منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - ج4

- عبد الله بن سعيد محمد العبادي المزيد...
531 /
155

..........

و كذا رواه مسلم؛ من طريق يحيى بن سعيد؛ عن عبيد اللّه؛ عن نافع، بلفظ: «فابردوها».

رواه من طريق مالك؛ عن نافع؛ باللّفظ الأوّل- و هو «فأطفئوها»- و رواه من وجه آخر؛ عن عبيد اللّه؛ عن نافع؛ عن ابن عمر؛ عن النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال: «إنّ شدّة الحمّى من فيح جهنّم، فأطفئوها بالماء». انتهى.

و عندي أنّ الأمر سهل، و مراد المصنّف كالقسطلّاني: أنّ هذا اللّفظ موجود في «الصحيحين»، من رواية ابن عمر بن الخطّاب؛ سواء كان من وجه واحد، أو متعدّد فتعقّب الزّرقاني وارد على تعيين رواية مخصوصة بهذا اللّفظ. و اللّه أعلم.

و قوله: «من فيح جهنّم»!! بفتح الفاء؛ و سكون التحتيّة؛ فحاء مهملة آخره. و في رواية ل «الصحيحين» «من فور»- بالرّاء، بدل الحاء- و في رواية للبخاري: «من فوح»- بالواو، بدل التّحتيّة- و كلّها بمعنى، و المراد: سطوع حرّها و وهجه.

قال في «المواهب»: اختلف في نسبتها إلى جهنّم!؟ فقيل: حقيقة.

و اللّهب الحاصل في جسم المحموم قطعة من جهنّم.

و قدّر اللّه ظهورها في الدّنيا!!- بأسباب تقتضيها؛ نذيرا للجاحدين، و بشيرا للمقرّبين، ليعتبر العباد بذلك. فالتّعذيب بها يختلف باختلاف محلّه، فيكون للمؤمن تكفيرا لذنوبه، و زيادة في أجوره، و للكافر عقوبة؛ و انتقاما.

كما أنّ أنواع الفرح و اللّذة من نعيم الجنّة؛ أظهرها اللّه سبحانه في هذه الدّار الدّنيا عبرة و دلالة على ما عنده تعالى.

و إنّما طلب ابن عمر كشف العذاب الحاصل بالحمّى- كما في البخاري؛ عقب الحديث، قال نافع: و كان عبد اللّه يقول: اللّهم اكشف عنا الرّجز؛ أي:

العذاب- مع ما فيه من الثّواب!! لمشروعيّة طلب العافية من اللّه، إذ هو قادر على‏

156

فابردوها بالماء».

و قد ذكر أبو نعيم و غيره: من حديث أنس (رضي الله تعالى عنه)، يرفعه إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم): ...

أن يكفّر السّيئات لعبده، و يعظم ثوابه، من غير أن يصيبه شي‏ء يشقّ عليه. انتهى كلام «المواهب» مع الزرقاني.

(فابردوها بالماء») بهمزة وصل، و الرّاء مضمومة على المشهور في الرّواية؛ من بردت و الحمّى أبردها بردا؛ بوزن قتلتها أقتلها قتلا، أي: أسكنت حرارتها.

و حكي كسر الراء؛ مع وصل الهمزة، و حكى عياض: رواية بهمزة قطع مفتوحة، و كسر الرّاء؛ من أبرد الشي‏ء: إذا عالجه فصيّره باردا، مثل: أسخنته إذا صيّرته سخنا. و هي لغة رديئة.

و في «المواهب»؛ عن الخطّابي: أولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمّى بالماء: ما صنعته أسماء بنت الصّدّيق (رضي الله تعالى عنها) المرويّ في «الموطأ» و «الصحيحين»؛ عن أسماء: أنّها كانت إذا أتيت بالمرأة قد حمّت تدعو لها؛ أخذت الماء فصبّته بينها و بين جيبها، قالت: و كان صلى اللّه عليه و سلم يأمرنا أن نبردها بالماء.

و الصّحابيّ؛ و لا سيّما مثل أسماء الّتي كانت ممّن يلازم بيت النّبي صلى اللّه عليه و سلم أعلم بالمراد من غيرها. و اللّه أعلم.

و الّذي يظهر لي أن ذلك لا يتعيّن، فإنّ الإبراد بالماء يحصل بأيّ كيفيّة كانت، كما هو إطلاق الحديث، و ذلك بحسب ما يراه المحموم نافعا لإطفاء حرارة الحمّى، و قد كنت إذا اشتدّت بي الحمّى أذهب فأنغمس في الماء، فأجد ذلك يخفّف عنّي حرارة الحمّى؛ خصوصا إذا كان الماء باردا طبيعيا، فإنّه أنفع في تبريد الحمّى. و اللّه أعلم.

(و قد ذكر أبو نعيم و غيره)؛ كالطّبرانيّ و الحاكم بسند قوي‏ (من حديث أنس (رضي الله تعالى عنه) يرفعه إلى النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم:

157

«إذا حمّ أحدكم .. فليرشّ عليه الماء البارد ثلاث ليال من السّحر».

و في «السّنن» لابن ماجه: عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه)، يرفعه إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم): «الحمّى كير من كير جهنّم، فنحّوها عنكم بالماء البارد».

و في «المسند» و غيره: عن سمرة ...

«إذا حمّ أحدكم)- بالضّمّ و التّشديد-: أصابته الحمّى‏ (فليرشّ عليه)؛ أي:

على نفسه‏ (الماء البارد ثلاث ليال من السّحر»)؛ أي: قبيل الصّبح.

فهذا الحديث المرفوع يؤيّد فعل أسماء، فيكون المراد بالإبراد الرّشّ؛ لا الاغتسال. قال الزّرقانيّ: و قد علمت أنّ ذلك غير متعيّن.

(و في «السّنن») في «كتاب الطّبّ» (لابن ماجه)- بالهاء وصلا و وقفا- (عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه))- و في «الزّوائد»: إسناده صحيح؛ و رجاله ثقات- (يرفعه إلى النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «الحمّى كير)- بكسر الكاف؛ و سكون المثنّاة التّحتيّة-: زقّ ينفخ فيه الحدّاد (من كير جهنّم) فيه: تشبيه، أي: حرارتها الواصلة للبدن كحرارة جهنّم الواصلة بالكير الآلة المعروفة للحداد، و فيه من المبالغة ما لا يخفى. انتهى «حفني».

(فنحّوها عنكم بالماء البارد») شربا و غسل أطراف، لأنّ البارد رطب ينساغ لسهولته. فيصل للطافته إلى أماكن العلّة، من غير حاجة إلى معاونة الطّبيعة. انتهى «زرقاني».

(و في «المسند») للإمام أحمد (و غيره)؛ من حديث الحسن البصريّ.

(عن) أبي سعيد (سمرة) بن جندب- بضمّ الدّال و فتحها- ابن هلال الفزاري. توفّي أبوه و هو صغير؛ فقدمت به أمّه المدينة، فتزوّجها أنصاريّ، و كان في حجره حتّى كبر. قيل: أجازه النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم في المقاتلة يوم أحد، و غزا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم غزوات، ثمّ سكن البصرة.

158

(رضي الله تعالى عنه)، يرفعه إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم):

«الحمّى قطعة من النّار، فأبردوها عنكم بالماء البارد».

و في «السّنن»: من حديث أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه) قال:

ذكرت الحمّى عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فسبّها رجل، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا تسبّها؛ فإنّها تنفي الذّنوب، كما تنفي النّار خبث الحديد».

روي له عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مائة حديث و ثلاثة و عشرون حديثا؛ اتّفقا منها على حديثين، و انفرد البخاريّ بحديثين، و مسلم بأربعة.

روى عنه خلق منهم: الحسن، و ابن سيرين، و الشّعبيّ.

و توفّي بالبصرة سنة تسع- و قيل: ثمان- و خمسين. قال البخاريّ: توفي سمرة بعد أبي هريرة. يقال: آخر سنة تسع و خمسين، و يقال: سنة ستّين‏ ((رضي الله تعالى عنه).

يرفعه إلى النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «الحمّى قطعة من النّار)؛ أي: نار جهنّم: جعلها اللّه في الدنيا (فابردوها عنكم بالماء البارد»)؛ شربا و غسل أطراف، أو جميع الجسد، على ما يليق بالزّمان و المكان. انتهى «زرقاني».

و قال السّيوطي: قد تواتر الأمر بإبرادها بالماء، و أصحّ كيفيّاته: أن يرشّ بين الصّدر و الجيب. انتهى نقله المناوي.

(و في «السّنن») لابن ماجه- و في سنده موسى بن عبيدة و هو ضعيف- (من حديث أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه) قال:

ذكرت الحمّى عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فسبّها رجل!! فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:

«لا تسبّها؛ فإنّها تنفي الذّنوب)؛ أي: تكفّر خطايا المؤمنين‏ (كما تنفي النّار خبث)- بفتحتين أي: وسخ- (الحديد») لمّا كانت الحمّى يتبعها حمية عن الأغذية الرّديئة، و تناول الأغذية و الأدوية النّافعة، و في ذلك إعانة على تنقية البدن‏

159

..........

و نفي أخباثه و فضوله، و تصفيته من موادّه الرّديئة، و تفعل فيه كما تفعل النّار في الحديد؛ من نفي خبثه، و تصفية جوهره؛ كانت أشبه الأشياء بنار الكير الّتي تصفّي جوهر الحديد، و هذا القدر هو المعلوم عند أطبّاء الأبدان.

و أمّا تصفيتها القلب من وسخه و درنه، و إخراجها خبائثه! فأمر يعلمه أطبّاء القلوب، و يجدونه كما أخبرهم به نبيّهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و لكنّ مرض القلب إذا صار مأيوسا من برئه لم ينفع فيه العلاج.

فالحمّى تنفع البدن و القلب، و ما كان بهذه المثابة؛ فسبّه ظلم و عدوان.

انتهى. من «زاد المعاد».

و قال السّيوطي: هي طهور من الذّنوب، و تذكرة للمؤمن بنار جهنّم كي يتوب.

و لها منافع بدنيّة، و مآثر سنيّة؛ فإنّها تنقّي البدن، و تنفي عنه العفن، و ربّ سقم أزليّ؛ و مرض عولج منه زمانا- و هو ممتلئ- فلمّا طرأت عليه أبرأته، فإذا هو منجل، و ربّما صحّت الأجساد بالعلل.

و ذكروا أنّها تفتح كثيرا من السّدد و تنضح من الأخلاط و الموادّ ما فسد، و تنفع من الفالج، و اللّقوة (1)؛ و التّشنج الامتلائيّ؛ و الرّمد. انتهى. نقله المناوي.

و لما نظر جماعة من السّلف ما في الحمّى من الفوائد؛ دعوا على أنفسهم بملازمة الحمّى لهم إلى توفيهم.

و ممّن دعا بذلك سعد بن معاذ، و كذا أبي‏ (2) دعا على نفسه أن لا يفارقه الوعك حتى يموت، و لا يشغله عن حجّ؛ و لا عمرة؛ و لا جهاد؛ و لا صلاة جماعة، فما مسّ رجل جلده بعدها إلّا وجد حرّها حتّى مات.

____________

(1) داء في الوجه. اه (مختار الصحاح).

(2) الكلام للمناوي؛ لا للشارح.

160

و روى التّرمذيّ في «جامعه»: من حديث ثوبان (رضي الله تعالى عنه)، عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «إذا أصاب أحدكم الحمّى؛ فإنّ الحمّى قطعة من النّار، فليطفئها عنه بالماء، ...

و قد قال بعض من اقتفى آثارهم، و تدثر دثارهم:

زارت محمّصة الذّنوب لصبّها * * * أهلا بها من زائر و مودّع‏

قالت- و قد عزمت على ترحالها-: * * * ما ذا تريد؟ فقلت: ألّا تقلعي‏

انتهى «مناوي».

(و روى التّرمذيّ في «جامعه») في «الطبّ» بسند فيه راو لم يسمّ، و راو مختلف في تضعيفه و توثيقه، و قال: حديث غريب.

(من حديث) أبي عبد اللّه،- أو أبي عبد الرّحمن- (ثوبان)- بضم المثلّثة و فتحها- ابن بجدد- بموحّدة مضمومة ثم جيم ساكنة، ثمّ دال مهملة مكرّرة؛ الأولى مضمومة- و يقال: ابن جحدر الهاشميّ، مولاهم من أهل «السّراة»:

موضع بين «مكّة» و «اليمن».

أصابه سباء؛ فاشتراه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فأعتقه. و لم يزل معه في الحضر و السّفر، فلما توفّي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خرج إلى الشّام، فنزل «الرّملة».

ثمّ انتقل إلى حمص و ابتنى بها دارا. و توفي بها سنة: خمس و أربعين- و قيل:

سنة أربع و خمسين-.

روي له عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مائة حديث؛ و سبعة و عشرون حديثا، روى له مسلم منها عشرة أحاديث.

روى عنه جماعة من كبار التّابعين‏ ((رضي الله تعالى عنه).

عن النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال: «إذا أصاب أحدكم الحمّى، فإنّ الحمّى قطعة من النّار) حقيقة أو مجازا- (فليطفئها عنه بالماء)- لأنّ الماء يطفئ النّار، ثمّ بيّن كيفيّة

161

فليستقبل نهرا جاريا ليستقبل جرية الماء، فيقول: (باسم اللّه، اللّهمّ؛ اشف عبدك، و صدّق رسولك) بعد صلاة الصّبح قبل طلوع الشّمس، فليغتمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيّام، فإن لم يبرأ في ثلاث .. فخمس، فإن لم يبرأ في خمس .. فسبع، فإن لم يبرأ في سبع .. فتسع؛ فإنّها لا تكاد تجاوز تسعا بإذن اللّه تعالى».

الإطفاء، فقال:- (فليستنقع نهرا)- بفتحتين؛ على الأفصح- (جاريا، ليستقبل جرية الماء،

فيقول: باسم اللّه، اللّهمّ؛ اشف عبدك) لم يقل: اشفني لأنّ المقام مقام استعطاف و تذلّل، و لا وصف أصدق من وصف العبوديّة. (و صدّق رسولك) فيما أخبر أنّه شفاء من الحمّى.

(بعد صلاة الصّبح، قبل طلوع الشّمس) ظرف لقوله «يستنقع».

