منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - ج4

- عبد الله بن سعيد محمد العبادي المزيد...
531 /
255

حصباؤه اللّؤلؤ، و بطحاؤه المسك، من حرمه في الموقف غدا ..

حرم الخير كلّه.

ألا .. فمن أحبّ أن يرده عليّ غدا .. فليكفف لسانه و يده إلّا ممّا ينبغي.

فقال العبّاس: يا نبيّ اللّه؛ أوص بقريش.

فقال: «إنّما أوصي بهذا الأمر قريشا؛ و النّاس تبع لقريش، يتأذّى به‏ (حصباؤه اللّؤلؤ، و بطحاؤه)- أي: ترابه- (المسك)، و ريحه أطيب من ريح المسك، و خصّه!! لأنّه أطيب الطّيب.

(من حرمه)؛ أي: منع من الشّرب منه‏ (في الموقف غدا) أي: يوم القيامة (حرم الخير كلّه، ألا فمن أحبّ أن يرده عليّ)- بتشديد الياء- (غدا).

عبّر به!! لأنّ كلّ ما هو آت قريب، (فليكفف لسانه و يده إلّا فيما ينبغي»).

و خصّهما!! لأنّهما أغلب ما يحصّل الفعل، و إلّا! فباقي الأعضاء كذلك.

(فقال العبّاس) بن عبد المطّلب‏ (: يا نبيّ اللّه؛ أوص بقريش)؛ بالصّرف على الأصحّ- على إرادة الحيّ، و يجوز عدمه؛ على إرادة القبيلة- و هم ولد النّضر ابن كنانة، و هو الصّحيح، أو ولد فهر بن مالك بن النّضر، و هو قول الأكثر (1).

و أوّل من نسب إلى قريش قصيّ بن كلاب، و قيل: غير ذلك. و قيل: سمّوا باسم دابّة في البحر؛ من أقوى دوابّه!! لقوّتهم، و التّصغير للتّعظيم.

(فقال) أي: النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم: ( «إنّما أوصي بهذا الأمر قريشا، و النّاس تبع لقريش)- لفضلهم على غيرهم، قيل: و هو خبر بمعنى الأمر، و يدلّ له قوله في حديث آخر: «قدّموا قريشا، و لا تقدّموها». أخرجه عبد الرّزاق بإسناد صحيح،

____________

(1) و الصواب في هذه المسألة ما ذكره المؤلف في كتابه هذا (1/ 131).

256

برّهم لبرّهم، و فاجرهم لفاجرهم، فاستوصوا- آل قريش- بالنّاس خيرا.

يا أيّها النّاس؛ إنّ الذّنوب تغيّر النّعم و تبدّل القسم، فإذا برّ النّاس .. برّهم أئمّتهم، و إذا فجر النّاس .. عقّوهم.

و لكنّه مرسل، و له شواهد (برّهم تبع لبرّهم)- فلا يجوز الخروج عليهم- (و فاجرهم تبع لفاجرهم).

و في «الصحيحين»؛ عن أبي هريرة: «النّاس تبع لقريش، في هذا الشّأن؛ مسلمهم تبع لمسلمهم، و كافرهم تبع لكافرهم» ... الحديث.

قال الكرمانيّ: هو إخبار عن حالهم في متقدّم الزّمان، يعني: أنّهم لم يزالوا متبوعين في زمان الكفر، و كانت العرب تقدّم قريشا و تعظّمهم.

و زاد في «فتح الباري»: لسكناها الحرم، فلما بعث النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم و دعا إلى اللّه تعالى توقّف غالب العرب عن اتّباعه، فلمّا فتحت مكّة، و أسلمت قريش تبعتهم العرب، و دخلوا في دين اللّه أفواجا. انتهى. ذكره «القسطلاني».

(فاستوصوا) يا (آل قريش بالنّاس خيرا) بأن تحكموا فيهم بالعدل، و تجتنبوا الجور و الظّلم.

(يا أيّها النّاس؛ إنّ الذّنوب تغيّر النّعم) كما قال تعالى‏ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ‏ [11/ الرعد] (و تبدّل القسم، فإذا برّ النّاس؛ برّهم أئمّتهم) و أمراؤهم، (و إذا فجروا)؛ بأن عصوا اللّه و لم يراقبوه‏ (عقّوهم)؛ أي: عقّهم أئمّتهم و أمراؤهم؛ بمخالفة مطلوبهم و قطع الإحسان إليهم، و غير ذلك.

257

قال اللّه تعالى: وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‏» [الأنعام: 129].

و روى ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه): ...

(قال اللّه تعالى) في سورة الأنعام‏ (وَ كَذلِكَ‏)- كما متّعنا عصاة الإنس و الجنّ؛ بعضهم ببعض- (نُوَلِّي‏)- من الولاية؛ أي الإمارة، أي: نؤمّر و نسلّط (بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً)- أي: على بعض- (بِما)- أي: لسبب ما- (كانُوا) أي: البعض الثّاني- (يَكْسِبُونَ‏») من المعاصي.

قال ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما) في تفسير هذه الآية: هو أنّ اللّه تعالى إذا أراد بقوم خيرا ولّى عليهم خيارهم، و إذا أراد بقوم شرّا ولّى عليهم شرارهم، فعلى هذا القول إنّ الرّعيّة متى كانوا ظالمين؛ سلّط اللّه عزّ و جلّ عليهم ظالما مثلهم. فمن أراد أن يخلص من ظلم ذلك الظّالم فليترك الظّلم. انتهى.

و في الحديث: «كما تكونوا يولّى عليكم»؛ ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الدّيلميّ في «مسند الفردوس»؛ عن أبي بكرة، و برمز البيهقيّ في «سننه»؛ عن أبي إسحاق السّبيعي مرسلا؛ أي: فإن اتّقيتم اللّه و خفتم عقابه؛ ولّى عليكم من يخافه فيكم، و عكسه؛ حكمه كحكم عكسه، و لهذا الحديث؛ لمّا سمع إنسان آخر يسبّ الحجّاج؛ قال له: لا تفعل!. و ذكر الحديث، بل ينبغي الدّعاء، بنحو «اللّهمّ لا تسلّط علينا بذنوبنا من لا يخافك؛ و لا يرحمنا»، كما كان يفعل صلى اللّه عليه و سلم فإذا تولّى عليكم ظالم فارجعوا لأنفسكم، و لوموها، فإنّه بسبب ظلمكم لبعضكم. و اللّه أعلم.

(و) في «الإحياء»: (روى ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه)).

قال العراقيّ: رواه ابن سعد في «الطبقات»، عن محمّد بن عمر (هو الواقديّ)؛ بإسناد ضعيف؛ إلى ابن عون؛ عن ابن مسعود، و هو مرسل ضعيف كما تقدّم-. انتهى.

258

أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) قال لأبي بكر (رضي الله تعالى عنه):

«سل يا أبا بكر». فقال: يا رسول اللّه؛ دنا الأجل؟ فقال: «قد دنا الأجل، و تدلّى».

فقال: ليهنك يا نبيّ اللّه ما عند اللّه، فليت شعري عن منقلبنا؟

فقال: «إلى اللّه، و إلى سدرة المنتهى، ثمّ إلى جنّة المأوى، و الفردوس الأعلى، و الكأس الأوفى، و الرّفيق الأعلى، و الحظّ و العيش المهنّا». فقال: يا نبيّ اللّه؛ من يلي غسلك؟ قال:

«رجال من أهل بيتي؛ الأدنى فالأدنى».

و كذا رواه الطّبرانيّ في «الدّعاء»، و الواحديّ في «التّفسير» بسند واه جدّا، إلى ابن مسعود؛ مع مخالفة في اللّفظ بالزّيادة و النّقص؛ كما في «شرح الإحياء» و غيره.

(أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال لأبي بكر (رضي الله تعالى عنه): «سل يا أبا بكر». فقال:

يا رسول اللّه دنا)؛ أي: قرب‏ (الأجل؟! فقال)؛ أي المصطفى صلى اللّه عليه و سلم‏ (: «قد دنا الأجل، و تدلّى!») و هو عبارة عن غاية القرب.

(فقال: ليهنك يا نبيّ اللّه؛ ما عند اللّه) من النّعيم المقيم بمجاورة الكريم، (فليت شعري عن منقلبنا!!)؛ أي: رجوعنا. (فقال: «إلى اللّه) فيكرم مثوانا، (و إلى سدرة المنتهى، ثمّ إلى جنّة المأوى): الإقامة الدّائمة (و الفردوس الأعلى): صفة كاشفة، لأنّ الفردوس هو أعلى الجنّة و أوسطها، (و الكأس الأوفى، و الرّفيق الأعلى، و الحظّ و العيش): الحياة الدّائمة (المهنّى») الّذي لا ينغّصه شي‏ء.

(فقال: يا نبيّ اللّه؛ من يلي غسلك؟) بعد موتك‏ (قال) يلي غسلي‏ (: «رجال من أهل بيتي، الأدنى فالأدنى): الأقرب فالأقرب، و قد غسّله‏

259

قال: يا رسول اللّه؛ فيم نكفّنك؟ قال: «في ثيابي هذه، و في حلّة يمانية، و في بياض مصر».

عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)، لحديث عليّ: أوصاني النبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «لا يغسّلني إلّا أنت، فإنّه لا يرى أحد عورتي، إلّا طمست عيناه». رواه البزّار و البيهقي.

و أخرج البيهقيّ؛ عن الشّعبي، قال: غسّل عليّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم فكان يقول و هو يغسّله: بأبي أنت و أمّي؛ طبت حيّا و ميّتا.

و أخرج أبو داود، و صحّحه الحاكم؛ عن عليّ قال: غسّلته صلى اللّه عليه و سلم فذهبت أنظر ما يكون من الميّت- أي: من الفضلات- فلم أر شيئا، و كان طيّبا حيّا و ميّتا.

و كان العبّاس و ابنه الفضل يعينانه في تقليب جسمه الشّريف، و قثم و أسامة بن زيد و شقران «مولاه صلى اللّه عليه و سلم» يصبّون الماء، و أعينهم جميعا معصوبة؛ من وراء السّتر.

و غسّل صلى اللّه عليه و سلم ثلاث غسلات: الأولى بالماء القراح، و الثّانية: بالماء و السّدر، و الثّالثة: بالماء و الكافور. و جعل عليّ على يده خرقة، و أدخلها تحت القميص، ثمّ اعتصر قميصه، و حنّطوا مساجده و مفاصله، و وضّئوا منه ذراعيه و وجهه و كفّيه و قدميه، و جمّروه عودا و ندا.

و ذكر ابن الجوزي أنّه روي عن جعفر الصّادق؛ قال: كان الماء يستنقع في جفون النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم؛ فكان عليّ يحسوه. (قلنا: يا رسول اللّه: فيم نكفّنك؟ قال:

«في ثيابي هذه) الّتي عليّ، (و) إن شئتم‏ (في حلّة)- بضمّ الحاء المهملة، و شدّ اللّام-: ضرب من برود اليمن، و هي إزار و رداء، و لا تسمّى «حلّة»، حتّى تكون ثوبين‏ (يمانية)- بالألف و خفّة الياء؛ على الأفصح- لأنّ الألف بدل من ياء النّسب، فلا يجتمعان. انتهى. «زرقاني».

(و في) ثياب‏ (بياض مصر») أي: في الثّياب البيض الّتي جاءته من مصر.

260

فقال: كيف الصّلاة عليك منّا؟ و بكينا، و بكى ... ثمّ قال:

«مهلا غفر اللّه لكم، و جزاكم عن نبيّكم خيرا.

إذا غسّلتموني ...

روى ابن عبد الحكم أن المقوقس أهدى له (عليه الصلاة و السلام) عشرين ثوبا من قباطي مصر، و أنّها بقيت حتّى كفّن في بعضها.

و في حديث عروة؛ عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) قالت: كفّن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في ثلاثة أثواب بيض سحوليّة. أخرجه النّسائي من رواية عبد الرزّاق؛ عن معمر؛ عن الزّهريّ؛ عن عروة؛ عنها.

و اتّفق عليه الأئمّة السّتّة؛ من طريق هشام بن عروة؛ عن أبيه؛ عن عائشة، بزيادة: من كرسف؛ ليس فيها قميص و لا عمامة.

و ليس قوله‏ (1): «من كرسف» عند الترمذيّ، و لا ابن ماجه، و زاد مسلم في رواية عن عائشة: أما الحلّة! فإنما شبّه على النّاس فيها، أنّها اشتريت له ليكفّن فيها؛ فتركت الحلّة و كفّن في ثلاثة أثواب بيض سحوليّة، فأخذها عبد اللّه بن أبي بكر الصّدّيق، فقال: لأحبسنّها حتّى أكفّن فيها نفسي. ثمّ قال: لو رضيها اللّه لنبيّه؛ لكفّنه فيها!! فباعها و تصدّق بثمنها.

و هذا من عائشة يدلّ على أن قولها «ثلاثة أثواب» عن علم و إيقان؛ لا عن تخمين و حسبان.

و جاء في «طبقات ابن سعد» عن الشّعبيّ: بيان الثّلاثة الأثواب؛ بأنّها إزار و رداء و لفافة. و قال التّرمذيّ: روي في كفن النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم روايات مختلفة، و حديث عائشة أصحّ الأحاديث في ذلك، و العمل عليه عند أكثر أهل العلم؛ من الصّحابة، و غيرهم.

(فقال: كيف الصّلاة عليك منّا؟ و بكينا)؛ حزنا على فراقه‏ (و بكى) لبكائنا، (ثمّ قال: «مهلا غفر اللّه لكم، و جزاكم عن نبيّكم خيرا، إذا غسّلتموني‏

____________

(1) الأحسن «قولها» عائد على عائشة. و إن ذكّر الضمير على إرادة «الراوي» فلا بأس به.

261

و كفّنتموني .. فضعوني على سريري هذا، في بيتي هذا على شفير قبري، ثم اخرجوا عنّي ساعة- فإنّ أوّل من يصلّي عليّ اللّه عزّ و جلّ‏ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ‏ [الأحزاب: 43].

ثمّ يأذن للملائكة في الصّلاة عليّ، فأوّل من يدخل عليّ من خلق اللّه و يصلّي عليّ .. جبريل، ثمّ ميكائيل، ثمّ إسرافيل، ثمّ ملك الموت مع جنود كثيرة، ثمّ الملائكة بأجمعها صلّى اللّه عليهم أجمعين، ...

