تنقيح الأصول‏ - ج2

- الشيخ حسين التقوي الاشتهاردي المزيد...
457 /
51

و أمّا الصورة الثانية

فما ذكره فيها لا غبار عليه.

و أمّا الصورة الثالثة ففيها:

أوّلًا: أنّه على القول بالترشُّح في وجوب المقدّمة، و فرض جريان البراءة في الشكّ في تقييد الصلاة بالوضوء في الصورة الاولى، كيف يتصوّر العلم بوجوب الوضوء حينئذٍ مع تردّده بين الوجوب النفسي و الغيري؟ فمع جريان البراءة في تقييد الصلاة به المحتمل وجوبها يزول العلم بوجوب الوضوء.

و ثانياً: على فرض الإغماض عن ذلك يرد عليه: أنَّ قضية العلم الإجمالي- إمّا بوجوب الوضوء نفساً، و إمّا بوجوب الصلاة مشروطة به- هو الاشتغال و الحكم بوجوب الصلاة مع الوضوء؛ لوجوب الإتيان بأطراف العلم الإجمالي. فالتحقيق هو ذلك في الصورتين الاولى و الثالثة بمقتضى‏ العلم الإجمالي.

خاتمة:

هل يترتّب الثواب و العقاب على الواجب الغيري في صورتي الموافقة و المخالفة أو لا؟

فنقول: هل الإثابة و المُعاقبة في يوم الجزاء بمحاكمة العبد، كما في هذه الدنيا، و هو ظاهر الآيات القرآنية؟

أو أنَّ الثواب و العقاب من لوازم الأعمال بتجسّمهما و لا ينفكّان عنها؟

ثمَّ إنَّ المثوبة و العقوبة الأخرويتين مجعولتان لكلِّ عملٍ قدر مخصوص منهما؟ نظير جعل الحدود و الدّيات في هذه النشأة لبعض الأعمال، كما ذهب إليه المحقّق النهاوندي‏ (1).

____________

(1)- تشريح الاصول: 180 سطر 2.

52

أو أنّهما يترتبان على الأعمال و الأفعال من دون جعل قدر مخصوص لكلّ عمل منها أولًا؟.

ثم إنّ بعضهم ذهب إلى‏ أنّ النفس تكتسب بالأفعال الحسنة استعداداً لائقاً و قابلًا لإفاضة صورٍ بهيّة عليها و بالأفعال السيّئة استعداداً لورود صور ظلمانية عليها (1).

و حينئذٍ نقول: إنّ القول بأنّ المثوبة إنّما هي بالتفضّل لا بنحو الاستحقاق‏ (2) بناء على هذه الوجوه غير سديد امّا بناء على أنّها من لوازم الأعمال‏ (3) فواضح انّها بنحو الاستحقاق، لكنّه استحقاق تكويني، و كذلك بناء على ما ذكره المحقّق النهاوندي؛ لأن معنى الجعل هو الاستحقاق و معنى التفضّل إمكان عدم ترتّب المثوبة على الأفعال الحسنة، مع أنّه بناء على هذا القول يستحيل تخلّفه تعالى‏ عمّا جعله، و هذا ممّا لا إشكال فيه.

و إنّما الإشكال في أنّه إذا أمر المولى بشي‏ء من دون أن يجعل له عوضاً، فهل يستحقّ العبد بالإتيان بالمأمور به مثوبة أو لا، بل المثوبة من باب التفضّل؟.

و الظاهر أنّ محلّ النزاع في المقام هو هذا الفرض، لكن الحقّ أنّها ليست بنحو الاستحقاق بحيث يقبح تركها عليه، و ذلك لأنّ جميع القوى الكامنة في الإنسان، و كذا جميع ما يحتاج إليه في معاشه و معاده، من مواهب اللَّه تعالى‏ بدون استحقاق العبد لها، فلو أمره بصرف بعض مواهبه تعالى‏ في مورد خاصّ، فلا يستحقّ لذلك عوضاً، مثلًا:

لو أعطاه خمسين ديناراً و أمره بإنفاق واحد منها، فهو لا يُنفق إلّا من مال المولى، فلا يستحق لذلك مثوبةً، و كذا لو امر بغضّ البصر عمّا حرّم اللَّه النظر إليه.

هذا كلّه مع أنّ الآثار المترتّبة على الإطاعات و ترك المعاصي ترجع إلى‏ العبد

____________

(1)- الأسفار 9: 293- 296.

(2)- الأسفار 9: 174 السطر الأخير.

(3)- أجود التقريرات 1: 172.

53

نفسه لا إليه تعالى‏؛ لاستغنائه عن جميع المخلوقات و إطاعاتهم حتّى الأنبياء و الأولياء و لو امتثل العبد جميع أوامر اللَّه و انزجر عن جميع محارم اللَّه لم يأتِ إلّا أقلّ قليل من حقّ اللَّه الذي يجب عليه، و حينئذٍ فبطلان القول بالاستحقاق أوضح.

و إذا عرفت أنّ الإثابة في الواجبات النفسيّة ليست بنحو الاستحقاق، تعرف أنّه لا وقع للبحث في استحقاقها في الواجبات الغيريّة و عدمه.

و التحقيق أن يقال: إنّ المراد بالاستحقاق هنا هو الاستحقاق العُرفي، نظير استحقاق الأجير للُاجرة على عمله؛ بمعنى أنّه يثبُت للأجير حقّ على المستأجر؛ بحيث يُعدّ منعه ظلماً عليه يقبِّحه العقلاء، و حينئذٍ فإن قلنا: إنّ المثوبة و العقوبة لازمتان للأعمال بتجسُّمهما في النشأة الآخرة باكتساب العبد بالأعمال الحسنة استعداداً قابلًا و لائقاً لإفاضة الصور البهيّة، و بالأعمال السيّئة استعداداً قابلًا لورود صور ظلمانيّة فلا معنى للقول باستحقاق المثوبة في امتثال الواجبات الغيريّة بالمعنى‏ المذكور.

و إن قلنا: إنّ الثواب و العقاب للأعمال مجعولان، فاستحقاق العقوبة و المثوبة تابع للجعل، فإن جُعل لامتثال الواجب الغيري مثوبة، فبامتثاله يجب على اللَّه تعالى‏ إعطاؤها له؛ لاستحالة تخلّفه تعالى‏ عمّا وعده، فإنّه تعالى‏ أمر العباد بالوفاء بعهودهم فكيف لا يفي هو تعالى‏ بعهده؟! هذا الكلام كلّه في الاستحقاق و عدمه.

و هل يترتّبان على امتثال الواجبات الغيريّة و مخالفتها لا على وجه الاستحقاق أو لا؟

نقول: لا معنى لترتّبهما على الواجبات الغيريّة؛ لأنّهما متفرّعان على الإطاعة و تركها- أي المخالفة- و امتثال الواجبات الغيريّة لا يُعدّ طاعة و تركها مخالفة، فإنّ وجوب المقدّمة- مثلًا- غيريٌّ و بحكم العقل، فلو أمر المولى بمقدّمة فلا يخلو العبد من أنّه إمّا مريد لامتثال أمر ذي المقدّمة أو لا:

فعلى الأوّل يحكم العقل بلزوم الإتيان بمقدّمته للتوقّف، فيحرّك عضلاته نحو

54

إيجادها، فلا داعويّة للأمر بالمقدّمة له إلى‏ إيجادها، فهو يريد المقدّمات بحكم عقله بإرادة مستقلّة، فلا داعويّة للأمر الغيري له نحو الفعل.

و على الثاني فهو أوضح؛ أي لا داعويّة للأمر بالمقدّمة نحوها، و حينئذٍ فلا يتحقّق بامتثال أمر المقدّمة و عدمه موضوعُ المثوبة و العقوبة؛ أي الإطاعة و المخالفة.

فتلخّص: أنّه لا يستحقّ الثواب و العقاب على امتثال الواجبات الغيريّة و مخالفتها، و لا يترتّبان عليها بدون الاستحقاق- أيضاً- من حيث إنّها مقدّمات و واجبات غيريّة، لكن هل يستحقّهما العبد لحيثيّة اخرى‏؟ و ليس المراد مجرّد ترتُّب الثواب و العقاب، بل استحقاقهما؛ بمعنى‏ ثبوت حقٍّ للعبد على المولى بامتثال الواجب الغيري عقلًا، فلا بدّ من ملاحظة الأوامر الغيريّة من الموالي العُرفيّة بالنسبة إلى‏ عبيدهم، ثمّ ملاحظة الأوامر الشرعيّة.

فنقول: لو أمر المولى عبده بإنقاذ ابنه الغريق و أمره بمقدّماته- أيضاً- فامتثل العبد أمر المقدّمات، لكنّه لم يتمكّن من إنقاذه، فهل ترى‏ من نفسك ثبوت حقّ للعبد على مولاه بامتثال أمر المقدّمات فقط؛ من حيث تحمّله المشاقّ في تحصيلها، أو من حيث إنّ الشروع بإيجاد المقدّمات شروع في امتثال ذي المقدّمة عرفاً، أو لأجل حيثيّة اخرى‏؛ بحيث لو امتنع المولى من أداء حقّه قبّحه العقلاء، و يعدّ ظالماً له بامتناع أداء حقّه؟! حاشا و كلّا؛ لعدم إتيانه بما أمره به المولى من إنقاذ ابنه، و ما أتى‏ به لم يكن مأموراً به بالأصالة.

و لهذا حكم الفقهاء بثبوت اجرة المِثْل، فيما لو أمر أحدٌ شخصاً بحمل شي‏ءٍ إلى‏ مكان معيّن، بدون أن يجعل له اجرة، فحمله إلى‏ ذلك المكان من دون أن يقصد التبرّع، و بعدم ثبوت شي‏ءٍ له لو لم يحمله إلى‏ ذلك المكان، و إن تحمَّلَ مشاقاً بتحصيل مقدّمات الحمل.

و كذا لو كان له عبدان أمرهما بإنقاذ ابنه الغريق فأنقذه أحدهما بمقدّمات‏

55

كثيرة، و الآخر بدونها، فلا أظنّ أن تزعم أنّ ثواب الأوّل أكثر من الثاني مع اشتراكهما في أصل الإنقاذ، و إن تحمَّلَ الأوّل مشاقاً لتحصيل مقدّمات كثيرة.

فما يظهر من المحقّق العراقي (قدس سره) من أنّ الإتيان بالمقدّمات يُعد شروعاً في امتثال ذي المقدّمة عرفاً، فتقسّط المثوبة على المقدّمة أيضاً (1).

فمدفوع: أمّا أوّلًا: فلأنّه كيف تقسّط و تنبسط على المقدّمات مثوبة ذي المقدّمة مع عدم الشروع في امتثاله.

و ثانياً: سلّمنا ذلك، لكن محلّ الكلام استحقاق المثوبة على المقدّمة زائدة على المثوبة المترتّبة على ذي المقدّمة، لا انبساط مثوبة ذي المقدّمة عليها، بل لا يستحقّ المثوبة بمجرّد الشروع في ذي المقدّمة- أيضاً- إلّا مع الإكمال، مع أنّه يصدق أنّه شرع في امتثال ذي المقدّمة.

و كذا ما في «الكفاية» من أنّه يستحقّ العبد مثوبة زائدة على المثوبة المترتّبة على ذي المقدّمة بموافقة أمر المقدّمة؛ لأنّه- حينئذٍ- يصير أفضل الأعمال و أشقّها (2).

نعم: لا ريب في أنّ العبد الممتثل للأوامر الغيريّة ممدوح عند العقلاء لحسن سريرته، و ذلك لأنّه لو فرض ثلاثة اعتقدوا بتوجّه أمر الشارع إليهم بشي‏ء كالحجّ، فهمّ اثنان منهم و صارا بصدد الامتثال، دون الثالث، و أخذ الأوّلان في مقدّماته و نفسِ الحجّ، دون الثالث و فرض عدم وجوب الحجّ واقعاً، إلّا على‏ أحد الأوّلين، فلا ريب في أنّه فرق بينهم عند العقلاء، فإنّ الممتثل لأمر الحجّ يستحقّ الثواب؛ لامتثاله أمر المولى، بخلاف الآخر- الذي لم يجب عليه الحجّ- لعدم الأمر بالنسبة إليه و إن أتى‏ به جهلًا، لكن يمدحه العقلاء؛ لانقياده و حسن سريرته، و أنّه ليس بصدد المخالفة للمولى، و يذمّون الثالث من جهة سوء سريرته و جرأته؛ حيث إنّه مع اعتقاده بتوجّه الأمر إليه‏

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات العراقي) 1: 375- 376.

(2)- كفاية الاصول: 138- 139.

56

لم يكن بصدد الامتثال و الإطاعة، و إن فرض عدم وجوب الحجّ عليه- أيضاً- واقعاً، و كان اعتقاده جهلًا مركّباً.

فتلخّص: أنّه لا يستحقّ العبد في امتثال الأوامر الغيريّة مثوبة أصلًا؛ لا من حيث إنّها مقدّمات، و لا من حيثيّة اخرى‏، لكن يمكن أن يُزاد في ثواب ذي المقدّمة لأجل امتثال أمر المقدّمة بتحمّل المشاقّ لتحصيلها، فيمكن أن يستحقّ الآفاقي للحجّ من المثوبة ما لا يستحقّه غيره، كالمجاورين لمكّة المكرّمة؛ لأجل تحمّل الآفاقي من المشاقّ من طيّ المسافات الطويلة، دون الثاني.

إذا عرفت ذلك نقول: قد اورد في الطهارات الثلاث بوجوه:

الأوّل: أنّك قد عرفت عدم استحقاق العبد للثواب و العقاب في امتثال الواجبات الغيريّة و مخالفتها، مع ترتُّب الثواب على الطهارات الثلاث بمقتضى‏ الأخبار، مع أنّ الطهارات الثلاث مقدّمات للصلاة و نحوها، و عرفت أنّ امتثالها لا يعدُّ طاعة و تركها مخالفة، مع أنّ الثواب و العقاب فرع تحقّق عنواني الموافقة و المخالفة أو الطاعة و العصيان‏ (1).

و فيه: أنّه لا مانع من أن يجعل الشارع لامتثال بعضها مثوبة، و الطهارات المذكورة كذلك.

و ما أجاب به المحقّق العراقي: من انبساط المثوبة لذي المقدّمة على المقدّمة أيضاً، و أنّ الآخذ في المقدّمة يعدّ آخذاً في ذي المقدّمة (2)، فقد عرفت ما فيه سابقاً.

