منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - ج4

- عبد الله بن سعيد محمد العبادي المزيد...
531 /
405

6- «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من زوال نعمتك و تحوّل عافيتك، و فجاءة نقمتك و جميع سخطك». (م، د، ت؛ عن ابن عمر).

و راء آخره-، و اسمه: كعب بن عمرو الأنصاري السّلمي- بفتحتين- مشهور باسمه و كنيته، شهد العقبة و بدرا، و له فيها آثار كثيرة.

و هو الّذي أسر العبّاس يوم بدر، و كان قصيرا دحداحا؛ عظيم البطن.

و مات بالمدينة المنوّرة سنة خمس و خمسين (رضي الله تعالى عنه).

6- ( «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من زوال نعمتك)؛ أي: ذهابها، مفرد في معنى الجمع، يعمّ النّعم الظّاهرة و الباطنة؛ و النّعمة: كلّ ملائم تحمد عاقبته، و من ثمّ قالوا: لا نعمة للّه على كافر، بل ملاذّه استدراج.

و الاستعاذة من زوال النّعم تتضمّن الحفظ عن الوقوع في المعاصي؛ لأنّها تزيلها، أ لا تسمع قوله:

إذا كنت في نعمة فارعها * * * فإنّ المعاصي تزيل النّعم‏

و حافظ عليها بشكر الإله‏ * * * فإنّ الإله سريع النّقم‏

(و تحوّل عافيتك)؛ أي: تبدّلها.

قال العلقمي: فإن قلت: ما الفرق بين الزّوال و التّحول؟! قلت: الزّوال يقال في كلّ شي‏ء كان ثابتا في شي‏ء ثمّ فارقه. و التّحوّل: تغيّر الشّي‏ء و انفصاله عن غيره، فكأنّه سأل دوام العافية، و هي السّلامة من الآلام و الآثام.

(و فجاءة)- بالضّمّ و المدّ، و [فجأة] بالفتح و القصر-: بغتة (نقمتك) بكسر فسكون- أي: غضبك، (و جميع سخطك»)- بالتحريك- أي: سائر الأسباب الموجبة لذلك، و إذا انتفت أسبابها حصلت أضدادها، و هو تعميم بعد تخصيص.

(م، د، ت)؛ أي: أخرجه مسلم، و أبو داود، و التّرمذي: كلّهم؛ (عن ابن عمر) بن الخطاب، (رضي الله تعالى عنهما).

406

7- «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من منكرات الأخلاق و الأعمال و الأهواء و الأدواء». (ت، طب؛ ك؛ عن عمّ زياد بن علاقة [(رضي الله تعالى عنه)‏]).

8- «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من شرّ سمعي، و من شرّ بصري، و من شرّ لساني، ...

7- ( «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من منكرات الأخلاق)؛ كحقد و بخل، و حسد و عجب، و لؤم و كبر و نحوها.

(و الأعمال)؛ أي: منكرات الأعمال، و هي الكبائر؛ كقتل و زنا، و شرب مسكر و سرقة، و نحوها؛ و هو من إضافة الصّفة للموصوف، أي: الأعمال المنكرات و الأخلاق المنكرات؛ و ذكر ذلك مع عصمته تعليما لأمّته،

(و) منكرات‏ (الأهواء)؛ و هي الزّيغ و الانهماك في الشّهوات، جمع هوى، مقصور هوى النّفس، و هو ميلها إلى المستلذّات و المستحسنات عندها، لأنّه يشغل عن الطّاعة، و يؤدّي إلى الأشر و البطر؛ قاله المناوي.

(و الأدواء»)- جمع داء- كجذام، و برص، و سلّ، و استسقاء، و ذات جنب، و نحوها، فهذه كلّها بوائق الدّهر.

(ت، طب، ك)؛ أي: أخرجه التّرمذي، و الطّبراني في «الكبير»، و الحاكم، كلّهم؛ (عن عمّ زياد بن علاقة)- بكسر العين المهملة- هو: قطبة بن مالك، قال التّرمذي: حسن غريب.

8- ( «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من شرّ سمعي)؛ أن أسمع به ما لا يحلّ سماعه، (و من شرّ بصري)؛ أن أنظر به إلى محرّم، (و من شرّ لساني)؛ أي: نطقي، فإنّ أكثر الخطايا منه، و هو الّذي يورد المرء في المهالك.

و خصّ هذه الجوارح!! لما أنّها مناط الشّهوة و مثار اللّذة.

قال ابن رسلان: فيه الاستعاذة من شرور هذه الجوارح الّتي هي مأمور

407

و من شرّ قلبي، و من شرّ منيّي». (د، ك؛ عن شكل [(رضي الله تعالى عنه)‏]).

9- «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من يوم السّوء، ...

بحفظها، كما قال‏ وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ راعُونَ‏ (8) [المؤمنون‏]. فالسّمع أمانة، و البصر أمانة، و اللّسان أمانة، و هو مسئول عنها، قال تعالى‏ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (36) [الإسراء] فمن لم يحفظها، و يتعدّى فيها الحدود؛ عصى اللّه تعالى، و خان الأمانة، و ظلم نفسه، فكلّ جارحة ذات شهوة لا يستطيع دفع شرّها؛ إلّا بالالتجاء إلى اللّه تعالى، لكثرة شرّها و آفاتها، و للّسان آفات كثيرة، غالبها الكذب، و الغيبة، و المماراة، و المدح، و المزاح.

(و من شرّ قلبي)؛ يعني: نفسي؛ و النّفس مجمع الشّهوات و المفاسد بحبّ الدّنيا و الرّهبة من الخلق، و خوف فوت الرّزق، و الأمراض القلبيّة؛ من نحو حسد و حقد، و طلب رفعة، و غير ذلك، و لا يستطيع الآدميّ دفع شرّها إلّا بالإعانة و الالتجاء إلى اللّه سبحانه و تعالى.

(و من شرّ منيّي»)؛ أي: شهوتي المحرّكة لمنيّي، أي: من شرّ شدّة الغلمة، و سطوة الشّبق إلى الجماع الّذي إذا أفرط ربّما أوقع في الزّنا أو مقدّماته؛ لا محالة، فهو حقيق بالاستعاذة من شرّه.

و خصّ هذه الأشياء بالاستعاذة؛ لأنّها أصل كلّ شرّ، قاعدته و منبعه. كما تقرّر؛ قاله المناوي.

(د، ك)؛ أي: أخرجه أبو داود، و الحاكم، و كذا أخرجه التّرمذي: كلّهم؛

(عن شكل)- بشين معجمة، و كاف، مفتوحتين- ابن حميد العبسي، له صحبة، و لم يرو عنه إلّا ابنه؛ قال البغوي: و لا أعلم له غير هذا الحديث!. قال شكل: قلت يا رسول اللّه؛ علّمني تعوّذا أتعوّذ به، فأخذ بكفّي ... فذكره، قال التّرمذي: حسن غريب.

9- ( «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من يوم السّوء)؛ أي: اليوم الّذي يقع فيه منّي‏

408

و من ليلة السّوء، و من ساعة السّوء، و من صاحب السّوء، و من جار السّوء في دار المقامة». (طب؛ عن عقبة بن عامر [(رضي الله تعالى عنه)‏]).

10- «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ برضاك من سخطك، ...

سوء و فحش، أو الذي يحصل لي فيه ضرر في بدني أو مالي، أو الّذي يحصل فيه غفلة بعد المعرفة، و لا مانع من إرادة الكلّ.

(و من ليلة السّوء، و من ساعة السّوء) كذلك، (و من صاحب السّوء)؛ أي: أصحاب السّوء؛ لأنّه مفرد مضاف بأن لا يرى منهم إلّا الأذى، و صاحب:

فاعل، و جمعه: صحابة- بفتح الصاد- و لم ينقل جمع فاعل على «فعالة» إلّا هذا، أي: فهو من الجموع الشّاذّة، أو هو اسم جمع.

(و من جار السّوء) الّذي إذا رأى خيرا كتمه و إذا رأى شرّا أذاعه؛ (في دار المقامة»)، فإنّ الضّرر فيها يدوم بخلاف السّفر. زاد في رواية: «فإنّ جار البادية يتحوّل». و المقامة- بالضّمّ-: الإقامة، كما في «الصّحاح»؛ قال: و قد تكون بمعنى القيام، لأنّك إذا جعلته من: قام يقوم؛ فمفتوح، أو من: أقام يقيم؛ فمضموم.

و قوله تعالى‏ لا مُقامَ لَكُمْ‏ (1)؛ أي: لا موضع لكم، و قرئ‏ لا مُقامَ لَكُمْ‏- بالضمّ-، أي: لا إقامة لكم. انتهى؛ ذكره المناوي.

(طب) أي: أخرجه الطّبراني في «الكبير»؛ (عن عقبة بن عامر)؛ قال الحافظ نور الدّين الهيثمي: رجاله ثقات، و أعاده في موضع آخر؛ و قال: رجاله رجال الصّحيح؛ غير بشر بن ثابت، و هو ثقة.

10- (اللّهمّ، إنّي أعوذ برضاك من سخطك)؛ أي: بما يرضيك عمّا يسخطك، فقد خرج العبد هنا عن حظّ نفسه بإقامة حرمة محبوبه، فهذا للّه، ثمّ الّذي لنفسه من هذا الباب قوله:

____________

(1) قرأ حفص بضم الميم الأولى، و باقي القراء بفتحها.

409

و بمعافاتك من عقوبتك، و أعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» ...

(و بمعافاتك من عقوبتك) استعاذ بمعافاته بعد استعاذته برضاه!! لأنّه يحتمل أن يرضى عنه من جهة حقوقه و يعاقبه على حقوق غيره.

(و أعوذ بك منك)؛ أي: برحمتك من عقوبتك، فإنّ ما يستعاذ منه صادر عن مشيئته و خلقه بإذنه و قضائه، فهو الّذي سبّب الأسباب التي يستعاذ منها خلقا و كونا، و هو الّذي يعيذ منها و يدفع شرّها خلقا و كونا، فمنه السّبب و المسبّب، و هو الّذي حرّك الأنفس و الأبدان، و أعطاها قوى التّأثير، و هو الّذي أوجدها و أعدّها و أمدّها، و هو الّذي يمسكها إذا شاء، و يحول بينها و بين قواها و تأثيرها، فتأمل ما تحت قوله «أعوذ بك منك» من محضر التوحيد و قطع الالتفات إلى غيره، و تكميل التوكّل عليه، و إفراده بالاستعانة و غيره!!.

(لا أحصي ثناء عليك) في مقابلة نعمة واحدة من نعمك، وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [18/ النحل‏]. و الغرض منه الاعتراف بتقصيره عن أداء ما أوجب عليه من حقّ الثّناء عليه تعالى.

(أنت كما أثنيت على نفسك») بقولك‏ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَ رَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (36) [الجاثية]. و غير ذلك مما حمدت به نفسك، و هذا اعتراف بالعجز عن التّفصيل، و أنّه غير مقدور؛ فوكّله إليه سبحانه، و كما أنّه لا نهاية لصفاته لا نهاية للثّناء عليه، إذ الثّناء تابع للمثنى عليه، فكلّ ثناء أثني عليه به؛ و إن كثر و طال و بولغ فيه فقدر اللّه أعظم، و سلطانه أعزّ، و صفاته أجلّ؛ ذكره القاضي.

و المعنى: إن أردت أن أثني عليك في مقابلة نعمة لم أطق، فحينئذ أنت موصوف بالثّناء الّذي مثل ثنائك على نفسك.

قال العلماء: و لو حلف «أن يثني عليه تعالى أجلّ الثّناء» برّ بقوله:

«سبحانك؛ لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»؛ لأنّ أحسن الثّناء

410

(م، 4؛ عن عائشة).

11- «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك ...

و أجلّه ثناء اللّه تعالى على نفسه.

و أمّا مجامع الحمد و أجلّه فهو قوله: الحمد للّه حمدا يوافي نعمه و يكافئ مزيده، فلو حلف «ليحمدن اللّه بمجامع الحمد أو: بأجلّ التّحاميد»!! فطريقه:

أن يقول ذلك. يقال: إنّ جبريل (عليه السلام) قاله لآدم (عليه الصلاة و السلام)، و قال: قد علّمتك «مجامع الحمد».

و معنى قوله: يوافي نعمه؛ أي: يلاقيها فتحصل معه، و يكافئ مزيده؛ أي:

يساويه فيقوم بشكر ما زاد من النّعم.

و قد تقدّم الكلام على ذلك في شرح خطبة المصنّف.

(م، 4)؛ أي: أخرجه مسلم، و الأربعة: أبو داود، و الترمذي، و النسائي، و ابن ماجه؛ (عن عائشة) (رضي الله تعالى عنها) قالت:

فقدت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ليلة من الفراش فالتمسته؛ فوقعت يدي على بطن قدميه، و هو بالمسجد. و هما منصوبتان، و هو يقول ذلك.

11- ( «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك)، استعاذته صلى اللّه عليه و سلم من هذه الأمور الّتي عصم منها إنّما هو ليلتزم خوف اللّه تعالى و إعظامه، و الافتقار إليه، و لتقتدي به الأمّة، و ليبين لهم صفة الدّعاء؛ و المهم منه.

و «أعوذ»: لفظه لفظ الخبر؛ و معناه الدّعاء. قالوا: و في ذلك تحقيق الطّلب؛ كما قيل في «غفر اللّه» بلفظ الماضي، و الباء للإلصاق المعنويّ للتخصيص، كأنّه خصّ الرّبّ بالاستعاذة، و قد جاء في الكتاب و السّنّة «أعوذ باللّه»، و لم يسمع: باللّه أعوذ؛ لأنّ تقديم المعمول تفنّن و انبساط، و الاستعاذة حال خوف و قبض، بخلاف «الحمد للّه»، و «للّه الحمد»؛ لأنّه حال شكر، و تذكير إحسان و نعم.

411

من شرّ ما عملت؛ و من شرّ ما لم أعمل». (م، د، ن، ه؛ عن عائشة).

12- «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من الفقر و القلّة و الذّلّة، و أعوذ بك من أن أظلم، أو أظلم». (د، ن، ه، ك؛ ...

