تمهيد الوسائل في شرح الرسائل‏ - ج4

- الشيخ علي المروجي المزيد...
472 /
203

على انفسها كان الظاهر فيما لا يعلمون ذلك ايضا نعم (1) يظهر من بعض الاخبار الصحيحة عدم (2) اختصاص الموضوع (3) عن الامة بخصوص المؤاخذة فعن المحاسن عن أبيه عن صفوان بن يحيى و البزنطى جميعا عن أبى الحسن (عليه السلام)، فى الرجل يستحلف (4) على اليمين، فحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك أ يلزمه (5) ذلك؟ فقال (عليه السلام): لا، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله‏): رفع عن امتى ما اكرهوا عليه و ما لم يطيقوا و ما أخطئوا الخبر فان الحلف بالطلاق و العتق و الصدقة و ان كان باطلا عندنا مع الاختيار ايضا (6)

____________

[يظهر من بعض الاخبار ان المرفوع بحديث الرفع جميع الآثار]

(1) هذا استدراك عما ذكره من أنّ الظاهر في الحديث تقدير المؤاخذة، و دليل على أنّ المقدر جميع الآثار. و حاصل الاستدراك:

أنّ تقدير المؤاخذة و ان كان أقرب عرفا من تقدير جميع الآثار إلّا أن بعض الاخبار الصحيحة قرينة خارجية على تقدير جميع الآثار في الحديث.

(2) فاعل لقوله: يظهر ...

(3) أي المرفوع عن الامة. و كلمة الموضوع من الكلمات التي اذا تعديت بكلمة «عن» تدل على نقيض معناه.

(4) أي يكره و يجبر على اليمين.

(5) أي يصح الحلف بحيث يترتب عليه الحنث و سائر أحكامه.

(6) أي لا يؤثر الحلف في شي‏ء منها حتى حال الاختيار لان وقوع كل منها موقوف على سبب خاص و ليس الحلف من أسبابها الشرعية.

و الحلف لا بدّ أن يكون بكلمة الجلالة.

204

إلّا أن (1) استشهاد الامام (عليه السلام) على عدم لزومها (2) مع الاكراه على الحلف بها بحديث (3) الرفع شاهد (4) على عدم اختصاصه (5) برفع خصوص المؤاخذة، لكن النبوى المحكى فى كلام الامام (عليه السلام) مختص بثلاثة من التسعة فلعل نفى جميع الآثار مختص بها (6)

____________

(1) ملخص الكلام في تقريب الاستدلال بها: أن الرواية و ان صدرت عن تقية إلّا أنها لا تضر بالتمسك باستشهاده (عليه السلام) على بطلان الحلف بالطلاق و العتق و الصدقة اذا كان عن اكراه فانه يدل على أنّ المقدر فيما استكرهوا و ما لم يطيقوا و ما أخطئوا غير المؤاخذة. و الحاصل: أنّ حكم الامام بعدم صحة الحلف المذكور يدل على عدم اختصاص المرفوع بالمؤاخذة بل يعم جميع الآثار اذ لا واسطة بينهما.

(2) أي عدم لزوم الطلاق و العتق و الصدقة لو كان الحلف بها عن اكراه.

(3) الجار متعلق بقوله: الاستشهاد.

(4) خبر لقوله: «أن استشهاد لامام». أي استشهاد الامام (ع) بحديث الرفع شاهد على اختصاص المرفوع عن الامة بخصوص المؤاخذة.

(5) المرفوع عن الامة.

(6) أي بثلاثة من التسعة، و الباقي من التسعة يقدر فيه المؤاخذة فلا تكون هذه الصحيحة قرينة لعدم كون المقدر في حديث الرفع المؤاخذة.

205

فتأمل (1). و مما يؤيد ارادة (2) العموم «3» ظهور «4» كون رفع كل واحد من التسعة من خواص أمة النبى (صلى اللّه عليه و آله‏)، اذ لو اختص الرفع بالمؤاخذة أشكل الامر فى كثير من تلك الامور (5)

____________

(1) لعله اشارة الى ان التفكيك بين الثلاثة من التسعة و الباقي خلاف ظاهر وحدة السياق فالمقدر في الكل شي‏ء واحد، و التفكيك ركيك.

(2) هذا هو الوجه الثاني لاثبات أنّ المقدر في الحديث جميع.

الآثار. و ملخصه: انه لو كان المرفوع في الحديث المؤاخذة فقط لم يختص المرفوع بهذه الامة فقط، و هو خلاف ظاهر الحديث فان ظاهره في مقام الامتنان على الامة المرحومة. بيان الملازمة:

أنّ المؤاخذة على كثير مما ذكر في الرواية- كالخطاء، و النسيان، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا اليه، و ما اكرهوا عليه- قبيحة عقلا من غير فرق بين الامم فلا بد من الحكم بتعميم المرفوع من المؤاخذة بان بقال ان المرفوع جميع الآثار حتى يكون رفع جميع الآثار من خواص الامة المرحومة فاذا ثبت أن المقدر جميع الآثار فيسقط ظهور الرواية عن الاختصاص بالشبهة الموضوعية لانّه كان مبتنيا على تقدير المؤاخذة في متعلق الرفع و قد عرفت فساده.

(3) أي جميع الآثار.

(4) منشأ الظهور هو كون الحديث مسوقا في مقام الامتنان.

(5) المذكورة في الحديث كقوله: «ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا عليه ...».

206

من حيث (1) ان العقل مستقل بقبح المؤاخذة عليها فلا اختصاص له بامة النبى (عليه السلام) على ما يظهر من الرواية (2) و القول (3) بأن الاختصاص (4) باعتبار رفع المجموع (5) و ان لم يكن رفع كل واحد من الخواص شطط (6) من الكلام‏

____________

(1) بيان لمنشا الاشكال.

(2) فان الظاهر من الرواية هو الاختصاص و مع حكم العقل بقبح المؤاخذة مطلقا لا معنى للاختصاص على الامة المرحومة.

و وجه الظهور قد عرفته آنفا من كون الرواية امتنانية على الامة المرحومة ..

(3) و ملخص هذا القول: أنّ تقدير المؤاخذة في الآية لا ينافي ظهور الحديث لانّه انما ينافيه اذا كان الحديث ظاهرا في كون رفع كل واحد من التسعة من خواص أمة النبي (ص) و ليس كذلك فانه ظاهر في كون الاختصاص بالامة المرحومة مجموع التسعة من حيث المجموع لا من حيث الجميع. و الحاصل: أن رفع مجموع التسعة من خواص أمة النبي (ص) و لا ينافيها كون المؤاخذة مرفوعة من أكثرها من جميع الامم السابقة أيضا.

(4) أي كون رفع التسعة باعتبار رفع المجموع من خواص امة النبي (ص).

(5) أي مجموع التسعة و ان لم يكن رفع كل واحد من التسعة من خواص امة المرحومة.

(6) أي الجور و الظلم و البعد عن الحق، و الوجه في كونه شططا هو أن ظاهر الخبر نسبة الرفع الى كل واحد واحد من الاشياء

207

لكن (1) الذى يهون الامر فى الرواية جريان هذا الاشكال فى الكتاب العزيز أيضا فان موارد الاشكال فيها (2) و هى الخطاء، و النسيان، و ما لا يطاق، و ما اضطروا اليه، هى بعينها ما استوهبها النبى (ص) من ربه جل ذكره ليلة المعراج على ما حكاه اللّه تعالى عنه (ص) فى القرآن بقوله تعالى:

«رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً (3) كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا»

و الذى يحسم (4) أصل الاشكال منع استقلال العقل بقبح المؤاخذة

____________

التسعة لا الى المجموع.

(1) هذا جواب نقضيّ عن الاشكال على تقدير اختصاص المرفوع بالمؤاخذة و خلاصة النقض أنّ الاشكال المذكور غير مختص بالرواية بل يرد على الآية أيضا لان النبي (ص) استوهب عن اللّه تعالى ليلة المعراج مؤاخذة هذه الامور أي دعى اللّه أن لا يؤاخذ بهذه الامور و الحال لا مؤاخذة على هذه الامور عقلا فلا وجه للاستيهاب و كذا رفعها امتنانا اذ لا وجه لاستيهاب و رفع ما هو مرفوع عقلا.

(2) أي في الرواية أى مورد الاشكال في الرواية هي ما استوهبها النبي ...

(3) أي الشدائد من الجوع و البلايا.

(4) أي يقطع أصل الاشكال من الآية و الرواية، و هذا جواب حلى عن الاشكال على تقدير اختصاص المرفوع بالمؤاخذة.

و ملخصه: انا لو قلنا بان العقل كان مستقلا بقبح المؤاخذة على الامور المذكورة في الحديث مطلقا و في جميع الصور فهو

208

على هذه الامور مطلقا (1) فان (2) الخطاء و النسيان الصادرين من ترك التحفظ لا يقبح المؤاخذة عليهما (3).

____________

يوجب عدم اختصاص رفع المؤاخذة عن هذه الامور المذكورة بهذه الامة بل سائر الامم فيه سواء لاستقلال العقل بقبح المؤاخذة عن كل مكلف من غير فرق بين أمة و امة فيشكل الامر في كثير من الامور في الالتزام باختصاص الرفع بالمؤاخذة، و اما اذا قلنا باستقلال العقل بقبح المؤاخذة على هذه الامور في الجملة و في بعض الموارد، كما اذا كان كل من الخطاء و السهو و النسيان و عدم العلم مسببا عن نفس المكلف و عن اختياره كما في ترك التحفظ و نحوه مما ذكره المصنف فهو لا يوجب عدم رفع المؤاخذة عن الامور المذكورة من خصائص هذه الامة اذ المفهوم من الرواية اختصاص تلك الامة برفع الخطاء و نحوه من الامور المذكورة عنهم مطلقا و في جميع الصور سواء كان هذه الامور مسببا عن نفس المكلف و عن اختياره أو لا يكون مسببا عنه بخلاف سائر الامم فانّ المؤاخذة في تلك الامور لم يرتفع عنهم فيما كان السبب فيه انفسهم اذن فلا يشكل الامر في أمر من الامور في اختصاص الرفع بالمؤاخذة

(1) أي في جميع الصور. سواء كان الخطاء و النسيان و اخواتهما مسببة عن ترك التحفظ أم لا؟

(2) من هنا شرع في تفصيل ان العقل يستقل بقبح المؤاخذة على المذكورات في الرواية في بعض الصور لا بقول مطلق.

(3) و اما الخطاء و النسيان العارضان للمكلف مع فرض تحفظه فيقبح المؤاخذة عليهما.

209

و كذا المؤاخذة (1) «على ما لا يعلمون» مع امكان الاحتياط، و كذا (2) التكليف الشاق الناشئ عن اختيار المكلف،

____________

أي كذا لا يقبح المؤاخذة على ما لا يعلمون مع امكان ايجاب الاحتياط و اما مع عدم امكان ايجابه فيقبح المؤاخذة عليه و بما أوضحناه العبارة ظهر اندفاع ما عن بعض المحشين من أن كلامه في المقام ينافي ما ذكره في البراءة، فان مجرد امكان الاحتياط لو كان رافعا لقبح العقاب عقلا فلا يتم الاستدلال على اصالة البراءة العقلية لانّ مدركها عقلا هو قبح العقاب بلا بيان و لو مع امكان الاحتياط. و وجه الاندفاع هو انه مع فرض امكان ايجاب الاحتياط لو لم يقم دليل على وجوبه يستقل العقل بقبح المؤاخذة بخلاف ما لو لم يمكن ايجاب الاحتياط فان مجرد عدم قيام دليل على وجوبه لا يوجب قبح المؤاخذة على الواقع بل يجب على المكلف ان يحتاط في هذه الصورة فلو وقع في ارتكاب الحرام عند عدم الاحتياط لا يستقبل العقل بقبح المؤاخذة.

