منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - ج4

- عبد الله بن سعيد محمد العبادي المزيد...
531 /
305

و بارك على محمّد، و على آل محمّد، كما صلّيت و باركت على إبراهيم، ...

(و بارك) أي: أفض بركات الدّين و الدّنيا، أو أدم ما أعطيت من التّشريف؛ و الكرامة و البركة، و كثرة الخير و الكرامة، و نمائهما، و الزّيادة منهما. أو هي:

الثّبات على ذلك، أو هي: التّطهير و التّزكية من المعايب، أو هي: الزّيادة في الدّين و الذّريّة (على محمّد، و على آل محمّد.

كما)- الكاف للتّشبيه، و قيل: للتعليل. و «ما»: مصدريّة؛ أو موصولة- (صلّيت) جملة هي صلة الموصول، فلا محلّ لها.

(و باركت) معطوف على «صلّيت» (على إبراهيم) الخليل (عليه الصلاة و السلام) بالتّشبيه بإبراهيم (عليه السلام).

و هنا سؤال يورده العلماء قديما و حديثا.

و هي: أنّ القاعدة أنّ المشبّه بالشّي‏ء أعلى رتبة أن يكون مثله، و قد يكون أدنى، و أما أعلى! فلا يكون. و من المعلوم المقرّر في القواعد: أنّ نبيّنا محمّدا صلى اللّه عليه و سلم أفضل من إبراهيم (عليه السلام)، فكيف يخرج عن ظاهر هذه الصّيغة الواردة في الحديث على القاعدة المقرّرة!؟

و قد أجابوا عن ذلك بأجوبة كثيرة؛ نذكر منها ما رأيناه أقرب.

منها أنّه: إنّما قيل ذلك لتقدّم الصّلاة على إبراهيم (عليه السلام)، و قول الملائكة في بيته: رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73) [هود]، أي: كما تقدّمت منك الصّلاة على إبراهيم (عليه السلام)، فنسأل منك الصّلاة على محمّد (عليه الصلاة و السلام) بطريق الأولى، لأنّ الّذي ثبت للفاضل ثبت للأفضل؛ بطريق الأولى، و لذلك ختم بما ختم الآية؛ و هو قوله: «إنّك حميد مجيد».

و التّشبيه إنّما هو لأصل الصّلاة بأصل الصّلاة؛ لا للقدر بالقدر. فهو كقوله تعالى‏* إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى‏ نُوحٍ‏ [163/ النساء]، و قوله تعالى‏ كُتِبَ‏

306

..........

عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏ [183/ البقرة]، و قوله تعالى‏ وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ‏ [77/ القصص‏].

و منها أنّه قال ذلك تواضعا و شرعة لأمّته؛ ليكتسبوا به الفضيلة و الثّواب.

و منها أنّ الدّعاء للاستقبال، فما كان من خير قد أعطيه النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قبل الدّعاء لم يقع في التّشبيه، و إنّما وقع في التّشبيه الزائد على ما كان عنده، فطلب أن يكون له مثل ما كان لإبراهيم؛ زيادة على ما خصّه اللّه تعالى به قبل السّؤال.

و منها دفع المقدّمة المذكورة أوّلا؛ و هي: أنّ المشبّه به يكون أرفع من المشبّه: بأنّ ذلك ليس مطّردا؟! بل قد يكون التّشبيه بالمثل؛ بل بالدّون!! كما في قوله تعالى‏ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ [35/ النور]، و أين يقع نور المشكاة من نوره تعالى!؟

و لكن لمّا كان المراد من المشبّه به أن يكون شيئا ظاهرا واضحا للسّامع؛ حسن تشبيه النّور بالمشكاة، و كذا هنا: لمّا كان تعظيم إبراهيم (عليه السلام) و آل إبراهيم بالصّلاة عليهم واضحا مشهورا عند جميع الطّوائف؛ حسن أن يطلب لمحمّد و آل محمّد بالصّلاة عليهم مثل ما حصل لإبراهيم (عليه السلام) و آل إبراهيم (عليه السلام).

و يؤيّد ذلك ختم الطّلب المذكور بقوله: في العالمين؛ كما جاء في رواية الصّلاة الإبراهيميّة، أي: كما أظهرت الصّلاة على إبراهيم، و على آل إبراهيم في العالمين. فالتّشبيه المذكور ليس من باب إلحاق النّاقص بالكامل، لكن من إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر.

و قالوا أيضا؛ في خصوص التّشبيه بإبراهيم دون غيره من الأنبياء- على جميعهم الصّلاة و السّلام-: إنّ ذلك لأبوّته، فكان أقرب إليه من غيره.

و لأن التّشبيه بالآباء و الفضائل مرغوب فيه، و لرفعة شأنه في الرّسل (عليهم الصلاة و السلام)، و لما هو معروف لهم في هذه الملّة الشّريفة؛ ممّا لا يحتاج إلى تعريف به، و لا بيان له؛ الّذي منه موافقته في معالم الملّة. و كأنّ هذا يلاحظ قوله تعالى‏ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ‏ [78/ الحج‏].

307

إنّك حميد مجيد.

يا أيّها النّاس؛ إنّه من كان يعبد محمّدا .. فإنّ محمّدا قد مات، و من كان يعبد اللّه .. فإنّ اللّه حيّ لم يمت، و إنّ اللّه قد تقدّم إليكم في أمره فلا تدعوه ...

و لأنّه صلى اللّه عليه و سلم أراد أن يبقى ذلك كلّه إلى يوم الدّين، و يجعل له به لسان صدق في الآخرين، كما جعله لإبراهيم (عليه الصلاة و السلام)؛ مقرونا بما وهب اللّه تعالى له صلى اللّه عليه و سلم من ذلك، و لمشاركته له في التأذين بالحجّ و إجابة لدعائه بقوله‏ وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) [الشعراء]، و لأنه صلى اللّه عليه و سلم أمر بالاقتداء به.

و ممّا يعزى للشيخ أبي محمد المرجاني أنّه قال: سرّ التشبيه بإبراهيم؛ دون موسى (عليهما السلام)!! لأنه كان التجلّي له بالجلال؛ فخرّ موسى صعقا، و الخليل إبراهيم كان التجلي له بالجمال، لأنّ المحبّة و الخلّة من آثار التجلّي بالجمال، فأمرهم صلى اللّه عليه و سلم أن يصلّوا عليه كما صلى على إبراهيم، ليسألوا له التجلّي بالجمال؛ لا التسوية فيه، فيتجلّى لكل منهما بحسب مقامه و رتبته عنده.

(إنّك حميد)؛ فعيل بمعنى مفعول، لأنّه حمد نفسه و حمده عباده. أو بمعنى فاعل، لأنه الحامد لنفسه؛ و لأعمال الطّاعات من عباده.

(مجيد) من المجد؛ و هو الشرف و الرفعة و كرم الذات و الفعال التي منها كثرة الأفضال، و المعنى إنّك أهل الحمد و الفعل الجميل و الكرم و الإفضال؛ فأعطنا سؤلنا و لا تخيّب رجاءنا.

(يا أيّها النّاس؛ إنّه من كان يعبد محمّدا؛ فإنّ محمّدا قد مات، و من كان يعبد اللّه؛ فإنّ اللّه حيّ لم يمت، و إنّ اللّه تقدّم إليكم في أمره)، أي: قدّم لكم في كلامه إذ قال‏ وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [34/ الأنبياء]، (فلا تدعوه): تتركوا العمل به‏

308

جزعا، فإنّ اللّه عزّ و جلّ قد اختار لنبيّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ما عنده على ما عندكم، و قبضه إلى ثوابه، و خلّف فيكم كتابه و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فمن أخذ بهما .. عرف، و من فرّق بينهما ..

أنكر. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [النساء: 135].

و لا يشغلنّكم الشّيطان بموت نبيّكم، و لا يفتننّكم عن دينكم، و عاجلوا الشّيطان بالخير تعجزوه، و لا تستنظروه فيلحق بكم و يفتنكم.

(جزعا)؛ لأجل الجزع، أي: شدّة الحزن الذي أصابكم بموته.

(فإنّ اللّه عزّ و جلّ قد اختار لنبيّه صلى اللّه عليه و سلم ما عنده) من الكرامة في الآخرة؛ (على ما عندكم) من متاع الحياة الدنيا، (و قبضه إلى ثوابه) و جنّته؛ بعد أن ترككم على المحجّة البيضاء.

(و خلّف فيكم كتابه) القرآن، (و سنّة نبيّه صلى اللّه عليه و سلم)؛ أي: جعلهما يخلفانه في استفادة الأحكام الشرعية فتمسّكوا بهما، (فمن أخذ)؛ أي: تمسّك‏ (بهما)؛ أي: الكتاب و السنّة و عمل بما فيهما (عرف)؛ أي: فعل أمرا معروفا في الشرع و صار من العارفين. (و من فرّق بينهما أنكر) أي: أتى أمرا منكرا، لأن السنة بيان للكتاب، فهما متلازمان في تطبيق الأحكام الشرعية لا تناقض بينهما و لا تخالف.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ‏)؛ أي مديمين القيام‏ (بِالْقِسْطِ) [135/ النساء]: بالعدل، فمن عدل مرة أو مرتين لا يكون قوّاما.

(و لا يشغلنّكم الشّيطان بموت نبيّكم) عن الاستقامة على الحقّ، (و لا يفتننّكم) الشيطان بالرجوع‏ (عن دينكم، و عاجلوا الشّيطان بالخير)؛ أي:

تحصنوا منه بعمل الخير (تعجزوه)؛ أي: يندفع عنكم، (و لا تستنظروه):

تمهلوه حتى يتمكّن منكم‏ (فيلحق بكم و يفتنكم).

رواه بطوله سيف بن عمر التميمي في كتاب «الفتوح» له؛ عن عمرو بن تمام؛ عن أبيه؛ عن القعقاع.

309

و قال ابن عبّاس: لمّا فرغ أبو بكر من خطبته .. قال:

يا عمر؛ أنت الّذي بلغني أنّك تقول: (ما مات نبيّ اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)؟!) أ ما ترى أنّ نبيّ اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال يوم كذا: كذا و كذا، و يوم كذا: كذا و كذا، و قال اللّه تعالى في كتابه:

إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏ [الزمر: 30]. فقال: و اللّه؛ لكأنّي لم أسمع بها في كتاب اللّه قبل الآن لما نزل بنا، أشهد أنّ الكتاب كما نزل، و أنّ الحديث كما حدّث، و أنّ اللّه حيّ لا يموت، ...

قال ابن أبي حاتم: سيف متروك.

و أخرجه ابن السّكن من طريق إبراهيم بن سعد؛ عن سيف بن عمر؛ عن عمرو عن أبيه. و قال: سيف بن عمر ضعيف.

قلت: هو من رجال الترمذي! و هو؛ و إن كان ضعيفا في الحديث؛ فهو عمدة في التاريخ مقبول النقل؛ قاله في «شرح الإحياء».

(و) في «الإحياء» للغزالي: (قال ابن عبّاس) (رضي الله تعالى عنهما) (: لمّا فرغ أبو بكر من خطبته؛ قال: يا عمر؛ أنت الّذي بلغني) عنك‏ (أنّك تقول: ما مات نبيّ اللّه صلى اللّه عليه و سلم!! أ ما ترى [أنّ‏] نبيّ اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال يوم كذا: كذا و كذا، و يوم كذا: كذا و كذا!! و قال اللّه تعالى في كتابه‏ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏ (30) [الزمر]). فأخبر بأنه سيموت فكيف تنكره؟!!.

(فقال) أي: عمر (رضي الله عنه) (: و اللّه؛ لكأنّي لم أسمع بها!!)؛ أي:

هذه الآية (في كتاب اللّه قبل الآن لما نزل بنا) من الدّهشة و الحيرة بوفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.

(أشهد أنّ الكتاب كما نزل، و أنّ الحديث كما حدّث، و أنّ اللّه حيّ لا يموت،

310

إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، و صلوات اللّه على رسوله، و عند اللّه نحتسب رسوله (صلّى اللّه عليه و سلم).

ثمّ جلس إلى أبي بكر.

إنّا للّه) ملكا و عبيدا؛ يفعل بنا ما يشاء. (و إنّا إليه راجعون) في الآخرة فيجازينا.

(و صلوات اللّه) تعالى متتابعة (على رسوله) صلى اللّه عليه و سلم، (و عند اللّه نحتسب رسوله صلى اللّه عليه و سلم، ثمّ جلس إلى أبي بكر) الصديق.

ثم رجع عمر عن مقالته التي قالها؛ كما ذكره أبو نصر: عبد اللّه الوائلي؛ في كتاب «الإبانة»؛ عن أنس بن مالك (رضي الله تعالى عنه): «أنه سمع عمر بن الخطاب حين بويع أبو بكر في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و استوى على منبره؛ تشهّد عمر ثم قال:

أمّا بعد؛ فإنّي قلت لكم أمس مقالة، و إنّها لم تكن كما قلت، و إنّي و اللّه، ما وجدت المقالة الّتي قلت لكم في كتاب اللّه؛ و لا في عهد عهد لي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؛ و لكنّي كنت أرجو أن يعيش رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حتّى يدبرنا- أي: يكون آخرنا موتا- فاختار اللّه عزّ و جلّ لرسوله الّذي عنده على الّذي عندكم. و هذا الكتاب الّذي هدى اللّه به رسوله؛ فخذوا به تهتدوا لما هدي له رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. انتهى.

و في آخر هذا الخبر عند ابن إسحاق: فبايع النّاس أبا بكر البيعة العامّة بعد بيعة السّقيفة، ثمّ تكلّم أبو بكر» ... الحديث؛

قال أبو نصر الوائلي: المقالة التي قالها عمر ثم رجع عنها هي قوله «إنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم لم يمت و لن يموت حتّى يقطع أيدي و أرجل رجال من المنافقين». و كان ذلك لعظيم ما ورد عليه، و خشي الفتنة و ظهور المنافقين. فلما شاهد عمر قوّة يقين الصدّيق الأكبر، و تفوّهه بقول اللّه عز و جل‏ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ‏ [185/ آل عمران‏].

و قوله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏ [30/ الزمر]، و خرج الناس يتلونها في سكك المدينة المنوّرة؛ كأنّها لم تنزل قطّ إلّا ذلك اليوم؛ رجع عن تلك المقالة، و اللّه أعلم.

311

..........

قال في «المواهب»: و لما تحقّق عمر بن الخطاب موته صلى اللّه عليه و سلم بقول أبي بكر الصديق، و رجع إلى قوله؛ قال عمر و هو يبكي: بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه؛ لقد كان لك جذع تخطب النّاس عليه، فلمّا كثروا و اتّخذت منبرا لتسمعهم فحنّ الجذع لفراقك؛ حتّى جعلت يدك عليه فسكن، فأمّتك أولى بالحنين عليك حين فارقتهم.

بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه؛ لقد بلغ من فضيلتك عند ربّك أن جعل طاعتك طاعته، فقال‏ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ‏ [80/ النساء].

بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه؛ لقد بلغ من فضيلتك عنده أن بعثك آخر الأنبياء، و ذكرك في أوّلهم؛ فقال تعالى‏ وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ‏ [7/ الأحزاب‏].

بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه؛ لقد بلغ من فضيلتك عنده أنّ أهل النّار يودّون أن يكونوا أطاعوك و هم بين أطباقها يعذّبون، يقولون: يا ليتنا أطعنا اللّه و أطعنا الرّسول.

بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه؛ لئن كان موسى بن عمران أعطاه اللّه حجرا تنفجر منه الأنهار، فما ذاك بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء؛ صلّى اللّه عليك.

بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه؛ لئن كان سليمان بن داود أعطاه اللّه ريحا غدوّها شهر و رواحها شهر، فما ذاك بأعجب من البراق حين سريت عليه إلى السّماء السّابعة؛ ثمّ صلّيت الصّبح من ليلتك بالأبطح، صلّى اللّه عليك.

بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه؛ لئن كان عيسى بن مريم أعطاه اللّه تعالى إحياء الموتى، فما ذاك بأعجب من الشّاة المسمومة حين كلّمتك و هي مسمومة؛ فقالت:

لا تأكلني؛ فإنّي مسمومة.

بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه؛ لقد دعا نوح على قومه؛ فقال: ربّ لا تذر على‏

312

و قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): لمّا اجتمعوا لغسله ..

قالوا: و اللّه ما ندري كيف نغسّل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)؛ أ نجرّده عن ثيابه كما نصنع بموتانا، أم نغسّله في ثيابه؟

قالت: فأرسل اللّه عليهم النّوم حتّى ما بقي منهم رجل إلّا واضع لحيته على صدره نائما، ثمّ قال قائل لا يدرى من هو: غسّلوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و عليه ثيابه؛ فانتبهوا، ففعلوا ذلك، الأرض من الكافرين ديّارا. و لو دعوت مثلها علينا لهلكنا عن آخرنا، فلقد وطئ ظهرك، و أدمي وجهك، و كسرت رباعيتك؛ فأبيت أن تقول إلّا خيرا، فقلت:

اللّهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون.

بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه؛ لقد اتّبعك في أحداث سنّك و قصر عمرك ما لم يتّبع نوحا في كبر سنّه و طول عمره، فلقد آمن بك الكثير؛ و ما آمن معه إلّا قليل.

بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه؛ لو لم تجالس إلّا كفؤا لك ما جالستنا، و لو لم تنكح إلّا كفؤا لك ما نكحت إلينا، و لو لم تؤاكل إلّا كفؤا ما آكلتنا؛ و لبست الصّوف، و ركبت الحمير، و وضعت طعامك بالأرض، و لعقت أصابعك؛ تواضعا منك، صلّى اللّه عليك. انتهى. الحديث بطوله و تتمته من «المدخل» لابن الحاج المالكي (رحمه الله تعالى).

(و قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها))- فيما رواه البيهقي في «دلائل النبوة»-: (لمّا اجتمعوا لغسله) صلى اللّه عليه و سلم؛ (قالوا: و اللّه ما ندري كيف نغسّل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، أ نجرّده عن ثيابه كما نصنع بموتانا، أم نغسّله في ثيابه؟!.

قالت: فأرسل اللّه)؛ أي: ألقى‏ (عليهم النّوم حتّى ما بقي منهم رجل إلّا واضع لحيته على صدره نائما.

ثمّ قال قائل) أي: كلّمهم مكلّم من ناحية البيت؛ (لا يدرى من هو: غسّلوا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و عليه ثيابه؛ فانتبهوا) من النوم‏ (ففعلوا ذلك.

313

فغسّل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في قميصه؛ حتّى إذا فرغوا من غسله .. كفّن. و قال عليّ كرّم اللّه وجهه: أردنا خلع قميصه فنودينا: لا تخلعوا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ثيابه، فأقررناه، فغسّلناه في قميصه كما نغسّل موتانا مستلقيا، ما نشاء أن يقلب لنا منه عضو لم يبالغ فيه .. إلّا قلب لنا حتّى نفرغ منه، و إنّ معنا لحفيفا في البيت كالرّيح الرّخاء، و يصوّت بنا: ارفقوا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)؛ فإنّكم ستكفون.

فغسّل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في قميصه)؛ يضعون الماء فوق القميص و يد لكونه بالقميص، (حتّى إذا فرغوا من غسله كفّن)؛ أي: في ثلاثة أثواب بيض سحوليّة، ليس فيها قميص و لا عمامة. قال البيهقي في «الخلافيات»: قال أبو عبد اللّه- يعني الحاكم-:

تواترت الأخبار عن علي و ابن عبّاس و عائشة و ابن عمر و جابر و عبد اللّه بن مغافل؛ في تكفين النّبي صلى اللّه عليه و سلم في ثلاثة أثواب؛ ليس فيها قميص و لا عمامة. انتهى.

(و) في «الإحياء»: (قال عليّ «كرّم اللّه وجهه»)- تقدم الكلام قريبا على الحكمة في تخصيص علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) بقولهم «كرم اللّه وجهه» (: أردنا خلع قميصه) حال الغسل‏ (فنودينا) من ناحية البيت: (لا تخلعوا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ثيابه، فأقررناه)، أي: لم نجرّده عن القميص، (فغسّلناه في قميصه كما تغسّل موتانا مستلقيا، ما نشاء أن يقلب لنا منه عضو لم يبالغ فيه؛ إلّا قلب لنا) بسهولة (حتّى نفرغ منه).

ثمّ عند تكفينه نزع منه ذلك القميص الذي غسّل فيه، (و إنّ معنا لحفيفا)؛ أي: شيئا خفيفا (في البيت كالرّيح الرّخاء)- بضمّ الرّاء-: الريح اللينة؛ قاله في «القاموس»، و في «الأساس»: هي طيبة الهبوب؛ (و يصوّت) ذلك الشي‏ء الخفيف الشبيه بالريح الرّخاء (بنا)؛ أي: يكلّمنا بصوت مسموع قائلا: (ارفقوا برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؛ فإنّكم ستكفون) قال في «شرح الإحياء»: و قد صح أنه غسل صلى اللّه عليه و سلم‏

314

فهكذا كانت وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و لم يترك سبدا و لا لبدا إلّا دفن معه.

قال أبو جعفر: فرش لحده بمفرشه و قطيفته، و فرشت ثيابه الّتي كان يلبس يقظان على القطيفة و المفرش، ثمّ وضع عليها في أكفانه.

ثلاث غسلات: الأولى بالماء القراح، و الثانية بالماء و السدر، و الثالثة بالماء و الكافور؛ و غسله عليّ، و العبّاس و ابنه الفضل يعينانه؛ و قثم و أسامة و شقران «مولاه صلى اللّه عليه و سلم» يصبّون الماء؛ و أعينهم معصوبة من وراء السّتر، لحديث علي: «لا يغسّلني إلّا أنت، فإنّه لا يرى أحد عورتي إلّا طمست عيناه». رواه البزار و البيهقي.

(فهكذا كانت وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و لم يترك سبدا)؛ السّبد- بفتحتين-:

القليل من الشّعر؛ (و لا لبدا) اللّبد- بفتحتين-: الصوف، و من ذلك قولهم «فلان ما له سبد و لا لبد»؛ محركان، أي: لا قليل و لا كثير؛ و هذا قول الأصمعي، و هو مجاز؛ أي لا شي‏ء له، و في «اللّسان»، أي: ماله ذو وبر و لا صوف متلبّد، يكنّى بهما عن الإبل و الغنم. و كان مال العرب الخيل، و الإبل، و الغنم، و البقر، فدخلت كلّها في هذا المثل؛ و قوله: (إلّا دفن معه). كذا في «الإحياء»، و لم يتكلّم عليه شارحه بشي‏ء!!

(قال أبو جعفر) محمد الباقر بن علي «زين العابدين» بن الحسين «السّبط» بن علي بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنهم) (: فرش لحده بمفرشه و قطيفته)- بفتح القاف و كسر الطاء المهملة و سكون التّحتيّة ففاء-: كساء له خمل؛ أي: أهداب: أطراف. فرشها شقران «مولاه صلى اللّه عليه و سلم»، و قال: «و اللّه لا يلبسها أحد بعدك»؛ و هي النجرانيّة الحمراء التي كان يتغطّى بها و يجلس عليها.

(و فرشت ثيابه الّتي كان) صلى اللّه عليه و سلم‏ (يلبس) و هو (يقظان)؛ أي: في حال حياته‏ (على القطيفة و المفرش) أي: فوقهما، (ثمّ وضع عليها)؛ أي: على القطيفة و المفرش و الثياب، و هو ملفوف‏ (في أكفانه).

315

..........

لكن حديث عروة؛ عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) قالت: «كفّن صلى اللّه عليه و سلم في ثلاثة أثواب سحوليّة بيض» ... الذي أخرجه النّسائي؛ من رواية عبد الرزاق؛ عن معمر؛ عن الزهري؛ عن عروة؛ و اتفق عليه الأئمة السّتة من طريق: هشام بن عروة؛ عن أبيه؛ عن عائشة بزيادة: «من كرسف، ليس فيها قميص و لا عمامة»، و ليس قوله «من كرسف» عند الترمذي، و لا ابن ماجه.

زاد مسلم: أمّا الحلّة! فإنّما تشبه على النّاس؛ إنّها اشتريت له ليكفّن فيها، فتركت الحلّة و كفّن في ثلاثة أثواب بيض سحوليّة، فأخذها عبد اللّه بن أبي بكر الصّديق؛ فقال: لأحبسنّها حتّى أكفّن فيها نفسي، ثمّ قال: لو رضيها اللّه لنبيّه لكفّنه فيها!! فباعها، فتصدّق بثمنها.

هذا الحديث فيه دلالة ظاهرة على أنّ القميص الذي غسل فيه النبي صلى اللّه عليه و سلم نزع عنه عند تكفينه؛ قال النّووي في «شرح مسلم»: و هذا هو الصّواب الذي لا يتّجه غيره، لأنّه لو أبقي مع رطوبته؛ لأفسد الأكفان!!

قال: و أمّا الحديث الذي في «سنن أبي داود»؛ عن ابن عباس: أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم كفّن في ثلاثة أثواب و قميصه الّذي توفّي فيه!! فضعيف؛ لا يصحّ الاحتجاج به، لأنّ يزيد بن زياد- أحد رواته- مجمع على ضعفه، لا سيما و قد خالف بروايته الثّقات. انتهى.

كما أنّ حديث عائشة المذكور يدلّ على نفي ما عدا الثّلاثة الأثواب!!

قال الترمذي: روي في كفن النبي صلى اللّه عليه و سلم روايات مختلفة؛ و حديث عائشة أصحّ الأحاديث في ذلك، و العمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة و غيرهم.

انتهى.

و نقل الزّين المراغي في «تحقيق النصرة»؛ عن ابن عبد البر أنّه قال: أخرجت‏

316

..........

- يعني: القطيفة- من القبر لما فرغوا من وضع اللّبنات التّسع؛ حكاه ابن زبالة (1).

قال العراقي في «ألفيّة السيرة»:

و فرشت في قبره قطيفة * * * و قيل: أخرجت. و هذا أثبت‏

و حفر أبو طلحة لحد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في موضع فراشه حيث قبض.

و قد اختلف فيمن أدخله قبره!! و أصحّ ما روي أنه نزل في قبره عمّه العبّاس، و علي، و قثم بن العبّاس؛ و كان آخر الناس عهدا برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قثم بن العبّاس؛ أي: أنّه تأخّر حتى خرجوا قبله؛ و روي أنّه وضع في قبره تسع لبنات.

قال رزين: و رشّ قبره صلى اللّه عليه و سلم، رشّه بلال بن رباح بقربة؛ بدأ من قبل رأسه؛ حكاه ابن عساكر، و جعل عليه من حصباء العرصة حمراء، و بيضاء، و رفع قبره عن الأرض قدر شبر.

و لما توفي (عليه الصلاة و السلام) قالت فاطمة: يا أبتاه؛ أجاب ربّا دعاه؛ يا أبتاه؛ من جنّة الفردوس مأواه، يا أبتاه؛ من إلى جبريل ننعاه. رواه البخاري؛ عن أنس (رضي الله تعالى عنه) من أفراده.

زاد الطبراني و الإسماعيلي: يا أبتاه؛ من ربّه ما أدناه.

قال الحافظ ابن حجر (رحمه الله تعالى): يؤخذ منه أنّ تلك الألفاظ إذا كان الميت متّصفا أنّه لا يمنع ذكره بها بعد موته، بخلاف ما إذا كانت فيه ظاهرا؛ و هو في الباطن بخلافه، أو لا يتحقّق اتصافه بها؛ فتدخل في المنع. انتهى.

قال البخاريّ؛ في حديث أنس المذكور بعد ما سبق: فلمّا دفن قالت فاطمة:

أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم التّراب!!.

____________

(1) كذبوه، مات سنة 200، قيل: كنيته أبو الحسن المدني، و هو مخزومي.

(هامش الأصل).

قلت: و هو محمد بن الحسن؛ إخباري مشهور.

317

فلم يترك بعد وفاته مالا، و لا بنى في حياته لبنة على لبنة، و لا وضع قصبة على قصبة؛ ...

قال الحافظ: هذا من رواية أنس عن فاطمة؛ و أشارت بذلك إلى عتابهم على إقدامهم على ذلك، لأنه يدلّ على خلاف ما عرفته منهم من رقّة قلوبهم عليه لشدّة محبّتهم له؛ و سكت أنس عن جوابها!! رعاية لها؛ و لسان حاله يقول: لم تطب أنفسنا بذلك، إلّا أنّا قهرنا على فعله! امتثالا لأمره. انتهى.

و أخذت فاطمة (رضي الله عنها) من تراب القبر الشريف، و وضعتها على عينيها و بكت، ثم أنشأت تقول:

ما ذا على من شمّ تربة أحمد * * * أن لا يشمّ مدى الدّهور غواليا

صبّت عليّ مصائب لو أنّها * * * صبّت على الأيّام عدن لياليا

و روي أنّها قالت:

اغبرّ آفاق السّماء و كوّرت‏ * * * شمس النّهار و أظلم العصران‏

و الأرض من بعد النّبيّ كئيبة * * * أسفا عليه كثيرة الرّجفان‏

فليبكه شرق البلاد و غربها * * * و ليبكه مضر و كلّ يماني‏

و قد عاشت فاطمة بعده صلى اللّه عليه و سلم ستة أشهر، فما ضحكت تلك المدة!! و حقّ لها ذلك.

