث، و أمسح بيد النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم عنه».

و في رواية في «الصّحيحين»: و أمسح بيده رجاء بركتها.

و الحديث ذكره في «الجامع الصّغير» مرموزا له برمز متّفق عليه- يعني رواه البخاريّ و مسلم- و برمز أبي داود، و ابن ماجه، زاد المناوي: و النّسائي؛ كلّهم عن عائشة (رضي الله تعالى عنها).

فائدة: قال القاضي: شهدت المباحث الطّبيّة على أنّ الرّيق له دخل في النّفع و تبديل المزاج، و لتراب الوطن تأثير في حفظ المزاج الأصليّ؛ و دفع نكاية المغيّرات، و لهذا ذكروا في تدبير المسافر أنّه يستصحب تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائها، حتى إذا ورد غير الماء الّذي تعوّد شربه و وافق مزاجه؛ جعل شيئا منه في سقايته، و يشرب الماء من رأسه ليحفظ عن مضرّة الماء الغريب، و يأمن تغيّر مزاجه بسبب استنشاق الهواء المغاير للهواء المعتاد.

ثمّ إن الرّقى و العزائم لها آثار عجيبة تتقاعد العقول عن الوصول إلى كنهها.

انتهى «مناوي».

و (قوله: المعوّذات)- بالواو المشدّدة المكسورة- (يعني: المعوّذتين) قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ‏ (1) [الفلق‏]، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ‏ (1) [الناس‏]، (و الإخلاص)

120

و كان (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا اشتكى .. رقاه جبريل؛ قال:

باسم اللّه يبريك، من كلّ داء يشفيك، و من شرّ حاسد إذا حسد، و شرّ كلّ ذي عين.

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) [الإخلاص‏]، فهو من باب التغليب. و اللّه أعلم.

(و) أخرج مسلم في «صحيحه»؛ عن عائشة- (رضي الله تعالى عنها)- أنّها قالت: (كان) رسول اللّه‏ (صلى اللّه عليه و سلم إذا اشتكى)- أي: مرض- (رقاه جبريل، قال:

باسم اللّه)- أي: ببركة اسمه- (يبريك)، أو أنّ لفظ «باسم» مقحم. أي: اللّه يبريك. من قبيل‏ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏ (1) [الأعلى‏]، و لفظ «اسم»: عبارة عن الكلمة الدّالّة على المسمّى، و المسمّى هو مدلولها، لكنّه قد يتوسّع فيوضع الاسم موضع المسمّى مسامحة. ذكره القرطبي. انتهى «مناوي» و غيره.

(من كلّ داء) جارّ و مجرور متعلّق بقوله‏ (يشفيك.

و من شرّ حاسد) أي: متمنّ زوال النّعمة، (إذا حسد).

و خصّه بعد التّعميم! لخفاء شرّه.

(و شرّ كلّ ذي عين)؛ من عطف الخاصّ على العامّ، لأن كلّ عائن حاسد، و لا عكس. فلمّا كان الحاسد أعمّ؛ كان تقديم الاستعاذة منه أهمّ. و هي سهام تخرج من نفس الحاسد و العائن نحو المحسود و المعيون؛ تصيبه تارة و تخطئه أخرى، فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه أثّرت فيه و لا بدّ، و إن صادفته حذرا شاكي السّلاح؛ لا منفذ فيه للسّهام خابت، فهي بمنزلة الرّمي الحسّيّ، لكن هذا من النّفوس و الأرواح، و ذلك من الأجسام و الأشباح.

و لهذا قال ابن القيّم: استعاذ من الحاسد! لأنّ روحه مؤذية للمحسود؛ مؤثّرة فيه أثرا بيّنا لا ينكره إلّا من هو خارج عن حقيقة الإنسانيّة. و هو أصل الإصابة بالعين؛ فإنّ النّفس الخبيثة الحاسدة تتكيّف بكيفيّة خبيثة، تقابل المحسود؛ فتؤثّر فيه بتلك الخاصّيّة.

و التّأثير كما يكون بالاتّصال قد يكون بالمقابلة؛ و بالرّؤية، و بتوجّه الرّوح؛

121

و كان (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا اشتكى .. اقتمح كفّا من شونيز، و شرب عليه ماء و عسلا.

و بالأدعية؛ و الرّقى؛ و التعوّذات، و بالوهم؛ و التّخييل؛ و غير ذلك.

و فيه ندب الرّقية بأسماء اللّه، و بالعوذ الصّحيحة من كلّ مرض وقع أو يتوقّع، و أنّه لا ينافي التّوكّل و لا ينقصه. و إلّا! لكان المصطفى صلى اللّه عليه و سلم أحقّ النّاس بتحاشيه، فإنّ اللّه لم يزل يرقّي نبيّه في المقامات الشّريفة و الدّرجات الرّفيعة إلى أن قبضه، و قد رقي في أمراضه حتّى مرض موته!! فقد رقته عائشة في مرض موته، و مسحته بيدها و يده و أقرّ ذلك. انتهى «مناوي».

و الحديث أخرجه أيضا مسلم و التّرمذيّ و ابن ماجه؛ عن أبي سعيد الخدريّ (رضي الله تعالى عنه) أنّ جبريل أتى النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم فقال: يا محمّد اشتكيت؟ قال:

«نعم». قال: «باسم اللّه أرقيك من كلّ شي‏ء يؤذيك، من شرّ كلّ نفس و عين حاسد، باسم اللّه أرقيك و اللّه يشفيك».

(و) في «الجامع الصّغير» مرموزا له برمز الخطيب؛ عن أنس (رضي الله تعالى عنه)- قال المناوي: و رواه عنه أيضا باللّفظ المزبور الطّبرانيّ في «الأوسط»، و في العزيزي أنّه حديث حسن لغيره-:

(كان) رسول اللّه‏ (صلى اللّه عليه و سلم إذا اشتكى اقتمح) أي: استفّ. و في رواية:

«تقمّح»- بتقديم الميم فيها على الحاء المهملة- و أمّا ما في بعض النّسخ من أنه اقتحم أو تقحّم! فتحريف.

(كفّا)- أي: مل‏ء كفّ- (من شونيز) بضمّ الشّين المعجمة: هو الحبّة السّوداء. (و شرب عليه)- أي: على أثر استفافه- (ماء و عسلا): أي: ممزوجا بعسل، لأنّ لذلك سرّا بديعا في حفظ الصّحة لا يهتدي إليه إلّا خاصّة الأطباء.

و منافع العسل لا تحصى، حتى قال «ابن القيّم»: ما خلق لنا شي‏ء في معناه أفضل منه و لا مثله و لا قريبا منه، و لم يكن معوّل الأطبّاء إلّا عليه. و أكثر كتبهم‏

122

و معنى (اقتمح) أي: استفّ. و (الشّونيز): الحبّة السّوداء.

و كان (صلّى اللّه عليه و سلم) يشرب العسل بالماء على الرّيق.

و كان (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا أصابه رمد، أو أحدا من أصحابه .. دعا بهؤلاء الكلمات: ...

لا يذكرون فيها السّكّر البتّة. انتهى «مناوي».

(و معنى اقتمح)- بالقاف فالمثنّاة الفوقيّة، فميم بعدها حاء مهملة- (أي:

استفّ) أي: أخذ الدواء غير ملتوت. و كلّ دواء يؤخذ غير معجون؛ فهو سفوف،- بفتح السّين-.

(و) معنى‏ (الشّونيز)- بالشّين المعجمة المضمومة- هو (الحبّة السّوداء) المعروفة. و بعض النّاس يسمّيها قحطة.

(و) في «زاد المعاد»: (كان) النّبيّ‏ (صلى اللّه عليه و سلم يشرب العسل)؛ أي: عسل النّحل، إذ هو المراد لغة و طبّا (بالماء) أي: الممزوج بالماء البارد (على الرّيق).

قال ابن القيّم: و في هذا من حفظ الصّحّة ما لا يهتدي إلى معرفته إلّا أفاضل الأطبّاء، فإنّ شربه و لعقه على الرّيق يذيب البلغم، و يغسل خمل المعدة، و يجلو لزوجتها، و يدفع عنها الفضلات، و يسخّنها باعتدال، و يفتح سددها (1).

و الماء البارد رطب يقمع الحرارة، و يحفظ على البدن رطوباته الأصليّة، و يردّ عليه بدل ما تحلّل منها، و يرقّق الغذاء، و ينفذه في العروق. أي: فجمعه مع العسل غاية في التّعديل، و إنّما يضرّ بالعرض لصاحب الصّفراء!! لحدّته و حدّة الصّفراء.

فربّما هيّجها فدفع ضرره لصاحبها بالخلّ. انتهى. مع زيادة من الزّرقاني.

(و) أخرج ابن السّنيّ في «الطّبّ النّبويّ»، و الحاكم في «الطّبّ» بسند فيه ضعفاء- كما قال الذّهبيّ-؛ عن أنس بن مالك (رضي الله تعالى عنه)؛ قال: (كان) رسول اللّه‏ (صلى اللّه عليه و سلم إذا أصابه رمد)- بفتح الرّاء و الميم: وجع عين- (أو) أصاب‏ (أحدا من أصحابه؛ دعا بهؤلاء الكلمات)؛ أي: لنفسه؛ أو لغيره. لكن يأتي‏

____________

(1) بضمّ السين المهملة- جمع سدّة، كغرفة و غرف؛ و هي الحاجز بين الشيئين. (هامش الأصل).

123

«اللّهمّ؛ متّعني ببصري، و اجعله الوارث منّي، و أرني في العدوّ ثأري، و انصرني على من ظلمني». قال في «لسان العرب»:

(و في الحديث في دعاء النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) أنّه قال:

«اللّهمّ؛ أمتعني بسمعي و بصري، و اجعلهما الوارث منّي».

قال ابن شميل: ...

بعبارة غير هذا تناسب بأن يقول: «اللّهمّ متّعه .. الخ». و يحتمل أنّ المراد:

و أمر من أصابه الرّمد أن يدعو بها؛ و هي:

( «اللّهمّ؛ متّعني ببصري، و اجعله الوارث منّي) كناية عن بقائه إلى الموت.

و إلّا! فالوارث يبقى بعد الموت، و البصر لا يبقى بعد الموت.

(و أرني في العدوّ ثأري)؛ أي: مثل ما فعل بي و أعظم منه؛ لينقمع عنّي.

(و انصرني على من ظلمني») أي: مع بقاء بصري.

و هذا من طبّه الرّوحانيّ، فإنّ علاجه صلى اللّه عليه و سلم للأمراض كان ثلاثة أنواع: بالأدوية الطّبّيّة، و بالأدوية الإلهيّة، و بالمركّب منهما، فكان يأمر بما يليق به و يناسبه.

