تنقيح الأصول‏ - ج2

- الشيخ حسين التقوي الاشتهاردي المزيد...
457 /
101

ذهب إليه بعضهم- فلا تتّصف واحدة من المقدّمات بالحرمة.

و يرد على ما ذكره في القسم الثاني: أنّ الإرادة في الفرض جزء المبغوض؛ لأنّه (قدس سره) فرض أنّ الفعل وحده فيه ليس مبغوضاً، بل هو مع الإرادة، فحرمتها ليست لأجل أنّها مقدّمة، بل لأنّها نفس المحرّم.

و لو سلّم ذلك- بتوجيه أنّ التقيّد داخل و القيد خارج- يرد عليه ما أوردناه على ما في «الكفاية»: من أنّه يتوسّط بين الإرادة و الفعل مقدّمات اخر، كالأخذ باليد و تحريك عضلات الحلق في الشرب، و لا بدّ في كلٍّ منها من إرادة مستقلّة، فيتمكّن المكلّف من ترك الفعل مع وجود أصل إرادته أيضاً.

و التحقيق في المقام: يستدعي تقديم مقدّمة، و هي: أنّ الحرمة هل هي عبارة عن المبغوضية، أو أنّها عبارة عن طلب الترك، أو أنّها عبارة عن المنتزع عن الزجر عن الشي‏ء؟ و الحق هو الأخير في قبال الوجوب المنتزع عن الأمر بشي‏ء و الإغراء نحوه، فكما أنّ الأمر عبارة عن إغراء المكلّف نحو الفعل، كذلك النهي عبارة عن زجره عن الفعل، كإغراء الكلب نحو الصيد، أو زجره عنه بالألفاظ المخصوصة، و ليست الحرمة عبارة عن البغض بالنسبة إلى‏ الفعل، فإنّ البغض كالحبّ متقدّم على الزجر و البعث بمرتبتين؛ تعلُّقهما بالشي‏ء أوّلًا، ثمّ إرادته أو كراهته، ثمّ يقع الزجر أو البعث، و حينئذٍ فالحرمة ليست عين البغض، كما أنّ الحبّ ليس عين الوجوب؛ لعدم إمكانه، فما يظهر من المحقّق العراقي (قدس سره) من أنّ الحرمة عبارة عن البغض‏ (1)، غير صحيح.

إذا عرفت ذلك نقول: بناءً على ثبوت الملازمة بين وجوب ذي المقدّمة و بين وجوب المقدّمة، هل هي متحقّقة بين حرمة الشي‏ء و بين مقدّماته مطلقاً، أو لا مطلقاً، أو التفصيل بين مقدّماتها: بحرمة بعضها المعيّنة، أو الغير المعيّنة؟ وجوهٌ.

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات العراقي) 1: 403.

102

و الحقّ: هو عدم حرمتها مطلقاً؛ و إن قلنا بالملازمة بين مقدّمة الواجب و بين ذيها؛ و ذلك لأنّ وجوب المقدّمة على تقديره إنّما هو لأجل توقّف ذي المقدّمة عليها، فلو توقّف على كلّ واحدة منها وجبت كذلك؛ بحيث لو لم يأتِ بواحدة منها لم يتمكّن من فعل ذي المقدّمة، فيمكن اتّصاف جميعها بالوجوب، بخلاف مقدّمات الحرام، فإنّه لا يتوقّف ترك الحرام على ترك مقدّماته كلّاً أو بعضاً؛ بحيث لو فرض أنّ المكلّف أتى‏ بجميع مقدّماته، فهو مع ذلك مختار في فعل الحرام و تركه بالإرادة و تحريك عضلات الحلق- مثلًا- في شرب المحرّم و ازدراده و عدمها، كما لا يخفى، فلا دخل لإيجاد المقدّمات في اختيار الفعل و عدمه، بخلاف مقدّمة الواجب، فإنّها من حيث توقّف ذو المقدّمة على كلّ واحدة منها، أمكن اتّصاف كلّ واحدة منها بالوجوب، و هو واضح.

103

الفصل الثالث عشر في اقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضدّه‏

الأمر بالشي‏ء هل يقتضي النهي عن ضدّه أو لا؟ و قبل الخوض في البحث لا بدّ من تقديم أمرين:

الأمر الأوّل: أنّهم جعلوا هذه المسألة من المسائل الاصوليّة العقليّة منها لا اللفظيّة (1)؛ لأنّ المناط في المسألة الاصولية هو أن تقع نتيجتها كبرى‏ القياس في استنباط الحكم الشرعيّ الفرعيّ، و هي كذلك، فإنّه لو فرض أنّ الضدّ من العبادات، فبناءً على إثبات الاقتضاء تصير العبادة منهيّاً عنها و محرّمة فتفسد، دون ما إذا لم نقل بالاقتضاء.

لكن قد عرفت: أنّه لا فرق بين كثير من المسائل الاصوليّة و بين البحث عن «الصعيد»- مثلًا- في أنّه موضوع لأيّ شي‏ءٍ، في دخله و وقوعه في طريق الاستنباط، و إنّما ذكروا هذه المسألة و كثيراً من المباحث اللغوية- كالبحث عن دلالة الأمر على الوجوب، و بحث المرّة و التكرار، و نحوهما- في الاصول و تعرّضوا لها فيه؛ لكثرة

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 301، نهاية الأفكار 1: 359.

104

دورانها في جميع أبواب الفقه، و الاحتياج إليها فيه، و إلّا فهي من المباحث اللغوية، يبحث فيها عمّا هو مدلول اللفظ لغةً و عرفاً لا غير، و إلّا فليست هي من المسائل الاصوليّة.