(2) أي كذا لا يقبح المؤاخذة ... كما كان الصوم شاقا له لاجل تركه السحور اختيارا و اما التكليف الشاق للذي لا يكون ناشئا عن اختيار المكلف فيقبح المؤاخذة عليه كما كان الصوم شاقا له لاجل ضعف مزاجه أو لشيخوخيته.

ربما يقال: ان كان المراد من التكليف الشاق، التكليف بما لا يطاق الخارج عن القدرة فان المؤاخذة به قبيحة عقلا مطلقا سواء كان ناشئا عن اختيار المكلف أم لا؟

و ان كان المراد منه ما هو ظاهره فان المؤاخذة به ليست قبيحة أصلا سواء كان الواقع في التكليف الشاق ناشئا عن سوء اختيار

210

و المراد (1) بما لا يطاق فى الرواية هو ما لا يتحمل فى العادة لا ما لا يقدر عليه أصلا كالطيران فى الهواء و أما (2) فى الآية فلا يبعد

____________

المكلف أم لا، و لذا وقع لتكليف الشاق في الشرائع بل وقع في شريعتنا ايضا في الجملة كالحج و الجهاد.

(1) كأنه جواب عن سؤال مقدر و هو ان بعض فقرات الرواية لا يمكن فيه منع حكم العقل بقبح المؤاخذة بقول مطلق و هو قوله:

«ما لا يطيقون» اذ المؤاخذة بما لا يطاق قبيح عقلا من دون فرق بين أمّة و أمّة اخرى.

و الجواب عنه: أنه ليس المراد بما لا يطاق أمرا غير مقدور حتى يكون العقل مستقلا بقبحه من دون فرق بين امة و امة اخرى، بل المراد به ما لا يتحمل في العادة، و اذن فيمكن الفرق بين الامة المرحومة و غيرهم بان يرتفع التكليف به من الامة المرحومة دون غيرهم.

(2) أي اما المراد بما لا يطاق في الآية فلا يبعد ان لا يكون التكليف الشاق بل يراد به العذاب الاخروي فتكون معنى الآية لا تعاقبنا عقابا لا نطيقه.

ان قلت: انّ هذا لاحتمال بعينه موجود في «ما لا يطاق» المذكور في الرواية.

قلت: انه و ان كان كذلك في حد نفسه، إلّا انه بعيد بملاحظة السياق، و عليه يكون المراد منه في الرواية شدائد العذاب الموجودة في الامم السابقة.

211

أن يراد به العذاب و العقوبة فمعنى لا تحملنا ما لا طاقة لنا به لا تورد علينا ما لا نطيقه من العقوبة. و بالجملة فتأييد ارادة رفع جميع الآثار بلزوم (1) الاشكال على تقدير الاختصاص برفع المؤاخذة ضعيف جدا. و أضعف منه (2) وهن ارادة العموم بلزوم كثرة

____________

(1) الجار متعلق بقوله: «فتأييد» أي ترجيح ان المقدر جميع الآثار على تقدير المؤاخذة بلزوم الاشكال على تقدير كون المرفوع المؤاخذة ضعيف وجه الضعف هو أن ترجيح الاحتمال المذكور و هو تقدير جميع الآثار انما كان مبنيا على لزوم المحذور على تقدير المؤاخذة، و أما بعد ما عرفت آنفا من رفع المحذور بقوله: «و الذي يحسم اصل الاشكال» فلا وجه لصيرورة ذلك مرجحا لتقدير جميع الآثار على تقدير المؤاخذة بل يقدم تقدير المؤاخذة على الاحتمالين الآخرين لكونه موافقا لظاهر وحدة السياق كما عرفت، و انما رفع اليد عن هذا الظهور انما هو على تقدير لزوم المحذور من تقدير المؤاخذة، و اما بعد رفع المحذور الذي اورد عليه فلا وجه الرفع اليد عنه.

(2) أي أضعف من «تأييد ...» القائل بلزوم كثرة الاضمار هو العلامة في القواعد على ما حكى عنه و هو يقول انّ قضية رفع الخطاء و النسيان مثلا- على تقدير ارادة رفع جميع الآثار عنهما- هو رفع المؤاخذة عن الفعل الصادر عن الخطاء و النسيان و رفع وجوب الاعادة في الوقت و لزوم القضاء في خارجه و رفع سائر الغرامات و الضمانات مثلا، و أما على تقدير خصوص المؤاخذة فهو تقدير شي‏ء واحد و هو أولى بالاعتبار لان الاصل عدم تقدير

212

الاضمار (1)، و قلة الاضمار أولى (2). و هو كما ترى (3). و ان ذكره بعض الفحول (4)، و لعله (5) اراد بذلك أن المتيقن رفع المؤاخذة، و رفع ما عداه (6) يحتاج الى دليل قطعى.

____________

الزائد عن القدر المتيقن.

(1) أي ارادة عموم الآثار تكون موهونة بسبب لزوم كثرة الاضمار فيه.

(2) و قد عرفت وجه الاولوية.

(3) أي في غاية الضعف لان القائل بتقدير عموم الآثار أيضا يضمر لفظا واحدا شاملا لجميع الآثار و هو لفظ الآثار لا الاضمارات المتعددة المرددة بين الواحد منها و الزائد عنها حتى يرفع الزائد بالاصل. هذا اولا.

و ثانيا: أن أولوية قلة الاضمار لا تعيّن كون المرفوع هو المؤاخذة فلعله شي‏ء آخر كالاثر المناسب.

(4) و هو العلامة كما سبق.

(5) أي العلامة اراد بقوله: «قلة الاضمار أولى» شيئا آخر، فان غرض المصنف (قدس سره)، من هذا الكلام توجيه كلام العلامة بحيث لا يرد عليه الاشكالان المذكوران. و توضيحه: ان العلامة لعل اراد من قلة الاضمار اللازمة من تقدير المؤاخذة ان المتيقن رفع المؤاخذة لانّ المرفوع اما جميع الآثار، أو المؤاخذة، و على كلا التقديرين تكون المؤاخذة مرفوعة قطعا. و اما رفع ما عداها يحتاج الى دليل قطعي و هو مفقود في المقام.

(6) أي ما عدا المؤاخذة. و الصحيح ما عداها.

213

و فيه (1): أنه أنما يحسن الرجوع اليه (2) بعد الاعتراف باجمال الرواية، لا (3) لاثبات ظهورها فى رفع المؤاخذة إلّا أن يراد اثبات ظهورها (4) من حيث ان حملها (5) على خصوص المؤاخذة يوجب عدم التخصيص فى عموم الادلة (6) المثبتة لآثار تلك الامور و حملها

____________

(1) هذا ايراد على التوجيه الذي ذكره لكلام العلامة.

(2) أي الى القدر المتيقن.

(3) أي الرجوع الى القدر المتيقن لا يثبت ظهور الرواية في كون المقدر هو المؤاخذة. و حاصله: أن تقدير المؤاخذة من باب كونه مقتضى الاصل العملي بعد اجمال الرواية لا يوجب ظهور الرواية فيها، و المدعى اثبات ظهور الرواية في رفع المؤاخذة سواء كانت قدرا متيقنا من اللفظ أم لا؟ لا الاخذ بها من باب الاخذ بالقدر المتيقن، لان الاخذ به يتم بعد الاعتراف بعدم الظّهور للرواية و ترددها بين الاقل و الاكثر.

و الحاصل: أنّ اللفظ لو كان ظاهرا في شي‏ء يجب الاخذ به سواء كان قدرا متيقنا أم لا؟

(4) أي اثبات ظهور الرواية بطريق آخر و هو أن حملها ...

(5) أي حمل الرواية. بأن يقال: ان المقدر فيها خصوص المؤاخذة.

(6) أي عموم الادلة الاولية الدالة على اثبات جميع الآثار على الامور المذكورة، فان عموم الخطابات يدل على ترتب القصاص، و الحدود، و الكفارات، في أبواب الجنايات، و قضاء فوات الواجبات بلا فرق بين صورة العمد و السهو، و الخطاء و النسيان و الاضطرار،

214

على العموم يوجب التخصيص فيها فعموم تلك الادلة (1) مبين لتلك‏

____________

و العلم و الجهل، و طيب النفس و غيره، و الطاقة و عدم الطاقة.

توضيح هذا الدفاع عن العلامة لتقدير المؤاخذة في الرواية هو أن امر الرواية دائر بين تقدير جميع الآثار فيها، أو المؤاخذة فعموم الادلة الاولية يخرج الرواية عن الاجمال، و يدل على أنّ المقام يكون من صغريات اجمال المخصص الدائر أمره بين الاقل و الاكثر فانّ المخصص اذا كان مجملا من جهة تردده بين ما يوجب كثرة الخارج عن العام و بين ما يوجب قلته كما اذا قال المولى:

«اكرم العلماء الا الفارس» أو قال: «لا تكرم الفارس» و الفارس مردد بين الفارس العلمي و هو منحصر بولده، و بمعنى الراكب الشامل للجماعة الكثيرة، فان ارادة ولده يوجب تخصيص واحد للعام، و اما ارادة المعنى الثاني فهو يوجب تخصيصات عديدة- كان عموم العام و ظهوره فيه بملاحظة اصالة عدم التخصيص مبينا لاجمال المخصص المشكوك فيه فيحمل على ولده فيبقى العام على عمومه بالنسبة الى الباقي و كذا في المقام فاذا كان المقدر في الرواية المؤاخذة فيقل التخصيص و يوجب أن يكون الخارج من العام قليلا، و اذا كان المقدر فيها جميع الآثار فيكثر التخصيص و يوجب أن يكون الخارج منه كثيرا فان ظهور الادلة الاولية لاثبات عموم الاحكام و الآثار على موضوعاتها يكون قرينة على رفع الاجمال عن المخصص بأن المقدر هو المؤاخذة.

(1) أي عموم الادلة الاولية المتحققة باصالة عدم التخصيص‏

215

الرواية، فان المخصص اذا كان مجملا (1) من جهة تردده بين ما يوجب كثرة الخارج (2) و بين ما يوجب قلته (3) كان عموم العام بالنسبة الى التخصيص المشكوك فيه مبينا لاجماله (4) فتأمل (5).

____________

المثبت للاحكام و الآثار يكون مبنيا لاجمال الرواية الدالة على رفع الامور التسعة، و يكون قرينة على أن المقدر فيها هو المؤاخذة.

(1) بأن لا يعلم ان مراده من الفارس هو ولده أو بمعنى الراكب أو كما قال: «اكرم العلماء الا الفساق» و لا يعلم ان الفاسق هو مرتكب مطلق المعاصي أو مرتكب الكبيرة فقط.

(2) كما اذا كان مراده من الفارس هو الراكب، أو من الفاسق مطلق من ارتكب المعاصي.

(3) كما اذا كان المراد من الفارس هو ولده و من الفاسق من ارتكب معصية كبيرة.

(4) أي لاجمال المخصص و ذلك ببركة جريان اصالة العموم و عدم التخصيص في ناحية العام اذ لا يعلم ان العام مخصص أكثر من المقدار المعلوم فان اصالة العموم تنفى الزائد و تعيّن أنه مخصص بالمقدر المعلوم و هو المراد فكذا في المقام فان عموم الادلة الاولية بمقتضى اصالة العموم يثبت أن المقدر في المخصص، و هو حديث الرفع هو المؤاخذة.