(فليغتمس فيه ثلاث غمسات، ثلاثة أيّام، فإن لم يبرأ في ثلاث؛ فخمس) ينغمس فيها، ف «خمس»: خبره محذوف‏ (فإن لم يبرأ في خمس؛ فسبع، فإن لم يبرأ في سبع؛ فتسع) من الأيّام، (فإنّها) أي: الحمى‏ (لا تكاد تجاوز تسعا بإذن اللّه تعالى»).

و هذا يحتمل أن يكون لبعض الحمّيات دون بعض، و يحتمل أنّه خارج عن قواعد الطّبّ، داخل في قسم المعجزات الخارقة للعادات. أ لا ترى كيف قال فيه «صدّق رسولك»، و «بإذن اللّه»؟؟.

و قد شوهد و جرّب؛ فوجد كما نطق به الصّادق المصدوق صلى اللّه عليه و سلم؛ قاله الطّيبيّ.

و قال الزّين العراقيّ: عملت بهذا الحديث؛ فانغمست في بحر «النّيل»؛

162

و في «الصّحيحين»: عن أبي سعيد الخدريّ (رضي الله تعالى عنه): أنّ رجلا أتى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: إنّ أخي يشتكي بطنه- و في رواية: استطلق بطنه- فقال: «اسقه عسلا»، فذهب، ثمّ رجع، فقال: قد سقيته عسلا؛ فلم يغن عنه شيئا؟ ...

فبرئت منها! قال ولده الولّي العراقيّ: و لم يحمّ بعدها، و لا في مرض موته!!.

انتهى «زرقاني».

(و في «الصّحيحين»): البخاريّ و مسلم، و كذا التّرمذيّ و النّسائي كلّهم في‏ (الطب)؛ من حديث سعيد بن أبي عروبة؛ عن أبي المتوكّل النّاجيّ.

(عن أبي سعيد) سعد بن مالك‏ (الخدريّ) الصّحابيّ ابن الصّحابيّ‏ ((رضي الله تعالى عنه)) و عن والده.

(أنّ رجلا أتى النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم؛ فقال: إنّ أخي)- قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم واحد منهما- (يشتكي بطنه)؛ أي: وجع بطنه، من إسهال حصل له من تخمة.

(و في رواية) للشّيخين أيضا؛ من حديث قتادة؛ عن أبي المتوكّل النّاجي؛ عن أبي سعيد فقال: إنّ أخي‏ (استطلق)- بفتح الفوقيّة و اللّام- (بطنه) بالرّفع، و ضبطه في «الفتح» مبنيّا للمفعول؛ أي: تواتر إسهال بطنه؛ قاله القسطلاني.

و كذا قال القرطبيّ في «المفهم»: هو بضمّ التاء مبنيّا للمفعول، فهو الرّواية الصّحيحة، فيكون أصله استطلق هو بطنه، فالسّين زائدة؛ لا للطّلب قال الحافظ ابن حجر: استطلق- بضمّ المثنّاة؛ و سكون الطّاء المهملة؛ و كسر اللّام بعدها قاف- أي: كثر خروج ما فيه يريد الإسهال.

(فقال: «اسقه عسلا) صرفا، أو ممزوجا، و عند الإسماعيليّ: «اسقه العسل»، و اللّام عهديّة، و المراد: عسل النّحل، لكونه المشهور عندهم؛ قاله الحافظ «ابن حجر».

(فذهب، ثمّ رجع؛ فقال: قد سقيته عسلا فلم يغن عنه شيئا؟!)؛ أي: لم‏

163

و في لفظ: فلم يزده إلّا استطلاقا (مرّتين أو ثلاثا)- كلّ ذلك يقول له: «اسقه عسلا»، فقال له في الثّالثة أو الرّابعة: «صدق اللّه، و كذب بطن أخيك»، ثمّ سقاه، فبرأ بإذن اللّه تعالى.

يبرأ. (و في لفظ): فسقاه العسل، فلم ينجع، فأتى النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم فقال: إنّي سقيته‏ (فلم يزده إلّا استطلاقا؟!) بعد السّقيّ؛ لجذبه الأخلاط الفاسدة، و كونه أقلّ من كميّة تلك الأخلاط، فلم يدفعها بالكلية (مرّتين أو ثلاثا) يتردّد إليه‏ (كلّ ذلك يقول له: «اسقه عسلا».

فقال له في) المرّة (الثّالثة أو الرّابعة: «صدّق اللّه) في قوله: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ‏ [69/ النحل‏] (و كذب)؛ أي: أخطأ (بطن أخيك»). حيث لم يصلح لقبول الشّفاء، لكثرة المادّة الفاسدة التي فيه، و لذا أمره بمعاودة شرب العسل، لاستفراغها، فلمّا كرّر ذلك برأ.

و في رواية لمسلم: فقال له ثلاث مرّات: إنّي سقيته فلم يزده إلّا استطلاقا؟! ثمّ جاء الرّابعة فقال: «اسقه عسلا». فقال: سقيته فلم يزده إلّا استطلاقا؟! فقال:

«صدق اللّه، و كذب بطن أخيك!!» ففي هذه الرّواية: أنه قال ذلك بعد الرّابعة!

قال الحافظ «ابن حجر»: و الأرجح أنّه قاله بعد الثّالثة.

(ثمّ سقاه فبرأ)- بفتح الرّاء و الهمزة- بوزن: قرأ، و هي: لغة أهل الحجاز، و غيرهم يقول: برى‏ء بكسر الراء؛ بوزن علم؛ كما في «الفتح».

(بإذن اللّه تعالى») لأنّه لما تكرّر استعمال الدّواء قاوم الدّاء فأذهبه.

قال في «المواهب»: و في قوله: «و كذب بطن أخيك» إشارة إلى أنّ هذا الدّواء نافع، و أنّ بقاء الدّاء ليس لقصور الدّواء في الشّفاء، و لكن لكثرة المادّة الفاسدة، فمن ثمّ أمره بمعاودة شرب العسل، لاستفراغها!! فشفي لمّا استفرغت، فاعتبار مقادير الأدوية، و كيفيّاتها، و مقدار قوّة المرض و المريض من أكبر قواعد الطّبّ.

164

و في «سنن ابن ماجه»: عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه) مرفوعا: «من لعق العسل ثلاث غدوات كلّ شهر .. لم يصبه عظيم من البلاء».

قال في «زاد المعاد»: و ليس طبّه صلى اللّه عليه و سلم كطبّ الأطبّاء؟؟ فإنّ طبّه (عليه الصلاة و السلام) متيقّن قطعيّ إلهيّ؛ صادر عن الوحي، و مشكاة النّبوّة، و كمال العقل، و طبّ غيره حدس و ظنون و تخمين و تجارب. انتهى بزيادة من «شرح البخاري».

(و في «سنن ابن ماجه») في كتاب «الطّبّ» قال: حدّثنا محمود بن خداش؛ قال: حدّثنا سعيد بن زكريا القرشيّ؛ قال: حدّثنا الزّبير بن سعيد الهاشميّ؛ عن عبد الحميد بن سالم.

(عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه)) قال في «الميزان»؛ عن البخاري:

لا يعرف لعبد الحميد سماع من أبي هريرة؟! و في «الزّوائد»: إسناده ليّن!! و مع ذلك هو منقطع! و أورده ابن الجوزي في «الموضوعات» و قال: الزّبير ليس بثقة.

و قال العقيلي: ليس لهذا الحديث أصل. و لم يتعقّبه السّيوطيّ سوى بأنّ له شاهدا، و هو ما رواه أبو الشّيخ في «الثّواب»؛ عن أبي هريرة مرفوعا: «من شرب العسل ثلاثة أيّام في كلّ شهر على الرّيق عوفي من الدّاء الأكبر: الفالج، و الجذام و البرص». انتهى. «مناوي» مع زيادة.

(مرفوعا) إلى النّبي صلى اللّه عليه و سلم أنّه قال: ( «من لعق) بابه فهم؛ كما في «المختار» أي: لحس‏ (العسل) النّحل- و هو يذكّر و يؤنّث. و أسماؤه تزيد على المائة- (ثلاث غدوات)- بضمّ فسكون‏ (1)- (كلّ شهر). قال الطّيبيّ: صفة ل «غدوات» أي: غدوات كائنة في كلّ شهر، أي: ثلاثة أيّام في كلّ شهر.

(لم يصبه عظيم من البلاء»)، لما في العسل من المنافع الدّافعة للأدواء، إذ

____________

(1) الذي في «المختار» و «الأساس»: بفتحتين سواء كان جمع غداء أو غدا؟! (عبد الجليل).

165

و في أثر آخر: «عليكم بالشّفاءين: العسل، ...

هو غذاء من الأغذية، و دواء من الأدوية، و شراب من الأشربة!، و حلوى من الحلاوات!، و طلاء من الأطلية!، و مفرح من المفرحات!! فيطلب لعق العسل النّحل في كلّ شهر ثلاثة أيّام منه؛ في أوّله، أو أثنائه. و تخصيص الثّلاث!! لسرّ علمه الشّارع. انتهى شروح «الجامع الصّغير».

(و في أثر آخر) أخرجه ابن ماجه، و الحاكم في «الطّبّ»؛ عن ابن مسعود مرفوعا إلى النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم- و قال الحاكم: إنّه على شرط الشّيخين- و أخرجه ابن أبي شيبة، و الحاكم أيضا مرقوفا على ابن مسعود، و رجاله رجال الصّحيح.

و قال البيهقيّ في «الشّعب»: الصّحيح أنّه موقوف على ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه).

( «عليكم)؛ أي: الزموا التّداوي‏ (بالشّفاءين)، قال تعالى في العسل‏ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ‏ [69/ النحل‏] و قال في القرآن‏ وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ [82/ الإسراء] فالشّفاء ثابت لكلّ بنصّ القرآن.

(العسل) النحل و هو لعابها.

و له منافع كثيرة، منها: أنه ينفع البشرة و ينعّمها، و إن اكتحل به جلا البصر، و إذا استنّ به بيّض الأسنان؛ و صقلها؛ و حفظ صحّتها؛ و صحّة اللّثة؛ و إذا تغرغر به نفع من أورام الحلق، و من الخنّاق، و يوافق السّعال البلغميّ، و يدرّ البول، و يليّن البطن، و يفتح سددها، و يفتح أفواه العروق، و يدرّ الطّمث، و ينفع من لسع العقرب، و من نهش الهوام ذوات السّموم، و من عضّة الكلب، و لعقه على الرّيق يذيب البلغم، و يدفع الفضلات، و يغسل خمل المعدة، و يشدّها، و يسخّنها باعتدال، و يفتح سددها، و يفعل مثل ذلك بالكبد؛ و الكلى؛ و المثانة.

و قد كان النّبي صلى اللّه عليه و سلم يشرب كلّ يوم قدح عسل ممزوجا بالماء على الرّيق.

فهذه حكمة عجيبة في حفظ الصّحّة؛ لا يعقلها إلّا العالمون!.

166

و القرآن»

و قد كان بعد ذلك يغتذي بخبز الشّعير مع الملح، أو الخلّ؛ أو نحوه، و يصابر شظف العيش، فلا يضرّه!! لما سبق له من الإصلاح.

و قد كان (عليه الصلاة و السلام) يراعي في حفظ صحّته أمورا فاضلة جدّا، منها، تقليل الغذاء، و تجنّب التّخم، و منها شرب بعض المنقوعات يلطّف بها غذاءه، كنقيع التّمر؛ أو الزّبيب؛ أو الشّعير؛ و منها استعمال الطّيب، و جعل المسك في مفرقه، و الادّهان و الاكتحال.

و كان (عليه الصلاة و السلام) يغذّي روح الدّماغ و القلب بالمسك، و روح الكبد و القلب بماء العسل، فما أتقن هذا التدبير، و ما أفضله!!. انتهى «عزيزي».

و قال «الزّرقاني»: أصلح العسل الرّبيعيّ، ثمّ الصّيفي. و أمّا الشّتائي فردي‏ء، و ما يؤخذ من الجبال و الشّجر أجود ممّا يؤخذ من الخلايا. و هو بحسب مرعاه. و من العجيب أنّ النّحل يأكل من جميع الأزهار، و لا يخرج منه إلا حلو مع أنّ أكثر ما يجنيه مرّ. انتهى.

(و القرآن») جمع بين الطّبّ البشريّ و الطّبّ الإلهيّ، و بين الفاعل الطّبيعيّ و الفاعل الرّوحانيّ، و بين طبّ الأجساد و طبّ الأرواح، و بين السّبب الأرضيّ و السّبب السّماويّ.

و شفاء القرآن بحسب إزالته للرّيب، و كشف غطاء القلب؛ لفهم المعجزات، و الأمور الدّالّة على اللّه المقرّرة لشرعه.

قال «ابن القيّم»: جماع أمراض القلب الشّبهات و الشّهوات. و القرآن شفاء لهما، ففيه من البيّنات؛ و البراهين القطعيّة؛ و الدّلالة على المطالب العالية ما لم يتضمّنه كتاب سواه، فهو الشّفاء بالحقيقة، لكنّ ذلك موقوف على فهمه و تقرير المراد منه.

و يحتمل أن يريد بالشّفاء: نفعه من الأمراض بالرّقى و التّعويذ و نحوه، كما في‏

167

و عن أسامة بن زيد (رضي الله تعالى عنهما) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «الطّاعون ...

الرّقية ب «فاتحة الكتاب» و ب «المعوّذتين» و غير ذلك.

و ممّا جرّب نفعه للاستشفاء أن يكتب آيات الشّفاء وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ‏ (14) [التوبة]. وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ [57/ يونس‏]. يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ‏ [69/ النحل‏]. وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ [82/ الإسراء]. وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ‏ (80) [الشعراء]. قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَ شِفاءٌ [44/ فصّلت‏].

ثم يكتب: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) [الإخلاص‏]، إي و اللّه، إي و اللّه، إي و اللّه‏ اللَّهُ الصَّمَدُ (2) [الإخلاص‏]، إي و اللّه، إي و اللّه، إي و اللّه‏ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ (3) [الإخلاص‏]، لا و اللّه، لا و اللّه، لا و اللّه‏ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4) [الإخلاص‏]، لا و اللّه، لا و اللّه، لا و اللّه. ربّ النّاس أذهب الباس، اشف أنت الشّافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما، و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد، و على آله و صحبه و سلّم في إناء نظيف، و يسقى للمريض.

انتهى. من شروح «الجامع الصّغير».