(من شرّ ما عملت)؛ أي: من شرّ ما اكتسبته ممّا يقتضي عقوبة في الدنيا؛ أو نقصا في الآخرة.

(و من شرّ ما لم أعمل»)؛ أي: بأن تحفظني منه في المستقبل؛ و هذا تعليم للأمّة؛ أو المراد: شرّ عمل غيري، فإنّ عمل الشّر من شخص ينزل وبالا عليه و على غيره، فأعوذ بك من شرّ عموم وباله بالنّاس، قال تعالى‏ وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [52/ الأنفال‏]. أو المراد: ما ينسب إليّ افتراء؛ و لم أعمله.

و تقديم الميم على اللّام فيهما هو ما في «مسلم» و غيره، و عكسه الواقع لحجة الإسلام في «الإحياء» متعقّب بالردّ، نعم؛ جاء في خبر مرسل.

(م، د، ن، ه) أي: أخرجه مسلم، و أبو داود، و النسائي، و ابن ماجه:

كلهم؛ (عن عائشة) (رضي الله تعالى عنها)، و لم يخرّجه البخاري!!.

12- ( «اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من الفقر و القلّة)- بكسر القاف- أي: قلّة المال التي يخشى منها، و قلّة الصبر على الإقلال، و تسلّط الشيطان عليه بوسوسته؛ بذكر تنعّم الأغنياء و ما هم فيه، (و الذّلّة، و أعوذ بك من أن أظلم)- بفتح الهمزة و كسر اللام مبنيّا للفاعل- أي: أظلم أحدا من المسلمين و المعاهدين. و يدخل فيه ظلم نفسه بمعصية اللّه تعالى. (أو أظلم)- بضم الهمزة و فتح اللام؛ بالبناء للمفعول- أي: يظلمني أحد. و في الحديث: ندب الاستعاذة من الظّلم و الظّلمة، و أراد بهذه الأدعية تعليم أمته.

(د، ن، ه، ك)؛ أي: أخرجه أبو داود، و النسائي، و ابن ماجه،

412

عن أبي هريرة [(رضي الله تعالى عنه)‏]).

13- «اللّهمّ؛ ربّنا و ربّ كلّ شي‏ء .. أنا شهيد أنّك أنت الرّبّ وحدك لا شريك لك. اللّهمّ؛ ربّنا و ربّ كلّ شي‏ء .. أنا شهيد أنّ محمّد (صلّى اللّه عليه و سلم) عبدك و رسولك.

اللّهمّ؛ ربّنا و ربّ كلّ شي‏ء .. أنا شهيد أنّ العباد كلّهم إخوة.

اللّهمّ؛ ربّنا و ربّ كلّ شي‏ء .. اجعلني مخلصا لك و أهلي في كلّ ساعة في الدّنيا و الآخرة، ...

و الحاكم؛ (عن أبي هريرة) (رضي الله تعالى عنه)، و سكت عليه أبو داود، و لم يعترضه المنذري!!.

13- ( «اللّهمّ؛ ربّنا) يا ربنا (و ربّ كلّ شي‏ء أنا شهيد)؛ أي: شاهد على‏ (أنّك أنت الرّب)؛ أي: الإله الخالق المتفرّد بالإيجاد و الإمداد (وحدك)؛ أي: منفردا في ذاتك‏ (لا شريك لك) في صفاتك و أفعالك.

(اللّهمّ؛ ربّنا و ربّ كلّ شي‏ء، أنا شهيد) على‏ (أنّ محمّدا صلى اللّه عليه و سلم عبدك و رسولك) إلى كافّة الخلق.

(اللّهمّ؛ ربّنا و ربّ كلّ شي‏ء، أنا شهيد) على‏ (أنّ العباد)؛ أي: المؤمنين منهم‏ (كلّهم إخوة)؛ أي: متّصفون بصفة واحدة؛ و هي الإيمان، قال اللّه تعالى‏ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [10/ الحجرات‏].

(اللّهمّ؛ ربّنا و ربّ كلّ شي‏ء، اجعلني مخلصا لك)؛ أي: متّصفا بصفة الإخلاص في أعمالي و عباداتي، بأن أقصد بها التقرّب إليك؛ لا رياء و لا سمعة.

(و أهلي): أتباعي، معطوف على ضمير المتكلم في «اجعلني»، أي:

اجعلني و إيّاهم مخلصين‏ (في كلّ ساعة في) أمور (الدّنيا و الآخرة)، بحيث لا توجد ساعة- سواء كانت تلك الساعة في أمر الدنيا أو العقبى- إلا أن تكون في‏

413

يا ذا الجلال و الإكرام». (ن، حب؛ عن أبي أمامة [(رضي الله تعالى عنه)‏]).

14- «اللّهمّ؛ أنت ربّي لا إله إلّا أنت، خلقتني و أنا عبدك، و أنا على عهدك و وعدك ...

صرف طاعة مقرونة بالإخلاص‏ (يا ذا الجلال و الإكرام») معنى الجلال- كما دلّ عليه كلام القشيري-: استحقاق أوصاف العلوّ، و هي الأوصاف الثّبوتية و السلبية، و عليه: فالإكرام المقابل له إكرام العباد بالإنعام عليهم، و على هذا جرى الغزالي في «المقصد الأسنى»، و فسّر بغير ذلك.

(ن، حب)؛ أي: أخرجه النسائي، و ابن حبّان؛ (عن أبي أمامة) الباهليّ: صديّ بن عجلان، و أخرجه أبو داود؛ عن زيد بن أرقم، و في إسناده داود الطفاوي!! قال يحيى بن معين: ليس بشي‏ء.

14- ( «اللّهمّ؛ أنت ربّي)؛ أي: و ربّ كلّ شي‏ء، فقد ربّيت الوجود و أهله بالإيجاد ثم بالإمداد، فوجب عليّ و على سائر العباد العود إلى ساحتك العليّة بلسان الاعتذار، و القيام في حال الذلّ و الانكسار.

(لا إله إلّا أنت)؛ أي: فلا يطلب من غيرك شي‏ء؛ لأنه مقهور لا ينفع نفسه؛ و لا يدفع الضّرّ عنها، و ما أحسن قول العارف الكبير أبي الحسن الشاذلي (قدس سره): أيست من نفع نفسي لنفسي؛ فكيف لا آيس من نفع غيري لنفسي!! و رجوت اللّه لغيري، فكيف لا أرجوه لنفسي!!.

(خلقتني) شرح لبيان التربية المدلول عليها بقوله: «أنت ربي» (و أنا عبدك)؛ أي؛ مخلوقك و مملوكك- جملة حالية-، و كذا جملة (و أنا على عهدك و وعدك)؛ قيل: عهدك، أي: ما عاهدتني بالإيمان المأخوذ يوم «أ لست بربّكم»، أي: أنا مقيم على ما عاهدتني في الأزل من الإقرار بربوبيّتك. و قيل:

عهدك، أي: على ما عاهدتني، أي: أمرتني به في كتابك و بلسان نبيك من القيام بالتكاليف.

414

ما استطعت، أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، و أبوء بذنبي؛ ...

(و وعدك)؛ أي: مستنجز وعدك في المثوبة و الأجر في العقبى على هذه العهود، و أنا موقن بما وعدت به من البعث و النشور؛ و أحوال القيامة، فالمصدر مضاف لفاعله. و قيل: ما عاهدتك عليه في الأزل من الإقرار بالوحدانية المأخوذ يوم «أ لست بربّكم»، و وعدك، أي: ما وعدتك به من الوفاء بذلك، فالمصدر مضاف للمفعول. و سئل الإمام جلال الدين السيوطي عن ذلك؛ فقال: العهد:

ما أخذ عليهم و هم في عالم الذر يوم «أ لست بربكم»، و الوعد: ما جاء على لسان النبي صلى اللّه عليه و سلم: «من مات لا يشرك باللّه شيئا دخل الجنّة». انتهى ذكره في «الحاوي». قيل: و لا يبعد أن يراد الجميع من الكلمة الجامعة لما ذكر، و غير ذلك مما لا يخطر ببال.

(ما استطعت)؛ أي: مدّة دوام استطاعتي، و معناه: الاعتراف بالعجز و القصور عن كنه الواجب في حقّه تعالى.

(أعوذ بك من شرّ ما صنعت) «ما»: فيه مصدرية؛ أو موصولة، أي: أعوذ بك من صنعي، أو مما لم أستطع على كفّ نفسي عنه، من الأعمال التي تؤدّي بصاحبها إلى الهلاك الأبديّ، و العذاب السرمديّ.

(أبوء)- بهمزة مفتوحة فموحدة مضمومة، و بعد الواو همزة- أي: أقرّ و أعترف‏ (لك بنعمتك) التي أنعمت بها (عليّ، و أبوء بذنبي) معناه الإقرار بالذّنب و الاعتراف به أيضا، لكن فيه معنى ليس في الأول؛ لأن العرب تقول «باء فلان بذنبه»؛ إذا احتمله كرها لا يستطيع دفعه عن نفسه. و لذا عبّر في الرواية الصحيحة التي هي رواية البخاري بقوله: «أبوء لك بنعمتك عليّ، و أبوء بذنبي»، بإثبات «لك» مع النّعمة، و بحذفها في ذنبي، و هو أدب حسن.

قال الشيخ ابن حجر في «شرح المشكاة»: و أبوء بذنبي؛ أي: الذنب العظيم الموجب للقطيعة لو لا واسع عفوك و هامع فضلك. انتهى.

415

فاغفر لي، فإنّه لا يغفر الذّنوب إلّا أنت». (خ؛ عن شدّاد بن أوس).

و تعقّبه في «المرقاة» بأنه ذهول و غفلة منه، أنّ هذا لفظ النبوّة و هو معصوم عن الزّلة. انتهى. و لك أن تقول: ليس في هذا إثبات وقوع الذنب منه صلى اللّه عليه و سلم حتى ينافي العصمة؛ إنما المقصود أنه لكمال فضله و خضوعه لربّه يرى ذلك، و كلّما كمل الإنسان زاد اتهامه لنفسه.

و مثاله في الشاهد: أن البري‏ء من الذنب المقرّب مثلا، إذا قال للملك «أنا مسي‏ء في حقّك» ... و نحو ذلك، عدّ منه تواضعا و سببا لترقّيه عند ذلك الملك، و ليس فيه إثبات للذنب، و اللّه أعلم.

و قال الطّيبيّ: اعترف أولا بأنه تعالى أنعم عليه، و لم يقيّده!! ليشمل كلّ الإنعام، ثم اعترف بالتقصير، و أنه لم يقم بأداء شكرها، و عدّ [ذلك‏] ذنبا!! مبالغة في التقصير و هضم النفس. انتهى؛ ذكره في «شرح الأذكار».

(فاغفر لي) ذنوبي، (فإنّه)؛ أي: الشأن‏ (لا يغفر الذّنوب)؛ أي:

جميعها (إلّا أنت») و فائدة الإقرار بالذنب: أنّ الاعتراف يمحو الاقتراف، كما قيل:

فإنّ اعتراف المرء يمحو اقترافه‏ * * * كما أنّ إنكار الذّنوب ذنوب‏

(خ)؛ أي: أخرجه البخاري في «صحيحه»؛ (عن شدّاد بن أوس) بن ثابت الأنصاريّ الخزرجيّ «ابن أخي حسان بن ثابت».

كنيته أبو يعلى، قيل: هو يدري!! و غلط قائله. إنما البدري أبوه (رضي الله تعالى عنهما). قال عبادة بن الصّامت و أبو الدّرداء: كان شدّاد من أولي العلم و الحكمة.

سكن بيت المقدس و أعقب بها، و توفي سنة ثمان و خمسين، أو: إحدى و أربعين، أو: أربع و ستين، و عمره خمس و سبعون سنة، و دفن بها، و قبره بظاهر باب الرّحمة باق إلى الآن.

416

15- «اللّهمّ؛ إنّي ظلمت نفسي ...

روي له خمسون حديثا؛ انفرد مسلم منها بواحد، و هو حديث: «إنّ اللّه كتب الإحسان على كلّ شي‏ء ...».

و انفرد البخاريّ بهذا الحديث، الذي هو حديث سيّد الاستغفار، أي: سيّد ألفاظه، أي: أفضل أنواع الذكر التي تطلب بها المغفرة، هذا الذكر الجامع لمعاني التوبة كلّها.

قال ابن أبي جمرة: جمع الحديث من بديع المعاني و حسن الألفاظ، ما يحقّ له أن يسمّى «سيّد الاستغفار»، ففيه الإقرار للّه وحده بالألوهية، و لنفسه بالعبوديّة، و الاعتراف بأنه الخالق، و الإقرار بالعهد الذي أخذه عليه، و الرّجاء بما وعده به، و الاستعاذة من شرّ ما جنى على نفسه، و إضافة النعم إلى موجدها، و إضافة الذّنب إلى نفسه، و رغبته في المغفرة، و اعترافه بأنّه لا يقدر على ذلك إلّا هو. و كلّ ذلك إشارة إلى الجمع بين الحقيقة و الشريعة؛ لأن تكاليف الشريعة لا تحصل إلا إذا كان عون من اللّه. انتهى.

و الحديث أخرجه عن شدّاد أيضا الإمام أحمد، و النّسائي في «السّنن»؛ و «عمل اليوم و الليلة».

و أخرجه الإمام أحمد، و أبو داود، و النّسائي، و ابن ماجه، و ابن السّنّي، و الطبراني في كتاب «الدعاء»، و البزّار؛ كلّهم من حديث بريدة بن الحصيب، (رضي الله تعالى عنه).

15- ( «اللّهمّ؛ إنّي ظلمت نفسي) بملابسة ما يوجب العقوبة أو ينقص حظّي. و أصل الظلم: وضع الشي‏ء في غير محلّه، و هو على مراتب؛ أعلاها الشرك.

و النّفس تذكّر و تؤنّث. و اختلف هل النفس هي الروح أم لا؟!

قال ابن الملقّن: الظاهر أنّ المراد بالنفس هنا الذات المشتملة على الروح.

417

ظلما كثيرا و لا يغفر الذّنوب إلّا أنت ...

