منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - ج4

- عبد الله بن سعيد محمد العبادي المزيد...
531 /
355

..........

محلّه محرر، مع أنّه لم يقل أحد أنّ قبورهم خالية من أجسادهم؛ و أرواحهم غير متعلّقة بأجسامهم، لا يسمعوا سلام من يسلّم عليهم.

و كذا ورد أنّ الأنبياء يلبّون و يحجّون، فنبينا صلى اللّه عليه و سلم أولى بهذه الكرامات، و أمّته مكرّمة بحصول خوارق العادات، فيتعيّن تأويل الأهدل و غيره، فتأمّل.

و من جملة تأويلاته قوله في قول العارف أبي العبّاس المرسي «لو حجب عني رسول اللّه طرفة عين ما عددت نفسي مسلما» بأنّ هذا فيه تجوّز؛ أي: لو حجب عنّي حجاب غفلة، و لم يرد أنّه لم يحجب عن الرّوح الشّخصيّة طرفة عين؛ فذلك مستحيل!! أي: عرفا و عادة، إذ لا يعرف استمرار خرق العادة أصلا؛ لا شرعا؛ و لا عقلا. فاندفع قول ابن حجر «لا استحالة فيه بوجه أصلا». انتهى كلام ملّا علي قاري؛ في «جمع الوسائل».

و في «الفتاوي الحديثيّة» للإمام ابن حجر الهيتمي (رحمه الله تعالى)؛ عن «المدخل» لابن الحاجّ المالكي: رؤيته صلى اللّه عليه و سلم في اليقظة باب ضيّق؛ قل من يقع له ذلك إلّا من كان على صفة عزيز وجودها في هذا الزّمان، بل عدمت غالبا، مع أنّنا لا ننكر من يقع له هذا من الأكابر الّذين حفظهم اللّه تعالى في ظواهرهم و بواطنهم، قال:

و قد أنكر بعض علماء الظّاهر ذلك، محتجّا بأنّ العين الفانية لا ترى العين الباقية، و هو صلى اللّه عليه و سلم في دار البقاء؛ و الرّائي في دار الفناء!!

و ردّ بأنّ المؤمن إذا مات يرى اللّه، و هو سبحانه لا يموت، و الواحد منهم يموت في كلّ يوم سبعين مرّة!! و أشار البيهقي إلى ردّه بأنّ نبيّنا صلى اللّه عليه و سلم رأى جماعة من الأنبياء ليلة المعراج.

قال البارزي: و قد سمع من جماعة من الأولياء في زماننا و قبله أنّهم رأوا النّبي صلى اللّه عليه و سلم يقظة؛ حيّا بعد وفاته!! قال ابن حجر (رحمه الله تعالى): و الحكايات في ذلك عن أولياء اللّه تعالى كثيرة جدّا، و لا ينكر ذلك إلّا معاند أو محروم، و علم ممّا

356

..........

مرّ عن ابن العربي أنّ أكثر ما تقع رؤيته صلى اللّه عليه و سلم بالقلب، ثمّ بالبصر، لكنّها به ليست كالرّؤية المتعارفة، و إنّما هو جمعيّة لحالية و حالة برزخيّة، و أمر وجدانيّ، فلا يدرك حقيقته إلّا من باشره؛ كذا قيل.

و يحتمل أنّ المراد الرّؤية المتعارفة؛ بأن يرى ذاته صلى اللّه عليه و سلم طائفة في العالم، أو تكشف الحجب بينه و بين النّبي صلى اللّه عليه و سلم؛ و هو في قبره، فينظره حيّا فيه رؤية حقيقيّة، إذ لا استحالة، لكن الغالب أنّ الرّؤية إنّما هي لمثاله؛ لا لذاته، و عليه يحمل قول الغزالي «ليس المراد أن يرى جسمه و بدنه، بل مثالا له صار ذلك المثل آلة يتأدّى بها المعنى الّذي في نفسه ...» إلى آخر ما تقدّم.

قال ابن حجر: ثمّ رأيت ابن العربي صرّح بما ذكرته من أنّه لا يمتنع رؤية ذات النّبي صلى اللّه عليه و سلم بروحه و جسده؛ لأنّه و سائر الأنبياء أحياء ردّت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا، و أذن لهم في الخروج من قبورهم، و التصرّف في الملكوت العلويّ و السّفلي!! و لا مانع من أن يراه كثيرون في وقت واحد؛ لأنّه كالشّمس.

و إذا كان القطب يملأ الكون- كما قاله التّاج ابن عطاء اللّه- (رحمه الله تعالى)- فما بالك بالنّبي صلى اللّه عليه و سلم!!! و لا يلزم من ذلك أنّ الرّائي صحابي؛ لأنّ شرط الصّحبة الرّؤية في عالم الملك، و هذه رؤية؛ و هو في عالم الملكوت، و هي لا تفيد صحبة، و إلّا! لثبتت لجميع أمّته لأنّهم عرضوا عليه في ذلك العالم؛ فرآهم و رأوه، كما جاءت به الأحاديث. انتهى كلام ابن حجر مقتطفا.

و قال العفيف اليافعي في «روض الرّياحين»: أخبرني بعضهم أنّه يرى حول الكعبة الملائكة و الأنبياء و أكثر ما يراهم ليلة الجمعة، و ليلة الاثنين، و ليلة الخميس. و عدّ لي جماعة كثيرة من الأنبياء، و ذكر أنّه يرى كلّ واحد منهم في موضع معيّن؛ يجلس فيه حول الكعبة، و يجلس معه أتباعه من أهله و قرابته و أصحابه.

و ذكر أنّ نبينا صلى اللّه عليه و سلم يجتمع عليه من أولياء اللّه تعالى خلق لا يحصي عددهم إلّا اللّه‏

357

..........

تعالى، و لم تجتمع على سائر الأنبياء.

و ذكر أنّ إبراهيم و أولاده يجلسون بقرب الكعبة بحذاء مقامه المعروف، و موسى و جماعة من الأنبياء بين الرّكنين اليمانيّين، و عيسى و جماعة معه في جهة الحجر، و رأى نبيّنا صلى اللّه عليه و سلم جالسا عند الرّكن اليماني مع أهل بيته و أصحابه و أولياء أمّته. انتهى.

و حكي عن بعض الأولياء أنّه حضر مجلس فقيه، فروى ذلك الفقيه؛ حديثا، فقال له الولي: هذا باطل. فقال الفقيه: من أين لك هذا!؟ فقال: هذا النّبي صلى اللّه عليه و سلم واقف على رأسك؛ يقول: «إنّي لم أقل هذا الحديث». و كشف للفقيه فرآه.

انتهى.

و قد ألّف الإمام الحافظ جلال الدّين السّيوطي (رحمه الله تعالى) رسالة سمّاها «تنوير الحلك في رؤية النّبي و الملك» قال فيها- زيادة على ما تقدّم؛ ما ملخصه-: و في بعض المجاميع أنّ سيدي أحمد الرّفاعي (رحمه الله تعالى) لما وقف تجاه الحجرة النّبويّة الشّريفة أنشد:

في حالة البعد روحي كنت أرسلها * * * تقبّل الأرض عنّي و هي نائبتي‏

و هذه دولة الأشباح قد حضرت‏ * * * فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي‏

فخرجت اليد الشّريفة من القبر فقبّلها؛ قال: و زاد بعض من روى هذه الحكاية و رآها كلّ من حضر-؛ قال: و لا تمتنع رؤية ذاته الشّريفة بجسده و روحه؛ و ذلك لأنّه صلى اللّه عليه و سلم و سائر الأنبياء أحياء؛ ردّت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا، و أذن لهم في الخروج من القبور، و التصرّف في الملكوت العلوي و السّفلي.

و قد ألّف البيهقي جزءا في «حياة الأنبياء» (1)؛ و قال في «دلائل النّبوّة»:

الأنبياء أحياء عند ربّهم كالشّهداء. و قال الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن‏

____________

(1) مطبوع.

358

..........

طاهر البغدادي: المتكلّمون المحقّقون من أصحابنا على أنّ نبيّنا صلى اللّه عليه و سلم حيّ بعد وفاته، و أنّه يسرّ بطاعة أمّته، و يحزن بمعاصي العصاة منهم؛ و أنّه تبلغه صلاة من يصلّي عليه من أمّته، و قال: الأنبياء لا يبلون، و لا تأكل الأرض منهم شيئا؛ و قد مات موسى في زمانه، و أخبر نبيّنا صلى اللّه عليه و سلم أنّه رآه في السّماء الرّابعة، و رأى آدم و إبراهيم!! و إذا صحّ لنا هذا الأصل؛ قلنا: نبينا قد صار حيّا بعد وفاته، و هو على نبوّته. انتهى.

و قال القرطبيّ في «التّذكرة» في حديث الصّعقة؛ نقلا عن شيخه: «الموت ليس بعدم محض، و إنّما هو انتقال من حال إلى حال».

و يدلّ على ذلك أنّ الشّهداء بعد قتلهم و موتهم أحياء يرزقون، فرحين مستبشرين، و هذه صفة الأحياء في الدّنيا، و إذا كان هذا في الشّهداء؛ فالأنبياء أحقّ بذلك و أولى!!.

و قد صحّ أنّ الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، و أنّه صلى اللّه عليه و سلم اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس؛ و في السماء، و رأى موسى قائما يصلّي في قبره!.

و أخبر صلى اللّه عليه و سلم أنّه يردّ السّلام على كلّ من يسلم عليه ... إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأنّ موت الأنبياء إنّما هو راجع إلى أنهم غيّبوا عنّا بحيث لا ندركهم؛ و إن كانوا موجودين أحياء، و كذلك الحياة في الملائكة، فإنّهم موجودون أحياء، و لا يراهم أحد إلّا من خصّه اللّه تعالى بكرامة. انتهى.

و أخرج أبو يعلى في «مسنده»، و البيهقي في كتاب «حياة الأنبياء»؛ عن أنس أنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلّون».

و أخرج البيهقي؛ عن أنس أنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إنّ الأنبياء لا يتركون بعد أربعين ليلة، و لكنّهم يصلّون بين يدي اللّه تعالى حتّى ينفخ في الصّور».

و روى سفيان الثّوري في «الجامع» قال: قال شيخ لنا: عن سعيد بن المسيب قال: ما مكث نبيّ في قبره أكثر من أربعين ليلة حتّى يرفع.

359

..........

قال البيهقي: فعلى هذا يصيرون كسائر الأحياء يكونون حيث ينزلهم اللّه تعالى.

و روى عبد الرّزّاق في «مصنفه»؛ عن الثّوري؛ عن أبي المقدام؛ عن سعيد بن المسيب قال: ما مكث نبيّ في الأرض أكثر من أربعين يوما.

و أبو المقدام: هو ثابت بن هرمز الكوفي؛ شيخ صالح.

و أخرج ابن حبّان في «تاريخه»، و الطّبراني في «الكبير»، و أبو نعيم في «الحلية»؛ عن أنس قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «ما من نبيّ يموت و يقيم في قبره إلّا أربعين صباحا».

و قال إمام الحرمين في «النّهاية»؛ ثمّ الرّافعي في «الشرح»:

روي أنّ النّبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «أنا أكرم على ربّي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث».

زاد إمام الحرمين: «أكثر من يومين».

و زاد أبو الحسن الزّاغوني الحنبلي؛ في بعض تصانيفه حديث: «إنّ اللّه تعالى لا يترك نبيّا في قبره أكثر من نصف يوم». و قال الإمام بدر الدين بن الصّاحب في «تذكرته»؛ فصل في حياته صلى اللّه عليه و سلم بعد موته في البرزخ: و قد دلّ على ذلك تصريح المشايخ و إيماؤهم. و من القرآن قوله تعالى‏ وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‏ (169) [آل عمران‏]. فهذه الحالة؛ و هي الحياة في البرزخ بعد الموت حاصلة لآحاد الموتى من الشّهداء، و حالهم أعلى و أفضل ممّن لم تكن لهم هذه المرتبة؛ لا سيّما في البرزخ.

و لا تكون رتبة أحد من الأمّة أعلى من مرتبة النّبي صلى اللّه عليه و سلم، بل إنّما حصلت لهم هذه الرّتبة بتزكيته و تبعيّته. و أيضا فإنّما استحقّوا هذه الرّتبة بالشّهادة، و الشّهادة حاصلة للنّبي صلى اللّه عليه و سلم على أتمّ الوجوه.

360

..........

و قال (عليه الصلاة و السلام): «مررت على موسى (عليه الصلاة و السلام) ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر؛ و هو قائم يصلّي في قبره». و هذا صحيح‏ (1) في إثبات الحياة لموسى؛ فإنّه وصفه بالصّلاة، و أنّه كان قائما، و مثل هذا لا توصف به الرّوح، و إنّما يوصف به الجسد. و في تخصيصه بالقبر، فإنّ أحدا لم يقل: أرواح الأنبياء مسجونة في القبر مع الأجساد، و أرواح الشّهداء و المؤمنين في الجنّة.

و في حديث ابن عبّاس: سرنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بين مكّة و المدينة، فمررنا بواد؛ فقال: «أيّ واد هذا؟». فقلنا: وادي الأزرق، فقال: «كأنّي أنظر إلى موسى واضعا إصبعيه في أذنيه، له جؤار إلى اللّه تعالى بالتّلبية، مارّا بهذا الوادي». ثمّ سرنا حتّى أتينا على ثنيّة؛ فقال: «كأنّي أنظر إلى يونس على ناقة حمراء؛ عليه جبّة صوف، مارّا بهذا الوادي ملبّيا!!».

و سئل هنا: كيف ذكر حجّهم و تلبيتهم، و هم أموات، و هم في الأخرى، و ليست دار عمل؟!.