(و) أخرج البخاريّ في «ذكر بني إسرائيل و الطّبّ و ترك الحيل»، و مسلم في «الطّبّ» و كذا النّسائي كلّهم؛

(عن أسامة بن زيد) الحبّ بن الحبّ‏ ((رضي الله تعالى عنهما) قال)؛ و قد سأله سعد بن أبي وقّاص: ما سمعت من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في الطاعون؟ قال أسامة:

(قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «الطّاعون) بوزن فاعول؛ من الطّعن، عدلوا به عن أصله، و وضعوه دالّا على الموت العامّ كالوباء. و يقال: طعن؛ فهو مطعون و طعين؛ إذا أصابه الطّاعون، و إذا أصابه الطّعن بالرّمح.

و الطّاعون: ورم ردي‏ء قتّال، يخرج معه تلهّب شديد مؤلم جدّا يتجاوز المقدار

168

رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل، و على من كان قبلكم، ...

في ذلك، و يصير ما حوله- في الأكثر- أسود، أو أخضر، أو أكمد، و يؤول أمره إلى التّقرّح سريعا.

و في الأكثر يحدث في ثلاثة مواضع: في الإبط، و خلف الأذن و الأربيّة (1)، و في اللّحوم الرّخوة.

و يحصل معه خفقان و غثيان و قي‏ء، و قد يخرج في الأيدي و الأصابع و سائر الجسد.

و أردؤه: ما حدث في الإبط، و خلف الأذن. و الأسود منه قلّ من يسلم منه!! و أسلمه الأحمر، ثمّ الأصفر.

(رجز)- بالزّاي على المعروف.- أي: عذاب.

قال النّووي في «شرح مسلم»: و هذا الوصف بكونه عذابا مختصّ بمن كان قبلنا. و أمّا هذه الأمّة! فهو لها رحمة و شهادة، ففي «الصّحيحين» قوله صلى اللّه عليه و سلم:

«المطعون شهيد»، و في حديث آخر في غير «الصّحيحين»: «إنّ الطّاعون كان عذابا يبعثه اللّه على من يشاء، فجعله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطّاعون؛ فيمكث في بلده صابرا يعلم أنّه لن يصيبه إلّا ما كتب اللّه له؛ إلّا كان له مثل أجر شهيد».

و في حديث آخر: «الطّاعون شهادة لكلّ مسلم، و إنّما يكون شهادة لمن صبر»؛ كما بيّنه في الحديث المذكور. انتهى كلام «النّوويّ».

(أرسل على طائفة من بني إسرائيل) لمّا كثر طغيانهم، (و على من كان قبلكم) كذا في نسخ المصنّف: بالواو تبعا ل «المواهب».

قال الزّرقاني: و الّذي في «الصّحيحين»: إنما هو ب «أو» قال الحافظ ابن حجر: بالشّكّ من الرّاوي.

____________

(1) أصل الفخذ، أو ما بين أعلاه و أسفل البطن «قاموس».

169

..........

و في رواية ابن خزيمة بالجزم؛ بلفظ: «رجز سلّط على طائفة من بني إسرائيل». و التّنصيص عليهم أخصّ، فإن كان ذلك المراد؛ فكأنّه أشار بذلك إلى ما جاء في قصّة «بلعام»، فأخرج الطّبريّ من طريق سليمان التّيمي- أحد صغار التّابعين- عن سيّار: أن رجلا كان يقال له «بلعام» كان مجاب الدّعوة، و إنّ موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها «بلعام»!!، فأتاه قومه فقالوا: ادع اللّه عليهم!! فقال: أؤامر ربّي! فمنع، فأتوه بهديّة؛ فقبلها!! و سألوه ثانيا. فقال:

حتّى أؤامر ربّي؟ فلم يرجع إليه بشي‏ء!؟ فقالوا: لو كره لنهاك فدعا عليهم؛ فصار يجري على لسانه ما يدعو به على بني إسرائيل فينقلب على قومه، فلاموه على ذلك؟ فقال: سأدلّكم على ما فيه هلاكهم: أرسلوا النّساء في عسكرهم، و مروهنّ لا يمتنعن من أحد، فعسى أن يزنوا؛ فيهلكوا؟ فكان فيمن خرج بنت الملك فأرادها بعض الأسباط، و أخبرها بمكانه؛ فمكّنته من نفسها!! فوقع في بني إسرائيل الطّاعون، فمات منهم سبعون ألفا في يوم، و جاء رجل من بني هارون و معه الرّمح فطعنها، و أيّده اللّه فانتظمها جميعا».

و هذا مرسل جيّد، و سيار شاميّ موثّق.

و ذكر الطّبريّ- أيضا- هذه القصّة؛ عن محمّد بن إسحاق؛ عن سالم أبي النّضر بنحوه، و سمّى المرأة «كشتاء»- بفتح الكاف؛ و سكون المعجمة؛ و فوقية- و الرجل «زمري»- بكسر الزّاي، و سكون الميم، و كسر الرّاء- رأس سبط شمعون. و الّذي طعنهما «فنحاص»- بكسر الفاء، و سكون النون؛ ثمّ مهملة؛ فألف؛ فمهملة- ابن هارون. و قال في آخره: فحسب من هلك من الطّاعون سبعون ألفا!! و المقلّل يقول: عشرون ألفا! و هذه الطّريق تعضد الأولى.

و ذكر ابن إسحاق في «المبتدأ»: أنّ بني إسرائيل لما كثر عصيانهم؛ أوحى اللّه إلى داود فخيّرهم بين ثلاث: إمّا أن أبتليهم بالقحط سنتين؟، أو العدوّ شهرين؟

أو الطّاعون ثلاثة أيّام؟؟ فأخبرهم، فقالوا: اختر لنا. فاختار الطّاعون، فمات‏

170

فإذا سمعتم به بأرض .. فلا تدخلوا عليه، و إذا وقع بأرض و أنتم بها .. فلا تخرجوا منها فرارا منه».

منهم- إلى أن زالت الشّمس- سبعون ألفا؟! و قيل: مائة ألف. فتضرّع داود إلى اللّه؛ فرفعه.

و ورد وقوع الطّاعون في غير بني إسرائيل، فيحتمل أنّه المراد بقوله «أو من كان قبلكم».

من ذلك ما أخرجه الطّبريّ و ابن أبي حاتم؛ عن سعيد بن جبير، قال: أمر موسى بني إسرائيل: أن يذبح كلّ رجل منهم كبشا، ثمّ يخضب كفّه في دمه، ثم يضرب به على بابه!! ففعلوا، فسألهم القبط عن ذلك؟ فقالوا: إنّ اللّه يبعث عليكم عذابا، و إنّنا ننجو منه لهذه العلامة، فأصبحوا و قد مات من قوم فرعون سبعون ألفا!! فقال فرعون- عند ذلك- لموسى: ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ .. الآية [134/ الأعراف‏]. فدعا؛ فكشفه عنهم. و هذا مرسل جيّد الإسناد.

و أخرج عبد الرزّاق في «تفسيره»، و ابن جرير عن الحسن؛ في قوله تعالى‏ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ‏ [243/ البقرة] قال: فرّوا من الطّاعون، فقال لهم اللّه: موتوا، ثمّ أحياهم؛ ليكملوا بقيّة آجالهم.

فأقدم من وقفنا عليه- في المنقول- ممّن وقع الطّاعون به من بني إسرائيل في قصّة «بلعام»، و من غيرهم: في قصّة فرعون، و تكرّر بعد ذلك لغيرهم. انتهى.

(فإذا سمعتم به بأرض؛ فلا تدخلوا عليه) لأنّه تهوّر؛ و إقدام على خطر، و إلقاء إلى التّهلكة، كمن أراد دخول دار؛ فرأى فيها حريقا تعذّر طفؤه، فعدل عن دخولها لئلّا يصيبه، و ليكون ذلك أسكن للنّفس، و أطيب للعيش، و لئلا يقعوا في اللّوم المنهيّ عنه، بلوم أنفسهم؛ فيما لا لوم فيه، لأن الباقي و النّاهض لا يتجاوز واحد منهم أجله.

(و إذا وقع بأرض؛ و أنتم بها فلا تخرجوا منها، فرارا منه») لأنّه فرار من‏

171

..........

القدر، فالأوّل تأديب و تعليم، و الثّاني تفويض و تسليم.

قال ابن عبد البرّ: النّهي عن الدّخول لدفع ملامة النّفس، و عن الخروج للإيمان بالقدر. انتهى.

و الأكثر على أنّ النّهي عن الفرار منه للتّحريم. و قيل: للتّنزيه. و مفهوم الحديث جوازه لشغل عرض غير الفرار، و حكي عليه الاتفاق.

قال الحافظ ابن حجر: و لا شكّ أنّ الصّور ثلاث:

1- من خرج لقصد الفرار محضا، فهذا يتناوله النّهي؛- لا محالة-.

و 2- من خرج لحاجة متمحّضة، لا لقصد الفرار أصلا، و يتصوّر ذلك فيمن تهيّأ للرّحيل من بلد إلى بلد كان بها إقامته- مثلا- و لم يكن الطّاعون وقع؛ فاتّفق وقوعه أثناء تجهّزه، فهذا لم يقصد الفرار أصلا فلا يدخل في النهي.

الثّالث: من عرضت له حاجة فأراد الخروج إليها، و انضمّ إلى ذلك أنه قصد الرّاحة من الإقامة بالبلد التي وقع بها الطّاعون؟ فهذا محلّ النّزاع، كأن تكون الأرض الّتي وقع بها و خمة و الأرض الّتي يتوجّه إليها صحيحة؛ فتوجّه بهذا القصد إليها!!. فمن منع نظر إلى صورة الفرار في الجملة. و من أجاز نظر إلى أنه لم يتمحّض القصد للفرار، و إنّما هو لقصد التّداوي. انتهى.

و قد ذكر العلماء في النّهي عن الخروج حكما:

منها أنّ الطّاعون يكون في الغالب عامّا في البلد- الّذي يقع فيه، فإذا وقع؟

فالظّاهر مداخلة سببه لمن هو بها؛ فلا يفيده الفرار، لأنّ المفسدة إذا تعيّنت حتّى لا يقع الانفكاك عنها كان الفرار عبثا؛ فلا يليق بالعاقل.

و منها أنّ النّاس لو تواردوا على الخروج؛ لصار من عجز عنه بالمرض المذكور، أو بغيره، أو الكبر ضائع المصلحة، لفقد من يتعهّده حيّا و ميتا و أيضا لو شرع الخروج فخرج، الأقوياء؛ لكان في ذلك كسر قلوب الضّعفاء الّذين لا يقدرون على الخروج.

172

و روي هذا الحديث ...

و منها ما ذكره بعض الأطبّاء: أن المكان الّذي يقع به الوباء؛ تتكيّف أمزجة أهله بهواء تلك البقعة؛ فتألفها، و يصير لهم كالأهوية الصّحيحة لغيرهم. فلو انتقلوا إلى الأماكن الصحيحة؛ لم توافقهم! بل ربّما إذا استنشقوا هواءها، استصحب معه إلى القلب؛ من الأبخرة الرّديّة، الّتي حصل تكيّف بدنها بها، فأفسدته!؟ فمنع من الخروج لهذه النّكتة.

و منها أنّ الخارج يقول: لو أقمت لأصبت بالطّاعون!! و المقيم يقول: لو خرجت لسلمت! فيقع في «اللّو» المنهيّ عنه، بقوله صلى اللّه عليه و سلم: «إيّاك» و «لو»؛ «فإنّ لو من الشّيطان». رواه مسلم. انتهى. من «المواهب» و شرحها.

فإن قيل: ظاهر الحديث ليس فيه طبّ من الطّاعون؟ و إنّما فيه نهيه عن الخروج و الدّخول؟

و الجواب: أنّه نهي شرعيّ، مشتمل على طبّ بدنيّ، لأن النّبي صلى اللّه عليه و سلم جمع للأمّة في نهيه عن الدّخول إلى الأرض، الّتي هجر بها، و نهيه عن الخروج منها، بعد وقوعه جمع لها كمال التّحرّز منه، لأن في الدّخول في الأرض الّتي هو بها تعرّضا للبلاء، و تجنّب الدّخول من باب الحمية الّتي أرشدنا اللّه إليها، و هي حمية عن الأمكنة، و الأهوية المؤذية، كما أنّ نهيه عن الخروج من بلده؛ فيه حمل النّفوس على الثّقة باللّه و التّوكّل عليه، و الصّبر على أقضيته؛ و الرّضا بها.

فظهر المعنى الطّبّي من الحديث النّبويّ، و ما فيه من علاج القلب و البدن، و صلاحهما؛ كما ذكره ابن القيّم (رحمه الله تعالى).

(و) قد (روي)- ببناء المجهول- (هذا الحديث)؛ أي: حديث الطّاعون، الّذي رواه أسامة المذكور؛ و ليس المراد بصيغة التّمريض الإشارة إلى ضعف الحديث؟ بل القصد بها الاختصار بحذف راويه، لأنّ الحديث صحيح؛ رواه البخاريّ في «الطّبّ و الحيل»، و مسلم في «الطّبّ»، و أبو داود في «الجنائز».

173

عن عبد الرّحمن بن عوف أيضا (رضي الله تعالى عنه).

(عن عبد الرّحمن بن عوف) الزّهري‏ (أيضا (رضي الله تعالى عنه))، و لفظه كما في مسلم؛ عن عبد اللّه بن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما)- أنّ عمر بن الخطّاب خرج إلى الشّام، حتّى إذا كان ب «سرغ» لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح و أصحابه، فأخبروه أنّ الوباء قد وقع بالشّام، قال ابن عبّاس: فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأوّلين. فدعوتهم؛ فاستشارهم؛ و أخبرهم أنّ الوباء قد وقع بالشّام! فاختلفوا؛ فقال بعضهم: قد خرجت لأمر، و لا نرى أن ترجع عنه؟! و قال بعضهم: معك بقيّة النّاس، و أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؛ و لا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء!! فقال: ارتفعوا عنّي.

ثمّ قال: ادع لي الأنصار. فدعوتهم له، فاستشارهم؛ فسلكوا سبيل المهاجرين، و اختلفوا كاختلافهم!! فقال: ارتفعوا عنّي!!

ثمّ قال: ادع لي من كان هنا من مشيخة قريش؛ من مهاجرة الفتح!! فدعوتهم؛ فلم يختلف عليه رجلان!! فقالوا: نرى أن ترجع بالنّاس، و لا تقدمهم على هذا الوباء.

فنادى عمر في النّاس: إنّي مصبح على ظهر؛ فأصبحوا عليه!.