أي: ظلمتها بوضع المعاصي موضع الطاعات، و جزم به البرماويّ؛ قاله في «شرح الأذكار».

(ظلما كثيرا) قال النووي: هكذا ضبطناه «ظلما كثيرا»- بالثاء المثلاثة- في معظم الروايات، و في بعض روايات مسلم «كبيرا»- بالباء الموحدة- و كلاهما حسن، فينبغي أن يجمع بينهما فيقال: ظلما كثيرا كبيرا. انتهى.

و أكّد بالمصدر؛ و وصفه!! تحقيقا لدفع المجاز.

و في الحديث دليل على تكذيب مقالة من زعم أنه لا يستحقّ اسم الإيمان إلا من كان لا خطيئة له و لا جرم، و زعموا أنّ أهل الإجرام غير مؤمنين، و أنّ سائر الذّنوب كبائر، و ذلك أنّ الصّدّيق أفضل الصّدّيقين من أهل الإيمان؛ و قد أمره الشارع أن يقول «ظلمت نفسي ظلما كثيرا»!.

و فيه دليل على أنّ الواجب على العبد أن يكون على حذر من ربّه في كلّ أحواله، و إن كان من أهل الاجتهاد في عبادته في أقصى غاية، إذ كان الصّدّيق مع موضعه في الدين؛ لم يسلم مما يحتاج إلى استغفار ربّه منه. انتهى «شرح الأذكار».

(و لا يغفر): من الغفر؛ و هو الستر (الذّنوب): جمع ذنب؛ و هو: الجرم مثل فلس و فلوس، يقال أذنب يذنب، و الذّنب: اسم مصدر، و الأذناب:

مصدر؛ لكنه لا يستعمل، و المعنى أنه سأل أن يجعل بينه و بين الذنب ساترا.

(إلّا أنت) فيه إقرار بالوحدانيّة له تعالى، و استجلاب المغفرة، و هذا كقوله تعالى‏ وَ الَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ‏ [135/ آل عمران‏].

و في الآية الحثّ على الاستغفار، قيل: كلّ شي‏ء أثنى اللّه على فاعله؛ فهو أمر به، و كلّ شي‏ء ذمّ فاعله؛ فهو نهي عنه. انتهى «شرح الأذكار».

418

فاغفر لي مغفرة من عندك، و ارحمني إنّك أنت الغفور الرّحيم».

(فاغفر لي) قال بعضهم: هو أرجح في الاستغفار من قوله أستغفرك؛ لأنه إذا قال ذلك؛ و لم يكن متّصفا به كان كاذبا. و ضعّف بأنّ السين فيه للطلب، فكأنه قال: أطلب مغفرتك، و ليس المراد الإخبار، بل الإنشاء للطلب، فكأنه قال:

اغفر لي؛ لا سيما و قد ورد في الشرع صيغة «استغفر» أمرا و فعلا، فيتلقى ما جاء عن الشارع بالقبول. انتهى «شرح الأذكار».

(مغفرة من عندك) معناه: هب لي المغفرة تفضّلا؛ و إن لم أكن أهلا له بعملي، كأنه قال: لا يفعل هذا إلا أنت، فافعله لي أنت.

قال الطّيبيّ: و دلّ التنكير في قوله «مغفرة» على أن المطلوب غفران عظيم لا يدرى كنهه، و وصفه بكونه «من عنده» سبحانه!! لأن الذي يكون من عنده لا يحيط به وصف، و تبعه الكرمانيّ.

و حاصله: أن طلب مغفرة خاصّة في غاية الجلالة و العظمة ترفعه إلى أعلى ما يليق به من مقامات القرب، و من حضرة الحقّ، و لذا عقّبه بطلب الرحمة العامة الشاملة لكل ما يلائم النفس، حيث قال:

(و ارحمني)؛ أي: رحمة من عندك، و حذف!! اكتفاء بوصف قرينه به‏ (إنّك أنت الغفور الرّحيم») بكسر همزة «إنّ» على الاستئناف البياني المشعر بتعليل ما قبله، و يجوز الفتح. و «أنت» لتأكيد الكاف، و يجوز أن يكون للفصل، و الاسمان وصفان للمبالغة، و ذكرا!! ختما للكلام على جهة المقابلة لما تقدّم، فالغفور لقوله «اغفر لي» و الرحيم لقوله: «ارحمني».

قال ابن حجر في «شرح المشكاة»: يؤخذ منه أنّ من أدب الدعاء أن يختم بما يناسبه من أسمائه تعالى؛ لما فيه من التفاؤل بحصول المطلوب، و التّوسّل بما يوجب تعجيل إجابته و حصول طلبته. انتهى.

419

(ق، حم، 4؛ عن أبي بكر الصّدّيق).

16- «اللّهمّ؛ اغفر لي ذنبي كلّه، دقّه و جلّه، و أوّله و آخره، و علانيته و سرّه» ...

و في «الحرز»: هذا الدّعاء من الجوامع، لأنّ فيه الاعتراف بغاية التّقصير، و طلب غاية الإنعام. فالمغفرة: ستر الذّنوب و محوها، و الرّحمة: إيصال الخيرات، ففي الأوّل طلب الزّحزحة عن النّار، و في الثّاني طلب إدخال الجنّة، و هذا هو الفوز العظيم.

(ق، حم، 4) يعني أنّ الحديث متّفق عليه، أي: رواه البخاريّ، و مسلم، و رواه الإمام أحمد، و الأربعة أصحاب «السنن»: أبو داود، و التّرمذيّ، و النسائيّ، و ابن ماجه: كلهم؛

(عن أبي بكر الصّدّيق) عبد اللّه بن عثمان «أبي قحافة» بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤي، القرشيّ التّيميّ؛

الصدّيق الأكبر، خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و صهره‏ (1)، و رفيقه في الغار، و أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة، (رضي الله تعالى عنه).

يقول الفقير: لكنّي لم أجد الحديث في «أبي داود»!!. و اللّه أعلم.

16- ( «اللّهمّ؛ اغفر لي ذنبي كلّه) توكيد للإحاطة و الشمول، أتى به!! لدفع توهّم أنّ المراد به ذنب مخصوص، و لبيان أنّ العموم المفاد من إضافته مراد.

(دقّه)- بكسر الدال المهملة- أي: صغيره، و قدّم!! سلوكا للتّرقي في السؤال، الدالّ على التدريج في ترجّي الإجابة، أو إشارة إلى أنّ الكبائر إنّما تنشأ غالبا عن الصغائر، أو الإصرار عليها و عدم المبالاة بها؛ فهي وسيلة، و الوسيلة من حقّها التقدّم.

(و جلّه)- بكسر الجيم- أي: كبيره، (و أوّله و آخره، و علانيته و سرّه»)

____________

(1) في استعمالهم على عكس ما نستعمله اليوم. (عبد الجليل).

420

(م، د؛ عن أبي هريرة).

17- «اللّهمّ؛ إنّي أسألك العفّة و العافية في دنياي و ديني، و أهلي و مالي.

(م، د) أي: أخرجه مسلم، و أبو داود في «باب ما يقال في الركوع و السجود»؛ (عن أبي هريرة) (رضي الله تعالى عنه):

17- ( «اللّهمّ؛ إنّي أسألك العفّة)- بالكسر-: العفاف عن كلّ حرام و مكروه، و لذّة و شهوة. (و العافية)؛ أي: السلامة من الآفات الدينيّة، و النقائص الحسيّة و المعنويّة، و الحادثات الدنيويّة، أي: عدم الابتلاء بها و الصبر بقضائها.

و لجمع العافية ذلك، كان الدعاء بها أجمع الأدعية، و كأنّه السبب في قوله صلى اللّه عليه و سلم للعبّاس لما سأله أن يعلّمه دعاء: «يا عمّ؛ سل اللّه العافية في الدّنيا و الآخرة».

و في «بهجة المجالس»؛ عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) «قلت:

يا رسول اللّه؛ ما العافية؟ قال: «العافية في الدّنيا: القوت، و صحّة الجسم، و ستر العورة، و التّوفيق للطّاعة، و أمّا في الآخرة: فالمغفرة، و النّجاة من النّار، و الفوز بالجنّة».

قال الإمام النّوويّ في «شرح مسلم»: العافية من الألفاظ العامّة المتناولة لدفع جميع المكروهات؛ في البدن و الباطن، في الدنيا و الآخرة. انتهى.

و لذا استعملها في قوله: (في دنياي)، إذ هو متعلّق بها وحدها، و ما بعده معطوف عليه؛ فيكون كذلك. و العافية في الدنيا: سلامته من النّكبات المكدّرة، و المعيشة المنغّصة.

(و) في‏ (ديني) بدوام التّرقّي في كمالات الدّين، و السّلامة من نقص يهوي بالعبد إلى دركاته. (و أهلي و مالي) بأن لا يرى فيهما ما يسي‏ء.

421

اللّهمّ؛ استر عورتي و أمّن روعتي، و احفظني من بين يديّ و من خلفي، و عن يميني، و عن شمالي، و من فوقي؛ و أعوذ بك أن أغتال من تحتي» ...

و لا يخفى أنّ الأنبياء دعوا اللّه بالعافية، و لا شكّ أنّ دعوتهم مجابة!! و مع هذا أشدّ الناس بلاء الأنبياء، ثمّ الأمثال .. فالأمثل،

فيتعيّن أن تقيّد الأسقام بسيّئها؛ كالبرص، و الجنون، و الجذام مما تنفر عنه طباع العوامّ. و لذا ورد التعوّذ من سيّئ الأسقام،

و كذا يقيّد في الأمور الدينيّة أو الدنيويّة بالشاغلة عن الأحوال الأخرويّة.

و في «لطائف المنن» لابن عطاء اللّه السّكندري: أنّ بعض الناس دخل على الشّيخ أبي العبّاس المرسي و هو مريض؛ فقال له: عافاك اللّه، فسكت عنه، ثمّ قال ذلك ثانيا و ثالثا، فقال له: يا هذا، و أنا سألت اللّه العافية قبلك، و ما أنا فيه هو العافية، لأنّ العافية على ما يعلم اللّه. انتهى «شرح الأذكار».

(اللّهمّ؛ استر عورتي): عيوبي و خللي و تقصيري.

قال الشيخ أبو الغيث بن جميل: عورة كلّ مخلوق شهوة نفسه، و خير الملابس عندنا: ما ستر العورة، و لا يسترها سوى الموت عن كلّ مباح و محظور بحكم الضرورة، و اللّه بكل شي‏ء عليم خبير، و خير ملابس التقوى: ما يستر العورة، و شر ملابس التقوى: ما أشهر العورة. انتهى.

و المعنى: استر عورتي التي يسؤني كشفها، (و أمّن)- بتشديد الميم- (روعتي)- بفتح الراء- أي: فزعتي التي تخيفني؛ أي: ارفع عنّي كلّ خوف يقلقني و يزعجني.

(و احفظني) أي: ادفع عنّي البلاء من جهاتي الستّ التي تضمّنها قوله: (من بين يديّ، و من خلفي، و عن يميني، و عن شمالي، و من فوقي، و أعوذ بك أن أغتال)- بضم الهمزة مبنيّا للمفعول- أي: أوخذ غيلة (من تحتي») أي: أدهى‏

422

(البزّار؛ عن ابن عبّاس).

من تحتي بالخسف أو غيره.

و استوعب الجهات الستّ بحذافيرها لأنّ ما يلحق الإنسان من نحو نكبة و فتنة إنّما يصله من أحدها، و بالغ في جهة السفل لرداءة آفتها.

(البزّار) في «مسنده» (عن ابن عبّاس) (رضي الله تعالى عنهما). قال الحافظ الهيثمي: فيه يونس بن حبّان، و هو ضعيف. انتهى.

قال المناوي: و ظاهر صنيع المصنّف‏ (1) أنّه لا يوجد في أحد دواوين السنّة، و إلّا! لما عدل عنه، و هو تقصير أو قصور، فقد خرّجه أبو داود، و ابن ماجه و كذا الحاكم و صححه من حديث ابن عمر قال: «لم يكن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي؛ و حين يصبح». انتهى. فاقتصار المصنّف‏ (1) على البزّار خلاف اللائق. انتهى كلام المناوي.

و مثله يقال في حقّ المصنّف‏ (2) التابع ل «الجامع الصغير». و قد ذكره النوويّ في «الأذكار» بمخالفة يسيرة في اللّفظ، و قال: رواه أبو داود، و النّسائي، و ابن ماجه؛ عن ابن عمر (رضي الله عنهما). قال شارحه ابن علّان: و رواه الحاكم أيضا في «المستدرك»؛ و قال: صحيح الإسناد، و ابن حبان في «صحيحه».

و قال الحافظ ابن حجر بعد تخريجه: حديث حسن غريب لا نعرفه إلّا من حديث عبادة بن مسلم، و لا عنه؛ إلّا بهذا السند!!، أي: جبير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم: أنّه كان جالسا عند ابن عمر؛ فقال: سمعت النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم ... الخ.

قال: و أخرجه أحمد، و النسائي، و الحاكم؛ كلهم عن عبادة المذكور.

قال: و وجدت له شاهدا من حديث ابن عباس؛ أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد»، و في سنده راو ضعيف. انتهى.

____________

(1) أي السيوطي في «الجامع الصغير».

(2) أي النبهاني في «وسائل الوصول».

423

18- «اللّهمّ؛ ربّ جبريل و ميكائيل و إسرافيل و محمّد (صلّى اللّه عليه و سلم) .. نعوذ بك من النّار». (طب، ك؛ عن والد أبي المليح [(رحمه الله)‏]).

و قد ذكره أيضا الحافظ ابن حجر في «بلوغ المرام»؛ عن ابن عمر مع زيادة و مخالفة يسيرة؛ و قال: أخرجه النسائيّ، و ابن ماجه، و صحّحه الحاكم. انتهى.

18- ( «اللّهمّ؛ ربّ) أي: يا ربّ‏ (جبريل و ميكائيل و إسرافيل و محمّد صلى اللّه عليه و سلم؛ نعوذ)؛ أي: نعتصم‏ (بك من النّار»)؛ أي: من عذابها.

