منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - ج4

- عبد الله بن سعيد محمد العبادي المزيد...
531 /
205

و ممّا يدفع إصابة العين:

قول: (اللّهمّ بارك عليه).

و قول: (ما شاء اللّه لا قوّة إلّا باللّه).

(و ممّا يدفع إصابة العين قول: اللّهمّ بارك عليه)، فإنّ ذلك يبطل ما يخاف من العين، و يذهب تأثيره. ذكره الباجيّ.

(و) ممّا يدفعها أيضا (قول: ما شاء اللّه، لا قوّة إلّا باللّه) كما قال تعالى‏ وَ لَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ‏ [39/ الكهف‏].

و قال صلى اللّه عليه و سلم: «من رأى شيئا. فأعجبه، فقال: ما شاء اللّه، لا قوّة إلّا باللّه، لم يضرّه». رواه البزّار؛ و ابن السّنّي؛ عن أنس.

ففيهما استحباب هذا الذّكر عند رؤية ما يعجب.

و استدلّ مالك بالآية على استحبابه لكلّ من دخل منزله؛ كما قاله ابن العربي.

و أخرج ابن أبي حاتم؛ عن مطرّف قال: كان مالك إذا دخل بيته قال:

«ما شاء اللّه، لا قوّة إلّا باللّه». قلت له: لم تقول هذا؟ قال: أ لا تسمع اللّه تعالى يقول ... و تلا الآية. و أخرج عن الزّهري مثله.

و ممّا يدفع إصابة العين أيضا رقية جبريل النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، كما رواه مسلم في «الطّبّ» عن أبي سعيد الخدري (رضي الله تعالى عنه) أنّ جبريل أتى النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم فقال:

يا محمّد: اشتكيت؟ قال: «نعم». قال: باسم اللّه أرقيك، من كلّ شي‏ء يؤذيك، من شرّ كلّ ذي نفس، أو عين حاسد، اللّه يشفيك، باسم اللّه أرقيك».

و عند مسلم أيضا في «الطّبّ»؛ من حديث عائشة (رضي الله تعالى عنها):

كان جبريل يرقي النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم إذا اشتكى قال: باسم اللّه يبريك، و من كلّ داء يشفيك، و من شرّ حاسد إذا حسد، و من شرّ كلّ ذي عين. انتهى. و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.

206

[الفصل الثّاني في سنّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و وفاته‏]

الفصل الثّاني في سنّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و وفاته‏ عن ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما) قال: مكث النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) بمكّة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه،

(الفصل الثّاني) من الباب الثّامن؛

(في) ما جاء في‏ (سنّه صلى اللّه عليه و سلم)

أي: مقدار عمره الشّريف، و السّنّ بهذا المعنى مؤنّثة، لأنّها بمعنى المدّة.

(و) في ما جاء في‏ (وفاته)

أي: تمام أجله الشّريف، فإنّ الوفاة- بفتح الواو-: مصدر وفى يفي بالتخفيف- أي: تمّ أجله.

و هذا الفصل مضمونه يسكب المدامع من الأجفان، و يجلب الفجائع لإثارة الأحزان، و يلهب نيران الموجدة على أكباد ذوي الإيمان.

أخرج البخاريّ في «الهجرة، و المغازي، و فضائل القرآن»، و مسلم في «الفضائل»، و التّرمذيّ في «الجامع»؛ في «كتاب المناقب»، و أخرجه في «الشّمائل»؛

(عن ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما) قال: مكث)- بفتح الكاف و ضمّها- أي: لبث‏ (النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم) بعد البعثة (بمكّة) الّتي هي أفضل الأرض عند الشّافعي؛ حتى على المدينة المنوّرة، و عكس مالك الإمام.

و سمّيت مكة: لأنّها تمكّ الذّنوب؛ أي: تذهبها، و لها أسماء كثيرة.

(ثلاث عشرة سنة) هذا هو الأصحّ، و غيره! محمول عليه‏ (يوحى إليه)؛

207

و بالمدينة عشرا، و توفّي و هو ابن ثلاث و ستّين.

و في رواية عنه: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) توفّي و هو ابن خمس و ستّين.

أي: باعتبار مجموعها، لأنّ مدّة فترة الوحي ثلاث سنين، من جملتها، و روي:

عشر سنين، و هو محمول على ما عدا مدّة فترة الوحي، و روي أيضا خمس عشرة سنة؛ في سبعة منها يرى نورا و يسمع صوتا؛ و لم ير ملكا. و في ثمانية منها يوحى إليه.

و هذه الرّواية مخالفة للأولى من وجهين:

الأوّل في مدّة الإقامة بمكّة بعد البعثة؛ هل هي ثلاثة عشر؟ أو خمسة عشر.

و الثّاني: في زمن الوحي: هل هو ثلاث عشرة؛ أو ثمانية.

(و بالمدينة عشرا)؛ أي: عشر سنين باتّفاق، فإنّهم اتّفقوا على أنّه صلى اللّه عليه و سلم أقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين، كما اتّفقوا على أنّه أقام بمكّة قبل البعثة أربعين سنة، و إنّما الخلاف في قدر إقامته بمكّة بعد البعثة!! و الصّحيح أنه ثلاث عشرة سنة.

(و توفّي)- بالبناء للمجهول- أيّ: توفّاه اللّه تعالى؛ أي: مات‏ (و هو ابن ثلاث و ستّين) سنة، و اتّفق العلماء على أنّ هذه الرّواية أصحّ الرّوايات الثّلاث الواردة في قدر عمره صلى اللّه عليه و سلم، و قد رواها مسلم؛ من رواية عائشة، و أنس؛ و ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهم).

و الثّانية: أنّه توفّي و هو ابن ستّين سنة، و هي محمولة على أنّ راويها اقتصر على العقود و ألغى الكسر.

و الثّالثة: أنّه توفّي و هو ابن خمس و ستين سنة، و هي محمولة على إدخال سنة الولادة و سنة الوفاة، أو حصل فيها اشتباه. و اللّه أعلم.

(و في رواية عنه)؛ أي: ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما) (أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم توفّي و هو ابن خمس و ستّين) سنة، أي: بحسبان سنتي الولادة و الوفاة كما تقدّم‏

208

و عن أنس بن مالك (رضي الله تعالى عنه): أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) توفّاه اللّه تعالى على رأس ستّين سنة.

و عن عائشة (رضي الله تعالى عنها): أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) مات و هو ابن ثلاث و ستّين سنة.

و عن جرير بن حازم الأسديّ، عن معاوية (رضي الله تعالى عنه):

أنّه سمعه يخطب، قال: ...

التّنبيه عليه آنفا؛ على أنّه قد أنكر عروة بن الزّبير على ابن عبّاس قوله: خمس و ستّين، و نسبه إلى الغلط، و أنّه لم يدرك أوّل النّبوّة، و لا كثرة صحبته، بخلاف الباقين.

(و) أخرج التّرمذيّ في «الشّمائل»؛ (عن أنس بن مالك (رضي الله تعالى عنه) أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم توفّاه اللّه تعالى على رأس ستّين سنة)؛ أي: بإلغاء الكسر، فلا ينافي رواية أنّه توفّاه اللّه تعالى و هو ابن ثلاث و ستّين سنة، الّتي هي أصحّ الرّوايات؛ و أشهرها رواها البخاريّ من رواية ابن عبّاس؛ و معاوية، و مسلم من رواية عائشة؛ و ابن عبّاس؛ و معاوية أيضا (رضي الله تعالى عنهم).

(و) أخرج مسلم، و التّرمذيّ في «الشّمائل»؛ (عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم مات و هو ابن ثلاث و ستّين سنة) قد علمت أن هذه الرّواية أصحّ الرّوايات و أشهرها.

(و) أخرج البخاريّ، و مسلم، و التّرمذيّ في «الشّمائل»؛

(عن جرير بن حازم الأسديّ) حضر جنازة أي الطّفيل بمكّة، و سمع رجاء العطارديّ، و الحسن. و عنه ابنه، و ابن مهدي. ثقة؛ لكنّه اختلط، فحجبه أولاده؛ مات سنة: سبعين و مائة.

(عن معاوية) بن أبي سفيان بن حرب بن أميّة ((رضي الله تعالى عنه))

(أنّه)؛ أي: جرير (سمعه)؛ أي معاوية (يخطب)؛ أي: حال كونه خطيبا (قال:

209

مات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو ابن ثلاث و ستّين، و أبو بكر و عمر. و أنا ابن ثلاث و ستّين سنة.

قوله: (أنا ابن ثلاث و ستّين) المراد: أنّه كان كذلك وقت تحديثه بهذا الحديث، و لم يمت فيه، بل عاش حتّى بلغ نحو ثمانين سنة.

مات رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و هو ابن ثلاث و ستّين)؛ أي: و الحال أنّه ابن ثلاث و ستّين سنة.

(و أبو بكر و عمر) مرفوعان بالابتداء، و الخبر محذوف تقديره: كذلك.

أمّا أبو بكر! فمتّفق عليه أنّه مات و عمره ثلاث و ستّون.

و أما عمر؛ فعلى الأصحّ أنّه عمره ثلاث و ستّون.

و لم يذكر عثمان (رضي الله تعالى عنه)! لأنّه قتل و له من العمر ثنتان و ثمانون سنة، و قيل: ثمان و ثمانون.

و لم يذكر عليا (رضي الله تعالى عنه) و كرّم اللّه وجهه! مع أنّ الأصحّ أنّه قتل و له من العمر ثلاث و ستّون. و قيل: خمس و ستّون، و قيل: سبعون، و قيل: ثمان و خمسون!! للاختلاف الواقع فيه، أو لعدم معرفته بعمره، بسبب تعدّد الرّوايات.

و اللّه أعلم.

ثم استأنف معاوية (رضي الله تعالى عنه)؛ فقال: (و أنا ابن ثلاث و ستّين سنة) أي: أنا متوقع أن أموت في هذا السّن؛ موافقة لهم، لكنّه لم ينل مطلوبه و متوقّعه، بل مات و هو قريب من ثمانين، كما سيأتي للمصنّف.

(قوله)؛ أي: معاوية (أنا ابن ثلاث و ستّين: المراد) بهذا الكلام‏ (أنّه)؛ أي معاوية (كان كذلك)؛ أي: كان عمره ثلاثا و ستّين سنة (وقت تحديثه بهذا الحديث، و لم يمت فيه)؛ أي: في هذا السّن، (بل عاش)؛ أي: طال عمره‏ (حتّى بلغ نحو ثمانين سنة) قيل: بلغ ثمانيا و سبعين، و قيل: ستّا و ثمانين، و قيل: ثمانين سنة.

210

و أمّا وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): ف

و أحسن العمر: ثلاث و ستّون، كعمره صلى اللّه عليه و سلم و صاحبيه، و لهذا لمّا بلغ بعض العارفين هذا السّنّ، هيّأ له أسباب مماته؛ إيماء إلى أنّه لم يبق لذّة في بقيّة حياته.

و اللّه أعلم.

(و أمّا وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ف) هي مصيبة الأوّلين و الآخرين من المسلمين، و لمّا كان الموت مكروها بالطّبع، لما فيه من الشّدة و المشقة العظيمة؛ لم يمت نبيّ من الأنبياء حتّى يخيّر.

و أول ما أعلم النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم من انقضاء عمره باقتراب أجله؛ بنزول سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ‏ (1) [النصر] فإنّ المراد من هذه السّورة نعي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؛ أي:

إنّك يا محمّد إذا فتح اللّه عليك البلاد، و دخل النّاس في دينك، الّذي دعوتهم إليه أفواجا؛ فقد اقترب أجلك، فتهيّأ للقائنا بالتحميد و الاستغفار، فإنّه قد حصل منك مقصود ما أمرت به؛ من أداء الرّسالة و التّبليغ، و ما عندنا خير لك من الدّنيا، فاستعدّ للنّقلة إلينا.

و كان (عليه الصلاة و السلام) يعرض القرآن كلّ عام على جبريل مرّة، فعرضه ذلك العام مرّتين في رمضان؛ كما في «الصّحيحين» من حديث عائشة (رضي الله تعالى عنها).

و كان (عليه الصلاة و السلام) يعتكف العشر الأواخر من رمضان كلّ عام؛ فاعتكف في ذلك العام عشرين، و أكثر معهن الذكر و الاستغفار.

و روى الشيخان؛ من حديث عقبة بن عامر الجهني؛ قال:

صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم على قتلى أحد؛ صلاته على الميت بعد ثمان سنين، كالمودّع للأحياء و الأموات، ثمّ طلع المنبر؛ فقال:

«إنّي بين أيديكم فرط، و أنا عليكم شهيد، و إنّ موعدكم الحوض، و إنّي لأنظر إليه و أنا في مقامي هذا، و إنّي قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، و إنّي لست‏

211

عن أنس بن مالك (رضي الله تعالى عنه) قال: آخر نظرة نظرتها إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كشف السّتارة يوم الإثنين، ...

أخشى عليكم أن تشركوا بعدي!!، و لكنّي أخشى عليكم الدّنيا أن تنافسوا فيها!!».

و ما زال صلى اللّه عليه و سلم يعرّض باقتراب أجله في آخره عمره، فإنه لما خطب في حجّة الوداع؛ قال للنّاس: «خذوا عنّي مناسككم، فلعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا!».

و طفق يودّع النّاس، فقالوا: هذه «حجة الوداع».

و اختلف في مدّة مرضه، و الأكثر أنّها ثلاثة عشر يوما، و هو المشهور.

و كان ابتداء مرضه في بيت ميمونة؛ كما ثبت في «الصحيحين»، و اشتداد مرضه في بيت عائشة (رضي الله تعالى عنها). و ابتدأ به المرض يوم الاثنين، و قيل:

يوم السّبت، و قيل: يوم الأربعاء.

و شدّة مرضه الّتي انقطع بها عن الخروج في بيت عائشة كانت سبعة أيّام، و ما زاد عليها؛ فهو قبل اشتداده الّذي انقطع به.

و في البخاريّ و مسلم: قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): لمّا ثقل برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و اشتدّ وجعه استأذن أزواجه أن يمرّض في بيتي، فأذن له ... الحديث.