فأجيب بأن الشّهداء أحياء عند ربهم يرزقون، فلا يبعد أن يحجّوا و يصلّوا و يتقرّبوا بما استطاعوا، و أنّهم؛ و إن كانوا في الأخرى؛ فإنّهم في هذه الدّنيا الّتي هي دار العمل، حتّى إذا فنيت و أعقبتها الأخرى الّتي هي دار الجزاء انقطع العمل، هذا لفظ القاضي عياض؛ (رحمه الله تعالى).

فإذا كان القاضي عياض يقول: إنّهم يحجّون بأجسادهم؛ و يفارقون قبورهم، فكيف يستنكر مفارقة النّبي صلى اللّه عليه و سلم لقبره!! فإنّ النّبي صلى اللّه عليه و سلم إذا كان حاجّا، و إذا كان مصلّيا بجسده في السّماء؛ فليس مدفونا في القبر.

قال الإمام الحافظ السّيوطي- (رحمه الله تعالى)-:

فحصل من مجموع هذه النّقول و الأحاديث: أنّ النّبي صلى اللّه عليه و سلم حيّ بجسده و روحه،

____________

(1) لعلها: صريح!.

361

..........

و أنّه يتصرّف و يسير حيث شاء في أقطار الأرض في الملكوت، و هو بهيئته الّتي كان عليها قبل وفاته؛ لم يتبدّل منه شي‏ء، و أنّه مغيّب عن الأبصار؛ كما غيّبت الملائكة، مع كونهم أحياء بأجسادهم، فإذا أراد اللّه رفع الحجاب عمّن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته الّتي هو عليها؛ لا مانع من ذلك، و لا داعي إلى التّخصيص برؤية المثال. انتهى كلام السّيوطي في كتاب «تنوير الحلك» ملخّصا.

قال المصنّف الشّيخ يوسف النّبهاني (رحمه الله تعالى): و قد رأيت رسالة في حجم كرّاسة منسوبة للشّيخ نور الدّين علي الحلبي؛ سمّاها «تعريف أهل الإسلام و الإيمان بأنّ محمّدا صلى اللّه عليه و سلم لا يخلو منه مكان و لا زمان».

فممّا قاله فيها؛ بعد نقل كثير من كلام السّيوطي:

قلت: و أمّا كلامنا و الّذي نقوله- إن شاء اللّه تعالى-: إنّ الأمر كما قاله الجلال السّيوطي، و أخصّ من ذلك أنّ الّذي أراه أنّ جسده الشّريف لا يخلو منه زمان؛ و لا مكان، و لا محل، و لا إمكان، و لا عرش؛ و لا لوح، و لا كرسي؛ و لا قلم، و لا بحر؛ و لا بر، و لا سهل؛ و لا وعر، و لا برزخ؛ و لا قبر، كما أشرنا إليه أيضا. و أنّه امتلأ الكون الأعلى به كامتلاء الكون الأسفل به، و كامتلاء قبره به، فتجده مقيما في قبره؛ طائفا حول البيت؛ قائما بين يدي ربه لأداء الخدمة؛ تامّ الانبساط بإقامته في درجة الوسيلة.

أ لا ترى أنّ الرّائين له يقظة؛ أو مناما في أقصى المغرب يوافقون في ذلك الرّائين له كذلك في تلك السّاعة بعينها في أقصى المشرق!!؟ فمتى كان كذلك مناما كان في عالم الخيال و المثال، و متى كان يقظة كان بصفتي الجمال و الإجلال، و على غاية الكمال، كما قال القائل:

ليس على اللّه بمستنكر * * * أن يجمع العالم في واحد

و أطال في ذلك بذكر الأدلّة. فراجعه في تلك الرّسالة، فهي بكمالها قد تضمّنها كتاب «جواهر البحار في فضائل النّبيّ المختار» للمصنّف الشّيخ يوسف النّبهاني‏

362

... انتهى.

و قد بسطت الكلام على رؤية النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) في كتابي «أفضل الصّلوات على سيّد السّادات» فمن شاء الزّيادة فليرجع إليه.

(رحمه الله تعالى) آمين. (انتهى). أي: كلام الباجوريّ (رحمه الله تعالى) ملخّصا.

(و قد بسطت الكلام على رؤية النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم) يقظة و مناما (في كتابي): «سعادة الدّارين في الصلاة على سيّد الكونين»، و في كتابي‏ ( «أفضل الصّلوات على سيّد السّادات») في موضعين منه:

الأوّل: قبيل الفصل الخامس. و الثّاني: في الكلام على الصّلاة السّادسة و الأربعين؛ في ترجمة الشّيخ أبي المواهب الشّاذليّ (رحمه الله تعالى).

(فمن شاء الزّيادة) على ما هنا؛ (فليرجع إليه)، أي: إلى كتاب «أفضل الصّلوات»، و كذلك «سعادة الدّارين»؛ فإنّه أتى فيها بما يشفي العليل، و يروي الغليل، و استوعب نقول العلماء في ذلك بما لم يوجد قبله مجموعا في كتاب، فجزاه اللّه خير الجزاء، و رحمه رحمة الأبرار. آمين.

363

[الخاتمة]

الخاتمة تشتمل على سبعين حديثا، أكثرها صحاح و حسان من أدعيته (صلّى اللّه عليه و سلم).

(الخاتمة)، و هي- لغة-: آخر شي‏ء، و- اصطلاحا-: اسم لألفاظ مخصوصة، دالّة على معان مخصوصة، جعلت آخر كتاب أو باب، (تشتمل)؛ أي: تحتوي‏ (على سبعين)- بتقديم السّين على الموحّدة- (حديثا).

الحديث- لغة-: ضدّ القديم، و- اصطلاحا-: ما أضيف إلى النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم من قول؛ أو فعل؛ أو تقرير؛ أو وصف خلقيّ.

(أكثرها) أحاديث‏ (صحاح): جمع صحيح؛ ككريم و كرام.

و الحديث الصّحيح هو: ما اتّصل سنده بنقل العدل الضّابط ضبطا تامّا؛ عن العدل الضّابط ضبطا تامّا ... و هكذا إلى منتهاه؛ من غير شذوذ، و لا علّة قادحة.

(و حسان): جمع حسن؛ كجبل و جبال.

و الحديث الحسن هو: ما اتّصل سنده بنقل العدل الضّابط؛ عن العدل الضّابط إلى منتهاه، من غير شذوذ؛ و لا علّة قادحة. فهو على هذا مساو للصّحيح في شروطه، إلّا في الحفظ و الضّبط، فإنّ رجال الصّحيح في غاية الحفظ و الضّبط؛ و إن كان رجال الحسن يشترط فيهم الحفظ و الضّبط، و لكن دون ضبط رجال الصحيح.

(من أدعيته صلى اللّه عليه و سلم)، و هذه الخاتمة مشرع الظمان إلى موارد الكرم العذبة، و مفزع الحيران إذا ألمت به الضّائقة و حصرته الكربة، فبالدّعاء يتوسّل إلى اللّه تعالى في مطالب الدّنيا و الآخرة، و يتوصّل إلى النّعم الوافية و الخيرات الوافرة، كيف لا؛ و قد أمرنا الرّبّ العظيم بالدّعاء و الإنابة!! و وعدنا؛ و هو الوافي الكريم بالقبول‏

364

..........

و الإجابة!! و ترادفت بفضله الأخبار الصّحيحة، و جاءت بشرفه الآثار الصّريحة؛ على ما ستقف على ذلك إن شاء اللّه تعالى واضحا، و تعوّل عليه مقيما و ظاعنا؛ و غاديا و رائحا، فلازمه في سائر أحوالك، و تعاهده في بكرك و آصالك، فستجني منه إن شاء اللّه تعالى ثمار غرسك، و تجد حلاوة ذلك في قلبك، و أنسه في نفسك. تقبّل اللّه منّا و منك؛ و فينا و فيك صالح الدّعوات، و جعلنا و إيّاك ممن اعتمد على كرمه و منّته في الحركات و السّكنات، و وفّقنا للتّضرّع و السّكون إلى فضله، و عاملنا بما هو من أهله؛ لا ما نحن من أهله. آمين.

و اعلم- رحمك اللّه تعالى- أنّه عندنا معاشر أهل السّنّة:

أنّ الدّعاء ينفع الأحياء و الأموات؛ إن دعوت لهم، و يضرّهم إن دعوت عليهم؛ و إن صدر من كافر- على الرّاجح- لحديث أنس (رضي الله تعالى عنه):

«دعوة المظلوم مستجابة؛ و لو كافرا».

و أمّا قوله تعالى‏ وَ ما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (50) [غافر]. فمعناه أنّه لا يستجاب لهم في خصوص الدّعاء بتخفيف عذاب جهنّم عنهم يوم القيامة.

و روى الحاكم- و صحّحه- أنّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «لا يغني حذر من قدر، و الدّعاء ينفع ممّا نزل؛ و ممّا لم ينزل، و إنّ البلاء لينزل و يتلقّاه الدّعاء فيتعالجان إلى يوم القيامة».

و الدّعاء ينفع في القضاء المبرم و القضاء المعلق.

أمّا الثّاني: فلا استحالة في رفع ما علّق رفعه منه على الدّعاء، و لا في نزول ما علّق نزوله منه على الدّعاء.

و أمّا الأوّل: فالدّعاء؛ و إن لم يرفعه؛ لكنّ اللّه تعالى ينزل لطفه بالدّاعي، كما إذا قضى عليه قضاء مبرما؛ بأنّه ينزل عليه صخرة، فإذا دعا اللّه تعالى حصل له اللّطف؛ بأن تصير الصّخرة متفتّتة كالرّمل و تنزل عليه.

365

..........

و انقسام القضاء؛ إلى مبرم و معلّق!! ظاهر بحسب اللّوح المحفوظ. و أمّا بحسب العلم!! فجميع الأشياء مبرمة، لأنّه إن علم اللّه حصول المعلّق عليه حصل المعلّق؛ و لا بدّ. و إن علم اللّه عدم حصوله لم يحصل؛ و لا بدّ. لكن لا يترك الشّخص الدّعاء اتّكالا على ذلك، كما لا يترك الأكل اتّكالا على إبرام اللّه الأمر في الشّبع.

و اعلم: أنّ للدّعاء شروطا و آدابا؛

فمن شروطه: 1- أكل الحلال، و 2- أن يدعو؛ و هو موقن بالإجابة، و 3- أن لا يكون قلبه غافلا، و 4- أن لا يدعو بما فيه إثم؛ أو قطيعة رحم؛ أو إضاعة حقوق المسلمين، و 5- أن لا يدعو بمحال؛ و لو عادة، لأنّ الدّعاء به يشبه التّحكّم على القدرة القاضية بدوامها، و ذلك إساءة أدب على اللّه تعالى.

و من آدابه: 1- أن يتخيّر الأوقات الفاضلة؛ كأن يدعو في السّجود، و عند الأذان و الإقامة، و منها: 2- تقديم الوضوء؛ و الصّلاة، و 3- استقبال القبلة، و 4- رفع الأيدي إلى جهة السّماء، و 5- تقديم التّوبة، و 6- الاعتراف بالذّنب، و 7- الإخلاص، و 8- افتتاحه بالحمد، و 9- الصّلاة على النّبي صلى اللّه عليه و سلم، و 10- ختمه بها، و 11- جعلها في وسطه أيضا.

قال ابن عطاء اللّه السّكندري: و اعلم أنّ للدّعاء أركانا و أجنحة و أسبابا و أوقاتا.

قال: فإن وافق أركانه: قوي، و إن وافق أجنحته: طار في السّماوات، و إن وافق مواقيته: فاز، و إن وافق أسبابه: نجح.

فأركانه: 1- حضور القلب، و 2- الرّقة، و 3- الاستكانة، و 4- الخشوع، و 5- تعلّق القلب باللّه، و 6- قطعه من الأسباب.

و أجنحته: الصّدق. و مواقيته: الأسحار، و أسبابه: الصّلاة على النّبي صلى اللّه عليه و سلم.

انتهى.

366

و قد ذكرت في الخطبة أنّها خمسون، و ظهرت لي الزّيادة بعد فزدتها، و ذكرت أسماء مخرّجيها برمز «الجامع الصّغير»؛ لأنّ أكثرها موجودة فيه، و في «كتاب المصابيح».

و قد قسمتها قسمين:

و اعلم أنّ الإجابة: تتنوّع؛ 1- فتارة يقع المطلوب بعينه على الفور، و 2- تارة يقع؛ و لكن يتأخّر لحكمة فيه، و 3- تارة تقع الإجابة بغير المطلوب؛ حيث لا يكون في المطلوب مصلحة ناجزة؛ و في ذلك الغير أصلح منها.

على أنّ الإجابة مقيّدة بالمشيئة، كما يدلّ عليه قوله تعالى، فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ [41/ الأنعام‏] فهو مقيّد لإطلاق الآيتين الأخريين، و هما قوله تعالى‏ وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏ [60/ غافر] و قوله تعالى‏ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ‏ [186/ البقرة]. فالمعنى: ادعوني أستجب لكم إن شئت، و أجيب دعوة الدّاع إن شئت، و اللّه أعلم.

(و قد ذكرت في الخطبة) المتقدّمة في أوّل هذا الكتاب‏ (أنّها خمسون) حديثا، (و ظهرت لي الزّيادة بعد)- بالبناء على الضمّ؛ لنيّة معنى المضاف-؛ أي: بعد ذلك، (فزدتها) إلى أن بلغت سبعين حديثا، (و ذكرت أسماء مخرّجيها)؛ أي: رواتها، مرموزا لهم‏ (برمز: «الجامع الصّغير»)؛ أي:

إشاراته الدّالة على رواة الحديث من أهل الأثر، فإنّ الرّمز: الإشارة بعين أو حاجب أو غيرها، و أصله التّحرّك، ثمّ توسّع فيه المصنّف؛ فاستعمله في الإشارة بالحروف الّتي اصطلح عليها في العزو إلى المخرجين؛ تبعا لغيره.