و خصّ الأملاك الثلاثة!! لأنّها أشرف الملائكة، و أنّها الموكّلة بالحياة، و عليها مدار نظام هذا الوجود؛ فجبريل موكّل بالوحي؛ الذي هو حياة القلوب، و ميكائيل بالقطر و النبات؛ الذي هو حياة الأرض و الحيوان، و إسرافيل بالنّفخ في الصور؛ الذي هو سبب حياة العالم و عود الأرواح إلى الأشباح، فالتوسّل إليه سبحانه بربوبيّة هذه الأرواح الموكّلة بالحياة له تأثير كبير في حصول المطلوب.

و جبريل أفضل الملائكة مطلقا- على المعتمد-. و قيل: إسرافيل أفضل منه.

و المعتمد: أنّه بعده، ثمّ بعد إسرافيل ميكائيل، ثمّ ملك الموت.

(طب، ك)؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الكبير»، و الحاكم في‏ (المناقب)، و كذا ابن السّنّيّ في «عمل اليوم و الليلة»؛

(عن والد أبي المليح)- بفتح الميم مكبرا- و اسم أبي المليح:

عامر بن أسامة بن عمير بن عامر بن الأقيشر، الهذليّ، البصريّ.

و هو تابعيّ من أوساط التابعين، مات سنة: ثمان و تسعين، و قيل: ثمان و مائة، و قيل بعد ذلك، خرّج عنه أصحاب «السنن الأربعة»، و والده صحابيّ تفرّد عنه ولده.

و روى له أصحاب «السنن الأربعة»؛ قال: صلّيت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ركعتي الفجر؛ فسمعته يقول: «اللّهمّ ...» إلى آخره ثلاثا، أي: فيتأكّد قول ذلك بعد

424

19- «اللّهمّ؛ إنّك لست بإله استحدثناه، و لا بربّ ابتدعناه، و لا كان لنا قبلك من إله نلجأ إليه و نذرك، و لا أعانك على خلقنا أحد فنشركه فيك؛ تباركت و تعاليت». (طب؛ عن صهيب [(رضي الله تعالى عنه)‏]).

20- «اللّهمّ؛ إنّك تسمع كلامي، و ترى مكاني، ...

سنّة الصبح و قبل الفرض، و إن كان يطلب قول ذلك في أيّ وقت كان، لكنّ ذاك آكد. قال الحفني: قال الحافظ الهيثميّ: و فيه من لم أعرفه. انتهى. ذكره المناوي.

19- ( «اللّهمّ؛ إنّك لست بإله استحدثناه) أي: طلبنا حدوثه، أي: تجدّده بعد أن لم يكن، (و لا بربّ ابتدعناه) أي: اخترعناه على غير مثال سبق، فهو أخصّ مما قبله؛ لأن الحدوث: التجدد؛ سواء كان على مثال سابق أو لا.

(و لا كان لنا قبلك من إله نلجأ إليه و نذرك) أي: نتركك، (و لا أعانك على خلقنا): إيجادنا من العدم‏ (أحد) غيرك‏ (فنشركه فيك) أي: في عبادتك و الالتجاء إليك، فإنّك المنفرد بالخلق و الإيجاد و التقدير.

و لما نزّهه صلى اللّه عليه و سلم عن صفات النّقص تعالى ناسب أن يذكر صفات الكمال؛ فقال:

(تباركت) أي: تقدّست‏ (و تعاليت»): تنزّهت. قال المناوي: و كان نبيّ اللّه داود يدعو به.

(طب) أي: أخرجه الطّبرانيّ في «الكبير»؛ (عن صهيب)- بالتصغير-.

قال الحافظ الهيثمي: و فيه عمرو بن الحصين العقيلي؛ و هو متروك. و في العزيزي: إنه حديث ضعيف. انتهى.

20- ( «اللّهمّ؛ إنّك تسمع) بغير جارحة (كلامي) أي: لا يعزب عنك مسموع؛ و إن خفي، (و ترى مكاني) إن كنت في ملاء أو خلاء.

425

و تعلم سرّي و علانيتي، لا يخفى عليك شي‏ء من أمري، و أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقرّ المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، و أبتهل إليك ابتهال المذنب الذّليل، و أدعوك دعاء الخائف الضّرير؛ ...

(و تعلم سرّي): ما أخفي‏ (و علانيتي): ما أظهر؛ (لا يخفى عليك شي‏ء من أمري). تأكيد لما قبله لدفع توهّم المجاز و التخصيص.

قال الحرّاني: الإخفاء: تغييب الشي‏ء، و أن لا يجعل عليه علم يهتدى إليه من جهته، و الغرض من ذلك الإجابة و القبول.

(و أنا البائس) الذي اشتدّت ضرورته، (الفقير) أي: المحتاج إليك في سائر أحواله و جميع أموره؛ فهو أعمّ من البائس. (المستغيث): المستعين المستنصر بك، فاكشف كربتي و أزل شدّتي: يقال: أغاثه اللّه إذا أعانه، و استغاث به فأغاثه، و أغاثهم اللّه كشف شدّتهم.

(المستجير)- بالجيم-: الطالب منك الأمان من عذابك، (الوجل):

الخائف، (المشفق): الكثير الخوف، فهو أخصّ من الوجل، (المقرّ المعترف بذنبه) عطف تفسير.

(أسألك مسألة المسكين)- بكسر الميم و فتحها لغة قليلة- أي: الخاضع الضعيف. سمّي مسكينا!! لسكونه إلى الناس.

(و أبتهل إليك ابتهال المذنب) أي: أتضرّع إليك تضرّع من أخجلته مقارفة الذنوب. (الذّليل): المستهان به، (و أدعوك دعاء الخائف الضّرير) المضطر.

بيّن بهذا أنّ العبد؛ و إن علت منزلته فهو دائم الاضطرار، لأن الاضطرار تعطيه حقيقة العبد؛ إذ هو ممكن؛ و كل ممكن مضطر إلى ممدّ يمدّه.

و كما أنّ الحقّ هو الغنيّ أيضا، فالعبد مضطر إليه أبدا، و لا يزايله هذا

426

من خضعت لك رقبته، و فاضت لك عبرته، و ذلّ لك جسمه، و رغم لك أنفه.

الاضطرار، لا في الدنيا و لا في الآخرة، حتى لو دخل الجنّة فهو محتاج إليه فيها، غير أنّه غمس اضطراره في المنّة التي أفرغت عليه ملابسها، و هذا هو حكم الحقائق: أن لا يختلف حكمها؛ لا في الغيب و لا في الشهادة، و لا في الدنيا و لا في الآخرة.

و من اتّسعت أنواره لم يتوقّف اضطراره.

و قد عيّب اللّه قوما اضطروا إليه عند وجود أسباب ألجأتهم إلى الاضطرار، فلمّا زالت زال اضطرارهم. و لمّا لم تقبل عقول العامة إلى ما تعطيه حقيقة وجودهم؛ سلّط اللّه عليهم الأسباب المثيرة للاضطرار؛ ليعرفوا قهر ربوبيّته، و عظمة إلهيّته.

(من خضعت) أصل الخضوع التطامن و الميل، و المراد هنا: الذّلّة؛ أي:

من ذلّت‏ (لك) أي: لأجلك، أي: لأجل الخوف منك. (رقبته)؛ أي:

ذاته، و كذا الكلام في ذلك فيما يأتي للتعليل على تقدير الخوف منك.

(و فاضت): سالت‏ (لك) أي: لأجل الخوف منك‏ (عبرته)- بفتح العين المهملة و سكون الموحدة-: البكاء؛ أي: سالت من شدّة بكائه لأجل الخوف منك دموعه. و في «القاموس»: العبرة- بالفتح-: الدمعة قبل أن تفيض، و تردّد البكاء في الصدر.

(و ذلّ) أي: انقاد (لك) أي: لأجلك، أي: لأجل الخوف منك‏ (جسمه) أي: جميع أركانه الظاهرة و الباطنة.

(و رغم لك أنفه)؛ أي: التصق أنفه بالرغام؛ أي: التراب، و المراد لازم ذلك؛ و هو الخضوع، و رغم- بفتح الغين- قال في «المختار»: و رغم فلان- من باب قطع- رغما- بالحركات الثلاث في راء المصدر- إذا لم يقدر على الانتصاف.

انتهى.

427

اللّهمّ؛ لا تجعلني بدعائك شقيّا، و كن بي رءوفا رحيما؛ يا خير المسئولين، و يا خير المعطين». (طب؛ عن ابن عبّاس).

21- «اللّهمّ؛ إليك أشكو ضعف قوّتي، و قلّة حيلتي، و هواني على النّاس، يا أرحم الرّاحمين. إلى من تكلني؟ إلى عدوّ يتجهّمني؟!

( «اللّهمّ؛ لا تجعلني بدعائك شقيّا)؛ أي: خائبا متعبا نفسه بسبب عدم الإجابة، (و كن بي رءوفا رحيما)؛ أي: عطوفا شفوقا.

(يا خير المسئولين) في معنى التعليل لما قبله، و مثله قوله: (و يا خير المعطين»)؛ أي: يا خير من طلب منه، و يا خير من أعطى.

(طب)؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الكبير»؛ (عن ابن عبّاس) (رضي الله تعالى عنهما) قال: كان فيما دعا به رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في حجّة الوداع عشيّة عرفة:

«اللّهمّ» ... إلى آخر ما ذكر.

قال ابن الجوزي: حديث لا يصحّ. و قال الحافظ العراقيّ: سنده ضعيف، و بيّنه تلميذه الحافظ الهيثميّ؛ فقال: فيه يحيى بن صالح الآملي، قال العقيلي: له مناكير. و بقيّة رجاله رجال الصحيح. انتهى «مناوي».

21- ( «اللّهمّ؛ إليك أشكو ضعف قوّتي) قدّم «إليك»!! ليفيد الاختصاص، أي: أشكو إليك؛ لا إلى غيرك، فإنّ الشكوى إلى الغير لا تجدي، و الشكوى إليه تعالى لا تنافي الصبر.

(و قلّة حيلتي، و هواني على النّاس)؛ أي: احتقارهم إيّاي و استهانتهم بي، (يا أرحم الرّاحمين)؛ يا موصوفا بكمال الإحسان؛

(إلى من تكلني): تفوّض أمري؟! (إلى عدوّ) من كفّار قريش أو غيرهم‏ (يتجهّمني)- بالتحتيّة و الفوقيّة، المفتوحتين، فالجيم فالهاء المفتوحتين،

428

أم إلى قريب ملّكته أمري؟!

إن لم تكن ساخطا عليّ فلا أبالي، غير أنّ عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم الّذي أضاءت له السّماوات و الأرض، و أشرقت له الظّلمات، و صلح عليه أمر الدّنيا و الآخرة .. أن تحلّ عليّ غضبك، أو تنزل عليّ سخطك، ...

و تشديد الهاء- أي: يلقاني بالغلظة و الوجه الكريه.

(أم إلى قريب ملّكته أمري!!) أي: جعلته متسلّطا على إيذائي؛ و لا أستطيع دفعه. (إن لم تكن ساخطا عليّ)- في رواية: «إن لم يكن بك سخط عليّ»- (فلا أبالي) بما يصنع بي أعدائي و أقاربي من الإيذاء؛ طلبا لمرضاتك.

(غير أنّ عافيتك): التي هي السلامة من البلايا و المحن و المصائب‏ (أوسع لي). فيه: أنّ الدّعاء بالعافية مطلوب محبوب، و قد تقدّم!.

(أعوذ بنور وجهك)؛ أي: ذاتك‏ (الكريم)؛ أي: الشّريف‏ (الّذي أضاءت له السّماوات و الأرض)!! جمع السموات و أفرد الأرض؛ لأنّها طبقات متفاصلة بالذات؛ مختلفة بالحقيقة.

(و أشرقت له الظّلمات). قال المناوي: ببناء «أشرقت» للمفعول من أشرقت بالضوء تشرق: إذا امتلأت به و اغتصّت، و أشرقها اللّه، كما تقول: ملأ الأرض عدلا و طبّقها عدلا؛ ذكره كلّه الزّمخشريّ.

قال في «الحكم العطائيّة»: الكون كلّه ظلمة، و إنّما أناره ظهور الحقّ فيه، فمن رأى الكون و لم يشهده؛ فيه، أو قبله، أو عنده، أو بعده؛ فقد أعوزه وجود الأنوار، و حجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار.

(و صلح)- بفتح اللّام و تضمّ- أي: استقام و انتظم‏ (عليه أمر الدّنيا و الآخرة، أن تحلّ عليّ غضبك)؛ أي: تنزله بي أو توجبه عليّ، (أو تنزل عليّ سخطك)؛ أي: غضبك، فهو من عطف المرادف.

429

و لك العتبى حتّى ترضى، و لا حول و لا قوّة إلّا بك». (طب؛ عن عبد اللّه بن جعفر).

(و لك العتبى)- بضم المهملة آخره ألف مقصورة- أي: أسترضيك‏ (حتّى ترضى)، يقال: استعتبته فأعتبني، أي: استرضيته فأرضاني.

(و لا حول و لا قوّة إلّا بك»)؛ أي: لا تحوّل عن فعل المعاصي، و لا قوّة على فعل الطاعات إلّا بتوفيقك.

و استعاذ بهذا بعد الاستعاذة بذاته تعالى!! إشارة إلى أنّه لا يوجد في الكون حركة و لا سكون؛ في خير أو شر؛ إلّا بأمر اللّه و مشيئته. إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ (82) [يس‏].

و هذا يسمّى «دعاء الطائف»، و ذلك لأنّ المصطفى صلى اللّه عليه و سلم لمّا مات عمّه أبو طالب اشتدّ أذى قومه له؛ فخرج إلى الطائف، رجاء أن يؤووه و ينصروه، فاذوه أشدّ من قومه، و رماه سفهاؤهم بالحجارة حتى دميت قدماه، و زيد مولاه يقيه بنفسه، حتى انصرف راجعا إلى مكة محزونا؛ فدعا بهذا، فعند ذلك أرسل إليه ربّه ملك الجبال، فسأله أن يطبق على قومه الأخشبين، فقال: «بل أستأني؛ لعلّ اللّه أن يخرج من أصلابهم من يعبده».