على مثل ليلى يقتل المرء نفسه‏ * * * و إن كان من ليلى على الهجر طاويا

(فلم يترك بعد وفاته) صلى اللّه عليه و سلم‏ (مالا، و لا بنى في حياته لبنة على لبنة، و لا وضع قصبة على قصبة).

أخرج ابن حبان في «الثقات»، و أبو نعيم في «الحلية»؛

عن الحسن مرسلا: مات رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و لم يضع لبنة على لبنة، و لا قصبة على قصبة؛ قاله الحافظ العراقي.

318

ففي وفاته عبرة تامّة، ...

(ففي وفاته عبرة تامّة) للناظرين، و تبصرة للمستبصرين؛ إذ لم يكن أحد أكرم على اللّه منه، إذ كان خليل اللّه و حبيبه و نجيّه، و كان صفيّة و رسوله و نبيّه؛ فانظر، هل أمهله ساعة عند انقضاء مدته!؟ و هل أخّره لحظة بعد حضور منيّته!؟

لا؛ بل أرسل إليه الملائكة الكرام، الموكّلين بقبض أرواح الأنام؛ فجدّوا بروحه الزكية الكريمة لينقلوها، و عالجوها ليرحلوا بها عن جسده الطاهر إلى رحمة و رضوان، و خيرات حسان، بل إلى مقعد صدق في جوار الرحمن، فاشتدّ مع ذلك في النزع كربه؛ و ظهر أنينه، و ترادف قلقه؛ و ارتفع حنينه، و تغيّر لونه و عرق جبينه، و اضطربت في الانقباض و الانبساط شماله و يمينه، حتى بكى لمصرعه من حضره، و انتحب لشدّة حاله من شاهد منظره؛ فهل رأيت منصب النّبوّة دافعا عنه مقدورا!! و هل راقب الملك فيه أهلا و عشيرا! و هل سامحه إذ كان للحق نصيرا؛ و للخلق بشيرا و نذيرا!!؟

هيهات؛ بل امتثل ما كان به مأمورا، و اتّبع ما وجده في اللوح مسطورا، فهذا كان حاله و هو عند اللّه ذو المقام المحمود، و الحوض المورود، و هو أوّل من تنشقّ عنه الأرض، و هو صاحب الشفاعة يوم العرض، فالعجب أنّا لا نعتبر به، و لسنا على ثقة فيما نلقاه، بل نحن أسراء الشّهوات، و قرناء المعاصي و السّيّئات، فما بالنا لا نتّعظ بمصرع محمّد سيّد المرسلين، و إمام المتقين، و حبيب رب العالمين!!.

لعلنا نظنّ أنّنا مخلّدون! أو نتوهّم أنّا مع سوء أفعالنا عند اللّه مكرّمون!! هيهات هيهات؛ بل نتيقّن أنّا جميعا على النّار واردون، ثم لا ينجو منها إلّا المتّقون، فنحن للورود مستيقنون؛ و للصدور عنها متوهّمون.

لا؛ بل ظلمنا أنفسنا أن كنّا كذلك لغالب الظّن منتظرين، فما نحن و اللّه من المتقين، و قد قال اللّه ربّ العالمين‏ وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى‏ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (72) [مريم‏].

319

و للمسلمين أسوة حسنة) انتهى.

فلينظر كلّ عبد إلى نفسه أنّه إلى الظالمين أقرب أم إلى المتّقين!! فانظر إلى نفسك بعد أن تنظر إلى سيرة السّلف الصالحين، فلقد كانوا مع ما وفّقوا له من الخائفين، ثم انظر إلى سيّد المرسلين؛ فإنه كان من أمره على يقين، إذ كان سيّد النبيين، و قائد المتقين.

و اعتبر كيف كان كربه عند فراق الدنيا، و كيف اشتدّ أمره عند الانقلاب إلى جنّة المأوى؟!.

(و) اتّبع من القول أحسنه، و تأسّ برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ففيه‏ (للمسلمين أسوة حسنة. انتهى)؛ أي: كلام الإمام الغزالي في «الإحياء».

قال أبو الجوزاء: كان الرجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحه؛ و قال: يا عبد اللّه؛ اتق اللّه، فإن في رسول اللّه أسوة حسنة.

أخرج ابن ماجه في «سننه»؛ أنّه صلى اللّه عليه و سلم قال في مرضه: «أيّها النّاس؛ إن أحد من النّاس- أو من المؤمنين- أصيب بمصيبة فليتعزّ بمصيبته بي عن المصيبة الّتي تصيبه بغيري، فإنّ أحدا من أمّتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشدّ عليه من مصيبتي».

و روى بقيّ بن مخلد، و الباوردي، و ابن شاهين، و ابن قانع، و أبو نعيم؛ كلهم في «المعرفة»؛ عن عبد الرحمن بن سابط عن أبيه رفعه: «من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنّها أعظم المصائب». و للّه درّ القائل:

اصبر لكلّ مصيبة و تجلّد * * * و اعلم بأنّ المرء غير مخلّد

و اصبر كما صبر الكرام فإنّها * * * نوب تنوب اليوم تكشف في غد

و إذا أتتك مصيبة تشجى بها * * * فاذكر مصابك بالنّبيّ محمّد

و يرحم اللّه تعالى القائل:

تذكّرت لمّا فرّق الدّهر بيننا * * * فعزّيت نفسي بالنّبيّ محمّد

و قلت لها: إنّ المنايا سبيلنا * * * فمن لم يمت في يومه مات في غد

320

..........

و قد رثي صلى اللّه عليه و سلم بمراث كثيرة؛ منها:

قول عمّته صفيّة بنت عبد المطّلب، (رضي الله تعالى عنها):

ألا يا رسول اللّه كنت رجاءنا * * * و كنت بنا برّا و لم تك جافيا

و كنت رحيما هاديا و معلّما * * * ليبك عليك اليوم من كان باكيا

لعمرك ما أبكي النّبيّ لفقده‏ * * * و لكنّني أخشى من الهجر آتيا

كأنّ على قلبي لذكر محمّد * * * و ما خفت من بعد النّبيّ المكاويا

أ فاطم؛ صلّى اللّه ربّي بحمده‏ * * * على جدث أمسى بيثرب ثاويا

فدى لرسول اللّه أمّي و خالتي‏ * * * و عمّي و خالي، ثمّ نفسي و ماليا

فلو أن ربّ النّاس أبقى نبيّنا * * * سعدنا، و لكن أمره كان ماضيا

عليك من اللّه السّلام تحيّة * * * و أدخلت جنّات من العدن راضيا

أرى حسنا أيتمته و تركته‏ * * * يبكّي و يدعو جدّه اليوم نائيا

و رثاه ابن عمّه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب (رضي الله تعالى عنه) فقال:

أرقت، فبات ليلي لا يزول‏ * * * و ليل أخي المصيبة فيه طول‏

و أسعدني البكاء، و ذاك فيما * * * أصيب المسلمون به قليل‏

لقد عظمت مصيبتنا و جلّت‏ * * * عشيّة قيل: قد قبض الرّسول‏

و أضحت أرضنا ممّا عراها * * * تكاد بنا جوانبها تميل‏

فقدنا الوحي و التنزيل فينا * * * يروح به و يغدو جبرئيل‏

و ذاك أحقّ ما سالت عليه‏ * * * نفوس النّاس أو كادت تسيل‏

نبيّ كان يجلو الشّكّ عنّا * * * بما يوحى إليه و ما يقول‏

و يهدينا، فلا نخشى ضلالا * * * علينا؛ و الرّسول لنا دليل‏

أ فاطم؛ إن جزعت فذاك عذر * * * و إن لم تجزعي ذاك السّبيل‏

فقبر أبيك سيّد كلّ قبر * * * و فيه سيّد النّاس الرّسول‏

321

..........

و رثاه سيّدنا أبو بكر الصدّيق (رضي الله تعالى عنه) بقوله:

لمّا رأيت نبيّنا متجدّلا * * * ضاقت عليّ بعرضهنّ الدّور

فارتاع قلبي عند ذاك لهلكه‏ * * * و العظم منّي ما حييت كسير

أعتيق؛ و يحك إنّ حبّك قد توى‏ * * * فالصّبر عنك لما بقيت يسير

يا ليتني من قبل مهلك صاحبي‏ * * * غيّبت، في جدث عليّ صخور

فلتحدثنّ بدائع من بعده‏ * * * تعيا بهنّ جوانح و صدور

و رثاه الصدّيق (رضي الله تعالى عنه) أيضا بقوله:

و دعنا الوحي إذ ولّيت عنّا * * * فودّعنا من اللّه الكلام‏

سوى ما قد تركت لنا رهينا * * * تضمّنه القراطيس الكرام‏

و لقد أحسن حسّان بن ثابت (رضي الله تعالى عنه) بقوله يرثيه:

بطيبة رسم للرّسول و معهد * * * مبين، و قد تعفو الرّسوم و تهمد (1)

و لا تنمحي الآيات من دار حرمة * * * بها منبر الهادي الّذي كان يصعد

واضح آيات و باقي معالم‏ * * * و ربع له فيه مصلّى و مسجد

بها حجرات كان ينزل وسطها * * * من اللّه نور يستضاء و يوقد

معارف لم تطمس على العهد آيها * * * أتاها البلى فالآي منها تجدّد (2)

عرفت بها رسم الرّسول و عهده‏ * * * و قبرا بها واراه في التّرب ملحد

ظللت بها أبكي الرّسول فأسعدت‏ * * * عيون و مثلاها من الجنّ تسعد

تذكّرت آلاء الرّسول و ما أرى‏ * * * لها محصيا نفسي، فنفسي تبلد

مفجّعة قد شقّها فقد أحمد * * * فظلّت لآلاء الرّسول تعدّد

و ما بلغت من كلّ أمر عشيره‏ * * * و لكن لنفسي بعد هذا توجّد

أطالت وقوفا تذرف الدّمع جهدها * * * على طلل القبر الّذي فيه أحمد

____________

(1) أي: تبلى.

(2) أي: تتجدد.

322

..........

فبوركت يا قبر الرّسول، و بوركت‏ * * * بلاد ثوى فيها الرّشيد المسدّد

و بورك لحد منك ضمّن طيّبا * * * عليه بناء من صفيح منضّد

تهيل عليه الترب أيد و أعين‏ * * * تباكت، و قد غارت بذلك أسعد

لقد غيّبوا حلما و علما و رحمة * * * عشية علّوه الثّرى لا يوسّد

و راحوا بحزن ليس فيهم نبيّهم‏ * * * و قد وهنت منهم ظهور و أعضد

يبكّون من تبكي السّماوات موته‏ * * * و من قد بكته الأرض فالنّاس أكمد

فهل عدلت يوما رزيّة هالك‏ * * * رزيّة يوم مات فيه محمّد

تقطّع فيه منزل الوحي عنهم‏ * * * و قد كان ذا نور يغور و ينجد

يدلّ على الرّحمن من يقتدي به‏ * * * و ينقذ من هول الخزايا و يرشد

إمام لهم يهداهم الحقّ جاهدا * * * معلّم صدق، إن يطيعوه يسعدوا

عفوّ عن الزّلّات؛ يقبل عذرهم‏ * * * و إن يحسنوا، فاللّه بالخير أجود

و إن ناب أمر لم يقوموا بحمله‏ * * * فمن عنده تيسير ما يتشدّد!

فبينا هم في نعمة اللّه بينهم‏ * * * دليل به نهج الطّريقة يقصد

عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى‏ * * * حريص على أن يستقيموا و يهتدوا

عطوف عليهم لا يثنّي جناحه‏ * * * إلى كنف يحنو عليهم و يمهد

فبيناهم في ذلك النّور إذ غدا * * * إلى نورهم سهم من الموت يقصد

فأصبح محمودا إلى اللّه راجعا * * * تبكّيه جفن المرسلات و يجمد

و أمست بلاد الحرم وحشا بقاعها * * * لغيبة ما كانت من الوحي تعهد

قفارا سوى معمورة اللّحد ضافها * * * فقيد يبكّيه بلاط و غرقد

و مسجده كالموحشات لفقده‏ * * * خلاء له فيه مقام و مقعد

فيا جمرة الكبرى له ثمّ أوحشت‏ * * * ديار و عرصات و ربع و مولد

فبكّي رسول اللّه يا عين جهرة * * * و لا أعرفنك الدّهر دمعك يجمد

و ما لك لا تبكين ذا النّعم الّتي‏ * * * على النّاس منها سابغ يتغمّد

فجودي عليه بالدّموع و أعولي‏ * * * لفقد الّذي لا مثله الدّهر يوجد

323

..........

و ما فقد الماضون مثل محمّد * * * و لا مثله حتّى القيامة يفقد

أعفّ و أوفى ذمّة بعد ذمّة * * * و أقرب منه قائلا لا ينكّد

و أبذل منه للطّريف و تالد * * * إذا ضنّ ذو مال بما كان يتلد

و أكرم بيتا في البيوت إذا انتمى‏ * * * و أكرم جدّا أبطحيّا يسوّد

و أمنع ذروات و أثبت في العلا * * * دعائم عزّ شامخات تشيّد

و أثبت فرعا في الفروع و منبتا * * * و عودا كعود المزن فالعود أغيد

رباه وليدا فاستتمّ تمامه‏ * * * على أكرم الخيرات ربّ ممجّد

تناهت وصاة المسلمين بكفّه‏ * * * فلا العلم محبور و لا الرّأي يفند

أقول و لا يلقى لقولي عائب‏ * * * من النّاس إلا عازب العقل مبعد

و ليس هواي نازعا عن ثنائه‏ * * * لعلّي به في جنّة الخلد أخلد

مع المصطفى أرجو بذاك جواره‏ * * * و في نيل ذاك اليوم أسعى و أجهد

و رثاه حسّان (رضي الله عنه) أيضا بقوله:

كنت السّواد لناظري‏ * * * فعمي عليك النّاظر

من شاء بعدك فليمت‏ * * * فعليك كنت أحاذر

و لا يرد على هذا كلّه ما رواه ابن ماجه- و صحّحه الحاكم-؛ عن ابن أبي أوفى: أنّه صلى اللّه عليه و سلم نهى عن المراثي!!

لأن المراد مراثي الجاهلية، و هي ندبهم الميت بما ليس فيه؛ نحو «وا لهفاه، وا جبلاه» لا مطلقا. فقد رثى حسّان حمزة و جعفرا و غيرهما في زمنه صلى اللّه عليه و سلم؛ و لم ينهه!! قاله الزرقاني؛ على «المواهب».