و أخرج ابن ماجه، و التّرمذيّ في «الشّمائل»؛ (عن أنس بن مالك (رضي الله تعالى عنه) قال: آخر نظرة نظرتها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كشف) أي: رفع‏ (السّتارة) المعلّقة على باب بيته الشّريف، أي: أمر برفعها. و هي- بكسر السّين المهملة-:

ما يستر به، فقوله «آخر نظرة» مبتدأ، و خبره ما دلّ عليه «كشف»، و جملة «كشف السّتارة» في محلّ نصب على الحال، بتقدير «قد»؛ أي: آخر نظري إلى وجهه حال كونه قد كشف السّتارة (يوم الاثنين)- منصوب على الظّرفية-. و قيل:

إنّه مرفوع على أنه خبر، مع تقدير مضاف قبل المبتدأ، و التّقدير: زمن آخر نظرة نظرتها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم هو يوم الاثنين.

212

فنظرت إلى وجهه كأنّه ورقة مصحف، و النّاس خلف أبي بكر، فكاد النّاس أن يضطربوا، فأشار إلى النّاس: أن اثبتوا و أبو بكر يؤمّهم، و ألقى السّجف، و توفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من آخر ذلك اليوم.

(فنظرت إلى وجهه) الشّريف‏ (كأنّه ورقة)- بفتح الرّاء- (مصحف)- مثلّث الميم، و الأشهر ضمّها-، و هو كناية عن الجمال البارع و حسن البشرة، و صفاء الوجه، و استنارته؛ قاله الزّرقاني.

(و النّاس خلف أبي بكر) الصّدّيق (رضي الله تعالى عنه)؛ قد اقتدوا به في صلاة الصّبح بأمره صلى اللّه عليه و سلم، (فكاد النّاس أن يضطربوا) في صلاتهم بأن يخرجوا منها فرحا برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، لاعتقادهم خروجه صلى اللّه عليه و سلم ليصلّي بهم، (فأشار) رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏ (إلى النّاس: أن اثبتوا) مكانكم في صلاتكم. و «أن» تفسيريّة لمعنى الإشارة؛ لما في الإشارة من معنى القول، فهو نظير قوله‏ فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ‏ [27/ المؤمنون‏].

(و أبو بكر يؤمّهم)؛ أي: يصلّي بهم إماما في صلاة الصّبح بأمره، حيث قال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس».

(و ألقى)؛ أي: أرخى‏ (السّجف)- بكسر السّين و فتحها- أي: السّتر، و هو الّذي عبر عنه أولا بالسّتارة.

(و توفّي)- بصيغة المجهول- (رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من آخر ذلك اليوم)؛ و هو يوم الاثنين، و كان ابتداء مرضه صلى اللّه عليه و سلم من صداع عرض له، ثمّ اشتدّ به؛ حتّى صار يقول: «أين أنا غدا .. أين أنا غدا؟» ثمّ استأذن أزواجه أن يمرّض في بيت عائشة لمحبّته لها؛ مع علمه بأنّ بيتها مدفنه، فأذن له أن يمرّض عندها، و امتدّ به المرض، حتّى مات في اليوم الثّاني عشر من ربيع الأوّل، و كان يوم الاثنين.

و كونه توفّي آخر ذلك اليوم لا ينافي جزم أهل السّير بأنّه مات حين اشتدّ الضّحى!! بل حكى صاحب «جامع الأصول»: الاتّفاق عليه، لأنّ المراد بقولهم‏

213

..........

«توفّي ضحى»: أنّه فارق الدّنيا، و خرجت نفسه الشّريفة في وقت الضّحى، و المراد بكونه توفّي في آخر اليوم أنّه تحقّق وفاته عند النّاس في آخر اليوم.

و ذلك أنّه بعد ما توفّي حصل اضطراب و اختلاف بين الصّحابة في موته، فأنكر كثير منهم موته؛ حتّى قال عمر: من قال «إنّ محمّدا قد مات؛ قتلته بسيفي هذا»؟! فما تحقّقوا وفاته إلّا في آخر النّهار، حتّى جاء الصّدّيق (رضي الله تعالى عنه) و أعلمهم كما سيأتي.

و في الحديث أنّ الصّدّيق استمرّ خليفة على الصّلاة؛ حتّى مات المصطفى صلى اللّه عليه و سلم، لا كما زعمت الشّيعة أنّه عزله بخروجه!! و اللّه أعلم.

و قد روى البخاريّ هذا الحديث أيضا؛ عن أنس (رضي الله تعالى عنه)، لكن بلفظ: إنّ المسلمين بينما هم في صلاة الفجر يوم الاثنين؛ و أبو بكر يصلّي بهم لم يفجأهم إلّا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قد كشف سجف حجرة عائشة (رضي الله تعالى عنها)، فنظر إليهم و هم صفوف في الصّلاة ثمّ تبسّم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصلّ بالصّف، فظنّ أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يريد أن يخرج إلى الصّلاة.

قال أنس: و همّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم؛ فرحا برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

فأشار إليهم بيده: أن أتمّوا صلاتكم، ثمّ دخل الحجرة، و أرخى السّتر. و في رواية له: فتوفّي في يومه.

و في رواية أخرى للبخاريّ و مسلم؛ عن أنس أيضا: لم يخرج إلينا ثلاثا، فذهب أبو بكر يتقدّم، فرفع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الحجاب، فلمّا وضح لنا وجهه ما نظرنا منظرا قطّ كان أعجب إلينا منه، حين وضح لنا؛ فأومأ إلى أبي بكر أن يتقدّم و أرخى الحجاب ... الحديث.

و لفظ مسلم؛ عن أنس أيضا: إنّ أبا بكر كان يصلّي بهم، حتّى إذا كانوا يوم الاثنين و هم صفوف في الصّلاة؛ كشف صلى اللّه عليه و سلم ستر الحجرة، فنظرنا إليه؛ و هو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثمّ تبسّم ضاحكا ... الحديث.

214

و (السّجف): السّتارة.

و عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) قالت: كنت مسندة النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى صدري- أو قالت: إلى حجري- فدعا بطست؛ ليبول فيه، ثمّ بال، فمات (صلّى اللّه عليه و سلم).

(و السّجف)- بكسر السّين المهملة-: (السّتارة) الّتي على الحجرة الشّريفة.

(و) أخرج التّرمذيّ في «الشّمائل»؛ (عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) قالت: كنت مسندة)- بصيغة اسم الفاعل؛ من الإسناد- (النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم إلى صدري- أو قالت: إلى حجري-) بفتح الحاء المهملة و كسرها-: حضني؛ و هو- بكسر الحاء-: ما دون الإبط إلى الكشح.

(فدعا بطست)- بفتح أوّله- أصله «طسّ». فأبدل أحد المضعّفين تاء لثقل اجتماع المثلين، و يقال: طسّ على الأصل- بغير تاء-، و هي كلمة أعجمية معرّبة مؤنّثة؛ عند الأكثر، و حكي تذكيرها، و لذلك قال:

(ليبول فيه)- بتذكير الضّمير، لكنّ التّأنيث أكثر في كلام العرب؛ كما قال الزّجاج- (ثمّ بال، فمات صلى اللّه عليه و سلم) و لحق بالرّفيق الأعلى.

و ظاهره أنّه مات في حجرها، و يوافقه ما رواه البخاريّ عنها: توفّي في بيتي، و في يومي، و بين سحري و نحري. و في رواية: بين حاقنتي و ذاقنتي؛ أي: كان رأسه بين حنكها و صدرها.

و لا يعارضه ما رواه الحاكم و ابن سعد؛ من طرق: أنّ رأسه كان في حجر علي (رضي الله عنه)؟ لأنّ كلّ طريق منها، لا يخلو من شي‏ء؛ كما ذكره الحافظ ابن حجر.

و على تقدير صحّتها! يحمل على أنّه كان في حجره قبل الوفاة.

215

و عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) أيضا أنّها قالت: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو بالموت، و عنده قدح فيه ماء، و هو يدخل يده في القدح، ثمّ يمسح وجهه بالماء، ثمّ يقول:

«اللّهمّ؛ أعنّي على سكرات الموت».

و في الحديث حلّ الاستناد للزّوجة، و البول في الطّست بحضرتها.

(و) أخرج الإمام أحمد، و التّرمذي في «الجامع»؛ و «الشمائل»- و قال في «الجامع»: حديث حسن غريب- و أخرجه ابن ماجه: كلّهم؛

(عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) أيضا أنّها قالت: رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و هو بالموت)- أي: مشغول به، و متلبّس به- (و عنده قدح فيه ماء؛ و هو يدخل يده في القدح، ثمّ يمسح وجهه بالماء)، لأنّه كان يغمى عليه من شدّة المرض ثم يفيق.

قال «المناوي»: و فيه أنه يسنّ فعل ذلك لمن حضره الموت، لأنّ فيه نوع تخفيف؛ فإن لم يفعله فعل به. أي: ما لم يظهر كراهته.

(ثمّ يقول: «اللّهمّ أعنّي على سكرات الموت»): شدائده.

قال بعض العلماء: فيه أنّ ذلك من شدّة الآلام و الأوجاع؛ لرفعة منزلته، و قد قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): لا أكره شدّة الموت لأحد بعد النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم.

و قال الشّيخ أبو محمد المرجاني: تلك السّكرات سكرات الطّرب، أ لا ترى إلى قول بلال لمّا قال له أهله- و هو في السّياق-: وا كرباه!! ففتح عينيه؛ و قال:

وا طرباه!! غدا ألقى الأحبّة؛ محمدا و حزبه.

فإذا كان هذا طربه و هو في حال السّياق بلقاء محبوبه؛ و هو النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم و حزبه، فما بالك بلقاء النّبيّ لربّه تعالى!! فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ‏ [17/ السجدة].

216

و عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) أيضا قالت: لا أغبط أحدا بهون موت بعد الّذي رأيت من شدّة موت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).

(و) أخرج الإمام أحمد، و التّرمذي في «الجامع» و «الشّمائل»؛

(عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) أيضا قالت: لا أغبط)- بكسر الموحّدة- من الغبطة و هي: أن يتمنّى أن يكون له مثل ما للغير؛ من غير أن تزول عنه.

و في رواية: ما أغبط (أحدا بهون موت)؛ أي: بسهولته‏ (بعد الّذي رأيت من شدّة موت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم) و مرادها بذلك إزالة ما تقرّر في النّفوس من تمنّي سهولة الموت، لأنّها لما رأت شدّة موته صلى اللّه عليه و سلم علمت أنّها ليست علامة رديئة؛ بل مرضيّة، فليست شدّة الموت علامة على سوء حال الميت، كما قد يتوهّم، و ليست سهولته علامة على حسن حاله؛ كما قد يتوهم أيضا.

و الحاصل: أنّ الشّدّة ليست أمارة على سوء؛ و لا ضدّه، و السّهولة ليست أمارة على خير؛ و لا ضدّه.

و قد جاء عن النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم بيان الشّدّة الحاصلة بالموت، فقد روى الإمام أحمد بإسناد حسن؛ عن أنس (رضي الله تعالى عنه)؛ عن النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم أنّه قال: «لم يلق ابن آدم شيئا قطّ منذ خلقه اللّه أشدّ عليه من الموت، ثمّ إنّ الموت لأهون ممّا بعده».

و أخرج الخطيب البغداديّ في «تاريخ بغداد»؛ عن أنس: «لمعالجة ملك الموت أشدّ من ألف ضربة بالسّيف» انتهى.

اللّهمّ؛ خفّف عنّا سكرات الموت، و الطف بنا عند نزع أرواحنا، و ارحمنا إذا صرنا من أصحاب القبور؛ يا عزيز يا غفور.

(و) أخرج التّرمذيّ في «الجامع» و «الشمائل»، و قال في «الجامع»: إنّه حديث غريب، و عبد الرّحمن بن أبي بكر المليكي يضعّف من قبل حفظه؛

217

و عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) أيضا قالت: لمّا قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) .. اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر:

سمعت من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) شيئا ما نسيته؛ قال: «ما قبض اللّه نبيّا إلّا في الموضع الّذي يحبّ أن يدفن فيه، ادفنوه في موضع فراشه».

(عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) أيضا قالت: لمّا قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم اختلفوا في دفنه؟)؛ أي في أصل دفنه، هل يدفن أو لا؟ و في محلّ دفنه: هل يدفن في مسجده؟ أو البقيع عند أصحابه؟ أو في الشّام؛ عند أبيه إبراهيم الخليل؟ أو في بلده مكّة المكرمة؟

فالاختلاف من وجهين: أصل الدّفن، و محلّ الدّفن؟ كذا في «الباجوري».

قال بعضهم: هذا أوّل اختلاف وقع بين الصّحابة بعد موته، حتى أخبرهم أبو بكر و عليّ بما عندهما من العلم- كما سيأتي-؛ ذكره المناوي.

(فقال أبو بكر) جوابا عن كلّ من السّؤالين:

(سمعت من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم شيئا ما نسيته)؛ إشارة إلى كمال استحضاره و حفظه. (قال: «ما قبض اللّه نبيّا؛ إلّا في الموضع الّذي يحبّ) اللّه؛ أو النّبيّ‏ (أن يدفن)- بصيغة المجهول- (فيه»).

و لا ينافيه نقل موسى ليوسف (عليهما الصلاة و السلام) من مصر إلى آبائه بفلسطين!؟ لاحتمال أن محبّة دفنه بمصر مؤقّتة بفقد من ينقله، على أن الظّاهر أن موسى إنّما فعله بوحي.

و ورد أن عيسى يدفن بجنبه صلى اللّه عليه و سلم؛ في السّهوة الخالية بينه صلى اللّه عليه و سلم و بين الشّيخين.

و أخذ منه بعضهم أنّ عيسى يقبض هناك في ذلك المحلّ المكرّم.

(ادفنوه)- بكسر الفاء- (في موضع فراشه)؛ أي: في المحلّ الّذي هو تحت فراشه، الّذي مات فيه من حجرة عائشة (رضي الله تعالى عنها).

218

و عن عائشة أيضا و ابن عبّاس: أنّ أبا بكر قبّل النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) بعد ما مات.

و عن عائشة أيضا (رضي الله تعالى عنها): أنّ أبا بكر دخل على النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه، و وضع يديه على ساعديه، ...