الأمر الثاني: أنّهم ذكروا: أنَّ المُراد بالاقتضاء في عنوان المسألة ليس هو معناه اللُّغويّ؛ لأنّه لا تأثير و تأثّر في المقام، بل المراد به ما هو الأعمّ من العينيّة و الجزئيّة و اللزوم اللفظي؛ من جهة التلازم بين طلب أحد الضدّين و طلب ترك الآخر، أو من جهة المقدّميّة (1)؛ ليشمل جميع الوجوه و الأقوال المذكورة في المسألة.

و فيه ما لا يخفى:

أمّا أوّلًا: فلأنّ ذلك يُنافي عدّهم هذه المسألة من المسائل الاصوليّة العقليّة، فإنّ دلالة المطابقة- كما هو مُقتضى دعوى العينيّة، و كذلك التضمّن و الالتزام بناءً على مذهبهم- من الدلالات اللفظيّة، فكيف يمكن التوفيق بين عدّ هذه المسألة من المسائل العقليّة و بين تفسير الاقتضاء بهذا المعنى الأعمّ من الدلالات الثلاث؟!

و أمّا ثانياً: فإطلاق لفظ الاقتضاء بالمعنى‏ المذكور في عنوان المسألة غلط، و ليس مجازاً؛ لأنّه يعتبر في المجاز و استعمال اللفظ في غير ما وضع له من المناسبة و العلاقة بينه و بين المعنى الموضوع له، و هي فيه منتفية، مضافاً إلى‏ أنّه لا جامع بين المعاني المذكورة يُستعمل لفظ الاقتضاء فيه، فالأولى إسقاط لفظ الاقتضاء في العنوان؛ لعدم الاحتياج إليه، بل هو مُخلٌّ بالمقصود، و يقال في عنوان البحث: الأمر بالشي‏ء هل يستلزم النهي عن ضدّه أو لا؟ كما سيظهر.

و الاستلزام- أيضاً- إمّا من جهة المقدّميّة، كما هو العمدة في المقام، فإنّ الحقّ أنّ هذه المسألة من شُعب مسألة مقدّمة الواجب، و إمّا لأجل التلازم بين إرادة طلب الشي‏ء و بين إرادة طلب تركه، أو بين البعث إلى‏ الشي‏ء و بين الزجر عن ضدّه.

____________

(1)- انظر كفاية الاصول: 160، و فوائد الاصول 1: 301.

105

إذا عرفت ذلك نقول: هل الأمر بالشي‏ء يستلزم النهي عن ضدّه مطلقاً، أو لا يستلزم النهي عن ضدّه مطلقاً، أو التفصيل بين الضدّ العامّ و بين الضدّ الخاصّ؛ بالاستلزام في الأوّل دون الثاني؟

فهنا مقامان من البحث:

المقام الأوّل: في الضدّ الخاصّ‏

: و لا بدّ لمدّعي‏ (1) الاستلزام فيه من إثبات مقدّمات:

الاولى: أنّ ترك أحد الضدّين مقدّمة لفعل الضدّ الآخر.

الثانية: أنّ مقدّمة الواجب واجبة؛ ليكون ترك أحد الضدّين واجباً.

الثالثة: أنّ الأمر بالشي‏ء يستلزم النهي عن ضدّه العامّ؛ ليصير فعل الضدّ- الذي هو ضدّ و نقيض للمأمور به- منهيّاً عنه، و المراد بالضدّ هنا النقيض.

أمّا المقدّمة الاولى فتوضيح الكلام فيها: هو أنّ الشقوق و الاحتمالات المتصوّرة فيها أربعة:

أحدها: أن يقال: إنّ كلّ واحد من عدم أحد الضدّين و وجوده مقدّمة لوجود الآخر و عدمه؛ بمعنى‏ أنّ ترك الصلاة مقدّمة للإزالة- مثلًا- و الإزالة- أيضاً- مقدّمة لترك الصلاة.

و ثانيها: أن يقال: ليس واحد منهما مقدّمة للآخر.

و ثالثها: أن يقال: عدم أحدهما مقدّمة لوجود الآخر دون العكس.

و رابعها: عكس ذلك.

و يظهر من المحقّق صاحب «الكفاية»: أنّه مضافاً إلى أنَّه ليس عدم الضدّ مقدّمة للآخر، أنَّهما مُتقارنان في الوجود و في مرتبة واحدة- مثلًا- فإنّ بين عدم أحد

____________

(1)- كفاية الاصول: قرّره صاحب الكفاية: 161، مبادئ الوصول إلى‏ علم الاصول: 107.

106

الضدّين و وجود الآخر كمال الملاءمة، من دون أن يكون في البين ما يقتضي تقديم أحدهما على الآخر (1).

أقول: من الواضح أنّ ذلك بمجرّده لا يثبت أنّهما في مرتبة واحدة، فإنّ بين العلّة و المعلول كمال المُلاءمة، مع أنّها متقدّمة على المعلول بحسب الرتبة، فلا بدّ من توجيه كلامه (قدس سره) بأنّ عنوان التقدّم و التقارن و التأخّر، كلّ واحد مع الآخر من الأضداد التي لا رابع لها؛ كي يثبت المقارنة بنفي التقدّم و التأخّر بينهما. فنقول:

قد يُقال في إثبات أنّ أحد الضدّين في مرتبة الضدّ الآخر: إنّ المصداق على قسمين: ذاتيّ حقيقيّ، و عرضيّ مجازيّ، و الأوّل مثل مصداقيّة البياض للأبيض، و زيد للإنسان، و الثاني مثل مصداقيّة الجسم الأبيض للأبيض، و مصداقيّة زيد للضاحك، و حينئذٍ فالسواد الخاصّ- مثلًا- مصداق حقيقي للسواد و ذاتيّ له، و هو- أيضاً- مصداق عرضيّ لمفهوم عدم البياض، فإذا كان شي‏ء مصداقاً لمفهومين- و إن كان أحدهما مصداقاً حقيقيّاً، و الآخر عرضيّاً- فهذان المفهومان في رتبة واحدة؛ لا تقدّم و تأخّر لأحدهما على الآخر، هذا غاية ما يُمكن أن يقال في المقام.