(5) لعله اشارة الى أن العام يكون مرجعا في غير ما يظهر فيه الخاص إلّا أنه لا يكون مبيّنا لاجماله.

216

و أضعف من الوهن المذكور وهن العموم بلزوم التخصيص بكثير من الآثار بل أكثرها حيث انها لا يرتفع بالخطاء و النسيان و أخواتهما (1)، و هو (2) ناش عن عدم تحصيل معنى الرواية، كما هو حقه.

____________

(1) ملخص هذا الاشكال أنه لو كان المقدر في حديث الرفع جميع الآثار يلزم فيه التخصيص بكثير من الآثار بل اكثرها كضمان فيما اتلف مال الغير خطاء، و وجوب القضاء عند نسيان صلاته حتى خرج الوقت، و كوجوب الدية على العاقلة في قتل الخطاء، و صلاة الاحتياط عند الشك في الركعات و غيرها. و لا يخفى ان قوله: بل «اكثرها» ترقى من القوى الى الضعيف.

(2) أي هذا الوهن ناش عن عدم الدقة اذا الموارد المذكورة خارجة عن مورد الرواية تخصصا لا تخصيصا كما سيأتي توضيحه.

«ملخص ما ذكره الشيخ فى تعيين المرفوع فى الحديث»

و هو (قدس سره) بعد ما ذكر الاحتمالات الثلاث فيه و هي ان يكون المرفوع المؤاخذة او أن يكون جميع الآثار أو أن يكون الاثر المناسب قال: ان تقدير المؤاخذة أقرب عرفا من تقدير جميع الآثار و أظهر من تقدير الاثر المناسب و استدل على مختاره بوحدة السياق. ثم استدل على نفي تقدير المؤاخذة ببعض الاخبار، و ايد ذلك بأنّ تقدير المؤاخذة ينافي ظهور الرواية في كون المرفوعات من خواص امة النبي، ثم ردّ التأييد المذكور، ثم ذكر موهنين لتقدير جميع الآثار، و اجاب عنهما. و حاصل مختار المصنف ان تقدير المؤاخذة أقرب بحسب الفهم العرفي إلّا انّ المستفاد من الرواية هو أن المقدر

217

فاعلم أنه اذا بنينا على عموم الآثار (1) فليس المراد بها الآثار المترتبة على هذه العنوانات (2) من حيث هى اذ لا يعقل (3) رفع‏

____________

لا يختص بالمؤاخذة. و في نفسي في بعض موارد من كلامه (قدس سره) شي‏ء ذكرت بعضه، و لعل نذكر بعضه الآخر في تحقيقاتنا فانتظر.

و الى هنا تم الكلام في الامر الاول من فقه الحديث و هو ان المرفوع في حديث الرفع هل جميع الآثار أو الاثر المناسب أو المؤاخذة.

الامر الثاني: ان المرفوع في حديث الرفع هي الآثار المترتبة على الفعل بما هو هو و بعنوانه الاولي بحيث كان طروّ أحد العناوين الثانويّة من الخطاء و النسيان و أخواتهما رافعا لها، لا الآثار المترتبة على نفس تلك العناوين الثانويّة كوجوب الدية المترتبة على الخطاء في القتل، و وجوب سجدتي السهو المترتب على النسيان في بعض أجزاء الصلاة، و السر في ذلك أنّ مفاد الحديث كون طروّ هذه العناوين موجبا لارتفاع الحكم الثابت للشي‏ء في نفسه فلا يشمل الحكم الثابت لنفس هذه العناوين اذ ما يكون موجبا لثبوت حكم لا يعقل أن يكون موجبا لارتفاعه اذا عرفت ذلك فلنشرع الى توضيح عبارة الشيخ فلاحظ.

(1) أي قلنا ان المرفوع بحديث الرفع جميع الآثار.

(2) أي ليس المراد رفع الآثار المترتبة على هذه العنوانات الثانوية، كالخطاء و السهو.

(3) وجه عدم المعقولية هو لزوم التناقض. توضيحه: أنّ هذه العنوانات محققة لهذه الآثار، و مقتضية لها فان تحقق وجوب الكفارة

218

الآثار الشرعية المترتبة على الخطاء و وجوب سجدتى السهو المترتب على نسيان بعض الاجزاء، و ليس المراد (1) أيضا رفع الآثار المترتبة على الشى‏ء بوصف عدم الخطاء مثل قوله: «من تعمد الافطار فعليه كذا» لان هذا الاثر يرتفع بنفسه فى صورة الخطاء، بل المراد (2) أن الآثار المترتبة على نفس الفعل لا بشرط الخطاء و العمد قد رفعها الشارع عن ذلك الفعل اذا صدر عن خطاء.

____________

مثلا موقوفة على تحقق عنوان الخطاء في القتل و كانها ملزومات لتلك الآثار، و اذا كانت تلك العنوانات بمقتضى الروايات رافعة للآثار المترتبة عليها لزم أن تكون العنوانات المذكورة مقتضية للآثار، و رافعة لها و هو التناقض.

(1) أي ليس المراد من رفع جميع الآثار هي الآثار المترتبة على الشي‏ء المتصف بعدم الخطاء كالافطار عن عمد، و القتل عن عمد، فان حديث الرفع لا يرفع القصاص المترتب على تعمد القتل و الكفارة المترتبة على الافطار العمدي لان الآثار المترتبة على شي‏ء متصف بعدم الخطاء تنتفى بانتفاء جزئه. و الحاصل: أن خروج الآثار المترتبة على العناوين الثانوية، أو على شي‏ء بوصف عدم اتصافه بالعناوين المذكورة خارجة عن مدلول حديث الرفع خروجا تخصصيا. و لا يرد عليه أي اشكال.

(2) أي بل المراد من الآثار المرفوعة هي الآثار المترتبة على ذات الفعل من حيث هو هو كالحرمة المترتبة على شرب الخمر من دون آخذ العمد و الذكر و الخطاء و النسيان و العلم و الجهل و نحوها فيه.

219

ثم المراد (1) بالآثار هى الآثار المجعولة الشرعية التى وضعها الشارع لانها القابلة للارتفاع برفعه (2). و أما ما لم يكن (3) بجعله من الآثار العقلية و العادية (4) فلا تدل الرواية على رفعها (5)، و لا رفع (6) الآثار المجعولة المترتبة عليها.

____________

فهذه الآثار المترتبة على الفعل المجرد عن جميع القيود المذكورة يرفعه الحديث اذا انطبق عليه احدى العنوانات المذكورة في الحديث كما اذ اصدر عن خطاء.

[المرفوع في حديث الرفع هي الآثار الشرعية]

(1) من هنا شرع في الامر الثالث من الامور الراجعة الى فقه الحديث. و ملخص هذا الامر هو أن المراد بالآثار المرفوعة بحديث الرفع هي الآثار الشرعية التى مجعولة من قبل الشارع.

(2) أي الآثار المجعولة الشرعية قابلة للارتفاع بسبب رفع الشارع لان كل حاكم انما يتصرف في حكمه بالوضع و الرفع و ليس له دخالة في رفع حكم لحاكم آخر.

(3) أي الاثر الذى لم يكن بجعل الشارع بل كان من الآثار العقلية كبطلان العبادة المترتب على نسيان بعض الاجزاء و الشرائط، و وجه كونه أثرا عقليا هو أن البطلان ينتزع من عدم مطابقة المأتي به للمأمور به و هو أمر عقلي.

(4) كاسكار المترتب على شرب الخمر نسيانا.

(5) أي على رفع الآثار العقلية و العادية.

(6) أي لا تدل الرواية على رفع الآثار المجعولة الشرعية المترتبة على الامور العقلية، أو العادية. لان رفع الآثار غير المجعولة و الاحكام الشرعية المترتبة على الفعل الخطاء بواسطة الآثار

220

ثم المراد (1) بالرفع ما يشمل عدم التكليف مع قيام المقتضى له‏

____________

العقلية أو العادية ليس بيد الشارع اذ الآثار الشرعية المذكورة ليست من لوازم نفس الفعل بل هي من لوازم ما لا يكون جعله و رفعه بيد الشارع.

و ذلك كوجوب الاعادة المترتب على مخالفة المأتي به للمأمور به الناشئة من نسيان بعض الاجزاء و الشرائط فان حديث الرفع لا يرفعه لانه ناشئ عن أمر لا يكون أمره بيد الشارع فكما أن البطلان أمر عقلي لا يرتفع برفع الشارع، كذلك ما يترتب على البطلان لا يرتفع برفع الشارع لان الظاهر من رفع الشارع من حيث هو شارع رفع ما كان ثبوته بجعله و كان الفعل موضوعا له بجعله لا مطلقا.

الامر الرابع من الامور الراجعة الى فقه الحديث هو أنّ ظاهر الرفع في قوله: «رفع ما لا يعلمون» و سائر أخواته أن الاحكام المرفوعة كانت ثابتة في شريعتنا أيضا فانها رفعت بعد ثبوتها، لانّ الرفع ظاهر في ازالة الشي‏ء الثابت قبالا للدفع الذي هو عبارة عن منع المقتضى عن التأثير في وجود المقتضى بالفتح. و بعبارة اخرى: الرفع عبارة عن اعدام الشي‏ء الموجود و الدفع عبارة عن المنع عن ايجاده فكيف صح استعمال الرفع في المقام مع عدم ثبوت تلك الاحكام في زمان، اذا عرفت ذلك فلنشرع في توضيح العبارة.

(1) ملخص جوابه: أنّ المراد بالرفع ما يشمل الدفع أيضا فيكفى في صدق الرفع مجرد وجود المقتضى لثبوته، و الحاصل:

ان الرفع و ان وضع لازالة الشي‏ء الموجود إلّا أنه صح استعماله فيما اذا تحقق المقتضى مع مقدمات قريبة لوجود الشي‏ء فزاحمه مانع عن التأثير. مثلا اذا تحقق المقتضى لقتل شخص و وقع تحت السيف،

221

فيعم الدفع و لو (1) بأن يوجه التكليف على وجه يخص بالعامل و سيجي‏ء بيانه (2). فان قلت: على ما ذكرت (3) يخرج اثر التكليف فيما لا يعلمون عن مورد الرواية لان استحقاق العقاب أثر عقلى له (4). مع أنه متفرع على المخالفة بقيد العمد

____________

فعفى عنه أو حدث مانع آخر عن قتله صح أن يقال عرفا ارتفع عنه القتل فيمكن أن يكون استعمال الرفع من هذا القبيل.

(1) قيل: ان كلمة «لو» زائدة. و قيل: انها اشارة الى أنّ الدفع كما يحصل بعدم ايجاب الاحتياط كذلك يحصل بأن يوجه التكليف على وجه يخص بالعامد. و ملخص الكلام: أنه لو يوجه التكليف على وجه لا يشمل الجاهل و الخاطي و الناسى و اخواتها بل يختص بالعامد مع وجود المقتضى لثبوت التكليف للجميع من العامد و غيره فيصدق أنه رفع التكليف عنهم، مع انه لم يثبت عليهم في وقت فصدق الرفع انما هو باعتبار ما بيّناه من أنه يصدق على رفع شي‏ء بعد ثبوت مقتضيه بالعناية و المجاز.

(2) أي بيان شمول الرفع للدفع.

(3) من ان المرفوع في الرواية خصوص الآثار الشرعية.