(و) أخرج البخاري؛ عن عائشة، و التّرمذيّ في «الجامع» و «الشّمائل»، و ابن ماجه؛ (عن عائشة أيضا و ابن عبّاس) (رضي الله تعالى عنهم) قال التّرمذيّ في «الجامع»: و في الباب عن ابن عباس؛ و جابر؛ و عائشة، قالوا:

(إنّ أبا بكر) الصّدّيق (رضي الله تعالى عنه) (قبّل النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم) بين عينيه تبرّكا و اقتداء به صلى اللّه عليه و سلم؛ حيث قبّل عثمان بن مظعون‏ (بعد ما مات).

فتقبيل الميت سنّة اقتداء بالنّبيّ صلى اللّه عليه و سلم و بالصّدّيق (رضي الله تعالى عنه).

قال المحقّق ابن حجر المكّيّ في «فتح الإله شرح المشكاة»:

إذا كان الميت صالحا سنّ لكلّ أحد تقبيل وجهه؛ التماسا لبركته، و اتّباعا لفعله صلى اللّه عليه و سلم في عثمان بن مظعون- كما سيأتي-.

و إن كان غير صالح؟ جاز ذلك بلا كراهة، لنحو أهله و أصدقائه، لأنّه ربّما كان مخفّفا لما وجده من ألم فقده. و مع الكراهة لغير أهل الميت، إذ قد لا يرضى به لو كان حيّا من غير قريبه و صديقه.

و محلّ ذلك كلّه ما لم يحمل التّقبيل فاعله على جزع أو سخط؛ كما هو الغالب من أحوال النّساء، و إلّا حرم أو كره. انتهى كلام «ابن حجر»؛ نقله ابن علّان في «شرح الأذكار».

(و) أخرج التّرمذيّ في «الشمائل»؛ (عن عائشة أيضا (رضي الله تعالى عنها) أنّ أبا بكر) الصّدّيق‏ (دخل على النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه) و قبّله، (و وضع يديه على ساعديه)- الأقرب ما في «المواهب»: على صدغيه. لأنّه هو

219

و قال: وا نبيّاه، وا صفيّاه، وا خليلاه.

و عن أنس (رضي الله تعالى عنه) قال: لمّا كان اليوم الّذي دخل فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة .. أضاء منها كلّ شي‏ء، فلمّا كان اليوم الّذي مات فيه .. أظلم منها كلّ شي‏ء، ...

المناسب للعادة- (و قال) من غير انزعاج و قلق و جزع و فزع، بل بخفض صوت‏ (: وا نبيّاه؛ وا صفيّاه؛ وا خليلاه) بهاء سكت في الثّلاثة، تزاد ساكنة لإظهار الألف الّتي أتى بها ليمتدّ الصوت به.

و هذا يدلّ على جواز عدّ أوصاف الميت بلا نوح، بل ينبغي أن يندب، لأنّه من سنّة الخلفاء الرّاشدين، و الأئمّة المهديين.

و قد صار ذلك عادة في رثاء العلماء، بحضور المحافل العظيمة، و المجالس الفخيمة.

قال في «جمع الوسائل»: و في رواية أحمد أنّ أبا بكر أتاه من قبل رأسه فحدر فاه؛ فقبّل جبهته، ثمّ قال: وا نبيّاه. ثمّ رفع رأسه و حدر فاه؛ و قبّل جبهته، ثمّ قال: وا صفيّاه. ثمّ رفع رأسه و حدر فاه؛ و قبّل جبهته، و قال: وا خليلاه.

و في رواية ابن أبي شيبة: فوضع فمه على جبينه؛ فجعل يقبّله و يبكي، و يقول: بأبي أنت و أمّي؛ طبت حيّا و ميتا. انتهى.

(و) أخرج ابن ماجه، و التّرمذيّ في «الشمائل»؛ (عن أنس (رضي الله تعالى عنه) قال:

لمّا كان اليوم الّذي دخل فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم المدينة) الشّريفة (أضاء) أي:

استنار (منها)؛ أي: المدينة الشّريفة (كلّ شي‏ء) نورا حسّيّا و معنويا، لأنّه صلى اللّه عليه و سلم نور الأنوار، و السّراج الوهّاج، و نور الهداية العامّة، و رفع الظلمة الطّامة.

(فلمّا كان اليوم الّذي مات فيه) صلى اللّه عليه و سلم‏ (أظلم منها كلّ شي‏ء) لفقد النّور،

220

و ما نفضنا أيدينا من التّراب، و إنّا لفي دفنه حتّى أنكرنا قلوبنا.

و عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) قالت: توفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم الإثنين.

و عن محمّد الباقر (رضي الله تعالى عنه)- و هو من التّابعين- قال:

قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم الإثنين، فمكث ذلك اليوم، و ليلة الثّلاثاء، و دفن من اللّيل.

و السّراج منها؛ فذهب ذلك النّور بموته. (و- ما-) نافية (نفضنا أيدينا من التّراب)؛ أي: تراب قبره الشّريف، و نفض الشّي‏ء: تحريكه ليزول عنه الغبار (و إنّا)- بالكسر، أي: و الحال إنّا- (لفي) معالجة (دفنه حتّى أنكرنا) بصيغة الماضي‏ (قلوبنا) أي: تغيّرت حالها بوفاة النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم عمّا كانت عليه من الرّقّة و الصّفاء؛ لانقطاع ما كان يحصل لهم منه صلى اللّه عليه و سلم من التعليم، و بركة الصّحبة، و ليس المراد أنّهم لم يجدوا قلوبهم على ما كانت عليه من التّصديق!!، لأنّ إيمانهم لم ينقص بوفاته صلى اللّه عليه و سلم.

(و) أخرج الإمام أحمد، و البخاريّ؛ و التّرمذي في «الشّمائل» كلّهم؛

(عن عائشة (رضي الله تعالى عنها)) أنّها (قالت: توفّي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم)؛ أي:

توفّاه اللّه تعالى بقبض روحه‏ (يوم الاثنين) كما هو متفق عليه بين أرباب النّقل.

(و) أخرج التّرمذي في «الشّمائل» قال: حدّثنا محمّد بن أبي عمر؛ قال:

حدّثنا سفيان بن عيينة؛ (عن) جعفر الصّادق؛ عن أبيه‏ (محمّد الباقر) بن عليّ زين العابدين ابن سيدنا الحسين السّبط ((رضي الله تعالى عنه)) و عنهم أجمعين؛ (و هو) أي: محمّد الباقر (من التّابعين) فالحديث مرسل؛ (قال:

قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يوم الاثنين، فمكث)- بضمّ الكاف؛ و فتحها، أي:

لبث بلا دفن- (ذلك اليوم) الذي هو يوم الاثنين‏ (و ليلة الثّلاثاء) بالمدّ (و دفن من اللّيل)؛ أي في ليلة الأربعاء وسط اللّيل، و قيل: دفن ليلة الثلاثاء، و قيل: يوم‏

221

و عن سالم بن عبيد (رضي الله تعالى عنه)- و كانت له صحبة- قال:

أغمي على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في مرضه، ...

الثّلاثاء، و الأوّل عليه الأكثر.

و أما غسله و تكفينه، ففعلت يوم الثّلاثاء؛ كما في «المواهب».

و إنّما أخّر دفنه صلى اللّه عليه و سلم مع أنّه يسنّ تعجيله!! لعدم اتّفاقهم على دفنه، و محلّ دفنه، و لدهشتهم من ذلك الأمر الهائل، الّذي لم يقع قبله و لا بعده مثله. و ذلك لأنّه لمّا وقعت هذه المصيبة العظمى و البليّة الكبرى؛ وقع الاضطراب بين الأصحاب، كأنّهم أجساد بلا أرواح!! و أجسام بلا عقول!! حتّى إنّ منهم من صار عاجزا عن النّطق! و منهم من صار ضعيفا نحيفا! و بعضهم صار مدهوشا! و شكّ بعضهم في موته، و كان محلّ الخوف من هجوم الكفّار، و توهّم وقوع المخالفة في أمر الخلافة بين الأبرار، فاشتغلوا بالأمر الأهمّ؛ و هو البيعة لما يترتّب على تأخيرها من الفتنة، و ليكون لهم إمام يرجعون إليه فيما ظهر لهم من القضيّة؛ فنظروا في الأمر، فبايعوا أبا بكر، ثمّ بايعوه من الغد بيعة أخرى، و كشف اللّه به الكربة، من أهل الرّدّة، ثمّ رجعوا إلى النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم فغسّلوه، و صلّوا عليه و دفنوه، بملاحظة رأي الصّدّيق (رضي الله تعالى عنه). و اللّه وليّ التّوفيق؛ قاله في «جمع الوسائل».

(و) أخرج التّرمذيّ في «الشّمائل»؛ قال: حدّثنا نصر بن علي الجهضمي؛ قال: حدّثنا عبد اللّه بن داود؛ قال: حدّثنا سلمة بن نبيط؛ قال: أخبرنا عن نعيم بن أبي هند عن نبيط بن شريط؛ (عن سالم بن عبيد)- بالتّصغير- الأشجعيّ:

صحابيّ من أهل الصّفّة ((رضي الله تعالى عنه))، خرّج له الأربعة، و مسلم، و لذلك قال المصنّف تبعا ل «الشّمائل»: (و كانت له صحبة؛ قال:

أغمي)- بصيغة المجهول- (على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في مرضه) لشدّة ما حصل له من الضّعف، و فتور الأعضاء، فالإغماء جائز على الأنبياء، لأنّه من المرض.

222

فأفاق، فقال: «حضرت الصّلاة؟»، فقالوا: نعم، فقال:

«مروا بلالا فليؤذّن، و مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس».

قال: ثمّ أغمي عليه، فأفاق، فقال: «حضرت الصّلاة؟»، فقالوا: نعم، فقال: «مروا بلالا فليؤذّن، و مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس».

فقالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): إنّ أبي رجل أسيف- أي:

حزين- ...

و قيّده الغزاليّ بغير الطويل، و جزم به البلقيني، بخلاف الجنون، فليس جائزا عليهم؛ لأنّه نقص، و ليس إغماؤهم كإغماء غيرهم! لأنّه إنّما يستر حواسّهم الظّاهرة؛ دون قلوبهم، لأنّه إذا عصمت عن النّوم فعن الإغماء أولى.

(فأفاق) من الإغماء بأن رجع إلى الشّعور؛ (فقال: «حضرت الصّلاة؟»)؛ أي: صلاة العشاء الآخرة؛ كما ثبت عند البخاري و هو استفهام بحذف الهمزة، أي: أحضر وقتها؟.

(فقالوا: نعم) أي: حضرت الصّلاة.

(فقال: «مروا بلالا)؛ أي: بلّغوا أمري بلالا (فليؤذّن)- بفتح الهمزة، و تشديد الذّال- من التّأذين، أي: فليناد بالصّلاة.

(و مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس»)؛ إماما لهم.

(قال: ثمّ أغمي عليه، فأفاق، فقال: «حضرت الصّلاة؟» فقالوا: نعم.

فقال: «مروا بلالا فليؤذّن، و مروا أبا بكر؛ فليصلّ بالنّاس».

فقالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): إنّ أبي رجل أسيف) فعيل بمعنى فاعل؛ من الأسف؛ و هو شدّة الحزن، (أي حزين)؛ أي: يغلب عليه الحزن و البكاء،

223

إذا قام ذلك المقام .. بكى، فلا يستطيع، فلو أمرت غيره.

قال: ثمّ أغمي عليه، فأفاق، فقال: «مروا بلالا فليؤذّن، و مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس، فإنّكنّ صواحب- أو صواحبات- يوسف»؛ أي: مثلهنّ في إظهار خلاف ما يبطنّ.

و لا يطيق أن يشاهد محلّ المصطفى صلى اللّه عليه و سلم خاليا منه، فلا يتمكّن من الإمامة، و القراءة، و هذا معنى قولها:

(إذا قام ذلك المقام) الّذي هو مقام الإمامة (بكى)؛ حزنا عليك‏ (فلا يستطيع)؛ أي: لا يقدر على الصّلاة بالنّاس، لغلبة البكاء عليه‏ (فلو أمرت غيره؟!) لكان حسنا فجواب «لو» محذوف إن كانت شرطية، و يحتمل أنّها للتمنّي فلا جواب لها.

(قال)؛ أي: سالم بن عبيد (: ثمّ أغمي عليه، فأفاق، فقال: «مروا بلالا فليؤذّن، و مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس، فإنّكنّ صواحب)- جمع صاحبة- (أو صواحبات) جمع صواحب؛ فهو جمع الجمع- (يوسف؛ أي: مثلهنّ في إظهار خلاف ما يبطنّ)- بتشديد النون- حتّى يصلن إلى أغراضهنّ، فالخطاب؛ و إن كان بلفظ الجمع لكنّ المراد به واحدة؛ و هي عائشة، و كذلك الجمع في قوله «صواحب» المراد به: امرأة العزيز، فهو من قبيل التّشبيه البليغ. و وجه الشّبه:

أنّ زليخا استدعت النّسوة، و أظهرت لهنّ الإكرام بالضّيافة؛ و أضمرت زيادة على ذلك، و هي: أن ينظرن إلى حسن يوسف (عليه الصلاة و السلام) فيعذرنها في حبّه.

و عائشة (رضي الله تعالى عنها) أظهرت أنّ سبب محبّتها صرف الإمامة عن أبيها، أنّه رجل أسيف، و أنه لا يستطيع ذلك، و أضمرت زيادة على ذلك هي أن لا يتشاءم النّاس به. فقد روى البخاريّ عنها: لقد راجعته، و ما حملني على كثرة المراجعة إلّا أنّه لم يقع في قلبي أن يحبّ النّاس رجلا قام مقامه أبدا، و أنّه لن يقوم أحد مقامه إلّا تشاءم النّاس به.

224

قال: فأمر بلال فأذّن، و أمر أبو بكر فصلّى بالنّاس، ثمّ إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) وجد خفّة فقال: «انظروا لي من أتّكئ عليه»، فجاءت بريرة و رجل آخر؛ ...

قال في «جمع الوسائل»: و قد يقال: الخطاب لعائشة و حفصة، و جمع إمّا تعظيما لهما، أو تغليبا لمن معهما من الحاضرات؛ أو الحاضرين، أو بناء على أنّ أقلّ الجمع اثنان.

و يعضده أنّ هذا الحديث أي «أغمي ...» إلى آخره روى الشّيخان بعضه، و منه قوله: «مروا أبا بكر، فليصلّ بالنّاس»، و أنّ عائشة أجابته، و أنّه كرّر ذلك؛ فكرّرت الجواب، و أنّه قال: «إنّكنّ صواحب يوسف، أو صواحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس».