فقال أبو عبيدة بن الجرّاح: أ فرارا من قدر اللّه!؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!!- و كان عمر يكره خلافه- نعم نفرّ من قدر اللّه إلى قدر اللّه. أ رأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديا له عدوتان: إحداهما خصبة، و الأخرى جدبة؛ أ ليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر اللّه؟؟! و إن رعيت الجدبة رعيتها بقدر اللّه؟؟!.

قال: فجاء عبد الرّحمن بن عوف- و كان متغيّبا في بعض حاجته- فقال: إنّ عندي من هذا علما!! سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، و إذا وقع بأرض و أنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه!!

قال: فحمد اللّه عمر بن الخطّاب (رضي الله تعالى عنه) ثمّ انصرف. انتهى.

174

و في «سنن أبي داود» مرفوعا: «إنّ من القرف التّلف».

قال ابن قتيبة: (القرف) مداناة الوباء، و مداناة المرضى.

و في «صحيح البخاريّ»: ...

(و في «سنن أبي داود») السّجستانيّ في كتاب «الطّبّ» (مرفوعا) و لفظه:

حدّثنا مخلد بن خالد، و عبّاس العنبري؛ قالا: حدّثنا عبد الرّزاق؛ قال:

أخبرنا معمر؛ عن يحيى بن عبد اللّه بن بحير، قال: أخبرني من سمع فروة بن مسيك (رضي الله تعالى عنه) قال: قلت: يا رسول اللّه أرض عندنا يقال لها أرض «أبين» هي أرض ريفنا و ميرتنا، و إنها وبيئة، أو قال: وباؤها شديد؟؟ فقال النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «دعها عنك ف (إنّ من القرف)- بفتحتين-: ملابسة الدّاء، و مداناة المرض»، كما سيأتي تفسيره في المتن عن المصنّف: (التّلف»)؛ أي:

الهلاك، و ليس هذا من باب العدوى؟! و إنّما هو: من باب الطّبّ، فإنّ استصلاح الهواء من أعون الأشياء على صحّة الأبدان، و فساد الهواء من أسرع الأشياء إلى الأسقام؛ قاله في «النّهاية».

(قال) الإمام أبو محمّد عبد اللّه بن مسلم‏ (بن قتيبة) الدّينوري.

ولد سنة ثلاث عشرة و مائتين ببغداد، و سكن الكوفة، ثمّ ولي قضاء «الدّينور» مدة فنسب إليها، و توفّي ببغداد سنة: ستّ و سبعين و مائتين، و هو من المصنّفين المكثرين؛ له كتاب «أدب الكاتب»، و «تأويل مختلف الحديث»، و «مشكل القرآن»، و «المشتبه من الحديث و القرآن» و غيرها (رحمه الله تعالى) قال:

(القرف)- بفتح القاف و الرّاء آخره فاء هو: (مداناة الوباء)؛ أي:

مقاربته، و كلّ شي‏ء قاربته؛ فقد قارفته‏ (و مداناة المرضى) جمع مريض، أي:

القرب منهم، و مخالطتهم؛ و ملاصقتهم. و اللّه أعلم.

(و في «صحيح) الإمام‏ (البخاريّ») (رحمه الله تعالى)، و كذا رواه الإمام‏

175

عن ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما): عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «الشّفاء في ثلاث: شربة عسل، و شرطة محجم، و كيّة نار.

و أنهى أمّتي عن الكيّ».

أحمد، و ابن ماجه‏ (عن ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما)؛ عن النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال:

«الشّفاء في ثلاث) الحصر المستفاد من تعريف المبتدأ «ادّعائيّ». بمعنى: أنّ الشّفاء في هذه الثّلاثة بلغ حدّا كأنّه انعدم به من غيرها، و لم يرد الحصر الحقيقيّ!! فإنّ الشّفاء قد يكون في غيرها! و إنّما نبّه بها على أصول العلاج:

(شربة)- بالجرّ؛ بدل من سابقه- (عسل) نحل، لأنّه مسهّل للأخلاط البلغميّة، (و شرطة محجم) يتفرّغ بها الدّم الّذي هو أعظم الأخلاط عند هيجانه؛ لتبريد المزاج، و المحجم- بكسر الميم؛ و سكون المهملة؛ و فتح الجيم-: الآلة التي يجمع فيه دم الحجامة عند المصّ، و يراد به هنا: الحديدة التي يشرط بها موضع الحجامة. يقال: شرطة الحاجم: إذا ضرب موضع الحجامة، لإخراج الدّم و قد تتناول الفصد.

و أيضا: الحجامة في البلاد الحارّة أنفع من الفصد، و الفصد في البلاد الّتي ليست بحارّة أنجح من الحجم. انتهى «قسطلاني».

(و كيّة نار) تستعمل في الخلط الباغي، الّذي لا تنحسم مادّته إلّا به، فهو خاصّ بالمرض المزمن، لأنّه يكون من مادّة باردة قد تفسد مزاج العضو! فإذا كوي خرجت منه. و آخر الدّواء الكيّ. و «كيّة» مضافة لتاليها.

(و أنهى أمّتي) نهي تنزيه‏ (عن الكيّ») لما فيه من الألم الشّديد، و الخطر العظيم.

و كانوا يبادرون إليه قبل حصول الاضطرار إليه؛ يستعجلون بتعذيب الكيّ لأمر مظنون! فنهى صلى اللّه عليه و سلم أمّته عنه لذلك، و أباح استعماله على جهة طلب الشّفاء من اللّه تعالى.

176

و في «سنن ابن ماجه»: عن أنس (رضي الله تعالى عنه) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «ما مررت ليلة أسري بي بملإ ..

إلّا قالوا: يا محمّد؛ مر أمّتك بالحجامة» ...

و أخذ من إثباته الشّفاء في الكيّ، و كراهته له؛ أنه لا يترك مطلقا، و لا يستعمل مطلقا، بل عند تعيّنه طريقا إلى الشّفاء، مع مصاحبة اعتقاد أنّ الشّفاء بإذن اللّه تعالى‏

و على هذا التّفصيل يحمل حديث المغيرة: «من اكتوى و استرقى برى‏ء من التّوكّل» و اللّه أعلم. انتهى شروح «الجامع الصّغير».

(و في «سنن ابن ماجه) محمد بن يزيد القزويني (رحمه الله تعالى) قال: حدّثنا جبارة بن المغلّس؛ قال: حدّثنا كثير بن سليم؛ (عن أنس)؛ أي: ابن مالك لأنّه المراد عند إطلاق لفظ «أنس»، فإذا أريد غيره قيّد ((رضي الله تعالى عنه))، و هو حديث منكر، لأنّ فيه كثير بن سليم الضّبيّ ضعّفوه- كما في «الميزان» و عدّوا من مناكيره هذا-؛ قاله المناوي.

و رواه التّرمذيّ؛ عن ابن مسعود بمخالفة يسيرة، و في سنده راو مضعّف، و قال التّرمذيّ: حسن غريب، من حديث ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه).

(قال)؛ أي: أنس: (قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «ما مررت ليلة أسري بي) إلى السّماء (بملإ)؛ أي: جماعة (إلّا قالوا: يا محمّد؛ مر أمّتك بالحجامة)؛ لأنهم من بين الأمم كلّهم أهل يقين، فإذا اشتعل نور اليقين في القلب و معه حرارة الدّم؛ أضرّ بالقلب و بالطّبع.

و قال التّوربشّتي: وجه مبالغة الملائكة في الحجامة سوى ما عرف منها من المنفعة العائدة على الأبدان: أنّ الدّم مركّب من القوى النّفسانيّة الحائلة بين العبد؛ و بين التّرقّي إلى الملكوت الأعلى، و الوصول إلى الكشوف الرّوحانية و غلبته تزيد جماح النّفس و صلابتها، فإذا نزف الدّم أورثها ذلك خضوعا و جمودا و لينا و رقّة، و بذلك تنقطع الأدخنة المنبعثة عن النّفس الأمّارة، و تنحسم مادّتها؛ فتزداد البصيرة نورا إلى نورها. انتهى «مناوي».

177

و رواه التّرمذيّ: عن ابن عبّاس بلفظ: «عليك بالحجامة يا محمّد».

و قد روي عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) أنّه قال: «خير ما تداويتم به .. الحجامة و الفصد».

و في حديث: «خير الدّواء .. الحجامة و الفصد».

(و رواه) الإمام أحمد، و (التّرمذيّ) مطوّلا، و ابن ماجه، و الحاكم؛ (عن ابن عبّاس) (رضي الله تعالى عنهما)، و في سنده عبّاد بن منصور النّاجي: ضعّفه أبو حاتم، و ليّنه أبو زرعة، و في «التقريب»: إنّه صدوق رمي بالقدر، و كان يدلّس، و تغيّر بأخرة. و في «الخلاصة»: قال القطّان: ثقة؛ لا ينبغي أن يترك حديثه لرأي أخطأ فيه. يعني: القدر. انتهى. و لذلك قال التّرمذيّ فيه: حديث حسن غريب، لا نعرفه إلّا من حديث عبّاد بن منصور. و قال الحاكم: صحيح.

و أقرّه الذّهبيّ.

(بلفظ: «عليك بالحجامة يا محمّد»)؛ أي: الزمها و مر أمّتك بها. كما تقدّم-.

و ذلك دلالة على عظيم فضلها، و بركة نفعها، و إعانتها على التّرقّي في الملكوت الأعلى- كما تقدم آنفا-.

(و قد روي) بسند ضعيف، و في «العزيزي»: أنّه حديث حسن لغيره، رواه أبو نعيم في «الطّبّ النّبويّ»؛ عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه) (عن النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم أنّه قال:

«خير ما)؛ أي: دواء (تداويتم به: الحجامة) سيّما في البلاد الحارّة، (و الفصد) و الحجامة أنفع لأهل البلاد الحارّة، و الفصد لغيرهم أنفع.

(و في حديث) آخر رواه أبو نعيم أيضا بسند ضعيف في كتاب «الطّبّ النّبويّ»؛ عن عليّ (رضي الله تعالى عنه) بلفظ:

( «خير الدّواء الحجامة و الفصد») لمن لاق به ذلك و ناسب حاله مرضا؛ و سنا؛ و قطرا؛ و زمنا، و غير ذلك.

178

و روى التّرمذيّ في «جامعه»: عن ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما) يرفعه: «إنّ خير ما تحتجمون فيه يوم سابع عشرة، أو تاسع عشرة، و يوم إحدى و عشرين».

و عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه) مرفوعا: «من احتجم يوم الأربعاء، أو يوم السّبت؛ فأصابه بياض، أو برص .. فلا يلومنّ إلّا نفسه».

(و روى) الإمام أحمد، و (التّرمذيّ في «جامعه») كتاب «الطّبّ»، و الحاكم في «المستدرك» كلّهم؛ من طريق عبّاد بن منصور المذكور قريبا.

و ما قيل فيه سابقا يقال هنا، لأنّه حديث واحد، ذكر هنا قطعة منه حيث قال:

(عن ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما) يرفعه) إلى النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال: ( «إنّ خير ما تحتجمون فيه: يوم سابع عشرة) من الشّهر، (أو تاسع عشرة) منه، (و يوم إحدى و عشرين) منه لا سيّما إذا وافق يوم الإثنين!! فإنّه أجود أيّام الحجامة.

و «عشرين» في هذه الرّواية- بالنّصب- و الجيّد أن يكون مرفوعا، لأنّه خبر، فيتكلّف له تقدير ناصب، مثل: و ترى الأخيرية إحدى و عشرين؛ قاله الحفني على «الجامع الصغير».

(و) روى الخلّال؛ عن أبي سلمة، و أبي سعيد المقبري؛ (عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه) مرفوعا) إلى النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال:

( «من احتجم يوم الأربعاء؛ أو يوم السّبت، فأصابه بياض؛ أو برص، فلا يلومنّ إلّا نفسه») فإنّه الّذي عرّض جسده لذلك، و تسبّب فيه.

روى الدّيلمي؛ عن أبي جعفر النّيسابوري؛ قال: قلت يوما «هذا الحديث غير صحيح»، فافتصدت يوم الأربعاء؛ فأصابني برص!! فرأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في النّوم فشكوت إليه؟! فقال: «إيّاك و الاستهانة بحديثي» .. فذكره.

179

و روى الدّارقطنيّ ...

و قد كره الإمام أحمد الحجامة يوم السّبت و الأربعاء لهذا الحديث.

و الظّاهر أنّ الفصد مثل الحجامة في اجتنابه في الأيّام المنهيّ عنها. و اللّه أعلم.

و رواه أيضا الحاكم، و البيهقي في «سننه»؛ عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه):

«من احتجم يوم الأربعاء، أو يوم السّبت؛ فرأى في جسده وضحا (1)!؟ فلا يلومنّ إلا نفسه». قال الحاكم: صحيح، و ردّه الذّهبيّ؛ بأنّ فيه سليمان بن أرقم؛ متروك!! و أورده ابن الجوزي في «الموضوعات»؛ قاله المناوي.

(و روى) الإمام الحافظ؛ وحيد دهره؛ و فريد عصره: عليّ بن عمر بن مهدي: أبو الحسن‏ (الدّارقطنيّ)- بفتح الدّال المهملة، و بعد الألف راء مفتوحة، ثمّ قاف مضمومة، و بعدها طاء مهملة ساكنة، ثمّ نون مكسورة آخره ياء، نسبة إلى «دار القطن» محلّة كبيرة ببغداد-. الشّافعيّ.

ولد سنة: ست و ثلاثمائة ب «دار القطن»، و كان عالما؛ حافظا؛ فقيها على مذهب الإمام الشّافعي، أخذ الفقه عن أبي سعيد الاصطخريّ، و انفرد بالإمامة في علم الحديث في عصره؛ فلم ينازعه في ذلك أحد من نظرائه، و تصدّر في آخر أيّامه للإقراء ببغداد، و كان عارفا باختلاف الفقهاء، و أخذ عنه الحافظ أبو نعيم صاحب «الحلية» و جماعة.

و كانت وفاته سنة: خمس و ثمانين و ثلاثمائة؛ و قد قارب الثّمانين.

و كان متفنّنا في علوم كثيرة؛ و إماما في علوم القرآن، تصدّر في آخر أيّامه للإقراء ببغداد.

و له من المصنّفات: كتاب «السنن»، و كتاب «العلل» الواردة في الأحاديث‏

____________

(1) الوضح- بفتحتين-: الضوء و البياض؛ و قد يكنّى به عن البرص ا. ه «مختار».