(4) أي للتكليف و توضيحه:

ان هذا الكلام مشتمل على ايرادين: الاول انه على ما ذكرت- من أن حديث الرفع لا يرفع الآثار العقلية و ان المراد بالآثار المرفوعة هي الآثار الشرعية المجعولة من قبل الشارع- لا يرتفع آثار التكليف فيما لا يعلمون بهذا الحديث لانّ اثر التكليف فيه استحقاق العقاب و ان شئت فقل: ان اثر التكليف غير المعلوم هو

222

اذ مناطه (1) اعنى المعصية لا يتحقق إلّا بذلك و اما (2) نفس‏

____________

استحقاق العقاب و هو اثر عقلي لا يرتفع بحديث الرفع.

الثاني: ما اشار اليه بقوله: «مع أنّه متفرع ...» هذا اشكال على حديث الرفع فيما لا يعلمون من جهة اخرى و هي أن استحقاق العقاب مترتب على عنوان المعصية التي لا يتحقق إلّا بالمخالفة عن عمد، و قد علمت أن هذا القبيل من الاثر يرتفع عند انتفاء العمد فانه في الحقيقة انتفاء حكم بانتفاء موضوعه فلا حاجة فى رفعه الى حديث الرفع فان الآثار المرتفعة بالحديث المذكور هي الآثار المترتبة على ذات الفعل لا بشرط الخطاء و العمد.

(1) أي مناط الاستحقاق الذى هو عبارة عن المعصية لا يتحقق إلّا بالمخالفة عن عمد. و ان شئت فقل: انّ استحقاق العقاب متفرع على تحقق المعصية، و تحقق المعصية متوقف على المخالفة عن عمد فاستحقاق العقاب متفرع على المخالفة عن عمد و قد عرفت ان الآثار المترتبة على الفعل بشرط العمد و الخطاء لا يرتفع بحديث الرفع.

أقول: هذا اشكال على ما قبل قوله: «ثم المراد» و كان ينبغى ان يذكر قبله. ان شئت فقل انه اشكال على الامر الثالث من فقه الحديث و لا وجه لذكره في ذيل الامر الرابع منه فلا تغفل.

(2) لعله جواب عن سؤال مقدر و هو سلمنا أنّ استحقاق العقاب اثر عقلي لا يرتفع بحديث الرفع لكن نفس المؤاخذة لما ذا لا ترتفع به.

و الجواب عنه: ان المؤاخذة ايضا ليست من الآثار الشرعية المجعولة من قبل الشارع كي ترتفع به و انما هي فعل المولى سواء

223

المؤاخذة فليست من الآثار المجعولة الشرعية و الحاصل انه ليس فيما لا يعلمون اثر مجعول من الشارع مترتب على الفعل لا بقيد العلم و الجهل حتى يحكم الشارع بارتفاعه (1) مع الجهل قلت (2)

____________

كان بمعنى احتجاج المولى على عبده أو بمعنى عقابه عليه.

و قد اورد على هذه العبارة بانه ان اريد من المؤاخذة جواز مؤاخذة المولى لعبده في ترك الواجب أو فعل الحرام فلا ريب أن جواز المؤاخذة و استحقاق العقاب كليهما من الآثار العقلية فلا حاجة الى ذكرها بعد ذكر أنّ استحقاق العقاب من الآثار العقلية و ان اريد منها نفس مؤاخذة المولى و عقابه لعبده فلا بأس بذكرها بعد ذكر استحقاق العقاب إلّا انها ليست من الآثار الشرعية و لا من الآثار العقلية بل هو فعل من أفعال الملائكة الغلاظ و الشداد نعوذ باللّه و نلتجئ به من عذاب ذلك اليوم و حول و لا قوة اللّه باللّه العلي العظيم.

(1) أي بارتفاع الاثر المجعول. اذا الاثر المترتب على التكليف غير المعلوم أما اثر عقلي فلا يرتفع به كما علمت، و اما فعل من افعال الملائكة فهو ايضا أجنبي عن حديث الرفع و ليس للتكليف غير المعلوم أثرا شرعيا مجعولا من قبل الشارع يترتب على الفعل بما هو مجرد عن الخطاء و العمد كي يرتفع بحديث الرفع عند الجهل به.

(2) ملخص جوابه ((قدس سره)) هو انا لا نسلم عدم اثر شرعي مجعول من الشارع بل نقول ان وجوب التحفظ و الاحتياط اثر مجعول من الشارع مترتب على الفعل المجرد عن العلم و الجهل و يرتفع الوجوب المذكور عند الجهل بالحكم المجعول للفعل واقعا فليس المرفوع اولا و بالذات نفس استحقاق العقاب كي يقال انه امر

224

قد عرفت أن المراد برفع التكليف عدم توجيهه الى المكلف مع قيام المقتضى له (1)

____________

عقلي لا يرتفع بحديث الرفع بل المرفوع اولا و بالذات هو ايجاب التحفظ الذي هو أمر مجعول شرعيّ و بهذا البيان ظهر الجواب عن كلا الايرادين.

أما عن الايراد الاول فلما عرفت أن أثر التكليف فيما لا يعلمون ليس استحقاق العقاب فقط كي يقال انه اثر عقلي لا يرتفع بحديث الرفع فان وجوب الاحتياط ايضا أثر له و مجعول من قبل الشارع فيرتفع بحديث الرفع.

و أما عن الايراد الثاني فائضا عرفت أن وجوب الاحتياط غير مترتب على الفعل بشرط الجهل، او الخطاء أو النسيان، بل هو من مقتضيات الالزام الواقعي المحمول على الفعل اللابشرط المجرد عن العلم و الشك فمقتضى الالزام المذكور ايجاب الاحتياط عند احتماله و بما ذكرنا علمت أنه ليس اثر «ما لا يعلمون» استحقاق العقاب فقط كي يقال: انه متفرع على المخالفة بقيد العمد و هو لا يرتفع بحديث الرفع فان له اثرا شرعيا و هو وجوب الاحتياط المترتب على احتمال الالزام الواقعي المحمول على الفعل المجرد عن القيود فيرتفع بحديث الرفع.

(1) أي للتكليف بأن كان المحل قابلا لان يحكم الشارع بحرمته لوجود المفسدة الواقعية فيه إلّا انه لم يجعل التكليف «أي الحرمة مثلا» امتنانا على العباد فهذا أي عدم جعل التكليف مع وجود مفسدة مقتضية لجعله يصدق عليه رفع التكليف فالمرفوع في الحقيقة ما كان‏

225

سواء كان هناك دليل يثبته (1) لو لا الرفع أم لا (2) فالرفع هنا نظير رفع الحرج (3) فى الشريعة و حينئذ (4) فاذا فرضنا أنه لا يقبح فى العقل أن يوجه التكليف (5) بشرب الخمر على وجه يشمل صورة الشك فيه فلم يفعل (6) و لم يوجب (7) تحصيل العلم و لو بالاحتياط

____________

له مقتضى الثبوت لا الثابت فعلا بحسب قيام الدليل عليه.

(1) أي يثبت التكليف في مورد الجهل و الخطاء و النسيان فاذا كان دليل يثبت التكليف لو لا حديث الرفع فيكون الحديث رافعا له حقيقة و يستعمل الرفع في الحديث في معناه الحقيقي.

(2) أي لا يكون دليل يثبت التكليف حتى لو لم يكن حديث الرفع مجعولا و ان كان مقتضيه موجودا فيكون الحديث دافعا له و انما يصح استعمال الرفع فيه ايضا بالعناية و المجاز.

(3) كما أن دليل «لا حرج» معناه عدم جعل التكليف شرعا في موارد الحرج مع وجود مقتضيه كذلك الرفع في الحديث فان معنى الرفع هو عدم جعل التكليف مع وجود مقتضيه.

(4) أي اذا كان رفع التكليف معناه الدفع و عدم جعل التكليف مع وجود مقتضيه.

(5) بأن يوجه الشارع التكليف المنجّز بترك شرب الخمر على وجه يشمل الشاك في حرمة الخمر ايضا و لم يكن التكليف المذكور قبيحا عند العقل.

(6) أي لم يوجه التكليف على وجه يشمل صورة الشك.

(7) أي لم يأمر الشارع بتحصيل العلم بالواقع و لو من طريق الاحتياط مع وجود مقتض ملزم للحكم الواقعي.

226

و وجه (1) التكليف على وجه يختص بالعالم تسهيلا على المكلف كفى (2) فى صدق الرفع و هكذا (3) الكلام فى الخطاء و النسيان فلا يشترط فى تحقق الرفع وجود دليل يثبت التكليف فى حال العمد و غيره (4).

____________

(1) بصيغة الماضي من باب التفعيل. و الحاصل انه لم يوجب الاحتياط و خص التكليف بالاجتناب عن شرب الخمر مثلا بالعالم ظاهرا انما قلنا ظاهرا حذرا من التصويب.

(2) جواب لقوله: «فاذا فرضنا ...» أي اذا فرضنا أن العقل لا يقبح توجه التكليف على الجاهل و الخاطئ و الناسي أيضا- لوجود مقتضيه إلّا انه لم يوجه التكليف اليهم امتنانا- كفى عدم الجعل المذكور في صدق الرفع عرفا.

و الحاصل كان مقتض لجعل وجوب الاحتياط موجودا و لم يجعله واجبا امتنانا فيصدق على عدم الجعل المذكور رفع التكليف. و هذا جواب عن الايراد الثاني اذ الاحتياط المذكور حكم شرعي مترتب على احتمال الالزام الواقعي المترتب على الفعل المجرد عن العمد و الجهل و الخطاء.

(3) أي لا يقبح عند العقل توجه التكليف على ترك شرب الخمر مثلا على وجه يشمل صورة الخطاء و النسيان و لو بايجاب الاحتياط إلّا انه لم يفعل و لم يجعل الاحتياط واجبا مع وجود مقتضيه فيصدق الرفع على عدم الجعل المذكور.

(4) لما عرفت من ان وجود المقتضى لجعل التكليف في صورة العمد و الخطاء كاف في صدق الرفع، و لا يحتاج الى دليل مثبت للحكم‏

227

نعم (1) لو قبح عقلا المؤاخذة على الترك كما فى الغافل غير المتمكن لم يكن فى حقه رفع أصلا (2) اذ ليس من شأنه (3) أن يوجه التكليف اليه. و حينئذ (4) فنقول: معنى رفع اثر التحريم‏

____________

في حال العمد و الخطاء. و الحاصل: اذا كانت المفسدة الواقعية في الخمر مقتضية لجعل وجوب الاحتياط على الخاطئ و الناسي إلّا أن الشارع لم يجعله مع وجود مقتضيه فعدم الجعل المذكور يكفى في صدق الرفع و لا يحتاج الى وجود دليل مثبت للتكليف حال الخطاء و النسيان.

(1) استدراك عما ذكره- من أنه يكفى في صدق الرفع وجود مقتض التكليف و ان لم يكن دليل مثبت للتكليف فان عدم جعل التكليف مع وجود المقتضى للتكليف يكفى في صدق الرفع- و ملخص الاستدراك: أنه لم يكن مقتضى التكليف موجودا في بعض الموارد بحيث تكون المؤاخذة فيه قبيحة عقلا فلا يصدق في حقه الرفع و لو بمعنى الدفع كما اذا كان المكلف غافلا بحيث لم يتمكن من الاحتياط فان تكليفه قبيح عقلا و شرعا فلا مقتضى للتكليف حتى يصح في في حقه الرفع بالمعنى الاعم من الدفع.

و هذا المورد أخرجه عما نحن فيه بقوله: «مع قيام المقتضي».

(2) لا بالمعنى الاخص، و لا بالمعنى الاعم، و ملخصه: أن حديث الرفع أجنبيّ عن هذا المورد الذي لا مقتضى فيه للتكليف.