و لكنّه فاسد؛ و ذلك لأنّ وجود أحد الضدّين ليس مصداقاً عرضيّاً لعدم الآخر، و لو فرض إطلاق عدم البياض على السواد فهو مسامحة في الاستعمال؛ و ذلك لأنّه يعتبر في مصداقيّة شي‏ء لمفهوم- و إن كانت عرضيّة- وجودُ خصوصيّة و حيثيّة في المصداق كامنة في المفهوم المنطبق عليه، و إلّا لزم مصداقيّة كلّ شي‏ء لكلّ مفهوم، و لا يعقل أن يكون السواد الخاصّ واجداً لحيثيّة كامنة في مفهوم عدم البياض، فإنّ الوجود نقيض العدم، فكيف يمكن أن يكون العدم واجداً لخصوصيّة موجودة فيه؟! فلا يصحّ أن يقال: السواد هو عدم البياض بنحو الموجبة المعدولة، نعم يصحّ سلب البياض عن السواد بنحو السالبة المحصّلة، فإنّه سلب للحمل و المصداقيّة.

____________

(1)- كفاية الاصول: 161.

107

و ما يقال: إنّ لعدم الملكة و العدم المضاف حظّاً من الوجود (1)، غلطٌ فاحش؛ فإنّ الوجود إنّما هو للملكة، فإنّها عبارة عن الاستعداد، فلها نحوٌ من الوجود، و أمّا العدم فلا حظَّ له في الوجود أصلًا، و كذا العدم المضاف.

و من هنا يظهر فساد ما يقال: إنّ عدم العلّة علّة للعدم‏ (2)، فإنّه يستلزم إثبات نحو وجود و تقرّر للعدم، و إلّا فلا تأثير و تأثّر للعدم.

و الحاصل: أنّ أحد الضدّين ليس مصداقاً لعدم الضدّ الآخر و لو عرضيّاً، و لا يكفي الإطلاق المسامحي، فإنّه يصدق أنّ عدم المعلول هو عدم علّته بهذا الإطلاق المسامحي، مع عدم تقارنهما و اختلاف مرتبتهما.

و قال في «الكفاية»: فكما أنّ قضيّة المنافاة بين المتناقضين لا تقتضي تقدّم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر، كذلك في المتضادّين‏ (3)، انتهى.

و لكن لم يعلم أنّه (قدس سره) في هذه العبارة في مقام إثبات أنّ النقيضين في رتبة واحدة أو الضدّين، لكن قال بعض المحشّين من تلامذته ما يظهر منه: أنّ النقيضين في رتبة واحدة؛ حيث إنّه مهّد لذلك مقدّمات:

إحداها: كما أنّه لا بدّ في المتناقضين من اتّحاد زمانهما لو كانا من الزمانيّات، كذلك لا بدّ من اتّحاد الرتبة فيهما؛ و ذلك لأنّه لو فرض وجود «زيد» في قطعة من الزمان، فنقيضه هو عدمه في هذه القطعة لا قبلها و لا بعدها؛ لاجتماعهما؛ أي وجوده في هذه القطعة و عدمه قبلها أو بعدها، و إلّا لزم ارتفاع النقيضين، فإنّ عدمه متحقّق في الزمان القبليّ، و إلّا فالمفروض أنّ ظرف وجوده ليس هو الزمان القبليّ، فلو لم يكن عدمه- أيضاً- في ذلك الزمان لزم ما ذكرنا من ارتفاع النقيضين، و كذلك إذا كان‏

____________

(1)- الأسفار الأربعة 1: 344.

(2)- ارشاد الطالبين: 164، و انظر الأسفار 1: 351.

(3)- كفاية الاصول: 161.

108

لشي‏ء مرتبة معيّنة كالمعلول، فإنّه في رتبة متأخّرة عن العلّة، فنقيضه هو عدمه في تلك المرتبة، لا عدمه في مرتبة علّته؛ لاجتماعهما، و ذلك لأنّ المفروض أنّه ليس في مرتبة متقدّمة، و هي مرتبة العلّة، فعدمه متحقّق في تلك المرتبة المتقدّمة، و إلّا لزم ارتفاع النقيضين.

فثبت من جميع ذلك: أنّ الشي‏ء مع نقيضه في مرتبة واحدة.

الثانية: الضدّان- أيضاً- في مرتبة واحدة، كما أنّ زمانيهما واحد؛ و ذلك لأنّ السواد العارض على موضوع في زمان، لا يعاند البياض العارض على ذلك الموضوع في زمان آخر قبله أو بعده؛ لاجتماعهما، فالسواد إنّما يعاند البياض إذا فرض تواردهما على موضوع واحد في زمان واحد، فكذلك إن كان للشي‏ء مرتبة معيّنة من المراتب فضدّه هو ما يعانده في تلك المرتبة.

الثالثة: هي نتيجة الأوّلتين، و هي أنّه قد ثبت أنّ الضدّين كالسواد و البياض في مرتبة واحدة، و ثبت أنّ النقيضين- أيضاً- في مرتبة واحدة كالسواد و اللاسواد، فالأسود و الأبيض و السواد و البياض في مرتبة واحدة بحكم قياس المساواة، فثبت أنّ أحد الضدّين كالسواد في مرتبة نقيض الآخر، و هو عدم البياض، و بالعكس؛ لأنّ السواد مساوٍ في الرتبة مع البياض، و البياض مساوٍ فيها مع عدم البياض، فالسواد مساوٍ فيها مع عدم البياض؛ لأنّ مساوي المساوي لشي‏ء مساوٍ لذلك الشي‏ء (1). انتهى ملخّصه.