الثاني: أنّه لا ريب في أنّ الطهارات المذكورة- بما هي عبادة- مقدّمة، فلا بدّ فيها من قصد العباديّة و إتيانها بداعي امتثال الأمر، لا بأيّ وجه اتّفق؛ لأنّها كذلك ليست مقدّمة، فالعباديّة مأخوذة في مقدّميّتها و في متعلّق أمرها في الرتبة

____________

(1)- مطارح الأنظار: 70.

(2)- انظر بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) 1: 375- 376.

57

السابقة، و حينئذٍ فمحقّق عباديّتها إن كان هو الأمر الغيري لزم الدور؛ لأنّ تعلّق الأمر الغيري بها يتوقّف على عباديّتها؛ لما عرفت من أنّها- بما هي عبادة- مقدّمة و متعلّقة للأمر الغيري، و المفروض أنّ عباديّتها متوقّفة عليه. و إن كان هو الأمر النفسي الندبي فهو فاسد:

أمّا أوّلًا: فلأنّه كثيراً ما يفعلها المكلّف بداعي التوصّل بها إلى‏ الصلاة و بقصد أمرها الغيري، مع الغفلة عن أنّها مطلوبةٌ نفساً و عبادةٌ متعلّقة للأمر النفسي، و على فرض عدم الغفلة- أيضاً- لا يمكنه قصد امتثال الأمر النفسي بها، إلّا بنحو الداعي على الداعي، فإنّ الداعي إلى‏ فعل الصلاة الصحيحة يدعوه إلى‏ إتيانها بداعي أمر نفسها.

و أمّا ثانياً: فلأنَّه لا يُعقل اجتماع الاستحباب النفسي مع الوجوب الغيري؛ لأنّ مرجعه إلى‏ تعلُّق الطلب الأكيد و الغير الأكيد معاً بفعل واحد، و هو غير متصوّر.

مضافاً إلى‏ قيام الإجماع على أنّ التيمُّم ليس مطلوباً نفسيّاً، و إن يظهر عباديّته- أيضاً- من بعض الأخبار (1)، بل الوضوء على قولٍ- أيضاً- كذلك ليس بنفسه مستحبّاً (2).

أقول: و يمكن التفصّي عن هذا الإشكال باختيار الشِّقّ الأوّل، و أنّ للطهارات الثلاث ملاكين للمقدّمية و تعلّق الأمر الغيري بها: أحدهما في ذات الوضوء مثلًا، و ثانيهما في فعله بقصد الأمر و بعنوان العبادة، و إن شئت فقل: ذات الوضوء مقدّمة لمقدّمة الصلاة، و هو الوضوء الذي هو عبادة، و كما أنّه يتعلّق الأمر الغيري بالمقدّمة بملاك التوقّف، كذلك يتعلّق أمر آخر غيريّ بمقدّمة المقدّمة بهذا الملاك، فهنا أمران غيريّان: أحدهما متعلّق بذات الوضوء، و ثانيهما بإتيانه بعنوان العبادة، فيندفع إشكال الدور.

____________

(1)- الوسائل 2: 991/ 1 باب 21 من أبواب التيمّم.

(2)- انظر فوائد الاصول 1: 227، و نهاية الأفكار 1: 329.

58

و بما ذكرنا أجاب المحقّق العراقي عنه تقريباً؛ حيث قال ما محصّله: أنّا نختار الشقّ الأوّل، و هو أنّ عباديّة الطهارات الثلاث إنّما هي بالأمر الغيري، و أنّ الأمر الغيري المتوجّه إلى‏ المركّب أو المقيّد ينبسط على أجزاء متعلّقه الخارجيّة و العقليّة، و حينئذٍ فذوات الأفعال في الطهارات الثلاث مأمور بها بالأمر الضمني من ذلك الأمر الغيري، فإذا اتي بها بداعي ذلك الأمر الضمني يتحقّق ما هو المقدّمة؛ أعني الأفعال الخارجيّة المتقرّب بها، و بذلك يسقط الأمر الضمني المتوجّه إلى‏ المقيّد بعد فرض أنّه توصُّلي؛ لحصول متعلّقه قهراً بامتثال الأمر الضمني المتعلّق بذات الفعل‏ (1).

الثالث من الوجوه- و هو العمدة-: أنّه لا ريب في أنّ الطهارات الثلاث- مع قطع النظر عن الإشكال في التيمّم- عبادة موقوفة على فعلها بعنوان العبادة و بقصد أمرها النفسي، مع عدم الإشكال في صحّة الصلاة معها مع الغفلة عن أنّها مطلوبات نفسية، و أنّه لو أتى‏ بها بقصد الأمر الغيري لاجتزي بها و صحّت، كما أفتى‏ به الفقهاء (2)، و هو المرتكز- أيضاً- في أذهان المتشرّعة.

و الحاصل: أنّ محقّق عباديّة العبادة ليس هو قصد الأمر الغيري، و لا يكفي في العبادة قصد التوصّل بها إلى‏ شي‏ء آخر بدون قصد عنوان العبادة، مع كفاية ذلك في الطهارات الثلاث‏ (3).

و الجواب عنه: إن اريد بذلك أنّه يأتي بالطهارات في الفرض بقصد التوصّل بها إلى الصلاة- مثلًا- مع الغفلة عن أنّها ممّا يصلح للعباديّة، نظير فعل الستر و الاستقبال ممّا لا يقصد بفعله العباديّة بوجه من الوجوه، فنحن ننكر صحّتها حينئذٍ، و ارتكاز أذهان المتشرّعة بذلك- أيضاً- ممنوع.

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) 1: 381.

(2)- سيأتي قريباً.

(3)- مطارح الأنظار: 70.

59

و إن اريد أنّ الإتيان بها بقصد التوصّل بها إلى‏ الصلاة مع الغفلة عن أنّها مطلوبات نفسيّة و متعلّقات للأمر النفسي، مع التوجّه إلى‏ أنّها صالحة للعباديّة، فهو كافٍ في تحقّق عباديّتها، و حينئذٍ فلا إشكال أصلًا، و هو قريب ممّا أجاب به في «الكفاية» (1) في المقام.

فما أورده عليه المحقّق العراقي‏ (2):- من أنّه كثيراً ما يُؤتى بها بقصد التوصُّل إلى‏ الصلاة و بداعي الأمر الغيري، مع الغفلة عن عباديّتها و مطلوبيّتها نفساً- محلّ إشكال و منع.

بل نقول: إنّه لا معنى لتحقّق العبادة بالأمر النفسي و لا بالأمر الغيري هنا، فإنّه لا داعويّة للأمر النفسي إلى‏ الإتيان بالطهارات في الفرض، فليس عباديّتها بالأمرِ النفسي، و الأمرُ الغيري- أيضاً- لا يصلح لذلك، بل محقّق عباديّتها هو صلاحيّة كونها عبادة، كما يستفاد ذلك من الأخبار (3)، و لا يحتاج في العبادة إلى‏ تعلُّق الأمر بها و قصده بها، بل الجواب الحقيقي عن الإشكال هو ذلك، و المتقدّمان إقناعيّان، و هو مُغنٍ عنهما في دفع الإشكالين الأوّلين.

و وجهه: أنّك بعد ما عرفت أنّ الطهارات الثلاث ممّا تصلح للعباديّة و التقرّب بها إليه تعالى‏- و المفروض أنّ المكلّف بحسب ارتكازه الذهني متوجّه إلى‏ ذلك أيضاً حين فعلها و لو مع قصد المقدّميّة للغير؛ لما عرفت من الفرق بحسب الارتكاز في أذهان المتشرّعة بينها عند الإتيان بها و بين فعل الستر و الاستقبال بقصدهم العباديّة فيها- اتّضح لك: أنّه لا وقع للإشكال الأوّل؛ فإنّ المثوبة مترتّبة على فعل العبادي على وجه الاستحقاق بناءً على هذا القول.

____________

(1)- كفاية الاصول: 139- 140.

(2)- انظر بدائع الأفكار (تقريرات العراقي) 1: 380.

(3)- الكافي 3: 72 ح 10، الوسائل 1: 264 باب 8 ح 3.

60

و انقدح بذلك: الجواب عن الإشكال الثاني أيضاً، فإنّ توهّم الدور إنّما هو لزعم أنّ مُحقِّق عباديّتها هو قصد الأمر الغيري، و قد عرفت أنّه ليس كذلك.

و بالجملة: الجواب الصحيح هو ما ذكرناه، و اختاره في «الكفاية» (1) تبعاً للشيخ (قدس سره) في «كتاب الطهارة»: من أنّ الطهارات الثلاث ممّا تصلح للعباديّة بنفسها من دون دخل قصد الأمر مطلقاً في عباديّتها، فهي مستحبّة نفساً، و واجبة بالغير، نظير ما إذا نذر الإتيان بصلاة الليل، فإنّها- حينئذٍ- مستحبّة ذاتاً، و واجبة بعنوان المنذور، فيجب فعل هذا المستحبّ بعنوان الوفاء بالنذر (2).

أمّا ما ذكرناه: من أنّه لا يعقل اجتماع الوجوب و الاستحباب في عمل واحد.

فمدفوع: بأنّه لا مانع منه إذا كان للفعل عنوانان تعلّق بأحدهما الطلب الأكيد، و بالآخر الطلب الغير الأكيد.

و ما يظهر من تقريرات بحث الشيخ (قدس سره): من التردّد في هذا الجواب، و جزم المقرّر بخلافه، و أنّ محقّق عباديّة الطهارات هو قصد الأمر الغيري‏ (3)، فقد عرفت ما فيه.

ثمّ إنّه اجيب عن الإشكالات بوجوه اخر لا تخلو عن الضعف:

الأوّل: ما حكاه في «الكفاية» (4)، و ذكره الشيخ (قدس سره) على ما في التقريرات: و هو أنّ المقدّمة: إمّا تكوينيّة معلومة العنوان، كما إذا أمر بالكون على السطح، فنصب السُّلَّم المأمور به بالأمر الغيري مقدّمة تكوينيّة، و إمّا شرعيّة، و هي- أيضاً- إمّا معلومة العنوان، فيؤتى بها بهذا العنوان، و إمّا مجهولة العنوان، و مُردّدة بين عنوان و عنوان آخر، و تلك كالطهارات، فحيث إنّ المكلّف لا يعلم عنوانها فهو يأتي بها

____________

(1)- كفاية الاصول: 139- 140.

(2)- كتاب الطهارة: 87- 88.

(3)- مطارح الأنظار: 70 سطر 20.

(4)- كفاية الاصول: 141.

61

بقصد الأمر الغيري، فيكون آتياً بها بعنوانها الواقعي المجهول؛ حيث إنّ الأمر المذكور لا يدعو إلّا إلى‏ ذلك، فتتحقّق عباديّتها بذلك القصد.

و بالجملة: للطهارات المذكورة عنوان واقعي هو الموقوف عليه، و حيث إنّه مجهول يتحقّق هذا العنوان الواقعي بقصد الأمر الغيري، و تصير به عبادة (1).

و يرد عليه أوّلًا: ما أورده عليه في «الكفاية»، و هو أنّه غير وافٍ بدفع إشكال ترتّب المثوبة عليها (2)؛ لأنّها بناءً على ما ذكر مقدّمات توصُّليّة، و يلزمه أنّه لو فعلها رياءً لوقعت صحيحة كافية، و لا يمكن الالتزام به.

و ثانياً: لو سلّمنا ذلك لكن قصد الأمر الغيري لا يصحِّح عباديّتها؛ لأنّ المفروض فعلها للتوصّل بها إلى‏ الصلاة، لا التقرُّب بها إلى اللَّه تعالى‏ المعتبر في العبادة.

الثاني من الوجوه: ما حكاه في «الكفاية»- لكن لم أعرف قائله- و هو أنّ لزوم وقوع الطهارات الثلاث عبادة إنّما هو لأجل أنّ الغرض من الأمر النفسي بغاياتها- أي بالطهارات كما لا يحصل بدون قصد التقرّب بموافقته، كذلك لا يحصل إلّا إذا اتي بها كذلك؛ لا باقتضاء الأمر الغيري.

و بالجملة: وجه لزوم الإتيان بها بعنوان العبادة: إنّما هو لأجل أنّ الغرض منها لا يحصل إلّا بإتيان خصوص الطهارات- بين المقدّمات- بقصد الإطاعة (3)، و الفرق بينه و بين الوجه الأوّل واضح؛ فإنّ ذوات الطهارات عبادة بناءً على هذا الوجه، بخلاف الأوّل.

و أورد عليه في «الكفاية»: بأنّه- أيضاً- غير وافٍ بدفع إشكال ترتُّب المثوبة

____________

(1)- انظر مطارح الأنظار: 71 سطر 13.

(2)- كفاية الاصول: 140.

(3)- نفس المصدر: 141.

62

عليها أيضاً (1).

لكن مرجع هذا الوجه إلى‏ ما ذكره و ذكرناه، فإنّه لو فُرض أنّ الطهارات ممّا تصلح ذاتاً للعباديّة و التقرّب بها إليه تعالى‏، لا لمحض التوصّل بها إلى‏ غاياتها فقط، و المكلّف- أيضاً- ملتفت إلى‏ ذلك حين الفعل، مع قصد التوصُّل أيضاً، فلا يرد عليه واحد من الإشكالات، و لو فرض عدم صلاحيّتها للتقرّب و العباديّة، فلا معنى لفعلها كذلك.

الثالث من الوجوه: ما حكاه في «الكفاية» (2)- أيضاً- المنسوب إلى‏ الشيخ (قدس سره) بالتزام بعضٍ فيها بأمرين لتصحيح اعتبار قصد الإطاعة فيها: تعلّق أحدهما بذات الطهارة، و الثاني بإتيانه بداعي امتثال الأمر الأوّل‏ (3).

و فيه: أنّ هذا الجواب إنّما يفيد دفع إشكال الدور فقط، و أمّا الإشكال الأوّل و الثالث فهما باقيان بحالهما.

____________

(1)- نفس المصدر: 141.

(2)- نفس المصدر: 140.

(3)- مطارح الأنظار: 71 سطر 9.