انتهى شروح «الجامع الصغير».

(قال)- أي: ابن منظور- (في) كتابه: ( «لسان العرب») في مادة «ورث»:

(و في الحديث) الّذي في «جامع التّرمذيّ» و غيره؛ (في دعاء النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم أنّه قال: «اللّهمّ؛ متّعني)- هكذا هو في رواية، و في سائر الرّوايات: أمتعني- (بسمعي و بصري، و اجعلهما)- بالتّثنية- (الوارث منّي».

قال) الإمام أبو الحسن النّضر (ابن شميل)- بضمّ الشّين المعجمة مصغّرا- ابن خرشة بن يزيد بن كلثوم بن عميرة بن عروة المازنيّ البصريّ، الإمام في العربيّة و اللّغة، و هو من تابعي التّابعين.

سكن «مرو»، اتّفقوا على توثيقه؛ و فضيلته.

124

أي أبقهما معي صحيحين سليمين حتّى أموت. و قيل: أراد بقاءهما و قوّتهما عند الكبر و انحلال القوى النّفسانيّة، فيكون السّمع و البصر وارثي سائر القوى، و الباقيين بعدها. ثمّ قال: و في رواية:

«و اجعله الوارث منّي»، فردّ الهاء إلى الإمتاع، فلذلك وحّده) ا ه

و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا حمّ .. دعا بقربة من ماء، فأفرغها على قرنه، ...

روى له البخاريّ و مسلم في «صحيحيهما»، و هو أوّل من أظهر السّنّة بمرو و خراسان، و هو من فصحاء النّاس؛ و علمائهم بالأدب؛ و أيّام النّاس.

ولد سنة ثلاث و عشرين و مائة، و توفي سنة أربع و مائتين. و قيل: ثلاث و مائتين- (رحمه الله تعالى)-.

(أي: أبقهما معي صحيحين سليمين حتّى أموت)؛ أي: فالمراد دوامهما مدّة الحياة. (و قيل: أراد بقاءهما و قوّتهما عند الكبر)- التّقدم في السنّ- (و انحلال القوى النّفسانيّة)- أي: ضعفها- (فيكون السّمع و البصر وارثي سائر القوى، و الباقيين بعدها). و قال غيره: أراد بالسّمع وعي ما يسمع و العمل به، و بالبصر الاعتبار بما يرى؛ و نور القلب الّذي يخرج به من الحيرة و الظّلمة إلى الهدى.

(ثمّ قال) في «اللّسان»: (و في رواية: «و اجعله)- بإفراد الضّمير- (الوارث منّي» فردّ الهاء) في «اجعله» (إلى الإمتاع)، المفهوم من أمتع‏ (فلذلك وحّده)- بتشديد الحاء المهملة- فعلى رواية الإفراد معناه: أبقه معي حتى أموت. و اللّه أعلم‏ (انتهى) أي: كلام «لسان العرب».

(و) أخرج الطّبرانيّ في «الكبير»، و الحاكم في «الطّبّ»، و البزّار- بسند فيه راو ضعيف- كلّهم؛ عن سمرة بن جندب (رضي الله تعالى عنه) قال:

(كان رسول اللّه) صلى اللّه عليه و سلم‏ (إذا حمّ)- أي أخذته الحمّى: التي هي حرارة بين الجلد و اللّحم- (دعا بقربة من ماء فأفرغها على قرنه)- بفتح القاف، أي: رأسه-

125

فاغتسل. و (القرن): الرّأس. و كان (صلّى اللّه عليه و سلم) لا يصيبه قرحة و لا شوكة .. إلّا وضع عليها الحنّاء.

و في «الصّحيحين»: عن أبي حازم: ...

(فاغتسل) بها (و القرن) المذكور في الحديث؛ المراد به: (الرّأس).

قال الحفني- تبعا للمناوي-: و محلّ طلب ذلك إذا كان بقطر حارّ و في زمن حارّ، و لم تحدث فيه الحمّى ورما، و إلّا! ضرّه الماء. انتهى.

(و) أخرج التّرمذيّ و ابن ماجه في «سننه»- و هذا لفظه-: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة؛ قال: حدّثنا زيد بن الحباب؛ قال: حدّثنا فائد- مولى عبيد اللّه بن علي بن أبي رافع-؛ قال: حدّثني مولاي عبيد اللّه؛ قال: حدّثتني جدّتي سلمى أمّ رافع؛ مولاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏ (1) قالت:

(كان) رسول اللّه‏ (صلى اللّه عليه و سلم لا يصيبه قرحة)- بفتح القاف، أو ضمّها-: خراج في البدن، (و لا شوكة): هي حمرة تعلو الوجه، بلفظ واحدة الشّوك‏ (إلّا وضع عليها الحنّاء)، لأنّها قابضة يابسة تبرد، فهي في غاية المناسبة للقروح و الجروح، و هذا من الطّبّ النّبويّ.

(و في «الصّحيحين»): البخاريّ في: «الطّهارة و الجهاد و المغازي و الطّبّ»، و مسلم في «المغازي»، و التّرمذيّ في «الطّبّ»، و ابن ماجه في «الطّبّ» كلّهم؛

(عن أبي حازم) سلمة بن دينار المدنيّ الأعرج، التّابعيّ الزّاهد الفقيه، المشهور بالمحاسن، مخزوميّ «مولى الأسود بن سفيان المخزوميّ»، و قيل: مولى لبني ليث. سمع سهل بن سعد الساعدي، و أكثر الرّواية عنه في «الصّحيحين» و غيرهما، و سمع خلقا من التّابعين؛ منهم سعيد بن المسيّب؛ و عطاء بن أبي رباح؛ و عطاء بن يسار؛ و أبو سلمة بن عبد الرّحمن؛ و أمّ الدّرداء الصّغرى.

____________

(1) هي زوج أبي رافع مولى النبي صلى اللّه عليه و سلم، و كانت تخدم النبي صلى اللّه عليه و سلم.

126

أنّه سمع سهل بن سعد يسأل عمّا دووي به جرح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم أحد؟ ...

و روى عنه خلائق لا يحصون؛ منهم ابناه: عبد العزيز؛ و عبد الجبار.

و الزّهريّ- و هو أكبر من أبي حازم-، و منهم مالك بن أنس، و ابن إسحاق، و سفيان الثّوري؛ و ابنا عيينة: سفيان و محمّد.

و أجمعوا على توثيقه و جلالته، و روى له البخاريّ و مسلم.

قيل لابن أبي حازم: سمع أبوك أبا هريرة؟! قال: من حدّثك أن أبي سمع أحدا من الصّحابة غير سهل بن سعد؛ فقد كذب.

و توفي سنة خمس و ثلاثين و مائة (رحمه الله تعالى).

و اعلم أنّ في هذه المرتبة اثنين يكنّيان أبا حازم؛ أحدهما هذا المشهور بالرّواية عن سهل، و الثاني: أبو حازم سلمان- مولى عزّة الأشجعيّة- المشهور بالرّواية عن أبي هريرة (رضي الله عنه). قاله النّوويّ في «التّهذيب». (إنّه)- أي: أبا حازم- (سمع) أبا العبّاس- أو أبا يحيى- (سهل بن سعد) بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ السّاعديّ المدنيّ.

كان اسمه حزنا فسمّاه النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم سهلا.

شهد قضاء رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في المتلاعنين.

قال الزّهري: سمع من النّبي صلى اللّه عليه و سلم، و كان له يوم وفاة النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم خمس عشرة سنة، و توفّي بالمدينة المنوّرة سنة: ثمان و ثمانين، و قيل: سنة إحدى و تسعين.

روي له عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مائة حديث و ثمانية و ثمانون حديثا؛ اتّفقا منها على ثمانية و عشرين، و انفرد البخاريّ بأحد عشر.

روى عنه الزّهريّ و أبو حازم و غيرهما (رضي الله تعالى عنه).

(يسأل)- بضمّ أوّله مبنيّا للمفعول- (عمّا دووي) بضمّ الدّال المهملة و سكون الواو الأولى، و كسر الثّانية، بعدها تحتيّة، مبنيا للمفعول؛ قاله القسطلاني.

(به جرح رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم) الّذي جرحه‏ (يوم أحد؟

127

فقال: جرح وجهه، و كسرت رباعيته، و هشّمت البيضة على رأسه، و كانت فاطمة بنت النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) تغسل الدّم، و كان عليّ ابن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه) يسكب عليها بالمجنّ، فلمّا رأت فاطمة الدّم لا يزيد إلّا كثرة .. أخذت قطعة [من‏] حصير فأحرقتها، حتّى إذا صارت رمادا ألصقتها بالجرح، فاستمسك الدّم.

فقال)- أي سهل- (: جرح وجهه) الشّريف، جرحه عبد اللّه بن قمئة- أقمأه اللّه- و قد سلّط اللّه عليه تيس جبل، فلم يزل ينطحه حتى قطّعه قطعه قطعة؛ استجابة لدعوة نبيّ اللّه صلى اللّه عليه و سلم، كما أخرجه الطّبرانيّ.

و لمّا جرح النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم يوم أحد أخذ شيئا فجعل ينشّف به الدّم؛ و قال: «لو وقع منه شي‏ء على الأرض؛ لنزل عليهم العذاب من السّماء» (و كسرت رباعيته)- بفتح الراء و تخفيف الموحّدة-: السّنّ الّذي بين الثّنيّتين و النّاب. و المكسورة هي اليمنى السّفلى، كسرها عتبة بن أبي وقّاص أخو سعد. و من ثمّ لم يولد من نسله ولد فيبلغ الحنث إلا و هو أبخر أو أهتم!! أي: مكسور الثّنايا، يعرف ذلك في عقبه، و هذا من شؤم الآباء على الأبناء، و لكنّ حاطب بن أبي بلتعة ضرب عتبة بالسّيف؛ فطرح رأسه- كما في «مستدرك الحاكم»-.

(و هشّمت)- أي كسرت- (البيضة)- بفتح الموحدة؛ و الضّاد المعجمة؛ بينهما تحتيّة ساكنة: الخوذة، و هي: قلنسوة من حديد- (على رأسه) يوم أحد (و كانت فاطمة) الزّهراء (بنت النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم تغسل الدّم) عن وجهه الشّريف؛ ليجمد ببرد الماء. (و كان عليّ بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه) يسكب عليها) الماء (بالمجنّ)- بكسر الميم؛ و فتح الجيم؛ و تشديد النون: بالتّرس- على الجرح‏ (فلمّا رأت فاطمة) (رضي الله عنها) (الدّم لا يزيد إلّا كثرة؛ أخذت قطعة من حصير فأحرقتها، حتّى إذا صارت رمادا؛ ألصقتها بالجرح؛ فاستمسك الدّم)- أي:

128

و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يحتجم على هامته، و بين كتفيه، و يقول: «من أهراق من هذه الدّماء .. فلا يضرّه أن لا يتداوى بشي‏ء لشي‏ء».