(عبد الجليل).

180

من حديث نافع قال: لي عبد اللّه بن عمر: تبيّغ بي الدّم، فأبغني حجّاما، و لا يكن صبيّا، و لا شيخا كبيرا، فإنّي سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: «الحجامة .. تزيد الحافظ حفظا، و العاقل عقلا، ...

النّبويّة: ثلاث مجلّدات، و «المجتبى من السّنن المأثورة» و «المؤتلف و المختلف في الحديث»، و كتاب «الضّعفاء».

و توفي ببغداد، و صلى عليه الشّيخ أبو حامد الأسفرائينيّ الفقيه المشهور (رحمهم الله تعالى). آمين.

روى هذا الحديث في كتاب «الأفراد»؛ (من حديث) أبي عبد اللّه‏ (نافع) بن هرمز- و يقال ابن كاوس- سبي و هو صغير فاشتراه عبد اللّه بن عمر.

و هو تابعيّ جليل سمع سيّده ابن عمر؛ و أبا هريرة؛ و أبا سعيد الخدري؛ و عائشة؛ و غيرهم من الصّحابة و التّابعين.

روى عنه أبو إسحاق السّبيعيّ و الزّهريّ، و صالح بن كيسان؛ و غيرهم من التابعين و من تابع التابعين، سمع منه مالك؛ و ابن جريج؛ و الأوزاعيّ؛ و اللّيث، و خلائق لا يحصون.

و أجمعوا على توثيقه و جلالته. و كان ثقة كثير الحديث.

مات بالمدينة المنورة سنة: سبع عشرة و مائة (رحمه الله تعالى).

(قال)؛ أي: نافع: (قال لي عبد اللّه بن عمر) بن الخطّاب «مولاه»:

(تبيّغ)- بمثنّاة فوقيّة فموحّدة؛ مفتوحتين، فمثنّاة تحتيّة مشدّدة مفتوحة، فغين معجمة آخره؛ من باب التّفعّل- أي: هاج‏ (بي الدّم) و غلب، و ذلك حين تظهر حمرته في البدن.

(فأبغني) يقال: أبغني كذا- بهمزة القطع-؛ أي: أعنّي على الطّلب، و- بهمزة الوصل-: أي: اطلب لي‏ (حجّاما، و لا يكن صبيّا، و لا شيخا كبيرا، فإنّي سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «الحجامة تزيد الحافظ حفظا، و العاقل عقلا،

181

فاحتجموا على اسم اللّه، و لا تحتجموا يوم الخميس، و الجمعة، و السّبت، و الأحد. و احتجموا يوم الإثنين، و ما كان من جذام و لا برص إلّا نزل يوم الأربعاء».

و قد روى أبو داود في «سننه»: من حديث أبي بكرة (رضي الله تعالى عنه): أنّه كان يكره الحجامة يوم الثّلاثاء. و قال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «يوم الثّلاثاء .. يوم الدّم، فاحتجموا) معتمدين‏ (على اسم اللّه، و لا تحتجموا يوم الخميس، و الجمعة؛ و السّبت؛ و الأحد؛ و احتجموا يوم الإثنين، و ما كان من جذام، و لا برص إلّا نزل يوم الأربعاء»).

قال الدّارقطنيّ: تفرّد بهذا الحديث زياد بن يحيى، و قد رواه أيّوب عن نافع، و قال فيه: «و احتجموا يوم الاثنين و الثّلاثاء، و لا تحتجموا يوم الأربعاء». ذكره ابن القيّم قال:

(و قد روى أبو داود في «سننه»)؛ كتاب «الطّبّ» بسند فيه بكّار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، قال ابن معين: ليس بشي‏ء، و ابن عدي: هو من جملة الضّعفاء الذين يكتب حديثهم. و قال الذّهبيّ: إسناده ليّن، و أمّا زعم ابن الجوزيّ وضعه؟ فلم يوافقوه عليه. انتهى «مناوي».

(من حديث أبي بكرة)- بفتح الموحّدة-: و اسمه نفيع بن الحارث بن كلدة ((رضي الله تعالى عنه): أنّه)؛ أي: أبا بكرة (كان يكره الحجامة يوم الثّلاثاء) لفظ أبي داود: كان ينهى أهله عن الحجامة يوم الثّلاثاء- (و قال: إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «يوم الثّلاثاء)- بالمدّ- (يوم الدّم) برفع «يوم» و إضافته إلى الدّم، أي: يوم غلبة الدّم و هيجانه، أي: يفور فيه الدّم، فيحذر من إخراجه فيه بفصد أو غيره؛ لئلّا يصادف وقت فوران الدّم، فلا ينقطع فيموت.

و يحتمل أن يكون المراد «يوم الدّم»: أي: أوّل يوم أريق فيه الدّم بغير حقّ،

182

و فيه ساعة لا يرقأ».

فإنّه اليوم الذّي قتل فيه قابيل أخاه هابيل.

(و فيه)؛ أي: يوم الثلاثاء (ساعة)؛ أي: لحظة (لا يرقأ)- بهمز آخره- أي: لا ينقطع فيها دم من احتجم أو افتصد، و ربما هلك الإنسان فيها بسبب عدم انقطاع الدّم. قال ابن جرير: قال زهير: مات عندنا ثلاثة ممّن احتجم.

و أخفيت هذه السّاعة!! لتترك الحجامة فيه كلّه؛ خوفا من مصادفتها، كما أخفيت ليلة القدر في أوتار العشر الأواخر.

و أخرج الدّيلمي؛ عن أنس مرفوعا: «الحجامة على الرّيق دواء، و على الشّبع داء، و في سبعة عشر من الشّهر شفاء، و يوم الثّلاثاء صحّة للبدن».

و أخرج ابن سعد، و البيهقيّ- و ضعّفه- عن معقل بن يسار؛ قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «الحجامة يوم الثّلاثاء لسبع عشرة مضت من الشّهر دواء لداء سنة».

و يجمع بين هذا الاختلاف بحمل طلب الحجامة في الثّلاثاء؛ على ما إذا كان موافقا السّابع عشر من الشّهر. و بحمل التّحذير منها فيه؛ على ما إذا لم يوافق السّابع عشر من الشّهر. و اللّه أعلم.

روى أبو يعلى؛ من حديث الحسين بن علي مرفوعا: «في الجمعة ساعة لا يوافقها رجل يحتجم فيها إلّا مات».

قال المناوي: يحتمل أنّ المراد به يوم الجمعة، فيكون كيوم الثّلاثاء في ذلك، و يحتمل أنّ المراد الجمعة كلّها يعني: الأسبوع. و أنّ الحديث المشروح عيّن تلك السّاعة، في يوم الثّلاثاء، و الأوّل أقرب، و لم أر من تعرّض له. انتهى.

و في «فتاوي ابن حجر الفقهيّة» قبيل باب «المسابقة و المناضلة» ما نصّه:

و سئل (رحمه الله تعالى): هل ورد النّهي عن الحجامة في بعض الأيّام؛ و الأمر بها في البعض؟ فأجاب بقوله: نعم، ورد- بل صحّ- النّهي عنها يوم الجمعة؛

183

و روى التّرمذيّ في «جامعه» و ابن ماجه في «سننه»: عن أسماء بنت عميس ...

و السّبت؛ و الأحد؛ و الأربعاء،!! و في روايات أخر: «إنّ يوم الثّلاثاء يوم الدّم، و إنّ فيه ساعة لا ينقطع فيها الدّم، و إنّه يخشى منها يوم الأربعاء و السّبت البرص، و أنّ في يوم الجمعة ساعة لا يحتجم فيها أحد إلّا مات». و صح الأمر بها يوم الخميس و الاثنين. و اللّه سبحانه أعلم. انتهى.

قال الباجوري؛ على «الشّمائل التّرمذيّة»: و أفضل الأيّام لها: يوم الإثنين، و أفضل السّاعات لها: السّاعة الثانية و الثالثة من النّهار. و ينبغي ألّا تقع عقب استفراغ؛ أو حمّام؛ أو جماع، و لا عقب شبع؛ و لا جوع، و محلّ اختيار الأوقات المتقدّمة عند عدم هيجان الدّم. و إلّا وجب استعمالها وقت الحاجة إليها.

انتهى.

(و روى التّرمذيّ في «جامعه») و قال: غريب، (و ابن ماجه في «سننه»)، و الإمام أحمد، و الحاكم. و قال الذّهبي: صحيح. كلّهم في «الطّبّ»؛

(عن أسماء بنت عميس)- بعين مهملة مضمومة، ثمّ ميم مفتوحة مخفّفة، ثمّ ياء مثنّاة من تحت ساكنة، ثمّ سين مهملة آخره مصغرا الخثعميّة-.

كانت تحت جعفر بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه) و هاجرت معه إلى أرض الحبشة، ثمّ قتل عنها يوم مؤتة، و ولدت له عبد اللّه؛ و محمّدا؛ و عونا.

ثم تزوّجها أبو بكر الصّديق (رضي الله تعالى عنه) فمات عنها، و ولدت له محمّد ابن أبي بكر. ثمّ تزوجها عليّ (رضي الله عنه) و ولدت له يحيى.

روى عنها من الصّحابة: عمر بن الخطّاب، و أبو موسى الأشعريّ، و عبد اللّه بن عبّاس، و ابنها عبد اللّه بن جعفر. و من غير الصّحابة: عروة بن الزّبير؛ و عبد اللّه بن شدّاد.

و أسماء المذكورة أخت ميمونة بنت الحارث «زوج النبي صلى اللّه عليه و سلم»، و أخت‏

184

(رضي الله تعالى عنها) قالت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم):

«بما ذا كنت تستمشين؟»، قالت: بالشّبرم، قال: «حارّ ..

حارّ»، ثمّ قالت: استمشيت بالسّنى ...

أمّ الفضل امرأة العبّاس و أخت أخواتها لأمّهنّ، و كنّ عشر أخوات لأمّ، و قيل:

تسع.

و كانت أسماء المذكورة أكرم النّاس أصهارا، فمن أصهارها: رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و حمزة، و العبّاس و غيرهم.

أسلمت أسماء قديما، قال ابن سعد: أسلمت قبل دخول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم دار الأرقم بن أبي الأرقم بمكة، و بايعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و كانت وفاتها بعد عليّ بن أبي طالب‏ ((رضي الله تعالى عنها)) و عنهم أجمعين.

(قالت)؛ أي: أسماء (: قال) لي‏ (رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «بما ذا)؛ أي: بأيّ دواء (كنت تستمشين؟!»)- أي: تطلبين مشي بطنك- أي: إخراج ما فيه.

(قالت: بالشّبرم)- بضمّ الشّين المعجمة و الرّاء بينهما موحّدة ساكنة و آخره ميم، و قد يفتح أوّله- (قال: «حارّ حارّ»)؛ أي: شديد الحرارة، فالثّاني تأكيد لفظي، و يحتمل أن الثّاني بجيم، و شدّ الرّاء إتباع ل «حارّ» بمهملتين؛ كما في «النّهاية»، يقال: حار جار، و يقال: حار يار- بمثنّاة تحتيّة- على الإتباع أيضا.

(ثمّ قالت)؛ أي: أسماء (: استمشيت بالسّنى)- بفتح السّين و النّون، و القصر و قد يمدّ-: نبت معروف أجوده ما يكون بمكّة.

و شرب مائه مطبوخا أصلح من شرب‏ (1) مدقوقا، و مقدار الشّربة منه إلى ثلاثة دراهم، و من مائه إلى خمسة دراهم. و له منافع كثيرة؛

منها أنه إذا طبخ في زيت، و شرب نفع من أوجاع الظّهر و الوركين.

____________

(1) لعلها: شربه.

185

فقال: «لو كان شي‏ء يشفي من الموت .. كان السّنى».

و (الشّبرم): قشر عرق شجرة.

(فقال)؛ أي: النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم‏ (: «لو كان شي‏ء يشفي من الموت؛ كان السّنى») مبالغة في كثرة منافعه.

و ذكر المحاسبيّ في كتابه المسمّى ب «المقصد و الرّجوع إلى اللّه»: أنّ النّبي صلى اللّه عليه و سلم شرب السّنا بالتّمر، أي: وضعهما في الماء، و شربه، أي: ليبس الطّبيعة، و بوضعهما في الماء، يندفع اجتماع حارّين، المنهيّ عنه عند الأطبّاء لضرره؛ ذكره الزرقاني مع «المواهب».

و ذكر في «المواهب» أيضا: أن الحميديّ ذكر في كتاب «الطّبّ النّبويّ» له:

أنه صلى اللّه عليه و سلم قال: «إيّاكم و الشّبرم!! فإنّه حارّ حارّ، و عليكم بالسّنى، فتداووا به، فلو دفع الموت شي‏ء، لدفعه السّنى»!! انتهى.

قال العلماء: (و الشّبرم)- بالشّين المعجمة المضمومة، و الموحّدة السّاكنة، و الرّاء المهملة المضمومة، و آخره ميم؛ كقنفذ- هو: (قشر عرق شجرة). و في «النّهاية»: حبّ يشبه الحمّص؛ يطبخ و يشرب ماؤه للتّداوي. و قال أبو حنيفة:

الشّبرم شجرة حارّة تسمو على ساق؛ كقعدة الصّبيّ أو أعظم، لها ورق طوال رقاق، و هي شديدة الخضرة، و زعم بعض الأعراب: أن لها حبّا صغارا كجماجم الحمر!!

و قيل: الشّبرم: نبات آخر سهليّ، له ورق طوال كورق الحرمل، و له حبّ كالعدس، أو شبه الحمّص، و له أصل غليظ ملآن لبنا، و الكلّ مسهل. و استعمال لبنه خطر جدّا، و إنّما يستعمل أصله مصلحا؛ بأن ينقع في الحليب يوما و ليلة، و يجدّد اللّبن ثلاث مرات، ثمّ يجفّف و ينقع في عصير الهندباء و الرازيانج، و يترك ثلاثة أيام، ثمّ يجفّف، و تعمل منه أقراص مع شي‏ء من التّربد؛ و الهليلج؛ و الصّبر، فإنّه دواء فائق. انتهى. «شرح القاموس» (1).

____________

(1) بل هو بتمامه في «القاموس». (عبد الجليل).

186

و في «سنن ابن ماجه»: عن عبد اللّه بن أمّ حرام [(رضي الله تعالى عنه)‏]- و كان ممّن صلّى مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) القبلتين- قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول:

«عليكم بالسّنى و السّنّوت، فإنّ فيهما شفاء من كلّ داء، إلّا السّامّ»، قيل: يا رسول اللّه؛ و ما السّامّ؟ قال: «الموت».