63

المبحث الرابع في التقرّب بالواجبات الغيريّة

هل يمكن أن تقع سائر الواجبات الغيريّة- مثل الستر و الاستقبال و نحوهما- مقرّبة للعبد إلى‏ اللَّه تعالى‏ بإتيانها بقصد الأمر النفسي المتعلّق بذي المقدّمة، لا بداعي الأمر الغيري؟ و حكم العقل بذلك- أي لزوم فعلها من باب توقّف الواجب عليها- و إن لم تصر بذلك عبادة؛ لما عرفت من أنّه يمكن أن يكون فعلٌ مقرّباً إليه تعالى‏ من دون أن يكون عبادة، كالزكاة و الخمس و نحوهما، فإنّهما مقرّبان إذا قصد بهما ذلك، مع أنّهما ليستا من العبادات؛ نعم، فعلهما إطاعة، لا عبادة التي تسمّى‏ بالفارسية ب «پرستش»، فنقول: لا ريب في أنّه لا داعويّة و محرّكيّة للأمر المتعلّق بالصلاة- مثلًا إلى‏ إيجاد مقدّماتها؛ لا مستقلّاً و لا تبعاً؛ لأنّ المفروض أنّه متعلّق بالصلاة فقط، و الأمر لا يدعو إلّا إلى‏ متعلَّقه لا غير، بل الداعي إلى‏ المقدّمات هو الأمر الغيري، أو الحكم العقلي من باب التوقُّف، و هو غير فعلها بداعي الأمر الشرعي، و المفروض أنّ مثل الستر و الاستقبال ليس ممّا يصلح للعباديّة ذاتاً، كما في الطهارات، و لم يتعلّق بها أمرٌ من الشارع غير الأمر الغيري؛ ليتقرّب به إليه تعالى‏.

فما يظهر من «الكفاية» و المحقّق العراقي- (قدس سرهما)- من أنّه يمكن صيرورة المقدّمات التوصّليّة كلّها مقرّبةً للعبد إلى‏ اللَّه تعالى‏ و يترتّب عليها الثواب إذا فعلها بداعي الأمر المتعلّق بذيها (1).

____________

(1)- كفاية الاصول: 142، مقالات الاصول: 114- 115، بدائع الأفكار (للمحقّق العراقي): 384.

64

فيه ما لا يخفى، فلا يمكن القرب و المثوبة بالمقدّمات التوصّلية بوجه.

نعم، المقدّمة التي تصلح ذاتاً للعباديّة و المقرّبيّة، كالطهارات إذا أتى‏ بها مستشعراً بذلك حين فعلها، فهي مقرِّبة و عبادة يترتّب عليها المثوبة، فإنّها بما أنّها ممّا تصلحُ للعباديّة تعلّق بها الأمر الغيري، فمع قصده- أيضاً- تقع عبادة، و قد تقدّم أنّه لا تنافي بين استحبابها ذاتاً و وجوبها بالغير، خلافاً للمحقق العراقي؛ حيث ذكر أنّ الطهارات الثلاث تنحلّ إلى‏ مقدّمتين: إحداهما ذواتها، و ثانيتهما كونها عبادة، فيتعلّق بكلّ واحد منهما أمر غيريّ وجوبيّ، فيلزم أن تكون ذواتها مستحبّة و واجبة كليهما بعنوان واحد، فيضمحلّ الاستحباب.

و أمّا بناءً على ما ذكرناه: من أنّها بما أنّها عبادة مُقدّمة للصلاة و تعلّق بها أمر غيري، فلا منافاة بين استحبابها ذاتاً و وجوبها بالغير؛ لاختلاف متعلَّقَي الوجوب و الاستحباب باختلاف العنوان، فهي- بما أنّ ذواتها تصلح للعباديّة- مستحبّةٌ، و بما أنّها عبادة و تتوقّف عليها الصلاة واجبةٌ، نظير النذر إذا تعلّق بصلاة الليل كما تقدَّم.

و أمّا ما يظهر من بعض: من أنّ الأمر النذري يكتسب العباديّة من صلاة الليل في المثال، و صلاة الليل تكتسب الوجوب من الأمر النذري‏ (1)، فلم نتعقّله، و لم يُعلم المراد منه.

و إذا عرفت أنّ الطهارات الثلاث ممّا تصلح ذواتها للعباديّة و المقرّبيّة، فلو توضّأ قبل دخول الوقت بداعي الاستحباب، جاز الصلاة به و الاكتفاء به؛ لعدم توقّف الصلاة إلّا على‏ طهارة قربيّة، و هي متحقّقة، و كذا لو دخل الوقت، لكن توضّأ بداعٍ آخر غير داعي التوصُّل بها إلى‏ الصلاة، مثل قراءة القرآن، و لو توضّأ للتوصُّل بها إلى‏ الصلاة بدون قصد القربة، فهي باطلة مُطلقاً، سواء كان قبل دخول الوقت أم بعده، و لو توضّأ قبل دخول الوقت بداعي الاستحباب، لكن يعلم بأنّه سيدخل الوقت،

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 229.

65

فقَصَد التوصُّل بها إلى‏ الصلاة بعد دخول الوقت، كفى‏ و صحّ أيضاً، و كذا لا إشكال في الصحّة لو توضّأ بداعي الاستحباب الذاتي مع الغفلة عن وجوبها الغيري رأساً، فإنّه و إن غفل عن ذلك، لكنّه غير غافل عن رجحانه ذاتاً، و يجوز الاكتفاء به للصلاة أيضاً.

المبحث الخامس في شروط وجوب المقدّمة و تبعيته لوجوب ذيها

على فرض ثبوت الملازمة بين إرادة ذي المُقدّمة و بين إرادة المقدّمة، فهل هي تابعة لإرادة ذي المقدّمة إطلاقاً و اشتراطاً؟

و هل يشترط في وجوب المقدّمة إرادة ذي المقدّمة، كما عن صاحب المعالم (قدس سره)(1)؟

أو أنّه يشترط في وجوب المقدّمة قصد التوصّل بها إلى‏ ذي المقدّمة، كما نسب إلى الشيخ (قدس سره)(2)؟

أو أنّه يشترط في وجوبها ترتُّب ذيها عليها، فمع عدمه يستكشف عدم وجوبها (3)؟ أقوال:

أمّا القول الأوّل فنقول: قد أوردوا على صاحب المعالم: تارةً بأنّه لا معنى لاشتراط وجوب المقدّمة بإرادة ذي المقدّمة، مع أنّ وجوب ذي المقدّمة مطلق أصلي و وجوب المقدّمة ترشُّحي تابع لوجوب ذي المقدّمة (4)؟

____________

(1)- معالم الدّين: 74 سطر 4.

(2)- مطارح الأنظار: 72 سطر 9.

(3)- الفصول الغرويّة: 86 سطر 14.

(4)- مطارح الأنظار: 72 سطر 5، فوائد الاصول 1: 287، بدائع الأفكار (تقريرات العراقي) 1: 385.

66

و اخرى‏: بأنّ مرجع اشتراط وجوب المقدّمة بإرادة ذيها إلى‏ اشتراط وجوبها بإرادة نفسها؛ و ذلك لبداهة أنّه مع إرادة ذي المقدّمة يريد المقدّمة- أيضاً و اشتراطُ وجوب الشي‏ء بإرادة ذلك الشي‏ء غيرُ معقول.

أقول: ظاهر كلام صاحب المعالم (قدس سره) غير ما نُسب إليه‏ (1)، فإنّ ظاهر كلامه هو أنّ وجوب المقدّمة إنّما هو في حال إرادة ذي المقدّمة (2)، لا اشتراطه بإرادته، فالمقدّمة و ذوها سيّان في الإطلاق، فلا يرد عليه إشكال لزوم تفكيك المقدّمة عن ذيها في الإطلاق و الاشتراط.

و كذا الإشكال الثاني؛ لعدم تعبيره بالاشتراط.

نعم، يرد عليه: أنّ إرادة المقدّمة إنّما هي بعد إرادة ذي المقدّمة، و في رتبة متأخّرة عنها لا في حالها، و حينئذٍ فلا معنى للبعث إلى‏ المقدّمة مع علم الآمر بإرادة المكلّف لها؛ لعدم الباعثيّة لأمره حينئذٍ (3).

لكن هذا الإشكال مشترك الورود على القائلين بالملازمة، و لا يختصّ بما ذكره صاحب المعالم.

نعم، يرد على خصوص مقالة صاحب المعالم (قدس سره): أنّه بناءً على ما ذكره يلزم نحو تفكيك لوجوب المقدّمة عن وجوب ذيها، مع أنّ وجوبها ترشّحي بناءً على‏ الملازمة.

و أمّا القول الثاني و هو ما نسب إلى‏ الشيخ: من اشتراط وجوب المقدّمة بقصد التوصُّل بها إلى‏ إرادة ذيها (4)، فهو غير مُراد له (قدس سره) قطعاً، كما لا يخفى‏ على من أعطى حقّ النظر في عبارة التقريرات، فإنّه بعد نقل مقالة صاحب «المعالم»، و بعد ذكر توجيه‏

____________

(1)- مطارح الأنظار: 72 سطر 1.

(2)- معالم الدين: 74 سطر 4.

(3)- بدائع الأفكار (للمحقّق العراقي) 1: 385.

(4)- مطارح الأنظار: 72 سطر 9.

67

بعضهم له، قال: إنّ مراده أنّه يشترط في وجوب المقدّمة قصد التوصّل بها إلى‏ إرادة ذي المقدّمة.

و بعد الإيراد على هذا التوجيه قال: إنّا بعد ما أعطينا حقّ النظر في الحُجج الناهضة على وجوب المقدّمة، و استقصينا التأمّل فيها، ما وجدنا فيها رائحة من ذلك؛ كيف؟! و إطلاق وجوب المقدّمة و اشتراطه تابع لوجوب ذيها فيهما، و لا يُعقل اشتراط وجوب الواجب بإرادته؛ لأدائه إلى‏ إباحة الواجب. قال- على ما في التقريرات-:

و هل يعتبر في وقوعها على صفة الوجوب قصد التوصّل بها إلى‏ الغير أو لا؟ وجهان:

أقواهما الأوّل.

و تحقيق المقام: هو أنّه لا إشكال في أنّ الأمر الغيري لا يستلزم امتثالًا، كما عرفت في الهداية السابقة (1)، بل المقصود منه مجرّد التوصّل إلى‏ الغير، و قضيّة ذلك هو قيام ذات الواجب مقامه، و إن لم يكن المقصود منه التوصُّل به إلى‏ الواجب كما إذا أمر عبده بشراء اللحم من السوق الموقوف على تحصيل الثمن، و لكن العبد حصّل الثمن لا لأجل شراء اللحم، بل لأجل ما ظهر له من الامور الموقوفة على الثمن، ثمّ بدا له امتثال أمر المولى بشراء اللّحم، فيكفي في مقام المقدّميّة الثمن المذكور بلا إشكال، و لا حاجة إلى‏ إعادة التحصيل، كما هو ظاهر لمن تدبّر.

إنّما الإشكال في أنّ المُقدّمة إذا كانت من الأعمال العباديّة التي يجب وقوعها بقصد القربة، كما مرّ الوجه فيها بأحد الوجوه السابقة، فهل يصحّ في وقوعها على جهة الوجوب أن يكون الآتي بها قاصداً لإتيان ذيها أو لا؟

ثمّ فرّع على كلّ من الوجهين فروعاً ثمّ قال: و قد نسب الثاني إلى‏ المشهور، و لم نتحقّقه، و ما يمكن الاستناد إليه في تقريب مرادهم: هو أنّ الوضوء ليس إلّا مثل الصلاة في لحوق الطلب الإيجابي بهما، غاية الأمر أنّ الداعي إلى إيجاب الواجب‏

____________

(1)- و هي الهداية التي تعرض لها في ص 66 سطر 9.

68

الغيري هو التوصُّل به إلى‏ الغير، و الداعي إلى‏ إيجاب الصلاة هو وجوب نفس الصلاة، و لا دليل على لزوم قصد دواعي الأمر.

إلّا أنّ الإنصاف أنّ ذلك فاسد؛ إذ بعد ما عرفت من تخصيص النزاع بما إذا اريد الامتثال بالمقدّمة، فنقول: لا إشكال في لزوم قصد عنوان الواجب فيما إذا اريد الامتثال بالواجب و إن لم يجب الامتثال، و لا ريب في عدم تعلُّق القصد بعنوان الواجب فيما إذا لم يكن الآتي بالواجب الغيري قاصداً للإتيان بذلك الغير، فلا يتحقّق الامتثال بالواجب الغيري إذا لم يكن قاصداً للإتيان بذلك، و هو المطلوب.

أمّا الأوّل: فقد عرفت فيما تقدّم: أنّ الامتثال لا نعني به إلّا أن يكون الداعي إلى‏ إيجاد الفعل هو الأمر، و يمتنع دعوة الأمر إلى‏ عنوان آخر غير ما تعلّق الأمر به؛ لعدم الارتباط بينهما، فلو كان الداعي هو الأمر يجب قصد المأمور به بعنوانه.

و أمّا الثاني: فلأنّ الحاكم بالوجوب الغيري ليس إلّا العقل، و ليس الملحوظ عنده في عنوان حكمه بالوجوب إلّا عنوان المقدّميّة و الموقوف عليه، و هذه الجهة لا تلحق ذات المقدّمة إلّا بملاحظة ذيها؛ ضرورة كونها من العناوين الملحوظة باعتبار الغير، فالاتيان بشي‏ء على جهة المقدّميّة يمتنع انفكاكه عن قصد الغير، و إلّا لم يكن الداعي هو الأمر اللازم من أمر الغير.

و بعبارة اخرى‏: إنّ ذات المقدّمة معنونة بعنوانات كثيرة منها المقدّميّة، و هذا عنوان وجوبها الغيري، فلا بدّ عند إرادة الامتثال بالمقدّمة من قصد هذا العنوان؛ لما قرّر فيما تقدّم، و قصدُ عنوان المقدّمة على وجهٍ يكون الداعي إلى‏ إيجاده ملاحظة المنفعة في هذا العنوان، لا يعقل بدون قصد الغير؛ إذ لا يعقل القصد إلى‏ شي‏ءٍ يترتّب عليه فائدة لأجل تلك الفائدة بدون أن تكون تلك الفائدة مقصودة؛ لكونه تناقضاً.