(3) أي من شأن الغافل بمعنى أن العقل يحكم بتقبيح توجه التكليف اليه.

(4) أي حينما ثبت أنه لا يشترط في تحقق الرفع وجود

228

«فيما لا يعلمون» عدم (1) ايجاب الاحتياط و التحفظ فيه حتى يلزمه (2) ترتب العقاب اذا اقتضى ترك التحفظ الى الوقوع فى الحرام الواقعى، و كذلك الكلام فى رفع أثر النسيان و الخطاء، فان مرجعه (3) الى عدم ايجاب التحفظ عليه و إلّا (4) فليس فى التكاليف ما يعم صورة النسيان لقبح تكليف الغافل.

و الحاصل: أن المرتفع فيما لا يعلمون و أشباهه مما لا يشمله‏

____________

دليل مثبت للتكليف حال العمد و غيره بل يكفى فيه عدم الجعل مع وجود مقتضيه.

(1) خبر لقوله «معنى ...» اي معنى ان اثر التحريم مرفوع عند الجهل به هو عدم ايجاب الاحتياط على الجاهل بالحرمة الواقعية.

(2) أي حتى يلزم من وجوب الاحتياط و التحفظ ترتب العقاب على تقدير أن يؤدى ترك التحفظ و الاحتياط الى الحرام الواقعي.

و الحاصل: ان التكليف بترك شرب الخمر على وجه يشمل صورة الشك ايضا اثر شرعي مجعول و هو ايجاب الاحتياط و التحفظ فاذا رفع هذا الاثر الشرعي بحديث الرفع و لو بالدفع يلزمه رفع استحقاق العقاب و المؤاخذة على تقدير المخالفة. هذا اشارة الى الجواب عن الايراد الثاني.

(3) أي مرجع رفع النسيان ...

(4) أي و ان لم يرجع رفع اثر النسيان و الخطاء الى ايجاب التحفظ بل كان معناه رفع التكليف بعد ثبوته لا يتحقق معنى للرفع اذ لم يثبت في مورد الناسي حكم كي يرتفع بحديث الرفع لما عرفت في محله من قبح تكليف الغافل.

229

ادلة التكليف هو ايجاب التحفظ على وجه لا يقع فى مخالفة الحرام الواقعى و يلزمه (1) ارتفاع العقاب و استحقاقه فالمرتفع أولا و بالذات أمر مجعول (2) يترتب عليه ارتفاع أمر غير مجعول (3) و نظير ذلك (4) ما ربما يقال فى رد من تمسك على عدم وجوب الاعادة على من صلى فى النجاسة ناسيا بعموم (5) حديث الرفع من (6) أن وجوب الاعادة و ان كان شرعيا إلّا أنه (7) مترتب على مخالفة (8) المأتى به للمأمور به الموجب لبقاء الامر الاول‏

____________

(1) أي يلزم من رفع ايجاب التحفظ ارتفاع استحقاق العقاب.

(2) و هو ايجاب التحفظ.

(3) و هو استحقاق العقاب.

(4) أي نظير ذلك الاشكال المذكور بقوله: «ان قلت ...» ملخصه:

أنّ الحديث لا يشمل الاثر العقلي، و لا الشرعي المترتب عليه.

(5) الجار متعلق بقوله: «من تمسك».

(6) بيان للموصول المتقدم في قوله: «ما ربما يقال» توضيحه:

أنّ بعض العلماء أفتى بعدم وجوب اعادة الصلاة على من صلّى في اللباس النجس ناسيا بانه نجس و تمسك في ذلك بحديث الرفع، و ردّ: بأن وجوب الاعادة و ان كان حكما شرعيا إلّا أنه مترتب على امر عقلي، و هو مخالفة المأتي به للمأمور به، و قد تقدم أن حديث الرفع لا يرفع حكما عقليا، و لا حكما شرعيا مترتبا على حكم عقلي.

(7) أي وجوب الاعادة.

(8) أي على بطلان المأتي به الموجب لبقاء الامر الاول بحاله‏

230

و هى (1) ليست من الآثار الشرعية للنسيان (2) و قد تقدم أن الرواية لا تدل على رفع الآثار غير المجعولة و لا الآثار الشرعية المترتبة عليها (3) هنا كوجوب الاعادة (4) فيما نحن فيه و يرده (5) ما تقدم فى نظيره من أن (6) الرفع راجع هنا الى شرطية طهارة اللباس بالنسبة الى الناسى، فيقال بحكم حديث الرفع: ان‏

____________

اذ هو انما يسقط عند صحة العمل أي عند مطابقة المأتى به للمأمور به.

(1) أي مخالفة المأتى به للمأمور به.

(2) بل انما هي من الآثار العقلية فانها لا ترتفع بحديث الرفع و لا ترتفع به الآثار الشرعية المترتبة عليها.

(3) أي على الآثار غير المجعولة.

(4) الذي هو اثر شرعي مترتب على اثر عقلي، فانه لا يرتفع بحديث الرفع كما عرفت.

أقول: ان وجوب الاعادة ليس حكما شرعيا، بل انما الحاكم بوجوبه هو العقل من باب وجوب الامتثال. نعم انّ الحاكم بوجوب القضاء هو الشرع بناء على ما هو الحق من أنه بأمر جديد.

(5) أي يردّ «ما ربما يقال» ما ذكرنا في الجواب عن نظير هذا الاشكال.

(6) ملخص كلامه أن حديث الرفع لا يدل على رفع وجوب الاعادة كي يقال: انه مترتب على أثر عقلي فلا يرتفع بحديث الرفع بل هو يدل على رفع شرطية طهارة اللباس بالنسبة الى الناسي فترتفع به بلا اشكال لكونها حكما شرعيا مترتبا على ذات الفعل.

231

شرطية الطهارة شرعا مختصة بحال الذكر فيصير صلاة الناسى فى النجاسة مطابقة للمأمور به (1) فلا يجب الاعادة (2). و كذلك الكلام فى الجزء المنسى (3). فتأمل (4). و اعلم أيضا «5» أنه لو

____________

(1) بعد الغاء شرطية طهارة اللباس بالنسبة الى الناسي.

(2) لارتفاع موضوعه، فان موضوعه هو مخالفة المأتي به للمأمور به، و هي انما تتحقق على تقدير شرطية طهارة اللباس بالنسبة الى الناسي. و أما على تقدير رفع شرطيتها و لو بمعنى الدفع يكون المأتي به مطابقا للمأمور به فلا يجب اعادة الصلاة التي أتى بها في اللباس النجس.

(3) أي الكلام في الجزء المنسيّ ايضا كالكلام فى الشرط المنسي المتقدم اشكالا، و جوابا، فانّ الرفع هنا راجع الى جزئية الجزء المنسي كالقراءة، مثلا، بالنسبة الى الناسي فيقال ان جزئية القراءة مختصة بحال الذكر.

(4) لعله اشارة أنّ شرطية الطهارة و جزئية المنسي من الاحكام الوضعية و هما ليستا مجعولتين بجعل مستقل كي تكونا قابلتين للرفع.

(5) اشارة الى الامر الخامس من الامور الراجعة الى فقه الحديث و هو أنّ الحديث انما يرفع الآثار المترتبة على الفعل اذا كان في رفعه منة على الامة، فلا يرتفع به ضمان الاتلاف المتحقق بالاضطرار و الاكراه، لانّ دفعه خلاف الامتنان بالنسبة الى المالك، و ان كان فيه منّة على المتلف و كذا لا يرفع به صحة بيع المضطر فانّ في رفعها خلاف الامتنان على المضطر.

232

حكمنا بعموم الرفع لجميع الآثار، فلا يبعد اختصاصه (1) بما لا يكون فى رفعه ما ينافى الامتنان على الامة، كما اذا استلزم (2) اضرار المسلم فاتلاف المال المحترم (3) نسيانا، او خطاء لا يرتفع معه (4) الضمان، و كذلك (5) الاضرار بمسلم لدفع الضرر عن نفسه لا يدخل فى عموم ما اضطروا اليه اذ لا امتنان فى رفع الاثر عن الفاعل باضرار الغير (6)،

____________

(1) أي اختصاص الرفع.

(2) أي كما اذا استلزم رفع الاثر عن مسلم اضرار المسلم الآخر.

(3) بأن لا يكون خمرا و لا خنزيرا، كما اذا أكل طعام الغير ناسيا بأنه طعام الغير، او أنه حرام، او تخيّل أنه طعام نفسه فأكله باعتقاد انه ماله لا مال الغير.

(4) أي مع النسيان او الخطاء.

(5) أي كما أنّ اتلاف مال الغير نسيانا، او خطاء لا يدخل في عموم الخطاء و النسيان، كذلك الاضرار بمسلم ... كما اذا كان السيل متوجها الى داره فلا يجوز له أن يدفعه عن نفسه بتوجيهه الى دار غيره باعتقاد انه مضطر اليه.

[في ان حديث الرفع لا يشمل ما كان في رفعه خلاف الامتنان‏]

(6) قد عرفت أن رفع الاثر عن الفاعل المضطر مثلا، انما يختص بما كان فى رفعه امتنانا على الامة، كما هو المستفاد من الامة المضافة الى المتكلم بقوله: «رفع عن امتي ...» فانها تفيد العموم الاستغراقي، و مقتضى ذلك العموم الامتناني رفع الاثر عن الامور المذكورة عن كل الامة و رفع الاثر عن الفاعل المضطر بخصوصه مثلا، و ان كان امتنانا بالنسبة اليه الا

233

فليس الاضرار بالغير نظير سائر المحرمات الالهية المسوغة لدفع الضرر (1) و اما ورود (2) الصحيحة المتقدمة عن المحاسن فى مورد

____________

انه لا يكفى، فالمعيار هو كونه امتنانا على جميع الامة، فان ثبوت الضرر للغير يمنع عن تحقق الامتنان لكل الامة لانّ الغير أيضا من الامة. و لا يخفى: أن العبارة قاصرة عن افادة المراد، و المراد من الفاعل هو الامة و إلّا كان الامتنان بالنسبة الى الفاعل المضطر موجودا باضرار الغير، فانه خلاف الامتنان بالنسبة الى الغير لا بالنسبة الى الفاعل.

(1) لانّ الاضرار بالغير حرمته عرضية ليس كسائر المحرمات الذاتية الالهية التي جوز الشارع ارتكابها لاجل دفع الضرر كحكمه بجواز أكل الميتة في زمن المجاعة. و الفرق بينهما هو أن المحرمات الذاتية انما هو راجعة الى حقوق اللّه، سبحانه و تعالى، و انه حيث كان رءوفا على عباده لا يعاقب على ارتكاب ما حرمه بعد ما كان الارتكاب المذكور موجبا لرفع الضرر عن عبده. و اما اضرار الغير فرفع الحرمة عنه انما هو بعد رضاء الغير فما لم يرض الغير لم يرتفع عنه العقوبة، فان تجويز اضرار الغير بدون رضاه مناف للامتنان الذي دل الحديث على كون الرفع للامتنان.

(2) اشارة الى سؤال مقدر و حاصله: أنّ الامام (عليه السلام)، حكم- عند استكراه الرجل على الحلف بالطلاق و العتاق و صدقه ما يملك- بأنه لا أثر لهذه الامور بقوله: رفع ما استكرهوا عليه ... و الحال أن رفع أثر هذه الامور اضرار على العبد و الفقراء، فكيف تقولون أن النبوي لا يدل على رفع الاثر فيما اذا كان فيه اضرار بالغير.