قال في «المواهب»: و هو من الأدوية الّتي منع الأطبّاء من استعمالها، لخطرها و فرط إسهالها، و إنّما أجازوه بالتّدبير الّذي رأيت عن «القاموس».

(و في «سنن ابن ماجه) و «مستدرك الحاكم» كلاهما في «الطّبّ»؛ من حديث عمرو بن بكر السّكسكي؛ قال: حدّثنا إبراهيم بن أبي عبلة.

(عن عبد اللّه بن أمّ حرام) و هو عبد اللّه بن عمرو، و قيل: بن كعب الأنصاريّ. نزل بيت المقدس، و هو آخر من مات من الصّحابة بها، و زعم ابن حبّان: أن اسمه سمعون، له هذا الحديث، قال الحاكم: إنّه حديث صحيح، و ردّه الذّهبيّ بأنّ عمرو بن بكر السّكسكي المذكور اتّهمه ابن حبّان! و قال ابن عديّ: له مناكير! انتهى.

(و كان)؛ أي: عبد اللّه ابن أمّ حرام‏ (ممّن صلّى مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم القبلتين)؛ أي: إليها، أي: الكعبة، و بيت المقدس‏ (قال:

سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «عليكم بالسّنى) قال ابن الأثير: يروى بضمّ السّين؛ و الفتح أفصح، أي: و بالقصر: نبت معروف.

(و السّنّوت)- بوزن التّنّور و السّنّور، و سيأتي معناه- (فإنّ فيهما شفاء من كلّ داء، إلّا السّامّ)- بمهملة من غير همز-.

(قيل يا رسول اللّه: و ما السّامّ؟ قال: «الموت») فيه أنّ الموت داء من جملة الأدواء، قال الشّاعر:

...

كذاك الموت ليس له دواء

187

و (السّنى): نبت حجازيّ، أفضله المكّيّ. و اختلف في معنى‏ (السّنّوت) على أقوال، و أقربها إلى الصّواب: أنّه ...

(و السّنا)- بفتح السّين و القصر، و بعضهم يرويه بالمدّ-: (نبت) ذو ورق رقيق، واحدته سناة، و منه‏ (حجازيّ)؛ أي: نبت في الحجاز. و منه ما يأتي من نواحي صعيد مصر، و (أفضله المكّيّ)؛ أي: الّذي يأتي من مكّة.

و هو دواء شريف، مأمون الغائلة، قريب الاعتدال، يسهّل الصّفراء؛ و السّوداء؛ و البلغم؛ و الدّم؛ كيف استعمل فهو موافق للأخلاط الأربعة، بعضها بالطّبع، و بعضها بالخاصّيّة على زعم الأطبّاء، و ما طبخ منه أجود ممّا لم يطبخ، فيشرب من مائة خمسة دراهم إلى سبعة دراهم، و لا يزاد عليها!.

قال في «الهدي»: شرب مائه مطبوخا أصلح من شربه مدقوقا، و مقدار الشّرب منه إلى ثلاثة دراهم، و من مائه إلى خمسة دراهم، و إذا أغلي بالزّيت نفع لوجع الظهر و الوركين، و ينفع للحكّة و الجرب.

(و اختلف في معنى السّنّوت)- بالفتح؛ كتنّور على المشهور، و يروى بضمّ السّين، فلا عبرة بمن أنكره، و فيه لغة على مثال سنّور و أفصحها الفتح- (على أقوال). فقيل: هو الزّبد (1)، و قيل: هو الجبن المعروفان و قيل: هو الرّب‏ (2) بضمّ الرّاء- أي: ربّ عكّة السّمن يخرج خطوطا سودا على السّمن، فتلك الخطوط هي السّنّوت. و قيل: حبّ يشبه الكمّون؛ و ليس به. و قيل: هو الكمّون الكرماني. و قيل إنّه الرّازيانج، و هو الشّمار بلغة اليمن، أو الشّمر بلغة مصر، و قيل: ضرب من التّمر.

(و أقربها إلى الصّواب) في تفسير قوله «عليكم بالسّنى و السّنّوت» (أنّه)؛

____________

(1) الزّبد: ما يستخرج في اللبن بالمخض. القطعة منه: زبدة. (عبد الجليل).

(2) الرّبّ: هو الطلاء الخاثر. و زنجبيل. ا ه مختار. الرّبّ: عصارة التمر المطبوخة و ما يطبخ في التمر و العنب. (عبد الجليل).

188

العسل الّذي يكون في زقاق السّمن.

و روى التّرمذيّ: عن زيد بن أرقم (رضي الله تعالى عنه): أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «تداووا من ذات الجنب بالقسط البحريّ و الزّيت».

أي: السّنّوت: (العسل) النّحل‏ (الّذي يكون في زقاق السّمن)- بكسر الزّاي-، أي: السّقاء الّذي يجعل فيه، أي: يخلط السّنى حال كونه مدقوقا بالعسل المخالط للسّمن، ثمّ يلعق؛ فيكون أصلح من استعماله مفردا، لما في العسل و السّمن من إصلاح السّنى، و إعانته على الإسهال، لأنّ رطوبتهما تقاوم اليبس الّذي في السّنى؛ فتصلحه.

(و روى) الإمام أحمد، و (التّرمذيّ)، و ابن ماجه، و الحاكم- و صحّحه- كلّهم؛ (عن زيد بن أرقم (رضي الله تعالى عنه) أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال: «تداووا من ذات الجنب) المراد بها هنا: رياح غليظة تحتقن تحت الجلد الّتي في الصدر و الأضلاع؛ فتحدث وجعا. و ليس المراد ذات الجنب الحقيقيّ الّذي تكلّم عليه الأطبّاء!! لأنّه من الأمراض المخوفة- كما سيأتي-.

(بالقسط)- بضمّ القاف- و في لغة: بالكاف بدل القاف‏ (البحريّ) قال المازري: القسط صنفان: بحريّ و هنديّ، و البحريّ هو القسط الأبيض، و يؤتى به من بلاد المغرب، و هو أفضل من الهنديّ. و أقلّ حرارة منه.

و قيل: هما حارّان يابسان، و الهنديّ أشدّ حرّا.

و تعقّبه القرطبيّ: بأنّ البحريّ الأبيض أحد نوعي العود الهندي، فكيف يؤتى به من بلاد المغرب. و الفرض أنّه هندي؟! إلا أن يعني بالمغرب: المغرب من بلاد الهند. انتهى.

و بذلك يعلم أنّ المراد بالبحري أحد نوعي الهنديّ، و هو الأبيض البحريّ.

لكن في «شرح القسطلاني»: أنّ البحريّ يجلب من اليمن، و منه ما يجلب من المغرب.

(و الزّيت) المسخّن بأن يدقّا ناعما و يخلط به، و يدلك به محلّه، أو يلعق،

189

و (ذات الجنب): ورم حارّ يحدث في الغشاء المستبطن للأضلاع، و أ لم يشبهه يعرض في نواحي الجنب.

فإنّه نافع له، محلّل لمادّته، مقوّ للأعضاء الباطنة؛ يفتح للسّدد، و غير ذلك.

قال بعض العلماء: على المريض و الطّبيب أن يعمل على أنّ اللّه أنزل الدّاء و الدّواء، و أنّ المرض ليس بالتخليط؛ و إن كان معه، و أنّ الشّفاء ليس بالدّواء؛ و إن كان عنده، و إنّما المرض بتأديب اللّه، و البرء برحمته، حتى لا يكون كافرا باللّه؛ مؤمنا بالدّواء، كالمنجّم إذا قال: «مطرنا بنوء كذا»، و من شهد الحكمة في الأشياء، و لم يشهد مجريها، صار بما علم منها أجهل من جاهلها؛ قاله الزّرقاني.

(و ذات الجنب: ورم حارّ يحدث في الغشاء المستبطن)؛ أيّ: الدّاخل‏ (للأضلاع)؛ أي: فيها بحيث جعل كالبطانة، و هذا هو ذات الجنب الحقيقيّ الّذي تكلّم عليه الأطبّاء.

و يحدث بسببه خمسة أمراض: الحمّى؛ و السّعال؛ و النّخس؛ و ضيق النّفس؛ و النّبض المنشاري، أي: أنّ العروق تحرّك تحركا شديدا لأعلى و لأسفل، حركة تشبه حركة المنشار؛ و هو من الأمراض المخوفة. و هو من سيّئ الأسقام، و لذا قال صلى اللّه عليه و سلم- لمّا لدّوه في مرضه؛ ظنّا منهم أنّ به ذات الجنب-:

«ما كان اللّه ليسلّطها عليّ». أي: ما كان اللّه مريدا لأن يسلّطها عليّ رحمة بي، و رأفة عليّ.

(و) قد تطلق «ذات الجنب» على ما ذكره بقوله: (أ لم يشبهه)؛ أي: يشبه الورم الحارّ، الّذي هو ذات الجنب الحقيقيّ‏ (يعرض) ذلك الألم‏ (في نواحي الجنب) من رياح غليظة؛ مؤذية، تحتقن بين الصّفاقات‏ (1) و العضل‏ (2) الّتي في‏

____________

(1) الصفاقات- بكسر الصاد و تخفيف الفاء-: الجلد الأسفل الذي تحت الجلد الذي عليه الشعر. انتهى «زرقاني». (هامش الأصل).

(2) العضل؛ جمع عضلة- بفتح المهملة و المعجمة-: كل عصبة معها لحم غليظ. انتهى «زرقاني». (هامش الأصل).

190

و (القسط البحريّ) هو: العود الهنديّ.

و في «الصّحيحين»: أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «خير ما تداويتم به: الحجامة، و القسط البحريّ، ...

الصّدر و الأضلاع، يداوي به الرّيح الغليظة.

و قد تطلق «ذات الجنب» على وجع الخاصرة (و القسط)- بضمّ القاف- (البحريّ هو: العود الهنديّ) الّذي يتبخّر به.

و قال اللّيث: عود يجاء به من الهند؛ يجعل في البخور و الدّواء.

و قال بعضهم: العود خشب يأتي من قمار من الهند، و من مواضع أخر، و أجوده القماريّ الرّزين؛ الأسود اللّون؛ الذّكي الرّائحة، الذّائب إذا ألقي على النّار، الرّاسب في الماء، و مزاجه حارّ يابس. انتهى «شرح القاموس».

(و في «الصّحيحين»)- كذا في النّسخ الّتي بأيدينا؛ و هو كذلك في «زاد المعاد»، و لم أجده في «مسلم» بهذا اللّفظ!! و أمّا البخاري فلفظه: «إنّ أمثل ما تداويتم به: الحجامة و القسط البحريّ، و لا تعذّبوا صبيانكم بالغمز من العذرة، و عليكم بالقسط». و الحديث باللّفظ الّذي أورده المصنّف مذكور في «الجامع الصّغير» قال العزيزي: حديث صحيح، و رمز له في «الجامع الصّغير» برمز الإمام أحمد و النّسائي؛ عن أنس بن مالك (رضي الله تعالى عنه) قال:

( «إنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال: «خير ما تداويتم به: الحجامة) لا سيّما في البلاد الحارّة، (و القسط)- بضمّ القاف- (البحريّ) و هو الأبيض.

قال العلقمي: القسط ضربان: أحدهما الأبيض الّذي يقال له البحريّ، و الآخر الهنديّ؛ و هو أشدّهما حرّا، و الأبيض ألينهما و منافعهما كثيرة جدا، و هما حارّان يابسان ينشّفان البلغم، و يقطعان الزّكام. و إذا شربا نفعا من ضعف الكبد و المعدة، و من بردها، و من حمّى الرّبع و الورد، و قطعا وجع الجنب، و نفعا من السّموم.

انتهى.

191

و لا تعذّبوا صبيانكم بالغمز من العذرة».

و في «السّنن و المسند» عن جابر بن عبد اللّه قال: دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) على عائشة (رضي الله تعالى عنها)- و عندها صبيّ يسيل منخراه دما- فقال: «ما هذا؟»، قالوا: به العذرة، أو: وجع في رأسه، ...

و قال القرطبي: البحريّ الأبيض أحد نوعي العود الهندي- كما تقدّم-.

(و لا تعذّبوا صبيانكم)؛ أي: أطفالكم‏ (بالغمز)- بالغين المعجمة، و الزّاي آخره- بأن يدخل أحدكم نحو الإصبع في حلق الطّفل، و يغمز محلّ الوجع؛ فينفجر منه دم أسود (من العذرة)- بضمّ المهملة، و سكون المعجمة-: وجع في الحلق يعتري الأطفال غالبا. و قيل: قرحة تخرج بين الأذن و الحلق، سمّيت به!! لأنها تخرج عند طلوع العذراء؛ كوكب تحت الشّعراء، و طلوعها يكون في الحرّ.

و المراد عالجوا العذرة بالقسط، بأن يسحق و يجعل في زيت، و يسخّن يسيرا على النّار، و يسقى الطّفل، و لا تعذّبوهم بالغمز، لأنّ مادّة العذرة دم يغلب عليه بلغم. و في القسط تخفيف للرّطوبة، فنهاهم صلى اللّه عليه و سلم عن الغمز و أرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال. و أسهل عليهم.

(و في «السّنن و المسند») للإمام أحمد؛ (عن جابر بن عبد اللّه) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ (رضي الله تعالى عنهما) (قال:

دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم على عائشة (رضي الله تعالى عنها)- و عندها صبيّ) صغير (يسيل منخراه)؛ تثنية منخر، و فيه خمس لغات نظمها بعضهم؛ فقال:

افتح لميم منخر و خائه‏ * * * و اكسرهما، و ضمّ أيضا معلنا

و زد كمجلس و عصفور و قل‏ * * * خمس ب «قاموس» أتت فأتقنا

(دما، فقال:

«ما هذا؟») الّذي بهذا الصّبيّ. (قالوا: به العذرة، أو وجع في رأسه.

192

فقال: «ويلكنّ؛ لا تقتلن أولادكنّ، أيّما امرأة أصاب ولدها عذرة، أو وجع في رأسه .. فلتأخذ قسطا هنديّا، فتحكّه بماء، ثمّ تسعطه‏

فقال: «ويلكنّ) كلمة تقال لمن وقع في هلكة و لا يترحّم عليه، بخلاف «ويح» (لا تقتلن أولادكنّ)؛ أي: لا تفعلن ما يكون سببا لقتلهم.