و كان (صلّى اللّه عليه و سلم) يحتجم في رأسه، و يسمّيها: أمّ مغيث.

انقطع- لأن الرّماد من شأنه القبض؛ لما فيه من التّجفيف.

و فيه امتحان الأنبياء لتعظيم أجرهم و يتأسّى بهم من نالته شدّة فلا يجد في نفسه غضاضة. انتهى «قسطلاني».

(و) أخرج أبو داود و ابن ماجه بإسناد حسن؛ عن أبي كبشة الأنماريّ عمر بن سعد- أو سعد بن عمر- (رضي الله تعالى عنه) قال:

(كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يحتجم على هامته)- أي: رأسه- (و بين كتفيه، و يقول: «من أهراق)- بالتّحريك؛ أي: أراق- (من هذه الدّماء)- أي: بإخبار من يعرف بأنّ إراقة الدّم نافعة لذلك الشّخص- (فلا يضرّه أن لا يتداوى بشي‏ء) من الأدوية (لشي‏ء») من الأمراض، يعني أنّ الحجامة تغني عن كثير من الأدوية.

(و) أخرج الخطيب؛ في ترجمة محمود الواسطي- بسند فيه راو مضعّف- عن ابن عمر بن الخطّاب (رضي الله تعالى عنهما) قال:

(كان) النّبيّ‏ (صلى اللّه عليه و سلم يحتجم في رأسه)- و في رواية عند الطبراني: في مقدّم رأسه- (و يسمّيها)- أي: الحجامة- (أمّ مغيث) بصيغة اسم الفاعل، و في رواية: و يسمّيها المغيثة، و في أخرى: المنقذة، و في أخرى: النّافعة.

قال ابن جرير: و كان يأمر من شكا إليه وجعا في رأسه بالحجامة وسط رأسه، ثمّ أخرج بسنده؛ عن ابن أبي رافع؛ عن جدّته سلمى قالت: ما سمعت أحدا قطّ يشكو إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من وجع رأسه إلا قال: «احتجم». انتهى مناوي على «الجامع».

129

و كان (صلّى اللّه عليه و سلم) يحتجم في الأخدعين و الكاهل، و كان يحتجم لسبع عشرة، و تسع عشرة، و إحدى و عشرين.

(و) أخرج التّرمذيّ؛ في «الجامع» و «الشمائل»، و الحاكم في «الطّبّ»؛ عن أنس بن مالك (رضي الله تعالى عنه)، و الطّبرانيّ في «الكبير»، و الحاكم في «الطّبّ»؛ عن ابن عباس (رضي الله تعالى عنهما)، و قال التّرمذيّ:

حسن غريب. و قال الحاكم: على شرطهما، و أقرّه الذّهبي في موضع، لكنّه قال في آخر: لا صحّة له. و في العزيزي أنّه حديث حسن.

(كان) رسول اللّه‏ (صلى اللّه عليه و سلم يحتجم في الأخدعين)؛ عرقين في محل الحجامة من العنق، (و الكاهل)- بكسر الهاء-؛ و هو مقدّم أعلى الظّهر مما يلي العنق، و هو الثّلث الأعلى، و فيه ستّ فقرات، و قيل: ما بين الكتفين.

(و كان يحتجم لسبع عشرة) تمضي من الشّهر، لأنّ القمر حينئذ في النّقصان، بخلاف الحجامة لثلاث عشرة مثلا، فإنّ الحجامة و القمر في الزّيادة مذمومة؛ قاله الحفني.

(و) يحتجم ل (تسع عشرة) من الشّهر، (و إحدى و عشرين) منه، و على ذلك درج أصحابه، فكانوا يستحبّون الحجامة لوتر من الشهر، لأفضليّة الوتر عندهم، و محبّتهم له لحبّ اللّه له.

ثم إنّ ما ذكر من احتجامه في الأخدعين و الكاهل لا ينافيه ما قبله من احتجامه في رأسه و هامته، لأنّ القصد بالاحتجام طلب النّفع، و دفع الضّر. و أماكن الحاجة من البدن مختلفة باختلاف العلل؛ كما بيّنه ابن جرير. انتهى «مناوي» و غيره.

و أفضل أوقات الحجامة: يوم الاثنين إذا وافق سبع عشرة؛ أو تسع عشرة؛ أو إحدى و عشرين، كما دلّت عليه الأحاديث، و منها ما رواه أبو داود؛ عن أبي هريرة مرفوعا: «من احتجم لسبع عشرة؛ أو تسع عشرة؛ و إحدى و عشرين، كان شفاء من كلّ داء». انتهى.

130

و (الأخدعان): عرقان في جانبي العنق.

و كان (صلّى اللّه عليه و سلم) يكتحل كلّ ليلة، و يحتجم كلّ شهر، و يشرب الدّواء كلّ سنة.

و في «الصّحيحين»: عن ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما): أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) احتجم و أعطى الحجّام أجره.

(و الأخدعان) بخاء معجمة؛ و دال و عين مهملتين. قال في «النّهاية»: هما (عرقان في جانبي العنق). و في «القاموس»: الأخدع: عرق في المحجمتين، و هو شعبة من الوريد، و هما أخدعان؛ كما في «الصّحاح». و هما عرقان خفيان في موضع الحجامة من العنق. قال الجوهري و ربّما وقعت الشّرطة على أحدهما، فينزف صاحبه. أي: لأنّه شعبة من الوريد. انتهى بزيادة من الشرح.

(و) أخرج ابن عدي- بسند قال فيه: إنّه منكر، و قال الحافظ العراقي: فيه سيف بن محمّد! كذّبه أحمد و ابن معين-؛ عن عائشة (رضي الله تعالى عنها)؛ قالت:

(كان صلى اللّه عليه و سلم يكتحل كلّ ليلة) بالإثمد، و يقول: «إنّه يجلو البصر، و ينبت الشّعر». و خصّ اللّيل! لأنّ الكحل عند النّوم يلتقي عليه الجفنان، و يسكّن حرارة العين، و ليتمكّن الكحل من السّراية في تجاويف العين و طبقاتها، و يظهر تأثيره المقصود من الانتفاع.

(و يحتجم كلّ شهر) مرّة (و يشرب الدّواء كلّ سنة) مرّة، فإن عرض له ما يوجب شربه أثناء السّنة شربه أيضا، فشربه كلّ سنة مرّة كان لغير علّة، بخلاف ما يعرض في أثنائها، و لم أقف على تعيين الشّهر الّذي كان يشربه فيه في حديث و لا أثر؛ قاله المناوي.

(و في «الصّحيحين»: البخاريّ في «البيوع و الإجارة و الطّب» و مسلم في «البيوع». و كذا رواه أبو داود في «البيوع»، و التّرمذيّ في «الشّمائل» كلّهم؛ (عن ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما) أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم احتجم و أعطى الحجّام أجره) و لو كان حراما لم يعطه.

131

و في «الصّحيحين» أيضا: عن أنس (رضي الله تعالى عنه): أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حجمه أبو طيبة؛ فأمر له بصاعين من طعام، و كلّم مواليه، ...

قال النّوويّ في «شرح مسلم»: اختلف العلماء في كسب الحجّام؟.

فقال الأكثرون من السّلف و الخلف: لا يحرم كسب الحجّام، و لا يحرم أكله؛ لا على الحرّ و لا على العبد. و هو المشهور من مذهب أحمد. و قال في رواية عنه قال بها فقهاء المحدّثين-: يحرم على الحرّ دون العبد! و حجّتهم أحاديث النّهي عن كسب الحجّام، و كونه خبيثا، و من شرّ الكسب- كما جاء ذلك في «صحيح مسلم» و غيره-.

و احتجّ الجمهور بحديث ابن عبّاس المذكور، و حملوا أحاديث النّهي على التنزيه، و الارتفاع عن دني‏ء الكسب؛ و الحثّ على مكارم الأخلاق؛ و معالي الأمور. و لو كان حراما لم يفرّق بين الحرّ و العبد. فإنه لا يجوز للرجل أن يطعم عبده ما لا يحلّ. انتهى بتصرف قليل.

(و في «الصّحيحين» أيضا): البخاري في «البيوع و الإجارة و الطّبّ» و مسلم في «البيوع»، و كذا رواه أبو داود و التّرمذيّ في «الشّمائل» و «الجامع» في «البيوع» كلّهم؛ (عن أنس)- أي: ابن مالك- ((رضي الله تعالى عنه) أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حجمه أبو طيبة)- بفتح الطّاء المهملة، و سكون التحتية، و بعد الموحّدة تاء- اسمه: نافع على الصّحيح، و حكاية ابن عبد البرّ أنّه دينار!! وهّموه فيها، بأنّ دينارا الحجّام تابعيّ، روى عن أبي طيبة، و حديثه عند ابن منده، لا أنّه أبو طيبة نفسه. و عند البغويّ بإسناد ضعيف. أنّ اسمه ميسرة. و قال العسكريّ:

الصّحيح أنّه لا يعرف اسمه. انتهى «قسطلاني».

(فأمر له بصاعين من طعام)- أي: تمر، و في رواية: بصاع؛ أو مدّ؛ أو مدّين-.

(و كلّم) صلى اللّه عليه و سلم‏ (مواليه)- هم بنو حارثة على الصّحيح، و مولاه منهم:

محيّصة بن مسعود. و إنّما جمع الموالي مجازا، كما يقال: بنو فلان قتلوا رجلا،

132

فخفّفوا عنه من ضريبته، و قال: «خير ما تداويتم به .. الحجامة».

و روى ابن ماجه في «سننه»: أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) كان إذا صدّع ...

و يكون الفاعل منهم واحدا. و حديث جابر أنّه مولى بني بياضة وهم! فإنّ مولى بني بياضة آخر؛ يقال له: أبو هند- أن يخفّفوا عنه من خراجه.

(فخفّفوا عنه من ضريبته) التي كانت عليه لمواليه، و هي الخراج المضروب عليه. و كان خراجه ثلاثة آصع من تمر، فوضعوا عنه صاعا، بشفاعته صلى اللّه عليه و سلم؛ كما في «الشّمائل».

قال النّوويّ في «شرح مسلم» و حقيقة المخارجة: أن يقول السّيد لعبده:

تكتسب و تعطيني من الكسب كلّ يوم درهما مثلا، و الباقي لك، أو في كلّ أسبوع كذا و كذا. و يشترط رضاهما.