234

حق الناس اعنى العتق، و الصدقة فرفع اثر (1) الاكراه عن الحالف يوجب فوات نفع على المعتق، و الفقراء لا (2) اضرارا بهم، و كذلك (3) رفع أثر الاكراه عن المكره فيما اذا تعلق (4) باضرار مسلم من باب (5) عدم وجوب تحمل الضرر لدفع الضرر عن الغير، و لا ينافى الامتنان،

____________

(1) جواب عن سؤال مقدر. و ملخصه: أن رفع اثر الامور المذكورة ليس اضرارا على العبد و الفقراء كي ينتقض علينا بل هو أوجب فوات نفعهما، و الفرق بينهما غير خفيّ.

(2) أي لا يكون رفع اثر الاكراه اضرارا على الفقراء كي يكون جريان حديث الرفع في المقام منافيا للامتنان.

(3) أي نظير رفع اثر الحلف الاكراهي عن الحالف رفع أثر الاكراه عن المكره بالفتح.

(4) أي تعلق الاكراه باضرار مسلم اولا و بالذات، كما اذا اكره زيد بهدم دار الفلاني، فانه ان لم يهدم دار الفلاني يهدم المكره بالكسر داره فان حديث الرفع يرفع الحرمة عن هدم دار الغير بالنسبة الى المكره بالفتح لان المفروض أنّ الضرر توجه ابتداء الى الغير، و لا يجب على المكره بالفتح تحمل الضرر بسبب دفع الضرر عن الغير.

(5) أي رفع اثر الاكراه عن المكره فيما اذا تعلق باضرار المسلم لا ينافي الامتنان في المقام لانه من باب عدم تحمل الضرر عن الغير. نعم لو كان رفع اثر الاكراه اضرارا على الغير فهو ينافي الامتنان على الامة.

235

و ليس (1) من باب الاضرار على الغير لدفع الضرر عن النفس لينافى ترخيصه الامتنان على العباد فان الضرر اولا و بالذات يتوجه على الغير بمقتضى ارادة المكره (2) بالكسر لا (3) على‏

____________

(1) أي ليس رفع اثر الاكراه فيما اذا تعلق باضرار مسلم من باب الاضرار على الغير كما لو اكره زيد على هدم دار نفسه، فانه هدم دار جاره لدفع الضرر عن نفسه فلا يرتفع أثر الاكراه عن المكره فانه ارتكب حراما تكليفيا. مضافا الى اشتغال ذمته بدار جاره. لما عرفت من أن حديث الرفع دليل امتناني، فلا يشمل لما كان فيه خلاف الامتنان على جميع الامة، و لا يكفى كونه امتنانيا بالنسبة الى من يجرى له و هو المكره بالفتح في المثال لان المستفاد من اضافة الرفع الى الامة أن جريانه مختص بما اذا كان في جريانه امتنانا لجميع الامة.

(2) اذ المفروض أن ارادة المكره بالكسر تعلق اولا و بالذات على ادخال الضرر على زيد مثلا فأكره عمروا على الاضرار به، فان رفع آثار الاكراه عن المكره لا ينافي الامتنان، فان السبب هنا أقوى من المباشر و هو الضامن و العاصي دون المباشر.

ملخص الكلام: أن رفع الاثر عن فعل المكره اذا كان من باب الاضرار فلا يرتفع بحديث الرفع لكونه خلاف الامتنان، و ان كان من باب تفويت النفع، أو من باب عدم تحمل الضرر عن الغير فيرتفع به.

(3) أي لا يتوجه الضرر اولا و بالذات على المكره كي يكون رفع الاثر عن الاكراه مخالفا للامتنان.

236

المكره بالفتح فافهم (1). بقى فى المقام شى‏ء و ان لم يكن مربوطا به (2) و هو أن النبوى المذكور (3) مشتمل على ذكر الطيرة، و الحسد، و التفكر فى الوسوسة فى الخلق ما لم ينطق الانسان بشفته (4)، و ظاهره (5) رفع المؤاخذة على الحسد مع مخالفته (6) لظاهر الاخبار الكثيرة (7) و يمكن حمله (8) على ما لم يظهر الحاسد

____________

(1) لعله اشارة الى أن الضرر الوارد على الغير اذا كان يعتنى به لكثرته و الضرر الوارد على المكره بالفتح كان يسيرا على تقدير مخالفة المكره بالكسر يجب عليه تحمل الضرر اليسير لدفع الضرر القوى عن الغير، و اما اذا لم يكن يسيرا فلا يجب عليه تحمله فما قيل من عدم وجوب تحمل الضرر عن الغير على اطلاقه غير تام.

(2) أي بالمقام الذى هو الاستدلال بالنبوى على البراءة.

(3) و هو قوله رفع عن امتي تسعة ...

(4) سيأتي معاني هذه الامور المذكورة في الحديث فانتظر.

(5) أي ظاهر النبوى المذكور أنّ الامة المرحومة لا تؤاخذون بحسدهم.

(6) أي مع مخالفة ظاهر النبوى.

(7) الدالة على حرمة الحسد و المؤاخذة عليه مثل ما روى عن الباقر و الصادق من أن الحسد يأكل الايمان كما يأكل النار الحطب.

(8) أي حمل النبوى الدال على رفع اثر الحسد عن الامة المرحومة على الحسد الذي لم يظهر الحاسد أثر حسده فكان الحسد حراما فى الامم السابقة مطلقا سواء اظهره الحاسد. أم لا. و ارتفعت حرمته عن هذه الامة ما دام لم يظهر الحاسد أثره و يكون الاخبار الدالة على‏

237

اثره باللسان، أو غيره (1) بجعل (2) عدم النطق باللسان قيدا له أيضا (3). و يؤيده (4) تأخير الحسد عن الكل فى مرفوعة (5)

____________

حرمة الحسد على الحسد الذي أظهر الحاسد أثر حسده، و بهذا يجمع بين النبوي الدال على عدم حرمة الحسد و بين الاخبار الدالة على حرمته.

(1) أي بغير اللسان. و ذلك كاخوة يوسف (ع) الذين أظهروا حسدهم بالاقدام على قتل اخيهم.

(2) الجار متعلق بقوله: «حمله ...» أي الحمل المذكور انما هو بسبب جعل عدم النطق باللسان قيدا للحسد و الطيرة و التفكر في الوسوسة في الخلق و يكون قرينة على ان المراد من الحسد المرفوع حرمته هو ما لم ينطق بشفته أي ما لم يظهر الحاسد اثره.

(3) كما أن عدم النطق باللسان قيد للتفكر في الوسوسة في الخلق و غيرها كذلك قيد للحسد أيضا.

(4) أي يؤيد كون عدم النطق باللسان و هو قوله «ما لم ينطق بشفتيه» قيدا للحسد ايضا تأخير الحسد عن جميع الفقرات في مرفوعة النهدي. و وجه التأييد أن النبوى الذى رفعه النهدى يكون الحسد المرفوع أثره مقيدا بعدم النطق قطعا لمقارنته به لفظا حيث قال فيه «و الحسد ما لم يظهر بلسان او بيد» فيكون هذا مؤيدا لكون عدم النطق قيدا له في رواية الصدوق ايضا لكون النبوي الذى رواه النهدي متحد المعنى مع النبوى الذى رواه الصدوق.

(5) قال المامقاني‏ (1) ((قدس سره)): أنّ لها اطلاقان: أحدهما

____________

(1)- تنقيح المقال ج 3 ص 39.

238

و لعل (1) الاقتصار فى النبوى الاول على قوله: «ما لم ينطق» لكونه أدنى مراتب الاظهار و روى «ثلاثة لا يسلم منها أحد الطيرة و الحسد

____________

ما سقط من وسط سند الحديث أو آخره واحد او اكثر مع التصريح بلفظ الرفع كأن يقال: روى الكليني (رحمه اللّه‏)، عن علي بن ابراهيم عن أبيه رفعه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هذا داخل في المرسل بالمعنى الاعم.

و ثانيهما: ما اضيف الى المعصوم (عليه السلام)، من قول أو فعل أو تقرير أي وصل آخر السند اليه سواء اعتراه قطع أو ارسال في سنده أم لا فهو خلاف الموقوف و مغاير للمرسل تباينا جزئيا و اكثر ما يستعمل في المعنى الثاني و لذا اقر جمع على بيانه من غير اشارة الى الاول قال في البداية المرفوع ما اضيف الى المعصوم (عليه السلام)، من قول بأن يقول في الرواية انه قال كذا و فعل بأن يقول فعل كذا، أو تقرير بأن يقول فعل فلان بحضرته كذا و لم ينكره عليه فانه يكون قد أقرّه عليه، و أولى منه ما لو صرح بالتقرير سواء كان اسناده متّصلا بالمعصوم بالمعنى السابق او منقطعا بترك بعض الرواة أو ابهامه او رواية بعض رجال سنده عمن لم يلقه انتهى لكن استعماله في المعنى الاول في كتب الفقه أشيع.

(1) جواب عن سؤال مقدر و حاصله: أن في النبوي الاول و هو الذي رواه الصدوق اقتصر على قوله: «ما لم ينطق بشفتيه» بدون انضمام او بيده و في النبوي الثاني الذي رواه النهدى قال: ما لم يظهر بلسان او بيد، فيقع التنافي بينهما.

و الجواب عنه ان اظهار الحسد له مرتبتان المرتبة العلياء

239

و الظن (1) قيل فما نصنع قال: اذا تطيرت فامض (2) و اذا حسدت فلا تبغ (3) و اذا ظننت فلا تحقق (4)» و البغى عبارة عن استعمال الحسد (5) و سيأتى فى رواية الخصال أن المؤمن لا يستعمل حسده (6) و لاجل‏

____________

و المرتبة الدنيا: فان اظهار الحسد باللسان أدنى مراتب الاظهار بخلاف اظهاره باليد فانه أعلى مراتب الاظهار و الاقتصار في النبوي الاول على قوله: ما لم ينطق انما هو لاجل كون النطق ادنى من مراتب الاظهار لا انه منحصر به كي يحصل التنافي بينه و بين النبوي الثاني.

(1) أي سوء الظن.

(2) أي لا تتوقف و لا ترتب الاثر على التطير.

(3) أي لا تظهر حسدك.

(4) أي لا ترتب الاثر على سوء ظنك.

(5) فيكون معنى قوله: و اذا حسدت فلا تبغ أي لا تستعمل حسدك، و المراد من استعمال الحسد اظهاره، و ترتيب آثاره على المحسود.

و هذه الرواية ايضا تؤيّده أن الحسد المرفوع حرمته هو الحسد الذي لم يظهر اثر حسده. وجه التأييد هو قوله (عليه السلام): «حيث قال» اذا حسدت فلا تبغ» أي لا تظهر حسدك فيستفاد منه ان أصل الحسد ليس بحرام و لذا لم يقل (عليه السلام): لا تحسد بل قال لا تبغ و انما الحرام اظهاره فتكون الرواية قرينة على أن المراد من رفع حرمة الحسد هو فيما لم يظهر أثره.

(6) أي رواية الخصال أيضا تؤيّد ان الحسد الذى رفع حرمته هو الحسد الذي لا يظهر اثره حيث لم يقل ان المؤمن لا يحسد

240

ذلك (1) عد فى الدروس من الكبائر فى باب الشهادة اظهار الحسد لا نفسه (2). و فى الشرائع أن الحسد معصية، و كذا الظن بالمؤمن، و التظاهر بذلك (3) قادح فى العدالة و الانصاف أن فى كثير من أخبار الحسد اشارة الى ذلك (4).

____________

بل قال: انه لا يستعمل حسده فيظهر منها أن الحرام هو اظهار الحسد.