(طب)؛ أي: أخرجه الطبراني في «الكبير»؛ (عن عبد اللّه بن جعفر) بن أبي طالب، أبي جعفر القرشيّ الهاشميّ؛

الصحابيّ ابن الصحابيّ ابن الصحابيّة، و الجواد بن الجواد.

أمّه أسماء بنت عميس الخثعميّة، و كان أبوه جعفر هاجر بأمّه إلى أرض الحبشة؛ فولدت عبد اللّه هناك، و هو أوّل مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة باتّفاق العلماء. و قدم مع أبيه من الحبشة مهاجرين إلى المدينة، و هو أخو محمد بن أبي بكر الصديق، و أخو يحيى بن علي بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنهم)، أمّهم أسماء بنت عميس، تزوّجها جعفر، ثم أبو بكر، ثم عليّ.

430

22- «اللّهمّ؛ إنّي أسألك من الخير كلّه عاجله و آجله؛ ما علمت منه و ما لم أعلم، [و أعوذ بك من الشّرّ كلّه عاجله و آجله؛ ما علمت منه و ما لم أعلم‏].

اللّهمّ؛ إنّي أسألك من خير ما سألك به عبدك و نبيّك، و أعوذ بك من شرّ ما عاذ به عبدك و نبيّك.

اللّهمّ؛ إنّي أسألك الجنّة و ما قرّب إليها من ...

و كان عبد اللّه بن جعفر كريما، جوادا، حليما، و كان يسمّى «بحر الجود»، قيل: لم يكن في الإسلام أسخى منه. و أخبار أحواله في السخاء و الجود و الحلم مشهورة لا تحصى.

روي له عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خمسة و عشرون حديثا؛ اتّفق البخاريّ و مسلم منها على حديثين، روى عنه بنوه الثلاثة: إسماعيل، و إسحاق، و معاوية.

و روى عنه القاسم بن محمد، و عروة بن الزبير، و الشّعبيّ و غيرهم، و توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و عمره عشر سنين، و كانت وفاة عبد اللّه بن جعفر بالمدينة سنة:

ثمانين من الهجرة؛ و هو ابن ثمانين سنة. هذا هو الصحيح و قول الجمهور (رضي الله تعالى عنه)؛ ذكره النوويّ (رحمه الله). آمين.

22- ( «اللّهمّ؛ إنّي أسألك من الخير كلّه)؛ بالجر على أنّه تأكيد للخير، و «من» للبيان؛ أي: أسألك مسئولا هو الخير كلّه‏ (عاجله و آجله، ما علمت منه؛ و ما لم أعلم) منه. [و أعوذ بك من الشّرّ كلّه عاجله و آجله؛ ما علمت منه و ما لم أعلم‏].

(اللّهمّ؛ إنّي أسألك من خير ما سألك به عبدك و نبيّك، و أعوذ بك من شرّ ما عاذ به عبدك و نبيّك)- يعني نفسه-.

(اللّهمّ؛ إنّي أسألك الجنّة و ما قرّب)- بتشديد الراء- أي: قربني‏ (إليها من‏

431

قول أو عمل، و أعوذ بك من النّار و ما قرّب إليها من قول أو عمل، و أسألك أن تجعل كلّ قضاء قضيته لي خيرا». (ه؛ عن عائشة).

23- «اللّهمّ؛ إنّي أسألك باسمك الطّاهر الطّيّب، المبارك الأحبّ إليك، الّذي إذا دعيت به .. أجبت، و إذا سئلت به .. أعطيت، قول أو عمل) بيان للموصول أي: سواء كان بالجوارح؛ أو بالقلب ف «أو» للتنويع.

(و أعوذ بك من النّار؛ و ما قرّب إليها من قول أو عمل، و أسألك أن تجعل كلّ قضاء قضيته لي خيرا») بأن ترضّيني به و تصبّرني عليه. و هذا من جوامع الكلم و أحبّ الدعاء إلى اللّه، و أعجله إجابة، و القصد به طلب دوام شهود القلب: أنّ كلّ واقع فهو خير. و ينشأ عن ذلك الرّضا، و من جعل الرضا غنيمته في كلّ كائن من أوقاته- وافق النفس؛ أو خالفها- لم يزل غانما بما هو فيه راض بما أوقع اللّه له، و أقام من حكمته.

(ه)؛ أي: أخرجه ابن ماجه؛ (عن عائشة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها)، قالت: قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «عليك يا عائشة؛ بالجوامع الكوامل ... قولي: اللّهمّ» ... إلى آخره.

و رواه عنها أيضا البخاريّ في «الأدب»، و الإمام أحمد في «مسنده»، و ابن حبّان، و الحاكم و صحّحه؛ عن عائشة (رضي الله تعالى عنها).

23- ( «اللّهمّ؛ إنّي أسألك باسمك الطّاهر) المنزّه عن كلّ نقص، (الطيّب) النفيس، (المبارك) الزائد خيره، العميم فضله، (الأحبّ إليك) من سائر الأسماء لقربه من الإجابة. و إن كانت أسماؤه تعالى كلّها طاهرة طيّبة محبوبة.

و هذا الحديث ترجم له بعض المحدّثين ب «باب: اسم اللّه الأعظم» (الّذي إذا دعيت به أجبت) الداعي إلى ما سأله، (و إذا سئلت به أعطيت) السائل سؤله،

432

و إذا استرحمت به .. رحمت، و إذا استفرجت به .. فرّجت».

(ه؛ عن عائشة).

24- «اللّهمّ؛ لك الحمد كالّذي نقول و خيرا ممّا نقول، اللّهمّ؛ لك صلاتي و نسكي، و محياي و مماتي، و إليك مآبي، و لك ربّ تراثي.

(و إذا استرحمت به)؛ أي: طلب أحد منك أن ترحمه و أقسم عليك به‏ (رحمت)؛ أي: رحمته، (و إذا استفرجت به)؛ أي: طلب منك الفرج‏ (فرّجت) عمّن استفرج به، و لم تردّه خائبا. و هذا خرج جوابا لسائل سأله أن يعلّمه دعاء جامعا يدعو به.

(ه)؛ أي: أخرجه ابن ماجه؛ (عن عائشة) (رضي الله تعالى عنها)، و بوّب عليه‏ (باب اسم اللّه الأعظم).

24- ( «اللّهمّ؛ لك الحمد كالّذي نقول)- بالنّون- أي: كالذي نحمدك به من المحامد، (و خيرا ممّا نقول)- بالنّون- أي: ممّا حمدت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. و ذلك لأنّه تعالى متّصف بصفات كمال لا يحيط بها ما نحمده به.

(اللّهمّ لك)؛ لا لغيرك‏ (صلاتي و نسكي)- بضمتين-: عبادتي، فهو عطف عام، أو المراد ذبائحي في الحج و العمرة، فهو عطف مغاير.

(و محياي)؛ أي: حياتي، أي: لك لا لغيرك الأعمال الواقعة في حياتي.

(و مماتي): موتي، أو المراد: لك، أي: منك إحيائي و إماتتي، أي:

بقدرتك، أي: هما طوع إرادتك و قدرتك. و الجمهور على فتح ياء «محياي»؛ و سكون ياء «مماتي»، و يجوز الفتح و السكون فيهما.

(و إليك مآبي)؛ أي: منقلبي و مرجعي، (و لك ربّ تراثي) بمثنّاة و مثلاثة،

433

اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر، و وسوسة الصّدر، و شتات الأمر.

اللّهمّ؛ إنّي أسألك من خير ما تجي‏ء به الرّياح، و أعوذ بك من شرّ ما تجي‏ء به الرّيح». (ت، هب؛ عن عليّ).

أي: إرثي: و هو ما يخلفه الإنسان لورثته، أي: إرثي و مالي كلّه لك، إذ ليس لأحد معك ملك.

و في شروح «الجامع الصغير»: أي: مورثي لك لا لغيرك، لأنّه صلى اللّه عليه و سلم كبقيّة الأنبياء لا يورث، فهو صدقة للّه تعالى. و في الخبر: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة». و قد تقدّم الكلام عليه.

(اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر). استعاذ منه!! لأنّه أوّل منزل من منازل الآخرة، فسأل اللّه تعالى أن لا يتلقّاه في أوّل قدم يضعه في الآخرة في قبره عذاب ربّه.

(و وسوسة الصّدر)؛ أي: حديث النفس بما لا ينبغي، و أضافها للصدر!! لأن الوسوسة في القلوب التي في الصدور. (و شتات)- بفتح الشين المعجمة- (الأمر)، أي: تفرقة الخواطر في أمر الدّين؛ بالاشتغال بأمور الدّنيا، لأنّ ذلك يتعب القلب.

(اللّهمّ؛ إنّي أسألك من خير ما تجي‏ء به الرّياح، و أعوذ بك من شرّ ما تجي‏ء به الرّيح») سأل اللّه خير المجموعة!! لأنّها للرّحمة، و تعوّذ به من شرّ المفردة!! لأنّها للعذاب، على ما جاء به الأسلوب في كلام علّام الغيوب؛ و هذا أغلبيّ، و المستعاذ منه؟! قيل: العذاب. و قيل: إنّ ذلك كناية عن سوء القضاء و القدر.

(ت، هب)؛ أي: أخرجه التّرمذي، و البيهقي في «شعب الإيمان»؛

(عن عليّ) أمير المؤمنين (رضي الله تعالى عنه) قال: كان أكثر ما دعا به‏

434

25- «اللّهمّ .. إنّي أسألك الثّبات في الأمر، و أسألك عزيمة الرّشد، و أسألك شكر نعمتك، و حسن عبادتك، و أسألك لسانا صادقا، و قلبا سليما، و أعوذ بك من شرّ ما تعلم، ...

رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عشيّة عرفة في الموقف: «اللّهمّ ..» إلى آخره. قال الترمذي:

غريب، و ليس إسناده بالقويّ. و أخرجه ابن خزيمة؛ و قال: خرّجته؛ و إن لم يكن ثابتا من جهة النقل!! لأنّه من الأمر المباح.

25- ( «اللّهمّ؛ إنّي أسألك الثّبات في الأمر)؛ أي: الدوام على الدين و الاستقامة، بدليل خبر: أنّ المصطفى صلى اللّه عليه و سلم كان كثيرا ما يقول «ثبّت قلبي على دينك».

أراد الثبات عند الاحتضار؛ أو السؤال، بدليل خبر: أنّه كان يقول إذا دفن الميّت قال: «سلوا له التّثبيت، فإنّه الآن يسأل». و لا مانع من إرادة الكلّ، و لهذا قال الوليّ: الثبات: التمكّن في الموضع الذي شأنه الاستزلال.

(و أسألك عزيمة الرّشد)؛ أي: حسن التصرف في أمر الدين و الإقامة عليه.

(و أسألك شكر نعمتك)؛ أي: التّوفيق لشكر إنعامك، (و حسن عبادتك):

إيقاعها على الوجه الحسن المرضيّ شرعا، و ذلك باستيفاء شروطها و أركانها و مستحبّاتها.

(و أسألك لسانا صادقا)؛ أي: محفوظا من الكذب؛ لأنّ تعوّد اللسان للكذب سبب في الهلاك. (و قلبا سليما)؛ أي: خاليا من الحقد و الحسد و الكبر، و من العقائد الفاسدة، و الميل إلى اللّذّات و الشّهوات العاجلة، و يتبع ذلك الأعمال الصالحة؛ إذ من علامة سلامة القلب تأثيرها في الجوارح، كما أنّ صحة البدن عبارة عن حصول ما ينبغي من استقامة المزاح و التركيب، و مرضه عبارة عن زوال أحدها.

(و أعوذ بك من شرّ ما تعلم)؛ أي: ما تعلمه أنت؛ و لا أعلمه أنا.

435

و أسألك من خير ما تعلم، و أستغفرك ممّا تعلم، إنّك أنت علّام الغيوب». (ت، ن؛ عن شدّاد ابن أوس).

26- «اللّهمّ؛ لك أسلمت، و بك آمنت، و عليك توكّلت، و إليك أنبت، و بك خاصمت.

اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بعزّتك لا إله إلّا أنت أن ...

(و أسألك من خير ما تعلم) و هذا سؤال جامع للاستعاذة من كلّ شرّ، و طلب كلّ خير.

و ختم هذا الدعاء- الذي هو من جوامع الكلم- بالاستغفار الذي عليه المعوّل و المدار فقال:

(و أستغفرك ممّا تعلم)؛ أي: أطلب منك أن تغفر لي ما علمته منّي من تقصير؛ و إن لم أحط به علما. (إنّك أنت علّام الغيوب»)؛ أي: الأشياء الخفيّة، أي: عالم بواطن الأمور كما تعلم ظواهرها.

(ت، ن)؛ أي: أخرجه الترمذيّ، و النسائي؛ (عن شدّاد بن أوس) (رضي الله تعالى عنه)، و رواه عنه أيضا الحاكم و صحّحه، و قال الحافظ العراقيّ: قلت:

بل هو منقطع، و هو ضعيف.

26- ( «اللّهمّ؛ لك أسلمت)؛ أي: لك؛ لا لغيرك انقدت.

(و بك آمنت)؛ أي: بك لا بغيرك صدّقت.

قال النوويّ: فيه إشارة إلى الفرق بين الإسلام و الإيمان.

(و عليك توكّلت)؛ أي: عليك لا على غيرك اعتمدت في تفويض أموري.

(و إليك أنبت)؛ أي: رجعت و أقبلت بهمّتي.

(و بك خاصمت)؛ أي: بك أحتجّ و أدفع من يريد مخاصمتي.

(اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بعزّتك)؛ أي: بقوّة سلطانك، (لا إله إلّا أنت أن‏

436

تضلّني، أنت الحيّ القيّوم الّذي لا يموت، و الجنّ و الإنس يموتون». (م؛ عن ابن عبّاس).

27- «اللّهمّ؛ عافني في بدني.

اللّهمّ؛ عافني في سمعي.

اللّهمّ؛ عافني في بصري.

اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من الكفر و الفقر.