(و قال) صلى اللّه عليه و سلم يخاطب أهل الحجاز، و من بلادهم حارّة، أو عامّا: ( «خير ما تداويتم به) من هيجان الدّم‏ (الحجامة») لأنّ دماء أهل الحجاز؛ و من في معناهم رقيقة تميل إلى ظاهر أجسادهم، لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح البدن، فالحجامة تنقي سطح البدن أكثر من الفصد، و قد تغني عن كثير من الأدوية.

قال في «زاد المعاد»: الحجامة في الأزمان الحارّة؛ و الأمكنة الحارّة؛ و الأبدان الحارّة التي دم أصحابها في غاية النّضج أنفع، و الفصد بالعكس. و لذا كانت الحجامة أنفع للصّبيان؛ و لمن لا يقوى على الفصد. انتهى «قسطلاني».

(و روى ابن ماجه في «سننه»؛ أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم كان إذا صدّع)- بتشديد الدّال- مبنيّ للمفعول. قال المجد: صدّع بالضمّ تصديعا، و يجوز في الشّعر صدع ك:

عني، فهو مصدوع، فقصر التخفيف على الشّعر. انتهى «زرقاني».

133

غلّف رأسه بالحنّاء، و يقول: «إنّه نافع بإذن اللّه تعالى من الصّداع».

و ذكر أبو داود في «سننه»: أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) استعط.

(غلّف)- بفتح الغين المعجمة، و اللّام مخفّفة و مثقّلة؛ أي: ضمّخ- (رأسه بالحنّاء)- بالكسر و المد- (و يقول: «إنّه نافع بإذن اللّه تعالى من الصّداع»)

قال في «المواهب»: و في صحّته نظر، و هو علاج خاصّ بما إذا كان الصّداع من حرارة ملتهبة، و لم يكن عن مادّة يجب استفراغها!! و إذا كان كذلك- أي:

حارا- لم ينشأ عن مادّة نفع فيه الحنّاء نفعا ظاهرا. قالوا: و إذا دقّ و ضمّدت به الجبهة مع الخل سكّن الصّداع!. و هذا لا يختصّ بوجع الرّأس، بل يعمّ جميع الأعضاء. أي: وجعها كلها. أمّا إذا كان ناشئا عن مادّة؟ فلا ينجع فيه إلّا استفراغ هذه المادّة، و إذا كان من برد، لم ينفع فيه الحنّاء، بل يزيده لبردها. انتهى مع زيادة من الزرقاني.

(و ذكر أبو داود في «سننه») في «كتاب الطّبّ»، و كذا في «الصحيحين» في «الطّبّ» كلّهم؛ عن ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما).

(أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم استعط)، أي: استعمل السّعوط- بفتح السّين المهملة- بأن استلقى على ظهره، و جعل بين كتفيه ما يرفعهما؛ لينحدر رأسه الشّريف، و قطّر في أنفه ما تداوى به ليصل إلى دماغه؛ ليخرج ما فيه من الدّاء بالعطاس. قاله القسطلاني.

و لفظ «الصحيحين»؛ عن ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما) عن النّبي صلى اللّه عليه و سلم أنّه احتجم و أعطى الحجّام أجره، و استعط. انتهى.

134

[استطراد:]

استطراد: قد خطر لي أن أذكر هنا جملة أحاديث من طبّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الّذي و صفه لغيره؛ لتتمّ بذلك الفائدة. و جلّها من «الهدي النّبويّ» للعلّامة ابن القيّم:

روى مسلم في «صحيحه»: ...

(استطراد) هو- لغة-: مصدر استطرد الفارس من قرنه في الحرب؛ بأن يفرّ من بين يديه يوهمه الانهزام، ثمّ يعطف عليه على غرّة منه؛ مكيدة له.

و اصطلاحا: الانتقال من معنى إلى معنى آخر متّصل به، و لم يقصد بذكر الأوّل التّوصّل إلى الثاني. قاله الشّهاب الخفاجي (رحمه الله تعالى).

و قال الباجوري: الاستطراد: ذكر الشّي‏ء في غير محلّه لمناسبة، أي كما هنا، فإنّ المقام لذكر طبّ النّبي صلى اللّه عليه و سلم الّذي استعمله بنفسه، لكن المصنّف ذكر طبّ غيره، و ذكر ما جاء في مطلق التّداوي لمناسبة ذكر الطّبّ، و لكون ذلك من طبّه صلى اللّه عليه و سلم أيضا.

(قد خطر لي) قال في «المصباح»: الخاطر ما يخطر في القلب من تدبير أمر، يقال: خطر ببالي، و على بالي؛ خطرا و خطورا. انتهى.

و في «شرح القاموس»: و من المجاز: خطر فلان بباله و عليه يخطر بالكسر- و يخطر- بالضّمّ- خطورا؛ إذا ذكره بعد نسيان. انتهى.

(أن أذكر هنا)- في هذا الفصل- (جملة أحاديث من طبّه صلى اللّه عليه و سلم الّذي وصفه لغيره) من أصحابه‏ (لتتمّ بذلك الفائدة) للمطالع.

(و جلّها)؛ أي: معظم هذه الأحاديث مأخوذ (من الهدي النّبويّ) المسمّى «زاد المعاد في هدي خير العباد» (للعلّامة) الحافظ محمد بن أبي بكر (ابن القيّم) الحنبليّ (رحمه الله تعالى). آمين. و تقدمت ترجمته في أوّل الكتاب.

(روى مسلم في «صحيحه»)؛ في «كتاب الطّبّ»، و كذا الإمام أحمد ابن حنبل‏

135

عن جابر بن عبد اللّه (رضي الله تعالى عنهما): عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) أنّه قال: «لكلّ داء .. دواء، فإذا أصيب دواء الدّاء .. برأ بإذن اللّه عزّ و جلّ». و في «الصّحيحين»: عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «ما أنزل اللّه من داء .. إلّا أنزل له شفاء».

كلاهما؛ (عن جابر بن عبد اللّه) بن عمرو بن حرام الأنصاري، الصّحابي ابن الصّحابيّ‏ ((رضي الله تعالى عنهما)؛ عن النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم أنّه قال: «لكلّ داء)- بفتح الدّال ممدود، و قد يقصر- (دواء)- بفتح الدّال أي: شي‏ء مخلوق مقدّر له- (فإذا أصيب دواء الدّاء)- بالبناء للمفعول-. و الأصل: فإذا أصاب المريض دواء الدّاء المناسب له؛ سواء أصابه بتجربة، أو إخبار عارف، و استعمله على القدر الّذي ينبغي؛ في الوقت الّذي ينبغي- (برأ بإذن اللّه عزّ و جلّ») لأنّ الشّي‏ء يداوى بضدّه غالبا، لكن قد يدقّ حقيقة المرض، و حقيقة طبع الدّواء، فيقلّ الفقه بالمتضادّين، و من ثمّ أخطأ الأطبّاء، فمن كان مانعا- بخطإ أو غيره- تخلّف البرء، فإن تمت المضادّة حصل البرء لا محالة، فصحّت الكلية و اندفع التّدافع. انتهى «زرقاني».

و قال القسطلاني في «المواهب» معلّقا على هذا الحديث؛ ما نصّه: فالشّفاء متوقّف على إصابة الدّاء الدواء بإذن اللّه تعالى، و كذلك أنّ الدّواء قد يحصل معه مجاوزة الحدّ في الكيفيّة، أو الكمّيّة، فلا ينجع، بل ربّما أحدث داء آخر. و في رواية عليّ- عند الحميدي في كتابه المسمّى ب «طبّ أهل البيت»-: «ما من داء إلّا و له دواء»، فإذا كان كذلك بعث اللّه عزّ و جلّ ملكا؛ و معه ستر فيجعله بين الدّاء و الدّواء، فكلّما شرب المريض من الدّواء لم يقع على الدّاء، فإذا أراد اللّه برأه أمر الملك فرفع السّتر، ثمّ يشرب المريض الدّواء فينفعه اللّه تعالى به. انتهى.

(و في «الصّحيحين») من حديث عطاء بن أبي رباح؛ (عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه) قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «ما أنزل اللّه من داء)- أي: مرضا- (إلّا أنزل له شفاء»)- أي: دواء- و جمعه: أشفية، و جمع الجمع: آشاف.

136

و لي «مسند الإمام أحمد»: عن أسامة بن شريك ...

و شفاه يشفيه: أبرأه و طلب له الشّفاء كأشفاه؛ قاله القسطلاني: و هو صريح في أنّ الشّفاء اسم للدّواء.

و قال بعضهم: أي أنزل له دواء يكون سببا للشّفاء، فإذا استعمله المريض، و صادف المرض حصل له الشّفاء؛ سواء كان الدّاء قلبيّا أو بدنيّا. انتهى.

قال الكرماني: أي ما أصاب اللّه أحدا بداء إلّا قدّر له دواء. أو المراد بإنزالهما الملائكة الموكّلين بمباشرة مخلوقات الأرض من الدّواء و الدّاء. انتهى.

قال القسطلاني: فعلى الأوّل المراد بالإنزال التّقدير، و على الثّاني المراد إنزال علم ذلك على لسان الملك للنّبيّ مثلا، أو إلهام لغيره. انتهى.

و قيام عامّة الأدوية و الأدواء بواسطة إنزال الغيث الّذي تتولّد به الأغذية و الأدوية و غيرهما، و هذا من تمام لطف الرّبّ بخلقه، كما ابتلاهم بالأدواء أعانهم عليها بالأدوية، و كما ابتلاهم بالذّنوب أعانهم عليها بالتّوبة؛ و الحسنات الماحية. انتهى «زرقاني».

قال في «المواهب»: و هذا الحديث أخرجه- أيضا- النّسائي و صحّحه ابن حبّان و الحاكم؛ عن ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه) عن النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم بلفظ: «إنّ اللّه لم ينزل داء إلّا أنزل له شفاء!! فتداووا». و عند أحمد من حديث أنس مرفوعا: «إنّ اللّه حيث خلق الدّاء خلق الدّواء، فتداووا». انتهى.

(و في «مسند الإمام أحمد») ابن حنبل، و أخرجه أصحاب «السّنن الأربعة»، و البخاري في «الأدب المفرد»، و صحّحه التّرمذيّ و ابن خزيمة و الحاكم؛

(عن أسامة بن شريك) الثّعلبي- بمثلّثة و مهملة- الذبيانيّ، صحابيّ له ثمانية أحاديث، روى عنه زياد بن علاقة؛ و علي بن الأقمر. انتهى «خلاصة».