و إنّما اختار رموز «الجامع الصّغير»!! (لأنّ أكثرها) أي: هذه الأحاديث السبعين‏ (موجودة فيه)؛ أي: في «الجامع الصغير» (و) موجودة (في كتاب «المصابيح») للإمام محيي السّنّة البغويّ- (رحمه الله تعالى)-.

(و قد قسمتها قسمين)؛ أي: رتّبتها على قسمين:

367

الأوّل: استعاذات. و الثّاني: دعوات. معتبرا أوّل الحديث:

إن كان استعاذة .. جعلته في القسم الأوّل، و إن كان دعاء ..

جعلته في القسم الثّاني، ...

القسم‏ (الأوّل: استعاذات) جمع «استعاذة»، و هي مصدر «استعاذ»، بزيادة السّين و التّاء اللّتين هما للطّلب؛ و الاستعاذة؛ و التعوّذ، و ما تصرّف منها كلّها معناها واحد: و هو الالتجاء و الاعتصام.

(و) القسم‏ (الثّاني: دعوات)- بفتح الدّال، و العين، المهملتين- جمع دعوة- بفتح أوّله-: مصدر يراد به الدّعاء، و هو هنا السّؤال، يقال: دعوت اللّه، أي: سألته.

و في «شرح الأسماء الحسنى» للقشيري ما ملخّصه:

الدّعاء جاء في القرآن على وجوه:

1- منها العبادة؛ نحو وَ لا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَ لا يَضُرُّكَ‏ [106/ يونس‏].

و 2- منها الاستعانة؛ نحو وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ‏ [23/ البقرة].

و 3- منها السّؤال؛ نحو ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏ [60/ غافر].

و 4- منها القول؛ نحو دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَ‏ [10/ يونس‏].

و 5- منها النّداء؛ نحو يَوْمَ يَدْعُوكُمْ‏ [52/ الإسراء].

و 6- منها الثّناء؛ نحو قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ‏ [110/ الإسراء]. انتهى.

(معتبرا)؛ أي: مراعيا في كونها دعوة؛ أو استعاذة (أوّل الحديث)، أي:

الحرف الأول منه.

(إن كان) أوّل الحديث‏ (استعاذة؛ جعلته في القسم الأوّل)، أي: قسم الاستعاذات؛ و لو كان مشتملا على دعاء بعد الاستعاذة، فإنّ الاعتبار إنّما هو بأوّل الحديث.

(و إن كان) أوّل الحديث‏ (دعاء؛ جعلته في القسم الثّاني) أي: قسم الدّعوات.

368

و افتتحتها بالدّعوات القرآنيّة؛ لأنّها كلام اللّه تعالى.

و تقدّم أنّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان خلقه القرآن، ...

(و افتتحتها) أي: هذه الأدعية؛ أي: ابتدأتها (بالدّعوات القرآنيّة)؛ أي:

الأدعية الّتي في القرآن، (لأنّها كلام اللّه تعالى).

و «القرآن»: يطلق على كلّ من النّفسي و اللّفظي؛ و الأكثر إطلاقه على اللّفظي.

و أمّا «كلام اللّه تعالى» فيطلق أيضا على كلّ من اللّفظي و النّفسي؛ و الأكثر إطلاقه على النّفسي، بمعنى أنّه صفة قديمة قائمة بذاته تعالى.

و إطلاقه على اللّفظي؛ بمعنى أنّه ليس لأحد في تركيبه كسب. و على الإطلاق اللّفظي يحمل قول السّيّدة عائشة «ما بين دفّتي المصحف كلام اللّه تعالى».

و إطلاق «كلام اللّه» عليهما!! قيل: بالاشتراك، و قيل: حقيقيّ في النّفسي، مجاز في اللّفظي‏ (1)، و على كلّ؛ من أنكر أنّ ما بين دفّتي المصحف كلام اللّه تعالى فقد كفر. إلّا أنّ يريد أنّه ليس هو الصّفة القائمة بذاته تعالى؛ و مع كون اللّفظ الّذي نقرؤه حادثا لا يجوز أن يقال «القرآن حادث» إلّا في مقام التّعليم، لأنّه يطلق على الصّفة القائمة بذاته تعالى أيضا مجازا- على الرّاجح- (2)، فربّما يتوهّم من إطلاق أنّ القرآن حادث أنّ الصّفة القائمة بذاته حادثة، و لذلك ضرب الإمام أحمد ابن حنبل؛ و حبس على أن يقول بخلق القرآن فلم يرض؛ قاله الباجوري، (رحمه الله تعالى).

(و تقدّم) في الباب الخامس‏ (أنّه صلى اللّه عليه و سلم كان خلقه)- بضمتين- (القرآن) يرضى لرضاه و يغضب لغضبه.

____________

(1) فيه نظر، لأن الحقيقة و المجاز لا يجتمعان، و المجاز هنا لا يصحّ نفيه. و لا يقال بعموم المجاز!!.

و التحقيق هاهنا أن يقال: إن «كلام اللّه تعالى» اسم مشترك بين الكلام النفسي القديم، و بين اللفظي الحادث المؤلف من الآيات و السور. فتنبه (عبد الجليل).

(2) و قيل: الراجح خلافه. فتنبه (عبد الجليل).

369

و هي خارجة عن العدد المذكور.

رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ [البقرة: 127].

رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ...

رواه الإمام أحمد، و مسلم، و أبو داود؛ عن عائشة (رضي الله تعالى عنها).

قال البيضاوي: أي: خلقه كان جميع ما حصل في القرآن، فإنّ كلّ ما استحسنه و أثنى عليه و دعا إليه قد تحلّى به صلى اللّه عليه و سلم؛ و كلّ ما استهجنه و نهى عنه تجنّبه و تخلّى عنه، فكأنّ القرآن بيان خلقه. انتهى.

(و هي)، أي: الدّعوات القرآنية (خارجة)؛ أي: زائدة (عن العدد المذكور)؛ أي: غير داخلة في حساب السّبعين حديثا.

* قال اللّه سبحانه و تعالى في سورة البقرة (رَبَّنا)؛ أي: يا ربنا (تَقَبَّلْ مِنَّا) ما عملنا لك، و تقبّل طاعتنا إياك و عبادتنا لك‏ (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ‏) لدعائنا (الْعَلِيمُ‏) بنيّاتنا، و هذا و إن كان واردا في بناء إبراهيم الكعبة؛ لكنّه يطلب الإتيان به بعد كلّ عمل صالح يفعله المسلم.

قال الإمام النوويّ في «الأذكار»: يستحبّ لمن دفع زكاة، أو صدقة، أو نذرا، أو كفارة أو نحو ذلك، أن يقول‏ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ (127) [البقرة]. فقد أخبر اللّه سبحانه و تعالى بذلك عن إبراهيم و إسماعيل صلّى اللّه عليهما و سلم، و عن امرأة عمران. انتهى.

* و قال تعالى في سورة البقرة أيضا (رَبَّنا) يا ربنا (آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً) نعمة؛ كالعافية، و الزّوجة الحسنة، و الدّار الواسعة، و غير ذلك مما يعين على الدّار الآخرة؛ فكلّ أمر في الدّنيا يوافق الطّبع و يعين على الدّار الآخرة فهو من حسنات الدنيا (وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) هي الجنّة؛ أي: دخولها بسلام، بحيث يموت على الإسلام، و لا يلحقه حساب و لا عذاب، و يرى وجه اللّه الكريم. و هذا أحسن ما فسّر به حسنة الدّنيا و الآخرة، و هو معنى قوله في الحديث‏

370

وَ قِنا عَذابَ النَّارِ [البقرة: 201].

رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ‏ [البقرة: 250].

لعائشة: «سلى اللّه العافية في الدّارين».

(وَ قِنا عَذابَ النَّارِ) بعدم دخولها أصلا، فلا ندخلها و لا نراها. و هو من عطف اللّازم على الملزوم.

قال الشّيخ عماد الدّين ابن كثير: الحسنة في الدّنيا تشمل كلّ مطلوب دنيويّ؛ من عافية، و دار رحبة، و زوجة حسنة، و ولد بارّ، و رزق واسع، و علم نافع، و عمل صالح، و مركب هنيّ، و ثناء جميل ... إلى غير ذلك مما شملته عباراتهم؛ فإنّها كلّها مندرجة في الحسنة في الدّنيا.

و أما الحسنة في الآخرة!! فأعلاها دخول الجنّة و توابعه؛ من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، و تيسير الحساب، و غير ذلك من أمور الآخرة.

و أمّا الوقاية من عذاب النّار!! فهو يقتضي تيسير أسبابه من اجتناب المحارم و ترك الشّبهات. انتهى ذكره ابن علان في «شرح الأذكار».

* و قال تعالى في سورة البقرة (رَبَّنا أَفْرِغْ‏): اصبب‏ (عَلَيْنا صَبْراً) كصبّ الماء على الأرض الجرز (وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا) بتقوية قلوبنا على الجهاد، فالمراد ب «تثبيت الأقدام» كمال القوّة، و الرّسوخ عند المقارعة، و عدم التّزلزل عند المقاومة، و ليس المراد تقرّرها في مكان واحد (وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ‏): أعنّا عليهم.

و فيه ترتيب بليغ؛ حيث وقع أوّلا سؤال إفراغ الصّبر على القلوب الّذي هو ملاك الأمر، ثمّ ثبات القدم في مداحض الحرب المسبّب عنه، ثمّ النّصر على العدوّ المترتّب عليهما غالبا.

371

سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: 285].

رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا ...

* و قال تعالى في سورة البقرة (سَمِعْنا) ما أمرنا به سماع قبول، و فيه تعريض بالردّ على من قال: سمعنا و عصينا. (وَ أَطَعْنا)؛ أي: انقدنا للطّاعة؛ و لو بالعزم عليها. نسألك‏ (غُفْرانَكَ‏).

و معنى الغفران: ستر الذّنوب؛ كبيرها و صغيرها، جليّها و خفيّها. فالإنسان يطلب المغفرة؛ و لو في حالة الطّاعة؛ بسبب ما يطرأ عليها من العجب و حبّ المحمدة، و غير ذلك من الآفات الّتي تذهبها، فالعارف لا يعتمد على أعماله أبدا، و علامة ذلك كونه يجدّد التّوبة و الاستغفار، و لو كان متلبّسا بأكبر الطّاعات.

* (رَبَّنا)؛ أي: يا ربّنا منك مبدؤنا (وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (285): المرجع بالبعث.

(رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا): لا تعاقبنا، و هو تعليم من اللّه لعباده كيفيّة الدّعاء، و هذا من غاية الكرم حيث يعلمهم الطّلب ليعطيهم المطلوب.

و جاء بالمفاعلة، و هو فعل واحد؛ و هو اللّه!! لأنّ المسي‏ء قد أمكن من نفسه و طرق السّبيل إليها بفعله، فكأنّه أعان من يعاقبه بذنبه، و يأخذ به على نفسه؛ فحسنت المفاعلة.

(إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا)؛ أي: تركنا الصّواب لا عن عمد؛ كتأخير الصّلاة عن وقتها في حال الغيم؛ جهلا بالوقت، و كقتل الخطأ، فلا تؤاخذنا يا ربّنا بذلك كما آخذت به من قبلنا. قيل: كان بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا مما أمروا به أو أخطئوا؛ عجّلت لهم العقوبة، فيحرم عليهم شي‏ء ممّا كان حلالا لهم؛ من مطعم، أو مشرب- على حسب ذلك الذّنب- فأمر اللّه المؤمنين أن يسألوا رفع مؤاخذتهم بالخطإ و النّسيان، و قد رفع اللّه ذلك عن هذه الأمّة المحمّدية، كما ورد في الحديث، و هو قوله صلى اللّه عليه و سلم: «رفع عن أمّتي الخطأ، و النّسيان، و ما استكرهوا عليه».

372

ربّنا و لا تحمل علينا إصرا كما حملته على الّذين من قبلنا ...

فالقصد من سؤال هذا الرّفع و طلبه الإقرار و الاعتراف بهذه النّعمة، أي:

إظهارها و التّحدّث بها على حدّ وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) [الضحى‏].

(رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا) معطوف على‏ لا تُؤاخِذْنا، و توسيط النّداء [ربنا] (1) بين المتعاطفين!! لإظهار مزيد الضّراعة و الالتجاء إلى الرّب الكريم، و كذا يقال في قوله‏ وَ لا تُحَمِّلْنا؛ فهو معطوف على‏ لا تُؤاخِذْنا إلى آخر ما تقدّم.

(إِصْراً): أمرا يثقل علينا حمله.

و في «أبي السّعود»: الإصر: العناء الثّقيل الّذي يأصر صاحبه؛ أي: يحبسه مكانه، و المراد به: التّكاليف الشّاقة.

و في «السّمين»: الإصر- في الأصل-: الثّقل و الشّدّة، و يطلق على العهد و الميثاق لثقلهما، كقوله تعالى‏ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي‏ [81/ آل عمران‏]؛ أي:

عهدي و ميثاقي‏ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ‏ [157/ الأعراف‏]؛ أي: التّكاليف الشّاقة، و يطلق على كل ما يثقل على النّفس؛ كشماتة الأعداء.

(كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا)؛ أي: بني إسرائيل.

و من الإصر الّذي حملوه قتل النّفس في التّوبة، فإنّهم لمّا عبدوا العجل كانت توبتهم قتل طائعهم العاصي منهم، و أما توبتنا؛ فالنّدم.

و من ذلك إخراج ربع المال في الزّكاة ... و أمّا الزّكاة في هذه الأمّة؛ فربع العشر في النّقدين، و العشر؛ أو نصفه في الحبوب.

و من ذلك قرض‏ (2) موضع النّجاسة من الثّوب و البدن.

____________

(1) للإيضاح‏ (عبد الجليل).