أقول: في هذه المقدّمات مغالطة وقع فيها:

أمّا الاولى فبيانها أنّه (قدس سره) توهّم: أنّ نقيض الموجود الزماني- كزيد الموجود في زمان معيّن- هو عدمه في ذلك الزمان؛ بتقييد العدم بالزمان بنحو السالبة البسيطة المحصّلة، و العدم غير قابل لأنْ يقيَّد بقيد، فإنّه فرع تحقُّقه، و العدم لا تحقّق له، بل‏

____________

(1)- حاشية الشيخ علي القوچاني على الكفاية: 112- 115.

109

نقيض الموجود المقيّد بالزمان هو عدم ذلك المقيّد؛ أي عدم زيد الموجود في ذلك الزمان، فقيد الزمان إنّما هو لوجود زيد المضاف إليه للعدم، و كذا نقيض الموجود في مرتبة هو عدم ذلك الموجود في تلك المرتبة، فقيد الزمان للوجود فيهما لا للعدم، فإنّه غير قابلٍ للتقييد بالزمان أو بالرتبة، فإنّ التقييد فرع تحقُّق المقيّد، و لا تحقّق للعدم كما عرفت.

و أمّا المغالطة في المقدّمة الثانية: هو أنّه (قدس سره) قاس المرتبة بالزمان، فإنّ المحال هو اجتماع الضدّين في الخارج، فلا بدّ في تحقُّق التضادّ بين الشيئين من فرضهما في زمان واحد، فالسواد العارض على موضوع في الخارج لا يُعاند البياض العارض عليه في غير ذلك الزمان، بخلاف المرتبة التي هي في الذهن، فإنّه لا مانع من اجتماع أمرين في الذهن معاً مع اختلافهما في الرتبة.

و أمّا المقدّمة الثالثة: فلم يقم عليها برهان، فإنّ قاعدة قياس المساواة ليس قاعدة كلّيّة؛ أ لا ترى‏ أنّه يصحّ أن يقال: الواحد نصف الاثنين، و الاثنان نصف الأربعة، و لا يصحّ أن يقال: الواحد نصف الأربعة، و إنّما تصحّ في المقادير، كالخطّ و نحوه كما لو قيل: «أ» مساوٍ ل «ب»، و «ب» مساوٍ ل «ج»؛ لأنّ مساوي المساوي مساوٍ، و لا يقال: «أ» مباين ل «ب»، و «ب» مباين ل «ج»، ف «أ» مباين ل «ج»؛ لأنّ مباين المباين لشي‏ء ليس مُبايناً لذلك الشي‏ء؛ أ لا ترى‏ أنّ المعلولَينِ لعلّة واحدة في مرتبةٍ واحدةٍ، و المعلول لأحدهما متأخّر عنه، و ليس متأخّراً عن الآخر؛ لعدم وجود ملاك التأخّر بالعلّيّة و المعلوليّة، أو التقدّم التقوّمي كتقدّم أجزاء المركّب عليه، أو التقدُّم الخارجي لانتفاء جميعها، فالبرهان قائمٌ على خلاف تلك القاعدة فيما نحن فيه.

فهذه المقدّمات كلّها باطلة، مع كفاية بطلان إحداها في بطلان دعوى كون أحد الضدّين في مرتبة عدم الآخر، بل البرهان على خلافه؛ فإنّه لو قيل: إنّ عدم البياض في مرتبة السواد، فقد أثبت هذا القائل للأمر العدمي شيئاً وجوديّاً، و هو أنّه في مرتبة

110

واحدة مع غيره، و إثبات شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوت المثبت له، و الأمر العدمي لا تحقّق له، فلا يمكن إثبات وصف ثبوتيّ له.

و أمّا إشكال الدور فقال في «الكفاية» ما حاصله: أنّه لو توقّف وجود أحد الضدّين على عدم الآخر- توقُّف الشي‏ء على عدم مانعه-، اقتضى ذلك توقُّف عدمِ الضدّ على وجود الشي‏ء توقُّف عدمِ الشي‏ء على مانعه، و هو دور محال.

إن قلت: توقّف العدم على وجود الضدّ شأنيّ لا فعليّ؛ فإنّه إنّما يتوقّف لو كان المقتضي مع جميع الشرائط موجوداً سوى عدم مانعه، فإنّه- حينئذٍ- يتوقّف عدم الضدّ على وجود الضدّ الآخر، و إلّا فيمكن استناد العدم إلى‏ عدم المقتضي و عدم تعلّق الإرادة الأزليّة به أبداً، و حينئذٍ فلا يلزم محال.

لا يقال: هذا إنّما يصحّ فيما إذا لوحظا مُنتهيين إلى‏ إرادة شخص واحد، و أمّا إذا لم يكن كذلك؛ بأن أراد شخص حركة شي‏ء، و أراد الآخر سكونه، فالمقتضي لكلّ واحدٍ منهما موجود، فالعدم- لا محالة- مستند فعلًا إلى‏ وجود الآخر المانع.

لأنّا نقول: العدم هاهنا- أيضاً- مستند إلى‏ عدم قدرة المغلوب في إرادته، و هي جزء المُقتضي، و ممّا لا بدّ منه في وجود المراد، فالعدم فيه مستند إلى‏ عدم المقتضي و القدرة، لا إلى‏ وجود الضدّ لمسبوقيّته بعدم القدرة.