تضلّني)؛ أي: أعتصم بك من أن تهلكني بعدم التوفيق للرشاد، (أنت الحيّ القيّوم)؛ أي: الدائم القائم بتدبير الخلق، (الّذي لا يموت)؛ بلفظ الغائب للأكثر و في بعض الروايات [تموت‏] بلفظ الخطاب؛ أي: الحيّ الحياة الحقيقيّة التي لا يجامعها الموت بحال. (و الجنّ و الإنس يموتون») عند انقضاء آجالهم.

(م)؛ أي: أخرجه مسلم؛ (عن ابن عبّاس) (رضي الله تعالى عنهما).

قال المناوي: و قضيّة كلام المصنّف: أنّ هذا من مفردات مسلم عن صاحبه!! و ليس كذلك، فقد رواه البخاريّ في «التوحيد»؛ عن ابن عباس (رضي الله تعالى عنهما). انتهى.

27- ( «اللّهمّ؛ عافني في بدني) من الأسقام و الآلام.

(اللّهمّ؛ عافني في سمعي)؛ أي: القوّة المودعة في الجارحة.

(اللّهمّ؛ عافني في بصري). خصّهما بالذكر بعد ذكر البدن!! لأنّ العين هي التي تنظر آيات اللّه المنبثة في الآفاق، و السمع يعي الآيات المنزلة، فهما جامعان لدرك الآيات؛ العقلية و النقلية. و إليه سرّ قوله في حديث آخر: «اللّهمّ متّعنا بأسماعنا و أبصارنا».

(اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من الكفر و الفقر) ذكره بعد الكفر!! «إشارة» إلى أنّه قد يترتّب عليه.

437

اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلّا أنت». (د، ك؛ عن أبي بكرة).

28- «اللّهمّ؛ اجعلني من الّذين إذا أحسنوا .. استبشروا، ...

(اللّهمّ؛ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلّا أنت») فلا يستعاذ من جميع المخاوف و الشدائد إلّا بك أنت. و القصد باستعاذته من الكفر- مع استحالته من المعصوم- أن يقتدى به في أصل الدعاء.

(د، ك)؛ أي: أخرجه أبو داود، و الحاكم؛ (عن أبي بكرة): نفيع بن الحارث بن كلدة- بكاف و لام مفتوحتين- الثقفيّ البصريّ.

و أمّه سميّة أمة للحارث بن كلدة، و هي أيضا أمّ زياد بن أبيه.

و إنّما كنّي «أبا بكرة»! لأنّه تدلّى من حصن الطائف إلى النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و كان أسلم و عجز عن الخروج من الطائف إلّا هكذا.

ثمّ بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم انتقل إلى البصرة، و كان من أعيان البصرة، و من الفضلاء الصالحين، و لم يزل على كثرة العبادة حتى توفي.

و كان أولاده أشرافا بالبصرة في كثرة العلم و المال و الولايات.

و توفي بالبصرة سنة: إحدى و خمسين، أو: اثنتين و خمسين هجرية؛ (رضي الله تعالى عنه).

و رواه عنه أيضا النسائي في «عمل اليوم و الليلة» و قال- أعني النسائي-: فيه جعفر بن ميمون: ليس بقوي.

28- ( «اللّهمّ؛ اجعلني من الّذين إذا أحسنوا استبشروا)؛ أي: إذا أتوا بعمل حسن قرنوه بالإخلاص؛ فيترتب عليه الجزاء، فيستحقون عليه الجنّة؛ فيستبشرون بها، كما قال تعالى‏ وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ‏ (30) [فصلت‏]. فهو كناية تلويحيّة؛ قاله المناوي.

438

و إذا أساءوا .. استغفروا». (ه، هب؛ عن عائشة).

29- «اللّهمّ؛ ارزقني حبّك، و حبّ من ينفعني حبّه عندك.

اللّهمّ؛ ما رزقتني ممّا أحبّ ...

(و إذا أساءوا)؛ أي: فعلوا سيّئة (استغفروا)؛ أي: طلبوا من اللّه تعالى مغفرة ما فرط منهم. و من ثمّ قال بعضهم: خير الذنوب ذنب أعقب توبة. و شرّ الطاعات طاعة أورثت عجبا.

معصية أورثت افتقارا * * * خير من الطّاعة و استكبارا

و المصطفى صلى اللّه عليه و سلم معصوم عن الإساءة! و إنّما هذا تعليم للأمّة؛ أرشدهم إلى أن يأتي الواحد منهم بهذا الدعاء الذي هو عبارة عن أن لا يبتليه بالاستدراج و يرى عمله حسنا فيهلك. أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [8/ فاطر].

و قوله «من الذين» أبلغ من أن يقول: «اجعلني أستبشر إذا أحسنت، و أستغفر إذا أسأت». كما تقول «فلان من العلماء»، فيكون أبلغ من قولك «فلان عالم»؛ لأنّك تشهد له بكونه معدودا في زمرتهم و معرفة مساهمته لهم في العلم؛ ذكره الزّمخشريّ.

(ه، هب)؛ أي: أخرجه ابن ماجه، و البيهقيّ في «شعب الإيمان»؛ (عن عائشة) (رضي الله تعالى عنها). و فيه عليّ بن زيد بن جدعان!! مختلف فيه.

29- ( «اللّهمّ؛ ارزقني حبّك) بأن لا أشتغل بشي‏ء غير طاعتك و مراقبتك.

و لما كانت محبّة المقرّبين وسيلة إلى حبّ اللّه تعالى، و أن محبّتهم لا تنافي محبّة اللّه تعالى أشار إلى طلب التعلّق بذلك بقوله: (و حبّ من ينفعني حبّه عندك)؛ كالملائكة، و الأنبياء، و الأصفياء؛ لأنّه لا سعادة للقلب و لا لذّة و لا نعيم؛ إلّا بأن يكون اللّه أحبّ إليه ممّا سواه.

(اللّهمّ؛ ما رزقتني ممّا أحبّ) من المال و السمع و البصر، و القوى الجسمانيّة

439

فاجعله قوّة لي فيما تحبّ، و ما زويت عنّي ممّا أحبّ .. فاجعله فراغا لي فيما تحبّ». (ت؛ عن عبد اللّه بن يزيد الخطميّ [(رضي الله تعالى عنه)‏]).

30- «اللّهمّ؛ اغفر لي ذنبي، و وسّع لي في داري، ...

و الروحانيّة؛ (فاجعله قوّة لي)؛ أي: وفّقني لأصرفه‏ (فيما تحبّ) من الطاعات. (و ما زويت)؛ أي: صرفت و نحّيت‏ (عنّي ممّا أحبّ) من المال و نحوه؛ (فاجعله فراغا لي فيما تحبّ)؛ أي: اجعله سببا لتفرّغي لطاعتك، و لا تشغل به قلبي فيشغلني عن عبادتك.

و ذلك لأنّ الفراغ خلاف الشغل، فإذا زوي عنه الدنيا كان ذلك الفراغ؛ عونا له على الاشتغال بطاعة اللّه تعالى. و قد حرّر اللّه أسرار نبيّنا؛ كالأنبياء من رقّ الأغيار، و صانهم بوجود عنايته من الركون إلى الآثار، لا يحبّون إلا إيّاه، و لا يشتغلون بسواه؛ قاله المناوي.

(ت)؛ أي: أخرجه الترمذيّ في «كتاب الدعاء»؛ (عن عبد اللّه بن يزيد) بمثنّاتين تحتيّتين: من الزيادة (الخطمي)- بفتح المعجمة و سكون المهملة:

نسبة إلى بني خطمة: قبيلة معروفة، صحابيّ صغير، شهد الحديبية ابن سبع عشرة، و ولي الكوفة لابن الزبير.

قال الترمذيّ: حديث حسن غريب، قال ابن القطّان: و لم يصحّحه!! لأنّ رواته ثقات إلّا سفيان بن وكيع؛ فمتّهم بالكذب، و ترك الرازباني حديثه بعد ما كتبناه، و قيل لأبي زرعة: أ كان يكذب؟ قال: نعم. انتهى «مناوي».

30- ( «اللّهمّ؛ اغفر لي ذنبي)، هذا من باب التشريع و التعليم للأمّة.

(و وسّع لي في داري)؛ أي: محلّ سكني في الدنيا، لأنّ ضيق مرافق الدار يضيّق الصدر، و يجلب الهمّ، و يشغل البال.

و المراد التوسعة بما يقتضيه الحال؛ لا توسعة كثيرة مؤدّية للترفّه و التبسّط في‏

440

و بارك لي في رزقي». (ت؛ عن أبي هريرة).

31- «اللّهمّ؛ إنّي أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي،

الدنيا، بل إنّما يسأل حصول قدر الكفاية؛ لا زيادة و لا نقص، و كذا يقال فيما بعده و هو قوله‏ (و بارك لي في رزقي»)؛ أي: اجعله مباركا محفوفا بالخير، وفقني للرضا بالمقسوم منه، و عدم الالتفات لغيره. و هذا كان يقوله بعد الوضوء عقب دعاء الوضوء.

(ت)؛ أي: أخرجه الترمذيّ؛ (عن أبي هريرة) (رضي الله تعالى عنه).

قال المناوي: و رمز السيوطيّ في «الجامع» لصحّته، و رواه الإمام أحمد، و الطبرانيّ عن رجل من الصحابة، و زاد: فسئل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عنهنّ، فقال:

«و هل تركت من شي‏ء؟!».

و رواه النسائيّ، و ابن السّنّيّ في كتابيهما: «عمل اليوم و الليلة»؛ عن أبي موسى قال: «أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بوضوء؛ فتوضّأ، فسمعته يدعو يقول ...

فذكره.

و ترجم عليه ابن السّنّيّ ب «باب: ما يقوله بين ظهراني وضوئه»، و ترجم عليه النسائيّ ب «باب: ما يقول بعد فراغ وضوئه». قال في «الأذكار»: إسناده صحيح. انتهى.

31- ( «اللّهمّ؛ إنّي أسألك)؛ أي: أطلب منك‏ (رحمة من عندك)؛ أي:

ابتداء من غير سبب. و قال القاضي: نكّر الرحمة تعظيما لها؛ دلالة على أنّ المطلوب رحمة عظيمة لا يكتنه كنهها، و وصفها بقوله: «من عندك» مزيدا لذلك التعظيم، لأنّ ما يكون من عنده لا يحيط به وصفه، لقوله تعالى‏ وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (65) [الكهف‏].

(تهدي): ترشد (بها قلبي) إليك، و تقرّبه لديك.

و خصّه!! لأنّه محلّ العقل؛ فباستقامته تستقيم سائر الأعضاء.

441

و تجمع بها أمري، و تلمّ بها شعثي، و تصلح بها غائبي، و ترفع بها شاهدي، و تزكّي بها عملي، و تلهمني بها رشدي، و تردّ بها ألفتي،

(و تجمع بها أمري)؛ أي: تضمّه بحيث لا أحتاج إلى أحد غيرك.

(و تلمّ بها شعثي)؛ أي: تجمع بها ما تفرّق من أمري، فهو معنى ما قبله، لكنه غير معيب، لكون الدعاء مقام خضوع و تذلّل؛ فينبغي فيه الإطناب.

(و تصلح بها غائبي)؛ أي: باطني بكمال الإيمان و الأخلاق الحسان.

(و ترفع بها شاهدي)؛ أي: ظاهري بالأعمال الصالحة. فالمراد تعميم الباطن و إصلاح الظاهر. و فيه حسن مقابلة بين الغائب و المشاهد.

(و تزكّي بها عملي)؛ أي: تزيده: و تنمّيه، و تطهّره من أدناس الرياء و السمعة. (و تلهمني بها رشدي)؛ أي: تهديني بها إلى ما يرضيك و يقرّبني إليك زلفى.

و الإلهام: أن يلقي اللّه في النفس أمرا يبعثه على فعل أو ترك، و هو نوع من الوحي، يختصّ اللّه به من يشاء من عباده. قال الراغب: رشد اللّه تعالى للعبد:

تسديده و نصرته يكون بما يخوّله من الفهم الثاقب، و السمع الواعي، و القلب المراعي، و تقييض المعلّم الناصح، و الرفيق الموافق، و إمداده‏

1- من المال بما لا يقعد به عن مغزاة قلبه، و لا يشتغل عنه كثرته.

و 2- من العشيرة و العزّ بما يصونه عن سفاهة السّفهاء و عن الغضّ منه.

و 3- من جهة الأغنياء أن يخوّله من كبر الهمة و قوّة العزيمة؛ ما يحفظه من التسبّب بالأسباب الدّنيئة، و التأخّر عن بلوغ كلّ منزلة سنيّة.

(و تردّ بها ألفتي)- بضم الهمزة و كسرها-: مصدر بمعنى اسم المفعول، أي: مألوفي، أي: تردّ عليّ كل ما فارقني من مألوفاتي التي فيها رضاك، لا سيّما

442

و تعصمني بها من كلّ سوء.

اللّهمّ؛ أعطني إيمانا و يقينا ليس بعده كفر، و رحمة أنال بها شرف كرامتك في الدّنيا و الآخرة.

اللّهمّ؛ إنّي أسألك الفوز في القضاء، و نزل الشّهداء، و عيش السّعداء، و النّصر على الأعداء.

الأعمال الصالحة؛ إذا حصل لي عنها فتور أسألك أن تردّها عليّ.

(و تعصمني)؛ أي: تمنعني و تحفظني‏ (بها من كلّ سوء)؛ بأن تصرفني عنه و تصرفه عنّي. و طلب ذلك صلى اللّه عليه و سلم مع أنّه ثابت له بالنصّ!! إظهارا للعبودية الدالّة على افتقار العبد للطلب من مولاه.

(اللّهمّ؛ أعطني إيمانا و يقينا ليس بعده كفر)؛ أي: جحد لدينك، فإنّ القلب إذا تمكّن منه نور اليقين انزاحت عنه ظلمات الشكوك، و اضمحلّت منه غيوم الريب. (و رحمة)؛ أي: عظيمة جدّا بحيث‏ (أنال بها شرف كرامتك)؛ أي:

إكرامك لي‏ (في الدّنيا)؛ بأن أقوم بحقوقك و حقوق العباد. (و الآخرة)؛ بأن أنال النعيم الدائم. و المراد علوّ القدر في الدارين، و رفع الدرجات فيهما.