(2) قطعه بالمقراض و هو المقصّ‏ (عبد الجليل).

373

رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ‏ [البقرة: 286].

و من ذلك أنّ من ارتكب منهم الخطيئة تصبح خطيئته مكتوبة على بابه، و غير ذلك من التّكاليف الشّاقة الّتي رفعها اللّه عن هذه الأمّة بفضله و رحمته، فله الحمد و المنّة.

(رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ): قدرة (لَنا بِهِ‏) من التّكاليف و البلاء، فلم يكلّفنا بالحجّ من غير استطاعة؛ مثلا، و لا بالصّلاة من قيام، مع كونه مريضا لا يقدر عليه، و لا باستعمال الماء مع عدم القدرة عليه، و قد كان ينزل بمن قبلنا الطّوفان و الجراد و القمّل و الضّفادع و الدّم و الصّيحة و الخسف و المسخ، و غير ذلك من أنواع البلايا العامة الّتي لا تبقي و لا تذر.

(وَ اعْفُ عَنَّا): امح ذنوبنا من الصّحف‏ (وَ اغْفِرْ لَنا)؛ أي: استر ذنوبنا عن أعين المخلوقات، (وَ ارْحَمْنا) في الرّحمة زيادة عن المغفرة؛ لأنّ الرّحمة الإحسان، و هي تشمل المغفرة الّتي هي غفر الذّنوب، و إيصال النّعم في الدّنيا و الآخرة.

(أَنْتَ مَوْلانا): سيدنا، و متولّي أمورنا، (فَانْصُرْنا). أتى هنا بالفاء!! إعلاما بالسّببيّة، لأنّ اللّه تعالى لما كان مولاهم و مالك أمورهم، و هو مدبّرهم، تسبّب عنه أن دعوه بأن ينصرهم على أعدائهم، كقولك «أنت الجواد فتكرّم علي» و «أنت البطل؛ فاحم حومتك».

(عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ‏ (286) [البقرة])، بإقامة الحجّة و الغلبة في قتالهم، فإنّ من شأن المولى أن ينصر مواليه على الأعداء.

و الحكمة في زيادة قوله «القوم» و لم يقل «الكافرين»!! لأنّه لا يلزم من النّصرة على أفراد الكفّار النّصرة على الهيئة المجتمعة؛ لأنّ الشّخص قد يكون غالبا على كلّ أحد؛ و لا يكون غالبا على المجموع.

374

رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ‏ [آل عمران: 8].

رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ قِنا عَذابَ النَّارِ [آل عمران:

16].

رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ‏ ...

و في الحديث: لمّا نزلت هذه الآية؛ فقرأها صلى اللّه عليه و سلم، قيل له عقب كلّ كلمة: قد فعلت. رواه مسلم، أي: قال اللّه له عقب كل كلمة من كلمات الدّعوات، و هي سبع، أوّلها: لا تؤاخذنا، و آخرها: فانصرنا على القوم الكافرين، فيكون قوله:

«قد فعلت» وقع سبع مرّات، و المراد: قد أجبت دعاءك و مطلوبك.

* و قال تعالى في سورة آل عمران‏ (رَبَّنا لا تُزِغْ‏): لا تمل‏ (قُلُوبَنا) عن الحقّ‏ (بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا)؛ أي: أرشدتنا إليه، أي: بعد وقت هدايتك إيّانا (وَ هَبْ لَنا)؛ أي: أعطنا (مِنْ لَدُنْكَ‏): من عندك‏ (رَحْمَةً)؛ تثبيتا على الحقّ، (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ‏) الّذي تعطي النّوال قبل السّؤال.

و فيه دليل على أنّ الهدى و الضّلال من اللّه تعالى، و أنّه متفضّل بما ينعم به على عباده؛ أي: لا يجب عليه شي‏ء. أي: لأنّه وهّاب.

* و قال تعالى في سورة آل عمران أيضا (رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا): صدّقنا بك و برسولك؛ إجابة لدعوتك، (فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا)؛ إنجازا لوعدك، (وَ قِنا عَذابَ النَّارِ) بفضلك.

و في ترتيب هذا السّؤال على مجرّد الإيمان دليل على أنّه كاف في استحقاق المغفرة، و فيه ردّ على أهل الاعتزال، لأنّهم يقولون: إنّ استحقاق المغفرة لا يكون بمجرّد الإيمان.

* و قال تعالى في سورة آل عمران أيضا (رَبَّنا آمَنَّا): صدّقنا (بِما أَنْزَلْتَ‏

375

وَ اتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ‏ [آل عمران: 53].

رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ إِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ‏ [آل عمران: 147].

رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا ...

وَ اتَّبَعْنَا الرَّسُولَ‏)؛ أي: امتثلنا ما أتى به منك إلينا (فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ‏)، لك بالوحدانيّة، و لرسولك بالصّدق؛ أي: أثبت أسماءنا مع أسمائهم، و اجعلنا في عدادهم و معهم فيما تكرمهم به.

* و قال تعالى في سورة آل عمران أيضا (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا) صغائرنا (وَ إِسْرافَنا فِي أَمْرِنا)؛ أي: تجاوزنا الحدّ في ارتكاب الكبائر.

(وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا) عند جهاد أعدائك بتقوية قلوبنا، و إمدادنا بالمدد الرّوحاني من عندك، (وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ‏) بالغلبة؛ و قدّم الدّعاء بالمغفرة على طلب تثبيت الأقدام، و على طلب النّصر على الأعداء!! تقريبا له إلى حيّز القبول، فإنّ الدّعاء المقرون بالخضوع الصّادر عن زكاء و طهارة أقرب إلى الاستجابة.

* و قال تعالى في أواخر سورة آل عمران‏ (رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا) الإشارة إلى السّماوات و الأرض، لما أنّهما باعتبار تعلّق الخلق بهما في معنى المخلوق.

و العدول عن الضّمير إلى اسم الإشارة!! للإشارة إلى أنّها مخلوقات عجيبة يجب أن يعتنى بكمال تمييزها؛ استعظاما لها.

(باطِلًا): عبثا، كأنّه قيل: ما خلقت هذا المخلوق العجيب عبثا و ضائعا؛ من غير حكمة، بل خلقته لحكم عظيمة، من جملتها أن يكون مبدأ لوجود الإنسان، و سببا لمعاشه، و دليلا يدلّه على معرفتك، و يحثّه على طاعتك، لينال الحياة الأبديّة، و السّعادة السّرمديّة في جوارك.

376

سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [آل عمران: 191].

رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ‏ ...

و قوله «باطلا»، حال من المفعول به، و هو هذا، و هو الأحسن في إعرابه، و هي حال لا يستغنى عنها، إذ لو حذفت للزم نفي الخلق؛ و هو لا يصحّ، كما في قوله تعالى‏ وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (38) [الدخان‏].

(سُبْحانَكَ‏)؛ تنزيها لك عن الوصف بخلق الباطل؛ (فَقِنا عَذابَ النَّارِ)؛ تعليم لعباده كيفية الدّعاء، فمن أراد أن يدعو فليقدّم الثّناء على اللّه أوّلا، و يدلّ عليه قوله‏ سُبْحانَكَ‏، و بعد ذلك الثّناء يأتي بالدّعاء، و يدلّ عليه قوله‏ فَقِنا عَذابَ النَّارِ.

* (رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً)؛ أي: داعيا، و هو على حذف مضاف؛ أي:

نداء مناد (يُنادِي‏): يدعو النّاس‏ (لِلْإِيمانِ‏).

قال ابن عبّاس (رضي الله تعالى عنهما)، و أكثر المفسّرين: المنادي هو محمّد صلى اللّه عليه و سلم.

و يدلّ على صحّة هذا قوله تعالى‏ ادْعُ إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ [125/ النحل‏].

و قوله‏ وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ‏ [46/ الأحزاب‏].

و قال محمد بن كعب القرظي: المنادي هو القرآن؛ قال: إذ ليس كلّ أحد لقي النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم.

و وجه هذا القول: أنّ كلّ أحد يسمع القرآن و يفهمه، فإذا وفّقه اللّه تعالى للإيمان به فقد فاز به، و ذلك لأنّ القرآن مشتمل على الرّشد و الهدى و أنواع الدّلائل الدّالة على الوحدانيّة؛ فصار كالدّاعي إليها، فعلى القول الأوّل: إسناد النّداء إليه حقيقيّ، و على القول الثّاني: إسناد النّداء إليه مجازي، و اللّام في‏ لِلْإِيمانِ‏ بمعنى «إلى»؛ يعني: ينادي إلى الإيمان.

(أَنْ‏)؛ أي: بأن‏ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ‏)؛ أي: صدّقوا بأنّه يجب له كل‏

377

فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَ تَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193) رَبَّنا وَ آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى‏ رُسُلِكَ وَ لا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ [آل عمران: 193- 194].

رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ...

كمال، و يستحيل عليه كلّ نقص، (فَآمَنَّا) به.

(رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا)؛ أي: كبائر ذنوبنا (وَ كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا):

صغائر ذنوبنا، (وَ تَوَفَّنا): اقبض أرواحنا (مَعَ‏): في جملة (الْأَبْرارِ): الأنبياء و الصّالحين، أي: احشرنا معهم و اجعلنا في زمرتهم، (رَبَّنا) حقّق لنا ما ذكر، (وَ آتِنا): أعطنا (ما وَعَدْتَنا) به‏ (عَلى‏) ألسنة (رُسُلِكَ‏) من الرّحمة و الفضل، أي: ربّنا اجعلنا ممّن يستحقّ ثوابك، و تؤتيهم ما وعدتهم به على ألسنة رسلك، لأنّا لم نتيقّن استحقاقنا لتلك الكرامة، فنسألك أن تجعلنا مستحقّين لها.

و تكرير لفظ رَبَّنا مبالغة في التّضرّع، و لما قيل: إنّه الاسم الأعظم.

و عن جعفر الصّادق: من حزبه أمر؛ فقال خمس مرّات «ربّنا»، أنجاه اللّه ممّا يخاف، و أعطاه ما أراد. قيل: و كيف ذلك!؟ قال: اقرءوا قوله تعالى‏ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ....

و هي من أوراد الصّالحين تقرأ إلى آخر السّورة عند الاستيقاظ من النّوم، فمن لازم عليها تحقّق بما فيها، و حصل له ثواب من قام اللّيل؛ قاله الصّاوي.

(وَ لا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ) ظرف لقوله‏ وَ لا تُخْزِنا؛ أي: لا تفضحنا في ذلك اليوم؛ لأنّ الإنسان ربّما يظن أنّه على عمل و يبدو له في الآخرة ما لم يكن في حسبانه؛ فيفتضح، فلا تكرار فيه مع قوله‏ وَ قِنا عَذابَ النَّارِ.

(إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ) مصدر بمعنى الوعد بالبعث و الجزاء.

* و قال تعالى في سورة الأعراف‏ (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا): أضررناها بمخالفة أمرك‏

378

وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ [الأعراف: 23].

رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ‏ [الأعراف: 89].

رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَ تَوَفَّنا مُسْلِمِينَ‏ [الأعراف: 126].

رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ ...

و طاعة عدوّنا و عدوّك، فإن لم تتب علينا نستمرّ عاصين‏ (وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا): تمح ما عملناه عينا و أثرا، (وَ تَرْحَمْنا) فتعلي درجاتنا؛ (لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏) في الأرض.

* و قال تعالى في سورة الأعراف أيضا (رَبَّنَا افْتَحْ‏): احكم‏ (بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا): الكفّار؛ (بِالْحَقِ‏): بالعدل الّذي لا جور فيه و لا ظلم و لا حيف، (وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ‏): الحاكمين.

* (رَبَّنا أَفْرِغْ‏): اصبب‏ (عَلَيْنا صَبْراً) كاملا تامّا، (وَ تَوَفَّنا مُسْلِمِينَ‏ [الأعراف‏])؛ أي: اقبضنا على دين الإسلام ثابتين عليه غير مفتونين.

و في الآية فوائد؛

الأولى: أنّ التعبير ب أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً أكمل من التّعبير ب «أنزل علينا صبرا»؛ لأنّ إفراغ الإناء هو صبّ ما فيه بالكليّة، فكان المطلوب من اللّه تعالى كلّ الصّبر؛ لا بعضه.

الثانية: أنّ لفظ صَبْراً مذكور بصيغة التّنكير، و ذلك يدلّ على تمام الكمال، أي: صبرا تامّا كاملا.

الثّالثة: أنّ ذكر الصّبر من قيل الدّاعي و من أعماله، ثمّ إنّه مطلوب من اللّه تعالى؛ و ذلك يدلّ على أنّ فعل العبد لا يحصل إلا بتخليق اللّه تعالى و قضائه.

* و قال تعالى في سورة يونس‏ (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏)؛ أي:

لا تظهرهم علينا فيظنّوا أنّهم على الحقّ فيفتتنوا بنا، لأنّك لو سلّطتهم علينا لوقع في‏

379

وَ نَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ‏ [يونس: 85- 86].

رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ إِلَّا تَغْفِرْ لِي وَ تَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ [هود: 47].

فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‏ [يوسف: 101].

رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَ تَقَبَّلْ دُعاءِ ...

قلوبهم أن لو كنا على الحقّ لما سلّطهم اللّه علينا؛ فيصير ذلك شبهة قويّة في إصرارهم على كفرهم؛ فيصير تسلّطهم علينا فتنة لهم.

(وَ نَجِّنا): خلصنا (بِرَحْمَتِكَ‏)؛ أي: إحسانك و إنعامك، (مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ‏) الجاحدين لآياتك.

* و قال تعالى في سورة هود (رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ‏) من‏ (أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ‏) بصحّته، هل هو صواب أو لا!! (وَ إِلَّا تَغْفِرْ لِي‏) ما فرط منّي، (وَ تَرْحَمْنِي‏) برحمتك الّتي وسعت كلّ شي‏ء (أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ‏) أعمالا.