(و) أخرج الترمذي في «الجامع» و «الشمائل»- و قال في الجامع: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلّا من حديث عبد اللّه بن بارق، و قد روى عنه غير واحد من الأئمة-:

324

و عن ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما): أنّه سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول:

«من كان له فرطان من أمّتي .. أدخله اللّه تعالى بهما الجنّة»، فقالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): فمن كان له فرط من أمّتك؟

قال: «و من كان له فرط يا موفّقة»، قالت: فمن لم يكن له فرط من أمّتك؟

قال: «فأنا فرط لأمّتي، ...

(عن ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما) أنّه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول:

«من كان له فرطان)- بفتح الفاء و الراء-؛ أي: ولدان صغيران يموتان قبله، فإنّهما في القيامة يهيّئان له ما يحتاج إليه من ماء بارد و ظلّ ظليل و مأكل و مشرب، (من أمّتي أدخله اللّه تعالى بهما الجنّة».

فقالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): فمن كان له فرط من أمّتك؟) أي:

ما حكمه هل هو كذلك!

(قال: «و من كان له فرط)- أي: يدخله اللّه الجنة بسببه كالذي له فرطان- (يا موفّقة»)؛ أي: لاستكشاف المسائل الدينيّة؛ و هذا تحريض منه صلى اللّه عليه و سلم لها على كثرة السّؤال، فلذلك كرّرته حيث‏

(قالت: فمن لم يكن له فرط من أمّتك؟)؛ أي: فما حكمه.

(قال: «فأنا فرط لأمّتي): أمة الإجابة، فهو صلى اللّه عليه و سلم سابق مهيّأ لمصالح أمّته.

و قد قال صلى اللّه عليه و سلم: «أنا فرطكم على الحوض». أي: سابقكم لارتاد لكم الماء، و قال صلى اللّه عليه و سلم: «إذا أراد اللّه بأمّة خيرا قبض نبيّها قبلها، فجعله لها فرطا و سلفا بين يديها، و إذا أراد هلكة أمّة عذّبها؛ و نبيّها حيّ، فأهلكها و هو ينظر، فأقرّ عينه بهلكها حين كذّبوه و عصوا أمره».

325

لن يصابوا بمثلي». و (الفرط- في الأصل-): السّابق من القوم المسافرين ليهيّئ لهم الماء و الكلأ و ما يحتاجونه، و المراد به هنا:

الصّغير الّذي يموت قبل أحد أبويه، فإنّه يشبهه في تهيئة ما يحتاج إليه يوم القيامة من المصالح.

ثم استأنف بقوله: (لن يصابوا بمثلي»؛) على وجه التّعليل لقوله: «أنا فرط لأمّتي». أي: لم يبلغوا مصيبة مثل مصيبتي، فإنّي عندهم أحبّ من كلّ والد و ولد، فمصيبتي عليهم أشدّ من جميع المصائب، فأكون أنا فرطهم؛ و هو شامل لمن أدرك زمانه و من لم يدركه، كما يدلّ عليه تعبيره ب «أمّتي».

قال الباجوري؛ في «حاشية الشمائل»: (و الفرط)- بفتحتين- و الفارط (في الأصل)؛ أي: أصل معناه في اللغة هو (: السّابق)؛ أي: المتقدم‏ (من القوم المسافرين ليهيّئ لهم) الأرشاء (1) و الدّلاء و يمدر الحياض؛ و يستقي لهم‏ (الماء، و) يهي‏ء لدوابّهم‏ (الكلأ)- مهموز: العشب؛ رطبا كان أو يابسا، فإن كان رطبا! يقال له: خلاء، و اليابس يقال له: حشيش؛ و الكلأ يعمّهما- (و) يهيّى‏ء لهم‏ (ما يحتاجونه) من منزل و نزل، و يزيل ما يخافون منه، و يأخذ الأمن فيه للمتأخّر عنه؛ فهو فعل بمعنى فاعل؛ كتبع بمعنى تابع، يقال: رجل فرط و قوم فرط.

(و المراد به هنا) في الحديث: الولد (الصّغير الّذي يموت قبل أحد أبويه، فإنّه) أي: الولد الصغير (يشبهه)؛ أي: يشبه فرط المسافرين‏ (في تهيئة ما يحتاج)- بضمّ أوّله مبنيّا للمفعول-؛ أي: ما يحتاج‏ (إليه) أبواه، فكما أنّ فرط القافلة يتقدّمهم إلى المنازل فيعدّ لهم ما يحتاجونه من سقي الماء و ضرب الخيمة و نحوهما؛ كذلك الطفل الصغير الذي يموت قبل أحد أبويه فإنه يهي‏ء لهما (يوم القيامة) ما يحتاجان‏ (من المصالح)؛ و هو نزل و منزل في الجنّة.

____________

(1) جمع رشاء؛ و هو الحبل، و أفصح من هذه الصيغة للجمع: أرشية!!.

326

و عن عمرو بن الحارث- أخي جويرية أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنهما)- قال: ما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلّا سلاحه و بغلته و أرضا جعلها صدقة.

(و) أخرج البخاريّ، و النّسائيّ، و الترمذيّ في «الشّمائل»؛ (عن عمرو بن الحارث) المصطلقي‏ (أخي جويرية)- بالتصغير- (أمّ المؤمنين) له صحبة، خرّج له الجماعة ((رضي الله تعالى عنهما))؛ أي: عمرو و جويرية.

(قال: ما ترك رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلّا) الحصر في الثلاثة المذكورة في هذا الخبر إضافيّ؛ فقد ترك ثيابه و متاع بيته، و لكنها لما كانت بالنسبة للمذكورات يسيرة لم تذكر.

و قال ابن سيّد الناس: و ترك صلى اللّه عليه و سلم يوم مات ثوبي حبرة و إزارا عمانيّا، و ثوبين صحاريين، و قميصا صحاريا، و آخر سحوليّا، و جبّة يمنيّة، و خميصة و كساء أبيض، و قلانس صغارا لاطية «ثلاثا؛ أو أربعا» و ملحفة مورّسة، أي: مصبوغة بالورس.

(1- سلاحه) الذي كان يختصّ بلبسه و استعماله؛ من نحو: سيف و رمح و درع و مغفر و حربة.

(و 2- بغلته) البيضاء و اسمها «دلدل»، و عاشت بعده صلى اللّه عليه و سلم حتى كبرت و ذهبت أسنانها، و كان يجرش لها الشعير، و ماتت في ينبع، و دفنت في جبل رضوى، و كان له بغال غيرها.

(و 3- أرضا) لم يضفها له، لعدم اختصاصها به كسابقتها، لأنّ غلّتها كانت عامّة له و لعياله و لفقراء المسلمين، و هي نصف أرض فدك، و ثلث أرض وادي القرى، و سهمه من خمس خيبر، و حصّة من أرض بني النضير؛ (جعلها)؛ أي: الأرض‏ (صدقة) في حياته على أهله و زوجاته و خدمه و فقراء المسلمين، و ليس المراد أنّها صارت صدقة بعد موته كبقية مخلّفاته؛ فإنّها صارت كلّها صدقة بعد وفاته على المسلمين.

327

و روى كثير من الصّحابة (رضي الله تعالى عنهم) ...

و قد أغنى اللّه قلبه كلّ الغنى، و وسّع عليه غاية السّعة؛ و أيّ غنى أعظم من غنى من عرضت عليه مفاتيح خزائن الأرض فأباها!! و جاءت إليه الأموال فأنفقها كلّها؛ و ما استأثر منها بشي‏ء!!

و لم يتّخذ عقارا، و لا ترك شاة، و لا بعيرا، و لا عبدا، و لا أمة، و لا دينارا، و لا درهما غير ما ذكر؛ كذا في الباجوري؛ على «الشمائل».

(و روى كثير من الصّحابة (رضي الله تعالى عنهم))؛ و هو حديث متواتر، قال السيوطي؛ في «الأزهار المتناثرة»: حديث «لا نورث؛ ما تركناه صدقة»؛

أخرجه الشيخان؛ عن عمر و عثمان و عليّ و سعد بن أبي وقّاص و العبّاس.

و أخرجه مسلم؛ عن أبي بكر الصدّيق و عبد الرحمن بن عوف، و الزّبير بن العوّام و أبي هريرة.

و أخرجه أبو داود؛ عن عائشة. و أخرجه النّسائي؛ عن طلحة.

و أخرجه الطّبراني؛ عن حذيفة و ابن عبّاس؛ فقد رواه من العشرة المشهود لهم بالجنة ثمانية نظير حديث: «من كذب عليّ». انتهى.

و ذكره في «كنز العمال» بلفظ «لا نورث؛ ما تركناه صدقة».

و رمز له برمز الإمام أحمد و «الصحيحين»، و الثلاثة؛ عن عمر، و عن عثمان و سعد و طلحة و الزّبير و عبد الرحمن بن عوف.

و رمز له برمز الإمام أحمد و «الصحيحين»؛ عن عائشة.

و رمز له برمز مسلم. و الترمذي؛ عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنهم اجمعين).

و ذكره في «كنز العمال» أيضا بلفظ: «لا نورث؛ ما تركناه صدقة، و إنّما يأكل آل محمّد في هذا المال». و رمز له برمز الإمام أحمد و «الصحيحين»،

328

..........

و أبي داود و النسائي؛ عن أبي بكر الصدّيق (رضي الله عنه).

و ذكره في «كنز العمال» أيضا بلفظ: «إنّا لا نورث؛ ما تركناه صدقة».

و رمز له برمز الإمام أحمد؛ عن عبد الرحمن بن عوف و طلحة و الزبير و سعد (رضي الله تعالى عنهم).

و في «تلخيص الحبير» للحافظ ابن حجر (رحمه الله تعالى): أمّا حديث «إنّ الأنبياء لا يورثون»!! فمتفق عليه؛ من حديث أبي بكر الصديق؛ أنه صلى اللّه عليه و سلم قال:

«لا نورث؛ ما تركناه صدقة».

و للنّسائي في أوائل الفرائض من «السنن الكبرى»: «إنّا معشر الأنبياء لا نورث؛ ما تركناه صدقة». و إسناده على شرط مسلم.

و رواه النسائي؛ عن عائشة (رضي الله عنها): أنّ أزواج النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر؛ فيسألنه ميراثهنّ من رسول اللّه!! فقالت لهنّ عائشة: أ ليس قد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم «لا يورث نبيّ؛ ما تركنا صدقة»!!. لكن رواه في الفرائض من «السنن الكبرى» بلفظ: «لا نورث، ما تركنا صدقة». ليس فيه «نبيّ»؛ فاللّه أعلم!. و كذا هو في «الصحيحين».

و في «الصحيحين» مثل حديث أبي بكر عن عمر أنّه قال لعثمان و عبد الرحمن بن عوف و الزبير و سعد و علي و العباس: أنشدكم باللّه ... فذكره؛ و فيه أنهم قالوا: «نعم». زاد النّسائي فيهم طلحة.

و أخرجه الحميدي في «مسنده»؛ عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «إنّا معشر الأنبياء لا نورث؛ ما تركنا فهو صدقة».

و ذكر الدارقطنيّ في «العلل» حديث الكلبي عن أبي صالح؛ عن أم هانئ؛ عن فاطمة أنّها دخلت على أبي بكر فقالت: لو متّ من يرثك؟ قال: ولدي و أهلي؛ قالت: فما لنا لا نرث النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم؟ قال: سمعته يقول: «إنّ الأنبياء لا يورثون؛ ما تركوه فهو صدقة».

329

قول النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم): «نحن معاشر الأنبياء لا نورث؛

و في الباب عن حذيفة؛ أخرجه أبو موسى في كتاب له اسمه «براءة الصدّيق»؛ من طريق فضيل بن سليمان؛ عن أبي مالك الأشجعي؛ عن ربعي عنه. و هذا إسناد حسن. انتهى كلام الحافظ ابن حجر في «التلخيص».

(قول النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «نحن)- نقل الزرقاني؛ في «شرح المواهب» عن الحافظ ابن حجر ما نصّه: و الحاصل أنه لم يوجد بلفظ «نحن» و وجد بلفظ «إنّا»، و مفادهما واحد، فلعل من ذكره ذكره بالمعنى؛ و هو في «الصحيحين»؛ عن أبي بكر (رضي الله عنه)، سمعت النبيّ صلى اللّه عليه و سلم يقول: «لا نورث، ما تركنا صدقة».

بحذف «إنّا». و كذا في «السنن الثلاث». انتهى-

(معاشر الأنبياء) نصب على الاختصاص؛ أو المدح. و المعشر: كلّ جمع أمرهم واحد، فالإنس معشر، و الجن معشر، و الأنبياء معشر؛ و هو معنى قول جمع: المعشر، الطائفة الذين يشمهلم وصف.

(لا نورث)- بضم النون و سكون الواو و فتح الراء- قال القرطبي: جميع رواة هذه اللفظة في «الصحيحين» و غيرهما يقولون «لا نورث» بالنّون، و هي نون جماعة الأنبياء؛ أي: ما تركناه إنّما نتركه صدقة، لا يختصّ به الورثة.

و المراد: المال و ما في حكمه؛ فلا يعارضه قوله‏ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي‏ [5- 6/ مريم‏] الآية؛ و لا وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [16/ النمل‏]!! لأنه وارثه نبوّة و علما.

و ليس لك أن تقول معنى «لا نورث» من النّبوة!! لأنّ الصّحابة فهموا أنّ المراد المال، و هم أعلم بالحال، فلا مجال لهذا الاحتمال.

قال في «جمع الوسائل»: و الحكمة في أنّ الأنبياء لا يورثون: 1- أن لا يتمنّى بعض الورثة موتهم؛ فيهلك. و 2- أن لا يظنّ بهم أنّهم راغبون في الدنيا و يجمعون المال لورثتهم. و 3- أن لا يرغب الناس بجمعها؛ بناء على ظنّهم أن‏

330

ما تركناه صدقة».

الأنبياء كانوا كذلك!! و 4- لئلّا يتوهّموا أن فقر الأنبياء لم يكن اختياريا. انتهى.

(ما) موصولة: مبتدأ؛ أي: الذي‏ (تركناه) من المال‏ (صدقة) بالرفع:

خبر المبتدأ الذي هو «ما تركنا»، و دخلته الفاء! [كما في بعض طرقه- «ما تركنا فهو صدقة»] (1)؛ لتضمّن المبتدأ معنى الشّرط.

و الجملة جواب سؤال مقدّر تقديره: إذا لم تورثوا؛ فما يفعل بمخلّفكم؟

فأجاب بقوله: «ما تركناه صدقة». و الكلام حينئذ جملتان: الأولى فعلية، و هي قوله «لا نورث»، و الثانية اسمية، و هي قوله «ما تركناه».

قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: و يؤيّده و روده في بعض طرق «الصّحيح»: «ما تركنا فهو صدقة»؛ و حرّفه الإماميّة- أي: الروافض فقالوا:

لا يورث،- بالمثنّاة التحتية بدل النّون- و: صدقة نصب على الحال.

و «ما تركنا»: مفعول لما لم يسم فاعله، فجعلوا الكلام جملة واحدة، و يكون المعنى: إن ما يترك صدقة لا يورث. و هذا تحريف يخرج الكلام عن نمط الاختصاص الذي دلّ عليه قوله (عليه الصلاة و السلام) في بعض الطرق: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورث».

و يعود الكلام بما حرّفوه إلى أمر لا يختصّ به الأنبياء، لأن آحاد الأمّة إذا وقفوا أموالهم أو جعلوها صدقة انقطع حقّ الورثة عنها، فهذا من تحاملهم أو تجاهلهم.

و قد أورده بعض أكابر الإماميّة على القاضي شاذان «صاحب القاضي أبي الطيب»، فقال القاضي شاذان- و كان ضعيف العربيّة؛ قويّا في علم الخلاف-: لا أعرف نصب «صدقة» من رفعها!! و لا أحتاج إلى علمه؛ فإنه لا خفاء بي و بك: أنّ فاطمة و عليّا من أفصح العرب لا تبلغ أنت و لا أمثالك إلى ذلك منهما، فلو كانت لهما حجّة فيما لحظته لأبدياها حينئذ لأبي بكر؟! فسكت، و لم يحر جوابا.!

____________

(1) أضفتها للإيضاح.

331

..........

و إنّما فعل الإمامية ذلك!! لما يلزمهم على رواية الجمهور من فساد مذهبهم، لأنهم يقولون ب «أنه صلى اللّه عليه و سلم يورث كما يورث غيره من المسلمين» لعموم الآية الكريمة.

و ذهب النّحاس إلى أنه يصحّ النّصب في «صدقة» على الحال، و أنكره القاضي عياض لتأييده مذهب الإمامية، لكن قدر ابن مالك «ما تركناه- متروك- صدقة» فحذف الخبر و بقي الحال كالعوض منه؛ و نظيره قراءة بعضهم‏ وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ [14/ يوسف‏]- بالنصب‏ (1)-. انتهى. من «شرح القسطلاني على البخاري».

قال الزرقاني؛ في «شرح المواهب» متعقبا: لكن في التوجيه نظر، إذ لم تأت رواية بالنصب حتى توجّه، بل الذي توارد عليه أهل الحديث؛ في القديم و الحديث: بالنون و رفع «صدقة»، و لأنّه لم يتعين حذف الخبر، بل يحتمل ما قاله الإمامية، و لذا أنكره عياض؛ و إن صحّ في نفسه. انتهى.

تنبيه: قال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر أن ما ترك النبي صلى اللّه عليه و سلم بعده من جنس الأوقاف المطلقة ينتفع بها من يحتاج إليها و تقرّ تحت يد من يؤتمن عليها، و لهذا كان له عند سهل قدح، و عند أنس قدح آخر، و عند عبد اللّه بن سلام قدح آخر، و كان الناس يشربون منها تبرّكا، و كانت جبّته عند أسماء بنت أبي بكر الصديق (رضي الله تعالى عنها) ... إلى غير ذلك مما هو معروف. انتهى. نقله المناوي؛ في «شرح الشّمائل» (رحمه الله تعالى).

____________

(1) و هي قراءة شاذّة.

332

[الفصل الثّالث في رؤيته (صلّى اللّه عليه و سلم) في المنام‏]

الفصل الثّالث في رؤيته (صلّى اللّه عليه و سلم) في المنام‏ عن عبد اللّه بن عمر (رضي الله تعالى عنهما): ...

(الفصل الثّالث)؛ من الباب الثّامن‏ (في) ما جاء في‏ (رؤيته صلى اللّه عليه و سلم) الرؤية- التي بالتاء- تشمل رؤية البصر في اليقظة، و رؤية القلب في المنام، و لهذا احتاج المصنّف إلى تقييدها بقوله‏ (في المنام).

و [الرؤيا] الّتي بالألف خاصّة برؤية القلب في المنام، و قد تستعمل في رؤية البصر أيضا، قال المازري: مذهب أهل السّنّة: أنّ حقيقة الرّؤيا خلق اللّه تعالى في قلب النّائم اعتقادات كخلقها في قلب اليقظان، و هو سبحانه و تعالى يفعل ما يشاء؛ لا يمنعه نوم و لا يقظة، و خلق هذه الاعتقادات في النائم علم على أمور أخر يلحقها في ثاني الحال؛ كالغيم علما على المطر. انتهى؛ ذكره في «جمع الوسائل».

و إنّما أورد المصنّف باب الرؤية في المنام آخر الكتاب بعد بيان صفاته الظاهرة و أخلاقه المعنوية!! إشارة إلى أنّه ينبغي أوّلا ملاحظة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بأوصافه الشريفة و أخلاقه المنيفة ليسهل تطبيقه الرؤية بعد في المنام عليها، و الإشعار بأنّ الاطلاع على طلائع صفاته الصّوريّة، و على بدائع نعوته السّريّة بمنزلة رؤيته البهية. انتهى «باجوري».

(عن عبد اللّه بن عمر (رضي الله تعالى عنهما)) كذا في النّسخ الّتي بأيدينا، و هو كذلك في نسخة «الشّمائل» التي كتب عليها المناوي، و كذلك في المطبوعة مع «حاشية الباجوري»، لكن في نسخة «الشمائل» التي كتب عليها الشرّاح الثلاثة:

ملا علي قاري، و جسّوس المغربي، و الباجوري في «حاشيته»؛ «عن عبد اللّه»

333

عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «من رآني في المنام .. فقد رآني، فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي».

فقط، و فسّره هؤلاء الثلاثة ب «ابن مسعود»، قالوا- كما في نسخة-: و ذلك يوافق ما في «سنن ابن ماجه»، و الترمذي في «الجامع» بسند «الشّمائل» و قال:

حديث حسن صحيح، فإنّ ابن ماجه رواه من طريق وكيع عن سفيان، و التّرمذيّ رواه في «الجامع» و «الشمائل»؛ من طريق عبد الرّحمن بن مهدي، عن سفيان؛ عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص؛ عن عبد اللّه (رضي الله تعالى عنه).

(عن النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال: «من رآني في المنام)؛ أي: في حال النّوم، (فقد رآني)، أي: فليبشّر بأنّه رآني حقيقة، أي: رأى حقيقتي كما هي؛ لا شبهة و لا ريب فيما رآه، فلم يتّحد الشّرط و الجزاء. أو هو في معنى الإخبار؛ أي: من رآني فأخبره بأنّ رؤيته حقّ ليست بأضغاث أحلام، و لا من تمثيل الشّيطان، بل هي من قبل اللّه تعالى.

ثمّ أردف ذلك بما هو تتميم للمعنى و تعليل للحكم؛ فقال: (فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي»). و في رواية لمسلم: «فإنّ الشّيطان لا ينبغي له أن يتشبّه بي».

و في أخرى له: «لا ينبغي أن يتمثّل في صورتي».

و في رواية لغير مسلم: «لا يتكوّنني» أي: لا يستطيع ذلك لئلّا يتذرّع بالكذب على لسانه في النّوم؛ كما استحال تصوّره بصورته يقظة؛ إذ لو وقع اشتبه الحقّ بالباطل؛ و منه أخذ أنّ جميع الأنبياء كذلك.

و ظاهر الحديث أنّ رؤياه صحيحة؛ و إن كانت على غير صفته المعروفة، و به صرّح النّوويّ، مضعّفا لتقييد الحكيم التّرمذيّ و عياض و غيرهما؛ بما إذا رآه على صورته المعروفة في حياته، و تبعه عليه بعض المحقّقين.

قال المناوي- على «الشمائل»؛ في شرح قول المصنّف «فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي»-: أي: لا يستطيع ذلك، سواء رآه الرائي على صفته المعروفة؛ أو

334

و عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه) ...

غيرها، على المنقول المقبول عند أهل العقول، لأنّه سبحانه و تعالى جعله رحمة للعالمين؛ هاديا للضّالّين؛ محفوظا من وسواس الشّياطين.

و إذا تنوّر العالم بنور وجوده، و رجمت الشّياطين لميلاده، و هدمت بنيان الكهنة لظهوره؛ فكيف يتصوّر أن يتمثّل الشّيطان بصورته!! و لو قدر أن يتمثّل بصورته لتمثّل في الخارج كذلك، فرؤياه حقّ على أيّ صورة كانت.

ثمّ إن كانت بصورته الحقيقة في وقت ما، سواء كان في شبابه؛ أو رجوليّته؛ أو كهوليّته؛ أو أواخر عمره، لم تحتج لتأويل، و إلّا احتيجت لتعبير متعلق بالرّائي. و من ثمّ قيل: من رآه شيخا، فهو في غاية سلم، أو شابا؛ فهو في غاية حرب، أو متبسما؛ فهو متمسك بسنّته، أو على حالته و هيئته؛ فهو دليل على صلاح حال الرّائي و كمال وجاهته و ظفره. و عكسه؛ لأنّه كالمرآة الصّقيلة ينطبع فيها ما يقابلها، و إن كان ذاتها على أحسن حال.

و به علم صحّة رؤية جمع له؛ في آن واحد؛ في أقطار متباعدة؛ بأوصاف متخالفة. و كما أنّ الشّمس يراها كلّ إنسان في الشّرق و الغرب في ساعة واحدة و بصفات مختلفة؛ فكذلك هو (صلّى اللّه عليه و سلم).

و حكي عن البارزيّ و اليافعيّ و الجيليّ و الشّاذليّ و المرسيّ و علي وفاء و القطب القسطلانيّ و غيرهم أنّهم رأوه يقظة. قال ابن أبي جمرة: و منكر ذلك!! إن كان ممّن يكذّب بكرامات الأولياء؛ فلا كلام معه، و إلّا! فهذه منها؛ إذ يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء في العالم العلويّ و السفليّ. انتهى.

و سبقه لنحوه حجّة الإسلام؛ فقال في كتاب «المنقذ»: و هم- يعني: أرباب القلوب- في يقظتهم، يشاهدون الملائكة و أرواح الأنبياء، و يسمعون منهم أصواتا، و يقتبسون منهم فوائد. انتهى كلام المناوي (رحمه الله تعالى).

(و) أخرج التّرمذيّ في «الشّمائل»؛ (عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه)

335

قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «من رآني في المنام ..

فقد رآني، فإنّ الشّيطان لا يتصوّر- أو قال لا يتشبّه- بي».

قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «من رآني في المنام)- بصفتي الّتي أنا عليها، أو بغيرها؛ على ما تقدّم- (فقد رآني)- أي: رأى حقيقتي على كمالها- (فإنّ الشّيطان لا يتصوّر) بي، لا مناما و لا يقظة؛ حفاظا للشّريعة المعلومة بالكتاب و السّنّة.

ثمّ إن رآه الرّائي على صورته كان الرّائي كاملا، و إلّا! فهو ناقص، فتكون الرّؤية حينئذ تنبيها له ليتوب، فمن رآه ميتا دلّ على موت الشّريعة في الرّائي، فإن كان مستقيما! دلّ على موت الشّريعة في ذلك المكان.

(أو قال)- شكّ من الرّاوي- (: «لا يتشبّه بي»)، التصوّر: قريب من التّمثّل، و كذا التشبّه.

قال بعض شرّاح «المصابيح»: و مثله في ذلك جميع الأنبياء و الملائكة.

انتهى.

و ما ذكره احتمالا جزم به البغويّ في «شرح السّنّة»؛ قال: و كذلك حكم القمرين، و النّجوم، و السّحاب الذي ينزل منه الغيث: لا يتمثّل الشّيطان بشي‏ء منها.

لكن ذكر المحقّقون أنّه خاصّ به صلى اللّه عليه و سلم؛ ذكره العزيزي على «الجامع الصغير» و غيره.

و الحديث رواه البخاريّ، و مسلم، و أبو داود؛ من حديث أبي هريرة بلفظ:

«من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، و لا يتمثّل الشّيطان بي». و رواه الطّبراني؛ و زاد: «و لا بالكعبة». و قال: لا تحفظ هذه اللّفظة إلّا في هذا الحديث.

و لمسلم؛ من حديث جابر: «من رآني في المنام فقد رآني، فإنّه‏

336

..........

لا ينبغي للشّيطان أن يتمثّل في صورتي». و في رواية: «فإنّه لا ينبغي للشّيطان أن يتشبّه بي».

و في حديث أبي سعيد الخدريّ؛ عند البخاري: سمع النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم يقول: «من رآني فقد رأى الحقّ، فإنّ الشّيطان لا يتكوّنني»، أي: لا يتكوّن كوني، أي:

لا يتصور تصوّرا كصورتي، فحذف المضاف و وصل المضاف إليه بالفعل.

و في حديث أبي قتادة؛ عند «البخاري و مسلم» بلفظ: «من رآني فقد رأى الحقّ، فإنّ الشّيطان لا يتراءى بي»- بالرّاء-؛ بوزن: يتعاطى، و معناه لا يستطيع أن يتمثّل بي، و وقع عند الإسماعيلي؛ في «مستخرجه»: «من رآني في المنام فقد رآني في اليقظة، فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي». و مثله عند ابن ماجه، و صحّحه التّرمذيّ؛ من حديث ابن مسعود المتقدّم.

و الحاصل: أنّ هذا الحديث متواتر، و قد ذكره السّيوطيّ في «الأزهار المتناثرة» و قال: أخرجه الشّيخان؛ عن أنس، و أبي سعيد، و أبي قتادة، و أبي هريرة.

و مسلم، عن جابر. و التّرمذيّ؛ عن ابن مسعود.

و ابن ماجه؛ عن ابن عباس، و أبي جحيفة.

و أحمد؛ عن أبي قتادة، و أبي مالك الأشجعيّ.

و الطّبرانيّ؛ عن أبي سعيد، و ابن عمرو، و أبي بكرة، و مالك بن عبد اللّه الخثعميّ.

و البخاريّ في «التّاريخ»؛ عن طارق بن أمية الأشجعيّ. انتهى.

فائدة: سئل شيخ الإسلام؛ زكريّا الأنصاريّ (رحمه الله تعالى): عن رجل زعم أنّه رأى النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم يقول له: «مر أمّتي بصيام ثلاثة أيّام، و أن يعيّدوا بعدها، و يخطبوا»، فهل يجب الصّوم، أو يندب، أو يجوز، أو يحرم؟!

337

..........

و هل يكره أن يقول أحد للنّاس: أمركم النّبيّ (عليه الصلاة و السلام)، بصيام أيام لأنّه كذب عليه، و مستنده الرّؤيا الّتي سمعها من غير رائيها، أو منه.