(أيّما امرأة)- بزيادة «ما»، لإفادة التّعميم- (أصاب ولدها عذرة، أو وجع في رأسه؛ فلتأخذ قسطا)- بضمّ القاف و بالطّاء، قال «البخاري» و هو الكست.

يعني: بالكاف و الفوقية- قال: مثل الكافور و القافور، و مثل كشطت و قشطت، و قرأ عبد اللّه بن مسعود [قشطت‏] (1) قال «القرطبي»: و هذا من التّعاقب بين الحرفين. (هنديّا) يجلب من الهند. و هو نوعان: أسود و أبيض، و يقال له:

بحريّ، و هو المراد هنا، لحديث زيد بن أرقم: «تداووا من ذات الجنب بالقسط البحريّ، و الزّيت». هذا مفاد كلام القرطبي.

و قال القسطلاني في «شرح البخاري»: البحريّ ما يجلب من اليمن، و منه ما يجلب من المغرب، و زاد بعضهم ثالثا يسمّى ب «القسط المرّ»، و هو كثير ببلاد الشّام؛ خصوصا السّواحل.

قال في «نزهة الأفكار»: و أجودها البحري، و خياره الأبيض الخفيف الطّيب الرّائحة، و بعده الهندي؛ و هو أسود خفيف، و بعده الثّالث؛ و هو ثقيل، و لونه كالخشب البقس و رائحته ساطعة، و أجود ذلك كلّه: ما كان جديدا ممتلئا غير متاكل يلذع اللّسان. و كلّ دواء مبارك نافع.

(فتحكّه بماء)؛ أي: تحكّه على حجر بالماء، كذا في «المرقاة». و قال «القرطبي»: أي: يدقّ ناعما.

(ثمّ تسعطه)- بفتح التّاء و العين، و بضمّ العين؛ من سعط: كمنع و نصر،

____________

(1) من قوله تعالى‏ وَ إِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ‏ [11/ التكوير]. و أما قراءة ابن مسعود (رضي الله عنه) [قشطت‏] فهي قراءة شاذّة.

193

إيّاه»، فأمرت عائشة (رضي الله تعالى عنها) فصنع ذلك للصّبيّ فبرأ.

و (العذرة): تهيّج في الحلق من الدّم.

و قيل: قرحة تخرج فيما بين الأذن و الحلق، و تعرض للصّبيان غالبا.

و (القسط البحريّ): هو العود الهنديّ، و هو الأبيض منه، و فيه منافع عديدة، ...

و بضمّ التّاء و كسر العين؛ من أسعط (إيّاه»)؛ أي: تصبّه في أنفه.

قال القرطبي: و هل يسعط به مفردا أو مع غيره؟! يسأل عن ذلك أهل المعرفة و التّجربة. و لا بدّ من النفع به، إذ لا يقول صلى اللّه عليه و سلم إلّا حقّا.

(فأمرت عائشة (رضي الله تعالى عنها) فصنع ذلك للصّبيّ فبرأ).

قال في «المرقاة»: و قد حصل هذا المرض لولدي؛ و ألحّ به، فأرادوا أن يغمزوا حلقه على طريقة النّساء فمنعتهنّ من ذلك تمسّكا بالحديث، و استعملت له القسط؛ فشفي منه سريعا، و لم يعاوده بعد ذلك، و وصفته لجماعة فبرءوا؛ مصداق قوله صلى اللّه عليه و سلم.

(و العذرة)- بضمّ العين المهملة، و سكون الذّال المعجمة- (تهيّج)؛ أي:

ثوران ورم‏ (في الحلق من الدّم) الّذي يغلب عليه البلغم.

(و قيل) هي: (قرحة تخرج فيما بين الأذن و الحلق)، أو تخرج في الخرم الّذي بين الأنف و الحلق، و هو الّذي يسمّى سقوط اللّهاة.

(و تعرض للصّبيان غالبا) في زمن الحرّ.

(و القسط)- بضم القاف و بالطّاء- (البحريّ: هو العود الهنديّ) الّذي يجلب من الهند، (و هو) نوعان: أسود و أبيض، و المراد هنا (الأبيض منه، و فيه منافع عديدة)

194

و كانوا يعالجون أولادهم بغمز اللّهاة، و بالعلاق؛ و هو شي‏ء يعلّقونه على الصّبيان، فنهاهم (صلّى اللّه عليه و سلم) عن ذلك، و أرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال و أسهل عليهم.

و (السّعوط): ما يصبّ في ...

يدرّ الطّمث و البول، و يقتل ديدان الأمعاء، و يدفع السّمّ و حمّى الرّبع، و حمّى الورد، و يسخّن المعدة، و يحرّك شهوة الجماع. و يذهب الكلف طلاء.

(و كانوا يعالجون أولادهم بغمز اللّهاة)- بفتح اللّام-: اللّحمة الّتي في أقصى الحلق، و يجمع على لهى و لهيات؛ مثل: حصاة و حصى و حصيات، و على لهوات أيضا- على الأصل- كما في «المصباح».

(و) يعالجونهم‏ (بالعلاق)- بكسر العين المهملة و فتحها- (و هو: شي‏ء يعلّقونه على الصّبيان) كالعوذة، و هذا بيان للمراد، و إلّا فالعلاق- لغة-: ما يعلق به الشّي‏ء، ثمّ تفسيره بذلك مخالف لما في «شرح البخاريّ» حيث قال: أعلقت عليه من العذرة؛ أي: رفعت حنكه بإصبعها ففجّرت الدّم.

و في «الفتح» و «النهاية» و غيرهما: أنّه كانت عادة النّساء إذا أصاب الصّبيّ العذرة تعمد المرأة إلى خرقة تفتلها فتلا شديدا، و تدخلها في أنفه، و تطعن ذلك الموضع، فينفجر منه دم أسود و ربّما أقرحه، و كانوا بعد ذلك يعلّقون عليه علاقا كالعوذة.

(فنهاهم صلى اللّه عليه و سلم عن ذلك، و أرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال، و أسهل عليهم)، فإنّ القسط يشدّ اللّهاة، و يرفعها إلى مكانها؛ لأنّه حارّ يابس.

(و السّعوط) المراد هنا- بفتح السّين، و ضمّ العين المهملتين-. أمّا بضمّ السّين؛ فهو الفعل الّذي هو صبّ الدّواء في الأنف. و ليس مرادا هنا بل المراد الأوّل و هو:

(ما يصبّ في) الأنف، و قد يكون بأدوية مفردة و مركّبة تدقّ؛ و تنخل؛

195

أنف الإنسان و هو مستلق على ظهره، و بين كتفيه ما يرفعهما؛ لينخفض رأسه فيتمكّن السّعوط من الوصول إلى دماغه، و يستخرج ما فيه من الدّاء بالعطاس. و قد مدح النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) التّداوي بالسّعوط فيما يحتاج إليه فيه.

و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يأمر أن يسترقى من العين.

و روى مسلم في «صحيحه»: عن ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «العين حقّ، و لو كان شي‏ء سابق القدر ...

و تعجن، و تجفّف؛ ثم تحلّ عند الحاجة، و يسعط بها في‏ (أنف الإنسان و هو مستلق على ظهره، و بين كتفيه)؛ أي: تحتهما (ما يرفعهما) من نحو مخدّة؛ (لينخفض رأسه، فيتمكّن السّعوط من الوصول إلى دماغه) يعني أنه بهذه الكيفيّة يسهل انحدار السّعوط إلى الدّماغ‏ (و يستخرج ما فيه)؛ أي: الدماغ‏ (من الدّاء بالعطاس)؛ ذكره ابن القيّم قال:

(و قد مدح النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم التّداوي بالسّعوط فيما يحتاج إليه فيه).

و ذكر أبو داود في «سننه» أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم استعط. انتهى.

(و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يأمر أن يسترقى)- بالبناء للمفعول- (من العين) بنحو (ما شاء اللّه، لا قوّة إلّا باللّه. أخرجه مسلم في «صحيحه»؛ عن عائشة (رضي الله تعالى عنها). و في رواية له؛ عنها أيضا: كان يأمرني أن أسترقي من العين.

(و روى مسلم في) «الطّبّ»؛ من‏ ( «صحيحه»)، و الإمام أحمد كلاهما؛ (عن ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما) قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:

«العين حقّ)؛ أي: أنّ الإصابة بالعين شي‏ء ثابت موجود، و هو من جملة ما تحقّق وجوده بالفعل، (و لو كان شي‏ء سابق القدر)- بفتحتين-: أي: لو

196

لسبقته العين».

فرض أنّ لشي‏ء قوّة بحيث يسبق القدر (لسبقته العين) لكنّها لا تسبق القدر، فكيف غيرها؟! فإنه تعالى قدّر المقادير قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة.

قال القرطبي: «فلو». مبالغة في تحقيق إصابة العين، جرى مجرى التّمثيل، إذ لا يردّ القدر شي‏ء، فإنّه عبارة عن سابق علم اللّه و نفوذ مشيئته، و لا رادّ لأمره و لا معقّب لحكمه، فهو كقولهم: لأطلبنّك؛ و لو تحت الثّرى، و لو صعدت السّماء؟!.

قال المازري: و قد أخذ الجمهور بظاهر الحديث من تأثيرها بإرادة اللّه و خلقه، و أنكره طوائف من المبتدعة لغير معنى، لأنّ كلّ شي‏ء ليس محالا في نفسه، و لا يؤدّي إلى قلب حقيقة و لا إفساد دليل!! فهو من مجوّزات العقول، و كلّ ما جوّزته و أخبر الشّارع بوقوعه وجب قبوله و الأخذ بظاهره؛ و لم يكن لإنكاره معنى سوى العناد و المكابرة. و هل من فرق بين إنكارهم إصابة العين؛ و بين إنكارهم ما يخبر به من أمور الآخرة!؟

و قد اشتكى بعض النّاس هذه الإصابة؛ فقال: كيف تعمل العين من بعد، حتّى يحصل الضّرر للمعيون؟

و أجيب: بأنّ طبائع النّاس تختلف، فقد يكون ذلك من سمّ يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون؛ فيحصل الضّرر بتقدير اللّه. و قد نقل عن بعض من كان معيانا، أنّه قال: إذا رأيت شيئا يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني!!

و يقرّب ذلك: بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللّبن فيفسد!! و لو وضعتها بعد طهرها لا يفسد!!

و كذا تدخل البستان، فتضرّ بكثير من الغروس من غير أن تمسّها!

و من ذلك: أنّ الصّحيح قد ينظر إلى العين الرّمداء فيرمد!!.

قال المازري: و زعم بعض الطّبائعيّين أنّ العائن ينبعث من عينه قوة سمّيّة تتّصل‏

197

..........

بالمعيون؛ فيهلك أو يفسد جسمه أو عقله، و هو كإصابة السّمّ من نظر الأفعى.

و أشار المازري إلى منع الحصر في ذلك. أي: خروج سمّيّة من عين العائن، مع تجويز المازريّ خروجها؛ لا على سبيل القطع.

و إنّ الّذي يتمشّى على طريقة أهل السّنّة: أنّ العين إنّما تضرّ عند نظر العائن، بعادة أجراها اللّه تعالى أن يحدث الضّرر عند مقابلة شخص آخر.

و هل ثمّ جواهر خفيّة تخرج من العين أو لا؟! هو أمر محتمل؛ لا يقطع بإثباته و لا نفيه، إذ لا مستند لذلك.

و من قال ممّن ينتمي إلى الإسلام من أصحاب الطّبائع بالقطع؛ بأنّ ثمّ جواهر لطيفة غير مرئيّة تنبعث من العائن فتتّصل بالمعيون؛ و تتخلّل مسامّ جسمه، فيخلق الباري الهلاك عندها؛ كما يخلق الهلاك عند شرب السّمّ!! فقد أخطأ بدعوى القطع، إذ لا دليل عليه، و لكنّه جائز أن يكون عادة ليس ضرورة؛ و لا طبيعة.

انتهى كلام المازري. و هو كلام سديد لموافقته مذهب أهل السّنّة.

و ليس المراد بالتّأثير المعنى الذي يذهب إليه الفلاسفة من أنّ إصابة العين صادرة عن تأثير النّفس بقوّتها فيه، فأوّل ما تؤثّر في نفسها؛ ثمّ تؤثّر في غيرها!!.

بل المراد ما أجرى اللّه به العادة من حصول الضّرر للمعيون بخلق اللّه تعالى.

و قد أخرج البزّار، و البخاريّ في «التّاريخ» و الطّيالسي، و الحكيم التّرمذي بسند حسن، و صحّحه «الضّياء»- عن جابر رفعه «أكثر من يموت من أمّتي بعد قضاء اللّه و قدره بالنّفس». قال الرّاوي: يعني بالعين. و قد أجرى اللّه العادة بوجود كثير من القوى و الخواصّ في الأجسام و الأرواح؛ كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل؛ فيرى في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك! و كذلك الاصفرار عند رؤية من يخافه، و كثير من النّاس يسقم بمجرّد النّظر إليه؛ و تضعف قواه.

198

و في «سنن أبي داود»: عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) قالت: كان يؤمر العائن فيتوضّأ، ...

و كلّ ذلك بواسطة ما خلق اللّه تعالى في الأرواح من التأثيرات لشدّة ارتباطها بالعين، و ليست هي المؤثّرة! و إنّما التأثير للرّوح، و الأرواح مختلفة في طبائعها، و كيفيّاتها؛ و خواصّها. فمنها ما يؤثّر في البدن بمجرّد الرّؤية؛ من غير اتّصال به، لشدّة خبث تلك الرّوح و كيفيتها الخبيثة.

و الحاصل أنّ التّأثير بإرادة اللّه تعالى و خلقه ليس مقصورا على الاتّصال الجسمانيّ، بل يكون تارة به؛

و تارة بالمقابلة، و أخرى بمجرّد الرّؤية، و أخرى بتوجّه الرّوح؛ كالذي يحدث في البدن من الشّفاء من المرض و نحوه بسبب الأدعية و الرّقى و الالتجاء إلى اللّه تعالى.

و تارة يقع ذلك بالتّوهّم و التخيّل، فالذي يخرج من عين العائن سهم معنويّ، إن صادف البدن لا وقاية له أثّر فيه الضّرر بخلق اللّه تعالى، و إلّا! لم ينفذ فيه السّهم، بل ربّما ردّ على صاحبه، كالسّهم الحسّيّ سواء. انتهى ملخّصا من «فتح الباري» و غيره. نقله في «المواهب» و شرحها.