* و قال تعالى في سورة يوسف‏ (فاطِرَ)؛ أي: يا فاطر (السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏)؛ أي: خالقهما، (أَنْتَ وَلِيِّي‏)؛ أي: متولّي مصالحي‏ (فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً)؛ أي: اقبضني إليك مسلما (وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‏) بعامّتهم في الرّتبة و الكرامة.

* و قال تعالى في سورة إبراهيم‏ (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ): مواظبا عليها بشروطها و أركانها و آدابها، وَ اجعل‏ (مِنْ ذُرِّيَّتِي‏)، من يقيمها؛ (رَبَّنا وَ تَقَبَّلْ دُعاءِ) بإثبات الياء وصلا و وقفا، و حذفها كذلك، قراءتان سبعيتان، أي: استجب دعائي.

380

رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ‏ [إبراهيم: 40- 41].

رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَ‏ [نوح: 28]. و رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً [الإسراء: 24].

رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ‏ ...

(رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَ‏): أبي و أمي‏ (وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ‏): يوجد (الْحِسابُ‏).

* و قال تعالى‏ (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَ‏)؛ هذا مأخوذ من [28] سورة نوح، و هو توطئة لقوله: (رَبِّ ارْحَمْهُما كَما) رحماني حين‏ (رَبَّيانِي صَغِيراً)؛ لأنه مأخوذ من سورة الإسراء.

و لفظ الآية في الإسراء* وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً (23) وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (24) انتهى.

و المصنف قدّم قوله‏ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَ‏. المأخوذ من سورة نوح توطئة؛ ليكون عود الضّمير على مذكور؛ و عطف على ذلك آية الإسراء، و هو صنيع حسن.

* و قال تعالى في سورة الإسراء (رَبِّ أَدْخِلْنِي‏) في كلّ مقام تريد إدخالي فيه، حسّيّ و معنويّ؛ دنيا و أخرى‏ (مُدْخَلَ صِدْقٍ‏) يستحقّ الدّاخل فيه أن يقال له: أنت صادق في قولك و فعلك، فإنّ ذا الوجهين لا يكون عند اللّه وجيها.

(وَ أَخْرِجْنِي‏) من كلّ ما تخرجني منه، (مُخْرَجَ صِدْقٍ‏) و المدخل و المخرج- بالضمّ- مصدران بمعنى الإدخال و الإخراج، فهما كالمجرى‏

381

وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً [الإسراء: 80].

رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَ هَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً [الكهف: 10].

قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي‏ [طه: 25- 26].

و المرسى، و معنى إضافة «المدخل» و «المخرج» إلى الصدق مدحهما؛ كأنّه سأل اللّه تعالى إدخالا حسنا، و إخراجا حسنا لا يرى فيهما ما يكره.

(وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ‏)؛ أي: عندك، (سُلْطاناً نَصِيراً): حجّة ظاهرة تنصرني بها على جميع من خالف الحقّ.

قال الآلوسي: المراد من السّلطان كلّ ما يفيد الغلبة على أعداء اللّه تعالى، و يفيد ظهور دينه جلّ شأنه، هذا هو الحقّ و وصف السّلطان ب «نصيرا» للمبالغة.

انتهى.

* و قال تعالى في سورة الكهف‏ (رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ‏) من عندك‏ (رَحْمَةً) توجب لنا المغفرة و الرزق و الأمن من العدو، و في ذلك‏ مِنْ لَدُنْكَ‏ إيماء إلى أنّ ذلك من باب التّفضّل؛ لا الوجوب، فكأنّهم قالوا ربنا تفضّل علينا برحمة؛ (وَ هَيِّئْ‏): أصلح أو يسّر (لَنا مِنْ أَمْرِنا) الّذي نحن عليه. (رَشَداً) هداية و تثبيتا على الإيمان، و توفيقا للأعمال الصّالحة، و انقطاعا عن الاشتغال بالدّنيا، و زهدا فيها.

* و قال تعالى في سورة طه‏ (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي‏)؛ أي: وسّعه للحقّ و تحمّل المشاقّ؛ بأن تجعله بحيث لا أضجر و لا أقلق ممّا يقتضي بحسب البشريّة؛ الضّرّ و القلق من الشّدائد. و في الرّاغب: إنّ شرح الصّدر بسطه بنور إلهيّ، و سكينة من جهة اللّه تعالى، و روح منه عزّ و جلّ.

(وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي‏): ما أمرتني به، و التّعبير بذلك آكد من: اشرح صدري و يسّر أمري. لأنّه تكرير للمعنى من طريقي الإجمال و التّفصيل؛ لأنّه يقول: اشرح لي و يسر لي، علم أنّ «ثمّ» مشروحا و ميسّرا. ثمّ رفع الإبهام بذكر الصّدر و الأمر.

382

رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه: 114].

أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏ [الأنبياء: 83].

لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏ [الأنبياء:

87].

* و قال تعالى في سورة طه أيضا (رَبِ‏) أيّها المحسن إليّ بإفاضة العلوم عليّ؛ (زِدْنِي عِلْماً)، فإنّه الموصل إلى المطلوب.

أخرج التّرمذي و ابن ماجه؛ عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه) قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «اللّهمّ؛ انفعني بما علّمتني، و علّمني ما ينفعني، و زدني علما، و الحمد للّه على كلّ حال».

و أخرج سعيد بن منصور، و عبد بن حميد؛ عن ابن مسعود أنّه كان يدعو:

«اللّهمّ؛ زدني إيمانا و فقها و يقينا و علما». و ما هذا إلّا لزيادة فضل العلم.

و فضله أظهر من أن يذكر؛ نسأل اللّه تعالى أن يرزقنا الزّيادة فيه، و يوفّقنا للعمل بما يقتضيه. آمين.

* و قال تعالى في سورة الأنبياء (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ): الشّدّة (وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏)؛ أي: أنت أعظم رحمة من كلّ من يتّصف بالرّحمة في الجملة، و إلّا فلا راحم في الحقيقة سواه؛ جلّ شأنه و علاه.

و لا يخفى ما في وصفه تعالى بغاية الرّحمة بعد ما ذكر الدّاعي نفسه بما يوجبها؛ مكتفيا بذلك عن التّضرع بالمطلوب من استمطار سحائب الرّحمة على ألطف وجه، و كونه سبحانه «ضارّا» لا ينافي كونه «نافعا»، بل هو الضّار النّافع، فإضراره ليس لدفع مشقّة، و نفعه ليس لجلب منفعة، بل لا يسأل عمّا يفعل.

* و قال تعالى في سورة الأنبياء أيضا (لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ‏)؛ أي:

تنزّهت عن كلّ نقص‏ (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ‏) أنفسهم بتعريضها للهلكة

383

رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ‏ [الأنبياء: 89].

رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ‏ ...

فاعف عنّي؛ كما هي سيرة القادرين، و هو اعتراف بالذّنب، و إظهار للتّوبة.

و هذا دعاء عظيم جدّا لاشتماله على التّهليل أوّلا، ثمّ التّسبيح ثانيا، ثمّ الإقرار بالذّنب ثالثا، و لذا ورد في فضل ذلك ما أخرجه الإمام أحمد، و التّرمذي، و النّسائي، و الحكيم التّرمذي؛ في «نوادر الأصول»، و الحاكم و صحّحه، و ابن جرير، و البيهقي في «الشّعب»، و جماعة؛ عن سعد بن أبي وقّاص؛ عن النّبي صلى اللّه عليه و سلم، قال:

«دعوة ذي النّون إذ هو في بطن الحوت: لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين؛ لم يدع بها مسلم ربّه في شي‏ء قطّ إلّا استجاب له».

و أخرج ابن أبي حاتم؛ عن الحسن: أنّ ذلك اسم اللّه تعالى الأعظم.

و أخرج ذلك الحاكم؛ عن سعد مرفوعا.

و قد شاهدت أثر الدّعاء به- و للّه تعالى الحمد- حين أمرني بذلك من أظنّ ولايته من الغرباء المجاورين في حضرة الباز الأشهب، و كان قد أصابني من البلاء ما اللّه تعالى أعلم به؛ قاله الآلوسي في «روح المعاني».

* و قال تعالى في سورة الأنبياء أيضا (رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً): وحيدا بلا ولد يرثني‏ (وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ‏)، أي: و أنت خير حيّ يبقى بعد ميّت، و فيه مدح له تعالى بالبقاء، و إشارة إلى فناء من سواه من الأحياء؛ و في ذلك استمطار لسحائب لطفه عزّ و جلّ.

* و قال تعالى في آخر سورة الأنبياء (رَبِ‏) أيّها المحسن إليّ؛ (احْكُمْ‏): اقض بيني و بين أعدائي‏ (بِالْحَقِ‏): بالعدل، و اللّه سبحانه و تعالى يحكم بالحقّ طلب أو لم يطلب، و معنى الطّلب: ظهور الرّغبة من الطّالب في حكمه الحقّ.

384

وَ رَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى‏ ما تَصِفُونَ‏ [الأنبياء: 112].

رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ‏ [المؤمنون: 29].

رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ [المؤمنون: 94].

وَ قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ‏ ...

(وَ رَبُّنَا)؛ أي: المحسن إلينا أجمعين‏ (الرَّحْمنُ‏) العامّ الرّحمة لنا و للأعداء، و لو لا عموم رحمته لأهلكنا جميعا؛ و إن كنّا طائعين، لأنّا لا نقدّره حقّ قدره، وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى‏ ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [45/ فاطر] (الْمُسْتَعانُ‏): المطلوب منه العون‏ (عَلى‏ ما تَصِفُونَ‏): تقولون أيّها الأعداء من الكذب و الباطل.

* و قال تعالى في سورة المؤمنين‏ (رَبِّ أَنْزِلْنِي‏) في كلّ منزل تنزلني به‏ (مُنْزَلًا مُبارَكاً): يبارك لي فيه، و أعطى الزّيادة في خير الدّارين، وَ أَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ‏)؛ لأنّك تكفي نزيلك كل ملمّ، و تعطيه كلّ حاجة.

و إنما أشفع الدّعاء بالثّناء عليه المطابق للمسألة؛ توسّلا به إلى الإجابة، فإنّ الثّناء على المحسن يكون مستدعيا لإحسانه، و قد قالوا: الثّناء على الكريم يغني عن سؤاله.

* و قال تعالى في سورة المؤمنين‏ (رَبِ‏) يا رب‏ (فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏)، أي: قرينا لهم فيما هم فيه من العذاب، فأهلك بهلاكهم؛ لأن شؤم الظّالم قد يعمّ غيره، كقوله تعالى‏ وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [25/ الأنفال‏].

* (رَبِ‏)؛ أيّها المحسن إليّ‏ (أَعُوذُ): أعتصم‏ (بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ‏)؛ أي: وساوسهم المغرية، على خلاف ما أمرت به؛ جمع همزة، و الهمز: النّخس و الدّفع بيد أو غيرها، و منه: «مهماز الرّائض»؛ لحديدة تربط

385

وَ أَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ‏ [المؤمنون: 97- 98].

رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِ‏ينَ‏ [المؤمنون: 109].

رَبِّ اغْفِرْ ...

على مؤخّر رحله ينخس بها الدّابّة لتسرع، أو لتثبت.

و إطلاق ذلك على الوسوسة لما بينهما من الشّبه الظّاهر، فإنّ الشّياطين يحثّون النّاس على المعاصي، كما تهمز الرّاضة الدّواب؛ حثّا لها على المشي، و جمع الهمزات!! لتنوّع الوساوس، أو لتعدّد الشّياطين.

و المعنى: أتحصّن بك من وساوس الشّياطين.

(وَ أَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ‏)، في شي‏ء من أموري؛ خصوصا حال الصّلاة و القراءة و حلول الأجل؛ لأنّها أحرى الأحوال، و هم إنّما يحضرون بسوء.

و في التعوّذ من الحضور بعد التعوّذ من همزاتهم مبالغة في التّحذير من ملابستهم، فإنّ بعدهم بركة و خير؛ و إعادة الفعل و النّداء لإظهار كمال الاعتناء بهذه الاستعاذة و عرض نهاية الابتهال في الاستدعاء، و يسنّ التعوّذ من همزات الشّياطين و حضورهم عند إرادة النّوم.

فقد أخرج الإمام أحمد، و أبو داود، و النّسائي، و التّرمذي و حسّنه؛ عن عمرو بن شعيب؛ عن أبيه؛ عن جدّه؛ قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يعلمنا كلمات نقولهنّ عند النّوم من الفزع: «باسم اللّه؛ أعوذ بكلمات اللّه التّامّة من غضبه و عقابه، و شرّ عباده، و من همزات الشّياطين، و أن يحضرون».

* و قال تعالى في سورة المؤمنون أيضا (رَبَّنا) يا ربّنا (آمَنَّا) بك و بكتابك و برسولك و جميع ما جاءتنا به الرّسل، (فَاغْفِرْ لَنا) ذنوبنا (وَ ارْحَمْنا): افعل بنا فعل الرّاحم؛ (وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ‏)؛ لأنّك تخلص برحمتك من كل شقاء و هوان.

* و قال تعالى في آخر سورة المؤمنين‏ (رَبِ‏)؛ أي: يا رب‏ (اغْفِرْ)

386

وَ ارْحَمْ وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ‏ [المؤمنون: 118].

رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً. إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقاماً [الفرقان: 65- 66].

الذّنوب، (وَ ارْحَمْ‏) عبادك المؤمنين. و في الرّحمة زيادة؛ و هي إيصال الإحسان زيادة على غفران الذّنب، فذكر الرّحمة بعد المغفرة تحلية بعد تخلية، ففي الغفران محو السّيّئات، و في الرّحمة رفع الدّرجات، و أيضا الغفران قد يكون من غير إحسان، الّذي هو معنى الرّحمة.

(وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ‏): أفضل راحم.

و طلب كلّ من المغفرة و الرّحمة أعمّ من طلب أصل الفعل و المداومة عليه.

و في تخصيص هذا الدّعاء بالذكر ما يدلّ على أهمّيّة ما فيه.

و قد علّم النّبي صلى اللّه عليه و سلم أبا بكر الصّدّيق (رضي الله تعالى عنه) أن يقول نحوه في صلاته، فقد أخرج البخاريّ، و مسلم، و التّرمذي، و النّسائي، و ابن ماجه، و ابن حبان، و جماعة؛ عن أبي بكر الصّدّيق (رضي الله تعالى عنه) أنّه قال: يا رسول اللّه؛ علّمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: «قل: اللّهمّ؛ إنّي ظلمت نفسي ظلما كثيرا، و إنّه لا يغفر الذّنوب إلّا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، و ارحمني إنّك أنت الغفور الرّحيم».

* و قال تعالى في سورة الفرقان‏ (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً): هلاكا لازما لزوما كلّيّا في حقّ الكفّار، و لزوما بعده إطلاق إلى الجنّة في حقّ عصاة المؤمنين.

(إِنَّها)؛ أي: جهنم‏ (ساءَتْ‏) في حكم «بئست»، و فيها ضمير مبهم يفسّره‏ مُسْتَقَرًّا، و المخصوص بالذّمّ محذوف، معناه: ساءت‏ (مُسْتَقَرًّا وَ مُقاماً) هي، أي: موضع استقرار و إقامة، و هذا الضّمير هو العائد على اسم «إنّ» فهو الرّابط للجملة.

387

رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً [الفرقان: 74].

رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ‏ [الشعراء: 83- 85].

* و قال تعالى في سورة الفرقان أيضا (رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا) اللّاتي قرنتهنّ بنا (وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ‏) بتوفيقهم للطّاعة و حيازة الفضائل، فإنّ المؤمن إذا شاركه أهله في طاعة اللّه سرّ بهم قلبه، و قرّت بهم عينه، لما يرى من مساعدتهم له في الدّين، و توقّع لحوقهم به في الجنّة، فقرّة العين هو سرورها، و المراد:

ما يحصل به السّرور؛ و المعنى: اجعل أزواجنا و ذرّيّاتنا صالحين؛ لكي نسرّ بهم.

(وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً) في الخير، أي: اجعلنا أئمّة يقتدى بنا في أمر الدّين بإفاضة العلم علينا، و التّوفيق للعمل الصّالح؛ و لفظ «إمام» يستوي فيه الجمع و غيره، و المراد هنا: الجمع، ليطابق المفعول الأوّل «اجعل».

و اختير لفظ «إمام» على «أئمّة»!! لأنّه أوفق بالفواصل السّابقة و اللّاحقة.

* و قال تعالى في سورة الشّعراء (رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً): كمالا في العلم و الفهم.

(وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ‏): وفّقني للكمال في العمل لأنتظم به في عداد الكاملين في الصّلاح، الّذين لا يشوب صلاحهم كبير ذنب و لا صغيره.

(وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ‏)- من إضافة الموصوف للصّفة، أي: ثناء حسنا من باب تسمية الشّي‏ء باسم آلته- (فِي الْآخِرِينَ‏) الّذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة، (وَ اجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ‏)، أي: ممن يعطاها بلا تعب و مشقّة، كالإرث الحاصل للإنسان من غير تعب؛ و إضافة الجنّة إلى النّعيم!! من إضافة المحلّ للحالّ فيه؛ و «من» تبعيضيّة، أي: اجعلني بعض الّذين يرثون جنّة النّعيم، أي:

اجعلني مندرجا فيهم، و من جملتهم.

388

وَ لا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ. يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏ [الشعراء: 87- 89].

رَبِّ نَجِّنِي وَ أَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ‏ [الشعراء: 169].

رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى‏ والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ‏ [النمل: 19].

(وَ لا تُخْزِنِي‏)؛ من الخزي، بمعنى: الهون، أو من الخزاية- بفتح الخاء- بمعنى: الحياء، أي: لا تفضحني بأن تكشف عيوبي بين خلقك.

(يَوْمَ يُبْعَثُونَ‏)؛ أي: النّاس، أي: يوم القيامة. قال تعالى في شأنه‏ (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ‏) يكن‏ (أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏) من الشّرك و النّفاق؛ و هو قلب المؤمن، فإنّه ينفعه ذلك.

* و قال تعالى في سورة الشّعراء (رَبِ‏)؛ أي: يا رب‏ (نَجِّنِي وَ أَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ‏)؛ أي: من عذاب ما يعملون.

* و قال تعالى في سورة النّمل‏ (رَبِّ أَوْزِعْنِي‏): ألهمني‏ (أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ‏): أؤدّي شكر نعمتك‏ (الَّتِي أَنْعَمْتَ‏) بها (عَلَيَّ وَ عَلى‏ والِدَيَ‏) أدرج ذكر والديه!! تكثيرا للنّعمة ليزداد في الشّكر عليها، فإنّ النّعمة عليهما نعمة عليه، و النّعمة عليه يرجع نفعها إليهما، لا سيّما الدّينيّة، (وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً) خالصا، و قيّده بقوله‏ (تَرْضاهُ‏)؛ أي: تقبله؛ لأنّ العمل الصالح قد لا يرضاه المنعم لنقص في العامل، كما قيل:

إذا كان المحبّ قليل حظّ * * * فما حسناته إلّا ذنوب‏

(وَ أَدْخِلْنِي‏) الجنّة (بِرَحْمَتِكَ‏)؛ لا بصالح عملي، إذ لا يدخل الجنّة أحد إلّا برحمته؛ كما جاء في الحديث، (فِي‏) جملة (عِبادِكَ‏)، فهو على حذف مضاف، أو «في» بمعنى «مع» عبادك، (الصَّالِحِينَ‏): القائمين‏

389

رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي‏ [القصص: 16].

رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: 24].

رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ‏ [العنكبوت: 30].

رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ‏ [الصافات: 100].

رَبِّ أَوْزِعْنِي‏ ...

بحقوق اللّه تعالى و حقوق العباد؛ و المراد: الكاملون في الصّلاح؛ لأنّ الصّلاح مقول بالتّشكيك، فما من مقام إلّا و فوقه أعلى منه، و الكامل يقبل الكمال.

* و قال تعالى في سورة القصص: (رَبِ‏)؛ يا رب، (إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي‏ [16]) زلتي.

* و قال تعالى في سورة القصص أيضا (رَبِ‏)؛ أي: يا رب، (إِنِّي لِما): لأيّ شي‏ء، (أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ)؛ قليل أو كثير، (فَقِيرٌ):

محتاج؛ فقوله‏ لِما أَنْزَلْتَ‏ متعلّق ب فَقِيرٌ، و هو خبر «إنّ» و «أنزلت» بمعنى: تنزل؛ و المعنى: إنّي فقير و محتاج لما تنزله إليّ من أيّ شي‏ء كان؛ قليلا أو كثيرا.

* و قال تعالى في سورة العنكبوت‏ (رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ‏):

العاصين.

* و قال تعالى في سورة الصّافات‏ (رَبِّ هَبْ لِي‏) ولدا (مِنَ الصَّالِحِينَ‏)؛ بعض الصالحين ليعينني على الدّعوة و الطّاعة، و يؤنسني في الغربة؛ و يرثني. و لفظ الهبة غالب في الولد؛ و إن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى‏ وَ وَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا [مريم‏]!!.

* و قال تعالى في سورة الأحقاف‏ (رَبِ‏)؛ يا رب‏ (أَوْزِعْنِي‏): ألهمني؛ من أوزعته بكذا؛ أي: جعلته مولعا به؛ راغبا في تحصيله. فالمعنى: رغّبني‏

390

أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى‏ والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَ إِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏ [الأحقاف: 15].

رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَ لا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا ...

و وفقني‏ (أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ‏) بها (عَلَيَّ وَ عَلى‏ والِدَيَ‏) و هي نعمة التّوحيد و الهداية، (وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ‏)؛ بأن يكون سالما من غوائل عدم القبول؛ كالرّياء و العجب و غيرهما، أي: اجعل عملي على وفق رضاك.

(وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي‏)؛ أي: اجعل الصّلاح ساريا في ذرّيّتي؛ راسخا فيهم.

و نزّل الإصلاح منزلة اللّازم؛ فعدّي ب «في» ليفيد ما أشرنا إليه من سريان الصّلاح فيهم، و كونهم كالظّرف له؛ لتمكّنه فيهم، و إلّا فكان الظّاهر: «و أصلح لي ذرّيّتي»، كما في قوله تعالى‏ وَ أَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ‏ [90/ الأنبياء].

و قيل: عدّي ب «في» لتضمّنه معنى اللّطف؛ أي: الطف بي في ذرّيّتي، و الأوّل أحسن.

(إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ‏) عمّا لا ترضاه، و عن كلّ ما يقدح في الإقبال عليك، (وَ إِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏)؛ أي: الّذين أسلموا بظواهرهم و بواطنهم؛ فانقادوا أتمّ انقياد.

* و قال تعالى في سورة الحشر (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا) في الدّين؛ (الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ‏)؛ كلّ واحد من قائلي هذا القول يقصد بمن سبقه من انتقل قبله من غير فاصل، و ينتهي إلى عصر النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم فيدخل في إخوانه الّذين سبقوه بالإيمان جميع من تقدّمه من المسلمين، و لا يقصد بالّذين سبقوه خصوص المهاجرين و الأنصار لقصوره؛ و إن كان أصل سبب النزول.

(وَ لا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا): حقدا (لِلَّذِينَ آمَنُوا)؛ أي: مطلق المؤمنين أيّا كانوا في أدنى درجاته.

391

رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ‏ [الحشر: 10].

رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَ إِلَيْكَ أَنَبْنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ. رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ اغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ [الممتحنة: 4- 5].

رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا ...

و قيّدوا بالقلب!! لأنّ رذائل النّفس قلّ أن تنفكّ، و أنّها إن كانت مع صحّة القلب. أو شك ألا تؤثر.

(رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ‏): راحم أشدّ الرّحمة لمن كانت له بك وصلة بفعل من أفعال الخير، (رَحِيمٌ‏)؛ مكرم غاية الإكرام لمن أردت، و لو لم يكن له بك وصلة، فأنت جدير بأن تجيبنا لأنّا بين أن تكون لنا وصلة؛ فنكون من أهل الرّأفة، أو لا، فنكون من أهل الرّحمة.

* و قال تعالى في سورة الممتحنة (رَبَّنا)؛ أي: يا ربنا (عَلَيْكَ‏)؛ لا على غيرك‏ (تَوَكَّلْنا): اعتمدنا، (وَ إِلَيْكَ‏) وحدك‏ (أَنَبْنا): رجعنا بالاعتراف من ذنوبنا، (وَ إِلَيْكَ‏) وحدك‏ (الْمَصِيرُ): المرجع في الآخرة.

(رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا)؛ أي: لمّا تظهرهم علينا؛ فيظنّوا أنّهم على الحقّ؛ فيفتتنوا. أي: لا تذهب عقولهم بنا، و معنى ذهابها: ميلها عن الحقّ و خطؤها.

(وَ اغْفِرْ لَنا)؛ أي: استر ما وقع منّا من الذّنوب، (رَبَّنا) يا ربنا؛ (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ): الّذي يغلب كلّ شي‏ء و لا يغلبه شي‏ء. (الْحَكِيمُ‏):

الّذي يضع الأشياء في أوفق محالّها؛ فلا يستطاع نقضها، و من كان كذلك فهو حقيق بأن يعطي من أمّله ما طلب.

* و قال تعالى في سورة التّحريم‏ (رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا) على الصّراط (نُورَنا) الّذي مننت به علينا؛ حتّى يكون في غاية التّمام، و هذا النّور من صور أعمالهم في‏

392

وَ اغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ [التحريم: 8].

رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ‏ [نوح: 28].

الدّنيا، لأنّ الآخرة تظهر فيها حقائق الأشياء، و تتبع الصّور معانيها، و هو شرع اللّه الّذي شرعه؛ و هو الصّراط الّذي يضرب بين ظهراني جهنّم، لأنّ الفضائل في الدّنيا متوسّطة بين الرّذائل؛ فكلّ فضيلة يكتنفها رذيلتان: إفراط و تفريط؛ فالفضيلة:

هي الصّراط المستقيم؛ و الرذيلتان: ما كان من جهنّم على يمينه و شماله؛ فمن كان يمشي في الدّنيا على ما أمر به سواء؛ من غير إفراط و لا تفريط؛ كان نوره تامّا، و من أمالته الشّهوات طفئ نوره في بعض الأوقات، و اختطفته كلاليب، هي صورة الشّهوات، فتميل به في النّار بقدر ميله إليها؛ و المنافق يظهر له نور إقراره بكلمة التّوحيد؛ فإذا مشى طفئ، لأنّ إقراره لا حقيقة له.

(وَ اغْفِرْ لَنا) ذنوبنا (إِنَّكَ‏) وحدك‏ (عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ) يمكن دخول المشيئة فيه‏ (قَدِيرٌ) (8): بالغ القدرة.

* و قال تعالى في سورة نوح‏ (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ‏):

منزلي، و قيل: مسجدي، و المتبادر: المنزل‏ (مُؤْمِناً)؛ أي: مصدّقا باللّه تعالى و هو حال، (وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ‏) [28] من كلّ أمّة إلى يوم القيامة؛ فهو دعاء عامّ في كلّ مؤمن آمن باللّه و صدّق الرّسل.