و قال «الزرقاني»: تفرّد بالرّواية عنه زياد بن علاقة- على الصّحيح-.

137

(رضي الله تعالى عنه) قال: كنت عند النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) و جاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول اللّه؛ أ نتداوى؟ قال: «نعم؛ يا عباد اللّه، تداووا، فإنّ اللّه عزّ و جلّ لم يضع داء .. إلّا وضع له شفاء، غير داء واحد»، قالوا: و ما هو؟ قال: «الهرم».

و في لفظ: ...

((رضي الله تعالى عنه) قال: كنت عند النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم و جاءت الأعراب): سكّان البادية (فقالوا: يا رسول اللّه؛ أ نتداوى؟ قال: «نعم، يا عباد اللّه، تداووا) وصفهم بالعبودية إيذانا بأنّ التّداوي لا يخرجهم عن التّوكل الّذي هو من شرطها، أي: تداووا؛ و لا تعتمدوا في الشّفاء على التّداوي؛ بل كونوا عباد اللّه؛ متوكّلين عليه- (فإنّ اللّه عزّ و جلّ لم يضع داء إلّا وضع له شفاء) و هو سبحانه لو شاء لم يخلق داء، و إذ خلقه لو شاء لم يخلق له دواء، و إذ خلقه لو شاء لم يأذن في استعماله! لكنّه أذن، فمن تداوى فعليه أن يعتقد حقّا، و يوقن يقينا، بأنّ الدّواء لا يحدث شفاء، و لا يولده، كما أنّ الدّاء لا يحدث سقما و لا يولّده، لكن الباري سبحانه يخلق الموجودات واحدا عقب آخر على ترتيب هو أعلم بحكمته‏ (غير داء واحد!!») قال أبو البقاء: لا يجوز في غير هنا إلا النّصب على الاستثناء من داء؛ قاله الزّرقاني على «المواهب».

(قالوا: و ما هو؟ قال: «الهرم»)- بفتحتين، أي: الكبر-.

(و في لفظ) «إلّا السّام»، و هو- بمهملة مخفّفا- الموت. يعني: إلّا داء الموت. أي: المرض الذي قدّر على صاحبه الموت فيه.

و استثناء الهرم في الرّواية الأولى!! إمّا لأنّه جعله شبيها بداء الموت، و داء الموت لا دواء له؛ فكذا الهرم، لمشابهته له في نقص الصّحة، أو لقربه من الموت؛ و إفضائه إليه. لأن الموت يعقبه كما يعقب الدّاء.

و يحتمل أن يكون الاستثناء منقطعا.

و المعنى: لكنّ الهرم لا دواء له؛ فلا ينجع فيه التّداوي. انتهى «زرقاني».

138

«إنّ اللّه تعالى لم ينزل داء .. إلّا أنزل له شفاء؛ علمه من علمه، و جهله من جهله».

و في «المسند» و «السّنن»: عن أبي خزامة قال: قلت:

يا رسول اللّه؛ أ رأيت رقى نسترقيها، و دواء ...

و أخرج النّسائيّ و ابن ماجه و ابن حبّان و «الحاكم» و صحّحاه؛ عن ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه) رفعه:

( «إنّ اللّه تعالى لم ينزل داء إلّا أنزل له شفاء)- قال بعضهم: الدّاء علّة تحصل بغلبة بعض الأخلاط، و الشّفاء رجوعها إلى الاعتدال. و ذلك بالتّداوي، و قد يحصل بمحض لطف اللّه بلا سبب-

(علمه من علمه) بإلهام اللّه تعالى له و اطّلاعه عليه‏

(و جهله من جهله») بإخفاء اللّه تعالى عنه إياه. فإذا شاء اللّه الشفاء يسّر ذلك الدّواء، و نبّه مستعمله بواسطة؛ أو دونها، فيستعمله على وجهه و في وقته؛ فيبرأ. و إذا أراد إهلاكه أذهله عن دوائه، و حجبه بمانع فهلك، و كلّ ذلك بمشيئته و حكمه، كما سبق في علمه. و لقد أحسن القائل:

و النّاس يلحون الطّبيب و إنّما * * * غلط الطّبيب إصابة المقدور

و في الحديث إشارة إلى أنّ بعض الأدوية لا يعلمها كلّ أحد، لقوله: «جهله من جهله». انتهى زرقاني مع «المواهب».

(و) أخرج الإمام أحمد (في «المسند» و) التّرمذيّ و قال: حسن صحيح، و ابن ماجه في‏ ( «السّنن») كلّهم؛ (عن أبي خزامة) عن أبيه (رضي الله تعالى عنه) (قال:

قلت: يا رسول اللّه؛ أ رأيت)- أي: أخبرني عن هذه الأشياء- (رقى) بضم الرّاء، و فتح القاف: جمع رقية اسم للمرّة من التعويذ- ( [نسترقيها] و دواء

139

نتداوى به، و تقاة نتّقيها .. هل تردّ من قدر اللّه شيئا؟ قال: «هي من قدر اللّه».

و ذكر البخاريّ في «صحيحه»: عن ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه): إنّ اللّه تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم.

نتداوى به، و تقاة)- وزنه فعلة، و يجمع على تقى كرطبة و رطب، و أصله وقية، لأنه من الوقاية، فأبدلت الواو تاء، و الياء ألفا لتحرّكها و انفتاح ما قبلها- أي:

ما نتّقي به ما يرد علينا من الأمور الّتي لا نريد وقوعها بنا.

و في رواية «المسند» و ابن ماجه: بالجمع: تقى‏ (نتّقيها، هل تردّ من قدر اللّه شيئا؟

قال) أي: النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم: ( «هي من قدر اللّه») يعني: أنّ اللّه تعالى قدّر الأسباب و المسبّبات، و ربط المسبّبات بالأسباب، فحصول المسبّبات عند حصول الأسباب من جملة القدر.

(و ذكر) الإمام‏ (البخاريّ في «صحيحه») تعليقا (عن ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه)) و بيّن الحافظ ابن حجر أنّه جاء من طرق صحيحة إليه.

(إنّ اللّه تعالى لم يجعل شفاءكم) من الأمراض القلبيّة و النفسيّة، أو الشّفاء الكامل المأمون الغائلة (فيما حرّم)- بالبناء للفاعل، و يجوز للمفعول- (عليكم) فلا يجوز التّداوي بالحرام؛ لأنّه سبحانه و تعالى لم يحرّمه إلا لخبثه عناية بعباده؛ و حمية لهم؛ و صيانة عن التّلطّخ بدنسه، و ما حرم عليهم شيئا إلّا عوّضهم خيرا منه!! فعدولهم عمّا عوّضه لهم إلى ما منعهم منه يوجب حرمان نفعه.

و من تأمّل ذلك هان عليه ترك المحرّم المردي، و اعتاض عنه النّافع المجدي.

و المحرّم؛ و إن فرض أنّه أثّر في إزالة المرض لكنّه يعقبه بخبثه سقما قلبيا أعظم منه، فالمتداوي به ساع في إزالة سقم البدن بسقم القلب.

140

..........

و به علم أنّه لا تدافع بين الحديث و آية «إنّ في الخمر منافع» (1). انتهى زرقاني على «المواهب».

و يحرم التّداوي بالخمر- أي: شربها لأجل التّداوي بها- و كذا يحرم شربها للعطشان، و أمّا إذا غصّ بلقمة؛ و لم يجد ما يسيغها إلّا خمرا؟؟ فيلزمه الإساغة بها، لأنّ حصول الشّفاء بها حينئذ محقّق، بخلاف التّداوي.

أمّا التّداوي بالخمر على ظاهر الجسم؛ بقصد المداواة عند الحاجة!! فذلك جائز. قال «النّوويّ» في «فتاويه»: مسألة: إنسان به مرض؛ وصف له من يجوز اعتماده من الأطبّاء المسلمين أن يتضمّد بالتّرياق الفاروق، و يبقى عليه أيّاما، و قال: لا تحصل المداواة إلّا بذلك، و هذا التّرياق فيه خمر و لحم الحيّات!! هل يجوز له ذلك؟ و يصلّي على حسب حاله؟؟

الجواب: يجوز، و تلزمه إعادة الصّلاة. انتهى.

و علم من ذلك أنّ خطر التّداوي بالمحرّمات؛ إنّما هو في الحالات العاديّة لدى وجود و تيسّر الدّواء المباح النّاجع، أمّا عند الاضطرار! فالحكم كما قال اللّه عزّ و جلّ‏ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ‏ [119/ الأنعام‏].

و يكون استعمال ذلك المحرّم- في حال الاضطرار- مع وجود ضرر فيه، لدفع ضرر أشدّ- عملا بقاعدة: تعارض المفسدتين فيرتكب أخفّها ضررا.

هذا؛ و في عصرنا الحاضر يسعى الأطبّاء دوما لدى علاجهم المريض إلى اختيار العلاج الملائم للعلّة، و حالة أجهزة الجسم المعلول، و يختارون من الأدوية المفيدة- في تلك العلّة- أكثرها فائدة و أقلّها أعراضا جانبيّة و ضررا، و إذا كان الدّواء مفيدا و خاليا من الأعراض الجانبيّة؛ فإنه يحوز رضى الأطبّاء أكثر، و يقع اختيارهم عليه أوّلا لدى توفّره.

____________

(1) هكذا في الأصل و هي بالمعنى؛ و التلاوة قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ‏.

141

و في «السّنن»: عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه) قال: نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عن الدّواء الخبيث.

و لا شكّ أنّ اللّه سبحانه و تعالى لم يحرّم شيئا على هذه الأمّة؛ إلا و فيه ضرر جسمي أو خلقيّ؛ نفسيّ أو روحيّ، فلا يليق بالمسلم طبيبا كان؛ أو مريضا أن يقرب تلك المحرّمات لفوائد صحيّة فيها؛ مع أنّ لها أضرارا جانبيّة.

فإذا ساقت الضّرورة إلى استعمال المحرّم لفقدان العلاج الحلال الملائم؛ و كان ما يتوخّى في المحرّم من فائدة علاجية يفوق ما يسبّب من أعراض جانبيّة غير مرغوب فيها؛ فعلى المريض و الطّبيب أن يستشعر أنّ التّداوي بذلك المحرّم إنّما هو للضّرورة، و لارتكاب أهون الأمرين ضررا.

و على الطّبيب: أن يستشعر خشية اللّه تعالى، و أن يسعى لتعديل الآثار الجانبيّة الضّارّة بما يلائم من دواء؛ أو غذاء؛ أو إرشادات صحيّة.