ثمّ فرّع عليه مسألة .. إلى‏ أن قال:

و كيف كان، فالظاهر اشتراط وقوع المقدّمة على صفة الوجوب و المطلوبيّة

69

بقصد الغير المترتِّب عليها؛ لما عرفت، و يكشف عن ذلك ملاحظة الأوامر العرفيّة المعمولة عند الموالي العرفيّة و العبيد، فإنّ الموالي لو أمروا عبيدهم بشراء اللحم الموقوف على الثمن، فحصّل العبد الثمن لا لأجل اللحم، لم يكن ممتثلًا للأمر الغيري قطعاً، و إن كان بعد ما بدا له الامتثال مجزئاً؛ لأنّ الغرض فيه التوصُّل، و لمّا كانت المقدّمة العباديّة ليست حالتها مثل تلك المقدّمة في الاكتفاء بذات المقدّمة عنها، وجب إعادتها كما في غيرها من العبادات، فلا يكاد تظهر الثمرة في المُقدّمات الغير العباديّة، كغسل الثوب و غيره؛ ضرورة حصول ذات الواجب و إن لم يحصل الامتثال على وجه حصوله في الواجبات الغيريّة.

نعم، تظهر الثمرة من جهة بقاء الفعل المقدّمي على حكمه السابق، فلو قلنا بعدم اعتبار قصد الغير في وقوع المقدّمة على صفة الوجوب، لا يحرم الدخول في ملك الغير إذا كان مقدّمة لإنقاذ غريق، بل يقع واجباً، سواء ترتّب عليه الغير أم لا.

و إن قلنا باعتباره في وقوعها على صفة الوجوب، فيحرم الدخول ما لم يكن قاصداً لإنقاذ الغريق. انتهى‏ (1).

و لا يخفى أنَّ مُراده (قدس سره) أنّ صدق الامتثال متوقّف على قصد التوصُّل و الأمر الغيري، و بدونه لا يتحقّق الامتثال مع تحقّق الواجب، فإنّ هنا مقامين: الأوّل مقام صدق الامتثال في الإتيان بالأوامر الغيريّة، و الثاني تحقّق الواجب، و الأوّل لا يتحقّق إلّا مع قصد التوصُّل و داعويّة الأمر الغيري، بخلاف الثاني، فإنّ قصد التوصُّل فيه غير معتبر، كما لا يخفى على من أعطى تقريراته حقّ النظر، و إن كان عبارة التقريرات مضطربة جدّاً (2)، لكن المقطوع هو أنَّ مُراد الشيخ (قدس سره) غير ما هو المنسوب إليه من‏

____________

(1)- مطارح الأنظار: 72- 73.

(2)- تقدّم تخريجه.

70

اعتبار قصد التوصّل في اتّصاف المقدّمة بالوجوب‏ (1)، و أنّ النسبة في غير محلّها.

نعم: يرد على ما ذكره في ذيل عبارته- بقوله: نعم: يظهر الثمرة ... إلخ- أنّه بعد ما عرفت و ثبت أنّ قصد التوصّل إلى‏ ذي المقدّمة غير معتبر في اتّصاف المقدّمة بالوجوب، لا فرق في مزاحمة الحرمة للوجوب في المثال بين قصد التوصّل إلى‏ الغير الواجب و عدمه.

فتلخّص: أنّه لا يعتبر عند الشيخ (قدس سره) في اتّصاف المقدّمة بالوجوب قصد التوصُّل بها إلى‏ الغير.

و منه يظهر: أنّ ما ذكره المحقّق العراقي من الاحتمالات‏ (2) في كلام الشيخ (قدس سره) كلّها مردودة و غير مرادة له، و كذلك كثير من الاحتمالات التي ذكرها الميرزا النائيني (قدس سره)(3).

و وجّه بعض المحقّقين من المحشّين ما هو المنسوب إلى‏ الشيخ (قدس سره): بأنّ مرجع الحيثيّات التعليليّة في الأحكام العقليّة إلى‏ الحيثيّات التقييديّة، و المراد أنّ حيثيّة مقدّميّة المقدّمة علّة لإرادة المولى إيّاها، فمرجعها إلى‏ أنّ المقدّمة بما أنّها مقدّمة واجبة، و حينئذٍ فإن أتى‏ المكلّف بها بما أنّها مقدّمة للغير، فلا يعقل عدم قصد المقدّميّة و التوصّل بها إلى‏ الغير (4).

و فيه: أنّ ما ذكره- من أنّ مرجع الحيثيّات التعليليّة .. إلخ- مسلَّم، لكن لا نُسلِّم اعتبار القصد إلى‏ هذه الحيثيّة، فإنّ المفروض أنّ المقدّمة توصُّلية، يكفي إيجادها بأيّ نحو كان؛ و لو بدون الإرادة، أو في حال النوم، أو بدون الاختيار، و لا يلزم‏

____________

(1)- نهاية الأفكار: 333.

(2)- بدائع الأفكار (تقريرات العراقي) 1: 385.

(3)- فوائد الاصول 1: 287- 289.

(4)- انظر نهاية الدراية 1: 204- 205 سطر 22.

71

الإتيان بها مع الإرادة و الاختيار مع القصد إليها؛ لما عرفت من أنّ القصد معتبر في تحقُّق الامتثال و صدقه، لا في اتّصاف المقدّمة بالوجوب.

و على أيّ تقدير هذا القول- سواء كان مراداً للشيخ (قدس سره) أو غيره- مردود بما أورد عليه في «الكفاية»: من عدم إمكان اعتبار شي‏ء في الوجوب إلّا إذا كان له دَخْل فيه من الملاك، و ملاكُ وجوب المقدّمة حصولُ ما لولاه لما أمكن الإتيان بذي المُقدّمة لا غير، و قصد التوصُّل ليس دخيلًا فيه، فلا يعتبر (1).

في أنحاء قصد التوصّل و أحكامها:

بقي الكلام في بيان ما يُتصوّر من أنحاء أخذ قصد التوصُّل في وجوب المقدّمة، و أنّها ممكنة في مقام الثبوت و التصوّر أو لا:

فنقول: له احتمالات:

أحدها: أن يكون قصد التوصُّل شرطاً في وجوب المقدّمة و اتّصافها به.

الثاني: أنّ قصد التوصُّل ظرف للوجوب؛ أي أنّ المقدّمة واجبة في ظرف حصول القصد المذكور، نظير ما ذكره صاحب المعالم: من أنّ وجوب المقدّمة في حال قصد إيجاد ذي المقدّمة (2).

الثالث: أنّه معتبر في الواجب المأمور به، و أنّ الأمر الغيري متعلّق بالستر- مثلًا- مع قصد الإيصال معاً.

أمّا الأوّل: فقد اورد عليه ما اورد على صاحب المعالم: من أنّ مرجعه إلى‏ اشتراط وجوب الشي‏ء- أي المقدّمة- بإرادة إيجاده؛ ضرورة أنّ قصد التوصُّل إلى‏ ذي المقدّمة ملازم لقصد إيجاد المقدّمة، فمرجع اشتراط قصد التوصّل إلى‏ ذي المقدّمة

____________

(1)- انظر كفاية الاصول: 143.

(2)- انظر معالم الدين: 74 سطر 3.

72

في وجوب المقدّمة إلى‏ اشتراطه في وجوب المقدّمة، و لا معنى له‏ (1).

و أمّا الثاني: فكذلك، بل أسوأ حالًا منه، فإنّ لقصد إيجاد ذي المقدّمة في الأوّل نحو تقدّم على قصد إيجاد المقدّمة، بخلافه على الثاني.

و أمّا الثالث: فهو- أيضاً- مستحيل بناءً على ما ذكره في «الكفاية»: من أنّ الإرادة ليست بالاختيار، و إلّا لتسلسلت؛ لاشتراط قدرة المكلَّف على الإتيان بمتعلّق الأمر، و الإرادة ليست كذلك، فلا يمكن التكليف بها (2).

لكن لو قلنا بأنّ الإرادة- أيضاً- بالاختيار- كما هو الحقّ- فلا إشكال عقليّ عليه.

و أمّا أنّ الإرادة اختياريّة مطلقاً فلأنّه لو لم يُرد أحد الإقامة في بلد- مثلًا- و قال له آخر: «لو أقمتَ في هذا البلد أعطيتُك كذا»، فإرادة الإقامة فيه لأجل حبّه و شوقه إلى‏ ما وعده أوّلًا و بالذات، و إلى الإقامة فيه ثانياً و بالعرض، فقد أراد بالاختيار الإقامة في ذلك البلد.

و حينئذٍ فالصورة الثالثة غير مستحيلة، لكن يرد عليها الإشكال المتقدّم من «الكفاية»: من أنّه لا يعتبر في الواجب إلّا ما له دخْلٌ فيه و ملاكٌ للوجوب، و لا يعقل اشتراطه بما لا دخل له فيه‏ (3).

____________

(1)- انظر فوائد الاصول 1: 287.

(2)- انظر كفاية الاصول: 146.

(3)- تقدّم تخريجه.

73

المقدّمة الموصلة:

و أمّا القول الثالث و هو ما اختاره صاحب (الفصول): من القول بوجوب المقدّمة الموصلة فقط (1)، فله تصويران:

أحدهما: أن يقال: إنّ الإيصال و الترتُّب شرط للوجوب، و علّة لاتّصاف المقدّمة به، فإذا أوجد المقدّمة، ثمّ أوجد بعدها ذا المقدّمة، فبالوصول إليه تصير المقدّمة واجبة.

لكن هذه الصورة مستحيلة، و أنكرها صاحب الفصول‏ (2) أيضاً.

الثانية: أنّ الواجب هو المقدّمة الموصلة بحسب متن الواقع و نفس الأمر، لكن لا يعلم حين إيجاد ذاتها أنّها الواجبة إلّا بعد إيجاد ذي المقدّمة، فيستكشف بإيجاد ذي المقدّمة اتّصافُها بالوجوب حين إيجادها سابقاً، و هذه الصورة هي مراد صاحب الفصول.

و اورد عليه بأنّه مُستحيل؛ لوجوه:

الأوّل: أنّه مستلزم للدور، و قُرِّر بتقريبات:

الأوّل: أنّه لو فرض أنّ الواجب هو المقدّمة الموصلة فذو المقدّمة مقدّمة لتحقّق الواجب من المقدّمة؛ ضرورة أنّه لا يتحقّق الإيصال إلّا بوجود ذي المقدّمة و تحقّقه، فيتوقّف وجود كلّ واحد من المقدّمة و ذيها على وجود الآخر (3).

الثاني: ما قرّره في «الدرر»: من أنّه لا ريب في أنّه لا مناط للطلب الغيري إلّا التوقّف و احتياج ذي المقدّمة إلى‏ غيره بداهةً، و حينئذٍ فنقول: الإيصال عنوان ينتزع من وجود ذي المقدّمة، فيتوقّف عليه، فلو توقّف ذو المقدّمة على الفعل المقيّد

____________

(1)- الفصول الغرويّة: 86.

(2)- نفس المصدر.

(3)- انظر فوائد الاصول 1: 290.

74

بالإيصال، لزم الدور؛ لأنّ الإيصال يتوقّف على ذي المقدّمة المتوقّف على الإيصال‏ (1).

الثالث: ما قرّره بعض مقرّري درس الميرزا النائيني: من أنّ وجوب المقدّمة متوقّف على وجوب ذي المقدّمة؛ لأنّه غيري و ترشُّحي، فلو كان الواجب هو المقدّمة الموصلة، فهو يستلزم توقّف وجوب ذي المقدّمة على المقدّمة؛ لأنّه- أيضاً- حينئذٍ مقدّمة للمقدّمة لو اعتبر الإيصال، فيترشّح من وجوب المقدّمة وجوب ذي المقدّمة، فيتوقّف وجوب كلّ منهما على وجوب الآخر (2).

لكن هذه التقريرات كلّها مدخولة:

أمّا الأوّل: فلأنّ الموقوف غير الموقوف عليه؛ فإنّ وجود ذات ذي المقدّمة موقوف على وجود المقدّمة الموصلة، و اتّصاف المقدّمة بالإيصال موقوف على وجود ذي المقدّمة، فليس وجود المقدّمة متوقّفاً على وجود ذي المقدّمة، و الدور التكويني المُستحيل هو أن يتوقّف وجود كلّ واحد منهما على وجود الآخر، و ما نحن فيه ليس كذلك كما عرفت.

أمّا الثاني: فهو- أيضاً- غير وارد على صاحب الفصول، فإنّه لا نسلّم المقدّمة التي ذكرها للدور، و هي دعوى بداهة أنّ المناط في الطلب الغيري هو التوقّف لا غير، فإنّه قائل بوجوب المقدّمة الموصلة فقط، لا مُطلق المقدّمة، و الدور المذكور مبنيّ على وجوب مطلق المقدّمة.

و أمّا التقريب الثالث: فهو واضح الفساد؛ لأنّ الوجوب الغيري للمقدّمة يتوقّف على الوجوب النفسي لذي المقدّمة، و لا يتوقّف الوجوب النفسي لذي المقدّمة على وجوب المقدّمة، بل المتوقّف على وجوب المقدّمة هو الوجوب الغيري لذيها، فالموقوف غير الموقوف عليه.

____________

(1)- انظر درر الفوائد: 118.

(2)- انظر أجود التّقريرات 1: 237- 238.

75

الثاني من الوجوه الواردة على القول بوجوب المقدّمة الموصلة: أنّه مستلزم للتسلسل؛ و ذلك لأنّه لو فرض أنّ الواجب هي المقدّمة الموصلة، فهي تنحلّ إلى‏ ذات المقدّمة و قيد الإيصال؛ لأنّ الواجب عنده هو المقدّمة الموصلة لا مطلق المقدّمة، فذات المقدّمة- أيضاً- مقدّمة لوجود ملاك المقدّمية فيها أيضاً، فلا بدّ من قيد إيصال آخر في وجوبها؛ لما ذكر أنّ مطلق المقدّمة ليست واجبة عنده، فتنحلّ- أيضاً- إلى‏ ذات المقدّمة و قيد الإيصال، فلا بدّ من إيصال آخر، و هكذا يذهب إلى‏ ما لا نهاية له، و كذا في جانب الإيصال فإنّه- أيضاً- مقدّمة، فلا بدّ من قيد إيصال آخر فيه، و هكذا .. (1).

و فيه: أنّ هذا التسلسل نظير التسلسل في الاعتباريّات، مثل أن يقال:

الزوجيّة لازمة للأربعة، و هذا اللزوم- أيضاً- لازم، و هكذا ..

و جوابه: أنّ هذه اللزومات ليست مُتعدّدة، بل لزوم واحد، فكذا فيما نحن فيه، فإنّ الأمر متعلّق بذات المقدّمة و قيد الإيصال معاً على مذهبه، فقوله:- إنّ ذات المقدّمة- أيضاً- مقدّمة، فلا بدّ من قيد الإيصال أيضاً- فيه: أنَّ هذا الإيصال بعينه هو الإيصال الأوّل لا غير، فلا إشكال.