و كفّنتموني؛ فضعوني على سريري هذا في بيتي هذا، هذا على شفير)- بشين معجمة وفاء- أي: حرف‏ (قبري، ثمّ اخرجوا عنّي ساعة): قدرا من الزّمان، (فإنّ أوّل من يصلّي عليّ)- بتشديد الياء- (اللّه عزّ و جلّ‏ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ‏): يرحمكم‏ (وَ مَلائِكَتُهُ‏) [43/ الأحزاب‏] يستغفرون لكم.

قال السّدّي: قالت بنو إسرائيل لموسى: أ يصلّي ربّنا؟ فكبر هذا الكلام على موسى، فأوحى اللّه إليه: أن قل لهم: إنّي أصلّي، و إنّ صلاتي رحمتي، و قد وسعت رحمتي كلّ شي‏ء. ذكره البغويّ.

(ثمّ يأذن للملائكة في الصّلاة عليّ.

فأوّل من يدخل عليّ من خلق اللّه و يصلّي عليّ جبريل، ثمّ ميكائيل، ثمّ إسرافيل، ثمّ ملك الموت؛ مع جنود) جماعة (كثيرة.

ثمّ الملائكة) المأذون لها في الحضور للتّشييع‏ (بأجمعها صلّى اللّه عليهم أجمعين.

262

ثمّ أنتم؛ فادخلوا عليّ أفواجا، فصلّوا عليّ أفواجا؛ زمرة زمرة، و سلّموا تسليما، و لا تؤذوني بتزكية و لا صيحة و لا رنّة، و ليبدأ منكم الإمام، و أهل بيتي الأدنى .. فالأدنى، ثمّ زمرة النّساء، ثمّ زمرة الصّبيان.

ثمّ أنتم فادخلوا) للصلاة ( [عليّ‏] أفواجا) جمع فوج- بفتح فسكون- و جمع الجمع: أفاويج.

(فصلّوا عليّ أفواجا)؛ أي: جماعات‏ (زمرة زمرة)؛ أي: جماعة بعد جماعة (و سلّموا تسليما، و لا تؤذنوا بتزكية) غير لائقة بي، ممّا هو من أوصاف الرّبّ جلّ و علا، (و لا صيحة و لا رنّة) بنياحة.

(و ليبدأ) بالصّلاة عليّ‏ (منكم الإمام)؛ أي: الخليفة و هو أبو بكر الصّدّيق.

(و أهل بيتي): عليّ و العبّاس، و (الأدنى فالأدنى)؛ أي: الأقرب فالأقرب يتقدّم.

(ثمّ زمرة النّساء) من أهل بيت النّبوّة، ثمّ نساء غيرهم.

(ثمّ زمرة الصّبيان) و في حديث ابن عبّاس- عند ابن ماجه- لمّا فرغوا من جهازه صلى اللّه عليه و سلم يوم الثّلاثاء وضع على سريره في بيته، ثمّ دخل النّاس عليه صلى اللّه عليه و سلم أرسالا، يصلّون عليه، حتّى إذا فرغوا، دخل النّساء، حتى إذا فرغن؛ دخل الصّبيان، و لم يؤمّ النّاس على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أحد.

قال ابن كثير: هذا أمر مجمع عليه.

و اختلف في أنّه تعبّد لا يعقل معناه، أو ليباشر كلّ واحد الصّلاة عليه، منه إليه؟.

و قال السّهيلي: قد أخبر اللّه أنّه و ملائكته يصلّون عليه، و أمر كلّ واحد من‏

263

..........

المؤمنين أن يصلّي عليه، فوجب على كلّ أحد أن يباشر الصّلاة عليه منه إليه، و الصّلاة عليه بعد موته من هذا القبيل، قال: و أيضا؛ فإنّ الملائكة لنا في ذلك أئمّة. انتهى.

و قال الشّافعيّ في «الأمّ»: و ذلك لعظم أمره صلى اللّه عليه و سلم و تنافسهم فيمن يتولّى الصّلاة عليه، و روي أنّه لمّا صلّى أهل بيته، لم يدر النّاس ما يقولون؟ فسألوا ابن مسعود؛ فأمرهم أن يسألوا عليّا!! فقال لهم: قولوا إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ‏ [56/ الأحزاب‏] الآية، لبّيك اللّهمّ ربّنا و سعديك، صلوات اللّه البرّ الرّحيم؛ و الملائكة المقرّبين، و النّبيّين و الصّدّيقين، و الشّهداء و الصّالحين؛ و ما سبّح لك من شي‏ء يا ربّ العالمين على محمّد بن عبد اللّه: خاتم النّبيّين، و سيّد المرسلين، و إمام المتّقين، و رسول ربّ العالمين، الشّاهد البشير، الدّاعي إليك بإذنك السّراج المنير، و (عليه السلام). ذكر ذلك الشّيخ زين الدّين بن الحسين المراغي في كتابه «تحقيق النّصرة لمعالم دار الهجرة». انتهى زرقانيّ على «المواهب».

و ظاهر هذا: أنّ المراد ما ذهب إليه جماعة؛ أنّه لم يصلّ عليه الصّلاة المعتادة، و إنّما كان النّاس يأتون فيدعون.

قال الباجيّ: و وجهه: أنّه صلى اللّه عليه و سلم أفضل من كلّ شهيد، و الشّهيد يغنيه فضله عن الصّلاة عليه!!. فهو صلى اللّه عليه و سلم أولى.

قال: و إنّما فارق الشّهيد في الغسل!! حذرا من إزالة الدّم عن الشّهيد، و هو مطلوب بقاؤه لطيبه، و لأنّه عنوان لشهادته في الآخرة، و ليس على النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم ما تكره إزالته؛ فافترقا. انتهى.

لكن قال القاضي عياض: الصّحيح الّذي عليه الجمهور: أنّ الصّلاة على النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم كانت صلاة حقيقية؛ لا مجرّد الدّعاء فقط. انتهى.

و أجيب عمّا اعتلّ به الأوّلون بأنّ المقصود من الصّلاة عليه عود التّشريف على المسلمين، مع أنّ الكامل يقبل زيادة التّكميل، نعم؛ لا خلاف أنّه لم يؤمّهم أحد

264

قال: فمن يدخلك القبر؟ قال: «زمر من أهل بيتي ... الأدنى فالأدنى مع ملائكة كثيرة لا ترونهم؛ و هم يرونكم، ...

- كما مرّ- لقول عليّ: هو إمامكم حيّا و ميتا، فلا يقوم عليه أحد ... الحديث.

رواه ابن سعد.

و أخرج التّرمذيّ أنّ النّاس قالوا لأبي بكر: أ يصلّى على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؟ قال:

نعم. قالوا: و كيف نصلّي؟ قال: يدخل قوم فيكبّرون و يصلّون و يدعون، ثمّ يدخل قوم فيصلّون و يكبّرون و يدعون فرادى. انتهى.

(قال: فمن يدخلك القبر؟ قال: «زمر من أهل بيتي): أقاربي‏ (الأدنى ..

فالأدنى) منهم، (مع ملائكة كثيرة لا ترونهم، و هم يرونكم»).

و قد اختلف فيمن أدخله قبره؟. و أصحّ ما روي أنّه نزل في قبره عمّه العبّاس، و عليّ، و قثم بن العبّاس، و الفضل بن العبّاس، و كان آخر النّاس عهدا برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قثم بن العبّاس؛ أي: أنّه تأخّر في القبر حتّى خرجوا قبله.

و روي أنّه بني في قبره تسع لبنات، و فرش تحته قطيفة نجرانيّة؛ كان يتغطّى بها و يجلس عليها، و هي كساء له خمل؛ أي: أهداب فرشها شقران مولاه صلى اللّه عليه و سلم في القبر، و قال: و اللّه لا يلبسها أحد بعدك.

قال النّوويّ: و قد نصّ الشّافعيّ و جميع أصحابه؛ و غيرهم من العلماء: على كراهة وضع قطيفة؛ أو مضريّة؛ أو مخدّة، و نحو ذلك تحت الميّت في القبر.

و شذّ البغويّ من أصحابنا؛ فقال في كتابه «التّهذيب»: لا بأس بذلك، لهذا الحديث. و الصّواب كراهة ذلك؛ كما قاله الجمهور.

و أجابوا عن هذا الحديث: بأنّ شقران انفرد بفعل ذلك، و لم يوافقه أحد من الصّحابة، و لا علموا بذلك، و إنّما فعله شقران! لما ذكرنا عنه؛ من كراهته أن يلبسها أحد بعد النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم.

انتهى كلام النّوويّ.

265

قوموا فأدّوا عنّي إلى من بعدي». و قال عبد اللّه بن زمعة [(رضي الله تعالى عنه)‏]: جاء بلال في أوّل شهر ربيع الأوّل، فأذّن بالصّلاة، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): ...

و في كتاب «تحقيق النّصرة»: قال ابن عبد البرّ: ثمّ أخرجت يعني: القطيفة من القبر لمّا فرغوا من وضع اللّبنات التّسع، حكاه ابن زبالة.

قال العراقيّ في «ألفية السّيرة»:

و فرشت في قبره قطيفة * * * و قيل: أخرجت، و هذا أثبت‏

(قوموا فأدّوا عنّي)- ما سمعتم منّي- (إلى من بعدي») من أمّتي.

(و) في «الإحياء»: (قال عبد اللّه بن زمعة) بن الأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العزّى القرشي؛ الأسديّ، «ابن أخت أم سلمة، زوج النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم» و اسم أمّه: قريبة بنت أبي أمية. قال القاضي عياض في «المشارق»: زمعة بسكون الميم. و ضبطناه عن ابن بحر: بفتح الميم؛ حيث وقع، و كلاهما قال الحافظ في «الفتح»: و وقع في «الكاشف» للذّهبيّ أنّه أخو سودة أمّ المؤمنين.

و هو وهم؛ يظهر صوابه من سياق نسبها.

قال البغويّ: كان يسكن المدينة و له أحاديث، و يقال: إنّه كان يأذن على النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قتل يوم الدّار سنة: خمس و ثلاثين. و به جزم أبو حسّان الزيادي، روى له الجماعة. انتهى ذكره في «شرح الإحياء».

و الحديث المذكور قال العراقي: رواه أبو داود بإسناد جيّد مختصرا؛ دون قوله «فقالت عائشة: إنّ أبا بكر رجل رقيق ... الخ» و لم يقل في أوّل ربيع الأوّل!؟

و قال: «مروا من يصلّي بالنّاس». و قال: «يأبى اللّه ذلك و المؤمنون، مرّتين».

انتهى. ذكره في «شرح الإحياء».

(جاء بلال) (رضي الله عنه) (في أوّل شهر ربيع الأوّل) قد علمت أنّ هذا ليس في رواية أبي داود (فأذّن بالصّلاة، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:

266

«مروا أبا بكر يصلّي بالنّاس». فخرجت فلم أر بحضرة الباب إلّا عمر في رجال ليس فيهم أبو بكر، فقلت: قم يا عمر فصلّ بالنّاس، فقام عمر، فلمّا كبّر- و كان رجلا صيّتا- سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) صوته بالتّكبير .. فقال: «أين أبو بكر؟ يأبى اللّه ذلك، و المسلمون» قالها ثلاث مرّات: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس»، فقالت عائشة رضي اللّه [تعالى‏] عنها: يا رسول اللّه؛ إنّ أبا بكر رجل رقيق، إذا قام في مقامك غلبه البكاء.

«مروا)- بضمّتين؛ بوزن: كلوا، أي: بلّغوا أمري- (أبا بكر) الصّدّيق.

و في رواية أبي داود: «مروا من‏ (يصلّي بالنّاس»)؛ أي: يؤمّهم.

قال: (فخرجت فلم أر بحضرة الباب إلّا عمر) بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه) (في رجال ليس فيهم أبو بكر) الصّدّيق (رضي الله تعالى عنه) (؛ فقلت: قم يا عمر؛ فصلّ بالنّاس، فقام عمر) و اصطفّ النّاس.

(فلمّا كبّر) للصّلاة؛ (و كان رجلا صيّتا)؛ أي: جهير الصّوت، (سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم صوته بالتّكبير) لقرب الحجرة الشّريفة من المسجد؛

(فقال: «أين أبو بكر!؟ يأبى اللّه ذلك، و المسلمون»!! قالها ثلاث مرّات) رواية أبي داود: «يأبى اللّه ذلك و المؤمنون» مرّتين.

(مروا أبا بكر فليصلّ)- بسكون اللّام الأولى، و يروي بكسرها مع زيادة ياء مفتوحة- (بالنّاس») إماما، و في رواية لأبي داود، فقال: «لا .. لا، ليصلّ للنّاس ابن أبي قحافة» يقول ذلك تغضّبا.

(فقالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): يا رسول اللّه؛ إنّ أبا بكر رجل رقيق) بقافين- (إذا قام في مقامك غلبه البكاء؟!) لرقّة قلبه و غلبة دمعه، و لما يلاحظ من فقده صلى اللّه عليه و سلم و ما كان يجد من فقد أنسه و أنواره.

267

فقال: «إنّكنّ صويحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس».

قال: فصلّى أبو بكر بعد الصّلاة الّتي صلّى عمر.

فكان عمر يقول لعبد اللّه بن زمعة بعد ذلك: و يحك، ما ذا صنعت بي؟ و اللّه لو لا أنّي ظننت أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أمرك .. ما فعلت، فيقول عبد اللّه: إنّي لم أر أحدا أولى بذلك منك.

(فقال)؛ أي: النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم لعائشة (: «إنّكنّ صويحبات يوسف) النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم في إظهار خلاف ما في الباطن.

و الخطاب؛ و إن كان بلفظ الجمع؛ فالمراد به واحدة فقط؛ و هي عائشة (رضي الله تعالى عنها) كما أنّ «صويحبات» جمع؛ و المراد به زليخا فقط، على أن في رواية عند البخاريّ: أنّها قالت لحفصة: أن تقول ما قالت: أي: مر عمر فليصلّ بالنّاس، فقالت حفصة ذلك، فحينئذ قال ما قال!! و أقلّ الجمع اثنان، و قد تقدّم‏ ( «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس»).

و فيه: أن لا يقدّم للإمامة؛ إلّا أفضل القوم فقها و قراءة و ورعا و غيرها.

و في تكرار أمره بتقديمه الدّلالة الظّاهرة عند من له إيمان على أنّ أبا بكر أحقّ النّاس بخلافته، و قد وافق على ذلك عليّ، و غيره من أهل البيت.