قلت: هذا و إن يرفع غائلة الدور، لكن لا يرفع غائلة توقّف الشي‏ء على ما يصلح أن يتوقّف عليه، و المنعُ من صلوح العدم لأنْ يتوقّف الوجود عليه- بدعوى‏ أنّ استنادَ العدم إلى‏ وجود الضدّ مع وجود المقتضي للضدّ صحيحٌ؛ أي لو كان المقتضي للوجود موجوداً فالعدم مستند إلى‏ وجود الضدّ، فإنّ هذه القضيّة صادقة، لكن صدق الشرطيّة لا يقتضي صدق طرفيها- مساوقٌ لمنع مانعيّة الضدّ، و هو يوجب رفع التوقّف رأساً.

ثمّ قال: إن قلت: التمانع بين الضدّين كالنار على المنار و الشمس في رائعة

111

النهار، و كذا كون عدم المانع ممّا يتوقّف عليه وجود الشي‏ء ممّا لا يقبل الإنكار، فليس ما ذكر إلّا شبهة في مقابلة البديهة.

قلت: التمانع بمعنى‏ استحالة اجتماعهما ممّا لا ريب فيه، إلّا أنّه لا يقتضي مقدّمية عدم أحدهما للآخر، و المانع الذي يكون موقوفاً على عدمه الوجود هو ما ينافي و يزحم المقتضي في تأثيره، لا ما يعاند الشي‏ء و يزاحمه في وجوده. نعم العلّة التامّة لأحد الضدّين ربّما تكون مانعةً عن الآخر و مزاحمة لمقتضيه في تأثيره، مثلًا: شدّة الشفقة على الولد الغريق و كثرة المحبّة له تمنعان من أن تؤثر محبّة الأخ الغريق و الشفقة عليه في إرادة إنقاذه مع المزاحمة، فينقذ الولد دونه‏ (1). انتهى ملخّصاً.

أقول: لا بدّ من ملاحظة أنّه هل يصدق القول بأنّ العدم موقوف؛ أي هذه القضيّة الموجبة، أو يقال: العدم موقوف عليه، أو أنّ العدم يؤثّر، أو متأثّر، أو غير ذلك من القضايا الموجبة التي جعل فيها العدم موضوعاً لها؟

لا إشكال في عدم صحّة هذه القضايا، فإنّه لا بدّ في القضايا الموجبة من وجود الموضوع؛ لأنّ ثبوت شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوت المثبت له، و ليس للعدم ثبوت و تحقّق كي يحكم عليه بنحو الإيجاب التحصيلي أو العدولي، ففي الموارد التي ظاهرها إثبات شي‏ء ثبوتيّ للعدم أو عدميّ بنحو الموجبة المعدولة المحمول، لا بدّ و أن يرجع إلى‏ السلب المحصّل بانتفاء الموضوع، كما في قولنا: «شريك الباري ممتنع» فإنّه معناه أنّه ليس بموجود البتّة و السالبة تصدق بانتفاء الموضوع أيضاً، و إلّا فالقضيّة كاذبة. و هذا في غاية الوضوح.

و ممّا ذكرنا يظهر: أنّ ما ذكره في «الكفاية»- من أنّ العدم الموقوف عليه هو العدم المزاحم للمقتضي في تأثيره، لا ما يعاند الشي‏ء و يزاحمه‏ (2)- غير صحيح، فإنّ‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 161- 164.

(2)- كفاية الاصول: 163.

112

العدم- كما عرفت- غير قابلٍ لأنْ يتوقّف عليه الشي‏ء أبداً فلا يمكن شرطيّة العدم لشي‏ء أو تأثيره في شي‏ء و ما يتراءى من قولهم:- إنّ عدم العلّة علّة العدم‏ (1) أو أنّ عدم المانع شرط- فهو مسامحة في مقام تعليم المتعلّم المبتدئ و تقريب المعنى إلى‏ ذهنه، و إلّا فالعدم ليس بشرط، بل الوجود مانع، كما أنّ شدّة فرط المحبّة للولد الغريق مانعة عن تأثير المحبّة بالنسبة إلى‏ الأخ الغريق في إنقاذه.

و لا فرق فيما ذكرناه بين العدم المطلق و عدم الملكة و العدم المضاف، فإنّه ليس للعدم حظٌّ من الوجود أصلًا، نعم للملكة نحو من الوجود؛ لما عرفت من أنّها عبارة عن الاستعداد و القابليّة.

و ممّا ذكرنا يظهر ما في كلام بعض المحقّقين من المحشّين (قدس سره) حيث إنّه ذكر بعد بيان أقسام السبق و التقدّم: و أنَّ السبق قد يكون بالتجوهر، كتقدّم أجزاء العلّة المركّبة و الماهيّة على أنفسهما، و قد يكون بالرتبة، كتقدّم العلّة على معلولها و غير ذلك:

من أن العدم لا يمكن توقّفه على الوجود؛ لاستحالة تأثير الموجود في العدم، فإنّه ليس بشي‏ء، لكن يمكن أن يتوقّف الموجود عليه، فإنَّ العدم قد يكون مُصحِّحاً لفاعليّة الفاعل أو القابليّة القابل، فإنّ عدم الرطوبة مُصحِّحة لقابليّة المحلّ للتأثير في إحراق النار، فيمكن توقّف بياض المحلّ على عدم السواد، فإنّه مُصحِّح لقابليّة المحلّ للابيضاض‏ (2). انتهى مُحصّله.