و في البخاريّ: «فمر عمر فليصلّ بالنّاس». و أنّها قالت لحفصة: أنّها تقول له ما قالته عائشة، فقال لها: «مه إنّكنّ لأنتنّ صواحب يوسف! مروا أبا بكر.

فليصلّ بالنّاس». فقالت لها حفصة: ما كنت لأصيب منك خيرا. انتهى.

(قال)؛ أي سالم بن عبيد (فأمر بلال)- بصيغة المجهول- (فأذّن، و أمر أبو بكر فصلّى بالنّاس) تلك الصّلاة، و استمرّ يصلّي بهم إلى تمام سبع عشرة صلاة؛ كما نقله الحافظ الدّمياطيّ أولاها عشاء ليلة الجمعة، و آخرها صبح يوم الاثنين الّذي توفّي فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؛ كذا قاله الباجوري كالمناوي.

(ثمّ إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم وجد خفّة) من مرضه؛ (فقال: «انظروا لي)؛ أي أحضروا لي‏ (من أتّكئ)؛ أي: أعتمد (عليه») لأخرج للصّلاة.

(فجاءت بريرة)- بفتح الموحّدة، و كسر الرّاء المهملة الأولى مكبّرا؛ و هي:

بنت صفوان مولاة عائشة قبطيّة، أو حبشيّة، لها حديث واحد.

(و رجل آخر) جاء في رواية: أنّه نوبة- بضمّ النّون، و سكون الواو- و هو عبد أسود، و وصف بآخر!! للإيضاح. و في رواية الشيخين: فخرج بين رجلين؛

225

فاتّكأ عليهما، فلمّا رآه أبو بكر ذهب لينكص؛ فأومأ إليه أن يثبت مكانه حتّى قضى أبو بكر صلاته.

أحدهما العبّاس، و رجل آخر، و فسّر بعلي. و في طريق آخر: و يده على الفضل بن عباس، و يده على رجل آخر. و جاء في غير مسلم: بين رجلين؛ أحدهما أسامة.

و في رواية مسلم: العبّاس و ولده الفضل، و في أخرى: العبّاس و أسامة.

و جمعوا بين هذه الرّوايات على تقدير ثبوت جميعها بتعدّد خروجه. و خصّوا بذلك، لأنّهم من خواصّ أهل بيته؛ كذا في شروح «الشّمائل».

(فاتّكأ)؛ أي: اعتمد (عليهما) كما يعتمد على العصا (فلمّا رآه أبو بكر ذهب)؛ أي: طفق‏ (لينكص)؛ أي: ليرجع إلى ورائه القهقرى. يقال: نكص على عقبيه: رجع. و بابه: دخل؛ و جلس، فيصحّ قراءة ما هنا بضمّ الكاف و كسرها، و الأولى أن تضبط بكسرها، لأنّه المطابق لما في القرآن، حيث قال تعالى‏ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) [المؤمنون‏] بالكسر لا غير.

(فأومأ)- بالهمز- على الصّحيح أي: أشار النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم‏ (إليه)؛ أي: إلى أبي بكر (أن يثبت مكانه) ليبقى على إمامته، و لا يتأخّر عن مكانه فثبت‏ (حتّى قضى أبو بكر صلاته) أي: أتمّها، فهو مرتبط بمحذوف كما قدرته.

و ظاهر ذلك: أنه صلى اللّه عليه و سلم اقتدى بأبي بكر، و قد صرّح به بعض الرّوايات، لكن الّذي في رواية «الصحيحين»: كان أبو بكر (رضي الله عنه) يصلّي قائما و رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يصلّي قاعدا يقتدي أبو بكر بصلاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و النّاس يقتدون بصلاة أبي بكر (رضي الله عنه).

و المراد أنّ أبا بكر كان رابطة مبلّغا عنه صلى اللّه عليه و سلم، فبعد أن أخرج نفسه من الإمامة، صار مأموما. و هذا يدلّ لمذهب الشافعيّ؛ من جواز إخراج الإمام نفسه من الإمامة، و اقتدائه بغيره؛ فيصير مأموما بعد أن كان إماما.

226

ثمّ إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قبض، فقال عمر: و اللّه؛ لا أسمع أحدا يذكر أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قبض إلّا ضربته بسيفي هذا. قال: و كان النّاس أمّيّين؛ لم يكن فيهم نبيّ قبله،

و يمكن الجمع بين هاتين الرّوايتين بتعدّد الواقعة. انتهى؛ قاله الباجوري، و مثله في المناوي على «الشمائل». و فيه إشكال لما تقدّم نقله؛ عن الدّمياطي أن أبا بكر صلّى بهم تلك الصّلاة؛ و ما بعدها ... إلى تمام سبع عشرة صلاة.

و رواية الشيخين صريحة في أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم هو الّذي صلّى بهم تلك الصّلاة؛ و أبو بكر كان مقتديا به، فهي أولى بالاعتماد من غيرها.

(ثمّ إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قبض) أي: مات؛ و أبو بكر الصّدّيق غائب بالعالية عند زوجته بنت خارجة، و كان النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم أذن له في الذّهاب.

(فقال عمر) و قد سلّ سيفه‏ (: و اللّه؛ لا أسمع أحدا يذكر أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قبض إلّا ضربته بسيفي هذا!!؟»).

و الحامل له على ذلك ظنّه عدم موته، و أنّ الّذي عرض عليه غشي أو استغراق و توجّه للذات العلية، و لذلك كان يقول أيضا: إنما أرسل إليه صلى اللّه عليه و سلم كما أرسل إلى موسى صلى اللّه عليه و سلم فلبث عن قومه أربعين ليلة، و اللّه؛ إنّي لأرجو أن يقطع أيدي رجال، و أرجلهم، أي: من المنافقين، أو المرتدّين.

(قال) سالم‏ (: و كان النّاس) أي: العرب، بقرينة السّياق‏ (أمّيّين)، لقوله تعالى‏ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ‏ [2/ الجمعة]. قال جمهور المفسّرين:

الأمّيّ: من لا يحسن الكتابة و القراءة. أي: لا يقرءون و لا يكتبون. هذا هو معنى الأمّيّين في الأصل، و المراد بهم هنا: من لم يحضر موت نبيّ قبله، فقوله‏ (لم يكن فيهم نبيّ قبله!!) تفسير و بيان للمراد بالأمّيّين؛ بأنّهم لم يشاهدوا موت نبيّ و لا عرفوه من كتاب.

و سبب العلم بموته: إمّا دراية كتب الأنبياء، أو مشاهدة موته، و كلاهما منفيّ عن العرب.

227

فأمسك النّاس.

فقالوا: يا سالم؛ انطلق إلى صاحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فادعه، فأتيت أبا بكر (رضي الله تعالى عنه)- و هو في المسجد- فأتيته أبكي دهشا؟ فلمّا رآني .. قال لي: أقبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، قلت: إنّ عمر يقول: لا أسمع أحدا يذكر أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قبض .. إلّا ضربته بسيفي هذا، فقال لي:

انطلق، فانطلقت معه، فجاء هو و النّاس قد دخلوا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال: يا أيّها النّاس؛ أفرجوا لي، ...

(فأمسك النّاس) ألسنتهم عن النّطق بموته؛ خوفا من عمر لما حصل لهم من الذهول، و الحيرة الّتي ضلّت بها معلوماتهم الّتي من جملتها نطق التّنزيل على أنه ميّت؛

(فقالوا)؛ أي: النّاس‏ (يا سالم؛ انطلق إلى صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم) الّذي هو أبو بكر، فإنّه متى أطلق انصرف إليه، لكونه كان مشهورا به بينهم‏ (فادعه) ليحضر فيبيّن الحال.

(فأتيت أبا بكر (رضي الله تعالى عنه)، و هو في المسجد)؛ أي: مسجد محلّته التي كان فيها؛ و هو بالعوالي، كما في رواية البخاري: جاء من السّنح- بضمّ السّين المهملة؛ بوزن فعل-: موضع بأدنى عوالي المدينة بينه و بين مسجده الشّريف ميل، و لعله كان في ذلك المسجد، لصلاة الظّهر، (فأتيته) كرّره للتّأكيد (أبكي) أي: حال كوني أبكي‏ (دهشا)- بفتح فكسر أي: حال كوني دهشا-:

أي متحيّرا (فلمّا رآني؛ قال لي: أقبض رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؟) لما فهمه من حاله.

(قلت: إنّ عمر يقول: لا أسمع أحدا يذكر أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قبض إلّا ضربته بسيفي هذا!؟ فقال لي: انطلق؛ فانطلقت معه، فجاء هو)؛ أي: أبو بكر (و النّاس قد دخلوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال: يا أيّها النّاس؛ أفرجوا)- بقطع الهمزة، أي:

أوسعوا (لي) لأجل أن أدخل. و لا ينافي هذا رواية البخاري: أقبل أبو بكر

228

فأفرجوا له، فجاء حتّى أكبّ عليه و مسّه فقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏ [الزمر: 30].

ثمّ قالوا: يا صاحب رسول اللّه؛ أقبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)؟ قال: نعم، فعلموا أن قد صدق.

(رضي الله تعالى عنه) فلم يكلّم النّاس، لأنّ المراد لم يكلّمهم بغير هذه الكلمة.

(فأفرجوا له)؛ أي: انكشفوا عن طريقه‏ (فجاء حتّى أكبّ عليه) فوجده مسجّى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه الشّريف. (و مسّه) أي: قبّله بين عينيه، ثمّ بكى، و قال: بأبي أنت و أمّي؛ لا يجمع اللّه عليك موتتين، أمّا الموتة الّتي كتبت عليك فقد متّها؛ كذا في البخاريّ. و قصد بذلك الردّ على عمر فيما قال، إذ يلزم منه أنّه إذا جاء أجله يموت موتة أخرى، و هو أكرم على اللّه من أن يجمع عليه موتتين، كما جمعها على الّذين‏ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ‏ [243/ البقرة].

(فقال)؛ أي: قرأ استدلالا على موته صلى اللّه عليه و سلم قوله تعالى‏ (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏ (30) [الزمر] يعني: قد أخبر اللّه عنك في كتابه: أنّك ستموت، و أنّ أعداءك أيضا سيموتون، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ‏ (31) [الزمر] فقوله حقّ، و وعده صدق‏ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَ كَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ‏ [32/ الزمر] و قد قال المفسرون- في قوله تعالى‏ وَ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ‏ (33) [الزمر]:- إنّ الجائي بالصّدق هو النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و المصدّق أبو بكر، و لذا سمّي ب «الصّدّيق» (رضي الله تعالى عنه).

(ثمّ قالوا: يا صاحب رسول اللّه؛ أقبض رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم!! قال: نعم.

فعلموا أن)؛ أي: أنّه‏ (قد صدق) في إخباره بموته، لاستدلاله بالآية الّتي ذكرها، لما عنده من نور اليقين.

229

قالوا: يا صاحب رسول اللّه؛ أ يصلّى على رسول اللّه؟ قال:

نعم، قالوا: و كيف؟ قال: يدخل قوم، فيكبّرون و يصلّون، و يدعون، ثمّ يخرجون، ثمّ يدخل قوم، فيكبّرون و يصلّون، و يدعون، ثمّ يخرجون، حتّى يدخل النّاس.

(قالوا: يا صاحب رسول اللّه؛ أ يصلّى)- بالبناء للمفعول- (على رسول اللّه؟) إنّما سألوه لتوهّم أنّه مغفور له، فلا حاجة له إلى الصّلاة المقصود منها الدّعاء و الشّفاء للميت.

(قال: نعم) أي: يصلّى عليه لمشاركته لأمّته في الأحكام، إلّا ما خرج من الخصوصيات لدليل. (قالوا: و كيف) يصلّى عليه؟ أمثل صلاتنا على آحاد أمّته؟

أم بكيفية مخصوصة تليق برتبته العليّة؟.

(قال: يدخل قوم، فيكبّرون)؛ أي: أربع تكبيرات، (و يصلّون) على النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم؛ (و يدعون، ثمّ يخرجون، ثمّ يدخل قوم، فيكبّرون و يصلّون، و يدعون، ثمّ يخرجون، حتّى يدخل النّاس)؛ أي: و هكذا حتّى يصلّي عليه النّاس جميعا.

روى الحاكم في «المستدرك»، و البزّار: أنّ المصطفى صلى اللّه عليه و سلم حين جمع أهله في بيت عائشة، قالوا: فمن يصلّي عليك؟ قال: «إذا غسّلتموني و كفّنتموني فضعوني على سرير، ثمّ اخرجوا عنّي ساعة، فإنّ أوّل من يصلّي عليّ جبريل، ثمّ ميكائيل، ثمّ إسرافيل، ثمّ ملك الموت مع جنوده، ثمّ ادخلوا عليّ فوجا بعد فوج، فصلّوا عليّ، و سلّموا تسليما». قال الحاكم: فيه عبد الملك بن عبد الرّحمن؛ مجهول، و بقيّة رجاله ثقات.

و روى ابن ماجه أنّهم لمّا فرغوا من جهازه يوم الثّلاثاء وضع على سريره في بيته، ثمّ دخل النّاس أرسالا؛ أي: قوما بعد قوم، يصلّون عليه، حتّى إذا فرغوا دخلت النّساء، حتّى إذا فرغن؛ دخل الصّبيان، و لم يؤمّ النّاس عليه أحد، و قد

230

قالوا: يا صاحب رسول اللّه؛ أ يدفن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)؟ قال: نعم، قالوا: أين؟ قال: في المكان الّذي قبض اللّه فيه روحه، فإنّ اللّه لم يقبض روحه إلّا في مكان طيّب، فعلموا أن قد صدق.

روي عن عليّ كرّم اللّه وجهه أنّه قال: لا يؤمّ أحدكم عليه، لأنّه إمامكم حال حياته، و حال مماته.

و ورد في بعض الرّوايات أنّه صلى اللّه عليه و سلم أوصى على الوجه المذكور، و لذا وقع التّأخير في دفنه، لأنّ الصّلاة على قبره صلى اللّه عليه و سلم لا تجوز؛ قاله ملّا علي قاري في «جمع الوسائل».

قال الباجوري: و جملة من صلّى عليه من الملائكة ستّون ألفا، و من غيرهم ثلاثون ألفا. انتهى. هذا أمر توقيفيّ؛ يحتاج إلى دليل. و اللّه أعلم.