و تمام الحديث: «و إذا استغسلتم فاغسلوا» أي: إذا طلب منكم أيّها المتّهمون بإصابة العين- غسل الأعضاء الآتي بيانها فاغسلوا.

(و في «سنن أبي داود») في كتاب «الطّبّ»؛ (عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) قالت: كان يؤمر العائن فيتوضّأ) و لم يبيّن في حديث ابن عباس صفة الاغتسال؛ و لا في حديث عائشة صفة الوضوء؟!

قال المحقّق محمد بن سليمان الكردي في «حواشي شرح بافضل» (1): الّذي‏

____________

(1) في كتابه المسمى «الحواشي المدنية على المقدمة الحضرمية في فقه السادة الشافعية».

199

ثمّ يغتسل منه المعين.

قال الزّهريّ: ...

يفهمه كلام أئمّتنا تصريحا و تلويحا: أنّ وضوء العائن كغيره، المراد به الوضوء الشّرعيّ؛ لكن الموجود في كتب الحديث أنّه غيره.

(ثمّ يغتسل منه)؛ أي الوضوء، أي: ماءه‏ (المعين)- اسم مفعول-؛ من عانه إذا أصابه بالعين، تقول:- كما في «الفتح»-: عنت الرّجل؛ أصبته بعينك؛ فهو معين و معيون. انتهى.

(قال) الإمام الحافظ المحدّث؛ محمّد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن شهاب بن عبد اللّه بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي: أبو بكر القرشي.

(الزّهريّ)؛ نسبة إلى بني زهرة بن كلاب المذكور. تابعيّ من أهل المدينة، نزل الشّام و استقرّ بها، و يقولون تارة الزّهري، و تارة ابن شهاب ينسبونه إلى جدّ جدّه.

و هو أحد أفراد الدّنيا؛ علما و عملا و جلالة.

سمع أنس بن مالك؛ و سهل بن سعد؛ و السّائب بن يزيد؛ و عبد الرحمن بن أزهر؛ و محمود بن الرّبيع؛ و أبا أمامة أسعد بن سهل بن حنيف؛ و أبا الطّفيل.

و هؤلاء كلهم صحابة.

و سمع من خلائق؛ من كبار التّابعين و أئمّتهم.

روى عنه خلائق من كبار التّابعين و صغارهم، و من أتباع التّابعين.

و حفظ القرآن في ثمانين ليلة!. قال الشّافعيّ: لو لا الزّهريّ ذهبت السّنن من المدينة.

و مناقبه؛ و الثّناء عليه؛ و على حفظه أكثر من أن يحصر.

توفي ليلة الثّلاثاء لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة: أربع و عشرين و مائة، و هو ابن اثنتين و سبعين سنة، و توفي بقرية بأطراف الشّام يقال لها:

«سغبدا» (رحمه الله تعالى). قال في صفة الاستغسال:

200

يؤمر الرّجل العائن بقدح، فيدخل كفّه فيه، فيتمضمض، ثمّ يمجّه في القدح، ثمّ يغسل وجهه في القدح، ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على كفّه اليمنى في القدح، ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على كفّه اليسرى، ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على مرفقه الأيمن، ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على مرفقه الأيسر، ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على قدمه اليمنى، ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على قدمه اليسرى ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على ركبته اليمنى، ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على ركبته اليسرى، ثمّ يغسل داخلة إزاره، و لا يوضع القدح في الأرض، ثمّ يصبّ ...

(يؤمر الرّجل العائن بقدح) فيه ماء؛ (فيدخل كفّه فيه، فيتمضمض) بغرفة منه؛ (ثمّ يمجّه في القدح، ثمّ) يأخد منه ماء (يغسل وجهه في القدح) مرّة واحدة، (ثمّ يدخل يده اليسرى) في القدح؛ (فيصبّ على كفّه اليمنى في القدح) صبّة واحدة، (ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على كفّه اليسرى) واحدة، (ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على مرفقه الأيمن) في القدح واحدة، (ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على مرفقه الأيسر) صبّة واحدة، (ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على قدمه اليمنى) في القدح واحدة، (ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على قدمه اليسرى) صبّة واحدة، (ثمّ يدخل يده اليسرى، فيصبّ على ركبته اليمنى) في القدح، (ثمّ يدخل يده اليمنى، فيصبّ على ركبته اليسرى) صبّة واحدة فيها، (ثمّ يغسل داخلة إزاره).

قال المازري: المراد ب «داخلة إزاره»: الطّرف المتدلّي الّذي يلي حقوه الأيمن. و قال القاضي عياض: إنّ المراد ما يلي جسده من الإزار. و قيل غير ذلك.

(و لا يوضع القدح في الأرض) حتّى يفرغ‏ (ثمّ يصبّ) ذلك الماء الّذي في‏

201

على رأس الرّجل الّذي تصيبه العين من خلفه صبّة واحدة.

القدح‏ (على رأس الرّجل الّذي تصيبه العين من خلفه صبّة واحدة) يجري على جسده، و يكون غسل الأطراف المذكورة كلّها؛ و داخلة الإزار في القدح. هكذا روي عن الزّهري، و قال: إنّه من العلم.

قال ابن عبد البرّ: و هو أحسن ما فسّر به الحديث، لأنّ الزّهريّ راويه. قال القاضي عياض: إنّ الزّهري أخبر أنه أدرك العلماء يصفونه و استحسنه علماؤنا، و مضى به العمل. انتهى.

قال مقيّده غفر اللّه ذنوبه: هذه الكيفية الّتي ذكرها غير متعيّنة، بل يحصل النّفع بالاستغسال الآتي في حديث سهل بن حنيف، و بأيّ كيفيّة كانت؛ إذا غسل أطرافه، و صبّ غسالته على المعيون؛ حصل النّفع بإذن اللّه تعالى، و لذلك لم يبيّن النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم كيفيّة الاستغسال، بل أطلق؛ إشارة إلى ذلك. و اللّه أعلم.

قال الزّرقاني: و هذا الغسل ينفع بعد استحكام النّظرة. أمّا عند الإصابة؛ و قبل الاستحكام؛ فقد أرشد صلى اللّه عليه و سلم إلى ما يدفعه، بقوله: «ألا بركت عليه»!!. قال أبو عمر: أي: قلت: تبارك اللّه أحسن الخالقين، اللّهم بارك فيه. فيجب على كلّ من أعجبه شي‏ء أن يبارك، فإذا دعا بالبركة، صرف المحذور لا محالة.

و للنّسائيّ و ابن ماجه؛ عن أبي أمامة، و ابن السّنيّ؛ عن عامر بن ربيعة، كلاهما مرفوعا: «إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه؛ فليدع بالبركة».

و روى ابن السّنّي؛ عن سعيد بن حكيم؛ قال: كان صلى اللّه عليه و سلم إذا خاف أن يصيب شيئا بعينه، قال: «اللّهمّ؛ بارك فيه و لا تضرّه». انتهى.

قال المازري: و هذا المعنى- يعني الاغتسال بالصّفة المذكورة- لا يمكن تعليله، و معرفة وجهه من جهة العقل، و ليس في قوّة العقل الاطّلاع على أسرار جميع المعلومات!! فلا يردّ لكونه لا يعقل معناه!.

و قال ابن القيّم: هذه الكيفيّة لا ينتفع بها من أنكرها، و لا من سخر منها،

202

..........

و لا من شكّ فيها، أو فعلها مجرّبا غير معتقد، و إذا كان في الطّبيعة خواصّ لا يعرف الأطبّاء عللها؛ بل هي عندهم خارجة عن القياس و إنما تفعل بالخاصيّة؛ فما الّذي ينكره جهلتهم من الخواصّ الشرعيّة؟ هذا مع أنّ في المعالجة بالاغتسال مناسبة لا تأباها العقول الصّحيحة، فهذا ترياق سمّ الحيّة يؤخذ من لحمها! و هذا علاج النّفس الغضبيّة، بوضع اليد على بدن الغضبان، فيسكن! فكان أثر تلك العين، كشعلة نار، وقعت على جسد ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشّعلة.

ثمّ لمّا كانت هذه الكيفيّة الخبيثة تظهر في المواضع الرّقيقة من الجسد لشدّة النّفوذ فيها و لا شي‏ء أرقّ من المغابن؛ فكان في غسلها إبطال لعملها.

و لا سيّما أن للأرواح الشّيطانيّة في تلك المواضع اختصاصا.

و فيه أمر آخر: و هو وصول أثر الغسل إلى القلب، من أرق المواضع و أسرعها نفاذا، فتطفأ تلك النّار التي أثارتها العين بهذا الماء؛ فيشفى المعين. انتهى.

و قال ابن القيّم أيضا: و الغرض العلاج النّبويّ الوارد في الأحاديث؛ من الرّقى بالأدعية، و نحوها لعلّة الإصابة بالعين.

فمن التّعوّذات و الرّقى الإكثار من قراءة المعوّذتين، لحديث عائشة السّابق:

كان إذا اشتكى، يقرأ على نفسه بالمعوّذات و ينفث. و لحديثها أيضا: كان صلى اللّه عليه و سلم إذا أوى إلى فراشه كلّ ليلة جمع كفّيه؛ ثمّ نفث فيها، ثمّ يقرأ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»، و «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ»، و «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ»، ثمّ مسح بهما ما استطاع من جسده؛ يفعل ذلك ثلاث مرات. رواه البخاري.

و منها الإكثار من قراءة «الفاتحة»؛ لحديث «الصحيحين» في الّذي رقى اللّديغ بالفاتحة؛ فقال صلى اللّه عليه و سلم: «و ما أدراك أنّها رقية»؟.

و روى البيهقيّ في «الشّعب»؛ عن جابر رفعه: «أ لا أخبرك بخير سورة نزلت في القرآن؟» قلت: بلى. قال: «فاتحة الكتاب». قال راويه: و أحسبه قال «فيها شفاء من كلّ داء».

203

..........

و للبيهقيّ و لسعيد بن منصور؛ عن أبي سعيد مرفوعا «فاتحة الكتاب شفاء من السّمّ».

و منها قراءة آية الكرسي. روى الدّيلميّ؛ عن أبي أمامة: سمعت عليا يقول:

ما أرى رجلا أدرك عقله في الإسلام؛ يبيت حتّى يقرأ هذه الآية اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ‏ [255/ البقرة]، إلى قوله‏ وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ‏ (255) [البقرة] فلو تعلمون ما هي أو ما فيها؛ لما تركتموها على حال!! إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «أعطيت آية الكرسيّ من كنز تحت العرش، و لم يؤتها نبيّ قبلي».

قال عليّ: فما بتّ ليلة منذ سمعته من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حتّى أقرأها.

قال أبو أمامة: و ما تركتها منذ سمعتها من عليّ، ثمّ سلسله الباقون.

«الدّيلميّ».

و في خبر: «سيّد البقرة آية الكرسيّ، أما إنّ فيها خمس آيات، في كلّ كلمة خمسون بركة».

و منها التّعوّذات النّبويّة؛ نحو: «أعوذ بكلمات اللّه التّامّة، من كلّ شيطان و هامّة. و من كلّ عين لامّة». و نحو «أعوذ بكلمات اللّه التّامّات، الّتي لا يجاوزهنّ برّ و لا فاجر، من شرّ ما خلق و برأ و ذرأ، و من شرّ ما ينزل من السّماء، و من شرّ ما يعرج فيها، و من شرّ ما ذرأ في الأرض، و من شرّ ما يخرج منها، و من شرّ فتن اللّيل و النّهار، و من شرّ طوارق اللّيل و النّهار، إلّا طارقا يطرق بخير يا رحمن».

و إذا كان الشّخص يخشى ضرر عينه؛ و إصابتها للمعين! فليدفع شرّها بقوله «اللّهم بارك عليه»، كما قال صلى اللّه عليه و سلم لعامر بن ربيعة: لمّا عان سهل بن حنيف: «ألا برّكت عليه»؛ أي: قلت‏ (بارك اللّه فيك). انتهى من «المواهب» و «شرحها».

204

..........

و حديث سهل بن حنيف الّذي أشار إليه هو ما أخرجه الإمام أحمد، و النّسائي، و صححه ابن حبّان؛ من طريق الزّهري؛ عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف: أنّ أباه سهل بن حنيف حدّثه أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم خرج و ساروا معه نحو ماء، حتّى إذا كان بشعب الخرّار من الجحفة؛ اغتسل سهل بن حنيف.

و في رواية مالك؛ عن محمّد بن أبي أمامة؛ عن أبيه: فنزع سهل جبّة كانت عليه؛ و كان أبيض حسن الجسم و الجلد فنظر إليه عامر بن ربيعة، فقال: ما رأيت كاليوم، و لا جلد مخبّأة!!؟ و في رواية: مالك المذكورة: و لا جلد عذراء، فلبط سهل- أي: صرع و سقط إلى الأرض-.

و في رواية مالك: فوعك سهل مكانه و اشتدّ وعكه، زاد في رواية: حتّى ما يعقل لشدّة الوجع!! فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم- زاد مالك؛ عن ابن شهاب؛ عن أبي أمامة- فقيل له: يا رسول اللّه: هل لك في سهل بن حنيف؟ و اللّه ما يرفع رأسه؟! فقال: «هل تتّهمون من أحد!». قالوا: عامر بن ربيعة.

و في رواية «مالك»؛ عن محمّد بن أبي أمامة؛ عن أبيه: فأتي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فأخبر أنّ سهلا وعك، و أنّه غير رائح معك، فأتاه صلى اللّه عليه و سلم، فأخبره سهل بالّذي كان من شأن عامر بن ربيعة، فدعا عامرا؛ فتغيّظ عليه، فقال: «علام يقتل أحدكم أخاه!؟»- زاد في رواية:- «و هو غنيّ عن قتله؟؟ هلّا إذا رأيت ما يعجبك برّكت؟!». ثمّ قال: «اغتسل له».

و لمالك؛ عن محمّد: «توضّأ له». فغسل عامر وجهه و يديه- و في رواية- و ظاهر كفّيه و مرفقيه. زاد في رواية: و غسل صدره و ركبتيه، و أطراف رجليه، و داخلة إزاره في قدح. زاد في رواية: قال: و حسبته قال: و أمره فحسا منه حسوات، ثمّ صبّ ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه؛ و ظهره؛ ثمّ كفأ القدح، ففعل ذلك؛ فراح سهل مع النّاس؛ ليس به بأس. انتهى.