بيان الإشكال: ما عرفت من أنّ العدم عبارة عن اللاشي‏ء، فلا يمكن أن يتوقّف عليه الوجود، و هو (قدس سره) معترف بأنّه ليس بشي‏ء و لا تأثير و تأثّر له، فكيف يقول بأنّه يمكن أن يتوقّف الوجود عليه؟! و لا فرق في ذلك بين توقّفه على الوجود و توقّف الموجود عليه، و المصحّح لقابليّة المحلّ للإحراق بالنار ليس هو عدم الرطوبة،

____________

(1)- انظر كشف المراد: 23، إرشاد الطالبين: 164.

(2)- نهاية الدِّراية 1: 220.

113

بل الرطوبة مانعة عن تأثير النار.

فظهر: أنّ المقدّمة الاولى غير تامّة.

و أمّا المقدّمة الثانية من المقدّمات: و هي أنّ مقدّمة الواجب واجبة، فقد عرفت ما فيها مفصّلًا في مسألة وجوب المقدّمة.

و أمّا المقدّمة الثالثة: و هي أنّ الأمر بالشي‏ء مستلزم للنهي عن ضدّه العامّ،

[المقام الثاني فى الضد العام‏]

و هذا هو المقام الثاني. و المراد بالضدّ العامّ هو نقيضه؛ ليترتّب عليه وقوع الصلاة في مثال الإزالة منهيّاً عنها؛ لأنّها نقيض و ضدّ عامّ لترك الصلاة الواجب مقدّمةً، فنقول:

إن أراد أنّ الأمر بالشي‏ء عين النهي عن ضدّه العامّ؛ أي أنّ البعث إلى‏ ترك الصلاة عين الزجر عن فعلها، ففيه: أنّ الأمر لا يدلّ على الزجر لا بهيئته و لا بمادّته، فإنّ هيئة الأمر موضوعة للبعث، و المادّة موضوعة للطبيعة، و شي‏ء منهما لا يدلّ على النهي عن الضدّ، و ليس للمجموع منها- أيضاً- وضعٌ على حِدة، و أيضاً لا يعقل أن يكون الأمر عين النهي.

و إن أراد أنّ الأمر بالشي‏ء يدلّ بالتضمّن على النهي عن ضدّه، فهو- أيضاً- غير معقول؛ لأنّه لا يعقل القول بأنّ الهيئة موضوعة للأمر بشي‏ء و النهي عن ضدّه؛ أي مجموعهما.

و أمّا ما ذكروه لبيان ذلك- من أنّ الأمر موضوع لطلب الفعل مع المنع عن الترك- ففساده أوضح من أن يخفى.

و أمّا دلالته عليه بالالتزام فقال بعض الأعاظم (قدس سره) في تقريبه: إنّه ينسبق إلى‏ أذهاننا من الأمر بشي‏ء النهي عن ضدّه العامّ، فيدلّ بالالتزام على ذلك‏ (1).

و فيه: أنّ مجرّد تصوّر ذلك و انسباقه إلى‏ الذهن لا يدلّ على أنّ الآمر أراد ذلك أيضاً، و مجرّد التصوّر غير كافٍ في ذلك، بل لا بدّ من التصديق بأنّ المولى أراد بأمره‏

____________

(1)- انظر أجود التقريرات 1: 252.

114

النهي عن ضدّه أيضاً.

فتلخّص: أنّ الأمر بالشي‏ء لا يدلّ بواحدة من الدلالات الثلاث على النهي عن ضدّه العامّ.

و أمّا القول بالمُلازمة بين إرادة الأمر بشي‏ء و إرادة النهي عن ضدّه، فهو- أيضاً- فاسدٌ؛ لابتنائه على ما ذكروه: من أنّ الإرادة غير اختياريّة لا تحتاج إلى‏ مبادئها، فإنّ دعوى الملازمة على هذا المبنى ممكنة، و أمّا بناءً على ما هو التحقيق من أنّها مسبوقة بالمبادئ- أي التصوّر و التصديق بالفائدة و غيرهما و لو ارتكازاً- فلا يستقيم دعواها، فإنّه لا فائدة في النهي عن الضدّ بعد الأمر بضدّه، فإنّه كافٍ في تحقّق الطلب الأكيد، و أنّه لا يرضى بتركه.

فتلخّص: أنّ المقدّمات الثلاث المذكورة بأسرها فاسدة، فلا يصحّ القول بأنّ الأمر بالشي‏ء مُستلزم للنهي عن ضدّه الخاصّ من جهة المقدّمية.

و أمّا استلزامه للنهي عن ضدّه الخاصّ من جهة الملازمة بينهما في الخارج،

فتوضيحه يحتاج إلى‏ رسم مقدّمات:

إحداها: أنّ الضدّ مع نقيض ضدّه الآخر متلازمان، كالسواد مع عدم البياض، فإنّ السواد إمّا أن يصدق عليه البياض أو اللابياض، و إلّا فإن لم يصدق كلّ واحد منهما عليه يلزم ارتفاع النقيضين، فلا بدّ أن يصدق عليه أحدهما، و لا يصدق عليه البياض؛ للزوم اجتماع الضدّين، فلا بدّ أن يصدق عليه اللابياض، و هو المطلوب من ثبوت الملازمة بين أحد الضدّين و نقيض الضدّ الآخر، كما هو مقتضى مصداقيّة شي‏ء لعنوانين.

و ثانيتها: أنّ المتلازمين محكومان بحكم واحد، و إلّا فلو وجب أحد المتلازمين، و حُرم الآخر، لزم المحال، و كذلك لو جاز تركه بالجواز بالمعنى‏ الأعمّ فإنّه- أيضاً- كذلك فلا بدّ أن يكون محكوماً بحكم الآخر- أي الوجوب في المثال- و لا

115

يجوز خلوّه عن الحكم أصلًا، فإنّه يمتنع خلوّ الواقعة عن الحكم، فإذا فُرض وجوب الإزالة لزم وجوب ترك الصلاة، الذي هو نقيض ضدّها الملازم لها وجوداً.