الثالث من وجوه الإيرادات على القول بالمقدّمة الموصلة: أنّه بناءً عليه يلزم اتّصاف ذي المقدّمة- الذي هو مطلوب نفساً- بوجوبات متعدّدة غيريّة بعدد المقدّمات فيما لو تعدّدت؛ لأنّ ذا المقدّمة- عليه- مقدّمة لمقدّمات متعدّدة موصلة، فيترشّح من كلّ واحدة منها وجوب غيري إلى‏ ذي المقدّمة، فيلزم ما ذكر (2).

و فيه: أنّ الواجب من المقدّمة على مذهب صاحب «الفصول» هي المقدّمة الموصلة، فهي المتّصفة بالوجوب الغيري الترشّحي، لا مطلق المقدّمة، و ذات الواجب النفسي ليست مقدّمة موصلة لذات المقدّمة، بل هو مقدّمة لاتّصاف المقدّمات‏

____________

(1)- انظر فوائد الاصول 1: 290.

(2)- انظر درر الفوائد: 119.

76

بالإيصال، فليس ذات الواجب مقدّمة موصلة؛ حتّى يتّصف بالوجوبات الغيريّة المتعدّدة بعدد المقدّمات. فاتّضح من جميع ما ذكرنا: أنّ القول بالمقدّمة الموصلة ليس مستحيلًا.

الرابع من الوجوه ما استشكل في «الكفاية» على القول بوجوب المقدّمة الموصلة: بأنّه مستلزم لإنكار وجوب مقدّمات كثيرة، بل أكثرها، و انحصار الوجوب بمقدّمات هي علّة تامّة لترتّب ذيها عليها، كالأفعال التوليديّة، و أمّا غيرها فهي و إن كانت مستندة إلى‏ علّة تامّة؛ لاستحالة وجود الممكن بدون العلّة، لكن بعض أجزاء علّتها من مقدّمات الفعل الاختياري كالإرادة، ليس اختياريّاً و مقدوراً للمكلّف، فلا يمكن أن يتعلّق به الوجوب‏ (1).

و فيه: أنّه ليس المراد بالمقدّمة الموصلة العلّة التامّة ليرد عليه هذا الإشكال، بل المراد منها هي التي يقع بعدها و يترتّب عليها الواجب، سواء كان بلا واسطة أم مع واسطة أو وسائط، لا مطلق المقدّمة و إن لم يقع و يوجد الواجب بعدها، كما لا يخفى على من أعطى حقّ النظر في كلام صاحب «الفصول» (قدس سره) فإنّه مثّل بما إذا قال المولى لعبده: «اشترِ اللحم» (2)، فالذهاب إلى السوق و نحوه من المقدّمات إذا ترتّب عليها الواجب و وجد بعدها فهي متّصفة بالوجوب، مع أنّها ليست علّة تامّة للاحتياج إلى‏ الإرادة أيضاً.

مضافاً إلى‏ أنّا لا نُسلِّم أنّ الإرادة غير اختياريّة، كما تقدّم بيانه، و لو سلّمنا أنّها غير اختياريّة يرد على صاحب «الكفاية» أنّه لو قلنا بوجوب مطلق المقدّمة فالإرادة- أيضاً- من المقدّمات، فيلزم اتّصافها بالوجوب، مع أنّها غير اختيارية على مذهبه، فما يدفع به هذا الإشكال هو الجواب عن الإشكال الذي ذكره.

____________

(1)- انظر كفاية الاصول: 145- 146.

(2)- الفصول الغرويّة: 88 سطر 6.

77

و استشكل أيضاً: بأنّه بناءً على وجوب المقدّمات الموصلة فقط؛ لو أتى‏ بواحدة منها بدون انتظار الإيصال إلى‏ ذي المقدّمة، أو فُرض حصول المقدّمة قبل تعلّق الوجوب بها، يلزم أن لا يسقط الأمر مع سقوطه بلا ريب و إشكال، و سقوط الأمر إنّما هو إمّا بالإطاعة، أو انتفاء الموضوع، كما إذا غرق الميّت، فيسقط التكليف بتجهيزه و دفنه، أو بالمخالفة و العصيان، و ليس في المقام إلّا الأوّل، فالسقوط هنا إنّما هو لأجلها (1).

و الجواب: أنّه لا مانع من القول بعدم سقوط الأمر في الفرض؛ بناءً على القول بوجوب المقدّمة الموصلة فقط.

فتلخّص: أنّه لا يرد على هذا القول إشكال عقلي و لا غيره.

الأقوال الراجعة إلى وجوب المقدّمة حال الإيصال:

لكن لو فرض ورود الإشكالات المذكورة، و عدم إمكان أخذ قيد الإيصال في المقدّمة الواجبة، و لم يمكن القول بوجوب مطلق المقدّمة أيضاً، فهل يمكن تصوير الواجب من المقدّمة بما يكون برزخاً بين القولين؛ بأن لم يكن الواجب من المقدّمة مقيّداً بالإيصال مع عدم وجوب مطلق المقدّمة؛ بحيث يشترك مع قول صاحب الفصول في النتيجة أو لا؟

فنقول: قال الاستاذ الحائري (قدس سره): إنّ الواجب من المقدّمة ليس ذا و ذاك، بل الطلب تعلّق بالمقدّمات في حال لحاظ الإيصال، لا مقيّداً بالإيصال حتّى يرد عليه الإشكالات السابقة (2).

و المراد: أنّه بعد تصوّر المقدّمات و لحاظها جميعها مرتّبةً- رج كرده- يريدها

____________

(1)- انظر كفاية الاصول: 146.

(2)- درر الفوائد: 119.

78

بذواتها؛ لأنّ تلك الذوات بهذه الملاحظة لا تنفكّ عن المطلوب الأصلي، و لو لاحظ مقدّمة منفكّةً عمّا عداها من المقدّمات فلا يريدها جُزافاً، فإنّ ذاتها و إن كانت مورداً للإرادة، لكن لمّا كانت في ظرف ملاحظة باقي المقدّمات معها لم تكن كلّ واحدة مرادة بنحو الإطلاق، و هذا مساوق للإيصال.

و قال المحقّق العراقي (قدس سره): يمكن تصوير المسألة بصور:

إحداها: أنّ الواجب هو المقدّمة بشرط وجود سائر المقدّمات، و لازم ذلك هو الإيصال إلى‏ ذي المقدّمة.

و ثانيتها: أنّ الواجب هو المقدّمة المقيّدة بالإيصال، و لازم ذلك وجود سائر المقدّمات.

و ثالثتها: أن الواجب هو الحصّة من المقدّمة التوأمة للإيصال‏ (1). و حينئذٍ فهو ينتج نتيجة مقالة صاحب الفصول، مع عدم ورود الإشكالات المذكورة عليه، و ليس قولًا بوجوب مطلق المقدّمة أيضاً.

و قال بعض الأعاظم: إنّ الوجوب الغيري لم يتعلّق بكلّ واحدة من المقدّمات، بل بالعلّة التامّة، و هي مجموع المقدّمات، فيتعلّق بكلّ واحدة منها أمر ضمني لا غيري مستقلّ‏ (2).

و مرجع هذه الوجوه شي‏ء واحد تقريباً، و هو أنّ الواجب ليس مطلق المقدّمة، و لا المقدّمة المقيّدة بالإيصال، بل الواجب هي المقدّمة حال الإيصال و بلحاظ الإيصال، لكن الوجوه المذكورة مخدوشة.

توضيح ذلك: أنّ الظرف إمّا دخيل في موضوع حكم، كما إذا قيل: «الماء في الآنية الكذائيّة مطلوب»، فليس مطلق الماء فيه مطلوباً، أو لا دخل له فيه، كما إذا

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) 1: 392.

(2)- انظر أجود التقريرات 1: 240- 241.

79

قيل: «إنّ الذين في المدرسة عدول»، فإنّ الظرف لا دخل له في موضوع هذا الحكم، بل هو عنوان مشير و معرّف له.

و حينئذٍ نقول: إنّ قيد حال الإيصال و لحاظه في قولهم: «المقدّمة واجبة حال الإيصال» لا يخلو عن أحد الفرضين اللّذين ذكرناهما: فإن كان بالنحو الأوّل فهو عين ما ذكره صاحب الفصول‏ (1)، و إنّما الفرق بينهما في التعبير، و إن كان بالنحو الثاني فهو ليس إلّا القول بوجوب مطلق المقدّمة؛ لعدم التقييد فيها حينئذٍ.

و يرد على خصوص مقالة المحقّق العراقي (قدس سره)(2) مضافاً إلى‏ ما ذكر-: أنّ المُراد بالحصّة المذكورة في عبارته هي الطبيعة المقيّدة بالإيصال، فهو عين مقالة صاحب الفصول (قدس سره).

فإذا لم يرد على مقالة صاحب الفصول إشكال عقلي، فالأمر دائر بين قوله و بين القول بوجوب مطلق المقدّمة؛ لما عرفت من أنّ الأقوال الاخر كلّها- و كذا ما أفاده المحقّق العراقي- ليست بشي‏ء.

و استدلّ في «الفصول»: تارةً بأنّ الحاكم بوجوب المقدّمة هو العقل الحاكم بالملازمة، فهو لا يحكم بوجوب غير الموصلة.

و الظاهر أنّ مراده أنّ القدر المُتيقّن هو ذاك؛ ليمتاز عن الدليل الثالث الآتي.

و اخرى‏: بأنّ الوجدان شاهد على أنّه يصحّ أن يصرّح المولى: بأنّي لا اريد جميع المقدّمات أو المقدّمات الغير الموصلة، مع أنّه يقبّح عليه التصريح بالنهي عن المقدّمات الموصلة أو جميع المقدّمات، و هذا دليل على أنّ الواجب هو المقدّمات الموصلة.

و ثالثة: بأنّه لمّا كان وجوب المقدّمة لأجل التوصّل بها إلى‏ الإتيان بذي‏

____________

(1)- تقدّم تخريجه.

(2)- تقدّم تخريجه.

80

المقدّمة، فلا بدّ أن يكون الواجب هي هذه الحيثيّة؛ أي المقدّمة من حيث الإيصال‏ (1).

هذه خلاصة استدلالاته، و العمدة منها هو الأخير، فإنّ الأوّلين منها مجرّد دعوى يمكن عدم قبولها كما في «الكفاية» (2).

و أمّا الثالث: فأجاب عنه في «الكفاية»:

أوّلًا: بمنع الصغرى؛ أي أنّ وجوب المقدّمة إنّما هو للتوصّل، بل وجوبها إنّما هو لعدم تمكُّن المُكلّف و قدرته على امتثال أمر ذي المقدّمة بدونها؛ لأنّ التوصُّل إلى‏ ذي المقدّمة ليس من آثار وجوب المقدّمة و غايتها، بل من الفوائد التي تترتّب عليها أحياناً بالاختيار، و بمقدّمات اخرى‏ هي مبادي اختياره، و لا يكاد يكون مثل هذا غاية لمطلوبيّتها، و داعياً إلى‏ إيجادها، و إلّا يرد عليه إشكال الدور، و لزم أن يكون ذو المقدّمة واجباً نفسيّاً و غيريّاً.

و اخرى‏: أنّه مع فرض تسليم الصغرى، لكن الكبرى ممنوعة، و نمنع اعتبار التوصُّل فيها و إن سُلِّم أنّ الوجوب لأجل التوصُّل. انتهى‏ (3).

لكن فيه أوّلًا: أنّه إن أراد أنّ غاية وجوب المقدّمة هو هذا الأمر العدمي- أي عدم إمكان إيجاد ذي المقدّمة بدونه- فهو كما ترى‏، و لا أظنّ أن يلتزم به، فلا بدّ أن يريد أنّ الغاية له هو توقّف ذي المقدّمة عليه لا التوصّل إلى‏ ذي المقدّمة.

و ثانياً: أنّه على فرض تسليمه الصغرى- أي أنّ وجوب المقدّمة للتوصّل إلى‏ ذيها- لا يُعقل وجوب المقدّمة بدون هذه الحيثيّة؛ ضرورة أنّه إذا تعلّق الحبّ و الشوق أوّلًا و بالذات بحيثيّة كامنة في الشي‏ء، كحيثيّة التوصّل إلى‏ ذي المقدّمة في المقدّمة، فلا محالة يتعلّق إرادته- أيضاً- بتلك الحيثيّة، و لا يُعقل تعلُّقها بحيثيّة اخرى‏، كما هو

____________

(1)- انظر الفصول الغرويّة: 86 سطر 19.

(2)- انظر كفاية الاصول: 147- 148.

(3)- انظر نفس المصدر: 149- 150.

81

واضح، و لا فرق في ذلك بين الواجب النفسي و الغيري.

نعم: لو جهل المُكلَّف بغاية الشي‏ء المأمور به، كنَيل الدرجات العالية في مثل وجوب الصلاة، يمكن أن يفعلها لا لأجل ذلك.

و قال بعض المحقّقين: يمكن توجيه مقالة صاحب الفصول بوجهين:

أحدهما: أن يريد بما ذكره و اختاره: أنّ الإرادة متعلّقة بكلّ واحد من السبب الفعلي و الشرط الفعلي أو المعدّ الفعلي، و لا ريب أنّ كلّ واحد منها مع قيد الفعليّة يلازم الإيصال إلى‏ ذي المقدّمة.

الثاني: أنّ الإرادة متعلّقة بالعلّة التامّة لذي المقدّمة، و هي عبارة عن مجموع المقتضي و الشروط و المعدّ، و لا ريب في أنّها مستلزمة للوصول إلى‏ المعلول.

ثمّ استشكل: بأنّ الإرادة من أجزاء العلّة التامّة، و لا يمكن تعلّق الإرادة بها؛ لأنّها ليست بالاختيار.

و أجاب: بأنّا لا نُسلِّم عدم إمكان تعلّق الإرادة و الشوق بها، بل الممتنع هو البعث إليها (1) انتهى.

أقول: يرد على ما ذكره أوّلًا: ما أوردناه على ما في «الكفاية»: من أنّه لو فرض أنّ حيثيّة التوصُّليّة علّة لوجوب المقدّمة فالواجب هو هذه الحيثيّة لا غيرها، فإنّ مرجع الحيثيّات التعليليّة في الأحكام العقليّة إلى‏ الحيثيّات التقييديّة.

هذا إذا أراد أنّ حيثيّة المُوصِليّة علّة لتعلُّق الإرادة بالمقدّمة.