(قالوا: يا صاحب رسول اللّه؛ أ يدفن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؟)؛ أي: أو يترك بلا دفن؟ لسلامته من التّغيّر، أو لانتظار رفعه إلى السّماء؟ (قال: نعم)؛ أي:

يدفن في الأرض، لقوله تعالى‏ مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى‏ (55) [طه‏]، و لأنّه من سنن الأنبياء و المرسلين‏ (قالوا: أين) يدفن؟ كما تقدّم من الخلاف في دفنه. (قال:) يدفن‏ (في المكان الّذي قبض اللّه فيه روحه، فإنّ اللّه لم يقبض روحه إلّا في مكان طيّب، فعلموا أن)؛ أي: أنّه‏ (قد صدق) فيما قال.

و ورد مثل هذا عن أمير المؤمنين عليّ كرّم اللّه وجهه، فقد أخرج ابن الجوزيّ في «الوفاء»؛ عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) قالت: لما قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم اختلفوا في دفنه؟ فقال لي عليّ (رضي الله عنه): إنّه ليس في الأرض بقعة أكرم على اللّه من بقعة قبض فيها نفس نبيّه صلى اللّه عليه و سلم. قال الشّريف السّمهوديّ: فهذا أصل الإجماع على تفضيل البقعة التي ضمّت أعضاءه على جميع الأرض، حتّى من الكعبة!.

انتهى.

231

ثمّ أمرهم أن يغسّله بنو أبيه.

و اجتمع المهاجرون يتشاورون، ...

(ثمّ أمرهم أن يغسّله بنو أبيه)؛ أي: أمر النّاس أن يمكّنوا بني أبيه من غسله، و لا ينازعوهم فيه، و لذلك لم يقل: أمر بني أبيه أن يغسّلوه، مع أنّه الظّاهر؟ لأنّ المأمور بالغسل هم؛ لا النّاس.

و مراده: ب «بني أبيه»: عصبته من النّسب، فغسّله عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)، لخبر ابن سعد و البزّار و البيهقيّ و ابن الجوزي في «الواهيات»؛ عن عليّ قال: أوصاني النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «أن لا يغسّله أحد غيري، فإنّه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه». زاد «ابن سعد»: قال عليّ: فكان الفضل و أسامة يناولان الماء من وراء السّتر- و هما معصوبا العين- قال عليّ: فما تناولت عضوا، إلا كأنّما يقلّبه معي ثلاثون رجلا، حتّى فرغت من غسله.

و كان العبّاس و ابنه الفضل يعينانه، و قثم و أسامة و شقران «مولاه صلى اللّه عليه و سلم» يصبّون الماء و أعينهم معصوبة من وراء السّتر.

(و اجتمع المهاجرون يتشاورون) في أمر الخلافة، و الواو لمطلق الجمع، لأنّ القضيّة واقعة قبل الدّفن، فقد ذكر الطبريّ‏ (1) في «الرّياض النّضرة»: أنّ الصّحابة أجمعوا على أنّ نصب الإمام بعد انقراض زمن النّبوة من واجبات الأحكام، بل جعلوه أهمّ الواجبات، حيث اشتغلوا به عن دفن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

و واجب نصب إمام عدل‏ * * * بالشّرع فاعلم؛ لا بحكم العقل‏

و اختلافهم في التعيين لا يقدح في الإجماع.

و لتلك الأهميّة لمّا توفّي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قام أبو بكر خطيبا؛ فقال: يا أيّها

____________

(1) هو المحب الطبري من علماء القرن السابع الهجري، لا المؤرخ المفسر المحدث المشهور. و قد تقدمت ترجمته مع شي‏ء عن عائلته في الجزء الثاني.

232

فقالوا: انطلق‏ (1) بنا إلى إخواننا من الأنصار ندخلهم معنا في هذا الأمر، فقالت الأنصار: منّا أمير، و منكم أمير، ...

النّاس؛ من كان يعبد محمّدا؛ فإنّ محمّدا قد مات! و من كان يعبد اللّه؛ فإنّ اللّه حيّ لا يموت، و لا بدّ لهذا الأمر ممّن يقوم به، فانظروا، و هاتوا رأيكم! فقالوا صدقت.

و اجتمع المهاجرون، (فقالوا) لأبي بكر (: انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار) و لعلّهم لم يطلبوا الأنصار إلى مجلسهم!! خوفا أن يمتنعوا من الإتيان إليهم؛ فيحصل اختلاف و فتنة، و قوله: (ندخلهم)- بالجزم؛ في جواب الأمر- (معنا في هذا الأمر)؛ أي: التّشاور في الخلافة، و كان من جملة القائلين: عمر (رضي الله تعالى عنه) حيث صرّح بالعلّة بقوله: مخافة إن فارقنا القوم؛ و لم تكن لهم بيعة معنا، أن يحدثوا بعدنا بيعة؟ فإمّا أن نبايعهم على ما لا نرضى، أو نخالفهم؛ فيكون فساد.

(فقالت الأنصار)- مرتّب على محذوف، و التّقدير: فانطلقوا إليهم- و هم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة- فتكلّموا معهم في شأن الخلافة، فقال قائلهم الحباب بن المنذر (: منّا أمير، و منكم أمير!!) على عادتهم في الجاهلية، قبل تقرّر الأحكام الإسلامية، فإنّه كان لكلّ قبيلة شيخ و رئيس يرجعون إليه في أمورهم و سياستهم.

و لهذا كانت الفتنة مستمرّة فيهم إلى أن جاء النّبي صلى اللّه عليه و سلم و ألّف بين قلوبهم، و عفا اللّه عمّا سلف من ذنوبهم.

و لمّا قالوا ذلك ردّ عليهم أبو بكر الصّدّيق، و قال: نحن الأمراء، و أنتم الوزراء، فكونوا معنا و استدلّ بقوله تعالى‏ لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً وَ يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُ‏ونَ‏ (8) [الحشر] مع‏

____________

(1) في «وسائل الوصول»: انطلقوا.

233

فقال عمر بن الخطّاب (رضي الله تعالى عنه): من له مثل هذه الثّلاثة؟

ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة: 40] من هما؟.

قال: ثمّ بسط يده فبايعه، و بايعه النّاس، بيعة حسنة جميلة.

قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏ (119) [التوبة] فقال لهم:

نحن الصّادقون؛ فكونوا معنا. فأذعنوا لقوله.

و احتجّ بحديث: «الأئمّة من قريش» و هو حديث صحيح؛ ورد من طريق نحو أربعين صحابيا. و في رواية أحمد و الطّبرانيّ؛ عن عقبة بن عبد بلفظ: «الخلافة لقريش».

و استغني بهذا عن الرّدّ عليهم بالدّليل العقلي؛ و هو أنّ تعدّد الأمير يفضي إلى التّعارض و التّناقض؛ فلا يتمّ النّظام، و لا يلتئم الكلام.

(فقال عمر بن الخطّاب (رضي الله تعالى عنه): من له) أي: من ثبت له‏ (مثل هذه) الفضائل‏ (الثّلاثة؟!) التي ثبتت لأبي بكر الصّدّيق (رضي الله تعالى عنه)، و هو استفهام إنكاريّ، قصد به الرّدّ على الأنصار، حيث توهّموا أنّ لهم حقا في الخلافة، و هذه الثّلاثة مذكورة في قوله تعالى‏ (ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ) هذه الأولى، و الثّانية قوله‏ (إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ‏)، و الثّالثة قوله‏ (إِنَّ اللَّهَ مَعَنا) فبعد ما تلا عليهم عمر بن الخطّاب هذه الآية، قال: (من هما!؟) أي: من هذان الاثنان المذكوران في هذه الآية؟ و الاستفهام للتّعظيم و التّقرير!!

(قال)؛ أي: الرّاوي‏ (ثمّ بسط) أي: مدّ عمر (رضي الله عنه) (يده) أي:

كفّه‏ (فبايعه)؛ أي: بايع عمر أبا بكر الصّدّيق‏ (و بايعه النّاس) أي: الموجودون في ذلك المحل‏ (بيعة حسنة جميلة) لوقوعها عن ظهور و اتفاق من أهل الحلّ و العقد، و لم يحضر هذه البيعة عليّ و الزّبير؛ ظنّا منهما أنّ الشيخين لم يعتبراهما في‏

234

..........

المشاورة؛ لعدم اعتنائهما بهما، مع أنّه ليس الأمر كذلك؟ بل كان عذرهما في عدم التّفتيش على من كان غائبا في هذه الوقت عن هذا المجلس، خوفهما من الأنصار أن يعقدوا البيعة لواحد منهم؛ فتحصل الفتنة، مع ظنّهما أنّ جميع المهاجرين خصوصا عليّا و الزّبير لا يكرهون خلافة أبي بكر.

و لذلك قال عليّ و الزّبير: ما أغضبنا إلّا أنّا أخّرنا عن المشورة، و أنّا نرى أبا بكر أحقّ النّاس بها، و أنّه لصاحب الغار، و أنّا لنعرف شرفه و خيره، و لقد أمره رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أن يصلّي بالنّاس؛ و هو حيّ، و أنّه رضيه لديننا؛ أ فلا نرضاه لدنيانا.

و لمّا حصلت تلك المبايعة في سقيفة بني ساعدة يوم الاثنين؛ الّذي مات فيه النّبي صلى اللّه عليه و سلم و أصبح يوم الثّلاثاء، و اجتمع النّاس في المسجد النّبويّ بكثرة و حضر عليّ و الزّبير، و جلس الصّدّيق على المنبر، و قام عمر، فتكلّم قبله، و حمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: إنّ اللّه تعالى قد جمع أمركم على خيركم؛ صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و ثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه. فبايعوه بيعة عامّة، حتّى عليّ و الزّبير بعد بيعة السّقيفة.

ثمّ تكلّم أبو بكر، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد؛ أيّها النّاس قد ولّيت عليكم، و لست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، و إن أسأت فقوّموني، الصّدق أمانة، و الكذب خيانة، و الضّعيف فيكم قويّ عندي حتى أريح عليه حقّه إن شاء اللّه تعالى، و القويّ فيكم ضعيف عندي؛ حتّى آخذ الحقّ منه إن شاء اللّه، و لا يدع قوم الجهاد في سبيل اللّه، إلّا ضربهم اللّه بالذّلّ، و لا تشيع الفاحشة في قوم قطّ إلّا عمّهم اللّه تعالى بالبلاء، أطيعوني ما أطعت اللّه و رسوله، و إذا عصيت اللّه و رسوله؛ فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم؛ رحمكم اللّه.

و أخرج موسى بن عقبة؛ في «مغازيه»، و الحاكم و صحّحه؛ عن عبد الرّحمن بن عوف قال:

235

قال الباجوريّ:

(الفضيلة الأولى: كونه أحد الاثنين في قوله تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ [التوبة: 40].

الفضيلة الثّانية: إثبات الصّحبة في قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ‏ [التوبة: 40].

خطب أبو بكر؛ فقال: و اللّه ما كنت حريصا على الإمارة يوما و ليلة قطّ، و لا كنت راغبا، و لا سألتها اللّه؛ في سرّ و لا علانية، و لكنّي أشفقت من الفتنة، و مالي في الإمارة من راحة، فلقد قلّدت أمرا عظيما؛ مالي به من طاقة و لا يد إلا بتقوية اللّه.

و لما فرغوا من المبايعة يوم الثّلاثاء اشتغلوا بتجهيزه صلى اللّه عليه و سلم.

(قال) شيخ الإسلام؛ إبراهيم‏ (الباجوريّ)- نسبة إلى «بيجور» قرية بمصر؛ من المنوفيّة، و يقال لها: باجور، و لعلّها لغة فيها!! (رحمه الله تعالى) قال في تقرير الفضائل الثلاث الّتي ثبتت للصّدّيق (رضي الله تعالى عنه):

(الفضيلة الأولى: كونه أحد الاثنين في قوله تعالى) في سورة التّوبة (ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ) [40/ التوبة] المعهود بمكّة وقت الهجرة و هو غار ثور، إذ مكثا فيه ثلاث ليال، فذكر في الآية أبا بكر الصّدّيق مع النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم بضمير التّثنية، و ناهيك بذلك.

(الفضيلة الثّانية: إثبات الصّحبة، في قوله تعالى‏ إِذْ يَقُولُ‏) أي:

النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم‏ (لِصاحِبِهِ‏) أبي بكر الصّدّيق، و قد قال له لما رأى أقدام المشركين: لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصارنا؟! (لا تَحْزَنْ‏) مقول قول النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و كان الصّدّيق قد حزن على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؛ لا على نفسه؟ فقال له:

يا رسول اللّه: إذا متّ أنا، فأنا رجل واحد، و إذا متّ أنت؛ هلكت الأمّة و الدّين!!

236

فسمّاه اللّه (صاحبه)، فمن أنكر صحبته .. كفر؛ لمعارضته القرآن.

الفضيلة الثّالثة: إثبات المعيّة في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة: 40].

(فسمّاه اللّه «صاحبه») و لم يشرّف غيره من الصّحابة بتنصيصه على الصّحبة، (ف) لهذه الخصوصية، قال العلماء: (من أنكر صحبته كفر، لمعارضته القرآن) أي: لكون إنكار صحبته يتضمّن إنكار الآي القرآنية، بخلاف سائر الصّحابة، و لعلّ هذه الإضافة المشرّفة بالكتاب، صارت سببا لصحبته المستمرّة له في الحياة و الممات، و الخروج إلى العرصات، و الدّخول في الجنّات!! فبهذه الصّحبة المخصوصة فارق الصّدّيق سائر الأصحاب، كما شهد به الكتاب.

(الفضيلة الثّالثة: إثبات المعيّة في قوله تعالى‏ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا) [40/ التوبة] و المراد بالمعيّة: الولاية الدائمة، الّتي لا يحوم حول صاحبها شي‏ء من الحزن.

و في العدول عن «معي» إلى «معنا»: دلالة واضحة على اشتراك الصّدّيق معه في هذه المعيّة، بخلاف قول موسى (عليه الصلاة و السلام) كما أخبر سبحانه عنه بقوله‏ فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى‏ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ‏ (62) [الشعراء].