(قال)؛ أي الرّاوي‏ (: فصلّى أبو بكر بعد الصّلاة الّتي صلّى عمر) بالنّاس سبع عشرة صلاة- كما نقله الدّمياطيّ- (فكان عمر يقول لعبد اللّه بن زمعة بعد ذلك: و يحك؛ ما ذا صنعت بي؟! و اللّه لو لا أنّي ظننت أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أمرك، ما فعلت! فيقول عبد اللّه: إنّي لم أر أحدا أولى بذلك منك.)

و الحديث من قوله «فقالت عائشة ... الخ» في «الصّحيح» بلفظ: فقالت عائشة:

يا رسول اللّه؛ إنّ أبا بكر رجل رقيق، إذا قام مقامك لا يسمع النّاس من البكاء!!.

268

قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): و ما قلت ذلك و لا صرفته عن أبي بكر إلّا رغبة به عن الدّنيا، و لما في الولاية من المخاطرة و الهلكة و في رواية: إذا قرأ القرآن؛ لا يملك دمعه؟.

قال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» فعاودته مثل مقالتها، فقال: «إنّكنّ صواحبات يوسف! مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» رواه الشّيخان.

و في رواية للشّيخين: إنّ أبا بكر رجل أسيف.

و في رواية عند البخاري في «الصّلاة، و الاعتصام» أنّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» فقالت عائشة: إنّ أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع النّاس من البكاء، فمر عمر، فليصلّ بالنّاس!. فقال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس قالت:

قلت لحفصة: قولي له «إنّ أبا بكر؛ إذا قام في مقامك لم يسمع النّاس من البكاء، فمر عمر، فليصلّ بالنّاس» ففعلت حفصة، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «مه! إنكن أنتنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس».

فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرا!!.

و في «مسند الدّارمي» من وجه آخر: أنّ أبا بكر هو الّذي أمر عائشة أن تشير على النّبي صلى اللّه عليه و سلم أن يأمر عمر بالصّلاة.

قال الحافظ ابن حجر: لم يرد أبو بكر ما أرادت عائشة؛ بل قاله لعذره برقّة قلبه، أو لفهمه منها الإمامة العظمى، و علم ما في تحمّلها من الخطر، و علم قوّة عمر على ذلك؛ فاختاره، و الظّاهر أنّه لم يطّلع على المراجعة، أو فهم من أمره بذلك تفويضه؛ سواء باشر بنفسه، أو استخلف.

(قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): و ما قلت ذلك) الكلام‏ (و لا صرفته) صلى اللّه عليه و سلم‏ (عن) اختيار (أبي بكر) للإمامة (إلّا رغبة به)؛ أي: أبي بكر (عن الدّنيا، و) أيضا (لما في الولاية من) الدّخول في‏ (المخاطرة و) أسباب‏ (الهلكة)-

269

إلّا من سلّم اللّه، و خشيت أيضا أن لا يكون النّاس يحبّون رجلا صلّى في مقام النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو حيّ أبدا- إلّا أن يشاء اللّه- فيحسدونه، و يبغون عليه، و يتشاءمون به، فإذا الأمر أمر اللّه، و القضاء قضاء اللّه تعالى، و عصمه اللّه تعالى من كلّ ما تخوّفت عليه من أمر الدّنيا و الدّين.

و قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): ...

محرّكة؛ بوزن قصبة-: الهلاك‏ (إلّا من سلّم) ه‏ (اللّه) و حفظه بعنايته السّابقة.

(و خشيت أيضا أن لا يكون النّاس يحبّون رجلا صلّى في مقام النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم و هو) صلى اللّه عليه و سلم‏ (حيّ أبدا، إلّا أن يشاء اللّه؛ فيحسدونه، و يبغون عليه، و يتشاءمون)- بشين معجمة و المد- (به، فإذا الأمر أمر اللّه، و القضاء قضاء اللّه تعالى) نفذ باختيار الصّدّيق؛ أي: اختاره اللّه تعالى، و جمع به كلمة المسلمين‏ (و عصمه اللّه تعالى)؛ أي: حفظه‏ (من كلّ ما تخوّفت عليه؛ من أمر الدّنيا و الدّين).

رواه البخاريّ في «باب الوفاة»، و مسلم في «الصّلاة» بلفظ: فلقد راجعته في ذلك؛ و ما حملني على كثرة مراجعته إلّا أنّه لم يقع في قلبي أن يحبّ النّاس بعده رجلا قام مقامه أبدا، و ما حملني على ذلك؛ إلّا أنّي كنت أرى أنّه لن يقوم أحد مقامه إلّا تشاءم النّاس به؛ فأردت أن يعدل ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن أبي بكر.

و في رواية لمسلم: قالت: و اللّه ما بي إلّا كراهية أن يتشاءم النّاس بأوّل من يقوم مقامه صلى اللّه عليه و سلم، فراجعته مرّتين؛ أو ثلاثا.

(و) في «الإحياء» للغزالي (رحمه الله تعالى): (قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها))- فيما رواه الطّبرانيّ في «الكبير»؛ من حديث جابر، و ابن عبّاس، مع اختلاف في حديث طويل- في نحو ورقتين كبار- و هو منكر؛ فيه عبد المنعم بن إدريس بن سنان؛ عن أبيه؛ عن وهب بن منبّه، قال أحمد: كان يكذب على وهب بن منبه، و أبوه إدريس أيضا متروك؛ قاله الدارقطني. و قد رواه أبو نعيم في‏

270

فلمّا كان اليوم الّذي مات فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) .. رأوا منه خفّة في أوّل النّهار؛ فتفرّق عنه الرّجال إلى منازلهم و حوائجهم مستبشرين، و أدخلوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالنّساء، فبينا نحن على ذلك- لم نكن على مثل حالنا في الرّجاء و الفرح قبل ذلك- قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «اخرجن عنّي؛ هذا الملك يستأذن عليّ». فخرج من في البيت غيري، و رأسه في حجري، فجلس، و تنحّيت في جانب البيت، فناجى الملك طويلا، ثمّ إنّه دعاني؛ فأعاد رأسه في حجري، و قال للنّسوة: «ادخلن»، فقلت: ما هذا بحسّ جبريل (عليه السلام)؟ ...

«الحلية» عن الطّبراني بطوله؛ قاله في «شرح الإحياء».- و ذكر الحديث بطوله:

(فلمّا كان اليوم الّذي مات فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم)؛ و هو يوم الاثنين‏ (رأوا منه خفّة في أوّل النّهار)؛ أي: أنّه أصبح يوم الاثنين خفيف المرض.

(فتفرّق عنه الرّجال إلى منازلهم و حوائجهم؛ مستبشرين) بظهور علامة الشّفاء. و قال له أبو بكر: أراك يا رسول اللّه قد أصبحت بنعمة من اللّه و فضل كما نحبّ، و اليوم يوم ابنة خارجة. أ فآتيها؟! قال: «نعم»، فذهب.

(و أخلوا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بالنّساء، فبينا نحن على ذلك، لم نكن على مثل حالنا في الرّجاء و الفرح قبل ذلك)؛ إذ (قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم) للنّساء (: «أخرجن عنّي، هذا الملك)؛ أي: ملك الموت‏ (يستأذن عليّ»)؛ أي: يطلب الإذن بالدّخول عليّ.

(فخرج من في البيت) من النّسوة (غيري، و رأسه في حجري، فجلس) مستعدّا للقاء الملك، (و تنحّيت في جانب البيت)؛ أي: صرت في ناحية منه، (فناجى الملك طويلا، ثمّ إنّه دعاني؛ فأعاد رأسه في حجري، و قال للنّسوة:

«ادخلن». فقلت:) يا رسول اللّه؛ (ما هذا بحسّ جبريل (عليه السلام)؟.

271

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «أجل يا عائشة؛ هذا ملك الموت، جاءني فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ أرسلني، و أمرني أن لا أدخل عليك إلّا بإذن، فإن لم تأذن لي .. أرجع، و إن أذنت لي ..

دخلت، و أمرني ألّا أقبضك حتّى تأمرني، فما ذا أمرك؟ فقلت:

«اكفف عنّي، حتّى يأتيني جبريل (عليه السلام)، فهذه ساعة جبريل».

قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): فاستقبلنا بأمر لم يكن له عندنا جواب؛ و لا رأي، فوجمنا و كأنّما ضربنا بصاخّة- أي:

بصيحة- ما نحير إليه شيئا، و ما يتكلّم أحد من أهل البيت؛ إعظاما لذلك الأمر، و هيبة ملأت أجوافنا.

فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «أجل يا عائشة؛ هذا ملك الموت، جاءني، فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ أرسلني) إليك، (و أمرني ألّا أدخل عليك إلّا بإذن، فإن لم تأذن لي، أرجع، و إن أذنت لي دخلت، و أمرني ألا أقبضك حتّى تأمرني، فما ذا أمرك»؟؟)

زاد في رواية: قال: «و تفعل ذلك يا ملك الموت؟» قال: نعم، أمرت أن أطيعك في كلّ ما أمرتني.

( «فقلت: اكفف عنّي حتّى يأتيني جبريل (عليه السلام)، فهذه ساعة جبريل».

قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): فاستقبلنا بأمر لم يكن له عندنا جواب؛ و لا رأي، فوجمنا)؛ أي: اندهشنا (و كأنّما ضربنا بصاخّة)- بتشديد الخاء المعجمة-: و هي المصيبة الشّديدة، و قال المصنّف: (أي: بصيحة، ما نحير إليه شيئا)؛ أي: ما نرجع، (و ما يتكلّم أحد من أهل البيت؛ إعظاما لذلك الأمر، و هيبة ملأت أجوافنا.

272

قالت: و جاء جبريل في ساعته فسلّم، فعرفت حسّه، و خرج أهل البيت، فدخل فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ يقرأ عليك السّلام، و يقول: كيف تجدك؟ و هو أعلم بالّذي تجد منك، و لكن أراد أن يزيدك كرامة و شرفا، و أن يتمّ كرامتك و شرفك على الخلق، و أن تكون سنّة في أمّتك، فقال: «أجدني وجعا». فقال: أبشر، فإنّ اللّه تعالى أراد أن يبلّغك ما أعدّ لك، فقال: «يا جبريل؛ إنّ ملك الموت استأذن عليّ ..» و أخبره الخبر. فقال جبريل: يا محمّد؛ إنّ ربّك إليك مشتاق، أ لم يعلمك الّذي يريد بك؟! لا و اللّه‏ قالت)؛ أي عائشة (: و جاء جبريل) (عليه السلام) (في ساعته، فسلّم؛ فعرفت حسّه، و خرج أهل البيت، فدخل؛ فقال:

إنّ اللّه عزّ و جلّ يقرأ عليك السّلام؛ و يقول: كيف تجدك)؛ أي: تجد نفسك في هذا الوقت- (و هو أعلم بالّذي تجد منك- و لكن أراد أن يزيدك كرامة و شرفا، و أن يتمّ كرامتك و شرفك على الخلق)؛ تخصيصا لك، (و أن تكون سنّة في أمّتك)؛ أي: إذا دخلوا على المريض فيقولون كذلك.

(فقال: «أجدني وجعا»)- بكسر الجيم- أي: مريضا متألّما.

(فقال: أبشر، فإنّ اللّه تعالى أراد أن يبلّغك ما أعدّ لك) من الكرامة.

(فقال: «يا جبريل: إنّ ملك الموت استأذن عليّ» ... و أخبره الخبر.

فقال جبريل: يا محمّد؛ إنّ ربّك إليك مشتاق).

قال البيهقي: معنى اشتياق اللّه إليه إرادة لقائه، بأن يردّه من دنياه إلى معاده؛ زيادة في قربه و كرامته، و ذلك لاستحالة المعنى الحقيقيّ الّذي هو نزوع النّفس إلى الشّي‏ء في حقّه تعالى.

(أ لم يعلمك)؛ أي: ملك الموت بالأمر (الّذي يريد بك!! لا و اللّه؛

273

ما استأذن ملك الموت على أحد قطّ و لا يستأذن عليه أبدا، ألا إنّ ربّك متمّ شرفك، و هو إليك مشتاق.

قال: «فلا تبرح إذا حتّى يجي‏ء».

و أذن للنّساء، فقال: «يا فاطمة؛ ادني»، فأكبّت عليه، فناجاها، فرفعت رأسها و عيناها تدمع؛ و ما تطيق الكلام، ثمّ قال:

«أدني منّي رأسك»، فأكبّت عليه، فناجاها، فرفعت رأسها؛ و هي تضحك و ما تطيق الكلام، و كان الّذي رأينا منها عجبا، فسألتها بعد ذلك ...

ما استأذن ملك الموت على أحد) قبلك‏ (قطّ)؛ أي: فيما مضى، (و لا يستأذن عليه)؛ أي: على أحد بعدك‏ (أبدا)، فهو تخصيص لك على الجميع.

(ألا إنّ ربّك متمّ شرفك، و هو إليك مشتاق.

قال)؛ أي النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم لجبريل‏ (: «فلا تبرح إذا)- أي: امكث عندي- (حتّى يجي‏ء»)؛ أي: ملك الموت‏ (و أذن) صلى اللّه عليه و سلم‏ (للنّساء) فدخلن، و فيهنّ ابنته فاطمة (رضي الله تعالى عنها).

(فقال: «يا فاطمة؛ ادني»)، أي: اقربي منّي‏ (فأكبّت عليه) لازم، و ثلاثيّة كبّ: متعدّ، عكس المشهور من قواعد التصريف؛ فهو من النّوادر.

(فناجاها) أي سارّها بشي‏ء، (فرفعت رأسها و عيناها تذرفان)؛ أي:

تسيلان دموعا، (و ما تطيق الكلام) من شدّة الحزن.

(ثمّ قال) لها (: «ادني منّي رأسك»، فأكبّت عليه فناجاها، فرفعت رأسها؛ و هي تضحك و ما تطيق الكلام، و كان الّذي رأينا منها عجبا) من البكاء و الضّحك في ساعة واحدة، (فسألتها بعد ذلك)؛ أي: بعد وفاته صلى اللّه عليه و سلم.

274

فقالت: أخبرني، و قال: «إنّي ميّت اليوم»، فبكيت، ثمّ قال:

«إنّي دعوت اللّه أن يلحقك بي في أوّل أهلي، و أن يجعلك معي» فضحكت. و أدنت ابنيها منه فشمّهما.