و هل يمتنع أن يتسمّى إبليس باسم النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و يقول للنّائم: إنّه النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و يأمره بطاعته، ليتوصّل بذلك إلى معصيته؛ كما يمتنع عليه التّشكّل في صورته الشّريفة أم لا!! [و بم‏] تتميّز الرؤية له صلى اللّه عليه و سلم الصادقة من الكاذبة، و هل يثبت شي‏ء من أحكام الشّرع بالرؤية في النّوم؟ و هل المرئيّ ذاته صلى اللّه عليه و سلم، أو روحه، أو مثل ذلك.

أجاب- (رحمه الله تعالى)- بقوله: لا يجب على أحد الصّوم؛ و لا غيره من الأحكام بما ذكر، و لا مندوب. بل قد يكره؛ أو يحرم، لكن إن غلب على الظّنّ صدق الرّؤيا فله العمل بما دلّت عليه؛ ما لم يكن فيه تغيير حكم شرعيّ. و لا يثبت بها شي‏ء من الأحكام؛ لعدم ضبط الرّائي، لا للشّكّ في الرّؤيا.

و يحرم على الشّخص أن يقول: أمركم النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم بكذا؛ فيما ذكر، بل يأتي بما يدلّ على مستنده من الرّؤيا، إذ لا يمتنع عقلا أن يتسمّى إبليس باسم النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم ليقول للنّائم: إنّه النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و يأمره بالطّاعة؛ و الرّؤيا الصّادقة هي الخالصة من الأضغاث.

و الأضغاث أنواع:

الأوّل: تلاعب الشّيطان ليحزن الرّائي؛ كأن يرى أنّه قطع رأسه.

الثّاني: أن يرى أنّ بعض الأنبياء يأمره بمحرّم؛ أو محال.

الثّالث: ما تتحدّث به النّفس في اليقظة تمنّيا؛ فيراه كما هو في المنام.

و رؤية المصطفى صلى اللّه عليه و سلم بصفته المعلومة إدراك لذاته؛ و رؤيته بغير صفته إدراك لمثاله، فالأولى: لا تحتاج إلى تعبير، و الثّانية: تحتاج إليه.

و يحمل على هذا قول النّوويّ «الصّحيح أنّه يراه حقيقة؛ سواء كانت صفته المعروفة أو غيرها». و للعلماء في ذلك كلام كثير ليس هذا محلّ ذكره، و فيما

338

و عن يزيد الفارسيّ- و كان يكتب المصاحف- قال: رأيت النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) في المنام زمن ابن عبّاس، فقلت لابن عبّاس:

إنّي رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في النّوم، فقال ابن عبّاس:

إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان يقول: «إنّ الشّيطان لا يستطيع أن يتشبّه بي، فمن رآني في النّوم .. فقد رآني»، ...

ذكرته كفاية. انتهى بنصّه؛ ذكره المناوي؛ في «كبيره».

(و) أخرج التّرمذيّ في «الشّمائل»؛ من حديث عوف بن أبي جميلة؛

(عن يزيد الفارسيّ) ابن هرمز المدنيّ الليثيّ، «مولاهم؛ و مولى ابن عثمان أو غيره»، تابعيّ، خرّج له مسلم؛ و أبو داود؛ و النّسائيّ.

و قال الذّهبيّ: كان رأس الموالي يوم الحرّة. و هو والد عبد اللّه الفقيه، بقي إلى سنة مائة؛ قاله المناوي (رحمه الله تعالى).

لكن قال في «جمع الوسائل»: الصّحيح أنّه غيره، فإنّ يزيد بن هرمز مدنيّ من أوساط التّابعين؛ و يزيد الفارسيّ بصريّ مقبول، من صغار التّابعين- كما يعلم من «التقريب» و «تهذيب الكمال»-. انتهى.

(و كان يكتب المصاحف) فيه إشارة إلى بركة عمله، و لذلك رأى هذه الرّؤيا العظيمة، لأنّ رؤياه صلى اللّه عليه و سلم في صورة حسنة تدلّ على حسن دين الرّائي، بخلاف رؤيته في صورة شين أو نقص في بعض البدن، فإنّها تدلّ على خلل في دين الرّائي، فبها يعرف حال الرّائي، فلذلك لا يختصّ برؤيته صلى اللّه عليه و سلم الصّالحون.

(قال)؛ أي: يزيد (: رأيت النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم في المنام زمن ابن عبّاس)؛ أي: في زمن وجوده، أي: في حياته؛ (فقلت لابن عبّاس:

إنّي رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في النّوم!!

فقال ابن عبّاس: إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كان يقول: «إنّ الشّيطان لا يستطيع أن يتشبّه بي، فمن رآني في النّوم فقد رآني»)؛ أي: فليبشّر بأنّه رآني حقيقة، أي:

339

هل تستطيع أن تنعت هذا الرّجل الّذي رأيته في النّوم؟

قال: نعم، أنعت لك رجلا بين الرّجلين؛ جسمه و لحمه أسمر إلى البياض، أكحل العينين، حسن الضّحك، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته ما بين هذه إلى هذه؛ ...

رأى حقيقتي كما هي، فلم يتّخذ الشّرط و الجزاء، أو هو في معنى الإخبار؛ أي:

من رآني فأخبره بأنّ رؤياه حقّ، لا أضغاث أحلام و تخيّل شيطان.

(هل تستطيع أن تنعت هذا الرّجل الّذي رأيته في النّوم)؛ أي: تصفه بما فيه من حسن، فالنّعت وصف الشّي‏ء بما فيه من حسن، و لا يقال في القبيح إلّا بتجوّز، و الوصف يقال في الحسن و القبيح؛ كما في «النهاية».

(قال) أي: الرائي؛ و هو يزيد الفارسي‏ (: نعم؛ أنعت لك رجلا) بالنّصب على أنّه مفعول «أنعت»- (بين الرّجلين)؛ في القصر و الطّول، لا بائن و لا قصير، كما سبق، و قوله «بين رجلين» خبر مقدّم، و قوله‏ (جسمه و لحمه) مبتدأ مؤخّر، أو هو فاعل بالظرف، و الجملة صفة ل «رجلا»، يريد أنّه متوسط في القصر و الطّول و السّمن و مقابله.

(أسمر)؛ أي: أحمر مائل‏ (إلى البياض)؛ لأنّه كان أبيض مشربا بحمرة كما تقدّم-، فالسّمرة تطلق على الحمرة، و قوله «أسمر» بالرفع: على أنّه خبر مبتدأ مقدّر، و بالنّصب: على أنّه نعت ل «رجلا»، أو خبر ل «كان» مقدّرة؛ و مثله قوله:

(أكحل)؛ من الكحل و هو سواد (العينين) خلقة، (حسن الضّحك)؛ لأنّه كان يتبسّم في غالب أحواله، (جميل دوائر الوجه)؛ أي: حسن أطراف الوجه، فالمراد بالدّوائر: الأطراف، فلذلك صحّ الجمع، و إلّا! فالوجه له دائرة واحدة؛ (قد ملأت لحيته ما بين هذه) الأذن‏ (إلى هذه) الأذن الأخرى، و كان الأظهر في التعبير أن يقول «ما بين هذه و هذه» لأنّ «ما بين» لا تضاف إلّا إلى متعدّد. أو

340

قد ملأت نحره.

فقال ابن عبّاس: لو رأيته في اليقظة .. ما استطعت أن تنعته فوق هذا.

و عن أبي قتادة (رضي الله تعالى عنه) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «من رآني- يعني في النّوم- فقد رأى الحقّ».

يقول «من هذه إلى هذه» لأن «من» الابتدائيّة تقابل ب «إلى» الانتهائيّة.

و أشار بذلك إلى أنّ لحيته الكريمة عريضة عظيمة؛ (قد ملأت نحره) أي:

كانت مسترسلة إلى صدره، كثّة، و هو إشارة إلى طولها.

(فقال ابن عبّاس) ليزيد الرّائي- لما أخبره بنعت من رآه في النّوم- (: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا) أي: فما رأيته في النّوم موافق لما عليه الواقع.

(و) أخرج الإمام أحمد، و البخاريّ في «التعبير»، و مسلم، و التّرمذيّ في «الشّمائل»؛

(عن أبي قتادة) الحارث بن ربعي، أو عمرو، أو النّعمان الأنصاريّ.

شهد أحدا و ما بعدها- و تقدمت ترجمته- ((رضي الله تعالى عنه) قال:

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «من رآني- يعني في النّوم-): تفسير مدرج من بعض الرواة (فقد رأى الحقّ».) أي: رؤيته حقّ، أي: رأى الرّؤيا الصّادقة الصّحيحة، و هي الّتي يريها الملك الموكّل بضرب أمثال الرّؤيا بطريق الحكمة لبشارة أو نذارة أو معاتبة، ليكون على بصيرة من أمره.

و أبعد بعضهم فقال: يمكن أن يراد بالحقّ هو اللّه مبالغة؛ تنبيها على أنّ من رآه على وجه المحبّة و الاتّباع كأنّه رأى اللّه تعالى كقوله: «من أحبّني فقد أحبّ اللّه، و من أطاعني فقد أطاع اللّه». انتهى.

341

و عن أنس (رضي الله تعالى عنه) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «من رآني في المنام .. فقد رآني، فإنّ الشّيطان لا يتخيّل بي».

و ردّ بأنّه يأباه قوله «فإنّ الشّيطان لا يتزيّى بي»- بالزّاي المعجمة- أي: لا يظهر في زيّي؛ أي: لا يستطيع ذلك، لأن اللّه سبحانه و تعالى؛ و إن مكّنه من التصوّر في أيّ صورة أراد؛ فإنّه لا يمكّنه من التّصوّر في صورة النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم.

(و) أخرج الإمام أحمد، و البخاريّ، و التّرمذيّ في «الجامع» و «الشّمائل»:

(عن أنس (رضي الله تعالى عنه) قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «من رآني في المنام) أي: في حال النّوم- (فقد رآني) حقيقة؛ أي: رأى حقيقتي كما هي، (فإنّ الشّيطان لا يتخيّل بي»). أي: لا يمكنه أن يظهر لأحد بصورتي، فمعنى التخيّل يقرب من معنى التصوّر.

فإن قيل: كيف يكون ذلك و هو في المدينة المنوّرة؛ و الرائي في المشرق أو المغرب مثلا!؟

أجيب: بأنّ الرّؤية أمر يخلقه اللّه تعالى، و لا يشترط فيها عقلا مواجهة؛ و لا مقابلة؛ و لا خروج شعاع؛ و لا غيره. و لذا جاز أن يرى أعمى الصّين بقّة أندلس!!.

فإن قلت: كثيرا يرى على خلاف صورته المعروفة، و يراه شخصان في حالة واحدة في مكانين؛ و الجسم الواحد لا يكون إلّا في مكان واحد؟!

أجيب: بأنّه يعتبر في صفاته؛ لا في ذاته، فتكون ذاته (عليه الصلاة و السلام) مرئيّة و صفاته متخيّلة غير مرئيّة، فالإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار، و لا قرب المسافة، فلا يكون المرئيّ مدفونا في الأرض و لا ظاهرا عليها، و إنّما يشترط كونه موجودا، و لو رآه يأمر بقتل من يحرم قتله!! كان هذا من صفاته المتخيّلة؛ لا المرئيّة. كذا قاله القسطلاني في «شرح البخاري».

342

قال: «و رؤيا المؤمن جزء من ستّة و أربعين جزءا من النّبوّة».

(قال:)؛ أي: أنس- على ما هو ظاهر صنيع المصنّف- و إلّا لقال «و قال»! لكنّه موقوف في حكم المرفوع! و لا يبعد أن يكون الضّمير له صلى اللّه عليه و سلم، بل هو الأقرب، لأنّ الأشهر أنّ هذا مرفوع في البخاري و غيره.

( «و رؤيا)- مصدر؛ كالرّجعى- (المؤمن) و المؤمنة الصالحين، و المراد غالب رؤياهما، و إلّا! فقد تكون رؤياهما أضغاث أحلام؛ أي: أخلاط أحلام فلا يصحّ تأويلها لاختلاطها؛ (جزء من ستّة و أربعين جزءا من النّبوّة»).

وجه ذلك- على ما قيل-: أنّ زمن الوحي ثلاثة و عشرون سنة، و أوّل ما ابتدئ به صلى اللّه عليه و سلم الرؤيا الصالحة، و كان زمنها ستّة أشهر، و نسبة ذلك إلى سائر المدّة المذكورة جزء من ستة و أربعين جزءا، و لا حرج على أحد في الأخذ بظاهر ذلك.

لكن لم يرد أثر أنّ زمن الرؤيا ستّة أشهر!! مع كون هذا التوجيه لا يظهر في بقية الرّوايات غير هذه الرّواية؟! فإنّ [ه‏] ورد في رواية: «من خمس و أربعين»، و في رواية «من أربعين»، و في رواية «من خمسين» ... إلى غير ذلك، و اختلاف الرّوايات يدلّ على أنّ المراد التكثير؛ لا التحديد.

و لا يبعد أن يحمل اختلاف الأعداد المذكورة على اختلاف أحوال الرّائي في مراتب الصّلاح، و أظهر ما قيل في معنى كون الرؤيا جزءا من أجزاء النّبوّة: أنّها جزء من أجزاء علم النّبوّة، لأنّها يعلم بها بعض الغيوب، و يطلع بها على بعض المغيّبات، و لا شكّ أنّ علم المغيّبات من علم النّبوّة، و لذلك قال الإمام مالك (رضي الله عنه) لما سئل: أ يعبّر الرّؤيا كلّ أحد؟ قال: أ بالنّبوّة يلعب!! ثمّ قال:

الرّؤيا جزء من النّبوّة. و ليس المراد أنّها نبوّة باقية حقيقة.

و يؤيّد ذلك الحديث الّذي رواه أبو هريرة (رضي الله تعالى عنه): «لم يبق من النّبوّة إلّا المبشّرات»، قالوا: و ما المبشّرات؟ قال: «الرّؤيا الصّالحة؛ يراها

343

و قوله [(صلّى اللّه عليه و سلم)‏]: (من رآني في المنام فقد رآني) قال الباجوريّ: أي: من رآني في حال النّوم .. فقد رآني حقّا، أو .. فكأنّما رآني في اليقظة.

فهو على التّشبيه و التّمثيل؛ و ليس المراد رؤية جسمه الشّريف و شخصه المنيف، بل مثاله على التّحقيق.

الرّجل المسلم، أو ترى له». أخرجه البخاريّ.

و التعبير بالمبشّرات للغائب، و إلّا! فقد تكون من المنذرات. و بالجملة: فلا ينبغي أن يتكلّم في تعبير الرّؤيا بغير علم، لما علمت من أنّها جزء من أجزاء النّبوّة.