و إن أراد أنّ حيثيّة السببيّة التامّة و الشرطيّة الفعليّة و المعدّ الفعلي علّة لتعلّق الإرادة بالمقدّمة، فهو خلاف الوجدان.

و يرد على ما ذكره ثانياً- مضافاً إلى‏ هذا الإشكال الوارد على الأوّل-: أنّ مجموع المقتضي و الشرط و المعدّ ليس شيئاً واحداً؛ ليتعلّق به الإرادة سوى الإرادة

____________

(1)- انظر نهاية الدراية 1: 205- 206.

82

المتعلّقة بكلّ واحد من المقتضي و الشرط و المُعِدّ، فهل ترى‏ من نفسك تعلُّق إرادتك بمجموع المقدّمات من حيث المجموع، سوى الإرادة المتعلّقة بالأجزاء؛ أي أجزاء العلّة كلّ واحد منها؟!

و لا يتوهّم إرادة ذلك المحقّق أنّ مراد صاحب الفصول ذلك؛ كيف و هو أورد على مذهبه الإيرادات المتقدّمة؟! فكيف يمكن أن يريد ذلك مع إشكاله عليه؟!

ثمرة القول بوجوب المقدّمة الموصلة:

ثمّ إنّه ذكر بعضهم: أنّه تظهر ثمرة القول بوجوب المقدّمة الموصلة في بطلان العبادة فيما إذا توقّف الواجب الأهمّ كالإزالة على ترك الصلاة؛ بناءً على توقّف فعل الضدّ على ترك فعل الضدّ الآخر، فعلى القول بوجوب مطلق المقدّمة- كما اختاره في «الكفاية» (1)- فترك الصلاة في المثال واجب، فيحرم ضدّه المطلق، و هو فعل الصلاة، فتفسد لو فعلها، فإنّ فعلها و إن لم يكن نقيضاً لترك الصلاة الواجب مفهوماً، فإنّ نقيض كلّ شي‏ء رفعه و عدمه، و هو ترك تركها، لكن الصلاة متّحدة معه في الخارج، فتصير منهيّاً عنها و فاسدة، بخلاف ما لو قلنا بوجوب المقدّمة الموصلة، فإنّ الواجب هو ترك الصلاة الخاصّ؛ أي المقيّد بالإيصال إلى‏ فعل الإزالة، فالواجب هو الترك الخاصّ، و نقيضه المحرّم هو رفع هذا المقيّد، و حيث إنّ له فردين: أحدهما فعل الصلاة، و ثانيهما الترك المجرَّد؛ لأنّ عدم الترك الخاصّ أعمّ من فعل الصلاة و الترك المجرّد عن فعل الصلاة و الإزالة، فلا تصير الصلاة منهيّاً عنها و لا فاسدة، فإنّ تركها ليس مقدّمة واجبة مطلقاً، بل إذا كان موصلًا إلى‏ فعل الإزالة و مع فعلها انتفى الإيصال فلا تحرم‏ (2).

و أورد عليه الشيخ الأعظم (قدس سره) على ما في التقريرات بأنّ الصلاة على كلا

____________

(1)- كفاية الاصول: 142.

(2)- هداية المسترشدين: 220 سطر 1.

83

التقديرين ليست نقيضاً للترك الواجب مقدّمة بعينه، سواء قلنا بوجوب مطلق المقدّمة، أم خصوص المقدّمة المُوصلة، بل هي من مصاديق النقيض و أفراده، غاية الأمر أنّه بناءً على وجوب مطلق المقدّمة، هي مصداق الترك الواجب مقدّمة، و منحصرة في واحد، و هو الفعل، و بناءً على وجوب المقدّمة الموصلة للنقيض مصداقان: أحدهما الصلاة، و ثانيهما ترك الترك مجرّداً عن فعل ذي المقدّمة، و هذا ليس ممّا يوجب الفرق؛ لتكون الصلاة محرّمة بناءً على وجوب مطلق المقدّمة، و غير محرّمة بناءً على وجوب المقدّمة الموصلة، فإن لم يكفِ ذلك في حرمتها و فسادها فهو كذلك في الصورتين، و على كلا القولين لما عرفت من عدم الفرق بينهما كي يوجب الفساد في احداهما دون الاخرى‏ (1).

و أجاب في «الكفاية» عن ذلك بأنّ الصلاة على القول بالمقدّمة الموصلة من مقارنات النقيض المحرّم؛ حيث إنّها قد توجد، و قد لا توجد مع تحقّق النقيض، و هو ترك الترك الخاصّ في كلتا الصورتين، بخلاف ما لو قلنا بوجوب مطلق المقدّمة، فإنّ الصلاة و إن كانت مغايرة للنقيض مفهوماً، لكنّها متّحدة مصداقاً- و في الخارج- معه، فتفسد.

و أمّا على القول بالمقدّمة الموصلة فالصلاة من مقارنات النقيض المحرّم و لا يتعدّى حكم الشي‏ء إلى‏ ما يلازمه، فضلًا عمّا يقارنه.

نعم، لا يمكن أن يكون الملازم محكوماً بحكم آخر مغاير لحكم اللازم‏ (2).

أقول: لو قلنا إنّ نقيض كلّ شي‏ء رفعه فنقيض ترك الصلاة المقيّد بالإيصال رفع ذلك المقيّد؛ و بعبارة اخرى‏ ترك الترك الخاصّ، و هو أمر عدمي، و الصلاة فعل وجودي، و حيثيّة الوجود تناقض حيثيّة العدم، فلا يعقل أن تكون الصلاة عين ترك‏

____________

(1)- انظر مطارح الأنظار: 78 سطر 26.

(2)- انظر كفاية الاصول: 151- 152.

84

الترك الخاصّ لا مفهوماً و لا مصداقاً؛ كي يقال إنّها متّحدة معه خارجاً و ذاتاً، و كذلك لو قلنا بوجوب مطلق المقدّمة، فإنّ ترك الترك المطلق- حينئذٍ- نقيض للواجب مقدّمة، و الصلاة أمر وجودي، و قد عرفت أنّ حيثيّة الوجود تطرد حيثيّة العدم، و لا يعقل الاتّحاد الذاتي بينهما.

فما ذكره من الفرق بين القولين في الثمرة غير سديد، و قضيّة ما ذكرنا عدم بطلان الصلاة على كلا القولين، كما أفاده الشيخ (قدس سره)(1).

و إن قلنا: إنّه يكفي في الحرمة و الفساد لو كان بينهما نحو اتّحاد عَرَضيّ، و في اصطلاح بعض: مصدوقيّة شي‏ء للمحرّم و إن لم يتّحدا ذاتاً، فمقتضاه فساد الصلاة على كلا القولين، فلا وجه للتفصيل بينهما.

هذا كلّه لو قلنا: إنّ نقيض كلّ شي‏ء رفعه‏ (2).

و إن قلنا: إنّ نقيض كلّ شي‏ء رفعه، أو المرفوع به‏ (3)- لعدم قيام الدليل على الأوّل- فالصلاة- حينئذٍ- نقيض للترك الواجب على كلا القولين؛ لأنّها ممّا يرفع به الواجب، و هو ترك الصلاة، فلا فرق بين القولين حينئذٍ- أيضاً- و ذلك لأنّ الصلاة كما أنّها نقيض للواجب بهذا المعنى على القول بوجوب مطلق المقدّمة، كذلك هي نقيض له على القول بوجوب المقدّمة الموصلة، لا أنّها من مقارناته.

و توهّم: أنّها من مقارنات النقيض على مذهب صاحب الفصول؛ باعتبار أنّه قد يتحقّق النقيض بدونها، فليس بصحيح؛ لأجل أنّ عدم كونها نقيضاً له إنّما هو باعتبار سلب الموضوع، ففي صورة عدم الإتيان بها فهي ليست موجودة حتّى تكون نقيضاً، و إلّا فهي مع وجودها نقيض لازم للترك الخاصّ الواجب.

____________

(1)- مطارح الأنظار: 72 سطر 7.

(2)- حاشية ملا عبد اللَّه: 82، الأسفار 7: 193.

(3)- شرح المنظومة (المنطق): 60.

85

و بالجملة: ما ذكروه ثمرةً للقول بالمقدّمة الموصلة غير صحيح.

و قال بعض المحقّقين في المقام: إنّ المراد بالمقدّمة الموصلة هي العلّة التامّة، فهي تنحلّ إلى‏ ذات العلّة و الإرادة، أو المقدّمة التي لا ينفك وجودها عن وجود ذي المقدّمة، و هي- أيضاً- تنحلّ إلى‏ ذاتٍ و قيدِ عدمِ الانفكاك، و على أيّ تقدير فإرادة المولى متعلّقة بمجموع المقدّمة المركّبة من الجزءين، و نقيض ذلك المجموع هو مجموع نقيض كلّ واحد من الجزءين، و هو المنهيّ عنه المحرّم، فالواجب- فيما نحن فيه- مقدّمةً هو مجموع ترك الصلاة مع الإرادة أو عدم الانفكاك، فنقيض ترك الصلاة هو الصلاة، و نقيض الإرادة أو عدم الانفكاك عدمهما، فمجموع الصلاة مع عدم الإرادة أو الانفكاك هو المنهيّ عنه المحرّم، فالصلاة منهيّ عنها، فتصير فاسدة؛ لأنّه مع الإتيان بالصلاة يتحقّق الجزء الآخر للنقيض، و هو عدم الإرادة أو عدم عدم الانفكاك لا محالة؛ بناءً على القول بوجوب المقدّمة الموصلة.

و بالجملة: أنّ صاحب الكفاية زعم: أنّ نقيض المركّب واحد، و هو رفعه، و أنّ الصلاة من مقارناته، فلا تصير محرّمة، لكنّه ليس كذلك، فإنّ نقيض المركّب هو المركّب من نقيض كلّ واحد من أجزائه. انتهى ملخّص كلامه‏ (1).

و قال المحقّق العراقي (قدس سره) مثل قوله، و زاد ما ملخّصه: أنّ اللازم من تعدُّد النقيض للواجب المتعدّد، هو مبغوضيّة أوّل نقيض يتحقّق في الخارج؛ لأنّه بوجود يتحقّق عصيان الأمر، فيسقط، فلا يبقى موضوع لمبغوضيّة غيره؛ لعدم الأمر على الفرض، فأوّل نقيض يتحقّق في الخارج هو فعل الصلاة، فتصير مبغوضة؛ لصيرورتها نقيضاً لترك الصلاة الموصل، و إذا كان الآتي بالصلاة غير مُريد للإزالة على تقدير عدم الإتيان بالصلاة، فعدم إرادة الإزالة هو المبغوض، و لا تصل النوبة إلى‏ مبغوضيّة

____________

(1)- نهاية الدراية 1: 210.

86

الصلاة؛ لسقوط الأمر الغيري بعصيانه بترك الإرادة (1).

أقول: الكلام هنا إمّا في مقام الثبوت و الواقع، و إمّا في متعلّق الإرادة:

أمّا الأوّل: فمجموع المركّب من أمرين أو أكثر ليس من الموجودات التكوينيّة سوى وجود الأجزاء، فإنّ مجموع زيد و عمرو ليس أمراً متحقّقاً غير وجودهما، بل المجموع أمر اعتباري، و حينئذٍ فنقيض ذلك- أيضاً- كذلك، فنقيض زيد عدمه، و نقيض عمرو كذلك، و ليس مجموعهما أمراً ثالثاً غير كلّ واحد، لا مجموع النقيضين.

هذا كلّه في مقام الثبوت.

و أمّا إذا لاحظنا متعلّق الإرادة- بناءً على القول بالمقدّمة الموصلة- فإرادة المولى تعلّقت بمجموع ترك الصلاة مع إرادة الإزالة- مثلًا- باعتبارهما شيئاً واحداً و استراح المحقّق العراقي (قدس سره) منه؛ حيث ذهب إلى أنّ وحدة الموضوع و تعدّده إنّما هو بوحدة الحكم و تعدّده، و لكن قد تقدّم: أنّ هذا فاسد، فإنّ المريد لمجموعٍ مركّب من أجزاء يلاحظه و يعتبره شيئاً واحداً أوّلًا، ثمّ يبعث نحوه، فيكون متعلّق البعث واحداً اعتباراً قبل تعلّق الحكم به، و على أيّ تقدير فالمراد و المبعوث إليه شي‏ء واحد اعتباري، و نقيضه- أيضاً- أمر اعتباري متعلَّق للإرادة الأكيدة، و هو مجموع نقيض الجزءين، و هو عدم ذلك الأمر الاعتباري، و حينئذٍ فإن قلنا:- إنّه يكفي في فساد الصلاة انطباق العنوان المحرّم بنحوٍ ما و إن لم يكن المنطبق متّحداً مع المنطبق عليه ذاتاً و حقيقةً- تصير الصلاة محرّمة بناءً على القول بالمقدّمة الموصلة أيضاً.

و إن قلنا بأنّه لا يكفي في الفساد ذلك، بل لا بدّ فيه من اتّحادها مع عنوان المحرّم حقيقةً، فلا تصير باطلة.

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) 1: 395- 396.

87

المبحث السادس في الواجب الأصلي و التبعي‏

قد يقسّم الواجب إلى‏ الأصليّ و التبعيّ، و اختلفوا في أنّ هذا التقسيم هل هو بلحاظ الواقع و في مقام الثبوت، أو في مقام الإثبات و الدلالة؛ أي ظاهر الأدلّة؟

فذهب صاحب الفصول إلى الثاني؛ حيث قال: ينقسم الواجب إلى‏ أصليّ و تبعيّ، و الأصليّ ما فُهم وجوبه من خطاب مُستقلّ؛ أي غير لازم لخطاب آخر و إن كان وجوبه تابعاً لوجوب آخر، و التبعيّ بخلافه، و هو ما فُهم وجوبه لا بخطاب مستقلّ، بل لازم خطاب آخر؛ أي ما فهم وجوبه تبعاً لخطاب آخر و إن كان وجوبه مستقلّاً، و المراد بالخطاب هنا ما دلّ على الحكم الشرعي، فيعمّ اللفظي و غيره‏ (1).

يعني يشمل الدلالة الالتزاميّة أيضاً، فدلالة الإشارة داخلة في القسم الثاني مثل دلالة الآيتين، و هما قوله تعالى‏: «وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً» (2) و قوله تعالى‏: «وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ» (3) على أنّ أقلّ الحمل ستّة أشهر.

و هذا التقسيم الذي ذكره تقسيم معقول لكنّه لا ينتج نتيجة.