و قد ذكرت الصّوفيّة هنا شيئا من النّكت العليّة؛ و هي: أنّ موسى (عليه الصلاة و السلام) كان في مقام التّفرقة، و أنّ نبيّنا صلى اللّه عليه و سلم كان في حالة الجمعيّة الجامعة، المعبّر عنها، بمقام «جمع الجمع». فهذه المعيّة المقرونة بالجمعية مختصّة بالصّدّيق؛ دون الأصحاب.

فانظر إلى خصوصيّته (رضي الله عنه) بهذه الأسرار، من موافقته في الغار، و مرافقته في الأسفار، و ملازمته في موضع القرار؛ حيا و ميتا، و خروجا من القبر،

237

فثبوت هذه الفضائل له .. يؤذن بأحقّيّته بالخلافة).

و عن أنس بن مالك (رضي الله تعالى عنه) قال: لمّا وجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من كرب الموت ما وجد .. قالت فاطمة رضي اللّه [تعالى‏] عنها: وا كرباه، فقال النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم):

«لا كرب على أبيك بعد اليوم؛ ...

و دخولا في الجنّة؛ مقدّما على جميع الأبرار.

(فثبوت هذه الفضائل له) دليل ظاهر على أفضليّته، و تقدّمه على سائر الصّحابة، و ذلك‏ (يؤذن بأحقّيّته بالخلافة) و في هذه القضيّة من الإشارة الخفيّة أنّه أفضل المهاجرين، لأنّ هجرته مقرونة بهجرته صلى اللّه عليه و سلم، بخلاف هجرة غيره؛ مقدّما أو مؤخّرا.

و من المعلوم أنّ المهاجرين أفضل من الأنصار، و قد أشار إليه سبحانه بقوله:

وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ [100/ التوبة].

فهذا دليل على أن الصّدّيق أفضل الأصحاب كما فهمه عمر بن الخطّاب (رضي الله تعالى عنهم). أجمعين.

(و) أخرج البخاريّ بعضه، و ابن ماجه و التّرمذيّ في «الشّمائل»؛

(عن أنس بن مالك (رضي الله تعالى عنه)؛ قال: لمّا وجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من كرب الموت) أي: شدّة سكراته، لأنّه كان يصيب جسده الشّريف الآلام البشريّة، ليزداد ترقية في المراتب العليّة، و «من» تبعيضيّة، أو بيانيّة، لقوّة (ما وجد، قالت فاطمة) الزّهراء ((رضي الله عنها))- لمّا رأت من شدّة كرب أبيها- (: وا كرباه!!)- بألف الندبة، و فتح الكاف، و سكون الرّاء، و هاء ساكنة في آخره للوقف-، فقد حصل لها من التّألّم و التّوجّع مثل ما حصل لأبيها.

(فقال النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم) تسلية لها (: «لا كرب على أبيك بعد اليوم!!)، لأنّ الكرب كان بسبب العلائق الجسمانيّة، و بعد اليوم تنقطع تلك العلائق الحسّية،

238

إنّه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدا، الموافاة يوم القيامة».

قال الإمام الغزاليّ في «الإحياء»: (قال ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه): دخلنا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في بيت أمّنا عائشة (رضي الله تعالى عنها) حين دنا الفراق، فنظر إلينا، فدمعت عيناه (صلّى اللّه عليه و سلم)، ثمّ قال: ...

للانتقال حينئذ إلى الحضرة القدسيّة، فكربه سريع الزّوال؛ ينتقل بعده إلى أحسن النّعيم، ممّا لا عين رأت، و لا أذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر، فمحن الدّنيا فانية، و منح الآخرة باقية.

(إنّه)؛ أي: الحال و الشّأن‏ (قد حضر من أبيك)؛ أي: نزل به‏ (ما) أي: شي‏ء عظيم- (ليس) اللّه‏ (بتارك منه) من الوصول إليه‏ (أحدا) و ذلك الأمر العظيم، هو (: الموافاة يوم القيامة») أي: الحضور ذلك اليوم المستلزم للموت.

و القصد تسليتها، بأنّه لا كرب عليه بعد اليوم، و أمّا اليوم فقد حضره ما هو مقرّر عامّ لجميع الأنام، فينبغي أن ترضي و تسلّمي؛ كذا قرره المناوي.

(قال الإمام) حجّة الإسلام محمّد بن محمّد بن محمّد: أبو حامد (الغزاليّ) بتخفيف الزّاي؛ في المشهور- منسوب إلى «غزالة»: قرية من قرى طوس، و حكي عن بعض أسباط الغزالي: أنّه أخطأ النّاس في تثقيل جدّنا. و إنّما هو مخفّف (رحمه الله تعالى).

(في) كتاب‏ ( «الإحياء»)؛ أي: «إحياء علوم الدّين»؛ في «ربع المنجيات؛ كتاب ذكر الموت»

(قال) عبد اللّه‏ (بن مسعود) الهذليّ‏ ((رضي الله تعالى عنه):

دخلنا على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في بيت أمّنا عائشة (رضي الله تعالى عنها) حين دنا الفراق) للدّنيا (فنظر إلينا؛ فدمعت عيناه صلى اللّه عليه و سلم، ثمّ قال:

239

«مرحبا بكم، حيّاكم اللّه، آواكم اللّه، نصركم اللّه، و أوصيكم بتقوى اللّه، و أوصي بكم اللّه، إنّي لكم منه نذير مبين؛ ألّا تعلوا على اللّه في بلاده و عباده، و قد دنا الأجل، و المنقلب إلى اللّه، و إلى سدرة المنتهى، و إلى جنّة المأوى، و إلى الكأس الأوفى، فاقرؤوا على أنفسكم و على من دخل في دينكم بعدي منّي السّلام و رحمة اللّه».

«مرحبا بكم)- أي: لقيتم رحبا؛ أي: سعة- (حيّاكم اللّه)- معناه: الدّعاء لهم بالحياة في الطّاعة، على ما هو اللّائق في مقام الدّعاء- (آواكم اللّه)- بالمدّ و القصر، و المدّ أشهر، أي: ضمّكم إلى رحمته و رضوانه، و إلى ظلّ عرشه يوم القيامة- (نصركم اللّه)؛ أي: أعانكم.

(و أوصيكم بتقوى اللّه)؛ أي: بمخافته، و الحذر من مخالفته، (و أوصي بكم اللّه)؛ أي: أستخلفه عليكم، (إنّي لكم منه نذير مبين) بيّن الإنذار؛ (أن لا تعلو) تتكبّروا (على اللّه في بلاده) بترك ما أمركم به، و فعل ما نهاكم عنه‏ (و عباده) بظلمهم‏ (و قد دنا): قرب‏ (الأجل): الموت، (و المنقلب): الرّجوع‏ (إلى اللّه، و إلى سدرة المنتهى) الّتي ينتهي إليها علم الخلائق، (و إلى جنّة المأوى):

الإقامة، (و إلى الكأس الأوفى، فاقرءوا على أنفسكم و على من دخل في دينكم بعدي منّي السّلام، و رحمة اللّه») أي: أنالكم اللّه رحمته الّتي وسعت كلّ شي‏ء.

قال في «شرح الإحياء»:

قال العراقيّ: رواه البزّار، و قال: هذا الكلام قد روي [عن‏] مرّة عن عبد اللّه من غير وجه، و أسانيدها متقاربة. قال: و عبد الرّحمن بن الأصبهانيّ لم يسمع هذا من مرّة، و إنّما هو عمّي أخبره عن مرّة، قال: و لا أعلم أحدا رواه عن عبد اللّه غير مرّ.

قلت: و روي من غير ما وجه؛ رواه ابن سعد في «الطّبقات» من رواية ابن‏

240

و روي: أنّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال لجبريل (عليه السلام) عند موته: «من لأمّتي من بعدي؟»، فأوحى اللّه تعالى إلى جبريل: أن بشّر حبيبي أنّي لا أخذله في أمّته، و بشّره أنّه أسرع النّاس خروجا من الأرض إذا بعثوا، و سيّدهم إذا جمعوا، ...

عون؛ عن ابن مسعود. و رويناه في «مشيخة القاضي أبي بكر الأنصاريّ» من رواية الحسن العرني؛ عن ابن مسعود، و لكنّهما منقطعان و ضعيفان، و الحسن العرنيّ، إنّما يرويه عن مرّة، كما رواه ابن أبي الدّنيا، و الطّبرانيّ في «الأوسط». انتهى.

(و روي) بإسناد ضعيف؛ في حديث طويل جدّا- كما قال العراقيّ- رواه الطبرانيّ في «الكبير» من حديث جابر؛ و ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهم).

(أنّه صلى اللّه عليه و سلم قال لجبريل (عليه السلام) عند موته: «من لأمّتي) المصطفاة (من بعدي؟». فأوحى اللّه تعالى إلى جبريل) (عليه السلام) (أن بشّر حبيبي، أنّي لا أخذله في أمّته، و بشّره أنّه أسرع النّاس خروجا من الأرض)؛ أي: من قبره.

فقد روى مسلم؛ عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه): «أنا سيّد ولد آدم، و أوّل من ينشقّ عنه القبر، و أوّل شافع، و أوّل مشفّع». و رواه أبو داود أيضا و غيره.

(إذا بعثوا)؛ أي: أثيروا من قبورهم، و هذا من كمال عناية ربّه به، حيث منحه هذا السّبق، (و سيّدهم إذا جمعوا) في أرض المحشر يوم القيامة و يظهر سؤدده لكلّ أحد عيانا.

أخرج التّرمذيّ بسند فيه راو ليّن؛ عن أنس (رضي الله عنه): «أنا أوّل النّاس خروجا؛ إذا بعثوا، و أنا خطيبهم؛ إذا وفدوا، و أنا مبشّرهم؛ إذا أيسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي، و أنا أكرم ولد آدم على ربّي؛ و لا فخر».

241

و أنّ الجنّة محرّمة على الأمم، حتّى تدخلها أمّته، فقال [(صلّى اللّه عليه و سلم)‏]: «الآن قرّت عيني».

و قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): أمرنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن نغسّله بسبع قرب من سبعة آبار، ...

و أخرج مسلم و أبو داود كلاهما؛ عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه)؛ عن النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم أنّه قال: «أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة، و أوّل من ينشقّ عنه القبر، و أوّل شافع، و أوّل مشفّع».

(و أنّ الجنّة محرّمة على الأمم، حتّى تدخلها أمّته. فقال)؛ أي صلى اللّه عليه و سلم‏ (: «الآن قرّت عيني»)؛ أي: سررت بهذه البشارة.

(و قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها)) فيما رواه الدّارميّ بهذا السّياق في «مسنده»- و فيه: إبراهيم بن المختار؛ مختلف فيه- عن محمّد بن إسحاق- و هو مدلّس، و قد رواه بالعنعنة؛ كما قاله العراقيّ-.

(أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أن نغسّله بسبع قرب من سبعة آبار) هذه زيادة على رواية البخاري و غيره، فيحتمل أنّها معيّنة، و يحتمل أنّها غير معيّنة، و إنّما يراد تفرّقها خاصّة.

فعلى الأوّل: في تلك الآبار المعيّنة خصوصيّة، ليست في غيرها.

و على الثّاني: الخصوصيّة في تفرّقها. و اللّه أعلم.

و قد ذكر العلماء الآبار الّتي كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يتوضّأ منها، و يشرب من مائها؛ و يغتسل، و هي سبعة: 1- بئر أريس؛ و يقال لها «بئر الخاتم»، و 2- بيرحاء، و 3- بئر رومة، و 4- بئر غرس، و 5- بئر بضاعة، و 6- بئر بصّة، و 7- بئر السّقيا؛ أو 7- بئر جمل. السّابعة فيها تردّد!!.

و قد أخرج ابن ماجه في «السّنن»؛ من حديث عليّ بإسناد جيّد: «إذا أنا

242

ففعلنا ذلك، فوجد راحة، فخرج، فصلّى بالنّاس، و استغفر لأهل أحد، و دعا لهم، و أوصى بالأنصار، فقال: «أمّا بعد: يا معشر المهاجرين؛ فإنّكم تزيدون، و أصبحت الأنصار لا تزيد على هيئتها الّتي هي عليها اليوم، و إنّ الأنصار عيبتي الّتي أويت إليها، ...

متّ، فاغسلوني بسبع قرب من بئري: بئر غرس». انتهى «شرح الإحياء».

(ففعلنا ذلك؛ فوجد راحة)؛ أي: خفّة من المرض‏ (فخرج، فصلّى بالنّاس، و استغفر لأهل أحد، و دعا لهم) كالمودّع للأحياء و الأموات، (و أوصى بالأنصار) أن يقبل من محسنهم، و يتجاوز عن مسيئهم.

و في البخاريّ؛ قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): لمّا دخل بيتي و اشتدّ وجعه؛ قال: «أهريقوا عليّ من سبع قرب؛ لم تحلل أوكيتهنّ، لعلّي أعهد إلى النّاس!». فأجلسناه في مخضب لحفصة «زوج النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم» ثمّ طفقنا نصبّ عليه من تلك القرب، حتّى طفق يشير إلينا بيده: أن قد فعلتنّ. قالت: ثمّ خرج إلى النّاس؛ فصلّى بهم، و خطبهم؛ (فقال:

«أمّا بعد؛ يا معشر المهاجرين، فإنّكم تزيدون، و أصبحت الأنصار لا تزيد على هيئتها الّتي هي عليها اليوم) بل ينقصون- كما في البخاري- حتّى يكونوا كالملح في الطّعام».

و قد وقع ذلك كما أخبر صلى اللّه عليه و سلم، فإنّ الموجودين الآن ممّن ينسب إلى عليّ بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه)- ممّن يتحقّق نسبته إليه- أضعاف من يوجد من قبيلتي الأوس و الخزرج، ممّن يتحقّق نسبه!! و قس على ذلك.

و لا التفات إلى كثرة من يدّعي أنّه منهم من غير برهان؛ قاله في «الفتح».

(و إنّ الأنصار عيبتي)- بعين مهملة مفتوحة، و تحتيّة ساكنة، و موحّدة مفتوحة، و تاء تأنيث- و هي: ما يحرز فيها الرّجل نفيس ما عنده، يعني: أنّهم موضع سرّه‏ (الّتي أويت إليها) فإنّهم آووه و نصروه، و هذا أمر قد انقضى زمانه؛

243

فأكرموا كريمهم- يعني: محسنهم- و تجاوزوا عن مسيئهم».