(فقالت: أخبرني) أوّلا؛ (و قال: «إنّي ميّت اليوم»، فبكيت) حزنا على فراقه‏ (ثمّ قال) ثانيا (: «إنّي دعوت اللّه أن يلحقك بي في أوّل أهلي، و أن يجعلك معي» فضحكت)؛ فرحا للحوقي به، (و أدنت)؛ أي: قرّبت‏ (ابنتها) أمّ كلثوم‏ (منه) صلى اللّه عليه و سلم‏ (فشمّها) و برّك عليها.

و في البخاري، و مسلم، و النّسائي؛ من طريق عروة؛ عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) قالت: دعا النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم فاطمة في شكواه الّتي قبض فيها، فسارّها بشي‏ء فبكت، ثمّ دعاها فسارّها بشي‏ء فضحكت! فسألناها عن ذلك؟ فقالت: سارّني النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم أنّه يقبض في وجهه الّذي توفّي فيه. فبكيت، ثمّ سارّني؛ فأخبرني أنّي أوّل أهله يتبعه، فضحكت.

و في رواية «الصّحيحين» و النّسائي؛ عن مسروق؛ عن عائشة، قالت:

أقبلت فاطمة تمشي، كأنّ مشيتها مشية النّبي صلى اللّه عليه و سلم؛ فقال لها: «مرحبا بابنتي» ثمّ أجلسها عن يمينه؛ أو عن شماله، ثمّ أسرّ إليها حديثا فبكت، فقلت لها: لم تبكين!؟ ثمّ أسرّ إليها حديثا فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن!! فسألتها عمّا قال؟ فقالت: ما كنت لأفشي سرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، حتّى قبض، فسألتها؟ فقالت: أسرّ إليّ «إنّ جبريل كان يعارضني القرآن، كلّ سنة مرّة، و إنّه عارضني الآن مرّتين، و لا أراه إلّا حضر أجلي، و إنّك أوّل أهلي لحاقا بي». فبكيت. فقال: «أ ما ترضين أن تكوني سيّدة نساء أهل الجنّة؟ أو نساء المؤمنين؟». فضحكت لذلك.

اتّفقت الرّوايتان على أنّ الّذي سارّها به أوّلا فبكت، هو إعلامه إيّاها؛ بأنّه يموت من مرضه ذلك؛ كما في المتن.

275

..........

و اختلفت فيما سارّها به فضحكت؟ ففي رواية عروة: أنّه إخباره إيّاها بأنّها أوّل أهله لحوقا به، و هي موافقة لما في المتن، و في رواية مسروق: أنّه إخباره إيّاها أنّها سيّدة نساء أهل الجنّة، و جعل كونه أوّل أهله لحاقا به مضموما إلى الأوّل، و هو إخباره بأنّه ميّت من وجعه.

و حديث مسروق هو الرّاجح، فإنّه يشتمل على زيادات ليست في حديث عروة. و مسروق من الثّقات الضّابطين، و زيادته مقبولة.

و في رواية عروة الجزم أنّه ميّت من وجعه ذلك، و هي توافق ما في المصنف، بخلاف رواية مسروق، ففيها أنّه ظنّ ذلك؛ بطريق الاستنباط ممّا ذكره من معارضته القرآن مرّتين.

و يحتمل تعدّد القصّة؛ جمعا بين روايتي مسروق و عروة.

و قد يقال: لا منافاة بين الخبرين؛ إلّا بالزّيادة.

و لا يمتنع أن يكون إخباره بكونها أوّل أهله لحوقا به سببا لبكائها و ضحكها معا؛ باعتبارين: فباعتبار أسفها على بقائها بعده مدّة بكت؛ و هو ما رواه مسروق، و باعتبار سرعة لحاقها به ضحكت؛ و هو ما رواه عروة، فذكر كلّ من الرّاويين ما لم يذكره الآخر، و هذا الجمع أولى من احتمال التّعدد؛ لأنّ الأصل عدمه.

و قد روى النّسائي؛ من طريق أبي سلمة بن عبد الرّحمن؛ عن عائشة في سبب البكاء: أنّه ميّت، و في سبب الضّحك: الأمرين الأخيرين: أنها أوّل أهله لحاقا به، و أنّها سيّدة نساء أهل الجنّة، و هذا يؤيّد الجمع الثّاني.

و في الحديث إخباره صلى اللّه عليه و سلم بما سيقع؛ فوقع كما قال، فإنّهم اتّفقوا على أنّ فاطمة أوّل من مات من أهل بيت النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم بعده بستّة أشهر- على الصّحيح- حتّى من أزواجه (عليه الصلاة و السلام). انتهى من «المواهب اللدنية» للعلّامة القسطلاني (رحمه الله تعالى).

276

قالت: و جاء ملك الموت، و استأذن؛ فأذن له، فقال الملك:

ما تأمرنا يا محمّد؟ قال: «ألحقني بربّي الآن»، فقال: بلى؛ من يومك هذا، أما إنّ ربّك إليك مشتاق، و لم يتردّد عن أحد تردّده عنك، و لم ينهني عن الدّخول على أحد إلّا بإذن غيرك، و لكنّ ساعتك أمامك. و خرج.

قالت: و جاء جبريل فقال: السّلام عليك يا رسول اللّه؛ هذا آخر ما أنزل فيه إلى الأرض أبدا، طوي الوحي و طويت الدّنيا، و ما كان لي في الأرض حاجة غيرك، و ما لي فيها حاجة إلّا حضورك، ثمّ لزوم موقفي.

(قالت: و جاء ملك الموت، و استأذن؛ فأذن له) فدخل؛

(فقال:) السّلام عليك أيّها النّبيّ، و رحمة اللّه و بركاته؛ إنّ ربّك يقرئك السّلام، ثمّ قال‏ (الملك: ما تأمرنا يا محمّد؟ قال: «ألحقني بربّي الآن».

فقال: بلى؛ من يومك هذا، أما إنّ ربّك إليك مشتاق، و لم يتردّد عن أحد تردّده عنك، و لم ينهني عن الدّخول على أحد إلّا بإذن غيرك، و لكنّ ساعتك أمامك.

و خرج، قالت: و جاء جبريل؛ فقال: السّلام عليك يا رسول اللّه؛ هذا آخر ما أنزل فيه إلى الأرض)؛ أي: بالوحي‏ (أبدا، طوي الوحيّ و طويت الدّنيا، و ما كان لي في الأرض حاجة غيرك، و ما لي فيها حاجة إلّا حضورك)؛ أي:

الحضور عندك بالوحي‏ (ثمّ لزوم موقفي)

فالمنفيّ نزوله بالوحي المتجدّد، فلا ينافي ما ورد في أحاديث: أنّه ينزل ليلة القدر، و يحضر قتال المسلمين مع الكفّار، و يحضر من مات على طهارة من المسلمين، و يأتي مكّة و المدينة بعد خروج الدّجال؛ ليمنعه من دخولها، و في زمن عيسى (عليه السلام)؛ لا بشرع جديد، و تفصيل ذلك يطول.

277

لا و الّذي بعث محمّدا بالحقّ؛ ما في البيت أحد يستطيع أن يحير إليه في ذلك كلمة، و لا يبعث إلى أحد من رجاله لعظم ما يسمع من حديثه، و وجدنا و إشفاقنا.

قالت: فقمت إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) حتّى أضع رأسه بين ثدييّ، و أمسكت بصدره، و جعل يغمى عليه حتّى يغلب، و جبهته ترشح رشحا ما رأيته من إنسان قطّ، فجعلت أسلت ذلك العرق، و ما وجدت رائحة شي‏ء أطيب منه، فكنت أقول له إذا أفاق: بأبي أنت و أمّي، و نفسي و أهلي؛ ما تلقى جبهتك من الرّشح؟ ...

(لا و الّذي بعث محمّدا) صلى اللّه عليه و سلم‏ (بالحقّ؛ ما في البيت أحد يستطيع أن يحير إليه في ذلك كلمة)؛ أي: يعيدها، (و لا يبعث إلى أحد من رجاله؛ لعظم ما يسمع من حديثه، و) ل (وجدنا)؛ أي: حزننا، (و إشفاقنا): خوفنا.

(قالت)؛ أي: عائشة (: فقمت إلى النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم حتّى أضع رأسه بين ثدييّ، و أمسكت بصدره، و جعل يغمى عليه)؛ أي: يعتريه الغشيان‏ (حتّى يغلب)؛ لشدّة ما يحصل له من فتور الأعضاء عن تمام الحركة.

و فيه جواز الإغماء على الأنبياء (عليهم الصلاة و السلام)! قال ابن حجر في «شرح الشّمائل»: لكن قيّده الشّيخ أبو حامد- من أئمّتنا- بغير الطّويل، و جزم به البلقيني. قال السّبكيّ: ليس كإغماء غيرهم!؟ لأنّه إنّما يستر حواسّهم الظّاهرة؛ دون قلوبهم، لأنّها إذا عصمت من النّوم الأخفّ؛ فالإغماء أولى!! و قد تقدم الكلام على ذلك.

(و جبهته ترشح رشحا ما رأيته من إنسان قطّ، فجعلت أسلت ذلك العرق)؛ أي: أزيله و أمسحه.

(و ما وجدت رائحة شي‏ء أطيب منه، فكنت أقول له إذا أفاق) من غشيته‏ (: بأبي أنت و أمّي؛ و نفسي و أهلي، ما تلقى جبهتك من الرّشح!؟.

278

فقال: «يا عائشة؛ إنّ نفس المؤمن تخرج بالرّشح، و نفس الكافر تخرج من شدقيه كنفس الحمار».

فعند ذلك ارتعنا، و بعثنا إلى أهلنا، فكان أوّل رجل جاءنا- و لم يشهده- أخي، بعثه إليّ أبي، فمات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قبل أن يجي‏ء أحد، و إنّما صدّهم اللّه عنه؛ لأنّه ولّاه جبريل و ميكائيل، و جعل إذا أغمي عليه .. قال: ...

فقال: «يا عائشة؛ إنّ نفس المؤمن) أي: روحه‏ (تخرج بالرّشح، و نفس الكافر تخرج من شدقه؛ كنفس الحمار»).

فالرّشح من علامات الخير؛ روى الطّبراني في «الكبير»، و من طريقه أبو نعيم في «الحلية»؛ من حديث ابن مسعود: «نفس المؤمن تخرج رشحا، و إنّ نفس الكافر تسيل، كما تسيل نفس الحمار». و رواه في «الأوسط» بلفظ: «نفس المؤمن، تخرج رشحا، و لا أحبّ موتا كموت الحمار؛ موت الفجاءة، و روح الكافر تخرج من أشداقه».

و في رواية له قيل له: و ما موت الحمار؟ قال: «روح الكافر تخرج من أشداقه».

و روى التّرمذيّ، و ابن ماجه، و الحاكم و صحّحه، و البيهقي في «الشّعب»؛ من حديث أبي هريرة: «المؤمن يموت بعرق الجبين».

(فعند ذلك ارتعنا)؛ أي: خفنا (و بعثنا إلى أهلنا؛ فكان أوّل رجل جاءنا؛ و لم يشهده- أخي) عبد الرّحمن بن أبي بكر (بعثه إليّ أبي) لينظر الحال.

(فمات رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قبل أن يجي‏ء أحد) من أهلي، (و إنّما صدّهم اللّه عنه، لأنّه ولّاه جبريل و ميكائيل) (عليهما السلام)، (و جعل) صلى اللّه عليه و سلم‏ (إذا أغمي عليه؛ قال:

279

«بل الرّفيق الأعلى»، كأنّ الخيرة تعاد عليه، فإذا أطاق الكلام ..

قال: «الصّلاة .. الصّلاة؛ إنّكم لا تزالون متماسكين ما صلّيتم جميعا، الصّلاة .. الصّلاة»، كان يوصي بها حتّى مات؛ و هو يقول: «الصّلاة .. الصّلاة».

قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): ...

«بل الرّفيق الأعلى»، كأنّ الخيرة) بين البقاء في الدّنيا و الارتحال إلى الآخرة (تعاد عليه) مرة بعد أخرى.

قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و هو صحيح يقول: «إنّه لم يقبض نبيّ حتّى يرى مقعده من الجنّة، ثمّ يحيا أو يخيّر، فلمّا اشتكى، و حضره القبض؛ و رأسه على فخذي، غشي عليه، فلمّا أفاق؛ شخص بصره نحو سقف البيت، ثمّ قال: «اللّهمّ الرّفيق الأعلى». فقلت: إذا لا يختارنا، فعرفت أنّه حديثه الذي كان يحدّثنا و هو صحيح. رواه «البخاري».

و في رواية له: «لا يموت نبيّ حتّى يخيّر بين الدّنيا و الآخرة».

(فإذا أطاق الكلام؛ قال: «الصّلاة الصّلاة)- أي: الزموها- (إنّكم لا تزالون متماسكين ما صلّيتم جميعا)؛ أي: مع الجماعة (الصّلاة الصّلاة» كان يوصي بها حتّى مات؛ و هو يقول: «الصّلاة الصّلاة»).

روي ذلك من حديث أنس؛ أنّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «الصّلاة .. و ما ملكت أيمانكم، الصّلاة .. و ما ملكت أيمانكم». رواه أحمد، و عبد بن حميد، و النّسائي، و ابن ماجه، و ابن سعد، و أبو يعلى، و ابن حبّان، و الطّبرانيّ، و الضّياء. و رواه ابن سعد أيضا و الطّبرانيّ؛ من حديث أمّ سلمة، و رواه الطّبراني أيضا؛ من حديث ابن عمر (رضي الله تعالى عنهم اجمعين).

(قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها))- كما في «الإحياء»-:

280

مات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بين ارتفاع الضّحى، و انتصاف النّهار يوم الإثنين.

قالت فاطمة (رضي الله تعالى عنها): ما لقيت من يوم الإثنين، و اللّه لا تزال الأمّة تصاب فيه بعظيمة.

و قالت أمّ كلثوم ...

(مات رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بين ارتفاع الضّحى، و انتصاف النّهار يوم الاثنين).

قال العراقي: رواه ابن عبد البرّ. انتهى.

و جزم موسى بن عقبة؛ عن الزّهري بأنّه صلى اللّه عليه و سلم مات حين زاغت الشّمس، و كذا لأبي الأسود؛ عن عروة. و روى ابن سعد؛ من طريق ابن أبي مليكة؛ عن عائشة (رضي الله تعالى عنها): أنّ دخول النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم في بيتها كان يوم الاثنين، و موته يوم الاثنين»؛ قاله في «شرح الإحياء».