(1) أي لاجل أن الحرام هو اظهار الحسد لا أصله فانه مرفوع الاثر.

(2) فلو كان المرفوع اثره نفس الحسد يعدّ من الكبائر نفس الحسد لا اظهاره، و هذا أيضا مؤيّد ثالث لكون المرفوع اثره هو الحسد الذي لم يظهر أثره.

(3) أي التظاهر بالحسد و سوء الظن بالمؤمن مضر بالعدالة فيستفاد من العبارة أن الحسد و سوء الظن بنفسهما معصية إلّا أنه يرتفع حرمتهما بحديث الرفع، و لذا لا يقدح في العدالة. و اما اظهارهما فلا يرتفع به، و لذا قادح في العدالة. و انما استفدنا هذا المعنى من جعل المقابلة بين الحسد و سوء الظن و التظاهر بهما حيث قال: ان الحسد و كذا سوء الظن معصية و لم يقل انهما قادحان في العدالة. و اما التظاهر بهما قادح فيها، فهذا الكلام من الشرائع ايضا مؤيد رابع لما ذكرنا من أن المرفوع حرمته هو الحسد الذي لم يظهر أثره.

(4) أي الى أن الحرام هو اظهار الحسد لا أصله فانه موجود فى كل انسان.

241

و أما الطيرة بفتح الياء و قد تسكن، و هى فى الاصل (1) التشأم بالطير لان اكثر تشأم العرب كان به (2) خصوصا الغراب.

و المراد (3) اما رفع المؤاخذة عليها و يؤيده (4) ما روى من أن الطيرة شرك و انما يذهبه التوكل (5)،

____________

«تنبيه»

الفرق بين الحسد و الغبطة هو أنّ الحسد هو تمنى زوال النعمة عن الغير و ان لم يرد لنفسه عكس الغبطة و هي أن يريد النعمة لنفسه مثل ما لصاحبها و لم يرد زوالها عنه.

قال الطريحي: الحاسد هو الذي يتمنّى زوال النعمة عن صاحبها و ان لم يردها لنفسه. و الحسد مذموم و الغبطة محمودة، و هي أن يريد من النعمة لنفسه ما لصاحبها و لم يرد زوالها عنه.

(1) أي في اللغة الطيرة هي بكسر الطاء و فتح الياء و قد تسكن مصدر تطيّر يقال تطير طيرة و تخيّر خيرة و لم يجئ من المصادر كذا غيرهما، و اصل الطيرة التشأم بالطير ثم اتسع فيها فوضعت موضع الشوم فيكون الشوم بمعنى الكراهة شرعا أو طبعا.

(2) أي بالطير و ربما جعلوا صيحة الغراب علامة لورود الشرّ عليهم.

(3) أي المراد من ارتفاع الطيرة اما ارتفاع و يؤاخذ عليها.

بمعنى أنّها كانت الامم السابقة يؤاخذ عليها فارتفعت المؤاخذة عن هذه الامة.

(4) أي يؤيد كون الطيرة حراما في حد نفسه و يؤاخذه عليها.

(5) لانّ المتطيّر يعتقد بان ما يتطير به مؤثر في جلب النفع‏

242

و اما رفع (1) أثرها لان الطير كان يصدهم (2) عن مقاصدهم فنفاه (3) الشرع.

و اما الوسوسة فى التفكر فى الخلق كما فى النبوى الثانى (4)،

____________

لهم و دفع الضرر عنهم اذا عملوا بموجب التطير كأنهم اشركوه مع اللّه و هو موجب لتضعيف التوكل لكن التوكل على اللّه موجب لذهاب شركهم باللّه و في الخبر الطيرة شرك و لكن اللّه يذهب بالتوكل.

(1) عطف على قوله: رفع المؤاخذة أي المراد من رفع الطيرة رفع اثرها الموجود بزعمهم فانّهم كانوا يحرمون على انفسهم المضى في المقاصد عند طير الغراب مثلا بزعم أنّ فيه الضرر فردعهم الشارع عن ذلك التحريم الخيالي و أخبر أنّه ليس له جلب نفع و دفع ضرر.

ان قلت: ان صدهم عن مقاصدهم بواسطة التطير ليس من الآثار الشرعية و قد تقدم أنه لا يرفع بالخبر الا ما كان منها.

و الجواب عنه أن الاثر الشرعي كما نبهنا عليه ما تناله يد التصرف من الشارع و هو اعم من أن يكون بانشائه و جعله أو بإمضائه و تقريره و لو بعدم ردع الناس عما جرت عليهم سيرتهم. و امتناعهم عن الاقتحام في المقاصد بالتطيّر من هذا القبيل فانه لو لا الرفع بالخبر لحكمنا من جهة عدم ردع الشارع ان الاقتحام عند التطير لدى الشارع ايضا ممنوع.

(2) أي يمنعهم.

(3) أي نفى الشرع أثر الطير.

(4) الذي نقله النهدي.

243

او التفكر فى الوسوسة فيه كما فى الاول (1) فهما واحد (2)، و الاول (3) أنسب. و لعل الثانى (4) اشتباه من الراوى. و المراد به كما قيل وسوسة الشيطان للانسان عند تفكره فى أمر الخلقة و قد استفاضت الاخبار فى العفو عنه (5). ففى صحيحة جميل بن دراج قلت لابى عبد اللّه (عليه السلام): أنه يقع فى قلبى أمر عظيم (6) فقال (عليه السلام): قل لا إله إلّا اللّه قال: جميل فكلما وقع فى قلبى شى‏ء قلت: لا إله إلّا اللّه فذهب عنى (7) فى رواية حمران عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) عن الوسوسة و ان كثرت قال لا شى‏ء فيها تقول: لا إله إلّا اللّه. و فى صحيحة محمد بن مسلم عن أبى عبد اللّه (ع)، جاء رجل الى النبى (ص) فقال: يا رسول اللّه انى هلكت فقال (ص): اتاك‏

____________

(1) أي الذى نقله الصدوق في الخصال.

(2) من حيث المدلول.

(3) و هو الوسوسة في التفكر في الخلق، وجه الانسبيّة هو أنّ الوسوسة توجد في التفكر لا أن التفكر يوجد في الوسوسة.

(4) و هو قوله التفكر في الوسوسة و حصل القلب في الكلام منه.

(5) أي عن التفكر في أمر الخلقة.

(6) راجع الى كيفية الخلقة و الصانع.

(7) أي ذهب الامر العظيم الذى كان في قلبي تقريب الاستدلال بها أنّ الامام (عليه السلام) ارشده الى كيفية ازالة الوهم الموجود في قلبه و لم يقل انك ارتكبت الحرام بوقوع هذا الامر في قلبك و الحال انه (ع) كان في مقام البيان فيعلم من ذلك عدم حرمة التفكر المذكور او العفو عنه.

244

الخبيث (1) فقال لك من خلقك فقلت اللّه تعالى فقال من خلقه؟ فقال اى و الذى بعثك بالحق. قال: كذا فقال (ص): ذاك (2) و اللّه محض الايمان. قال ابن أبى عمير فحدث ذلك (3) عبد الرحمن بن حجاج، فقال: حدثنى أبى عن أبى عبد اللّه (ع) انما رسول اللّه انما عنى بقوله:

محض الايمان خوفه (4) أن يكون قد هلك حيث عرض فى قلبه ذلك (5) و فى رواية اخرى عنه (ع) و الذى بعثنى بالحق أن هذا (6) التصريح الايمان فاذا وجدتموه (7) فقولوا: آمنا باللّه و رسوله، و لا حول و لا قوة إلّا باللّه. و فى رواية اخرى عنه (ع) أن الشيطان أتاكم من قبل الاعمال فلم يقو عليكم فاتاكم من هذا الوجه (8) لكم يستزلكم (9)

____________

(1) أي الشيطان.

(2) أي خوفك مما وقع في قلبك.

(3) الحديث الذي ذكره محمد بن مسلم.

(4) أي المشار اليه في قوله (ص): (ذاك) هو خوف ذاك الرجل الذي بلغ بحد هلاكته حيث قال اني هلكت يعني أنّه (ص) أراد باسم الاشارة خوفه الهلاكة حيث خطر في قلبه ما خطر.

(5) أي ما قال له الخبيث بانّه من خلق اللّه.

(6) أي هذا الخوف الواقع في قلب السائل.

(6) أي اذا وجدتم الشي‏ء لذى وقع في قلب ذاك الرجل السائل في قلبكم.

(8) أي من طريق ايجاد الشبهة في قلوبكم.

(9) أي لكي يضلكم، الاستزلال بمعنى الانحراف.

245

فاذا كان كذلك (1) فليذكر احدكم اللّه وحده (2).

و يحتمل (3) أن يراد بالوسوسة فى الخلق الوسوسة فى امور الناس، و سوء الظن بهم، و هذا أنسب (4) بقوله ما لم ينطق بشفته. ثم هذا الذى ذكرناه هو الظاهر المعروف فى معنى الثلاثة الاخيرة (5) المذكورة فى الصحيحة، و فى الخصال بسند فيه رفع عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: ثلث لم يعر (6)

____________

(1) أي اذا أتاكم الشيطان.

(2) لا غيره فان غيره لا ينفع و هو الذي لا بد من أن نعوذ به من شرّ الوسواس الخناس.

(3) هذا هو الاحتمال الثاني للوسوسة في الخلق. و الاحتمال الاول قد تقدم آنفا و هو أن يكون المراد بالوسوسة في الخلق وسوسة الشيطان للانسان عند تفكره في أمر الخلقة.

(4) وجه الانسبيّة هو أنّ الوسوسة في امور الناس يجرى غالبا على اللسان بشكل الغيبة، و التهمة، و السب، و الفحش، دون الوسوسة في أمر لخلقة فانها لا تجرى على اللسان غالبا.

(5) و هي الحسد، و الطيرة، و الوسوسة في التفكر في الخلق.

و هنا بعض الاقوال الأخر غير المعروف ايضا. قيل: معنى رفع الطيرة أي تحريمها اى نهي الامة عن الاعتناء بها لا رفع حرمتها.

و معنى رفع الحسد رفع حرمة الحسد الذي يخطر بالبال أحيانا لا الحسد العمد بلا فرق بين اظهاره و عدمه. و معنى الوسوسة هو التفكر في القضاء و القدر و خلق الاشرار، و الجبر و التفويض.

(6) أي لم يخلص.

246

منها نبى فمن دونه (1)، الطيرة، و الحسد، و التفكر فى الوسوسة فى الخلق. و ذكر الصدوق فى تفسيرها أن المراد بالطيرة التطير بالنبى، او المؤمن لا تطيره (2)، كما حكى اللّه عزّ و جل عن الكفار، و قالوا اطيرنا بك و بمن معك (3). و المراد بالحسد أن يحسد (4)، لا أن يحسد، كما قال اللّه تعالى:

«أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ».

و المراد بالتفكر ابتلاء الانبياء باهل الوسوسة لا غير ذلك (5)، كما حكى اللّه عن الوليد بن (6) مغيرة «أنه فكر و قدر فقتل كيف قدر».

____________

(1) أي من أقل مرتبة منه كالوصي.

(2) أي ليس المراد أنّ النبي (ص) يتطير بل المراد أن النبى و من دونه من الوصي و المؤمن يقع موردا لطيرة الكفار و الفساق و يتشأمون بهم.

(3) حيث خاطبوا الصالح أي تشأمنا بك و بمن معك من المؤمنين.

(4) بصيغة المجهول، و الثاني بصيغة المعلوم.

(5) أي لا يكون المراد غير ما ذكرنا.