و إنّما بدأ بنفسه!! لأنّها أولى بالتّخصيص و التّقديم، ثمّ ثنّى بالمتّصلين به؛ لأنّهم أحقّ بدعائه من غيرهم، ثمّ عمّم جميع المؤمنين و المؤمنات؛ ليكون ذلك أبلغ في الدّعاء.

393

1- «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بوجهك الكريم و اسمك العظيم؛ من الكفر و الفقر» (طب؛ عن عبد الرّحمن ابن أبي بك).

2- «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من العجز ...

1- ( «اللّهمّ)- الميم عوض من «يا»، و لذا لا يجتمعان، و هو من خصائص هذا الاسم؛ لدخولها عليه مع لام التّعريف، كما خصّ بالباء في القسم، و قطع همزته في «يا اللّه»، و قيل: أصل «يا اللّه» آمنا بخير، فخفّف بحذف حرف النّداء؛ ذكره القاضي البيضاوي.

و قد كثر استعمال كلمة «اللّهمّ» في الدّعاء.

و جاء عن الحسن البصري: «اللّهمّ» مجتمع الدّعاء.

و عن النّضر بن شميل: من قال «اللّهمّ»؛ فقد سأل اللّه بجميع أسمائه-.

(إنّي أعوذ): أعتصم‏ (بوجهك الكريم) قال البيضاوي: وجه اللّه مجاز عن ذاته عزّ و جلّ، تقول العرب «أكرم اللّه وجهك»، بمعنى: أكرمك؛ و الكريم:

الشّريف النّافع الّذي لا ينفد عطاؤه.

(و اسمك العظيم)؛ أي: الأعظم من كلّ شي‏ء؛ (من الكفر) بجميع أنواعه، (و الفقر»)؛ أي: فقر المال، أو فقر النّفس. و ذا تعليم لأمّته.

قيل: و هذا يعارض «لا يسأل بوجه اللّه إلّا الجنّة»!!

و أجيب بأنّ الاستعاذة من الكفر سؤال الجنة.

(طب)؛ أي: أخرجه الطّبراني في كتاب «السّنّة» له؛ (عن عبد الرّحمن بن أبي بكر) الصّدّيق «شقيق عائشة (رضي الله تعالى عنهما)»، حضر بدرا مع الكفّار، ثمّ أسلم، و كان من أشجع قريش و أرماهم بسهم، تأخّر إسلامه إلى قبيل الفتح؛ قال الحافظ الهيثمي: و فيه من لم أعرفهم؛

2- ( «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من العجز)- بسكون الجيم-: عدم القدرة على الخير، و قيل: ترك ما يجب فعله؛ و التّسويف به. و قال المناوي: سلب القوّة؛ و تخلّف التّوفيق، إذ صفة العبد العجز، و إنّما يقوى بقوّة يحدثها اللّه، فكأنّه استعاذ به أن يكله إلى أوصافه، فإنّ كل من رد إليه فقد خذل.

394

و الكسل، و الجبن و البخل و الهرم، و القسوة و الغافلة و العيلة، و الذّلّة و المسكنة، ...

(و الكسل): التّثاقل و التّراخي عمّا لا ينبغي التّثاقل عنه، و يكون ذلك لعدم انبعاث النّفس للخير و قلّة الرّغبة فيه مع إمكانه؛ و العاجز معذور، و الكسلان غير معذور.

(و الجبن)- بضمّ فسكون-: الضّعف عن تعاطي القتال؛ خوفا على المهجة.

(و البخل)؛ و هو- في الشّرع-: منع الواجب، و- في اللّغة-: منع السّائل المحتاج عمّا يفضل عن الحاجة.

(و الهرم)- كبر السّنّ المؤدّي إلى تساقط القوى، و ذهاب العقل، و تخبّط الرّأي- و قال العلقمي: قال شيخنا: هو الردّ إلى أرذل العمر؛ لما فيه اختلال العقل و الحواسّ و الضّبط و الفهم، و تشويه بعض المنظر، و العجز عن كثير من الطّاعات، و التّساهل في بعضها. قال الموفّق البغداديّ: هو اضمحلال طبيعيّ و طريق للفناء ضروريّ، فلا شفاء له.

(و القسوة): غلظ القلب و صلابته، (و الغافلة): غيبة الشّي‏ء المهمّ عن البال، و عدم تذكّره، و استعمل في تاركه إهمالا و إعراضا؛ كما في قوله تعالى‏ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ‏ (1) [الأنبياء].

(و العيلة)- بالفتح-: الفقر، و هو مصدر «عال؛ يعيل؛ عيلة»: إذا افتقر، من باب باع، فهو عائل و الجمع عالة؛ و هي على تقدير فعله، مثل: كافر و كفره، و في نسخة شرح عليها العزيزي: و القلّة بدل العيلة؛ و هي بكسر القاف:

قلّة المال بحيث لا يجد كفافا.

(و الذّلّة)- بالكسر-: الهوان على النّاس بحيث يستخفّون به؛ و ينظرون إليه بعين الاحتقار. (و المسكنة)؛ أي: قلّة المال مع سوء الحال، و أما قلّة المال مع الصّبر؛ فممدوح.

395

و أعوذ بك من الفقر و الكفر، و الفسوق و الشّقاق، و النّفاق و السّمعة و الرّياء، و أعوذ بك من الصّمم و البكم و الجنون و الجذام، ...

(و أعوذ بك من الفقر)؛ أي: فقر النّفس، لا ما هو المتبادر من معناه من إطلاقه على الحاجة الضّروريّة، فإنّ ذلك يعمّ كلّ موجود* يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) [فاطر].

(و الكفر) عنادا؛ أو جحودا؛ أو نفاقا، و أورده عقب الفقر!! لأنّ الفقر قد يفضي إليه.

(و الفسوق): الخروج عن الاستقامة و الجور، و منه قيل للعاصي: فاسق.

(و الشّقاق)؛ أي: التّخاصم المؤدّي إلى أن يصير كلّ من المتخاصمين في شقّ؛ أي: جهة، كأنّ كلّ فريق يحرص على ما يشقّ الآخر، فيؤدّي إلى عدم الألفة.

(و النّفاق) الحقيقي؛ أو المجازي، (و السّمعة)- بضمّ السّين و سكون الميم-: إعلام بالعبادة بعد فعلها ليقال بصلاحه.

(و الرّياء)- بكسر الرّاء، و تخفيف التّحتيّة، و المد-: فعل العبادة؛ و النّاس يطّلعون ليقولوا بصلاحه. فالسّمعة: أن يعمل للّه خفية، ثمّ يتحدّث بها تنويها.

و الرّياء: أن يظهر العبادة بقصد رؤية النّاس لها ليحمدوه.

و قال ابن عبد السّلام: الرّياء أن يعمل لغير اللّه تعالى.

و ذكر هذه الخصال!! لكونها أقبح خصال النّاس، فاستعاذته منها إبانة عن قبحها، و زجر النّاس عنها بألطف وجه، و أمر بتجنّبها بالالتجاء إلى اللّه.

(و أعوذ بك من الصّمم): بطلان السّمع أو ضعفه، (و البكم)- بالتّحريك-:

الخرس، أو: أن يولد لا ينطق و لا يسمع، و الخرس: أن يخلق بلا نطق.

(و الجنون): زوال العقل.

(و الجذام): هو علّة يحمرّ منها العضو، ثمّ يسودّ، ثمّ يتقطّع و يتناثر.

396

و البرص و سيّئ الأسقام». (ك، هق؛ عن أنس).

3- «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ...

قال المناوي: علّة تسقط الشّعر و تفتّت اللّحم، و تجري الصّديد منه.

(و البرص): هو بياض شديد يبقّع الجلد و يذهب دمويّته.

(و سيّئ الأسقام»): الأمراض الفاحشة الرّديئة المؤدّية إلى فرار الحميم‏ (1)، و قلّة الأنيس أو فقده؛ كالاستسقاء و السّل و المرض المزمن؛ و هذا من إضافة الصّفة للموصوف، أي: الأسقام السّيّئة.

قال التوربشتي: و لم يستعذ من سائر الأسقام!! لأنّ منها ما إذا تحامل الإنسان فيه على نفسه بالصّبر خفّت مئونته؛ كحمّى و صداع و رمد.

و إنّما استعاذ من السّقم المزمن؛ فينتهي صاحبه إلى حال يفرّ منه الحميم، و يقلّ دونه المؤانس و المداوي مع ما يورث من الشّين.

و هذه الأمراض لا تجوز على الأنبياء، بل يشترط في النّبي سلامته من كل منفّر؛ و إنّما ذكرها تعليما للأمّة كيف تدعو.

(ك هق)؛ أي: أخرجه الحاكم، و البيهقي في «السّنن» في «كتاب الدّعاء»؛ (عن أنس)؛ قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في دعائه: «اللّهمّ ...» إلى آخره. قال الحاكم: صحيح. و أقرّه الذّهبي.

3- ( «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع): هو 1- ما لم يأذن في تعلّمه شرعا؛ كعلم الفلسفة، أو 2- ما لا يصحبه عمل، أو 3- ما لا يهذّب الأخلاق الباطنة فيسري منها إلى الأفعال الظّاهرة؛ و يفوز بها إلى الثّواب الآجل، و أنشد:

يا من تقاعد عن مكارم خلقه‏ * * * ليس التّفاخر بالعلوم الزّاخرة

من لم يهذّب علمه أخلاقه‏ * * * لم ينتفع بعلومه في الآخرة

____________

(1) الصّديق، لا المصاب بالحمى المسمّى «المحموم». (عبد الجليل).

397

و قلب لا يخشع، و دعاء لا يسمع، و نفس لا تشبع، و من الجوع فإنّه بئس الضّجيع، و من الخيانة فإنّها بئست البطانة، ...

(و قلب لا يخشع) لذكر اللّه سبحانه، و لا لاستماع كلامه، و هو القلب القاسي الّذي هو أبعد القلوب من حضرة علّام الغيوب.

و إنّ أبعد قلوب النّاس‏ * * * من ربّنا الرّحيم قلب قاسي‏

(و دعاء لا يسمع) سماع قبول؛ أي: لا يستجاب و لا يعتدّ به، فكأنّه غير مسموع.

(و نفس لا تشبع) من جمع المال، أو من كثرة الأكل؛ الجالبة لكثرة الأبخرة؛ الموجبة لكثرة النّوم، المؤدّية إلى فقر الدّنيا و الآخرة.

و يؤخذ من الحديث جواز السّجع في الأدعية؛ و محلّه إذا لم يكن بتكلّف و استعمال فكره، و إلّا كره؛ لما فاته في مقام الدّعاء من الخضوع و الذّلّة و الخشوع.

(و من الجوع)؛ حقيقته: أنّه الألم الحاصل من خلوّ المعدة من المأكول؛ و لا ينافي ذلك قول أهل الطّريق: إنّ الجوع مطلوب لرياضة النّفس، لأنّ المستجار منه هو الّذي ليس فيه مصلحة شرعيّة، أو يضرّ بالجسد.

(فإنّه بئس الضّجيع): المضاجع لي في فراشي. استعاذ منه، لأنّه يمنع استراحة البدن، و يحلّل المواد المحمودة بلا بدل، و يشوّش الدّماغ، و يورث الوسواس، و يضعف البدن عن القيام بوظائف العبادات؛ لا سيّما قيام التّهجّد.

(و من الخيانة): مخالفة الحقّ بنقض العهد في السّرّ، سواء كانت خيانة للغير؛ كالخيانة في الوديعة، أو خيانة للنّفس؛ كأن لا يمتثل المأمورات و المنهيّات، فمن ضيّع شيئا ممّا أمر اللّه به؛ أو ارتكب شيئا ممّا نهى اللّه عنه فقد خان نفسه، إذ جلب إليها الذّم في الدّنيا و العقاب في الآخرة.

(فإنّها بئست البطانة)- بكسر الباء؛ ضد الظهارة- و هي في الأصل: الثّوب‏

398

و من الكسل و البخل و الجبن، و من الهرم، و أن أردّ إلى أرذل العمر، و من فتنة الدّجّال و عذاب القبر، ...

الملاصق للجسد، و الجهة الّتي لا تلاصقه تسمّى «ظهارة»، فاستعيرت لكلّ شي‏ء ملازم، يقال: بطانة الرّجل: أهله و عياله؛ و المراد هنا: الصّفة الملازمة للشّخص؛ أي: بئست الخصلة الّتي يحرص عليها الشّخص و يخفيها؛ فشبّهها ببطانة الثّوب الملاصق للجسد الّتي لها ظهارة؛ بجامع الخفاء.

(و من الكسل): عدم انبعاث النّفس لفعل الخير، (و البخل): منع السّائل المحتاج عمّا يفضل عن الحاجة. (و الجبن)- بضم فسكون-: الخور عن تعاطي الحرب؛ خوفا على المهجة (1).

(و من الهرم): الكبر المؤدّي إلى ترك الأعمال الصّالحة و التخبّط في العقل.

(و أن أردّ إلى أرذل العمر) أي: العمر الأرذل؛ أي: الرّدي بأن يسلب صفة التّمييز، فيعود كالطّفل.

قال الطّيبيّ: المطلوب عند المحققين من العمر التفكّر في آلاء اللّه تعالى و نعمائه تعالى من خلق الموجودات؛ قياما بواجب الشّكر بالقلب و الجوارح؛ و الفاقد لذلك كالشّي‏ء الّذي لا ينتفع به، فينبغي أن يستعاذ منه.

(و من فتنة الدّجّال): محنته، و هي أعظم فتن الدّنيا. و الدّجال: فعّال بالتّشديد- و هو من الدّجل؛ بمعنى التّغطية، لأنّه يغطّي الحقّ بباطله، و لهذا سمّي الكذّاب «دجّالا».

(و عذاب القبر): عقوبته. و مصدره التّعذيب، فهو مضاف للفاعل مجازا، أو هو من إضافة المظروف لظرفه، فهو على تقدير «في»؛ أي: من عذاب في القبر.