(قالت فاطمة) الزّهراء ((رضي الله تعالى عنها))- كما في «الإحياء»-: (ما لقيت من يوم الاثنين! و اللّه؛ لا تزال الأمّة تصاب فيه بعظيمة)!! أي: بمصيبة شديدة.

(و) في «الإحياء» للغزالي أيضا:

(قالت أمّ كلثوم) ابنة عليّ بن أبي طالب، و أمّها فاطمة الزّهراء (رضي الله تعالى عنهم).

ولدت في عهد النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم. قال أبو عمر ابن عبد البرّ: ولدت قبل وفاة النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم. و روى ابن أبي عمر المدنيّ في «مسنده» قال: حدّثني سفيان؛ عن عمر؛ عن محمّد بن عليّ: أنّ عمر خطب من عليّ بنته أمّ كلثوم!! فذكر له صغرها، فقيل له: إنّه ردّك؛ فعاوده!! فقال له عليّ: أبعث بها إليك، فإن رضيت؛ فهي امرأتك فأرسل بها إليه فكشف عن ساقها، فقالت: مه!! لو لا أنّك أمير المؤمنين لطمت عينك!!.

281

- يوم أصيب عليّ كرّم اللّه وجهه ...

و قال ابن وهب؛ عن عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم؛ عن أبيه؛ عن جدّه:

تزوّج عمر أمّ كلثوم على مهر أربعين ألفا، و قال الزّبير: ولدت لعمر ابنيه: زيدا و رقيّة.

و ماتت أم كلثوم و ولدها في يوم واحد. و ذكر الدّارقطنيّ في كتاب «الأخوة»:

أنّه تزوّجها بعد موت عمر عون بن جعفر بن أبي طالب؛ فمات عنها، فتزوّجها أخوه محمّد؛ ثمّ مات عنها، فتزوّجها أخوه عبد اللّه بن جعفر؛ فماتت عنده.

قال ابن سعد: و لم تلد لأحد من بني جعفر.

(يوم أصيب عليّ كرّم اللّه وجهه).

سئل العلّامة نور الدّين: الشّيخ عليّ الشّبراملسي الشّافعيّ (رحمه الله تعالى) بما نصّه: ما حكمة استعمال «كرّم اللّه وجهه» في حقّ عليّ بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه) دون غيره؛ عوضا عن التّرضّي؟! و هل يستعمل ذلك لغيره من الصّحابة (رضوان الله تعالى عليهم اجمعين). آمين؟؟.

فأجاب بقوله: حكمة ذلك: أنّ عليا (رضي الله تعالى عنه)، و كرّم وجهه، لم يسجد لصنم قطّ؛ فناسب أن يدعى له بما هو مطابق لحاله من تكرمة الوجه، و المراد به حقيقته أو الكناية عن الذّات؛ أي: حفظه عن أن يتوجّه لغير اللّه تعالى في عبادته.

و يشاركه في ذلك الصّدّيق (رضي الله تعالى عنه) و كرّم وجهه، فإنّه لم يسجد لصنم أيضا؛ كما حكي فناسب أن يدعى له بذلك أيضا، و إنّما كان استعمال ذلك في حقّ عليّ أكثر!! لأنّ عدم سجوده لصنم أمر مجمع عليه، لأنّه أسلم و هو صبيّ مميّز، و صحّ إسلامه حينئذ؛ على خلاف ما هو مقرّر في مذهبنا، لأنّ الأحكام وقت إسلامه كانت منوطة بالتّمييز، ثمّ بعد ذلك نسخ ذلك الأمر، فأنيطت بالبلوغ؛ كما بيّنه البيهقيّ و غيره.

282

بالكوفة- ...

فإن قلت: كثير من الصّحابة لم يوجد منهم سجود لصنم، كالعبادلة ابن عبّاس، و ابن عمر، و ابن عمرو، و ابن الزّبير، و غيرهم، و مع ذلك لا يقول النّاس فيهم ذلك؟ بل التّرضي كغيرهم!!.

قلت: هؤلاء و نظراؤهم إنّما ولدوا بعد اضمحلال الشّرك، و خمود نار الضّلالة و الفتنة، فلم يشابهوا ذينك الإمامين؛ من تركهما أكبر فتن الشّرك من السّجود للصّنم، مع دعاية أهله للنّاس لذلك، و مبالغتهم في إيذاء من ترك ذلك، و كان في التّرك حينئذ مع مخالفة الآباء و الأقارب، و تحمّل المشاقّ الّتي لا تطاق من الدّلالة على الصّدق؛ ما ليس فيه بعد ظهور الإسلام و زهوق الضّلال؛ فناسب حالهما أن يميّزا عن بقيّة الصّحابة بهذه الخصوصيّة العظمى (رضي الله تعالى عنهما) و كرّم وجهيهما. انتهى؛ نقلته من هوامش كتاب «إرشاد المهتدي إلى كفاية المبتدي» للشّيخ العلّامة عبد الحميد بن محمّد علي قدس المكيّ (رحمه الله تعالى). آمين.

(بالكوفة): مدينة كبرى بالعراق؛ و هي قبّة الإسلام، و مركز العلم، و دار هجرة المسلمين. قيل: مصّرها سعد بن أبي وقّاص، و بنى مسجدها، و كانت قبل ذلك منزل نوح (عليه السلام)، و يقال لها: كوفان. و يقال لها: كوفة الجند!! لأنّها اختطّت فيها خطط العرب أيام عثمان (رضي الله عنه) أو أيّام عمر (رضي الله عنه).

تولّى تخطيطها السّائب بن الأقرع بن عوف الثّقفي (رضي الله عنه)، و هو الّذي شهد فتح نهاوند مع النّعمان بن مقرّن. قال ياقوت: لما بنى عبيد اللّه بن زياد مسجد الكوفة صعد المنبر؛ و قال: يا أهل الكوفة؛ إنّي قد بنيت لكم مسجدا لم يبن على وجه الأرض مثله، و قد أنفقت على كلّ أسطوانة: سبع عشر مائة، و لا يهدمه إلّا باغ؛ أو حاسد.

و يقال: إنّ مقدار الكوفة ستّة عشر ميلا و ثلثا ميل، و أنّ فيها خمسين ألف دار للعرب؛ من ربيعة و مضر، و أربعة و عشرين ألف دار لسائر العرب، و ستّة و ثلاثين ألف دار لليمن، و الحسناء لا تخلو من ذامّ.

283

مثلها: ما لقيت من يوم الإثنين، مات فيه جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و فيه قتل عمر، و فيه قتل أبي، فما لقيت من يوم الإثنين. و قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): لمّا مات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) .. اقتحم النّاس حين ارتفعت الرّنّة و سجّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بثوبي؛ ف ...

و المسافة ما بين الكوفة و المدينة نحو عشرين مرحلة. انتهى ملخّصا من «شرح القاموس».

(مثلها)؛ أي: مثل هذه المقالة (ما)؛ أي: أمر عظيم‏ (لقيت من) الأحزان في‏ (يوم الاثنين؟! مات فيه جدّي) أبو أمّي، و هو (رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و فيه قتل عمر) بن الخطّاب: بعلي، (و فيه قتل) عليّ بن أبي طالب‏ (أبي) (رضي الله تعالى عنهم).

(فما لقيت من يوم الاثنين!؟) هكذا روي عنها، و لكن في قتل عمر اختلاف، فروى سالم بن أبي الجعد؛ عن معدان بن أبي طلحة: أن عمر أصيب يوم الأربعاء؛ لأربع بقين من ذي الحجّة سنة: ثلاث و عشرين.

و كذا قال: أبو معشر و غيره؛ عن زيد بن أسلم، و زاد إسماعيل بن محمّد بن سعد؛ عن زيد: أنّه دفن يوم الأحد؛ مستهلّ سنة: أربع و عشرين.

و قال اللّيث و جماعة: قتل يوم الأربعاء، لأربع بقين من ذي الحجّة؛

ذكره في «شرح الإحياء».

(و قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها)) فيما ذكره في «الإحياء».

و قال الوليّ العراقي فيه: إنّ هذا السّياق بطوله منكر؛ لم أجد له أصلا، لكن قال في «شرح الإحياء»: إنّه رواه ابن أبي الدّنيا؛ من حديث ابن عمر بن الخطّاب بسند ضعيف. انتهى. قالت:

(لمّا مات رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم اقتحم النّاس)؛ أي: دخلوا (حين ارتفعت الرّنّة)؛ أي: صوت البكاء، (و سجّي)؛ أي: غطّي‏ (رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بثوبي ف)- طاشت‏

284

اختلفوا، فكذّب بعضهم بموته، و أخرس بعضهم، فما تكلّم إلّا بعد البعد، و خلّط آخرون؛ فلاثوا الكلام بغير بيان، و بقي آخرون معهم عقولهم، و أقعد آخرون؛ فكان عمر بن الخطّاب فيمن كذّب بموته، و عليّ فيمن أقعد، و عثمان فيمن أخرس، ...

العقول، و وقع الصحابة في حيرة، و (اختلفوا!!

ف) منهم من خبّل، و منهم من أقعد فلم يطق القيام، و منهم من أخرس؛ فلم يطق الكلام، و منهم من أضني.

و (كذّب بعضهم بموته) كعمر بن الخطّاب، (و أخرس)؛ أي: منع من النّطق‏ (بعضهم) كعثمان بن عفّان، (فما تكلّم إلّا بعد البعد.

و خلّط آخرون) منهم؛ (فلاثوا الكلام)؛ أي: لووا كلامهم‏ (بغير بيان)؛ أي: إفصاح، أي: لم يبيّنوا كلامهم، و لم يوضّحوه بالإيضاح المعهود عنهم.

(و بقي آخرون) من الصّحابة (معهم عقولهم.

و أقعد آخرون؛ فكان عمر بن الخطّاب فيمن كذّب بموته) روى الإمام أحمد؛ عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) قالت: سجّيت النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم ثوبا، فجاء عمر و المغيرة بن شعبة فاستأذنا؛ فأذنت لهما، و جذبت الحجاب، فنظر عمر إليه؛ فقال: وا غشيتاه!! ثمّ قام، فقال المغيرة: يا عمر؛ مات. فقال: كذبت! إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لا يموت حتّى يفني اللّه المنافقين ... الحديث.

(و) كان‏ (عليّ) بن أبي طالب (رضي الله عنه) (فيمن أقعد)؛ فلم يستطع حراكا.

(و) كان‏ (عثمان) بن عفّان (رضي الله تعالى عنه) (فيمن أخرس) يذهب و يجي‏ء؛ و لا يستطيع كلاما، و أضني- أي: مرض- عبد اللّه بن أنيس فمات كمدا.

و كان أثبتهم أبو بكر الصّدّيق (رضي الله تعالى عنه) و هو المحبّ الأكبر للنّبيّ صلى اللّه عليه و سلم.

285

فخرج عمر على النّاس؛ و قال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لم يمت، و ليرجعنّه اللّه عزّ و جلّ، و ليقطّعنّ أيدي و أرجل رجال من المنافقين يتمنّون لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الموت، إنّما و اعده اللّه عزّ و جلّ كما واعد موسى؛ و هو آتيكم.

و في رواية أنّه قال: يا أيّها النّاس؛ كفّوا ألسنتكم عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)؛ فإنّه لم يمت، و اللّه لا أسمع أحدا يذكر ...

(فخرج عمر) بن الخطّاب (رضي الله تعالى عنه) (على النّاس)- و قد سلّ سيفه- (و قال: إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لم يمت)، و توعّد بالقتل من يقول: مات؟

قال: (و ليرجعنّه اللّه عزّ و جلّ، و ليقطّعنّ أيدي و أرجل رجال من المنافقين). زاد في رواية: و ألسنتهم. و هذا قاله بناء على ما قام عنده، و أدّاه إليه اجتهاده؛ أنّه لا يموت حتّى يشهد على أمّته.

و في «سيرة ابن إسحاق»؛ عن ابن عبّاس، أنّ عمر قال له: إنّ الحامل له على هذه المقالة قوله تعالى‏ وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [143/ البقرة] فظنّ أنّه صلى اللّه عليه و سلم يبقى في أمّته حتّى يشهد عليها.

قال عمر: و اللّه ما كان يقع في نفسي إلّا ذلك، و ليبعثه اللّه، فليقطّعنّ أيدي رجال من المنافقين و أرجلهم؛ (يتمنّون لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الموت). و كانوا أظهروا الاستبشار، و فرحوا بموته، و رفعوا رءوسهم؛ كما عند ابن أبي شيبة.

و كان يقول: (إنّما واعده اللّه عزّ و جلّ كما واعد موسى) (عليه الصلاة و السلام)؛ فلبث عن قومه أربعين ليلة (و هو آتيكم)

و هذا قاله اجتهادا بالقياس، ثمّ رجع عنه.

(و في رواية أنّه قال: يا أيّها النّاس؛ كفّوا ألسنتكم عن) الكلام في موت‏ (رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؛ فإنّه لم يمت) و أشهر سيفه قائلا: (و اللّه لا أسمع أحدا؛ يذكر

286

أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قد مات .. إلّا علوته بسيفي هذا.

و أمّا عليّ: فإنّه أقعد فلم يبرح في البيت.

و أمّا عثمان: فجعل لا يكلّم أحدا؛ يؤخذ بيده فيجاء به، و يذهب به.

و لم يكن أحد من المسلمين في مثل حال أبي بكر و العبّاس، فإنّ اللّه عزّ و جلّ أيّدهما بالتّوفيق و السّداد، و إن كان النّاس لم يرعووا إلّا بقول أبي بكر، حتّى جاء العبّاس فقال: ...

أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قد مات إلّا علوته)- أي: ضربته- (بسيفي هذا) لما حصل له من الدّهشة و الحزن.

(و أمّا عليّ) بن أبي طالب (رضي الله عنه) (فإنّه أقعد؛ فلم يبرح في البيت) و لم يستطع حراكا.

(و أمّا عثمان) بن عفّان (رضي الله عنه)؛ (فجعل لا يكلّم أحدا)، و إنّما (يؤخذ بيده؛ فيجاء به، و يذهب به)، و هو لا يستطيع الكلام لعظم المصيبة الّتي نزلت بهم.

(و لم يكن أحد من المسلمين في مثل حال أبي بكر) الصّدّيق ثباتا؛ و هو المحبّ الأكبر!! و ذلك أدلّ دليل على شجاعة الصّدّيق، فإنّ الشّجاعة حدّها:

ثبات القلب عند حلول المصائب. و لا مصيبة أعظم من موت النّبي صلى اللّه عليه و سلم!!.