(6) أن هذه الآية نزلت في شأن الوليد بن المغيرة المخزومي، و سبب النزول أن قريشا اجتمعت في دار الندوة، فقال الوليد: انكم ذو أحساب و ذو أحلام، و ان العرب يأتونكم فينطلقون من عندكم على أمر مختلف، فاجمعوا أمركم على شي‏ء واحد ما تقولون في هذا الرجل؟ قالوا نقول: انه شاعر فعبس عندها قال: و قد سمعنا الشعر فما يشبه قوله الشعر، فقالوا نقول: انه كاهن قال اذا تأتونه فلا تجدونه يحدث بما تحدث به الكهنة، قالوا نقول: انّه مجنون: فقال اذا تأتونه فلا تجدونه مجنون.

247

و قد خرجنا فى الكلام فى النبوى الشريف عما يقتضيه وضع الرسالة (1)

____________

قالوا: نقول: انه ساحر قال: و ما الساحر؟ فقالوا بشر يحببون به بين المتباغضين، و يبغضون بين المتحاببين. قال: فهو ساحر فخرجوا فكان لا يلقى أحد منهم النبي (صلى اللّه عليه و آله‏) الا قال:

يا ساحر يا ساحر، و اشتد عليه ذلك فانزل اللّه تعالى‏ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ الى قوله الا قول البشر. و اما معنى الآية فهو أنه فكر و دبّر ما ذا يقول في القرآن، و انما فكر ليحتال به للباطل لانه لو فكر على وجه طلب الرشاد لكان ممدوحا، و قدر القول في نفسه و قال للقرآن‏ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ و كلام الانس فقتل و لعن و عذب بما يجرى مجرى القتل كيف قدر في آياتنا ما قدر مع وضوح الحجة عليه.

(1) لان الرسالة موضوعة لبحث الاصول، و المناسب للبحث عن النبوى بمقدار مرتبط لها. و اما تحقيق الحسد، و الطيرة، و امثالهما فخارج عن وضع الرسالة.

«التحقيق» في حديث الرفع يحتاج الى تقديم امور:

الامر الاول في سنده‏

، و هو ما رواه صاحب الوسائل عن كتابي الخصال و التوحيد للصدوق عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن سعد بن عبد اللّه، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن أبي عبد اللّه (ع)، انه قال: قال رسول اللّه (ص): رفع عن امتي تسعة و نقله الصدوق في كتاب الوضوء ممن لا يحضره الفقيه مرسلا.

248

و قد روى ما قريب من الحديث من حيث المضمون بطريق آخر عن محمد بن احمد النهدي مرفوعا الى أبي عبد اللّه (ع).

و أيضا روى بطريق آخر في الوسائل عن نوادر أحمد بن محمد بن عيسى، عن اسماعيل الجعفي، عن أبي عبد اللّه (ع) قال سمعته يقول: وضع عن هذه الامة ست خصال.

اما رواية الصدوق في كتاب الوضوء فانها ساقطة لارسالها و أما رواية محمد بن احمد النهدي فهي ايضا ساقطة لكونها مرفوعة، و اما رواية احمد بن محمد بن عيسى فهي ضعيفة باسماعيل الجعفي و الذي ينبغى ان يبحث حوله هو الطريق الاول. و قد ناقش سيدنا الاستاذ في أحمد بن يحيى العطار الذي هو شيخ الصدوق، و استاذه.

و قال: انه لم يوثق. قال الحر العاملي في رجال الوسائل: أحمد بن محمد بن يحيى العطار روى عنه التلعكبري و غيره. ذكره الشيخ و يعد العلامة و غيره من علمائنا حديثه صحيحا، و هو و ان كان يقتضى توثيقه إلّا ان توثيق العلامة و امثاله من المتأخرين لا يقبل. و قال الاستاذ الاعظم‏ (1) دام ظله في رجاله ان الرجل مجهول كما صرح به جمع، منهم صاحب المدارك.

ربما يقال: ان الشيخ نقل الحديث عن الخصال بالسند المتقدم و له طريق صحيح الى جميع كتب و روايات سعد بن عبد اللّه، كما ذكر في الفهرست‏ (2) حيث قال اخبرنا بجميع كتبه، و رواياته عدة من‏

____________

(1)- معجم رجال الحديث ج 2 ص 330.

(2)- ص 153.

249

أصحابنا عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه و محمد بن يحيى «الحسين»، عن سعد بن عبد اللّه. فيفهم من هذه العبارة ان جميع كتب سعد بن عبد اللّه و رواياته وصل اليه بالطريق المذكور و هو واقع في سند هذه الرواية بعد أحمد بن محمد بن يحيى فالمناقشة فيه لا تقدح في الرواية بعد وصول روايات سعد الى الشيخ بطريق صحيح.

لكنه غير تام اذ المستفاد من العبارة المذكورة ان كل ما رواه عن سعد بن عبد اللّه بلا واسطة بان بدء السند به فهو وصل اليه و لا يستفاد منها ان كل ما نسب اليه من الروايات فهو وصل اليه و لا اقل من الاجمال مع وجود هذا الاحتمال.

الامر الثاني: تقريب الاستدلال به‏

و هو كما في كلمات سيدنا الاستاذ و غيره أنّ الالزام المحتمل من الوجوب او الحرمة يصدق عليه عنوان عدم كونه معلوما فهو مرفوع بمقتضى الحديث. و لا يخفى أنّ الاستدلال المذكور انما يتم بناء على أن هذا الرفع رفع في مقام الظاهر لا الرفع الواقعي كي يلزم التصويب المجمع على بطلانه.

و الدليل على هذا المدعى أن المذكور في الحديث عنوان ما لا يعلم، و صدق هذا العنوان يستلزم احتمال الحكم الواقعي اذ لو كان الرفع رفعا واقعيا لكان المكلف قاطعا بعدم الزام في الواقع بمجرد الجهل به فلا يكون الموضوع متحققا، و هذا الدليل ما نسميه بالقرينة الداخلية، هذا من ناحية و من ناحية اخرى قامت الآيات و الروايات‏

250

و الاجماع على اشتراك الاحكام الواقعية بين العالم و الجاهل، فهذه أيضا قرينة خارجية على أنّ المرفوع بحديث الرفع هو رفع الاحكام في مقام الظاهر. ان شئت فقل: انّ الرفع في ما لا يعلمون رفع ظاهري. أضف اليه حسن الاحتياط فلو كان المراد من الرفع هو رفع الحكم الواقعي لم يبق مجال للاحتياط.

و بما ذكرنا ظهر أنه لا وجه لما ذهب اليه شيخنا الاعظم ((قدس سره)) من تقدير المرفوع في الحديث صونا لكلام الحكيم عن الكذب و اللغوية. و بعد تسليم لابدية التقدير وقع البحث و الكلام في تعيين ما هو المقدر؟ فقيل ان المقدر هو المؤاخذة و العقوبة. و قيل انه عموم الآثار و قيل انّه اظهر الآثار بالنسبة الى كل واحد من التسعة، لكن قد عرفت انه لا حاجة الى التقدير لتصحيح الكلام بعد كون المراد من الموصول هو الالزام المحتمل الذي هو قابل للرفع.

و ايضا ظهر مما ذكرناه من أن المرفوع هو الحكم الواقعي في مرحلة الظاهر ما في كلام شيخنا الاعظم من أنّ المرفوع هو ايجاب الاحتياط فانه خلاف ظاهر الحديث فان ظاهره أن المرفوع هو نفس ما لا يعلم.

فانه ((قدس سره)) انما ذهب اليه بعد عدم امكان كون المرفوع هو الحكم الواقعي عنده و اما على المختار من امكان كون الحكم الواقعي مرفوعا في مرحلة الظاهر فيجب الاخذ بظاهر الحديث. نعم أن ايجاب الاحتياط يرتفع قهرا بعد ارتفاع الحكم الواقعي ظاهرا.

251

و قد ذكر المحقق العراقي‏ (1) أن الحكم الواقعي لا يمكن أن يتعلق به الرفع الحقيقي لوجوه:

الاول: أن حديث الرفع ناظر الى رفع الآثار التي وضعها خلاف الامتنان بحيث لو لا الرفع كان المكلف من قبل وضعها في الضيق، فان من الواضح أن ذلك لا يتصور في التكليف الواقعي و لو بمرتبته الفعلية اذ لا يكون المكلف من جهة مجرد ثبوته في الواقع و نفس الامر في الكلفة و الضيق حتى يجرى فيه دليل الرفع، فيكون هو المرفوع حقيقة، و هذا بخلاف ايجاب الاحتياط فانه لو لا الرفع كان المكلف من قبله في الكلفة، فيتعيّن كونه هو المرفوع حقيقة.

و يرد عليه أنه ليس وجوب الاحتياط وجوبا نفسيا كي يوجب الكلفة على المكلف بل هو وجوب طريقيّ قد شرع لاجل حفظ الواقعيات في المشتبهات و هو منجز للواقع عند الاصابة فيوجب استحقاق العقاب على مخالفة الواقع، و معذر عند المخالفة اذن فالضيق انما يأتي من قبل التكليف الواقعي بحيث لولاه لما وقع المكلف في ضيق من جهة وجوب الاحتياط. ان شئت فقل: أنّ الواجب على المكلف امتثال الحكم الواقعي و لو امتثالا اجماليا فالضيق انما هو من قبله لا من قبل وجوب الاحتياط.

الثاني: أن الرفع في سائر الفقرات الأخر كالخطاء و النسيان و الاكراه و الاضطرار انما هو بالعناية و المجاز، فان مقتضى وحدة السياق كونه كذلك فيما لا يعلمون أيضا.

و فيه: ما سيأتي من انّ الرفع في الجميع يتعلق بالحكم بلا اعمال‏

____________

(1)- نهاية الافكار ص 214.

252

العناية و المجاز.

الثالث: أن الجهل من الجهات التعليلية للرفع، فيكون الرفع متأخرا عن الجهل بمقتضى علّية الجهل و معلولية الرفع، و لازمه بعد عدم شمول اطلاق الواقع لمرتبة الجهل بنفسه هو امتناع تعلقه بالحكم الواقعي اذ رفع كل شي‏ء عبارة عن نقيضه، و نقيض الشى‏ء لا بد و أن يكون في مرتبته و لا يكون الحكم الواقعي بما هو ملحوظ فى المرتبة السابقة على الجهل نقيضا لهذا الرفع المتأخر عن الشك حتى يمكن تعلق الرفع الحقيقي بالحكم الواقعي و لو فى مرتبة فعليته.

و الجواب عنه اطلاق الحكم الواقعي و ان لم يشمل مرتبة الجهل بنفسه لكن كان جعل الحكم الواقعي مرتبة الشك بمتمم الجعل أمرا ممكنا فلم يجعله و قد تقدم كفاية صدق الرفع على عدم الجعل مع ثبوت مقتضيه.

الامر الثاني: انّ المراد من الموصول هو الحكم الالزامي المحتمل و مع ذلك يتم الاستدلال به في الشبهة الحكمية و الموضوعية لما عرفت من أنّ الحديث يدل على أن الالزام المحتمل مرفوع و اطلاقه يقتضى عدم الفرق بين ما يكون منشأ ذلك عدم النص أو اجماله أو تعارضه و بين ما يكون المنشا الامور الخارجية و الحاصل انّ مقتضى اطلاق الموصول بعد تمامية مقدمات الحكمة عدم الفرق بين الشبهة الحكمية و الموضوعية و ليس هذا من استعمال اللفظ الحكم و الموضوع معا و الموصول استعمل في الحكم، و مقتضى اطلاقه‏