ثمّ قال [(صلّى اللّه عليه و سلم)‏]: «إنّ عبدا خيّر بين الدّنيا و بين ما عند اللّه .. فاختار ما عند اللّه»، فبكى أبو بكر (رضي الله تعالى عنه)، و ظنّ أنّه يريد نفسه.

فقال النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم): «على رسلك يا أبا بكر، ..

لا يلحقهم فيه اللّاحق، و لا يدرك شأوهم السّابق‏ (فأكرموا كريمهم»- يعني:

محسنهم- و تجاوزوا عن مسيئهم») في غير الحدود. (ثمّ قال:

«إنّ عبدا خيّر)- من التّخيير- (بين الدّنيا و بين ما عند اللّه) في الآخرة؛ (فاختار) ذلك العبد (ما عند اللّه». فبكى أبو بكر (رضي الله تعالى عنه)، و ظنّ)؛ أي: فهم‏ (أنّه)؛ أي: النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، (يريد) بهذا الكلام‏ (نفسه) صلى اللّه عليه و سلم فقال أبو بكر الصّدّيق (رضي الله تعالى عنه): فديناك بآبائنا و أمّهاتنا.

قال الرّاوي: فعجبنا لبكائه! و قال النّاس: متعجّبين: انظروا إلى هذا الشّيخ؛ يخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن عبد خيّره بين أن يؤتيه من زهرة الدّنيا؛ و بين ما عنده، و هو يقول: فديناك بآبائنا و أمّهاتنا!؟.

قال الرّاوي: فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم هو المخيّر، و كان أبو بكر أعلمنا به؛ ذكره في البخاري.

(فقال النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «على رسلك؛ يا أبا بكر) تسلية له، إذ خفي المعنى على كثير ممّن سمع كلامه، و لم يفهم المقصود غير صاحبه الخصّيص به؛ ثاني اثنين إذ هما في الغار، و كان أعلم الأمّة بمقاصد النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، فلمّا فهم المقصود من هذه الإشارة بكى؛ و قال «بل نفديك بأموالنا؛ و أنفسنا؛ و أولادنا».

فسكّن الرسول صلى اللّه عليه و سلم جزعه، و أخذ في مدحه، و الثّناء عليه على المنبر، ليعلم النّاس كلّهم فضله؛ فلا يقع عليه اختلاف في خلافته، فقال: «إنّ من أمنّ النّاس عليّ في صحبته و ماله أبا بكر، و لو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا، و لكن أخوّة الإسلام».

244

سدّوا هذه الأبواب الشّوارع في المسجد، إلّا باب أبي بكر؛ فإنّي لا أعلم امرأ أفضل عندي في الصّحبة من أبي بكر».

ثم قال صلى اللّه عليه و سلم: ( «سدّوا هذه الأبواب الشّوارع في المسجد، إلّا باب أبي بكر) الصّدّيق؛ إكراما له، و تنويها بأنّ أبا بكر هو الخليفة و الإمام بعده، فإنّ الإمام يحتاج إلى سكنى المسجد، و الاستطراق فيه، بخلاف غيره، و ذلك من مصالح المسلمين المصلّين؛ فإبقاؤه مصلحة عامّة.

ثمّ صرّح بأفضليّته على غيره؛ حيث قال: (فإنّي لا أعلم امرأ أفضل عندي في الصّحبة من أبي بكر») الصّدّيق، فهو أفضل الأصحاب على الإطلاق.

ثمّ أكّد هذا المعنى بأمره صريحا: أن يصلّي بالنّاس أبو بكر، فروجع في ذلك، و هو يقول: «مروا أبا بكر أن يصلّي بالنّاس». فولّاه إمامة الصّلاة، و لذا قال الصّحابة عند بيعة أبي بكر: رضيه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لديننا، أ فلا نرضاه لدنيانا؟!

و فيه إشارة قويّة إلى استحقاقه الخلافة، لا سيّما و قد ثبت أنّ ذلك كان في الوقت الّذي أمرهم فيه أنّ لا يؤمّهم إلّا أبو بكر.

نعم جاء في سدّ الأبواب أحاديث؛ يخالف ظاهرها حديث الباب!!؛

فروى الإمام أحمد، و النّسائيّ بإسناد قويّ؛ عن سعد بن أبي وقّاص:

أمر صلى اللّه عليه و سلم بسدّ الأبواب الشّارعة في المسجد، و ترك باب عليّ زاد الطّبرانيّ في «الأوسط» برجال ثقات: فقالوا: يا رسول اللّه؛ سددت أبوابنا؟! فقال:

«ما سددتها!!، و لكنّ اللّه سدّها!».

و روى الإمام أحمد، و النّسائيّ، و الحاكم برجال ثقات؛ عن زيد بن أرقم:

كان لنفر من الصّحابة أبواب شارعة في المسجد؛ فقال صلى اللّه عليه و سلم: «سدّوا هذه الأبواب، إلّا باب عليّ» (رضي الله عنه)، فتكلّم ناس في ذلك، فقال صلى اللّه عليه و سلم: «إنّي و اللّه ما سددت شيئا، و لا فتحته! و لكن و لكن أمرت بشي‏ء، فاتّبعته».

و روى الإمام أحمد، و النّسائيّ برجال ثقات؛ عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى‏

245

..........

عنهما قال: أمر صلى اللّه عليه و سلم بأبواب المسجد فسدّت؛ غير باب عليّ. فكان يدخل المسجد و هو جنب؛ ليس له طريق غيره.

و روى الطّبرانيّ عن جابر بن سمرة قال: أمر بسدّ الأبواب كلّها؛ غير باب عليّ، فربّما مرّ فيه و هو جنب.

و روى الإمام أحمد بإسناد حسن؛ عن ابن عمر قال: لقد أعطي عليّ ثلاث خصال؛ لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النّعم: زوّجه النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم ابنته؛ و ولدت له، و سدّ الأبواب؛ إلّا بابه في المسجد، و أعطاه الرّاية يوم خيبر.

و هذه أحاديث يقوّي بعضها بعضا، و كلّ طريق منها صالح للحجّة؛ فضلا عن مجموعها. و أوردها ابن الجوزي في «الموضوعات»، و أعلّها بما لا يقدح!! و بمخالفتها للأحاديث الصّحيحة في باب أبي بكر!! و زعم أنّها من وضع الزّنادقة؛ قابلوا بها الحديث الصّحيح!! فأخطأ في ذلك خطأ شنيعا فاحشا، فإنّه سلك يردّ الأحاديث الصّحيحة بتوهّمه المعارضة!!

مع أنّ الجمع بين القضيّتين ممكن؛ كما أشار إليه البزّار، بما دلّ عليه حديث أبي سعيد؛ عند الترمذيّ: أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال لعليّ: «لا يحلّ لأحد، أن يطرق هذا المسجد جنبا، غيري و غيرك».

و المعنى: أنّ باب عليّ كان إلى جهة المسجد؛ و لم يكن لبيته باب غيره، فلذا لم يؤمر بسدّه.

و يؤيّده ما أخرجه إسماعيل القاضي؛ عن المطّلب بن عبد اللّه بن حنطب: أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم لم يأذن لأحد أن يمرّ في المسجد و هو جنب؛ إلّا لعليّ بن أبي طالب، لأنّ بيته كان في المسجد.

و محصّل الجمع أنّه أمر بسدّ الأبواب مرّتين.

ففي الأولى: استثنى باب عليّ لما ذكر.

246

قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): فقبض (صلّى اللّه عليه و سلم) في بيتي، و في يومي، و بين سحري و نحري، ...

و في الأخرى: باب أبي بكر، لكن إنّما يتمّ بحمل باب عليّ على الباب الحقيقي، و باب أبي بكر الباب المجازيّ؛ أي الخوخة- كما في بعض طرقه- و كأنّهم لما أمروا بسدّها سدّوها، و أحدثوا خوخا يستقربون الدّخول إلى المسجد منها؛ فأمروا بعد ذلك بسدّها، فهذا لا بأس به في الجمع.

و به جمع الطّحاويّ و الكلاباذيّ، و صرّح بأنّ بيت أبي بكر كان له باب خارج المسجد؛ و خوخة إلى داخل المسجد، و بيت عليّ لم يكن له باب إلّا من داخل المسجد. انتهى. ملخّصا من «فتح الباري» رحم اللّه مؤلّفه. آمين.

(قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها))- فيما ذكره في «الإحياء». و قال العراقي: متّفق عليه- (فقبض صلى اللّه عليه و سلم في بيتي، و في يومي) الّذي كان يدور عليّ فيه‏ (و بين سحري)- بفتح السّين، و سكون الحاء المهملتين-: هو الصّدر، (و نحري)- بفتح النّون، و سكون الحاء المهملة-: موضع القلادة من الصّدر؛ كما في «الصّحاح».

و في رواية عنها: مات بين حاقنتي و ذاقنتي. و الحاقنة- بالحاء المهملة، و القاف المكسورة، و النّون المفتوحة-: أسفل من الذّقن. و الذّاقنة: طرف الحلقوم. و قيل: غير ذلك.

و الحاصل: أنّ ما بين الحاقنة و الذّاقنة، هو: ما بين السّحر و النّحر.

و المراد أنّه صلى اللّه عليه و سلم توفّي و رأسه بين عنقها و صدرها.

و هذا الحديث الصّحيح لا يعارضه ما أخرجه الحاكم و ابن سعد؛ من طرق:

أنّه صلى اللّه عليه و سلم مات و رأسه في حجر عليّ!! لأنّ طريقا منها؛ كما قال الحافظ ابن حجر:

لا يخلو عن مقال في إسناده؛ من جهة ضعف رواته؛ فلا يلتفت لمعارضته الحديث الصّحيح.

247

و جمع اللّه بين ريقي و ريقه عند الموت، فدخل عليّ أخي عبد الرّحمن و بيده سواك، فجعل ينظر إليه، فعرفت أنّه يعجبه ذلك، فقلت له: آخذه لك؟ فأومأ برأسه- أي: نعم- فناولته إيّاه، فأدخله في فيه، فاشتدّ عليه، فقلت: أليّنه لك؟ فأومأ برأسه- أي: نعم- فليّنته، و كان بين يديه ركوة ماء، فجعل يدخل فيها يده و يقول:

«لا إله إلّا اللّه، إنّ للموت لسكرات»، ثمّ نصب يده يقول:

«الرّفيق الأعلى ...

(و جمع اللّه بين ريقي و ريقه عند الموت، فدخل عليّ)- بتشديد الياء- (أخي عبد الرّحمن) بن أبي بكر (و بيده سواك)؛ و أنا مسندة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، (فجعل ينظر إليه!! فعرفت أنّه يعجبه ذلك؛ فقلت له: آخذه لك!؟ فأومأ برأسه؛ أي:

نعم).

فيه العمل بالإشارة عند الحاجة، و قوّة فطنة عائشة (رضي الله تعالى عنها) (فناولته إيّاه، فأدخله في فيه؛ فاشتدّ عليه، فقلت: أليّنه لك؟ فأومأ برأسه، أي: نعم. فليّنته) بالماء، (و كان بين يديه ركوة ماء)- بفتح الرّاء؛ من جلد- (فجعل يدخل فيها يده) و يمسح بها وجهه، (و يقول: «لا إله إلّا اللّه، إنّ للموت لسكرات».) جمع سكرة؛ و هي الشّدّة. (ثمّ نصب يده يقول: «الرّفيق الأعلى) أي: أسأل اللّه الرّفيق الأعلى.

و الرّفيق الأعلى هو: جماعة الأنبياء الّذين يسكنون أعلى علّيّين. و المراد الأنبياء؛ و من ذكر في الآية.

و المراد بمرافقتهم: المحلّ الّذي يحصل فيه مرافقتهم في الجملة؛ على اختلاف درجاتهم، فلا يقال: إنّ محلّه صلى اللّه عليه و سلم فوقهم؛ فكيف يسأل اللّحاق بهم؟.

و قيل: المراد بالرّفيق الأعلى: اللّه، لأنّه من أسمائه تعالى- كما في مسلم؛

248

الرّفيق الأعلى».

فقلت: إذا- و اللّه- لا يختارنا.

و روى سعيد بن عبد اللّه، عن أبيه ...

عن عائشة: «إنّ اللّه رفيق؛ يحبّ الرّفق»-. و قيل: المراد بالرّفيق الأعلى:

حظيرة القدس، أي: الجنّة، و قيل غير ذلك.

(الرّفيق الأعلى») و لا زال يكرّر ذلك صلى اللّه عليه و سلم حتّى قبض، و مالت يده.

و في «المواهب»: الحكمة في اختتام كلامه صلى اللّه عليه و سلم بهذه الكلمة كونها تتضمّن التّوحيد، أي: لدلالتها على قطع العلائق، عن غيره سبحانه و تعالى حيث قصر نظره على طلب الرّفيق الأعلى على كلّ تفسيراته.

و تتضمّن الذّكر بالقلب، فهو و إن لم يذكر باللّسان؛ فهو مستحضر بالقلب، حتّى يستفاد منها الرّخصة لغيره، أنّه لا يشترط أن يكون الذّكر باللّسان عند الموت، لأنّ بعض النّاس قد يمنعه من النّطق مانع؛ كعقل اللّسان عنه، فلا يضرّه ذلك إذا كان قلبه عامرا بالذّكر. انتهى من الزّرقاني.

(فقلت: إذا؛ و اللّه لا يختارنا) من الاختيار، و في رواية: لا يجاورنا.

قالت: فعرفت أنّه حديثه الّذي كان يحدّثنا به؛ و هو صحيح حيث كان يقول: «إنّه لم يقبض نبيّ، حتّى يرى مقعده من الجنّة، ثمّ يخيّر».

و ما فهمته عائشة (رضي الله عنها) من قوله (عليه الصلاة و السلام): «اللّهمّ الرّفيق الأعلى» أنّه خيّر بين الدّنيا، و الارتحال إلى الآخرة، نظير فهم أبيها (رضي الله عنه)؛ من قوله (عليه الصلاة و السلام) «إنّ عبدا خيّره اللّه بين الدّنيا، و بين ما عنده، فاختار ما عنده» أنّ العبد المراد هو النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم- كما تقدّم-.

(و) في كتاب «إحياء علوم الدّين» للإمام الغزالي (رحمه الله تعالى):

(روى سعيد بن عبد اللّه) بن ضرار (عن أبيه) عبد اللّه بن ضرار بن الأزور؛ تابعيّ روى عن ابن مسعود، قال أبو حاتم فيه، و في ابنه سعيد: ليس بالقوي.