(و قوله) في الحديث: ( «من رآني في المنام فقد رآني»!! قال:) شيخ الإسلام إبراهيم‏ (الباجوريّ)- (رحمه الله تعالى)؛ في «حاشية الشّمائل»-:

(أي: من رآني في حال النّوم) بأيّ صفة كانت؛ (فقد رآني حقّا)؛ أي: رأى حقيقتي على كمالها؛ لا شبهة و لا ريب فيما رأى، (أو فكأنّما رآني في اليقظة، فهو على التّشبيه و التّمثيل)، لأنّ ما رآه في النّوم مثاليّ، و ما يرى في عالم الحسّ حسّيّ، فهو تشبيه خياليّ بحسيّ.

(و) قال الغزاليّ: (ليس المراد) بقوله: «فقد رآني» (رؤية جسمه الشّريف و شخصه المنيف، بل) رؤية (مثاله) الّذي صار آلة يتأدّى بها المعنى الذي في نفس الأمر إليه، و كذلك قوله: «فسيراني في اليقظة»!! ليس المراد أنّه يرى جسمي و بدني؛ بل المثال.

قال: و الآلة تارة تكون حقيقيّة، و تارة تكون خيالية، و النّفس غير المثال المتخيّل، فما رآه من الشّكل ليس هو روح المصطفى صلى اللّه عليه و سلم؛ و لا شخصه، بل مثال له‏ (على التّحقيق).

قال: و مثل ذلك من يرى اللّه تعالى في المنام، فإنّ ذاته تعالى منزّهة عن الشّكل و الصّورة، و لكن تعريفاته تعالى إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور؛ أو

344

و قوله [(صلّى اللّه عليه و سلم)‏]: (فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي) أي: لا يستطيع ذلك؛ لأنّه سبحانه و تعالى جعله (صلّى اللّه عليه و سلم) محفوظا من الشّيطان في الخارج، فكذلك في المنام، ...

غيره، و يكون ذلك المثال آلة حقّا في كونه واسطة في التعريف، فيقول الرّائي «رأيت اللّه عزّ و جل في المنام» لا يعني أنّي رأيت ذات اللّه؛ كما يقول في حقّ غيره.

و قال الغزاليّ أيضا؛ في بعض فتاويه: من رأى الرّسول صلى اللّه عليه و سلم- يعني: في المنام لم ير حقيقة شخصه المودع روضة المدينة المنوّرة، و إنّما رأى مثاله؛ لا شخصه.

ثمّ قال: و ذلك المثال مثال روحه المقدّسة عن الصّورة و الشّكل. انتهى.

(و قوله: «فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي»)؛ أي: لا يحصل للشّيطان مثال صورتي، و لا يتشبّه بي، (أي: لا يستطيع ذلك، لأنّه سبحانه و تعالى جعله صلى اللّه عليه و سلم محفوظا من الشّيطان في الخارج)؛ أي: في حال اليقظة، (فكذلك في المنام)؛ أي: فكما منعه اللّه أن يتصوّر بصورته في اليقظة منعه ذلك في النّوم؛ لئلّا يشتبه الحقّ بالباطل.

و أورد الشّيخ أكمل الدّين‏ (1) في «شرح المشارق»: إنّ عظمة اللّه تعالى أتمّ من عظمة كلّ عظيم، مع أنّ إبليس تراءى لكثير و خاطبهم بأنّه الحقّ ليضلّهم، فضلّ جمع حتّى ظنّوا أنّهم رأوا الحقّ و سمعوا خطابه.

و أجاب: بأنّ كلّ عاقل يعلم بأنّ الحقّ لا صورة له معيّنة توجب الاشتباه، بخلاف النّبيّ فصورته معيّنة معلومة؛ و بأنّ مقتضى حكمة الحقّ أنّه يضلّ من يشاء، و يهدي من يشاء، بخلاف النّبيّ؛ فإنّه متّصف بالهداية ظاهر بصورتها، و رسالته‏

____________

(1) البابرتي الحنفي.

345

سواء رآه على صفته المعروفة أو غيرها على المنقول المقبول عند ذوي العقول، و إنّما ذلك يختلف باختلاف حال الرّائي، كالمرآة الصّقيلة ينطبع فيها ما يقابلها؛ ...

إنّما هي لذلك؛ لا للإضلال، فلا يكون منه إضلال لأحد البتة، فوجب عصمة صورته من أن يظهر بها شيطان.

و قال القاضي عياض: لم يختلف العلماء في جواز صحّة رؤية اللّه تعالى في النّوم، و إن رؤي على صفة لا تليق بحاله من صفات الأجسام؛ لتحقّق أنّ المرئيّ غير ذات اللّه، إذ لا يجوز عليه التّجسيم؛ و لا اختلاف الحالات، بخلاف النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، فكانت رؤياه تعالى في النّوم من باب التّمثيل و التّخييل.

و قال ابن العربي: رؤيا اللّه في النّوم أوهام و خواطر في القلب؛ لا تليق به الحقيقة، و يتعالى عنها، و هي دلالات للرّائي على أمر كان؛ أو يكون كسائر المرئيّات.

و قال غيره: رؤياه تعالى مناما حقّ و صدق؛ لا كذب فيها في قول و لا فعل.

انتهى «مناوي و زرقاني» (رحمهما الله تعالى).

و رؤياه صلى اللّه عليه و سلم في المنام حقّ، (سواء رآه على صفته المعروفة؛ أو غيرها على المنقول المقبول عند ذوي العقول)، كما هو ظاهر الحديث، و به صرّح النّوويّ، مضعّفا لتقييد الحكيم التّرمذيّ و القاضي عياض و غيرهما بما إذا رآه على صورته المعروفة في حياته، و تبعه عليه بعض المحقّقين.

(و إنّما ذلك يختلف باختلاف حال الرّائي)، فإن كانت رؤيته بصورته الحقيقيّة في وقت ما؛ سواء كان في شبابه، أو رجولته، أو كهولته، أو أواخر عمره؛ لم تحتج لتأويل، و إلّا! احتيجت لتعبير متعلّق بالرّائي، و من ثمّ قيل: من رآه شيخا؛ فهو في غاية سلم، أو شابّا فهو في غاية حرب، أو متبسّما فهو متمسّك بسنّته، أو على حالته و هيئته؛ فهو دليل على صلاح حال الرّائي و كمال وجاهته و ظفره، لأنّه صلى اللّه عليه و سلم‏ (كالمرآة الصّقيلة ينطبع فيها ما يقابلها)، و إن كان ذاتها على أحسن حال؛

346

فقد رآه جمع بأوصاف مختلفة، ...

قاله المناوي (رحمه الله تعالى).

و قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي (رحمه الله تعالى): رؤيته صلى اللّه عليه و سلم بصفته المعلومة الّتي كان عليها إدراك له على الحقيقة، و رؤيته على غير صفته إدراك للمثال، فإنّ الصّواب أنّ الأنبياء لا تغيّرهم الأرض، و يكون إدراك الذّات الكريمة حقيقة، و إدراك الصّفات إدراك المثال؛ لا الحقيقة.

أي: فالأولى لا تحتاج إلى تعبير، و الثّانية تحتاجه.

و للصّوفيّة ما يوافق معنى هذا؛ و إن اختلف اللّفظ، حيث قالوا: هنا ميزان يجب التّنبّه له؛ و هو: أنّ الرّؤيا الصّحيحة أن يرى بصورته الثّابتة بالنّقل الصّحيح، فإن رآه بغيرها كطويل أو قصير؛ أو شيخ؛ أو شديد السّمرة!! لم يكن رآه.

و حصول الجزم في نفس الرّائي بأنّه رآه غير حجّة، بل ذلك المرئيّ صورة الشّرع‏ (1) بالنّسبة لاعتقاد الرّائي، أو حاله، أو صفته، أو حكم من أحكام الإسلام، أو بالنّسبة للمحل الّذي رأى فيه تلك الصّورة. قال القونويّ كابن عربي الحاتمي: و قد جرّبناه فوجدناه لم ينخرم. انتهى «زرقاني».

(و قد) علم من ذلك صحّة أن‏ (يراه جمع)؛ في آن واحد؛ في أقطار متباعدة؛ (بأوصاف مختلفة)، لأنّه صلى اللّه عليه و سلم سراج و نور، و الشّمس في هذا العالم مثال نوره في العوالم كلّها، فكما أنّ الشّمس يراها كلّ إنسان في الشّرق و الغرب في ساعة واحدة؛ و بصفات مختلفة؛ فكذلك هو صلى اللّه عليه و سلم، و الاختلافات إنّما ترجع إلى اختلاف الرّائين؛ لا المرئيّ- كما تقدّم-.

قال أبو سعيد؛ أحمد بن محمّد نصر: من رأى نبيّا على حاله و هيئته فذلك دليل على صلاح حال الرّائي، و كمال جاهه، و ظفره بمن عاداه، و من رآه متغيّر

____________

(1) يفهم هذا مما ذكره في «سعادة الدارين» ص 426. (هامش الأصل).

347

و مثله في ذلك جميع الأنبياء و الملائكة. كما جزم به البغويّ في «شرح السّنّة».

الحال عابسا مثلا؛ فذلك دليل على سوء حال الرّائي.

و قال العارف ابن أبي جمرة (رحمه الله تعالى): من رآه بصورة حسنة؛ فذلك حسن في دين الرّائي، و إن كان في جوارحه شين أو نقص؛ فذلك خلل في الرّائي من جهة الدّين. قال: و هذا هو الحقّ؛ فقد جرّب ذلك فوجد على هذا الأسلوب، و به تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه حتى يتبيّن للرّائي: هل عنده خلل؛ أم لا! لأنّه (عليه الصلاة و السلام) نورانيّ مثل المرآة الصّقيلة؛ ما كان في الناظر إليها من حسن أو غيره تصوّر فيها، و هي في ذاتها على أحسن حال؛ لا نقص فيها، أي: فكذلك النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، هو على صفته الّتي ليس شي‏ء أحسن منها، و التغير إنّما هو في صفة الرّائي، قال: و كذلك يقال في كلامه (عليه الصلاة و السلام) في النّوم: إنّه يعرض على سنّته؛ فما وافقها فهو حقّ، و ما خالفها؛ فالخلل في سمع الرّائي.

فرؤيا الذّات الكريمة حقّ، و الخلل إنّما هو في سمع الرّائي؛ أو بصره. قال:

و هذا خبر ما سمعته في ذلك. انتهى كلام ابن أبي جمرة (رحمه الله تعالى).

(و مثله) صلى اللّه عليه و سلم‏ (في ذلك جميع الأنبياء و الملائكة. كما) ذكره بعض شرّاح «المصابيح» احتمالا، و (جزم به) ركن الدّين محيي السّنّة، أبو محمّد:

الحسين بن مسعود بن محمد؛ المعروف ب «الفرّاء»، (البغويّ) نسبة إلى «بغشور»؛ على غير قياس، و يقال: «بغ»؛ بلدة من بلاد خراسان بين مرو و هراة- الفقيه الشّافعي المحدّث المفسّر، صاحب المصنّفات، المبارك له فيها لقصده الصّالح، المتعبّد النّاسك الرّبّانيّ، المتوفّى ب «مرو» في شوّال سنة:

خمسمائة و ستة عشر هجرية. (رحمه الله تعالى) آمين.

(في) كتاب‏ ( «شرح السّنّة»)، و هو كتاب في الحديث مرتّب على الأبواب الفقهيّة مشتمل على السّنن، و ما هو في حيّزها؛ أو له تعلّق بها.

348

و كذلك حكم القمرين و النّجوم و السّحاب الّذي ينزل فيه الغيث، فلا يتمثّل الشّيطان بشي‏ء منها.

قال مؤلّفه في مقدّمته: هذا كتاب يتضمّن كثيرا من علوم الأحاديث و فوائد الأخبار المرويّة عن النّبي صلى اللّه عليه و سلم؛ من حلّ مشكلها، و تفسير غريبها، و بيان أحكامها، و ما يترتّب عليها من الفقه و اختلاف العلماء، و جمل لا يستغنى عن معرفتها، و هو المرجوع إليه في الأحكام، و لم أودع فيه إلّا ما اعتمده أئمّة السّلف الّذين هم أهل الصّنعة المسلّم لهم الأمر، و ما أودعوه كتبهم، و أمّا ما أعرضوا عنه؛ من المقلوب و الموضوع و المجهول و اتّفقوا على تركه؛ فقد صنت هذا الكتاب عنه ... إلى آخر ما قال. ثمّ بدأ بكتاب الإيمان.

لكن ذكر المحقّقون أنّ ذلك خاصّ به صلى اللّه عليه و سلم، دون غيره من الأنبياء.

و قالوا في حكمة ذلك: إنّه صلى اللّه عليه و سلم و إن ظهر بجميع أسماء الحقّ و صفاته تخلّقا و تحقّقا؛ فإنّ من مقتضى مقامات رسالته و دعوته الخلق إلى الحقّ: أن يكون الأظهر فيه؛ حكما و سلطنة، من صفات الحقّ و أسمائه صفة الهداية، و الاسم الهادي؛ فهو صلى اللّه عليه و سلم صورة الاسم الهادي و مظهر صفة الهداية.

و الشّيطان مظهر اسم المضلّ و الظّاهر بصفة الضّلالة؛ فهما ضدّان، و لا يظهر أحدهما بصفة الآخر، و لو ظهر إبليس بصفته لالتبس على النّاس فضلّوا بما يلقيه إليهم لظنّهم أنّه الرّسول صلى اللّه عليه و سلم، فعصم اللّه صورته من أن يتصوّر بها شيطان. انتهى.

و الحكمة المذكورة تقتضي عمومه في جميع الأنبياء و الملائكة.

قال البغويّ: (و كذلك حكم القمرين): الشّمس و القمر، فهو من باب التّغليب، (و النّجوم) المضيئة، (و السّحاب الّذي ينزل فيه الغيث، فلا يتمثّل الشّيطان بشي‏ء منها). قال:

و رؤية الأنبياء و الملائكة بمكان نصرة لأهله و فرج إن كانوا في كرب. و خصب إن كانوا في جدب. و رؤية الأنبياء شرف في الدّنيا، و رؤية الملائكة شرف فيها

349

و نقل ابن علّان: إنّ الشّيطان لا يتمثّل باللّه تعالى كما لا يتمثّل بالأنبياء، و هذا هو قول الجمهور.

و قال بعضهم: يتمثّل باللّه، فإن قيل: كيف لا يتمثّل بالنّبيّ و يتمثّل باللّه على هذا القول؟

و شهادة في العقبى، لأنّ الأنبياء كانوا يخاطبون النّاس و الملائكة لا تراهم النّاس لأنّهم عند ربهم.