(اللّهمّ؛ إنّي أسألك الفوز) باللّطف‏ (في القضاء، و نزل)- بضم النون و الزاي- (الشّهداء)؛ أي: منزلتهم في الجنة، أو درجتهم في القرب منك؛ لأنّه محل المنعم عليهم. و هو و إن كان أعظمهم منزلة و أعلى منهم مرتبة؛ لكنه ذكر للتشريع لأمّته.

(و عيش)؛ أي: حياة (السّعداء) في الآخرة، (و النّصر على الأعداء) في الدين؛ بالظفر بهم و قمعهم ليزول ظلمهم عن العباد.

قال المناوي: النصر من اللّه معونة الأنبياء و الأولياء و صالحي العباد بما يؤدّي إلى صلاحهم؛ عاجلا و آجلا، و ذلك يكون؛ تارة 1- من خارج بمن يقيضه اللّه‏

443

اللّهمّ؛ إنّي أنزل بك حاجتي، فإن قصّر رأيي، و ضعف عملي .. افتقرت إلى رحمتك، فأسألك يا قاضي الأمور، و يا شافي الصّدور؛ كما تجير بين البحور .. أن تجيرني من عذاب السّعير، و من دعوة الثّبور، و من فتنة القبور.

فيعينه، و تارة 2- من داخل بأن يقوّي قلب الأنبياء؛ أو الأولياء، أو يلقي الرّعب في قلوب الأعداء، و عليه قوله تعالى‏ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (51) [غافر]. انتهى.

(اللّهمّ؛ إنّي أنزل بك)؛ أي: بساحة فضلك، أي: أسألك قضاء (حاجتي)؛ أي: جميع ما أحتاج إليه من أمور الدنيا و الآخرة، لأنّه مفرد مضاف فيعمّ.

(فإن قصّر)- بتشديد الصاد- (رأيي)؛ أي: عجز عن إدراك ما هو الأنجح الأصلح، أو [قصر] بتخفيف الصّاد المضمومة. ضبط بالضّبطين، و لعلّهما روايتان. و المراد بالرأي: ما ثلج في الصدر مما يريده الإنسان.

(و ضعف عملي)، أي: عبادتي عن بلوغ مراتب الكمال‏ (افتقرت)؛ أي: احتجت في بلوغ ذلك‏ (إلى رحمتك)؛ أي: إلى شمولي برحمتك التي وسعت كلّ شي‏ء.

(فأسألك)؛ أي: فبسبب ضعفي و افتقاري أطلب منك‏ (يا قاضي الأمور)؛ أي: حاكمها و محكمها. و فيه جواز إطلاق «القاضي» على اللّه تعالى.

(و يا شافي)؛ أي: مداوي‏ (الصّدور) يعني: القلوب التي في الصدور من أمراضها التي إن توالت عليها أهلكتها هلاك الأبد.

(كما تجير)؛ أي: تفصل و تحجز (بين البحور)، و تمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر مع الاتصال‏ (أن تجيرني): تمنعني‏ (من عذاب السّعير)؛ بأن تحجزه عنّي و تمنعه منّي.

(و من دعوة الثّبور)، أي: النداء بالهلاك، (و من فتنة القبور) فتنة سؤال منكر و نكير؛ بأن ترزقني الثبات عند السؤال.

444

اللّهمّ؛ ما قصر عنه رأيي، و لم تبلغه نيّتي، و لم تبلغه مسألتي من خير وعدته أحدا من خلقك، أو خير أنت معطيه أحدا من عبادك .. فإنّي أرغب إليك فيه، و أسألكه برحمتك يا ربّ العالمين.

اللّهمّ؛ يا ذا الحبل الشّديد، و الأمر الرّشيد .. أسألك الأمن يوم الوعيد، و الجنّة يوم الخلود، مع المقرّبين الشّهود، ...

(اللّهمّ؛ ما قصر عنه رأيي)؛ أي: اجتهادي في تدبيري، (و لم تبلغه نيّتي؛ و لم تبلغه مسألتي) إيّاك، (من) كلّ‏ (خير وعدته أحدا من خلقك) أن يفعله مع أحد من مخلوقاتك؛ من إنس و جنّ و ملك، (أو خير أنت معطيه أحدا من عبادك) من غير سابقة وعد له بخصوصه. فلا يعدّ مع ما قبله تكرارا.

(فإنّي أرغب إليك فيه)؛ أي: أطلبه منك بجدّ و اجتهاد، و أجتهد في حصوله منك لي، (و أسألكه برحمتك) التي لا نهاية لسعتها؛ (يا ربّ العالمين): الخلق كلهم. و ذكره تتميما لكمال الاستعطاف و الابتهال.

(اللّهمّ؛ يا ذا الحبل)- بموحدة- (الشّديد)، و المراد القرآن أو الدّين.

و وصفه بالشدّة!! لأنها من صفات الحبال. و الشدّة في الدين: الثبات و الاستقامة.

(و الأمر الرّشيد) السديد الموافق لغاية الصواب.

(أسألك الأمن) من الفزع و الأهوال‏ (يوم الوعيد)، أي: يوم التهديد و هو يوم القيامة. (و الجنّة)؛ أي: و أسألك الفوز بها (يوم الخلود)؛ أي يوم:

إدخال عبادك دار الخلود، أي: خلود أهل الجنة في الجنة، و خلود أهل النار في النار، و ذلك بعد فصل القضاء و انقضاء الأمر.

(مع المقرّبين) إلى الحضرات القدسيّة (الشّهود)؛ أي: الناظرين إلى‏

445

و الرّكّع السّجود، الموفين بالعهود، إنّك رحيم ودود، و إنّك تفعل ما تريد.

اللّهمّ؛ اجعلنا هادين مهتدين، غير ضالّين و لا مضلّين، سلما لأوليائك و عدوّا لأعدائك، نحبّ بحبّك من أحبّك، و نعادي بعداوتك من خالفك.

ربّهم، المشاهدين لكمال جماله، (و الرّكّع السّجود)، أي: المكثرين للصلاة ذات الركوع و السجود في الدنيا (الموفين)- بالتخفيف- (بالعهود) بما عاهدوا اللّه عليه، (إنّك رحيم) موصوف بكمال الإحسان بدقائق النعم، (ودود) شديد الحبّ لمن والاك.

(و إنّك تفعل ما تريد) فتعطي من تشاء سؤله؛ و إن عظم، لا مانع لما أعطيت.

(اللّهمّ؛ اجعلنا هادين): دالّين الخلق على ما يوصلهم إلى الحقّ، (مهتدين): واصلين إلى إصابة الصواب؛ قولا و عملا.

و معلوم أنّ الشخص لا يتّصف بكونه هاديا إلّا بعد اتّصافه بكونه مهتديا، و لم يوجد هنا ترتيب!! فحينئذ المعنى: اجعلنا هادين بسبب كوننا مهتدين.

(غير ضالّين) عن الحقّ، و هو لازم لما قبله. (و لا مضلّين) أحدا من الخلق، (سلما)- بكسر السين المهملة فسكون اللام- أي: صلحا (لأوليائك) الذين هم حزبك المفلحون، (و عدوّا)- لفظ رواية البيهقي: «حربا» بدل «عدوّا»- (لأعدائك)؛ ممّن اتّخذ لك شريكا؛ أو ندّا، أو فعل معك ما لا يليق بكمالك.

(نحبّ بحبّك)؛ أي: بسبب حبّنا لك‏ (من أحبّك) حبّا خالصا، ف «من» مفعول «نحب» (و نعادي بعداوتك)- أي: بسبب عداوتك- (من خالفك)؛

446

اللّهمّ؛ هذا الدّعاء و عليك الإجابة، و هذا الجهد و عليك التّكلان.

اللّهمّ .. اجعل لي نورا في قلبي، و نورا في قبري، و نورا بين يديّ، و نورا من خلفي، و نورا عن يميني، و نورا عن شمالي، و نورا من فوقي، و نورا من تحتي، و نورا في سمعي، و نورا في بصري، و نورا في شعري، و نورا في بشري، و نورا في لحمي، و نورا في دمي، و نورا في عظامي.

أي: خالف أمرك، و هو مفعول «نعادي»، و هذا ناظر إلى أنّ من كمال الإيمان الحبّ في اللّه و البغض في اللّه.

(اللّهمّ؛ هذا الدّعاء)، أي: ما أمكننا من الدعاء قد أتينا به.

(و عليك الإجابة)؛ فضلا منك لا وجوبا، (و هذا الجهد)- بالضم-: الوسع و الطاقة، (و عليك التّكلان)- بضم المثنّاة الفوقيّة- أي: الاعتماد.

(اللّهمّ؛ اجعل لي نورا في قلبي)؛ أي: نورا عظيما، فالتنوين للتعظيم.

و قدّم القلب!! لأنّه مقرّ التفكّر في آلاء اللّه و مصنوعاته، و النور: ما يتبيّن به الشي‏ء.

(و نورا في قبري) أستضي‏ء به في ظلمة اللّحد، (و نورا بين يديّ)؛ أي:

يسعى أمامي، (و نورا من خلفي)؛ أي: من ورائي، (و نورا عن يميني، و نورا عن شمالي، و نورا من فوقي، و نورا من تحتي) يعني: اجعل النّور يحفّني من الجهات الستّ. (و نورا في سمعي، و نورا في بصري)، لأنّ السمع محلّ السماع لآياتك، و البصر محلّ النظر إلى مصنوعاتك، فبزيادة ذلك تزداد المعارف.

(و نورا في شعري، و نورا في بشري)؛ أي: ظاهر جلدي.

(و نورا في لحمي) الظاهر و الباطن، (و نورا في دمي، و نورا في عظامي)

447

اللّهمّ؛ أعظم لي نورا، و أعطني نورا، و اجعل لي نورا.

يضي‏ء على المذكورات كلّها، لأنّ إبليس يأتي الإنسان من هذه الأعضاء فيوسوس، فدعا بإثبات النور فيها ليدفع ظلمته.

و في المناوي: معنى طلب النور للأعضاء: أن تتحلّى بأنوار المعرفة و الطاعة، و تعرى عن ظلم الجهالة و المعاصي، و أن يكون جميع ما يتصدّى له سببا لمزيد علمه و ظهور أمره، و أن يحيط به يوم القيامة؛ فيسعى خلال النّور، كما قال تعالى في حق المؤمنين‏ نُورُهُمْ يَسْعى‏ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ‏ [8/ التحريم‏]. انتهى.

و قال القرطبيّ: هذه الأنوار التي دعا بها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يمكن حملها على ظاهرها، فيكون سأل اللّه تعالى أن يجعل له في كلّ عضو من أعضائه نورا يستضي‏ء به يوم القيامة في تلك الظّلم، هو و من تبعه، أو من شاء اللّه منهم. قال: و الأولى أن يقال: هي مستعارة للعلم و الهداية، كما قال تعالى‏ فَهُوَ عَلى‏ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ‏ [22/ الزمر]، و قوله تعالى‏ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ‏ [122/ الأنعام‏]. ثم قال:

و التحقيق في معناه: أنّ النور مظهر لما ينسب إليه، و هو يختلف بحسبه، فنور السمع مظهر للمسموعات، و نور البصر كاشف للمبصرات، و نور القلب كاشف عن المعلومات، و نور الجوارح ما يبدو عليها من أعمال الطاعات.

و قال النوويّ: قال العلماء: طلب النور في أعضائه و جسمه و تصرّفاته و تقلّباته و حالاته، و جملته في جهاته الستّ حتى لا يزيغ شي‏ء منها عنه. انتهى «عزيزي».

(اللّهمّ؛ أعظم لي نورا، و أعطني نورا، و اجعل لي نورا)- عطف عامّ على خاصّ-، أي: اجعل لي نورا شاملا للأنوار السابقة و غيرها. و هذا دعاء بدوام ذلك، لأنّه حاصل له، و هو تعليم لأمّته. و في رواية: بدل «اجعل لي نورا»:

«اجعلني نورا».

قال في «الحكم العطائيّة»: النور جند القلب، كما أنّ الظّلمة جند النفس، فإذا أراد اللّه أن ينصر عبدا أمدّه بجنود الأنوار، و قطع عنه مدد الظلم و الأغيار.

448

سبحان الّذي تعطّف بالعزّ و قال به، سبحان الّذي لبس المجد و تكرّم به، سبحان الّذي لا ينبغي التّسبيح إلّا له، سبحان ذي الفضل و النّعم، سبحان ذي المجد و الكرم، سبحان ذي الجلال و الإكرام».

النّور جند القلب أمّا الظّلمة * * * فهي جند النّفس ذات التّهمه‏

إذا أراد اللّه نصر عبده‏ * * * يوما أمدّ قلبه بجنده‏

و بتّ قطعا عنه جند النّفس‏ * * * و إن يرد خذلانه بالعكس‏

(سبحان الّذي تعطّف بالعزّ)، أي: تردّى به، بمعنى أنّه اتّصف بأنّه يغلب كلّ شي‏ء؛ و لا يغالبه شي‏ء، لأنّ العزّة الغلبة على كليّة الظاهر و الباطن.

(و قال به)؛ أي: غلب به كلّ عزيز، و ملك عليه أمره من القيل: و هو الملك الذي ينفذ قوله فيما يريد. انتهى؛ ذكره الزمخشريّ.

و في «الروض الأنف»: قد صرّفوا من القيل فعلا؛ فقالوا: قال علينا فلان، أي: ملك، و القيال: الإمارة، و منه قول النّبي صلى اللّه عليه و سلم في تسبيحه الذي رواه عنه الترمذيّ: «سبحان الّذي لبس العزّ و قال به»؛ أي: ملك به و قهر. هكذا فسّره الهروي في «الغريبين». انتهى بنصّه.

و به يعرف أنّ تفسير صاحب «النهاية» و من على قدمه: قال به: ب «أحبّه و اختصّ به» غير جيّد؛ قاله المناوي.

(سبحان الّذي لبس المجد)؛ أي: ارتدى بالعظمة و الكبرياء.