و على المريض أن يحسّن نيّته في استعمال المحرّم عند الاضطرار؛ فلا يقصد لذّة، أو هوى؟؟. و عليه أن يأخذ بوسائل تعديل آثاره الضّارة على النّفس و القلب بما يلائم من الدّعاء؛ و الالتجاء إلى اللّه العليّ القدير، و عدم التّجافي في استعمالها إلى إثم و لا بغي و لا عدوان على حدود اللّه باتّخاذ حادثة الضّرورة سلّما إلى المعصية، و اللّه على ما نقول وكيل.

(و) أخرج الإمام أحمد و أبو داود و التّرمذيّ و ابن ماجه‏ (في «السّنن») و الحاكم- و قال: على شرطهما، و أقره الذّهبيّ. و في «المهذّب»: إسناده صحيح- كلّهم؛ (عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه) قال:

نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن الدّواء الخبيث)- يعني: السّم أو النّجس أو الخمر و لحم غير المأكول، و روثه، و بوله، فلا تدافع بينه و بين حديث العرنيّين و قيل:

أراد الخبيث المذاق لمشقّته على الطّباع، و الأدوية؛ و إن كانت كلّها كريهة لكنّ بعضها أقلّ كراهة. انتهى.

142

و في «صحيح مسلم»: عن طارق بن سويد الجعفيّ (رضي الله تعالى عنه): أنّه سأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عن الخمر؟

فنهاه، أو كره أن يصنعها، فقال: إنّما أصنعها للدّواء، فقال:

«إنّ ذاك ليس بدواء؛ و لكنّه داء».

قال الشّوكانيّ: ظاهره تحريم التّداوي بكلّ خبيث، و التّفسير بالسّمّ مدرج؛ لا حجّة فيه. و لا ريب أنّ الحرام و النّجس خبيثان.

قال «الماورديّ» و غيره: السّموم على أربعة أضرب:

منها: ما يقتل كثيره و قليله؛ فأكله حرام للتّداوي و لغيره، لقوله تعالى‏ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [195/ البقرة].

و منها ما يقتل كثيره؛ دون قليله، فأكل كثيره الّذي يقتل حرام للتّداوي و غيره، و القليل منه إن كان ينفع في التّداوي جاز أكله تداويا.

و منها ما يقتل في الأغلب، و قد يجوز أن لا يقتل، فحكمه كما قبله.

و منها ما لا يقتل في الأغلب، و قد يجوز أن يقتل، فذكر الشّافعي في موضع إباحة أكله، و في موضع تحريم أكله! فجعله بعض أصحابه على حالين؛ فحيث أبيح أكله فهو إذا كان للتّداوي. و حيث حرم أكله: فهو إذا كان غير منتفع به في التّداوي. انتهى. من «بلوغ الأماني شرح مسند الإمام أحمد بن حنبل الشّيباني» (رحمه الله تعالى).

(و في) «مسند الإمام أحمد» و ( «صحيح مسلم») في «الأشربة»، و أبي داود، و ابن ماجه كلّهم؛ (عن) وائل الحضرميّ؛ عن‏ (طارق بن سويد الجعفيّ)؛ أو الحضرميّ‏ ((رضي الله تعالى عنه) أنّه سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن) صنع‏ (الخمر؟ فنهاه؛ أو كره أن يصنعها.

فقال)- أي: طارق- (: إنّما أصنعها للدّواء)؛ ظنّا منه أنّ ذلك جائز.

(فقال)- أي: النبيّ صلى اللّه عليه و سلم له‏ (: «إنّ ذاك ليس بدواء)- كما تظنّ- (و لكنّه داء»)

143

و في «السّنن»: أنّه (صلّى اللّه عليه و سلم) سئل عن الخمر تجعل في الدّواء؟ فقال: «إنّها داء، و ليست بالدّواء».

و يذكر عنه (صلّى اللّه عليه و سلم) أنّه قال: «من تداوى بالخمر ..

فلا شفاه اللّه تعالى».

و ذكّر الضمير! باعتبار كون الخمر شرابا.

قال الإمام النّووي في «شرح مسلم»: هذا دليل لتحريم اتّخاذ الخمر و تخليلها.

و فيه التّصريح بأنّها ليست بدواء، فيحرم التّداوي بها؛ لأنّها ليست بدواء، فكأنّه يتناولها بلا سبب، و هذا هو الصحيح عند أصحابنا: أنه يحرم التّداوي بها.

و كذا يحرم شربها للعطش، و أمّا إذا غصّ بلقمة؛ و لم يجد ما يسيغها به إلّا خمرا؟

فيلزمه الإساغة بها، لأن حصول الشّفاء بها حينئذ مقطوع به، بخلاف التّداوي.

و اللّه أعلم. انتهى.

و في قوله‏ (حصول الشّفاء مقطوع به) نظر.

(و) أخرج التّرمذيّ و أبو داود (في «السّنن» أنّه صلى اللّه عليه و سلم سئل عن الخمر تجعل في الدّواء)- أي: مع شي‏ء آخر، و يحتمل أن يراد أنّها تستعمل دواء- (فقال)؛ أي: النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم‏ (: «إنّها داء، و ليست بالدّواء»).

و روى الطبرانيّ في «الكبير»؛ و أبو يعلى عن أمّ سلمة. قالت: نبذت نبذا في كوز، فدخل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و هو يغلي، فقال: «ما هذا»؟! قلت: اشتكت ابنة لي فنقعت لها هذه؟. فقال صلى اللّه عليه و سلم: «إنّ اللّه لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم».

(و يذكر عنه صلى اللّه عليه و سلم أنّه قال: «من تداوى بالخمر فلا شفاه اللّه تعالى»)؛ ذكره ابن القيّم. و قال عقبه: المعالجة بالمحرّمات قبيحة عقلا و شرعا؛ أمّا الشّرع؛ فما ذكرناه من هذه الأحاديث و غيرها، و أما العقل؛ فهو أنّ اللّه سبحانه إنّما حرّمه‏

144

..........

لخبثه، فإنّه لم يحرّم على هذه الأمّة طيّبا؛ عقوبة لها، كما حرّمه على بني إسرائيل بقوله‏ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ‏ [160/ النساء].

و إنّما حرّم على هذه الأمّة ما حرّم! لخبثه، و تحريمه له حمية لهم، و صيانة عن تناوله، فلا يناسب أن يطلب به الشّفاء من الأسقام و العلل، فإنّه؛ و إن أثّر في إزالتها لكنّه يعقب سقما أعظم منه في القلب بقوّة الخبث الذي فيه، فيكون المداوى به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب.

و أيضا؛ فإنّ تحريمه يقتضي تجنّبه؛ و البعد عنه بكلّ طريق، و في اتّخاذه دواء حضّ على التّرغيب فيه، و ملابسته. و هذا ضدّ مقصود الشّارع.

و أيضا؛ فإنّه داء، كما نصّ عليه صاحب الشّريعة، فلا يجوز أن يتّخذ دواء.

و أيضا؛ فإنه يكسب الطّبيعة و الرّوح صفة الخبث، لأنّ الطّبيعة تنفعل عن كيفية الدّواء انفعالا بيّنا، فإذا كانت كيفيّته خبيثة؛ اكتسبت الطّبيعة منه خبثا، فكيف إذا كان خبيثا في ذاته؟! و لهذا حرّم اللّه سبحانه على عباده الأغذية؛ و الأشربة؛ و الملابس الخبيثة لما تكتسب النّفس من هيئة الخبث و صفته.

و أيضا؛ فإنّ في إباحة التّداوي به- و لا سيّما إذا كانت النّفوس تميل إليه- ذريعة إلى تناوله للشّهوة؛ و اللّذة. لا سيّما إذا عرفت النّفوس أنّه نافع لها، مزيل لأسقامها، جالب لشفائها؛ فهذا أحبّ شي‏ء إليها، و الشّارع سدّ الذّريعة إلى تناوله بكلّ ممكن. و لا ريب أنّ بين سدّ الذّريعة إلى تناوله و فتح الذّريعة إلى تناوله تناقضا و تعارضا.

و أيضا؛ فإنّ في هذا الدّواء المحرّم من الأدواء ما يزيد على ما يظنّ به من الشفاء.

و لنفرض الكلام في أمّ الخبائث الّتي ما جعل اللّه لنا فيها شفاء قطّ؛ فإنّها شديدة المضرّة بالدّماغ؛ الّذي هو مركز العقل عند الأطبّاء و كثير من الفقهاء و المتكلمين!!

145

و روى البخاريّ: ...

قال بقراط في أثناء كلامه في «الأمراض الحادّة»:

ضرر الخمر بالرأس شديد، لأنّه يسرع الارتفاع إليه، و يرتفع بارتفاعه الأخلاط التي تعلو في البدن، و هو كذلك يضرّ بالذّهن.

و قال صاحب «الكامل»: إنّ خاصّيّة الشّراب الإضرار بالدّماغ و العصب. و أمّا غيره من الأدوية المحرّمة! فنوعان:

أحدهما: تعافه النّفس، و لا تنبعث لمساعدته الطّبيعة على دفع المرض به؛ كالسّموم، و لحوم الأفاعي، و غيرها من المستقذرات، فيبقي كلّا على الطّبيعة مثقلا لها، فيصير حينئذ داء لا دواء.

و الثّاني: ما لا تعافه النّفس؛ كالشّراب الّذي تستعمله الحوامل مثلا، فهذا ضرره أكثر من نفعه، و العقل يقضي بتحريم ذلك، فالعقل و الفطرة مطابق للشّرع في ذلك.

و هاهنا سرّ لطيف في كون المحرّمات لا يستشفى بها، فإنّ شرط الشّفاء بالدّواء تلقيه بالقبول، و اعتقاد منفعته، و ما جعل اللّه فيه من بركة الشّفاء، فإنّ النّافع هو المبارك. و أنفع الأشياء أبركها. و المبارك من النّاس أينما كان هو الّذي ينتفع به حيث حلّ.

و معلوم أنّ اعتقاد المسلم تحريم هذه العين ممّا يحول بينه و بين اعتقاد بركتها و منفعتها؛ و بين حسن ظنّه بها؛ و تلقّي طبعه لها بالقبول، بل كلّما كان العبد أعظم إيمانا؛ كان أكره لها، و أسوأ اعتقادا فيها، و طبعه أكره شي‏ء لها، فإذا تناولها في هذه الحال؛ كانت داء له لا دواء، إلّا أن يزول اعتقاد الخبث فيها، و سوء الظّنّ و الكراهة لها بالمحبّة، و هذا ينافي الإيمان، فلا يتناولها المؤمن قطّ إلا على وجه داء. و اللّه أعلم. انتهى كلام ابن القيّم (رحمه الله تعالى).