و قال في «الكفاية»: إنّ هذا التقسيم إنّما هو بلحاظ الأصليّة و التبعيّة في مقام الثبوت و الواقع؛ حيث إنّ الشي‏ء إمّا متعلَّق للإرادة و الطلب مستقلّاً؛ للالتفات إليه بما

____________

(1)- الفصول الغرويّة: 82 سطر 6.

(2)- الاحقاف: 15.

(3)- البقرة: 233.

88

هو عليه ممّا يوجب طلبه، فيطلبه نفسيّاً أو غيريّاً، و إمّا متعلّق لهما تبعاً للإرادة الاخرى الملازمة للُاولى، من دون التفات إلى‏ ما يوجب إرادته، لا بلحاظ الأصالة و التبعيّة في مقام الدلالة و الإثبات‏ (1).

و فيه: أنّ هذا التقسيم غير سديد، فإنّ المناسب- حينئذٍ- أن يقول: إمّا أن يكون الشي‏ء مُلتفتاً إليه بالنسبة للمولى المريد مفصّلًا، فهو الأصليّ، أو لا كذلك، فهو التبعيّ.

و لذا عدل عنه بعض الأعاظم من المحشّين و ذهب إلى‏ أنّ هذا التقسيم إنّما هو في مقام الإثبات و الدلالة، و قال: إنّه لمّا كانت إرادة ذي المقدّمة علّة لإرادة المقدّمة و فاعليّة الفاعل يترشّح و ينشأ منها إرادة المقدّمة؛ باعتبار أنّ إرادة ذي المقدّمة علّة لإرادة المقدّمة فوجوب المقدّمة غيريّ، و وجوب ذيها نفسيّ، و باعتبار أنّ وجوب المقدّمة ترشّحيّ و ناشٍ من إرادة ذي المقدّمة، فوجوب المقدّمة تبعيّ، و وجوب ذيها أصليّ‏ (2).

و فيه: أنّه قد مرّ مراراً: أنّه لا معنى لترشّح إرادة من إرادة اخرى‏، بل كلّ واحدة منها مستقلّة مغايرة للُاخرى، و ليست إحداهما علّة للُاخرى، بل الفاعل للإرادة هو النفس في إرادة المقدّمة وذي المقدّمة كليهما، و أنّ إرادة ذي المقدّمة ناشئة عن الاشتياق إليه، و تتبعه إرادة المقدّمة، و لو كانت إرادة ذي المقدّمة علّة لإرادة المقدّمة للزم وجوب شي‏ءٍ يعتقد المريد أنّه مقدّمة، مع أنّه ليس بمقدّمة واقعاً و في علم المكلَّف؛ لوجود العلّة، و هي إرادة ذي المقدّمة.

فالحقّ هو ما ذكره صاحب الفصول (قدس سره) في مقام التقسيم، و أنّ هذا التقسيم إنّما

____________

(1)- انظر كفاية الاصول: 152.

(2)- انظر نهاية الدّراية 1: 212 سطر 1.

89

هو في مقام الإثبات و الدلالة (1).

خاتمة: في الأصل عند الشكّ في الأصالة و التبعيّة

لو شكّ في واجب أنّه أصلي أو تبعيّ، فهل هنا أصل يعتمد عليه أو لا؟

قال في «الكفاية»: إن قلنا: إنّ الواجب التبعيّ: هو ما لم يتعلّق به إرادة مستقلّة، فلو شكّ في واجب أنّه أصليّ أو تبعيّ فبأصالة عدم تعلّق إرادة مستقلّة به يثبت أنّه تبعيّ، و يترتّب عليه آثاره؛ إذا فرض ترتّب آثار شرعيّة عليه، كسائر الموضوعات المتقوّمة بأُمور عدميّة.

و إن قلنا: إنّ التبعيّ أمر وجوديّ خاصّ غير متقوّم بأمر عدميّ و إن استلزمه، لا يثبت بها إلّا على‏ القول بالأصل المثبت‏ (2). انتهى.

و قال الشيخ المحقّق محمّد حسين الاصفهاني في الحاشية: إن قلنا: إنّ المناط في الواجب التبعيّ عدمُ تفصيليّة القصد و إرادته تفصيلًا، فالتبعيّة موافقة للأصل؛ للشكّ في أنّ الإرادة في المشكوك ملتفَت إليها تفصيلًا أو لا، و الأصل عدمه.

و إن قلنا: إنّ المناط فيه نَشوُ الإرادة و ترشُّحها من إرادة اخرى‏، فالأصليّة موافقة للأصل؛ إذ الترشُّح من إرادة اخرى‏ و نشوُّها منها أمر وجودي مسبوق بالعدم، و ليس الاستقلال في الإرادة على هذا أمراً وجوديّاً، بل هو عدم نشوّها عن إرادة اخرى‏، بخلاف الاستقلال من حيث توجّه الالتفات إليها، فإنّه أمر وجوديّ كما عرفت. انتهى محصّل كلامه (قدس سره)(3).

____________

(1)- الفصول الغرويّة: 82 سطر 6.

(2)- كفاية الاصول: 153.

(3)- نهاية الدّراية 1: 212 سطر 11.

90

أقول: ما ذكره في «الكفاية»: من أنّ الواجب التبعيّ هو ما لم يتعلّق به إرادة مستقلّة، و ما ذكره في الحاشية: من أنّ المناط في التبعيّة عدم تفصيليّة القصد و الإرادة بشي‏ء؛ أي عدمها بنحو السالبة البسيطة المحصَّلة؛ أي الإرادة التي لم تكن مستقلّة أو مفصّلة، فإنّه يمكن صدق السلب المحصّل بانتفاء الموضوع- أيضاً- فلا يصحّ الاستصحاب المذكور؛ لاحتمال انتفاء الموضوع في صدق السلب.

و إن أراد بنحو المعدولة المحمول؛ أي الإرادة الغير المستقلة أو الغير المفصّلة في القصد، فإنّها و إن احتاجت إلى‏ وجود الموضوع؛ لأنّها موجبة، لكن لم تتحقّق الإرادة متّصفة بعدم هذا القيد و الوصف العدمي في الأزمنة السابقة كي تستصحب، كما لا يخفى‏.

المبحث السابع في ثمرة بحث مقدّمة الواجب‏

ثمّ إنّهم ذكروا للبحث عن ثبوت الملازمة بين وجوب المقدّمة و وجوب ذيها ثمرةً: و هي أنّه إذا ثبتت الملازمة بين الوجوبين، و ثبت وجوب المقدّمة، يقع ذلك كُبرى للصُّغريات الوجدانيّة، فيقال- مثلًا-: هذه مقدّمة للواجب، و مقدّمة الواجب واجبة، ينتج أنّ هذه واجبة. و ليس المناط في المسألة الاصوليّة إلّا وقوع نتيجتها في طريق استنباط حكم فرعي‏ (1).

و أورد على ذلك: بأنّ القائل بعدم الملازمة- أيضاً- قائل بلابُدّيّة الإتيان بالمقدّمة و وجوبها عقلًا فلا يصلح ما ذكر ثمرة للبحث‏ (2).

____________

(1)- بدائع الأفكار 1: 396- 397 (تقريرات العراقي)، كفاية الاصول: 153- 154.

(2)- انظر ما قرّره في بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) 1: 397.

91

و قال المحقّق العراقي (قدس سره) في التفصّي عن هذا الايراد بما حاصله: إنّه يمكن أن تُضمّ هذه النتيجة إلى‏ كُبريات اخرى‏، فيثمر، فإنّه إذا قلنا بثبوت الملازمة أمكن الاتيان بالمقدّمة بقصد أمرها الغيري، فتتحقّق القربة بها، كما كانت تتحقّق إذا قصد بها امتثال أمر ذي المقدّمة، فتتحقّق التوسعة في التقرّب، بخلاف ما إذا قلنا بعدم ثبوت الملازمة، فإنّه لا يتحقّق التقرّب- حينئذٍ- إلّا بالإتيان بالمقدّمة بقصد امتثال أمر ذيها.

و بالجملة: لو قلنا بالملازمة إذا أتى‏ المكلّف بالمقدّمة بقصد أمرها الغيري تتحقّق عباديّتها، و يتقرّب بها إلى‏ اللَّه تعالى‏، بخلاف ما إذا لم نقل بها.

و تظهر- أيضاً- فيما إذا أتى‏ المكلّف بالمقدّمات بدون ذيها، فإنّه يستحقّ الاجرة هنا على القول بالملازمة، بخلاف ما لو قلنا بعدمها، فإنّه لا يستحقّ بالمقدّمات شيئاً.

انتهى محصّل كلامه على ما في التقريرات‏ (1).

و يرد على ما ذكره أوّلًا:

أوّلًا: أنّه قد مرّ مراراً: أنّ الأمر لا يدعو إلّا إلى‏ متعلّقه، و حينئذٍ فالأمر المتعلّق بذي المقدّمة لا يعقل دعوته للعبد نحو الإتيان بالمقدّمات، و عرفت أنّ الإتيان بالمقدّمات إنّما هو للتوصُّل بها إلى‏ امتثال أمر ذي المقدّمة، فلا يتحقّق به القربة حينئذٍ، و لا يتحقّق به عباديّتها.

و ثانياً: قد عرفت أنّه لا داعويّة و لا محرّكيّة للأمر الغيري، و لا يُعدّ امتثاله إطاعة، و لا تركه مخالفة، بل الداعي إلى‏ إيجاد المقدّمات هو حكم العقل بلزوم تحصيلها؛ لأجل توقّف ذي المقدّمة عليها.

و يرد على ما ذكره ثانياً:

أوّلًا: أنّ هذا الفرض مخالف لما اختاره من وجوب الحصّة من المقدّمات‏

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) 1: 397- 398.

92

الملازمة للإيصال؛ لأنّ المقدّمة الواجبة- حينئذٍ- ملازمة لوجود ذي المقدّمة، و لا ينفكّ عنها؛ كي يقال باستحقاق الاجرة بإتيان المقدّمات بدون ذي المقدّمة.

و ثانياً: قد عرفت أنّ امتثال الأوامر الغيريّة لا يُعدّ إطاعة، و لا تركه مخالفة؛ كي يستحقّ الاجرة بامتثالها، فلا يندفع الإشكال بما ذكره.

فتلخّص: أنّه لا يترتّب على المسألة ثمرة.

المبحث الثامن في الأصل عند الشّك في الملازمة

ثمّ لو شكّ في ثبوت الملازمة و عدمه، فهل يوجد في المقام أصل موضوعي أو حكمي يرجع إليه أو لا؟

فأقول: يظهر من المحقّق العراقي (قدس سره) و كذا صاحب الكفاية (رحمه اللَّه): أنّه لا أصل موضوعي في المقام يرجع إليه؛ لأنّ الملازمة و عدمها أزليّة؛ لأنّها من لوازم الماهيّة؛ أي ماهيّة وجوب المقدّمة و وجوب ذيها، و أنّ لازم الماهيّة عبارة عمّا هو لازم لها مع قطع النظر عن الوجود الذهني و الخارجي، كالزوجيّة لماهيّة الأربعة (1).

أقول: لكنّه ليس كذلك، فإنّ ثبوت الزوجيّة للأربعة لا معنى له إلّا أنّ الأربعة بحيث إذا لوحظت مع الزوجيّة، يجزم العقل بأنّها لازمة لها؛ أي لماهيّتها بدون دخالة الوجود الذهني أو الخارجي في ثبوتها لها، لكن هذا اللحاظ هو وجود ذهنيّ للأربعة بحسب الواقع و نفس الأمر و إن لا يستشعر اللاحظ بذلك حين اللحاظ و لا يلتفت‏

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي 1: 398، كفاية الاصول: 155.

93

إليه.

و الحاصل: أنّ الوجودين و إن لم يكونا دخيلين في ثبوت اللازم للماهيّة، لكنّهما لا ينفكان عن نحو وجود لها.

و على أيّ تقدير فالاستصحاب الموضوعي- أي استصحاب عدم الملازمة- غير جارٍ؛ لأنّ عدم الملازمة لوجوب المقدّمة، إمّا بنحو السلب المحصل، أو بنحو سلب الحمل، كأن يقال: وجوب المقدّمة لم يكن لازماً لوجوب ذي المقدّمة، أو وجوب المقدّمة الذي لم يكن لازماً:

فعلى الأوّل فحيث إنّ السالبة يمكن صدقها بانتفاء الموضوع لم يجرِ الاستصحاب.

و على الثاني لم يتحقّق عدم وجوب المقدّمة في زمانٍ مع اتّصافه بعدم لزومه لوجوب ذي المقدّمة كي يستصحب.

مُضافاً إلى‏ أنّه يعتبر في الاستصحابات الموضوعيّة ترتُّب أثر شرعيّ عليه، و ليس في المقام ذلك الأثر الشرعي العملي، فإنّ القائل بعدم الملازمة- أيضاً قائل بوجوب المقدّمة عقلًا و لو مع القطع بعدم الملازمة، فضلًا عن استصحابه.

و أمّا الاستصحاب الحكمي- أي استصحاب عدم الوجوب- فهو و إن كان مسبوقاً بالعدم و لو قبل وجوب ذي المقدّمة، لكن لا أثر عملي يترتّب على هذا الاستصحاب؛ لما عرفت من أنّ القائل بعدم الملازمة- أيضاً- قائل بوجوب المقدّمة عقلًا.

فتلخّص: أنّه لا أصل موضوعي أو حكمي عند الشكّ في وجوب المقدّمة.

و أمّا توهّم: أنّ الاستصحاب الحكمي يستلزم التفكيك بين الوجوبين‏ (1)،

____________

(1)- كفاية الاصول: 156.

94

فمدفوع: بأنّ المفروض أنّ الملازمة مشكوكة، فكيف يتوهّم استلزامه لذلك؟!

و أجاب عنه في «الكفاية»: بأنّ الاستصحاب إنّما يستلزم التفكيك بين الوجوبين الفعليّين- لو كان هو المدّعى- لا الوجوبين الواقعيّين‏ (1).

و فيه: أنّك قد عرفت أنّ المفروض أنّ الملازمة مشكوكة، و ليست ثابتة، و معه لا وقع لهذا الجواب.

مع أنّه لو فرض جريان الاستصحاب فالملازمة شأنيّة على فرض ثبوتها واقعاً، كما حُقّق ذلك في مقام الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي.

و الحاصل: أنّه لو تمّ أركان الاستصحاب فلا مانع من جريانه باحتمال عدم إمكانه واقعاً، و إلّا يلزم عدم جريانه في كثير من موارده لمكان هذا الاحتمال فيها.