و قال تعالى في الشّهداء فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ‏ [277/ البقرة]. قال: و من رأى المصطفى صلى اللّه عليه و سلم كثيرا في المنام لم يزل خفيف المال مقلّا من الدّنيا من غير حاجة. انتهى.

(و نقل) العلّامة المحقّق المحدّث المفسّر؛ محمد بن علي.

(ابن علّان:)- بفتح العين المهملة، و تشديد اللّام، و آخره نون- ابن إبراهيم بن محمد علّان البكري الصّديقي. حافظ عصره و إمام وقته. فارس التّفسير و جهبذ الحديث، و فخر علماء مكة المكرمة في القديم و الحديث.

ولد في حدود: الثّمانين و تسعمائة هجريّة تقريبا، و مات سنة ثمان و خمسين و ألف هجريّة.

له المؤلّفات النافعة الّتي بلغت أكثر من أربعمائة مؤلّف ما بين مطوّل و مختصر، فهو سيوطيّ زمانه، و دفن بالمعلاة في مقبرة آبائه (رحمه الله تعالى). ترجمه الشيخ.

حسن العجيمي في «خبايا الزوايا».

(إنّ الشّيطان لا يتمثّل باللّه تعالى كما لا يتمثّل بالأنبياء، و هذا) القول‏ (هو قول الجمهور. و قال بعضهم: يتمثّل باللّه) بمعنى أنّه يتراءى للنّاس؛ و يخاطبهم بأنّه الحقّ ليضلّهم.

(فإن قيل:) عظمة الحقّ سبحانه أتمّ من عظمة كلّ عظيم ف (كيف لا يتمثّل) إبليس‏ (بالنّبيّ) صلى اللّه عليه و سلم؛ أي: لا يستطيع أن يظهر بصورة النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، (و يتمثّل) اللّعين‏ (باللّه على هذا القول؛) الّذي قاله بعضهم- بمعنى أنّ الشّيطان تراءى لكثيرين‏

350

أجيب: بأنّ النّبيّ بشر، فلو تمثّل به لالتبس الأمر، و الباري جلّ و علا منزّه عن الجسميّة و العرضيّة؛ فلا يلتبس الأمر بتمثّله به؛ كما في «درّة الفنون في رؤية قرّة العيون».

و لا تختصّ رؤية النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) بالصّالحين، بل تكون لهم و لغيرهم.

و خاطبهم بأنّه الحقّ؛ طلبا لإضلالهم، و قد أضلّ جماعة بمثل هذا حتّى ظنّوا أنّهم رأوا الحقّ و سمعوا خطابه؟!.

(أجيب) عن ذلك‏ (ب) أمرين:

أحدهما: ب (أنّ النّبيّ) صلى اللّه عليه و سلم‏ (بشر) له صورة معيّنة معلومة مشهودة، (فلو تمثّل به لالتبس الأمر) على النّاس فضلوا بما يلقيه لهم، لظنّهم أنّه الرّسول، فعصم اللّه صورته من أن يتصوّر بها شيطان. (و الباري جلّ و علا) كلّ عاقل يعلم أنّه ليست له صورة معيّنة توجب الاشتباه؛ و هو (منزّه عن) صفات المخلوقين؛ ك (الجسميّة و العرضيّة) و اختلاف الحالات، (فلا يلتبس الأمر بتمثّله به).

ثانيهما: أنّ من مقتضى حكمة الحقّ أنّه يضلّ من يشاء و يهدي من يشاء، بخلاف النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم، فإنّه متّصف بالهداية؛ ظاهر بصورتها، و رسالته إنّما هي لذلك؛ لا للإضلال، فلا يكون منه إضلال لأحد البتّة، فوجب عصمة صورته من أن يظهر بها شيطان لبقاء الاعتماد و ظهور حكم الهداية فيمن شاء اللّه تعالى هدايته به، (عليه الصلاة و السلام)، و لو لا ذلك لم يظهر سر قوله تعالى‏ وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) [الشورى‏] و لم تحصل فائدة البعثة؛ (كما في) كتاب‏ ( «درّة الفنون في رؤية قرّة العيون»:) كتاب مختصر في الرّؤية؛ على ستّة فصول، و هو للشّيخ العلّامة المؤرّخ الصّوفي: عبد الرحمن بن علي بن أحمد بن محمد البسطامي؛ زين الدين الأنطاكي الحنفي. ولد بأنطاكية، و تعلم في القاهرة، و سكن بروسة، و توفي بها سنة: ثمان و خمسين و ثمانمائة. (رحمه الله تعالى).

(و لا تختصّ رؤية النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم) في المنام‏ (بالصّالحين؛ بل تكون لهم و لغيرهم)

351

و حكي عن بعض العارفين- كالشّيخ الشّاذليّ و سيّدي عليّ وفا-:

أنّهم رأوه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقظة، و لا مانع من ذلك، فيكشف لهم عنه (صلّى اللّه عليه و سلم) في قبره، فيروه بعين البصيرة، ...

- كما علم مما مر-.

(و حكي)؛ أي: حكى ابن أبي جمرة، و القاضي شرف الدّين البارزي، و عفيف الدين اليافعيّ و غيرهم؛ (عن بعض) الصّالحين‏ (العارفين) باللّه تعالى:

(كالشّيخ) أبي الحسن‏ (الشّاذليّ)- كما حكاه عنه التّاج بن عطاء اللّه السّكندري- (و سيّدي) أبي العباس المرسي، و القطب القسطلاني، و الشّيخ عبد القادر الجيلاني، و سيّدي‏ (علي وفا) بن سيّدي محمد وفاء، و غيرهم:

(أنّهم رأوه صلى اللّه عليه و سلم يقظة)- بفتح القاف-. و ذكر ابن أبي جمرة عن جمع أنّهم حملوا على ذلك رواية «فسيراني في اليقظة». و أنّهم رأوه نوما فرأوه يقظة بعد ذلك، و سألوه عن تشويشهم في أشياء فأخبرهم بوجوه تفريجها، فكان كذلك بلا زيادة و لا نقصان.

(و لا مانع من ذلك) عقلا؛ و لا شرعا؛ و لا عادة، و منكر ذلك إن كان ممن يكذّب بكرامات الأولياء فلا كلام معه، و إلّا! فهذه منها. إذ يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء في العالم العلويّ و السّفليّ.

و جرى على ذلك الغزالي؛ فقال في كتابه «المنقذ من الضّلال»: و هم يعني: أرباب القلوب- في يقظتهم يشاهدون الملائكة و أرواح الأنبياء، و يسمعون منهم أصواتا، و يقتبسون منهم فوائد. انتهى.

(فيكشف لهم)- و هم بأقصى المشرق؛ أو المغرب- (عنه صلى اللّه عليه و سلم) بأن لا يجعل بينهم و بين الذّات الشّريفة و هي‏ (في) محلّها من‏ (قبره) الشّريف ساترا؛ و لا حاجبا، بأن يجعل تلك الحجب كالزّجاج الّذي يحكي ما وراءه.

(فيروه بعين البصيرة)، و هي قوّة القلب المنوّر بنور اليقين؛ ترى حقائق‏

352

و لا أثر للقرب؛ و لا للبعد في ذلك، ...

الأشياء، (و لا أثر للقرب؛ و لا للبعد في ذلك)، و نحن نعلم أنّه صلى اللّه عليه و سلم حيّ في قبره يصلّي، فإذا أكرم الإنسان برؤيته يقظة فلا مانع من أن يكرم بمحادثته و مكالمته و سؤاله عن الأشياء، و إنّه يجيبه عنها.!! و هذا كلّه غير منكر شرعا؛ و لا عقلا.

قال السّيوطي: و أكثر من يقع له ذلك إنّما يقع له قرب موته؛ أو عند الاحتضار، و يكرم اللّه بها من يشاء. انتهى.

و أنكر رؤية النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم في اليقظة؛ أنكرها جماعة؛

منهم العلّامة بدر الدين السّيّد: حسين بن عبد الرّحمن الأهدل، مؤلّف «تحفة الزّمن» (رحمه الله تعالى)، فقال في مسألة الرّؤية له:

إنّ وقوعها للأولياء قد تواترت بأجناسها الأخبار، و صار العلم بذلك قويّا؛ انتفى عنه الشّكّ، و من تواترت عليه أخبارهم لم يبق له فيه شبهة. و لكن يقع لهم ذلك في بعض غيبة و حسّ و غموض طرف لمورود حال؛ لا تكاد تضبطها العبارة، و مراتبهم في الرّؤية متفاوتة. و كثيرا ما يغلط فيها رواتها، فقلّما تجد رواية متّصلة صحيحة عمّن يوثق به.

و أمّا من لا يوثق!! به فقد يكذب، و قد يرى مناما؛ أو في غيبة حسّ فيظنّه يقظة، و قد يرى خيالا أو نورا؛ فيظنّه الرّسول صلى اللّه عليه و سلم، و قد يلبس عليه الشّيطان فيجب التّحرّز في هذا الباب.

و بالجملة: فالقول برؤيته صلى اللّه عليه و سلم بعد موته بعين الرّأس في اليقظة يدرك فساده بأوائل العقول؛ لاستلزامه خروجه من قبره، و مشيه في الأسواق، و مخاطبته للنّاس، و مخاطبتهم له، و خلوّ قبره عن جسده الشّريف؛ فلا يبقى منه فيه شي‏ء، بحيث يزار مجرّد القبر؛ و يسلّم على غائب. انتهى.

و منهم: أبو العباس القرطبيّ في «المفهم» في الرّد على من قال «بأنّ الرّائي له في المنام رؤيا حقيقيّة يراه بعد ذلك في اليقظة». قال: و هذه جهالات لا يقول‏

353

فمن كرامات الأولياء: خرق الحجب لهم، فلا مانع عقلا و لا شرعا أنّ اللّه تعالى يكرم وليّه؛ بأن لا يجعل بينه و بين الذّات الشّريفة ساترا و لا حاجبا).

بشي‏ء منها من له أدنى مسكة من المعقول، و ملتزم شي‏ء من ذلك مختلّ مخبول.

انتهى.

و هذه الإلزامات كلّها ليس شي‏ء منها بلازم، و قد أشار للجواب عنها بقوله:

(فمن كرامات الأولياء: خرق الحجب لهم)؛ يعني: أنّ رؤيته صلى اللّه عليه و سلم يقظة لا تستلزم خروجه من قبره؛ لأنّ من كرامات الأولياء- كما مرّ- أنّ اللّه تعالى يخرق لهم الحجب، (فلا مانع عقلا؛ و لا شرعا)؛ و لا عادة: (أنّ اللّه تعالى يكرم وليّه بأن لا يجعل بينه و بين الذّات الشّريفة ساترا؛ و لا حاجبا) بأن يجعل تلك الحجب كالزّجاج الّذي يحكي ما وراءه، و حينئذ يقع بصره عليه صلى اللّه عليه و سلم. و إذا أكرم الإنسان بوقوع بصره على ذاته الشّريفة؛ فلا مانع أن يكرم بمحادثته و مكالمته، و سؤاله عن أشياء، و أنّه يجيب عنها، و هذا كلّه غير منكر شرعا؛ و لا عقلا.

و ممن أنكرها صاحب «فتح الباري» العلّامة الحافظ؛ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني- (رحمه الله تعالى)- حيث قال:

و هذا مشكل جدّا، و لو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة، و لأمكن بقاء الصّحبة إلى يوم القيامة!!.

و يردّ بأنّ الشّرط في الصّحابي أن يكون رآه في حياته، حتى اختلفوا فيمن رآه بعد موته؛ و قبل دفنه: هل يسمى صحابيا، أم لا؟! على أنّ هذا أمر خارق للعادة، و الأمور التي كذلك لا تغيّر لأجلها القواعد الكلّيّة.

و نوزع أيضا بأنّه لم يحك ذلك عن أحد من الصّحابة، و لا من بعدهم، و بأنّ فاطمة اشتدّ حزنها عليه صلى اللّه عليه و سلم حتّى ماتت كمدا بعده بستّة أشهر، و بيتها مجاور لضريحه الشّريف صلى اللّه عليه و سلم، و لم ينقل عنها رؤيته تلك المدّة!!.

354

..........

و يردّ أيضا: بأنّ عدم نقله لا يدلّ على عدم وقوعه، فلا حجّة في ذلك كما هو ظاهر، و كذلك موت فاطمة كمدا؛ لأنّه قد يكرم المفضول بما لا يكرم به الفاضل.

و تأوّل الأهدل و غيره ما وقع للأولياء من ذلك: بأنّه إنّما هو في حال غيبتهم فيظنّونه يقظة، و فيه إساءة ظنّ بهم حيث يشتبه عليهم رؤية الغيبة برؤية اليقظة، و هذا لا يظنّ بأدون العقلاء فكيف بالأكابر!!.

قاله ابن حجر- (رحمه الله تعالى)-.

و تعقّبه العلّامة علي القاري (رحمه الله تعالى): بأنّ هذا ليس من باب إساءة الظّنّ، بل من باب التّأويل الحسن؛ جمعا بين المنقول و المشاهد المعقول، فإنّه لو حمل على الحقيقة؛ لكان يجب العمل بما سمعوا منه صلى اللّه عليه و سلم من أمر و نهي و إثبات و نفي.

و من المعلوم أنّه لا يجوز ذلك إجماعا، كما لا يجوز بما يقع حال المنام؛ و لو كان الرّائي من أكابر الأنام.

و قد صرح المازريّ: بأنّ من رآه يأمر بقتل من يحرم قتله كان هذا من الصّفات المتخيّلة؛ لا المرئيّة، فيتعيّن أن تحمل هذه الرّؤية أيضا على رؤية عالم المثال؛ أو عالم الأرواح- كما تقدّم تحقيقه عن الإمام حجّة الإسلام الغزالي؛ (رحمه الله تعالى)-.

و بعد حملنا على عالم المثال؛ فيزول الإشكال على كل حال، فإن الأولياء في عالم الدّنيا مع ضيقها قد يحصل لهم أبدان مكتسبة و أجسام متعدّدة، تتعلّق حقيقة أرواحهم بكلّ واحد من الأبدان؛ فيظهر كلّ في خلاف الآخر من الأماكن و الأزمان، و حينئذ لا نقول: بأنّ النّبي صلى اللّه عليه و سلم مضيّق عليه في عالم البرزخ بكونه محصورا في قبره، بل نقول: إنّه يجول في العالم السّفلي و العالم العلوي، فإنّ أرواح الشّهداء- مع أن مرتبتهم دون مرتبة الأنبياء- إذا كانت في أجواف طير خضر تسرح في رياض الجنّة، ثمّ تعود إلى قناديل معلّقة تحت العرش؛ كما هو مقرّر في‏