(و تكرّم به)؛ أي: تفضّل و أنعم به على عباده. (سبحان الّذي لا ينبغي التّسبيح إلّا له)؛ أي: لا ينبغي التنزيه المطلق إلّا لجلاله المقدّس. (سبحان ذي الفضل و النّعم)- جمع نعمة- و هي: كلّ ملائم تحمد عاقبته. و المراد: الإنعام.

(سبحان ذي المجد و الكرم، سبحان ذي الجلال و الإكرام»)؛ أي: الذي‏

449

(ت، طب، هق؛ عن ابن عبّاس).

32- «اللّهمّ؛ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، و لا تنزع منّي صالح ما أعطيتني» ...

يجلّه الموحّدون عن التشبيه بخلقه و عن أفعالهم، و الذي يقال له: ما أجلّك و أكرمك.

(ت، طب، هق)؛ أي: أخرجه الترمذيّ في «كتاب الصلاة»، و الطبرانيّ في «الكبير»، و البيهقيّ في «سننه» في «كتاب الدعوات»؛ كلّهم من حديث داود بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس؛ عن أبيه‏ (عن) جدّه عبد اللّه‏ (ابن عبّاس) (رضي الله تعالى عنهما)، لكن بزيادة و نقص: قال:

بعثني العبّاس إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فأتيته ممسيا و هو في بيت خالتي ميمونة، فقام فصلّى من اللّيل، فلمّا صلّى الرّكعتين قبل الفجر قال: اللّهمّ إنّي أسألك ...»

إلى آخره.

و داود هذا عمّ المنصور، و لي المدينة و الكوفة للسّفّاح.

حدّث عنه الكبار؛ كالثوريّ، و الأوزاعيّ، و وثّقه ابن حبّان و غيره، و قال ابن معين: أرجو أنّه لا يكذب، إنّما يحدث بحديث واحد، و كذا روى عثمان بن سعيد عنه.

و قد أورده ابن عديّ في «الكامل»، و ساق له بضعة عشر حديثا، ثمّ قال:

و عندي لا بأس بروايته عن أبيه عن جدّه؛ احتجّ به مسلم، و خرّج له الأربعة.

انتهى؛ قاله المناوي (رحمه الله تعالى).

و قال العزيزي: في أسانيدها مقال، لكنّها تعاضدت. انتهى.

32- ( «اللّهمّ؛ لا تكلني)، أي: لا تصرف أمري‏ (إلى نفسي)، أي:

لا تسلمني إليها و تتركني هملا (طرفة عين)، أي: مقدار تحرّك جفن العين، و هو كناية عن قلّة الزمن. (و لا تنزع منّي صالح ما أعطيتني») من الإيمان و التوفيق، لأنّ ذلك إذا نزع خلفه ضدّه.

450

(البزّار؛ عن ابن عمر).

33- «اللّهمّ؛ اجعلني شكورا، و اجعلني صبورا، و اجعلني في عيني صغيرا، و في أعين النّاس كبيرا». (البزّار؛ عن بريدة [(رضي الله تعالى عنه)‏]).

و قد علم صلى اللّه عليه و سلم أنّ ذلك لا يكون، و لكنّه أراد أن يحرّك همم أمّته إلى الدعاء بذلك. قال الحليمي: و هذا تعليم منه لأمّته؛ أنّه ينبغي كونهم مشفقين من أن يسلبوا الإيمان أو التوفيق للعمل، فإنّ من سلب التوفيق لم يملك نفسه، و لم يأمن أن يضيّع الطاعات و يتّبع الشهوات، فينبغي لكلّ مؤمن أن يكون هذا الخوف من همّه. انتهى.

(البزّار)؛ أي: أخرجه البزّار في «مسنده»؛ (عن ابن عمر) بن الخطّاب (رضي الله تعالى عنه). قال الحافظ الهيثميّ: فيه إبراهيم بن يزيد الحوذي، و هو متروك. ذكره المناوي. و قال العزيزيّ: هو ضعيف لضعف إبراهيم بن يزيد.

33- ( «اللّهمّ؛ اجعلني شكورا)؛ أي: كثير الشكر، بأن أصرف جميع ما أنعمت به عليّ إلى ما خلقتني لأجله، (و اجعلني صبورا): كثير الصبر، بحيث إذا ظلمت لا أنتقم، و كذا إذا ضيّقت عليّ في الرزق أو بمرض لا يكون عندي ضجر لعلمي بأنّ الكلّ منك.

(و اجعلني) أرى نفسي‏ (في عيني صغيرا): حقيرا، بحيث أعتقد احتقار نفسي، و أرى غيري خيرا مني في الصلاح و العلم. (و اجعلني في أعين النّاس كبيرا»): معظّما مهابا ليمتثل أمري، و استوهب ذلك لما ينشأ عنه من العدل و الامتثال بشرط التواضع.

(البزّار)؛ أي: أخرجه البزّار في «مسنده»؛ (عن بريدة)- بضم الموحدة و فتح الراء- ابن الحصيب- بضمّ المهملة و فتح المهملة الثانية، ثم تحتيّة ثم موحّدة آخره-. قال الهيثمي: فيه عقبة بن عبد اللّه الأصمّ، و هو ضعيف، لكن حسّن البزّار حديثه؛ قاله المناوي.

451

34- «اللّهمّ؛ احفظني بالإسلام قائما، و احفظني بالإسلام قاعدا، و احفظني بالإسلام راقدا، و لا تشمت بي عدوّا، و لا حاسدا.

اللّهمّ؛ إنّي أسألك من كلّ خير خزائنه بيدك، و أعوذ بك من كلّ شرّ خزائنه بيدك». (ك؛ عن ابن مسعود).

34- ( «اللّهمّ؛ احفظني بالإسلام قائما): حال كوني قائما، و كذا يقال فيما بعده‏ (و احفظني بالإسلام قاعدا، و احفظني بالإسلام راقدا)، يعني في جميع الحالات. (و لا تشمت)- بالتخفيف- (بي عدوّا؛ و لا حاسدا)؛ أي: لا تنزل بي بليّة يفرح بها عدوّي و حاسدي.

(اللّهمّ؛ إنّي أسألك من كلّ خير خزائنه)؛ مبتدأ، و خبره قوله‏ (بيدك، و أعوذ بك من كلّ شرّ خزائنه) جمع خزانة- بكسر الخاء؛ ككتابة-: مكان الخزن، أي: الموضع الذي يخزن فيه الشي‏ء، و لا تفتح الخاء من «خزانة». و من اللطائف قولهم: لا تكسر القصعة و لا تفتح الخزانة.

(بيدك»). و في رواية: «بيديك» في الموضعين، و اليد: مجاز عن القدرة المتصرّفة، و تثنيتها باعتبار التصرّف في العالمين؛ عالم الشهادة المسمّى ب «عالم الملك»، و عالم الغيب المسمّى ب «عالم الملكوت».

(ك)؛ أي: أخرجه الحاكم في «المستدرك»؛ (عن ابن مسعود) (رضي الله تعالى عنه) قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يدعو؛ فيقول: اللّهمّ ...» الخ.

و زاد البيهقيّ في «الدعوات»؛ من طريق هاشم بن عبد اللّه بن الزبير: أنّ عمر بن الخطّاب أصابته مصيبة، فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؛ فشكا إليه، و سأله أن يأمر له بوسق تمر، فقال: «إن شئت أمرت لك، و إن شئت علّمتك كلمات خيرا لك منه»!! فقال: علّمنيهنّ و مر لي بوسق تمر، فإنّي ذو حاجة إليه، قال:

«أفعل»، و قال: «قل: اللّهمّ احفظني ...» الخ.

452

35- «اللّهمّ؛ انفعني بما علّمتني، و علّمتني ما ينفعني، و زدني علما.

الحمد للّه على كلّ حال، ...

35- ( «اللّهمّ؛ انفعني بما علّمتني) بالعمل بمقتضاه خالصا لوجهك.

(و علّمني ما ينفعني) لأرتقي منه إلى عمل زائد على ذلك.

(و زدني علما) مضافا إلى ما علّمتنيه، و هذا إشارة إلى طلب المزيد في السير و السلوك إلى أن يوصله إلى مخدع الوصال، و به ظهر أنّ العلم وسيلة للعمل، و هما متلازمان، و من ثمّ قالوا: ما أمر اللّه رسوله بطلب الزيادة في شي‏ء إلّا من العلم‏ (1).

(الحمد للّه على كلّ حال) من أحوال السّرّاء و الضّرّاء، و كم يترتّب على الضّرّاء من عواقب حميدة و مواهب كريمة، يستحقّ الحمد عليها. وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ‏ [216/ البقرة].

قال في «الحكم العطائية»: من ظنّ انفكاك لطفه عن قدره؛ فذاك لقصور نظره. قال في نظمها:

من ظنّ أنّ لطفه عن قدره‏ * * * ينفكّ فهو قاصر في نظره‏

و قال الغزاليّ: لا شدّة إلّا و في جنبها نعم للّه، فليلزم الحمد و الشكر على تلك النعم المقترنة بها.

و قال عمر بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه): ما ابتليت ببليّة إلّا كان للّه عليّ فيها أربع نعم: 1- إذ لم تكن في ديني، و 2- إذ لم أحرم الرضا، و 3- إذ لم تكن أعظم، و 4- إذ رجوت الثواب عليها.

و قال إمام الحرمين: شدائد الدنيا مما يلزم العبد الشكر عليها؛ لأنّها نعم‏

____________

(1) بل جعل كلّ تكاثر غيره لهوا. (عبد الجليل).

453

و أعوذ باللّه من حال أهل النّار». (ت، ه، [ك‏]؛ عن أبي هريرة).

36- «يا حيّ يا قيّوم؛ برحمتك أستغيث». (ت؛ عن أنس).

بالحقيقة، بدليل أنّها تعرّض العبد لمنافع عظيمة، و مثوبات جزيلة، و أغراض كريمة؛ تتلاشى في جنبها شدائد الدنيا.

نحمده على شمول النّعم‏ * * * حتّى لقد أبطنها في الألم‏

(و أعوذ باللّه من حال أهل النّار») في النار و غيرها: و هذا يلزم منه الاستعاذة من دخولها؛ لأنّ من دخلها لا بدّ أن يتّصف بوصف من أوصاف أهلها من العذاب.

(ت، ه، [ك‏])؛ أي: أخرجه الترمذيّ في «الدعوات»، و ابن ماجه في «السّنّة و الدعاء»، و الحاكم في‏ (الأدعية)؛ (عن أبي هريرة) (رضي الله تعالى عنه).

و قال الترمذي: غريب، و في سنده موسى بن عبيدة عن محمد بن ثابت عن الزهري. و موسى المذكور: ضعّفه النسائيّ و غيره، و محمد بن ثابت: لم يروه عنه غير موسى. و قال الذهبي: مجهول.

36- ( «يا حيّ يا قيّوم؛ برحمتك أستغيث». ت) أخرجه الترمذيّ؛ (عن أنس) (رضي الله تعالى عنه)؛ عن النبي صلى اللّه عليه و سلم: أنّه كان إذا كربه أمر قال: يا حيّ يا قيّوم؛ برحمتك أستغيث».

قال ابن القيّم: في تأثير هذا الدعاء في دفع الهمّ و الغمّ مناسبة بديعة، فإنّ صفة الحياة متضمّنة لجميع صفات الكمال؛ مستلزمة لها، و صفة القيّوميّة متضمّنة لجميع صفات الأفعال. و لهذا قيل: إنّ اسمه الأعظم هو: الحي القيوم.

و الحياة التامّة تضادّ جميع الآلام و الأسقام، و لهذا: لمّا كملت حياة أهل الجنّة

454

37- «اللّهمّ؛ افتح مسامع قلبي لذكرك، و ارزقني طاعتك، و طاعة رسولك، و عملا بكتابك». (طس؛ عن عليّ [(رضي الله تعالى عنه)‏]).

لم يلحقهم همّ و لا غمّ و لا حزن، و لا شي‏ء من الآفات. فالتوسّل بصفة الحياة و القيوميّة له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة و يضر بالأفعال، فاستبان أنّ لاسم الحيّ القيّوم تأثيرا خاصّا في كشف الكرب و إجابة الربّ. انتهى.

37- ( «اللّهمّ؛ افتح مسامع قلبي)؛ أي: آذان قلبي. جمع مسمع؛ كمنبر: الأذن- كما في «الصحاح»- (لذكرك)؛ أي: أزل عن قلبي الحجب المانعة من لذّة الذكر، فإنّه عقاب كبير، لأنّ كلّ قلب لم يدرك لذّة الذكر؛ فهو كالميت.

كان رجل في بني إسرائيل؛ أقبل على اللّه ثم أعرض عنه، فقال: يا رب؛ كم أعصيك و لا تعاقبني! فأوحى اللّه إلى نبيّ ذلك الزمان: قل لفلان: كم عاقبتك و لم تشعر!! أ لم أسلبك حلاوة ذكري و لذّة مناجاتي؟!.

(و ارزقني طاعتك)؛ أي: كمال لزوم أوامرك، (و طاعة رسولك) النبيّ الأميّ، الذي أوجبت علينا طاعته، و ألزمتنا متابعته. (و عملا بكتابك»):

القرآن، أي: العمل بما فيه من الأحكام، فإنّ من وفّق لفهم أسراره و صرف إليه عنايته اكتفى به عن غيره، و دلّه على كل خير، و حذّره من كلّ شرّ، و هو الكفيل بذلك على أتمّ الوجوه، و فيه أسباب الخير و الشرّ مفصّلة مبيّنة، ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ [38/ الأنعام‏].

(طس)؛ أي: أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط»؛ من حديث الحارث الأعور؛ (عن عليّ) أمير المؤمنين. قال الحارث: دخلت على عليّ بعد العشاء، فقال: ما جاء بك السّاعة؟! قلت: إنّي أحبّك، قال: آللّه؟ آللّه؟ قلت: نعم؛ و اللّه، فقال: أ لا أعلّمك دعاء علّمنيه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم!؟ قل: «اللّهمّ افتح ...»

إلى آخر، قال الحافظ الهيثمي: الحارث ضعيف. انتهى.