الثالثة من المقدّمات: أنّ الأمر بالشي‏ء يستلزم النهي عن ضدّه العامّ، و ليس المراد من الضدّ العامّ الترك، كما يظهر من بعض‏ (1)، بل المراد منه نقيض المأمور به، و هو فعل الصلاة.

فنقول: مع التلازم بين ترك الصلاة و الإزالة، كما هو مقتضى ما ذكر في المقدّمة الاولى، و أنّ ترك الصلاة واجب عند الأمر بالإزالة، كما هو مقتضى المقدّمة الثانية، و أنّ فعل الصلاة محرّم بمقتضى‏ المقدّمة الثالثة، يتمّ المطلوب من استلزام الأمر بالشي‏ء النهي عن ضدّه الخاصّ؛ لكن هذا القول و الاستدلال مبنيّ على تماميّة المقدّمات الثلاث، و لكنّها بأسرها مخدوشة:

أمّا الاولى: فلوقوع مُغالطة فيها، و هي توهّم صدق نقيض البياض- أي اللّابياض- على السواد بنحو الموجبة المعدولة المحمول.

و الصحيح أن يقال: لا بدّ أن يصدق عليه البياض أو لا يصدق عليه البياض، لا أنّه يصدق عليه اللّابياض بنحو المعدولة الموجبة، و ليس نقيض صدق البياض على السواد هو صدق اللابياض على السواد بنحو المعدولة لإمكان ارتفاعهما، بل عدم صدق البياض عليه بنحو السلب المحصّل.

و أمّا المقدّمة الثانية ففيها: أنّ العدم و العدميّ ليسا من الوقائع حتّى يقال لا بدّ أن يكون محكوماً بحكمٍ من الأحكام، فإنّ الأحكام إنّما هي للوقائع و أفعال المكلّفين، و العدم ليس من أفعالهم. و أمّا ما يُتراءى من حكمهم على العدم- مثل وجوب تروك الإحرام- فهو مسامحة في التعبير، و إلّا فالفعل محرّم، لا أنّ الترك واجب.

و أمّا ثانياً: فلأنّا لا نسلّم امتناع خلوّ الواقعة عن حكم؛ فإنّ الممتنع خلوّها

____________

(1)- نهاية الأفكار 1: 360.

116

عن الحكم واقعاً لا الحكم الفعليّ، فإنّه لا يمتنع خلوّها عن الحكم الفعليّ.

و ثالثاً: إن اريد بالإباحة الإباحة الاقتضائيّة؛ لوجود مصلحة مقتضية لها في صيرورة الفعل مباحاً: فإنّ الفعل إمّا فيه مصلحة مقتضية لفعله بنحو اللزوم فهو الواجب، أو مقتضية للترك كذلك فهو المحرّم، أو للفعل لا بنحو اللزوم فهو المستحبّ، أو مقتضية للترك كذلك فهو المكروه.

و إمّا أن لا يوجد فيه اقتضاء للفعل و الترك: فإمّا أن توجد مصلحة خارجة عنه مقتضية للإباحة فهي الإباحة الاقتضائيّة، و إلّا فهي الإباحة اللااقتضائيّة، و حينئذٍ فإن اريد من تنافي وجوب أحد المُتلازمين مع إباحة الملازم الآخر الإباحةُ الاقتضائيّة فهو مُسلّم، لكن يمكن أن يحكم بالإباحة اللااقتضائيّة، فإنّه لا تنافي بين وجوب أحد المُتلازمين و إباحة المُلازم الآخر بهذا المعنى.

و أمّا المقدّمة الثالثة: فقد تقدّم الكلام فيها و في عدم تماميّتها، و حينئذٍ فلا يتمّ القول باستلزام الأمر بالشي‏ء النهيَ عن ضدّه الخاصّ بنحو الاستلزام أيضاً.

حول التفصيلات بين ضدّين لا ثالث لهما و غيرهما

و أمّا ما يُتراءى من كلام بعض الأعاظم: من التفصيل بين الضدّين اللذينِ لا ثالث لهما و بين ما ليس كذلك بالاستلزام في الأوّل دون الثاني، فيستلزم الأمرُ بالسكون النهيَ عن الحركة، أو بالعكس؛ لأنّهما من قبيل الأوّل؛ لاقتضاء المتفاهم العرفيّ ذلك‏ (1).

فإن أراد أنّ الأمر بالسكون عين النهي عن الحركة و بالعكس؛ بدعوى‏ أنّ البعث هنا عين الزجر، فهو خلاف حكم العقل و المتفاهم العرفيّ، و إن أراد أنّ الأمر بالحركة متّحد مع النهي عن السكون في النتيجة، فلا فرق بين الأمر بالحركة و بين‏

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 304.

117

الزجر عن السكون، و أنّهما سواءٌ نتيجةً، فلا يفيد ذلك في إثبات مطلوبه، بل على خلافه أدلّ، فإنّ المدّعي للاستلزام يدّعي أنّه إذا تعلّق أمر بشي‏ء فهنا نهيٌ- أيضاً- متعلّق بضدّه، و مقتضى ما ذكر كفاية أحدهما، و أنّه إذا وجد أحدهما، فلا يحتاج إلى‏ الآخر، لا أنّهما موجودان، كما هو المدّعى.

و ليعلم أنّ ما ذكرناه من الدليل الأوّل- أي استلزام الأمر بالشي‏ء للنهي عن الضدّ من جهة المقدّمية- إنّما هو فيما إذا قلنا بوجوب مطلق المقدّمة، و أمّا بناءً على القول بوجوب المقدّمة الموصلة فقط، فالقول بالاقتضاء من جهة المقدّمية موقوف على مقدّمات أربع؛ الثلاث المذكورة سابقاً بزيادة رابعة، و هي أنّ المتلازمين في الوجود لا بدّ أن يكونا محكومين بحكم واحد، لا بحكمين مختلفين.