(و) لم يكن أحد من المسلمين في مثل حال‏ (العبّاس) بن عبد المطلب في الثّبات؛ بعد أبي بكر الصّديق (رضي الله تعالى عنهما) (فإنّ اللّه عزّ و جلّ أيّدهما بالتّوفيق و السّداد) أي: الصّواب في القول‏ (و إن كان النّاس لم يرعووا)؛ أي: لم ينكفّوا (إلّا بقول أبي بكر) الصّدّيق (رضي الله تعالى عنه) (حتّى) إنّه‏ (جاء العبّاس؛ فقال) لهم: إنّه مات، فلم ينكفّوا إلّا بقول الصّدّيق.

287

و اللّه الّذي لا إله إلّا هو؛ لقد ذاق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الموت، و لقد قال اللّه له و هو بين أظهركم: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ‏ [الزمر: 30- 31].

و بلغ أبا بكر الخبر- و هو في بني الحارث بن الخزرج- ...

و كان من جملة ما قال العبّاس (رضي الله عنه): (و اللّه الّذي لا إله إلّا هو؛ لقد ذاق رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم الموت، و لقد قال اللّه له و هو بين أظهركم)- أي: في حال حياته- (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏ (30) [الزمر])؛ أي: ستموت و يموتون؛ فلا شماتة بالموت، (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ‏) (31) [الزمر].

و روى ابن إسحاق و عبد الرزّاق و الطّبراني: أنّ العبّاس قال لعمر: هل عند أحد منكم عهد من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في ذلك؟ قال: لا. قال: فإنّه قد مات، و لم يمت حتّى حارب و سالم، و نكح و طلّق، و ترككم على محجّة واضحة!!.

و هذا من موافقات العبّاس للصّدّيق (رضي الله تعالى عنهما).

و أخرج البيهقي و أبو نعيم؛ من طريق الواقدي عن شيوخه: أنّهم شكّوا في موته صلى اللّه عليه و سلم؛! فقال بعضهم: قد مات، و قال بعضهم: لم يمت. فوضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه؛ فقالت: قد توفّي. قد رفع الخاتم من بين كتفيه.

و أخرجه ابن سعد؛ عن شيخه الواقدي أيضا، و ذكر مغلطاي في «الزّهد»:

أنّ الحاكم روى في «تاريخه»؛ عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) أنّها لمست الخاتم حين توفّي صلى اللّه عليه و سلم؛ فوجدته قد رفع. قال الشّامي: و لا إخاله صحيحا. قال الزّرقانيّ: و كان هذا من جملة ما عرف به موته صلى اللّه عليه و سلم و عرفه الصّدّيق بشمّ ريح الموت من فمه صلى اللّه عليه و سلم.

(و بلغ أبا بكر) الصّدّيق (رضي الله تعالى عنه) (الخبر؛ و هو) غائب بالسّنح‏ (في بني الحارث بن الخزرج) قبيلة من الأنصار؛ كانت مساكنهم بالسّنح أي:

بالعوالي قرب المدينة المنوّرة؛ على ميل من المسجد النّبويّ، و كان أبو بكر قد

288

فجاء، و دخل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فنظر إليه، ثمّ أكبّ عليه، فقبّله، ثمّ قال: بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه؛ ما كان اللّه ليذيقك الموت مرّتين، فقد- و اللّه- توفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).

ثمّ خرج إلى النّاس فقال: أيّها النّاس؛ من ...

تزوّج حبيبة بنت خارجة بن زيد بن زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك الأغرّ الأنصاريّة الخزرجيّة. صحابيّة بنت صحابيّ، و كان قد سكن بها هناك، و كان النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم أصبح يوم الاثنين خفيف المرض؛ فأذن له رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في الذّهاب إليها فذهب، فمات النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم في غيبته.

(فجاء) على فرس لمّا بلغه خبر الوفاة (و دخل على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فنظر إليه، ثمّ أكبّ عليه؛ فقبّله) بين عينيه و بكى.

(ثمّ قال: بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه) الباء متعلّقة بمحذوف؛ أي: أنت مفديّ بأبي، فهو مرفوع: مبتدأ و خبر، أو [تفدى‏] (1) فعل، فما بعده نصب، أي:

فديتك. (ما كان اللّه ليذيقك الموت مرّتين) قيل: هو على حقيقته، و أشار بذلك إلى الرّدّ على من زعم أنه سيحيا فيقطع أيدي رجال، لأنّه لو صحّ ذلك للزم أن يموت موتة أخرى، إذ لا بدّ من الموت قبل يوم القيامة، فأخبر أنّه أكرم على اللّه أن يجمع عليه موتتين؛ كما جمعهما على غيره، كالّذين خرجوا من ديارهم و هم ألوف حذر الموت. و هم قوم من بني إسرائيل؛ وقع الطّاعون ببلادهم ففرّوا، فقال لهم اللّه:

موتوا فماتوا، ثمّ أحياهم بعد ثمانية أيّام؛ أو أكثر، بدعاء نبيّهم حزقيل، فعاشوا دهرا عليهم أثر الموت؛ لا يلبسون ثوبا إلّا عاد كالكفن! و استمرّت في أسباطهم، و هذا أظهر الأجوبة، و أسلمها من الاعتراض.

(فقد و اللّه؛ توفّي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. ثمّ خرج إلى النّاس؛ فقال: أيّها النّاس؛ من‏

____________

(1) أضفتها للإيضاح.

289

كان يعبد محمّدا فإنّ محمّدا قد مات، و من كان يعبد ربّ محمّد فإنّه حيّ لا يموت. قال اللّه تعالى: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏ [آل عمران: 144].

فكأنّ النّاس لم يسمعوا هذه الآية إلّا يومئذ.

كان يعبد محمّدا فإنّ محمّدا قد مات!! و من كان يعبد ربّ محمّد؛ فإنّه حيّ لا يموت).

و قال‏ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏ (30) [الزمر]، و (قال اللّه تعالى‏ وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ‏)؛ أي: مضت‏ (مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ‏) رجعتم إلى الكفر. و الجملة الأخيرة محلّ الاستفهام الإنكاريّ، أي: ما كان معبودا فترجعوا، نزلت لمّا أشيع يوم أحد أنّه صلى اللّه عليه و سلم قتل، و قال المنافقون: إن كان قتل فارجعوا إلى دينكم‏ (.. الآية) اختصار من المصنّف، و إلّا؛ فهي متلوّة كلّها عند البخاريّ؛ فقال: مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً و إنّما يضرّ نفسه‏ وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏ (144) [آل عمران‏] نعمه بالثّبات.

و في حديث ابن عبّاس عند البخاري: إنّ أبا بكر خرج و عمر بن الخطّاب يكلّم النّاس؛ فقال فقال أبو بكر: اجلس يا عمر، فأبى أن يجلس!! فأقبل النّاس إليه و تركوا عمر، فقال أبو بكر: أمّا بعد؛ فمن كان يعبد محمّدا فإن محمّدا قد مات؟! و من كان يعبد اللّه؛ فإنّ اللّه حيّ لا يموت. قال اللّه تعالى‏ وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ‏ [144/ آل عمران‏]، زاد في رواية البخاريّ إلى قوله‏ الشَّاكِرِينَ‏ قال ابن عبّاس: و اللّه؛ لكأنّ النّاس لم يعلموا أنّ اللّه أنزل هذه الآية حتّى تلاها أبو بكر، فتلقّاها النّاس منه كلّهم، فما أسمع بشرا من النّاس إلّا يتلوها، كما قال المصنّف:

(فكأنّ)- بتشديد النّون- (النّاس لم يسمعوا هذه الآية إلّا يومئذ!!) أي: يوم إذ تلاها أبو بكر.

290

..........

قال الكرمانيّ: فإن قلت: ليس فيها أنّه صلى اللّه عليه و سلم قد مات؟ و أجاب: بأنّ أبا بكر تلاها لأجل أنّه صلى اللّه عليه و سلم قد مات.

و في حديث ابن عمر؛ عند ابن أبي شيبة: أنّ أبا بكر مرّ بعمر و هو يقول:

ما مات رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و لا يموت، حتّى يقتل اللّه المنافقين. قال: و كانوا أظهروا الاستبشار و فرحوا بموته؛ و رفعوا رءوسهم.

فقال أبو بكر لعمر: أيّها الرّجل؛ إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قد مات، أ لم تسمع اللّه تعالى يقول‏ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏، و قال‏ وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (34) [الأنبياء] ثمّ أتى أبو بكر المنبر فصعد عليه، فحمد اللّه، و أثنى عليه، فذكر خطبته: أمّا بعد؛ من كان يعبد محمّدا؛ فإنّ محمّدا قد مات، و من كان يعبد اللّه؛ فإنّ اللّه حيّ لا يموت، قال اللّه تعالى‏ وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ‏ [144/ آل عمران‏] الآية.

و في البخاري أنّ عمر قال: و اللّه؛ ما هو إلّا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت، حتّى ما تقلّني رجلاي، و حتّى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، و علمت أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قد مات ..

و في هذا أدلّ دليل على شجاعة الصّدّيق، فإنّ الشّجاعة حدّها: ثبوت القلب عند حلول المصائب، و لا مصيبة أعظم من موت النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، إذ قال أكثر النّاس:

لم يمت رسول اللّه.

و اضطرب الأمر فكشفه الصّدّيق بهذه الآية، و كشف عن النّاس اضطرابهم.

ففيه قوّة جأشه، و كثرة علمه، و ثباته، و هو المحبّ الأكبر للنّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و قد وافقه على ذلك العبّاس- كما تقدّم- و وافقه المغيرة؛ كما رواه ابن سعد، و ابن أمّ مكتوم كما في «مغازي أبي الأسود»؛ عن عروة، قال: إنّ ابن أمّ مكتوم كان يتلو إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) [الزمر]، و النّاس لا يلتفتون إليه، و كان أكثر الصّحابة على خلاف ذلك.

291

و في رواية: أنّ أبا بكر (رضي الله تعالى عنه) لمّا بلغه الخبر ..

دخل بيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو يصلّي على النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) و عيناه تهملان، و غصصه ترتفع كقصع الجرّة.

و (الجرّة- بالكسر-): ما تخرجه الإبل من كروشها، فتجترّه.

و (قصعها): إخراجها مستقيمة من غير تقطيع و شدّة مضغ.

فيؤخذ منه: أنّ الأقلّ عددا في الاجتهاد قد يصيب؛ و يخطئ الأكثر، فلا يتعيّن التّرجيح بالأكثر، و لا سيّما إن ظهر أنّ بعضهم قلّد بعضا؛ قاله الحافظ ابن حجر (رحمه الله تعالى).

(و في رواية)- ذكرها في «الإحياء»، قال العراقي: رواها ابن أبي الدّنيا في كتاب «القراء»؛ من حديث ابن عمر بسند ضعيف-.

(أنّ أبا بكر (رضي الله تعالى عنه) لمّا بلغه الخبر)؛ أي: خبر وفاته صلى اللّه عليه و سلم جاء ف (دخل بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و هو يصلّي على النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم؛ و عيناه تهملان)- بضمّ الميم- أي: تسيلان بالدّموع و زفراته تتردّد، (و غصصه)- جمع غصّة بالضمّ؛ كغرف و غرفة- و هي: ما يغصّ به الإنسان من طعام أو غيظ؛ على التّشبيه، (ترتفع)؛ أي: تتصاعد و تكثر (كقصع الجرّة، و الجرّة- بالكسر-)؛ أي:

بكسر الجيم، و تشديد الرّاء (: ما تخرجه الإبل من كروشها، فتجترّه) أي:

تمضغه مرّة بعد أخرى‏ (و قصعها) هو: إخراج الجرّة من الجوف إلى الشّدق؛ و متابعة بعضها بعضا، و قد قصعت النّاقة بجرّتها: ردّتها إلى جوفها، أو مضغتها، أو قصع الجرّة: هو شدّة المضغ، و ضمّ بعض الأسنان على بعض؛ نقله الجوهريّ عن أبي عبيد، و بكلّ ما ذكر فسّر الحديث أنه صلى اللّه عليه و سلم خطبهم على راحلته، و إنّها لتقصع بجرّتها. و قال أبو سعيد الضّرير: قصع النّاقة الجرّة: (إخراجها) من الجوف إلى الشّدق‏ (؛ مستقيمة من غير تقطيع و شدّة مضغ).

292

و هو في ذلك جلد الفعل و المقال، فأكبّ عليه، فكشف عن وجهه، و قبّل جبينه و خدّيه، و مسح وجهه و جعل يبكي و يقول:

بأبي أنت و أمّي و نفسي و أهلي، طبت حيّا و ميتا، ...

و إنّما تفعل النّاقة ذلك إذا كانت مطمئنّة ساكنة لا تسير، فإذا خافت شيئا قطعت الجرّة؛ و لم تخرجها، قال: و أصل هذا من: تقصّع اليربوع التّراب، فجعل هذه الجرّة إذا دسعت بها الناقة بمنزلة التّراب الّذي يخرجه اليربوع من قاصعائه. انتهى؛ من «شرح القاموس» و غيره.

(و هو)؛ أي: أبو بكر الصّدّيق‏ (مع ذلك جلد الفعل و المقال)؛ أي: ثابت العقل فيها، (فأكبّ عليه) و هو مسجّى‏ (فكشف) الثّوب‏ (عن وجهه، و قبّل جبينه و خدّيه، و مسح وجهه، و جعل) يقبّله و (يبكي، و يقول: بأبي أنت؛ و أمّي؛ و نفسي؛ و أهلي، طبت حيّا و ميتا).

فيه جواز التّفدية بالأب و الأمّ، و قد يقال: هي لفظة اعتادت العرب أن تقولها، و لا تقصد معناها الحقيقيّ، إذ حقيقة التّفدية- بعد الموت- لا تتصوّر؛ قاله الحافظ ابن حجر.

و وقع في حديث ابن عبّاس؛ و عائشة عند البخاري: أنّ أبا بكر قبّل النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم بعد ما مات. قال الحافظ ابن حجر (رحمه الله تعالى): ففيه- كتقبيله [صلى اللّه عليه و سلم‏] لعثمان بن مظعون بعد موته- جواز تقبيل الميت تعظيما و تبرّكا. و في رواية غير البخاري كذلك.

و وقع في رواية الإمام أحمد؛ عن عائشة: أنّ أبا بكر أتاه من قبل رأسه فحدر فاه؛ فقبّل جبهته، ثمّ قال: وا نبيّاه!! ثمّ رفع رأسه فحدر فاه ثانيا؛ و قبّل جبهته، ثمّ قال: وا صفيّاه!، ثمّ رفع رأسه فحدر فاه ثالثا؛ و قبّل جبهته، و قال:

وا خليلاه!.