____________

(1) القلب. أو النفس أو الروح. و كلها بمعنى. (عبد الجليل).

399

و من فتنة المحيا و الممات.

اللّهمّ؛ إنّا نسألك قلوبا أوّاهة مخبتة منيبة في سبيلك.

اللّهمّ؛ إنّا نسألك عزائم مغفرتك و منجيات أمرك، ...

و فيه إثبات عذاب القبر، و الإيمان به واجب؛ و أضيف العذاب إلى القبر!! لأنّه الغالب، و إلّا! فكلّ ميّت أراد اللّه تعذيبه أناله ما أراد به قبر أو لم يقبر، و لو صلب أو غرق في البحر، أو أكلته السّباع، أو حرق حتّى صار رمادا، أو ذرّي في الرّيح.

و هو- أي: عذاب القبر- على الرّوح و البدن جميعا باتّفاق أهل السّنّة، و كذا القول في النّعيم؛ قال ابن القيم:

ثمّ عذاب القبر قسمان: دائم؛ و هو عذاب الكفّار و بعض العصاة. و منقطع؛ و هو عذاب من خفّت جرائمهم من العصاة، فإنّه يعذب بحسب جريمته، ثمّ يرفع عنه، و قد يرفع بدعاء أو صدقة أو نحو ذلك. انتهى.

(و من فتنة المحيا)- بفتح الميم- أي: ما يعرض للإنسان مدّة حياته من الافتتان بالدّنيا و الشّهوات و الجهالات؛ و أعظمها- و العياذ باللّه تعالى- أمر الخاتمة عند الموت.

(و) من فتنة (الممات)؛ أي: الفتنة الواقعة قرب الموت؛ أضيفت إليه لقربها منه، فهي في الحياة، فعطفها من عطف الخاصّ اهتماما بها.

(اللّهمّ؛ إنّا نسألك)؛ أي: نطلب منك‏ (قلوبا أوّاهة): كثيرة الدّعاء و التضرّع؛ ليترتّب عليها إظهار الاحتياج.

(مخبتة): خاشعة مطيعة منقادة، (منيبة): راجعة إليك بالتّوبة، مقبلة عليك‏ (في سبيلك)؛ أي: الطّريق إليك.

(اللّهمّ؛ إنّا نسألك عزائم مغفرتك)؛ أي: أسباب مغفرتك المؤكّدة؛ لأنّ العزم: التّصميم، (و منجيات أمرك)؛ أي: ما ينجّي من عقابك و يصون عن عذابك.

400

و السّلامة من كلّ إثم، و الغنيمة من كلّ برّ، و الفوز بالجنّة، و النّجاة من النّار». (ك؛ عن ابن مسعود).

4- «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من الكسل و الهرم، و المأثم و المغرم، ...

(و السّلامة من كلّ إثم) معصية، (و الغنيمة من كلّ برّ)- بكسر الموحّدة-:

خير و طاعة، (و الفوز بالجنّة، و النّجاة من النّار»): عذابها، و هذا ذكره للتّشريع و التّعليم.

و فيه دليل على ندب الاستعاذة من الفتن، و لو علم المرء أنّه يتمسّك فيه بالحقّ، لأنّها قد تفضي إلى وقوع ما لا يحترز من وقوعه.

قال ابن بطّال: و فيه ردّ للحديث الشّائع: «لا تستعيذوا باللّه من الفتن، فإنّ فيها حصاد المنافقين»؛ أي: هلاكهم.

قال ابن حجر: قد سئل عنه قديما ابن وهب فقال: إنّه باطل؛ و قال الحفني على «الجامع»: إنّه حديث موضوع لا أصل له.

(ك)؛ أي: أخرجه الحاكم في «الدّعاء»؛ (عن) عبد اللّه‏ (بن مسعود) (رضي الله تعالى عنه)، و قال: صحيح الإسناد؛ قال الحافظ العراقي: و ليس كما قال، إلّا أنّه ورد في أحاديث جيدة الإسناد، ذكره المناوي (رحمه الله تعالى).

4- ( «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من الكسل و الهرم، و المأثم)- بفتح الميم، و إسكان الهمزة، و فتح المثلّثة-: الإثم كبيرا أو صغيرا.

(و المغرم)- بفتح الميم و إسكان الغين و فتح الراء-: كلّ ما فيه خسارة دين؛ أو دنيا. و في حديث صحيح: قال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول اللّه!! قال: «الرّجل إذا غرم حدّث فكذب، و وعد فأخلف». أي: و هذا من الخسارة في الدّين.

401

و من فتنة القبر و عذاب القبر، و من فتنة النّار و عذاب النّار، و من شرّ فتنة الغنى، و أعوذ بك من فتنة الفقر، و من فتنة المسيح الدّجّال.

و خسارة الدّنيا كالخسارة في التّجارة و القرض مع عدم القدرة على الوفاء؛ و استعاذته صلى اللّه عليه و سلم تعليم لأمّته و إظهار للعبوديّة و الافتقار.

(و من فتنة القبر) التّحير في جواب منكر و نكير (و عذاب القبر)- عطف عام على خاص- فعذابه قد ينشأ عن الفتنة بأن يتحيّر فيعذّب لذلك، و قد يكون لغير الفتنة؛ كأن يجيب بالحقّ و لا يتحيّر، ثمّ يعذب على تفريطه في بعض المأمورات أو المنهيّات كإهمال التّنزّه عن البول و نحو ذلك. فتنبّه.

(و من فتنة النّار) هي سؤال الخزنة على جهة التّوبيخ، و إليه الإشارة بقوله تعالى‏ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) [الملك‏] (و عذاب النّار)؛ أي:

إحراقها بعد فتنتها.

(و من شرّ فتنة الغنى)؛ أي: البطر و الطّغيان و التّفاخر به، و صرف المال في المعاصي.

(و أعوذ بك من فتنة الفقر): حسد الأغنياء، و الطّمع في مالهم، و التّذلّل لهم بما يدنّس العرض و يثلم الدّين، و عدم الرّضا بالمقسوم.

و ذكر لفظ «شرّ» في الفقرة الأولى؛ دون الثّانية هو ما وقع في هذه الرّواية، و جاء في رواية إثباتها فيهما، و في رواية أخرى حذفها فيهما.

(و من فتنة المسيح)- بفتح الميم، و خفّة السّين، و بحاء مهملة-.

سمّي به!! لكون إحدى عينيه ممسوحة، أو لمسح الخير منه؛ فعيل بمعنى مفعول، أو لمسحه الأرض، أو قطعها في أمد قليل؛ فهو بمعنى فاعل، أي:

مصيبة أو اختبار المسيح.

(الدّجّال)؛ و ذكر الدّجال بعد المسيح!! لئلّا يتوهّم المسيح سيدنا عيسى (عليه الصلاة و السلام)، و إنّما استعاذ منه؛ مع كونه لا يدركه!! نشرا لخبره بين أمّته جيلا

402

اللّهمّ؛ اغسل عنّي خطاياي بالماء و الثّلج و البرد، و نقّ قلبي من الخطايا كما ينقّى الثّوب الأبيض من الدّنس، و باعد بيني و بين خطاياي؛ ...

بعد جيل؛ لئلّا يلتبس كفره على مدركه.

(اللّهمّ؛ اغسل): أزل‏ (عنّي خطاياي)؛ أي: ذنوبي، لو فرض أن لي ذنوبا، أو ذكره للتّشريع.

(بالماء و الثّلج و البرد)- بفتحتين-: حب الغمام، و جمع بينهما!! مبالغة في التّطهير، أي: طهّرني منها بأنواع مغفرتك.

و خصّها!! لأنّها لبردها أسرع لإطفاء حرّ عذاب النّار الّتي هي غاية الحرّ، و جعل الخطايا بمنزلة جهنّم؛ لكونها سببها، فعبّر عن إطفاء حرّها بذلك، و بالغ باستعمال المبرّدات؛ مترقّيا عن الماء إلى أبرد منه، و هو الثلج، ثمّ إلى أبرد منه و هو البرد، بدليل جموده، و مصيره جليدا، و الثّلج يذوب؛ قاله المناوي.

و في «حواشي الحفني»: شبّه الخطايا بالدّنس الحسّي الّذي يتباعد عنه، و الغسل تخييل، و الماء و الثلج و البرد ترشيح باق على معناه، أو مستعار لعمل البرّ المطهر من الدّنس؛ بجامع إزالة ما يكره.

فالمراد من الغسل المذكور المغفرة، و قال ابن دقيق العيد: عبّر بذلك عن غاية المحو، فإنّ الثّوب الّذي يتكرّر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النّقاء. انتهى.

(و نقّ)- بفتح النّون و شدّ القاف- (قلبي) الّذي هو ملك الأعضاء، و استقامتها باستقامته. (من الخطايا) تأكيد للسّابق، و مجاز عن إزالة الذّنوب و محو أثرها، (كما ينقّى الثّوب الأبيض من الدّنس)- بفتح الدّال و النّون- أي: الوسخ، و لما كان الدّنس في الثّوب الأبيض أظهر من غيره من الألوان وقع التّشبيه به.

(و باعد)؛ أي: أبعد. و عبّر بالمفاعلة مبالغة (بيني و بين خطاياي) كرّر (بين) هنا دون ما بعده؛ لأنّ العطف على الضّمير المجرور يعاد فيه الخافض.

403

كما باعدت بين المشرق و المغرب» (ق، ت، ن، ه.

عن عائشة).

5- اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من التّردّي و الهدم، و الغرق ...

(كما باعدت)؛ أي: كتبعيدك‏ (بين المشرق): موضع الشّروق، و هو مطلع الأنوار، (و المغرب») أي: محل الأفول.

و هذا مجاز؛ لأنّ حقيقة المباعدة، إنّما هي في الزّمان و المكان، أي: امح ما حصل من ذنوبي، و حل بيني و بين ما يخاف من وقوعها حتّى لا يبقى لها اقتراب مني بالكلّيّة، ف «ما» مصدريّة، و الكاف للتّشبيه.

و موقع التّشبيه أنّ التقاء المشرق و المغرب محال، فشبّه بعد الذّنب عنه ببعد ما بينهما، و الثّلاثة إشارة لما يقع في الأزمنة الثّلاثة، فالمباعدة للمستقبل، و التّنقية للحال، و الغسل للماضي؛ و النّبي معصوم، و إنّما قصد تعليم الأمّة و إظهار العبوديّة.

(ق)؛ أي: متّفق عليه، أي: رواه البخاري و مسلم في «الدعوات».

(ت)؛ أي: و رواه التّرمذي بتقديم و تأخير.

(ن، ه)؛ أي: و رواه النّسائي و ابن ماجه مختصرا: كلّهم؛

(عن عائشة) (رضي الله تعالى عنها)، و خرّجه الحاكم بزيادة:

5- ( «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من التردّي)؛ أي: السّقوط من مكان عال كشاهق جبل، أو السّقوط في بئر. و التّردّي: تفعّل، من الرّدى، و هو الهلاك.

(و الهدم)- بسكون الدّال؛ أي: سقوط البناء، و وقوعه على الإنسان، و روي بالفتح، و هو: اسم لما انهدم منه، (و الغرق). قال المناوي:- بكسر الرّاء؛ كفرح-: الموت بالغرق، و قيل: بفتح الرّاء، قال العلقمي:

بفتح الرّاء مصدر، و هو الّذي غلبه الماء و قوي عليه فأشرف على‏

404

و الحرق، و أعوذ بك أن يتخبّطني الشّيطان عند الموت، و أعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا، و أعوذ بك أن أموت لديغا». (ن، ك؛ عن أبي اليسر).

الهلاك؛ و لم يغرق، فإذا غرق فهو غريق.

(و الحرق)- بفتح الحاء و الرّاء-: الالتهاب بالنّار، و إنّما استعاذ من الهلاك بهذه الأسباب؛ مع ما فيه من نيل الشّهادة!! لأنّها مجهدة مقلقة، لا يكاد الإنسان يصبر عليها، و يثبت عندها، فربّما استزلّه الشّيطان فحمله على ما يخلّ بدينه.

(و أعوذ بك أن يتخبّطني الشّيطان) التخبّط: الصّرع، و المراد هنا: غلبة الشّيطان، قال القاضي: تخبّط الشّيطان: مجاز عن إضلاله و تسويله. انتهى.

و قال المناوي: أي: يصرعني و يلعب بي و يفسد عليّ ديني.

(عند الموت)، بنزغاته الّتي تزلّ بها الأقدام، و تصرع العقول و الأحلام، و قد يستولي على المرء عند فراق الدّنيا فيضلّه، أو يمنعه التّوبة، أو يعوقه عن الخروج عن مظلمة قبله، أو يؤيّسه من الرّحمة، أو يكرّه له الرّحمة فيختم له بسوء و العياذ باللّه-! و هذا تعليم للأمّة، فإنّ شيطانه أسلم، و لا تسلّط له؛ و لا لغيره عليه بحال من الأحوال، بل سائر الأنبياء على هذا المنوال.

(و أعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا) عن الحقّ، أو عن قتال الكفّار حيث حرم الفرار، و هذا و ما أشبهه تعليم للأمّة، و إلّا! فرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم آمن من ذلك كله، و لا يجوز له الفرار مطلقا.

(و أعوذ بك أن أموت لديغا») فعيل: بمعنى مفعول، و اللّدغ- بدال مهملة، و غين معجمة- يستعمل في ذوات السّمّ؛ كحيّة و عقرب، و- بعين مهملة و ذال معجمة- يستعمل في الإحراق بنار كالكيّ، و الأول هو المراد هنا.

(ن، ك)؛ أي: أخرجه النّسائي، و الحاكم، و كذا أخرجه أبو داود في «الصّلاة» كلّهم؛ (عن أبي اليسر)- بفتح المثنّاة التّحتيّة و السّين المهملة المفتوحة