249

قال: لمّا رأت الأنصار أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يزداد ثقلا .. أطافوا بالمسجد، فدخل العبّاس (رضي الله تعالى عنه) على النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) فأعلمه بمكانهم و إشفاقهم.

انتهى. و قال الذّهبيّ: سعيد بن عبد اللّه بن ضرار؛ عن أبيه؛ و غيره. قال يحيى:

لا يكتب حديثه. انتهى من «شرح الإحياء».

و حديثه هذا قال فيه العراقيّ: مرسل ضعيف، و فيه نكارة، و لم أجد له أصلا!!.

لكن قال في «شرح الإحياء»: أسنده سيف بن عمر التّميمي- و يقال الضّبي- الكوفيّ في كتاب «الفتوح» هكذا. و سيف بن عمر ضعيف الحديث عمدة في التّاريخ، أفحش ابن حبّان القول فيه، مات زمن الرّشيد، روى له التّرمذيّ؛ قاله الحافظ ابن حجر. نقله الزّرقانيّ، و قال: ذكر هذا الحديث الفاكهانيّ في «الفجر المنير»؛ من طريق سيف بن عمر التّميمي المذكور (رحمه الله تعالى).

(قال: لمّا رأت الأنصار) جمع ناصر؛ كالأصحاب: جمع صاحب، و سمّوا بذلك!! لما فازوا به دون غيرهم؛ من نصرته صلى اللّه عليه و سلم و إيوائه، و إيواء من معه، و مواساتهم بأنفسهم و أموالهم.

و الأنصار هم: قبيلتا الأوس و الخزرج، و حلفاؤهم أبناء حارثة بن ثعلبة، و هو اسم إسلاميّ، و اسم أمّهم قيلة- بالقاف المفتوحة، و التّحتية السّاكنة-.

و في البخاري؛ عن غيلان بن جرير قال: قلت لأنس: أ رأيت اسم الأنصار كنتم تسمّون به، أم سمّاكم اللّه به؟ قال: بلى سمّانا اللّه به. أي: كما في قوله تعالى‏ وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ [100/ التوبة] انتهى. من القسطلاني».

(أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يزداد ثقلا) من مرضه‏ (أطافوا بالمسجد، فدخل العبّاس (رضي الله تعالى عنه) على النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم؛ فأعلمه بمكانهم و إشفاقهم): خوفهم عليه‏

250

ثمّ دخل عليه الفضل فأعلمه بمثل ذلك.

ثمّ دخل عليه عليّ (رضي الله تعالى عنه) فأعلمه بمثله، فمدّ يده، و قال: «ها» فتناولوه، فقال: «ما يقولون؟»، قالوا: يقولون:

نخشى أن تموت. و تصايح نساؤهم لاجتماع رجالهم إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم)، فثار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)؛ فخرج متوكّئا على عليّ و الفضل، و العبّاس أمامه، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) معصوب الرّأس يخطّ برجليه، حتّى جلس على أسفل مرقاة من المنبر، و ثاب النّاس إليه، فحمد اللّه، و أثنى عليه، و قال: «أيّها النّاس؛ إنّه بلغني أنّكم تخافون عليّ الموت، كأنّه استنكار منكم للموت؟! و ما تنكرون من موت نبيّكم؟ أ لم أنع إليكم، و تنعى إليكم أنفسكم؟!

الفقد، (ثمّ دخل عليه الفضل) بن عبّاس [(رضي الله تعالى عنه)‏] (فأعلمه بمثل ذلك، ثمّ دخل عليه عليّ) بن أبي طالب‏ ((رضي الله تعالى عنه) فأعلمه بمثله) أي:

ذكر له حال الأنصار.

(فمدّ يده) صلى اللّه عليه و سلم‏ (و قال: «ها»)؛ أي: خذوا بيدي لأنهض، (فتناولوه، فقال: «ما يقولون؟» قالوا: يقولون: نخشى أن تموت) من مرضك هذا (و تصايح نساؤهم)؛ أي: رفعن أصواتهنّ بالبكاء (لاجتماع رجالهم إلى النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، فثار رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم) من فراشه‏ (فخرج) حال كونه‏ (متوكّئا على عليّ و الفضل، و العبّاس أمامه): قدّامه، (و رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم معصوب الرّأس) من الوجع‏ (يخطّ)- بضمّ الخاء- (برجليه حتّى جلس على أسفل مرقاة): درجة (من المنبر، و ثاب): اجتمع‏ (النّاس إليه) في المجلس، (فحمد اللّه و أثنى عليه) بما هو أهله، (و قال: «أيّها النّاس؛ إنّه بلغني) من الثّلاثة المذكورين‏ (أنّكم تخافون عليّ)- بتشديد الياء التحتيّة- (الموت؟! كأنّه استنكار منكم للموت؟!) أن ينزل بي، (و ما تنكرون من موت نبيّكم!؟ أ لم أنع إليكم؟ و تنعى إليكم أنفسكم؟!) في‏

251

هل خلّد نبيّ قبلي فيمن بعث .. فأخلّد فيكم؟

ألا و إنّي لاحق بربّي، ألا و إنّكم لاحقون به.

و إنّي أوصيكم بالمهاجرين الأوّلين خيرا، و أوصي المهاجرين فيما بينهم، فإنّ اللّه عزّ و جلّ قال: وَ الْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [العصر: 1- 3] ... إلى آخرها.

قوله تعالى‏ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏ (30) [الزمر] (هل خلّد نبيّ قبلي فيمن بعث) إليهم‏ (فأخلّد؟!)- بالنّصب- (فيكم!!) و فيه تسلية لهم، و تذكير بقوله تعالى‏ وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [34/ الأنبياء]، وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ‏ [144/ آل عمران‏]، (ألا)- بالفتح و التّخفيف- (و إنّي لاحق بربّي، ألا و إنّكم لاحقون به)؛ أي: ميّتون لا محالة، (و إنّي أوصيكم بالمهاجرين الأوّلين خيرا) بأن تعرفوا حقّهم، و تنزلوهم منزلتهم، (و أوصي المهاجرين فيما بينهم) بالدّوام على التّقوى و عمل الصّالحات، (فإنّ اللّه عزّ و جلّ قال (وَ الْعَصْرِ) (1)- الدّهر، أو: ما بعد الزّوال إلى الغروب، أو صلاة العصر- (إِنَّ الْإِنْسانَ‏)- الجنس- (لَفِي خُسْرٍ) (2)؛ أي: خسران، و معناه: النّقصان، و ذهاب رأس المال، و التّنكير في الخسر، يفيد التّعظيم، أي: إنّ الإنسان لفي خسر عظيم، لا يعلم كنهه إلّا اللّه، فقد جعل الإنسان مغمورا في الخسر للمبالغة، و أنّه أحاط به من كلّ جانب، لأنّ كلّ ساعة تمرّ بالإنسان، فإن كانت مصروفة إلى المعصية؛ فلا شكّ في الخسر، و إن كانت مشغولة بالمباحات؛ فالخسران أيضا حاصل، و إن كانت مشغولة بالطّاعات؛ فهي غير متناهية، و ترك الأعلى و الاقتصار على الأدنى نوع خسران.

و الألف و اللّام في «الإنسان» للجنس، فيشمل المؤمن و الكافر، بدليل الاستثناء في قوله- إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا- أي: فليسوا كذلك، و تلاها (إلى آخرها). أو أنّه قال: «إلى آخرها».

252

و إنّ الأمور تجري بإذن اللّه، فلا يحملنّكم استبطاء أمر على استعجاله، فإنّ اللّه عزّ و جلّ لا يعجل لعجلة أحد، و من غالب اللّه .. غلبه، و من خادع اللّه .. خدعه‏ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ‏ [محمد: 22].

و أوصيكم بالأنصار خيرا، فإنّهم الّذين تبوّءوا الدّار و الإيمان‏ (و إنّ الأمور تجري)؛ أي: تقع‏ (بإذن اللّه) أي: بإرادته، (فلا يحملنّكم استبطاء أمر على استعجاله؟!، فإنّ اللّه عزّ و جلّ لا يعجل لعجلة)؛ أي: لأجل عجلة (أحد)، فلا فائدة في الاستعجال، بل فيه الهمّ و الغمّ و النّكال، (و من غالب اللّه غلبه) اللّه، (و من خادع اللّه خدعه). و المفاعلة فيهما ليست مرادة، بل هي نحو «عافاك اللّه».

و إنّما عبّر بالمفاعلة!! تشبيها بفعل المغالب و المخادع لمن هو مثله، كما قال تعالى‏ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ‏ [9/ البقرة]؛ تشبيها لفعل المنافقين بفعل المخادع.

(فَهَلْ عَسَيْتُمْ‏)- فهل يتوقّع منكم- (إِنْ تَوَلَّيْتُمْ‏)- أمور النّاس، و تأمّرتم عليهم، أو أعرضتم و تولّيتم عن الإسلام- (أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ‏) [22/ محمد]؛ تشاجرا على الدّنيا، و تجاذبا لها، أو رجوعا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية، من التّغاور و مقاتلة الأقارب.

و المعنى: أنّهم لضعفهم في الدّين و حرصهم على الدّنيا؛ أحقّاء بأن يتوقّع ذلك منهم من عرف حالهم، و يقول لهم: هل عسيتم؛ قاله البيضاوي.

و لا يخفى مناسبة تلاوته لهذه الآية في هذا المقام.

(و أوصيكم بالأنصار خيرا، فإنّهم الّذين تبوّءوا الدّار)؛ أي: اتّخذوا المدينة وطنا، سمّيت دارا!! لأنّها دار الهجرة (و الإيمان)؛ أي: ألفوه، فنصب بعامل‏

253

من قبلكم؛ أن تحسنوا إليهم، أ لم يشاطروكم في الثّمار؟! أ لم يوسّعوا عليكم في الدّيار؟! أ لم يؤثروكم على أنفسهم و بهم الخصاصة؟!.

ألا .. فمن ولّي أن يحكم بين رجلين .. فليقبل من محسنهم، و ليتجاوز عن مسيئهم.

ألا .. و لا تستأثروا عليهم.

ألا .. و إنّي فرط لكم، و أنتم لاحقون بي.

ألا .. و إنّ موعدكم الحوض، حوضي أعرض ممّا بين بصرى‏ خاصّ، أو بتضمين «تبوؤا» معنى «لزموا»، أو بجعل الإيمان منزلا مجازا لتمكّنهم فيه، فجمع في «تبوؤا» بين الحقيقة و المجاز. (من قبلكم، أن تحسنوا إليهم) بدل من «خيرا».

ثمّ بيّن أنّ أمره به لمكافأتهم بقوله: (أ لم يشاطروكم في الثّمار؟) بإعطائكم نصف ثمارهم. و الاستفهام للتّقرير!! (أ لم يوسّعوا لكم في الدّيار؟ أ لم يؤثروكم): يقدّموكم‏ (على أنفسهم، و بهم الخصاصة): الحاجة إلى ما يؤثرون به، (ألا فمن ولّي أن يحكم بين رجلين) منهم؛ (فليقبل من محسنهم، و ليتجاوز عن مسيئهم) في غير الحدود.

و عبّر بالجمع!! إشارة إلى أنّ المراد جنس رجلين، أو على أنّ أقل الجمع اثنان.

(ألا)- بالفتح مخفّفا- (و لا تستأثروا عليهم) بتقديم أنفسكم، و تميّزكم بالأمور الدّنيوية دونهم، (ألا؛ و إنّي فرط)- بفتحتين: سابق- (لكم) أهيّئ لكم حوائجكم، (و أنتم لاحقون بي، ألا و إنّ موعدكم الحوض) في القيامة، (حوضي أعرض ممّا بين بصرى)؛ كحبلى: بلد بالشّام، بين دمشق و المدينة، أوّل بلاد الشّام فتوحا سنة ثلاث عشرة، و حقّق شرّاح «الشّفاء» أنّها حوران، أو قيساريّة.

254

الشّام و صنعاء اليمن، يصبّ فيه ميزاب الكوثر ماء، أشدّ بياضا من اللّبن، و ألين من الزّبد، و أحلى من الشّهد، من شرب منه .. لم يظمأ أبدا، ...

و إنما قال: «بصرى‏ (الشّام») بالإضافة!! احترازا من بصرى بغداد؛ قرية قرب عكبر، ذكرها ياقوت في «المعجم» (1) (و صنعاء)- بالمدّ، و يقصر للضّرورة-: بلد باليمن، قاعدة ملكها، و دار سلطنتها، كثير الأشجار و المياه، حتّى قيل: إنّها تشبه دمشق الشّام في المروج و الأنهار، و يقال: إنّ اسم مدينة صنعاء في الجاهلية: أزال. و يروى: أنّ صنعاء كانت امرأة ملكة، و بها سمّيت صنعاء، و في كتاب «المعجم» لأبي عبيد البكري: أنّ صنعاء كلمة حبشيّة، و معناها: وثيق حصين.

و إنّما قال «صنعاء (اليمن»)!! بالإضافة، احترازا من صنعاء الشّام بباب دمشق.

و المراد أنّ مسافة عرضه كالمسافة بين بصرى و صنعاء، و هو مربّع؛ لا يزيد طوله و لا عرضه. قال القاضي عياض: الحوض على ظاهره عند أهل السّنّة، فيجب الإيمان به. و قال القرطبي: أحاديث الحوض متواترة، فقد رواه عن النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم أكثر من ثلاثين، و رواه عنهم من التّابعين أمثالهم، ثمّ لم تزل تلك الأحاديث تتوالى؛ و تشير الرّواة إليها في جميع الأعصار إلى أن انتهى ذلك إلينا، و قامت به حجّة اللّه علينا، فأجمع عليه السّلف و الخلف.

(يصبّ فيه ميزاب الكوثر ماء) و الكوثر: نهر في الجنّة؛ حافّتاه من الذّهب، و مجراه على الدّرّ و الياقوت، تربته أطيب من المسك، و ماؤه‏ (أشدّ بياضا من اللّبن، و ألين من الزّبد، و أحلى من الشّهد)؛ أي: العسل، و كيزانه عدد نجوم السّماء.

(من شرب منه) شربة (لم يظمأ) بعدها (أبدا)؛ أي: لم يعطش عطشا

____________

(1) أي: «معجم البلدان».