293

انقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء، فعظمت عن الصّفة، و جللت عن البكاء، و خصّصت حتّى صرت مسلاة، و عمّمت حتّى صرنا فيك سواء، و لو لا أنّ موتك كان اختيارا منك؛ لجدنا لحزنك بالنّفوس، و لو لا أنّك نهيت عن البكاء؛ لأنفدنا عليك ماء العيون.

و عند ابن أبي شيبة؛ عن ابن عمر: فوضع أبو بكر فاه على جبين رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فجعل يقبّله، و يبكي، يقول: بأبي أنت و أمّي؛ طبت حيّا و ميتا.

و عن عائشة (رضي الله تعالى عنها): أنّ أبا بكر دخل على النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم بعد وفاته؛ فوضع فاه بين عينيه، و وضع يديه على صدغيه، و قال: وا نبيّاه، وا صفيّاه، وا خليلاه!! أخرجه الحسن بن عرفة بن يزيد العبديّ؛

أبو علي البغداديّ، الصّدوق؛ المتوفّى سنة: سبع و خمسين و مائتين؛ و قد جاوز المائة. ذكره الطّبريّ في «الرّياض النّضرة» قال:

و لا تخالف بين هذا- على تقدير صحّته- و بين ما تقدّم؛ ممّا تضمّن ثبات أبي بكر الصّدّيق، بأن يكون قد قال ذلك من غير انزعاج و لا قلق؛ خافتا بها صوته، ثمّ التفت إليهم و قال ما قال.

(انقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء) قبلك، و هو النّبوّة و الرّسالة، لأنك آخر الأنبياء، (فعظمت عن الصّفة)؛ أي: النّعت، أي: إنّ كلّ صفة تقصر عنك، (و جللت عن البكاء) لأنّه لا يوازيك، (و خصّصت حتّى صرت مسلاة)؛ أي: بحيث يتسلّون بك، (و عمّمت حتّى صرنا فيك سواء.

و لو لا أنّ موتك كان اختيارا منك) إذ خيّرت بينه و بين الخلد (لجدنا- لحزنك- بالنّفوس، و لو لا أنّك نهيت عن البكاء؛ لأنفدنا): أفنينا (عليك ماء الشّؤون)؛

294

فأمّا ما لا نستطيع نفيه عنّا .. فكمد و ادّكار محالفان لا يبرحان، اللّهمّ فأبلغه عنّا، اذكرنا يا محمّد- صلّى اللّه عليك- عند ربّك، و لنكن من بالك، فلو لا ما خلّفت من السّكينة .. لم يقم أحد لما خلّفت من الوحشة، اللّهمّ أبلغ نبيّك عنّا، و احفظه فينا.

و عن ابن عمر أنّه لمّا دخل أبو بكر (رضي الله تعالى عنه) البيت و صلّى و أثنى .. عجّ أهل البيت عجيجا سمعه أهل المصلّى؛ كلّما ذكر شيئا .. ازدادوا، ...

أي: مدامع العيون‏ (فأمّا ما لا نستطيع نفيه عنّا)؛ أي: لا نقدر على إزالته! (فكمد)- بفتح الكاف و الميم- أي: حزن‏ (و ادّكار محالفان) أي: ملازمان‏ (لا يبرحان.

اللّهمّ؛ فأبلغه عنّا، اذكرنا يا محمّد- صلّى اللّه عليك- عند ربّك) تعالى، (و لنكن من بالك، فلو لا ما خلّفت من السّكينة، لم يقم أحد لما خلّفت من الوحشة، اللّهمّ أبلغ نبيّك عنّا؛ و احفظه فينا)؛ ذكره الغزاليّ في «الإحياء».

(و) أخرج سيف بن عمر التّميميّ في كتاب «الرّدة» له- كما في «شرح الإحياء»- عن سعيد بن عبد اللّه؛ (عن ابن عمر) بن الخطّاب (رضي الله تعالى عنهما).

(أنّه لمّا دخل أبو بكر (رضي الله تعالى عنه) البيت) أي: حجرة عائشة (رضي الله عنها) (و صلّى و أثنى؛ عجّ أهل البيت عجيجا) أي: رفعوا صوتا (سمعه أهل المصلّى)؛ و هم خارج المدينة المنوّرة، باعتبار ما كان في الزّمن النّبويّ.

(كلّما ذكر شيئا) من الثّناء (ازدادوا) نحيبا و بكاء.

أخرج ابن عساكر؛ عن أبي ذؤيب الهذليّ؛ الشّاعر المشهور، و اسمه:

خويلد بن خالد، كان فصيحا كثير الغريب، عاش في الجاهليّة دهرا، و أدرك‏

295

فما سكّن عجيجهم إلّا تسليم رجل على الباب صيّت جلد؛ قال:

السّلام عليكم يا أهل البيت‏ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [آل عمران: 185].

إنّ في اللّه خلفا من كلّ أحد، و دركا لكلّ رغبة، ...

الإسلام؛ فأسلم، و عامّة شعره في حال إسلامه، قال:

بلغنا أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم عليل، فأوجس أهل الحيّ خيفة على النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و بتّ بليلة طويلة، حتّى إذا كان قرب السّحر نمت، فهتف بي هاتف في منامي؛ و هو يقول:

خطب أجلّ أناخ بالإسلام‏ * * * بين النّخيل و مقعد الآطام‏

قبض النّبيّ محمّد فعيوننا * * * تذري الدّموع عليه بالتّسجام‏

قال: فوثبت من نومي فزعا، فنظرت إلى السّماء، فلم أر إلّا سعد الذّابح، فعلمت أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قبض؛ أو هو ميّت، فقدمت المدينة و لأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج؛ إذا أهلّوا بالإحرام، فقلت: مه؟! فقالوا: قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم انتهى. ثمّ حضر أبو ذؤيب سقيفة بني ساعدة، و سمع خطبة أبي بكر الصّدّيق، و رثي النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم بقصيدة منها:

كسفت لمصرعه النّجوم و بدرها * * * و تزعزعت آطام بطن الأبطح‏

(فما سكّن عجيجهم إلّا تسليم رجل). و لفظ الحديث- كما في «شرح الإحياء»-: عن ابن عمر (رضي الله عنه) قال: لما توفّي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم جاء أبو بكر حتّى دخل عليه، فلمّا رآه مسجّى قال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، ثمّ صلّى عليه، فرفع أهل البيت عجيجا سمعه أهل المصلّى، فلمّا سكن ما بهم سمعوا تسليم رجل‏ (على الباب صيّت)؛ أي: جهير الصّوت‏ (جلد) قويّ؛ (قال: السّلام عليكم يا أهل البيت) و رحمة اللّه و بركاته، فرددنا عليه مثل ذلك، فقال:

(كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ‏): جزاء أعمالكم‏ (يَوْمَ الْقِيامَةِ) [185/ آل عمران‏] ... (الآية).

إنّ في اللّه خلفا من كلّ أحد) هالك‏ (و دركا لكلّ رغبة)؛ أي: مرغوب فيه‏

296

و نجدة من كلّ مخافة، فاللّه فارجوا، و به فثقوا، فاستمعوا له و أنكروه، و قطعوا البكاء، فلمّا انقطع البكاء .. فقد صوته؛ فاطّلع أحدهم فلم ير أحدا، ثمّ عادوا فبكوا، فناداهم مناد آخر، لا يعرفون صوته: يا أهل البيت؛ اذكروا اللّه، و احمدوه على كلّ حال ..

تكونوا من المخلصين، إنّ في اللّه عزاء من كلّ مصيبة، و عوضا من كلّ رغيبة، فاللّه فأطيعوا، و بأمره فاعملوا.

فقال أبو بكر: هذا الخضر و اليسع (عليهما السلام)؛ قد حضرا النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم).

فائت، (و نجدة من كلّ مخافة، فاللّه فارجوا، و به فثقوا): اعتمدوا، فإنّ المصاب من حرم الثّواب.

(فاستمعوا له، و أنكروه، و قطعوا البكاء، فلمّا انقطع البكاء فقد صوته.

فاطّلع أحدهم) إلى الباب‏ (فلم ير أحدا.

ثمّ عادوا فبكوا؛ فناداهم مناد آخر، لا يعرفون صوته: يا أهل البيت؛ اذكروا اللّه، و احمدوه على كلّ حال؛ تكونوا من المخلصين، إنّ في اللّه عزاء): تسلية (من كلّ مصيبة، و عوضا من كلّ رغيبة، فاللّه فأطيعوا، و بأمره فاعملوا). في شرح «الإحياء» بدله: و عوضا من كلّ هلكة؛ فباللّه فثقوا، و إيّاه فأطيعوا، فإنّ المصاب من حرم الثّواب.

(فقال أبو بكر) الصّدّيق (رضي الله تعالى عنه) (: هذا الخضر)- بفتح الخاء، و كسر الضّاد المعجمتين- و اسمه: بليا بن ملكان، (و اليسع).

قال العراقيّ: لم أجد فيه ذكر اليسع!!.

و في «شرح الإحياء»: هذا الخضر و إلياس‏ ((عليهما السلام) قد حضرا) وفاة (النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم).

297

..........

قال الحافظ ابن حجر في «الإصابة»؛ بعد أن أورده: و سيف فيه مقال، و شيخه لا يعرف. انتهى.

قال «شارح الإحياء» قلت: هو سعيد بن عبد اللّه بن ضرار بن الأزور، روى عن أبيه و عن غيره، و فيه و في أبيه مقال، و قد تقدّم قريبا.

ثمّ قال العراقيّ: و أمّا ذكر الخضر في التّعزية!! فأنكر النّوويّ وجوده في كتب الحديث، و قال: إنّما ذكره الأصحاب.

قلت‏ (1): بل قد رواه الحاكم في «المستدرك» من حديث أنس، و لم يصحّحه، و لا يصحّ. انتهى.

قلت: وجدت بخطّ الشّمس الداودي ما نصّه: قول الشّيخ «إنّ الحاكم لم يصحّحه» صحيح، لكنّه مشعر بكونه لم يضعّفه!! و ليس كذلك، فإنّه ساقه من رواية عبّاد بن عبد الصّمد، ثمّ قال: و عباد ليس من شرط هذا الكتاب!. انتهى ملخّصا من «شرح الإحياء» فراجعه فيه، فإنّه ساق الحديث من وجوه عديدة من طريق أنس؛ و عليّ بن أبي طالب مرفوعا؛ و مرسلا بألفاظ مختلفة.

و ما في هذا الحديث يدلّ على حياة الخضر، و قد أنكره جماعة؛ منهم ابن الجوزي، و قال: إنّه لو كان حيّا لاجتمع بالنّبيّ صلى اللّه عليه و سلم و لو اجتمع به لورد!!

و قد ردّ النّاس على من أنكر ذلك. قال ابن الصّلاح: الخضر حيّ عند جماهير العلماء و الصّالحين، و إنّما شذّ بإنكاره بعض المحدّثين.

و قال النّوويّ في «شرح مسلم»: جمهور العلماء أنّه حيّ موجود بين أظهرنا، و ذلك متّفق عليه عند الصّوفيّة، و أهل الصّلاح و المعرفة. انتهى.

و ألّف غير واحد كتبا في ذلك، آخرهم شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر

____________

(1) الكلام للعراقي. و التي بعدها للمؤلف الشارح.

298

و استوفى القعقاع بن عمرو [(رضي الله تعالى عنه)‏] حكاية خطبة أبي بكر (رضي الله تعالى عنه) فقال: قام أبو بكر في النّاس خطيبا حيث قضى النّاس عبراتهم بخطبة جلّها الصّلاة على النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم)، فحمد اللّه، و أثنى عليه على كلّ حال، ...

العسقلاني (رحمه الله تعالى)(1). و قد ذكر الخضر في «الإصابة» و بسط الكلام فيه بما لا يوجد لغيره.

و قد ورد في عدّة أحاديث اجتماعه بالنّبيّ صلى اللّه عليه و سلم! و عندي أنّها و إن كانت ضعيفة؛ فكثرة الطّرق و الأخبار تقوّيها، و تعزيته للصّحابة عند موت النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم و قول عليّ بن أبي طالب «هذا الخضر»، و سكوت الصّحابة على ذلك يكاد يكون إجماعا، و قصّة اجتماعه بعمر بن عبد العزيز: إسنادها صحيح. انتهى كلام السّيوطيّ في كتاب «تأييد الحقيقة العليّة و تشييد الطريقة الشاذلية» ص (88) (رحمه الله تعالى).

قال في «الإحياء»: (و استوفى القعقاع بن عمرو) التّميميّ أخو عاصم‏ (حكاية خطبة أبي بكر (رضي الله تعالى عنه))، و كان القعقاع من الفرسان الشّجعان، قيل: إنّ أبا بكر كان يقول: لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل! و له في قتال الفرس بالقادسيّة و غيرها بلاء عظيم، و هو الّذي غنم في فتح المدائن أدراع كسرى، و كان فيها درع لهرقل، و درع لخاقان، و درع للنّعمان، و سيفه، و سيف كسرى، فأرسلها سعد إلى عمر بن الخطّاب (رضي الله عنهما).

قال ابن عساكر: يقال: إنّ له صحبة! و كان أحد فرسان العرب و شعرائهم، شهد فتح دمشق، و أكثر فتوح العراق، و له في ذلك أشعار مشهورة.

و قال ابن السّكن: و يقال: هو القعقاع بن عمرو بن معبد التّميمي.

(فقال: قام أبو بكر في النّاس خطيبا حيث قضى النّاس عبراتهم بخطبة جلّها)؛ أي: معظمها (الصّلاة على النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم) ثمّ بيّن نصّ الخطبة، فقال:

(فحمد اللّه، و أثنى عليه على كلّ حال) من الأحوال في السّرّاء و الضّراء،

____________

(1) بل ألف بعده: ملّا علي قاري (رحمه الله).

299

و قال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده، صدق وعده، و نصر عبده، و غلب الأحزاب وحده، فللّه الحمد وحده.

و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، و خاتم أنبيائه، و أشهد أنّ الكتاب كما نزل، و أنّ الدّين كما شرع، و أنّ الحديث كما حدّث، و أنّ القول كما قال، و أنّ اللّه هو الحقّ المبين.