(و روى البخاريّ)، و مسلم، و ابن ماجه في «الطّبّ» كلّهم؛

146

عن عائشة (رضي الله تعالى عنها): أنّه كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا أتى مريضا، أو أتي به .. قال: «أذهب الباس ربّ النّاس، اشف و أنت الشّافي، لا شفاء إلّا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما».

(عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) أنّه كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا أتى مريضا) عائدا له‏ (أو) قال: (أتي) بالبناء للمفعول‏ (به) إليه‏ (قال) في دعائه له: ( «أذهب) بفتح الهمزة بعدها ذال معجمة- (الباس)- بغير همز للمؤاخاة، أي: المناسبة لما بعده. و أصله الهمز، أي: الضرر و المرض-

(ربّ النّاس) و غيرهم، بحذف حرف النّداء، (اشف) بحذف المفعول‏ (و أنت)- و في رواية بحذف الواو- (الشّافي).

أخذ منه جواز تسميته تعالى بما ليس في القرآن؛ بشرط أن لا يوهم نقصا، و أن يكون له أصل في القرآن، و هذا منه، فإن فيه‏ وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ‏ (80) [الشعراء].

(لا شفاء)- بالمدّ؛ مبنيّ على الفتح، و الخبر محذوف، تقديره: حاصل لنا أوله- (إلّا شفاؤك) بالرّفع؛ بدل من محلّ «لا شفاء».

(شفاء)- مصدر منصوب بقوله: اشف- (لا يغادر)- بغين معجمة، أي:

لا يترك- (سقما») بضمّ فسكون، و بفتحتين، و التّنوين للتّقليل.

و فائدة التّقييد بذلك: أنّه قد يحصل الشّفاء من ذلك المرض؛ فيخلفه مرض آخر!!. فكان دعاء له بالشّفاء المطلق، لا بمطلق الشّفاء.

و استشكل الدّعاء بالشّفاء؛ مع ما في المرض من كفّارة و ثواب، كما تظافرت الأحاديث بذلك!!

و الجواب عن ذلك: أنّ الدّعاء عبادة، و لا ينافي الثّواب و الكفّارة، لأنهما يحصلان بأوّل المرض، و بالصّبر عليه. و الدّاعي بين حسنيين: إمّا أن يحصل له مقصوده، أو يعوّض عنه بجلب نفع؛ أو دفع ضرر. و كلّ ذلك من فضل اللّه سبحانه و تعالى. انتهى «عزيزي».

147

و عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) أيضا قالت: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا أخذ أهله الوعك .. أمر بالحساء فصنع، ثمّ أمرهم فحسوا. و كان يقول: «إنّه ليرتو فؤاد الحزين، و يسرو عن فؤاد السّقيم، كما تسرو إحداكنّ الوسخ بالماء عن وجهها».

و قوله: (الوعك): هو الحمّى، أو ألمها.

(و) أخرج الإمام أحمد و التّرمذيّ في «الطّبّ»؛ و قال: حديث حسن صحيح، و ابن ماجه و الحاكم في «الأطعمة» و قال: صحيح، و أقرّه الذّهبيّ كلّهم؛

(عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) أيضا قالت: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا أخذ أهله)؛ أي: أحدا من أهل بيته‏ (الوعك)؛ أي: حرارة الحمّى، و مثلها بقيّة الأمراض، فما ذكر نافع لجميع الأمراض‏ (أمر بالحساء)- بالفتح و المدّ: طبيخ يتّخذ من دقيق و ماء و دهن- (فصنع) بالبناء للمفعول‏ (ثمّ أمرهم فحسوا)؛ أي:

شربوا و تناولوه.

(و كان يقول: «إنّه ليرتو)- بفتح المثنّاة التحتيّة وراء ساكنة، فمثنّاة فوقيّة- أي: يشدّ و يقوّي‏ (فؤاد الحزين)- قلبه- (و يسرو)- بسين مهملة و راء- (عن فؤاد السّقيم)- أي: يكشف عن فؤاده الألم، و يزيله- (كما تسرو إحداكنّ الوسخ بالماء عن وجهها») أي: تكشفه و تزيله.

قال «ابن القيّم»: هذا ماء الشّعير المغليّ، و هو أكثر غذاء من سويقه، نافع للسّعال، قامع لحدّة الفضول، مدرّ للبول جدّا، قامع للظّمإ، مطف للحرارة.

و صفته أن يرضّ و يوضع عليه من الماء العذب خمسة أمثاله، و يطبخ بنار معتدلة إلى أن يبقى خمساه. انتهى. «مناوي و عزيزي».

(و قوله: الوعك)- بفتحتين- (هو الحمّى، أو ألمها)؛ كما قاله المناوي و غيره.

148

و (الحساء)- بالفتح و المدّ-: طبيخ يتّخذ من دقيق و ماء و دهن.

و (يرتو): يشدّ و يقوّي. و (يسرو): يكشف الألم و يزيله.

و في «السّنن» عنها [(رضي الله تعالى عنها)] أيضا: «عليكم بالبغيض النّافع: التّلبين».

(و الحساء بالفتح)- للحاء و السّين المهملتين- (و المدّ) لا بالقصر (: طبيخ يتّخذ من دقيق)؛ أي: دقيق الشّعير (و ماء، و دهن).

قال الحفني: و هو أن يضع قدرا من الشّعير بلا طحن، و يزن قدره من الماء خمس مرّات، و يوقد عليه بنار لطيفة حتّى يذهب ثلاثة أخماس الماء، فإنه يسكّن العطش و الحرارة، و ينفع من كلّ داء؛ لأنّ الشّعير بارد.

و فيه كيفيّة أخرى و هي: أن يطحنه؛ و يأخذ دقيقه، و يضيف له شيئا من دهن اللّوز؛ أو الورد؛ أو نحوهما و شيئا من الماء؛ و يطبخه. انتهى.

(و يرتو)- بفتح المثنّاة التحتيّة، و راء ساكنة فمثناة فوقيّة- أي: (يشدّ و يقوّي)؛ بتشديد الواو من التّقوية (و يسرو) بفتح أوله؛ فسين مهملة ساكنة، فراء بوزن: يعرو.

قال المناوي: معناه‏ (يكشف) عن فؤاده‏ (الألم و يزيله). انتهى.

(و) أخرج الإمام أحمد في «المسند» في الطّبّ و ابن ماجه‏ (في «السّنن») في «الطّبّ» أيضا، و الحاكم و صحّحه؛ و أقرّه الذّهبيّ، كلّهم؛ (عنها)- أي:

عائشة- (أيضا) (رضي الله تعالى عنها) قالت:

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: ( «عليكم بالبغيض)- أي: المبغوض بالطّبع- (النّافع) من حيث الواقع، أي: كلوه أو لازموا استعماله، قالوا: و ما البغيض النّافع يا رسول اللّه؟ قال: (التّلبين»).

و في ابن ماجه التّلبينة يعني: الحسو، و هو دقيق يعجن بالماء إلى أن يصير

149

قالت: و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا اشتكى أحد من أهله .. لم تزل البرمة على النّار حتّى ينتهي أحد طرفيه- يعني: يبرأ- أو يموت.

و عنها أيضا: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا قيل له: إنّ فلانا وجع .. لا يطعم الطّعام، قال: «عليكم بالتّلبينة، فأحسوه إيّاها»، و يقول: «و الّذي نفسي بيده؛ إنّها ...

كاللّبن، و يشرب، لا سيّما دقيق الشّعير، فإنّه بارد.

و هذا من الطّبّ النّبويّ الّذي لا شكّ فيه، و إنّما يكون التّخلف من سوء حال المستعمل. انتهى «حفني».

(قالت)؛ أي: عائشة (: و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا اشتكى)؛ أي: مرض‏ (أحد من أهله لم تزل البرمة)- بضمّ الموحّدة، و سكون الرّاء: إناء- (على النّار حتّى ينتهي أحد طرفيه. يعني:) أنّهم كانوا يحرصون على هذا الطعام دائما لخفّته على المريض مع تغذيته، و عدم الإضرار به إلى أن‏ (يبرأ) من مرضه، (أو يموت) إذا انقضى أجله.

(و) أخرج الإمام أحمد و ابن ماجه و الحاكم و صحّحه، و أقرّه الذّهبي، كلّهم؛ (عنها)؛ أي: عائشة (رضي الله تعالى عنها) (أيضا) قالت:

(كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا قيل له: إنّ فلانا وجع)- بكسر الجيم، أي-: مريض‏ (لا يطعم الطّعام؟ قال: «عليكم بالتّلبينة)- بفتح فسكون-: حساء يعمل من دقيق، أو نخالة، فيصير كاللّبن بياضا و رقّة، و قد يجعل فيه عسل. و سمّيت بذلك!! تشبيها باللّبن لبياضها و رقّتها (فأحسوه)؛ أي: أشربوه و أطعموه‏ (إيّاها») لأنّها غذاء فيه لطافة، سهل التّناول للمريض، فإذا استعمله اندفعت عنه الحرارة الجوعيّة، و حصلت له القوّة الغذائيّة بغير مشقّة. انتهى «مناوي».

(و يقول)؛ أي: النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم‏ (: «و الّذي نفسي بيده؛ إنّها)؛ أي: التّلبينة

150

تغسل بطن أحدكم كما تغسل إحداكنّ وجهها من الوسخ».

و (التّلبين و التّلبينة): الحساء الرّقيق الّذي هو في قوام اللّبن.

قال الهرويّ: سمّيت تلبينة؛ لشبهها باللّبن لبياضها و رقّتها، و هذا هو الغذاء النّافع للعليل، و هو الرّقيق النّضيج، لا الغليظ النّي‏ء،

(تغسل بطن أحدكم) من الدّاء (كما تغسل إحداكنّ)- كذا في «زاد المعاد»- (وجهها)- و في «المسند»: «كما يغسل أحدكم وجهه بالماء»- (من الوسخ»)

تحقيق لوجه الشّبه: قال الموفّق البغداديّ: إذا شئت [معرفة] منافع التلبينة؛ فاعرف منافع ماء الشّعير، سيّما إذا كان نخالة، فإنّه يجلو و ينفذ بسرعة، و يغذّي غذاء لطيفا، و إذا شرب حارا كان أجلى و أقوى نفوذا. انتهى «مناوي».

(و التّلبين و التّلبينة)- بهاء- قال ابن القيّم: هو (الحساء) بالفتح و المدّ (الرّقيق)- بالرّاء- (الّذي) يعمل من دقيق أو نخالة، و (هو في قوام اللّبن)، و ربّما جعل فيها عسل.