المبحث التاسع في أدلّة وجوب المقدّمة

إذا عرفت ذلك نقول: يمكن تصوير النزاع في هذه المسألة بصور:

إحداها: أن يُعنون البحث هكذا: هل البعث إلى‏ ذي المقدّمة عين البعث إلى‏ المقدّمة أو لا؟

الثانية: هل يتولّد و يترشّح من وجوب ذي المقدّمة وجوب متعلّق بالمقدّمة؟

و بعبارة اخرى‏: هل البعث إلى‏ ذي المقدّمة علّة لبعث آخر متعلّق بالمقدّمة أو لا؟

____________

(1)- نفس المصدر: 156.

95

الثالثة: أن يقال: هل المقدّمة واجبة؛ بمعنى‏ أنّ المولى لو التفت إليها بعث إليها؟

الرابعة: أن يقال: إرادة ذي المقدّمة هل هي علّة لإرادة المقدّمة؛ بحيث تترشّح منها هذه بنحو لازم الماهيّة أو لا؟

الخامسة: أنّ المريد لذي المقدّمة هل هو مريد للمقدّمة أو لا؟

هذه هي الوجوه المتصوّرة في المقام لعنوان البحث.

فنقول: الأقوال في المسألة مختلفة، و العمدة هو القول بوجوبها مطلقاً (1) في قبال القول بعدم وجوبها كذلك‏ (2).

و أمّا التفصيل بين السبب و غيره‏ (3)، أو الشرط و غيره‏ (4)، فليس بمهمّ، فلا بأس بالإشارة إلى‏ بعض الاستدلالات التي ذكروها لوجوب المقدّمة:

فاستدلّ في «الكفاية»: بأنّ الوجدان أقوى‏ شاهد على أنّ الإنسان لو أراد شيئاً له مقدّمات أراد تلك المقدّمات- أيضاً- بحيث لو التفت إليها ربما يجعلها في قالب الطلب، و يقول مولويّاً: «ادخلِ السوقَ و اشترِ اللحم» .. إلى أن قال:

و يُؤيِّد الوجدانَ- بل و يكون من أوضح البرهان- وجودُ الأوامر الغيريّة في الشرعيّات و العرفيّات؛ لوضوح أنّه لا يكاد يتعلّق بمقدّمةٍ أمرٌ غيريّ إلّا أن يكون فيها مناطه و ملاكه، و إذا كان فيها كان في مثلها (5).

و قال المحقّق العراقي ما حاصله: إنّ الإرادة التشريعيّة على وِزان الإرادة التكوينيّة، ففي الإرادة التكوينيّة و الفاعليّة من يريد شيئاً يريد ما يتوقّف حصول ذلك‏

____________

(1)- هداية المسترشدين: 198.

(2)- نفس المصدر.

(3)- معالم الدين: 61.

(4)- شرح مختصر الاصول للعضدي: 91.

(5)- انظر كفاية الاصول: 156.

96

الشي‏ء عليه أيضاً، فالإرادة التشريعيّة- أيضاً- كذلك، و لا يمكن إرادة ذي المقدّمة بدون إرادة المقدّمات في الإرادة المباشريّة التكوينيّة، فالإرادة التشريعيّة كذلك، فثبت أنّ إرادة ذي المقدّمة مستلزمة لإرادة المقدّمة (1).

أقول: أمّا الإحالة على الوجدان فهو مجرّد دعوى لا شاهد عليها، فيمكن أن يدّعي آخر حكم الوجدان على خلافه.

و أمّا الاستشهاد بوقوع ذلك في الشرعيّات و العرفيّات مولويّاً، فهو ممنوع.

و أمّا ما يتراءى في بعض الموارد من وقوع البعث إلى‏ المقدّمات في الشريعة المقدّسة أو في العرفيّات، فهو أمر إرشادي، أو لأجل مصلحة اخرى‏، أو كناية أو تأكيد للبعث إلى‏ ذي المقدّمة، و إلّا فمن البديهيّات أنّه كثيراً ما يبعث المولى عبده إلى‏ ذي المقدّمة مع الغفلة عن مقدّماته، فضلًا عن البعث إليها، فإن دعوى أنّ البعث إلى‏ ذي المقدّمة هي عين البعث إلى‏ المقدّمة، غير معقولة؛ فإنّ الأمر بذي المقدّمة لا يدلّ على ذلك لا بمادّته و لا بهيئته.

و كذلك لا شاهد لدعوى الوجوب التقديري؛ بمعنى‏ أنّه لو التفت إليها لبعث نحوها، و كذا لا معنى لتولّد إرادة من إرادة اخرى‏ و ترشّحها منها.

و أمّا دعوى أنّ الإرادة التشريعيّة على وِزان الإرادة التكوينيّة- إلى آخر ما ذكره المحقّق العراقي (قدس سره)- فهي- أيضاً- مجرّد دعوى لا شاهد عليها و لا برهان، بل البرهان على خلافها؛ لأنّك بعد ما عرفت أنّه لا معنى لتولّد إرادة عن اخرى‏ تعرف أنّ القياس باطل؛ لأنّ العقل يحكم بأنّ من يريد شيئاً يريد مقدّماته بإرادة مستقلّة؛ لأنّ لكلّ واحد من الإرادتين مبادي على حدة من التصوّر و التصديق بالفائدة بلا فرق بينهما أصلًا، و أمّا المولى فيريد البعث إلى‏ ذي المقدّمة لوجود مباديه في نفسه، و لا يريد

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات المحقّق العراقي) 1: 399.

97

البعث إلى‏ المقدّمات لعدم وجود مباديها في نفسه، بل هي موجودة في نفس العبد، و معه لا فائدة للبعث نحو المقدّمة.

و استدلّ أبو الحسين البصري لوجوب المقدّمة: بأنّها لو لم تجب لجاز تركها، و حينئذٍ فإن بقي الواجب على وجوبه يلزم التكليف بما لا يطاق، و إلّا خرج الواجب عن كونه واجباً (1).

و اورد عليه:

أوّلًا: بالنقض بالمتلازمين في الوجود اللذينِ في أحدهما ملاك الوجوب دون الآخر، فالأوّل واجب، فنقول:

لا يخلو إمّا أن يجب الآخر- أيضاً- أو لا، فعلى الأوّل يلزم وجوب الشي‏ء بلا ملاك، و إلّا لزم خروج الواجب عن كونه واجباً؛ لأنّ المفروض أنّهما متلازمان في الوجود لا يمكن انفكاكهما، فما هو الجواب عن هذا هو الجواب عمّا ذكره.

و ثانياً: بالحلّ- كما في «الكفاية» (2)- بعد إصلاح ظاهر الاستدلال: بإرادة عدم المنع الشرعي من جواز الترك، و إلّا فالشرطيّة الاولى واضحة الفساد، و بإرادة الترك من الظرف- و هو قوله: «و حينئذٍ»- و إلّا فالشرطيّة الثانية واضحة الفساد؛ بأنّ الترك بمجرّد عدم المنع شرعاً لا يوجب صدق الشرطيّة الثانية حينئذٍ، و لا يلزم منه أحد المحذورين، فإنّه و إن لم يبقَ وجوب معه، إلّا أنّه بالعصيان المستتبع للعقاب؛ لتمكّنه من الإطاعة بالإتيان به مع مقدّماته، و قد اختار تركه بترك مقدّماته بسوء اختياره، مع حكم العقل بلزوم الإتيان بالمقدّمات ليتمكّن من ذي المقدّمة؛ إرشاداً إلى‏ ما في‏

____________

(1)- انظر المعتمد 1: 95.

(2)- كفاية الاصول: 157.

98

تركها- الموجب لترك ذي المقدّمة- من العصيان و العقاب‏ (1).

فتلخّص: أنّه لا دليل على الملازمة مطلقاً يعتدّ به.

و أمّا التفصيل بين السبب و غيره‏ (2) فلا كلام فيه يعتمد عليه.

و أمّا التفصيل بين الشرط العقليّ و العاديّ و بين الشرعيّ بثبوت الملازمة في الثاني دون الأوّل، فلأجل أنّ العقل و العادة يقضيان بوجوب الأوّلين، فلا احتياج فيهما إلى‏ الوجوب الشرعيّ، بخلاف الشرط الشرعيّ، فإنّه لو لا وجوبه شرعاً لما كان شرطاً؛ حيث إنّه ليس ممّا لا بدّ منه عقلًا أو عادةً (3).

و فيه أوّلًا: أنّه إن اريد أنّ شرطيّة الثالث تتوقّف على تعلّق الأمر به في مقام الثبوت و نفس الأمر، ففساده واضح فإنّ الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد الواقعيّتين، و لا دخل للأمر فيها، بل تعلّق الأمر بالشرط موقوف على شرطيّته واقعاً، فلو توقّفت شرطيّته على تعلّق الأمر به لزم الدور.

و إن اريد أنّ الاحتياج في الشرط الشرعيّ إلى‏ الأمر، إنّما هو لأجل كشفه عن شرطيّته الواقعيّة، فإن اريد أنّ الكاشف عنها أمر مستقلّ فهو مسلّم، لكنّه خارج عن مسألة المقدّمة؛ لأنّ النزاع إنّما هو في وجوبها الغيري، لا الوجوب المستقلّ.

و إن اريد أنّ الكاشف أمر غيريّ و بعث مسبَّب عن البعث إلى‏ ذي المقدّمة، أو إرادة مترشّحة عن إرادة ذي المقدّمة، فلا يمكن كاشفيّة الأمر الغيريّ عن شرطيّة شي‏ء واقعاً؛ و ذلك لأنّ الملازمة على تقدير ثبوتها فيما إذا علم بمقدّميّة شي‏ء بالوجدان، كنصب السلّم، فيقال: إنّه واجب؛ لأنّه مقدّمة للكون على السطح، و أمّا إذا لم يعلم‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 157- 158.

(2)- انظر المعالم: 57.

(3)- بدائع الأفكار (للمحقق الرشتي): 355 سطر 15.

99

بمقدّميّة شي‏ء فلا، كما إذا لم يعلم بشرطيّة الوضوء للصلاة، فلا يكشف عن شرطيّته الأمرُ الغيري المترشّح عن الأمر بالصلاة، و هو واضح، و إذا فُرض تعلُّق الأمر بالصلاة المتقيِّدة بالوضوء، يصير الوضوء شرطاً عقليّاً، يحكم العقل بلزوم الإتيان به.

المبحث العاشر الملازمة بين حرمة الشي‏ء و حرمة مقدّماته‏

ثمّ لو فرض ثبوت الملازمة بين وجوب ذي المقدّمة و بين وجوب المقدّمة، فهل تثبت بين حرمة الشي‏ء و حرمة مقدّماته، فتحرم مقدّمة الحرام مطلقاً، أو التفصيل- كما اختاره في «الكفاية»- بين المقدّمة التي يترتّب عليها الحرام بدون توسيط إرادة بينهما، كالأفعال التوليديّة مثل الإحراق و نحوه، و بين المقدّمة التي يبقى معها الاختيار للمكلّف في ارتكاب الحرام و عدمه بتوسّط الإرادة بينهما فقط، و الإرادة و إن استلزمت صدور الفعل، لكن لا يتعلّق بها حكم؟

ففي الصورة الاولى: يترشّح من طلب ترك الحرام طلب ترك مقدّمته، دون الصورة الثانية، فلا يترشّح من الزجر عن شي‏ء الزجرُ عن مقدّماته‏ (1).

و فيه: أنّ ما ذكره من حرمة المقدّمة في الصورة الاولى مسلّم، لكن لا أظنّ أن يوجد للشِّقّ الثاني مثال، فإنّ تحريك العضلات و الالتقام و مضغ الطعام و البلغ في أكل الحرام من المقدّمات التي يُتوسّط الإرادة فيها بين الإرادة و الأكل و الشرب، فيمكن أن لا يرتكب الحرام و لو بعد إرادته، فلا يوجد فعل يوجده الشخص بإرادته فقط، إلّا أن‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 159- 160.

100

يكون عارفاً فإنّ العارف يخلق بهمّته.

و قال في «الدرر»: إنّ العناوين المحرّمة على ضربين:

أحدهما: أن يكون العنوان بما هو مبغوضاً من دون تقييد بالاختيار و عدمه من حيث المبغوضيّة، و إن كان له دخل في استحقاق العقاب إذ لا عقاب إلّا على‏ الفعل الصادر باختيار الفاعل.

الثاني: أن يكون الفعل الصادر عن إرادة و اختيار مبغوضاً؛ بحيث لو صدر لا عن اختيار لم يكن مبغوضاً و منافياً لغرض المولى، كالأفعال التوليدية .. إلى‏ أن قال:

ففي القسم الأوّل: إن كانت العلّة مركّبة من امور يتّصف المجموع منها بالحرمة، تكون إحدى‏ المقدّمات- لا بشخصها- محرّمة، إلّا إذا أوجد باقي المقدّمات، و انحصر اختيار المكلّف في واحد معيّن، يجب تركه معيّناً من باب تعيّن أحد أفراد الواجب التخييريّ بالعَرض، فإنّ ترك أحد الأجزاء واجب على سبيل التخيير، فإذا وجد الباقي، و انحصر اختيار المكلّف في واحدة منها معيّنة، يجب تركها.

و أمّا الثاني:- أعني ما إذا كان الفعل المقيّد بالإرادة محرّماً، فلا تتّصف الأجزاء الخارجيّة بالحرمة؛ لأنّ العلّة التامّة للحرام هي المجموع المركّب منها و من الإرادة، و لا يصحّ إسناد الترك إلّا إلى عدم الإرادة؛ لأنّه أسبق مرتبةً من سائر المقدّمات- فقد عُلم ممّا ذكرنا أنّ القول بعدم اتّصاف المقدّمات الخارجيّة للحرام بالحرمة مطلقاً؛ لسبق رتبة الصارف و عدم استناد الترك إلّا إليه، ممّا لا وجه له، بل ينبغي التفصيل‏ (1). انتهى.

أقول: و يرد على ما ذكره في القسم الأوّل: أنّه بعد الإتيان بالأخيرة من المقدّمات، أيضاً يتمكّن المكلّف من ترك الحرام بإرادة عدمه و تركه كالشرب مثلًا، و الإرادة- أيضاً- لا تتّصف بالوجوب و الحرمة- بناءً على أنّها غير اختياريّة على ما

____________

(1)- انظر درر الفوائد: 130- 132.