(و قال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه) أعلم و أعتقد بقلبي، و أبيّن لغيري أن لا معبود بحقّ في الوجود إلّا اللّه‏ (وحده) حال كونه منفردا، (صدق وعده) بإظهار دينه، (و نصر عبده) محمّدا رسوله صلى اللّه عليه و سلم، (و غلب الأحزاب): جماعات الكفّار الّذين تجمّعوا يوم الخندق لاستئصال النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم و المسلمين؛ فهزمهم اللّه‏ (وحده) بدون عدّة و لا عدد، (فللّه الحمد وحده.

و أشهد): أعلم و أعتقد بقلبي، و أبيّن لغيري‏ (أنّ) سيّدنا (محمّدا عبده) إنّما قدّم الوصف بالعبودية على الوصف بالرّسالة!! امتثالا لقوله صلى اللّه عليه و سلم: «و لكن قولوا:

عبد اللّه و رسوله». و معنى العبودية: التّذلّل و الخضوع، و هي: وصف شريف جليل، و لذا وصف بها في أشرف المقامات؛ كمقام الإسراء، فقال تعالى‏ سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى‏ [1/ الإسراء] و مقام إنزال الكتاب قال تعالى‏ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى‏ عَبْدِهِ الْكِتابَ‏ [1/ الكهف‏] (و رسوله) أرسله بالهدى و دين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه، (و خاتم أنبيائه) و رسله، قال تعالى‏ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ‏ [40/ الأحزاب‏] و يلزم من ختم الأعمّ ختم الأخصّ.

(و أشهد أنّ الكتاب) القرآن‏ (كما نزل) لم يقع فيه تغيير، و لا تبديل؛ بل هو كما أنزله اللّه حقّ و صدق، (و أنّ الدّين كما شرع) اللّه، و هو دين صحيح سماويّ، (و أنّ الحديث كما حدّث) ممّا تضمّنه القرآن، (و أنّ القول كما قال)، فهو مطابق للواقع، (و أنّ اللّه هو الحقّ) المتحقّق الثّابت وجوده‏ (المبين): البيّن الظّاهر الّذي لا خفاء فيه.

300

اللّهمّ؛ فصلّ على محمّد عبدك، و رسولك، و نبيّك، و حبيبك، و أمينك و خيرتك، و صفوتك .. بأفضل ما صلّيت به على أحد من خلقك.

اللّهمّ؛ و اجعل صلواتك، و معافاتك، و رحمتك، و بركاتك .. على سيّد المرسلين، و خاتم ...

(اللّهمّ)- بميم مشدّدة مزيدة آخرا؛ عوضا من حرف النّداء، إذ أصله: يا اللّه- قال الفاسي: هو توجّه للمطلوب، و طلب لحصول المرغوب بالتّوسّل بالاسم الأعظم الّذي إذا دعي به أجاب، و إذا سئل به أعطى. و إنما جعل هذا الاسم العظيم في أوائل الأدعية غالبا!! لأنّه جامع لجميع معاني الأسماء الكريمة، و هو أصلها.

(فصلّ)؛ أي: أثن عليه عند ملائكتك، أو شرّف و كرّم، أو عظّم أو اعتن و زد الخير، أو اجعل اللّطف و الرّحمة المقترنة بالتّعظيم المنبعثة عن العطف و الحنان‏ (على محمّد عبدك؛ و رسولك؛ و نبيّك؛ و حبيبك؛ و أمينك) على وحيك، (و خيرتك) من خلقك، (و صفوتك) من عبادك‏ (بأفضل ما صلّيت به على أحد من خلقك.

اللّهمّ؛ و اجعل صلواتك) جمع صلاة؛ أي: حنانك و رحمتك و عطفك، (و معافاتك و رحمتك) بإفراد لفظ «رحمة» و «معافاة»؛ و جمع ما سواهما.

و فيه دليل للدّعاء له صلى اللّه عليه و سلم بالرّحمة، لكن بالتّبع لغيرها؛ كما هنا.

(و بركاتك) جمع بركة؛ أي: خيراتك النّامية نازلة و متوالية.

(على سيّد المرسلين)؛ أي: رئيسهم و أفضلهم، أي: أفرغ و أحلل عليه، فيعمّه و يشمله من كلّ وجه، و يكون محلّا لهذه الفضائل.

(و خاتم)؛ بفتح التّاء و كسرها، و قد قرى‏ء بهما معا في قوله تعالى‏ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ‏ [40/ الأحزاب‏] فبالفتح: اسم لما يختم به، فهو كالخاتم و الطابع، الّذي هو آلة للختم الّذي يكون عند التّمام و الانتهاء. و بالكسر: بمعنى‏

301

النّبيّين و إمام المتّقين، محمّد قائد الخير، و إمام الخير، و رسول الرّحمة.

أنّه ختم‏ (النّبيّين)؛ أي: جاء آخرهم، فلم يبق بعده نبيّ و لا معه.

(و إمام المتّقين)؛ أي: قدوتهم. و أصل الإمام: المتّبع و الهادي لمن اتّبعه، و المتقدّم بين يدي القوم، و الشّفيع لمن خلفه.

و المتّقين: جمع متّق؛ و هو: الممتثل لأوامر اللّه تعالى المجتنب لنواهيه، ثم يتّقي الشّبهات، ثمّ الشهوات و الفضلات، و كلّ ما يوجب النّقص؛ أو البعد عن اللّه، ثمّ يتّقي غير اللّه أن يساكنه باعتماد؛ أو ميل؛ أو استناد.

و هو (صلّى اللّه عليه و سلم) أتقى الخلق للّه، و أعرفهم به، و أشدّهم له خشية، و أكثرهم له طاعة، و أجهدهم في عبادته، و تقواه لا تدرك؛ و لا يبلغها التّعبير، و لا تدرى نهاية ما إليه بها يشير، فهو المتقدّم عليهم و قدوتهم و قائدهم إلى الصّراط المستقيم.

(محمّد قائد)؛ اسم فاعل من قاده يقوده: جذبه من أمام، بسبب حسّي أو معنويّ ليتبعه‏ (الخير) هو: كلّ أمر محمود لموافقته للغرض، و المراد: أنّه صلى اللّه عليه و سلم قائد إلى الصّراط المستقيم؛ الموصل إلى الأغراض؛ الموافقة في الآخرة، حيث النّفع الذي لا ضرر فيه، و الحسن الّذي لا قبح معه، و المحبوب الّذي لا مكروه عنده، فكأنّ الإضافة على معنى اللّام، أي قائد إلى الخير.

(و إمام الخير) الإضافة على معنى «في» أي: إمام في الخير، أو بمعنى:

اللّام؛ أي: إمام موصل إلى الخير.

(و رسول الرّحمة) قال اللّه تعالى‏ وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‏ (107) [الأنبياء] و قال تعالى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ‏ (128) [التوبة] و قال صلى اللّه عليه و سلم: «إنّما أنا رحمة مهداة»، و قال: «إنّما بعثت رحمة، و لم أبعث عذابا» فبعثه اللّه تعالى رحمة لأمّته؛ و رحمة للعالمين، حتّى للكفّار بتأخير العذاب، و للمنافقين بالأمان، فمن‏

302

اللّهمّ؛ قرّب زلفته، و عظّم برهانه، و كرّم مقامه، و ابعثه مقاما محمودا ...

اتّبعه رحم به في الدّنيا بنجاته فيها من العذاب؛ و الخسف و القذف و المسخ و القتل و ذلّة الكفر و الجزية؛ و رحم قلبه بالإيمان باللّه، و نجا من صلاء نيران القطيعة عن اللّه. و في الآخرة بنجاته فيها من العذاب المخلّد؛ و الخزي المؤبّد، و بتعجيل الحساب؛ و تضعيف الثّواب، و حصوله على الخير الكثير و الملك الكبير.

(اللّهمّ) يا اللّه؛ (قرّب زلفته)؛ أي: زده قربا، (و عظّم برهانه): أي حجّته، أي: زدها عظاما. و تقوية و بهورا، (و كرّم مقامه)؛ أي: زده تكريما و رفعة، (و ابعثه) هو فعل دعاء؛ من بعثه يبعثه- مفتوح العين فيهما- بعثا، و هو: إثارة ساكن في حالة أو وصف أو حكم؛ كنوم أو موت أو أيّ حالة و وصف كان، و تحريكه نحو حالة و وصف آخر؛ كاليقظة و الحياة و القيام و نحوها (مقاما) بفتح الميم الأولى-: اسم مصدر القيام، أو اسم مكانه.

و على الأوّل: يكون منصوبا على المفعول المطلق، لأنّ البعث و الإثارة و الإقامة بمعنى واحد.

و على الثّاني! فقيل: إنّه منصوب على الظّرفية بتقدير: ابعثه يوم القيامة؛ فأقمه. و القيام هنا بمعنى: الوقوف، أو بتضمين «ابعثه» معنى: أقمه.

و على كليهما!! يصحّ أن يكون منصوبا على أنّه مفعول به؛ على تضمين «ابعثه» معنى: أعطه، و يجوز أن يكون حالا، أي: ابعثه ذا مقام.

(محمودا) نعت للمقام، و هو من الإسناد المجازيّ؛ أي: محمودا صاحبه، أو القائم فيه، و هو النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم لاختصاص الوصف بالحمد بذوي العلم، و لما جاء في الحديث: أنّه صلى اللّه عليه و سلم يحمده في هذا المقام الأوّلون و الآخرون.

و نكّر «مقاما محمودا»!! قال الطّيبي: لأنّه أفخم و أجزل، كأنّه قيل: مقاما محمودا بكلّ لسان، و هو مطلق في كلّ ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات.

303

يغبطه به الأوّلون و الآخرون، و انفعنا بمقامه المحمود يوم القيامة، و اخلفه فينا في الدّنيا ...

و قيّدوه بأنّه: الشّفاعة العظمى في فصل القضاء؛ أي: تعجيل الحساب، يحمده فيه الأوّلون و الآخرون، و ادّعوا على ذلك الإجماع!!

و يشهد لذلك الأحاديث الصّحيحة الصّريحة، و الآثار عن الصّحابة و التّابعين.

(يغبطه) صلى اللّه عليه و سلم؛ من غبطه يغبطه: كضربه يضربه. و قال في «القاموس»:

كضربه و سمعه. و الاسم: الغبطة- بكسر الغين-؛ و هو تمنّي حصول مثل النّعمة الحاصلة للمنعم عليه؛ من غير زوالها عنه. و قد نظم بعضهم هذا المعنى؛ فقال:

و قد غبطت المرء في أحواله‏ * * * أغبطه- بالكسر- في أعماله‏

أعني: تمنّيت لنفسي مثل ما * * * له، و لا يسلب تلك النّعما

و قد يراد بالغبطة لازمها؛ و هو المحبّة و السّرور بما رآه فقط.

(به) أي: فيه، أي: في هذا المقام‏ (الأوّلون): جمع أوّل، (و الآخرون): جمع آخر، يعني: من الحاضرين في ذلك اليوم.

و الأوّل: ما يترتّب عليه غيره، و يستعمل في التّقدّم الزّمانيّ؛ و الرّئاسيّ؛ و الوضعيّ؛ و النّسبيّ؛ و النّظم الصّناعيّ.

و الآخر: ما يترتّب على غيره، و يستعمل في جميع ذلك، لكن في التّأخّر.

(و انفعنا بمقامه المحمود)؛ بتخفيف الهول و الحساب، و تقصير مدّة المقام، و إدخال الجنّة دار السّلام‏ (يوم القيامة) معمول ل «انفعنا».

و سمّي «يوم القيامة»! لقيام السّاعة فيه، و قيام الخلق فيه من قبورهم، و قيامهم لربّ العالمين ما شاء اللّه، و قيامهم للحساب و قيام الحجّة لهم و عليهم، و له نحو مائة اسم! انظرها- إن شئت- في «البدور السّافرة» و «الإحياء».

و أوّله من النّفخة الثّانية إلى استقرار الخلق في الدّارين: الجنّة و النّار.

(و اخلفه فينا) بأحسن الخلف؛ (في الدّنيا) بملازمة الطّاعة، و التّمسّك‏

304

و الآخرة، و بلّغه الدّرجة و الوسيلة في الجنّة.

اللّهمّ؛ صلّ على محمّد، و على آل محمّد، ...

بالشّريعة، (و الآخرة) بأن تقرّ عينه بنا إذ نوافيه سالمين من التّغيير و التّبديل.

(و بلّغه الدّرجة)؛ أي: المنزلة، و هي على حذف النّعت؛ أي: الرّفيعة، و هي الرّتبة الزّائدة على سائر الخلائق: العالية الشّأن، السّامية المكانة و المكان.

(و الوسيلة) هي: أعلى درجة في الجنّة. هكذا في الحديث، و في آخر- عند ابن عساكر- عن الحسن بن علي: «فإنّ وسيلتي عند ربّي شفاعة لكم».

و قيل: الوسيلة هي القربة.

و قال الشيخ أبو محمد عبد الجليل القصري في «شعب الإيمان»: إنّ وسيلته صلى اللّه عليه و سلم هو: أن يكون في الجنّة، في قربه من اللّه تعالى بمنزلة الوزير من الملك بغير تمثيل؛ لا يصل لأحد شي‏ء إلّا بواسطته. انتهى.

و هو موافق لما تقدّم من تفسيرها بالشّفاعة لأمّته، و يفسّر العلوّ؛ في أنّها أعلى درجة في الجنّة بالعلوّ المعنويّ.

و مقتضى ما لابن كثير: أنّه فسّره بالعلوّ الحسّيّ؛ و هو قوله: الوسيلة علم على أعلى منزلة في الجنّة، و هي منزلة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و داره في الجنّة، و هي أقرب أمكنة الجنّة إلى العرش. انتهى. و كلاهما صحيح. و اللّه أعلم؛ قاله الفاسي.

(في الجنّة) هي دار الثّواب في الآخرة.

(اللّهمّ)؛ أي: يا اللّه‏ (صلّ على محمّد)؛ أي: ارحمه رحمة مقرونة بالتّعظيم، (و على آل محمّد) هم: بنو هاشم و بنو المطّلب عند الشّافعي. و يحتمل أنّه أراد ب «آله» كلّ تقيّ، كما اختاره جماعة من العلماء، و قيل: إنّ آله جميع أمّته.

و في إعادة كلمة «على» ردّ على الشّيعة في قولهم «إنّ جمع الآل مع النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم في الصّلاة بكلمة- على- لا يجوز، و يجب ترك الفصل بينه و بين آله»؟! و ينقلون في ذلك حديثا لا يصحّ.