(قال) الإمام اللّغويّ أحمد بن محمّد بن عبد الرّحمن الباشاني: أبو عبيد (الهرويّ) نسبة إلى «هراة» المتوفّى في رجب سنة: إحدى و أربعمائة هجرية، قرأ على جماعة منهم: أبو سليمان الخطّابي. و كان اعتماده و شيخه الّذي يفتخر به أبا منصور محمد بن أحمد الأزهري صاحب كتاب «التّهذيب» في اللّغة، و له من المؤلّفات كتاب «الغريبين» أي: «غريب القرآن»، و «غريب الحديث»، و هو السّابق إلى الجمع بينهما- فيما علمنا-، و له كتاب «ولاة هراة» (رحمه الله تعالى).

قال في كتاب «الغريبين»: (سمّيت تلبينة لشبهها باللّبن؛ لبياضها و رقّتها)، و هي تسمية بالمرّة من التّلبين؛ مصدر لبّن القوم: إذا سقاهم اللّبن.

(و هذا) التّلبين‏ (هو الغذاء) بكسر الغين المعجمة؛ مثل كتاب: ما يغتذى به من الطّعام و الشّراب‏ (النّافع للعليل)؛ أي: المريض، (و هو الرّقيق)- بالرّاء- (النّضيج) لأنّه ينفذ بسرعة، و يغذّي غذاء لطيفا، (لا الغليظ النّي‏ء) مهموز وزان‏

151

و إذا شئت أن تعرف فضل التّلبينة .. فاعرف فضل ماء الشّعير، فإنّها حساء يتّخذ من دقيق الشّعير.

و في «الصّحيحين»: عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) ...

«حمل»: كلّ شي‏ء شأنه أن يعالج بطبخ أو شي‏ء و لم ينضج.

(و إذا شئت أن تعرف فضل التّلبينة)؛ أي: امتيازها على غيرها في التّغذية؛ (فاعرف فضل ماء الشّعير، فإنّها)؛ أي: التّلبينة (حساء)- بالحاء و السّين المهملتين- (يتّخذ)؛ أي: يصنع‏ (من دقيق الشّعير) بنخالته، و الفرق بينها و بين ماء الشّعير: أنّه يطبخ صحاحا، و التّلبينة تطبخ منه مطحونا، و هي أنفع منه؛ لخروج خاصيّة الشّعير بالطّحن.

و للعادات تأثير في الانتفاع بالأدوية و الأغذية، و من أمثلتهم: داووا الأجساد بما تعتاد. و كانت عادة القوم أن يتّخذوا ماء الشّعير منه مطحونا؛ لا صحاحا و هو أكثر تغذية؛ و أقوى فعلا؛ و أعظم جلاء.

و إنّما اتّخذه أهل المدن صحاحا!! ليكون أرقّ و ألطف. فلا يثقل على طبيعة المريض، و هذا بحسب طبائع أهل المدن و رخاوتها و ثقل ماء الشّعير المطحون عليها.

و المقصود: أنّ ماء الشّعير مطبوخا صحاحا ينفذ سريعا، و يجلو جلاء ظاهرا، و يغذّي غذاء لطيفا، و إذا شرب حارّا كان جلاؤه أقوى، و نفوذه أسرع، و إنماؤه للحرارة الغريزيّة أكثر. انتهى «زاد المعاد».

(و) أخرج البخاريّ و مسلم‏ (في «الصّحيحين»): كتاب «الأطعمة و الطّبّ»؛

(عن) أمّ المؤمنين‏ (عائشة) الصّدّيقة بنت الصّدّيق؛ زوج النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم‏ ((رضي الله تعالى عنها)) أنّها كانت إذا مات الميت من أهلها، فاجتمع لذلك النّساء. ثمّ تفرّقن إلّا أهلها و خاصّتها أمرت ببرمة من تلبينة؛ فطبخت، ثم صنع‏

152

قالت: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: «التّلبينة:

مجمّة لفؤاد المريض؛ تذهب ببعض الحزن».

و روى التّرمذيّ و ابن ماجه: عن عقبة بن عامر الجهنيّ ...

ثريد؛ فصبّت التّلبينة عليها، ثمّ‏ (قالت:) كلن منها فإنّي‏ (سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول:

«التّلبينة)- بفتح المثنّاة الفوقيّة، و سكون اللّام، و كسر الموحّدة، بعدها تحتانيّة، ثم نون ثمّ هاء- (مجمّة)- بفتح الميمين، و الجيم، و الميم الثّانية مشدّدة، و تكسر الجيم، و بضمّ الميم و كسر الجيم؛ اسم فاعل، و الأوّل أشهر، أي: مريحة- (لفؤاد المريض)- أي: تريح قلبه، و تسكّنه؛ و تقوّيه، و تزيل عنه الهمّ، و تنشّطه بإخمادها للحمّى؛ من الإجمام و هو الرّاحة، فلا حاجة لما تكلّفه بعض الأعاجم من تأويل الفؤاد، برأس المعدة. فتدبّر!!

(تذهب)- بفتح الفوقيّة، و الهاء- (ببعض الحزن)- بضمّ الحاء المهملة و سكون الزّاي- فإنّ فؤاد المريض يضعف باستيلاء اليبس على أعضائه، و على معدته؛ لقلّة الغذاء، و هذا الطّعام يرطّبها، و يقوّيها. و لذا كانت عائشة تفعله لأهل الميت؛ لتسكين حزنهم.

(و روى) الإمام أحمد و (التّرمذيّ و ابن ماجه) في «الطّبّ»، و قال التّرمذيّ: حسن غريب. و قال في «الأذكار»: فيه بكر بن يونس بن بكير، و هو ضعيف. و في «الزوائد»: إسناده حسن، لأنّ بكر بن يونس مختلف فيه. و باقي رجال الإسناد ثقات. انتهى.

و كذا رواه الحاكم كلّهم؛ (عن) أبي حمّاد (عقبة بن عامر) بن عبس بن عمرو (الجهنيّ) نسبة لجهينة الصّحابيّ الجليل. كان من أحسن النّاس صوتا بالقرآن.

و شهد فتوح الشّام، و كان هو البريد إلى عمر بن الخطّاب (رضي الله عنه) يبشّره‏

153

(رضي الله تعالى عنه) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا تكرهوا مرضاكم على الطّعام و الشّراب؛ فإنّ اللّه عزّ و جلّ يطعمهم و يسقيهم».

و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا مرض أحد من أهل بيته ..

بفتح دمشق. و وصل المدينة في سبعة أيّام، و رجع منها إلى الشّام في يومين و نصف، بدعائه عند قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و تشفّعه به؛ في تقريب طريقه.

و سكن دمشق و كانت له دار في ناحية قنطرة «سنان» من «باب توما» و سكن مصر و وليها لمعاوية بن أبي سفيان سنة أربع و أربعين.

و توفّي بها سنة ثمان و خمسين هجرية.

روي له عن النّبي صلى اللّه عليه و سلم خمسة و خمسون حديثا. اتّفقا منها على تسعة، و انفرد البخاري بحديث، و مسلم بتسعة.

روى عنه جابر بن عبد اللّه؛ و ابن عبّاس؛ و غيرهما من الصّحابة و خلائق من التّابعين‏ ((رضي الله تعالى عنه) قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «لا تكرهوا مرضاكم على) تناول‏ (الطّعام و الشّراب) إذا عافوه للمرض الذّي قام بهم.

قال الموفّق: ما أكثر فوائد هذه الكلمة النّبوية للأطبّاء!! لأنّ المريض إذا عاف الطّعام أو الشّراب؛ فذلك لاشتغال طبيعته بمجاهدة مادّة المرض، أو سقوط شهوته لموت الحارّ الغريزيّ. و كيفما كان فإعطاء الغذاء في هذه الحالة غير لائق. انتهى شروح «الجامع الصّغير». و لفظ: الشّراب ليس في رواية التّرمذيّ.

(فإنّ اللّه عزّ و جلّ يطعمهم و يسقيهم»). قال «المناوي»: أي يحفظ قواهم، و يمدّهم بما يقع موقع الطّعام و الشّراب في حفظ الرّوح، و تقويم البدن.

و قال العلقمي: أي: يشبعهم و يرويهم؛ من غير تناول طعام و شراب. انتهى.

(و) أخرج مسلم في «صحيحه»؛ عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) قالت:

(كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا مرض أحد من أهل بيته)- و في رواية لمسلم: «من‏

154

نفث عليه بالمعوّذات.

و في «الصّحيحين»: عن ابن عمر (رضي الله تعالى عنهما): أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «إنّ الحمّى- أو شدّة الحمّى- من فيح جهنّم، ...

أهله»- (نفث)؛ أي: نفخ‏ (عليه) نفخا لطيفا، بلا ريق‏ (بالمعوّذات)- بكسر الواو- و إنما خصّ المعوّذات!! لأنّهنّ جامعات للاستعاذة من كلّ مكروه جملة و تفصيلا، ففيها الاستعاذة من شرّ ما خلق؛ فيدخل فيه كلّ شي‏ء، و من شرّ النّفّاثات في العقد؛ و هنّ السّواحر، و من شرّ حاسد إذا حسد، و من شرّ الوسواس الخنّاس.

و فائدة التّفل: التّبرّك بتلك الرّطوبة؛ أو الهواء المباشر لريقه.

قال النّووي فيه استحباب النّفث في الرّقية، و عليه الجمهور من الصّحابة و التّابعين و من بعدهم، و كان مالك ينفث إذا رقى نفسه، و كان يكره الرّقية بالحديد؛ و الملح؛ و الّذي يعقد؛ و الّذي يكتب «خاتم سليمان»؛ و العقد عنده أشدّ كراهة، لما في ذلك من مشابهة السّحر.

و فيه ندب الرّقية بنحو القرآن، و كرهه البعض بغسالة ما يكتب منه، أو من الأسماء. انتهى شروح «الجامع الصّغير».

(و) أخرج البخاريّ و مسلم‏ (في «الصّحيحين») من رواية نافع؛ (عن ابن عمر) بن الخطّاب‏ ((رضي الله تعالى عنهما) أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال:

«إنّ الحمّى- أو شدّة الحمّى- من فيح جهنّم») كذا في «المواهب» و تعقّبه الزرقاني: بأنّه لم يجده في واحد من «الصحيحين» بهذا اللّفظ!!

و إنّما الّذي في البخاريّ في «الطّبّ»؛ من رواية مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا: «الحمّى من فيح جهنّم، فأطفئوها بالماء». و فيه في «صفة جهنّم؛ من بدء الخلق» من رواية عبيد اللّه؛ عن نافع؛ عن ابن عمر مرفوعا: «الحمّى من فيح جهنّم، فابردوها بالماء» بدل قوله «فأطفئوها».