و حاصل المقدّمات: أنّ ترك الضدّ مقدّمة لوجود الضدّ الآخر، و أنّ المقدّمة الموصلة واجبة، و الأمر بالشي‏ء يستلزم النهي عن ضدّه العامّ؛ ليكون ترك الترك الموصل محرَّماً، و أنّ المتلازمين في الوجود لا بدّ أن يكونا محكومين بحكم واحد؛ لتصير الصلاة- التي هي ملازمة لترك الترك الموصل- محرَّمة، فإنّ ضدّ الترك الموصل ليس عين الصلاة، بل ملازم لها، بخلاف ما لو قلنا بوجوب مطلق المقدّمة، فإنّه لا يحتاج إلى‏ ضميمة المقدّمة الرابعة، و أيضاً على القول بوجوب المقدّمة الموصلة ينحصر دليل الاستلزام بالدليل الأوّل؛ أي جهة المقدّمية؛ لأنّ المقدّمة الرابعة المذكورة إحدى‏ مقدّمات الدليل الثاني، و حينئذٍ فله دليل واحد، بخلاف ما لو قلنا بوجوب مطلق المقدّمة، فإنّهما دليلان من جهة المقدّمية و من جهة الملازمة [في ثمرة بحث استلزام الأمر للنهي عن ضدّه‏].

118

بحث: حول ثمرة القول بالملازمة

و أمّا ثمرة المسألة فقد عرفت الفرق بين القول بوجوب مطلق المقدّمة و بين القول بوجوب المقدّمة الموصلة، فنقول: إنّهم ذكروا ثمرةً لأصل البحث فيما لو فرض الضدّ من العبادات، كالصلاة بالنسبة إلى‏ الإزالة، فتصير فاسدة على القول بالاستلزام، و عدم فسادها لو لم نقل به‏ (1).

لكن ذلك مبنيّ على أحد وجهين:

أحدهما: القول بأنّ النهي و الأمر الغيريّين يمكن التقرّب بهما إلى‏ اللَّه تعالى‏، و مخالفتهما مبعّدة للعبد عن اللَّه تعالى‏؛ لاقتضاء النهي الفساد.

و ثانيهما: أن يقال: إنّ في ترك الصلاة مصلحة ملزمة، أو أنّ في فعلها مفسدة كذلك؛ ليصير الترك محبوباً و فعلها مبغوضاً، فمع عدم صحّة هذين- كما هو الحق- فلا يتمّ ما ذكروه من الثمرة:

أمّا الأوّل: و هو أنّ الأمر الغيريّ ليس مقرِّباً، فلأنّه- بناءً على ما ذكروه- عبارة عن البعث الترشُّحي الغير الاختياريّ‏ (2).

و بناءً على ما ذكرنا: عبارة عن البعث عن إرادة و اختيار مع مباديها، لكن أحد مبادي ذلك البعث هو التصديق بالفائدة، و الفائدة من البعث الغيريّ هو أنّه وسيلة إلى‏ الإتيان بالواجب، لا أنّ فيه مصلحةً و منفعة مقتضية لوجوبه و محبوبيّته، و مبغوضيّةً في تركه فلا مفسدة ذاتيّة في فعل الصلاة- حينئذٍ- لتصير مبغوضة و مُبعدة، و حينئذٍ فلا يتمّ ما ذكروه ثمرة لهذا البحث.

____________

(1)- كفاية الاصول: 165، فوائد الاصول 1: 312.

(2)- انظر فوائد الاصول 1: 285، و كفاية الاصول: 131- 132.

119

مقالة الشيخ البهائي (قدس سره)

ثمّ لو سُلِّم أنّ الأمر بالشي‏ء يستلزم النهي عن ضدّه، و أنّه يستلزم فساده لو كان عبادة، فهل يصحّ ما ذكره الشيخ البهائي (قدس سره) ردّاً على الثمرة المذكورة: من أنّه يكفي في فساد العبادة عدم الأمر بها (1)، فهي فاسدة، سواء قلنا باستلزام الأمر بالشي‏ء النهيَ عن ضدّه أم لا؛ لأنّه لا أقلّ من عدم الأمر بها، و هو كافٍ في بطلانها، فلا يحتاج إلى‏ إثبات أنّ الأمر بالشي‏ء يستلزم النهي في بطلان الضدّ العبادي؟

قال في «الكفاية» ردّاً عليه: إنّه يكفي في صحّة العبادة وجود ملاك الأمر فيها و إن لم يتعلّق بها أمر فعلًا لمانع، و الملاك موجود في الصلاة مع ضدّيّتها للإزالة، و لا يحتاج إلى‏ تعلّق الأمر بها (2).

و قال المحقّق الثاني (قدس سره): إنّ الأمر متعلِّق بالصلاة في الفرض، و موجود فيما إذا فُرض أنّ وقتها موسّع، و الأمر المتعلّق بالإزالة مضيّق؛ لأنّه فوريّ عند الزوال؛ و قال تعالى‏: «أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ» (3) فبناءً على ما هو الحقّ من تعلُّق الأوامر و النواهي بالطبائع المطلقة من دون دَخْلٍ لخصوصيّات الأفراد فيه أصلًا، فالتخيير بين الأفراد عقليّ لا شرعيّ، فبما أنّ للواجب الموسّع أفراداً غير مزاحمة أمكن أن يتعلّق الأمرُ بالطبيعة؛ أي طبيعة الصلاة؛ لأنّ بعض أفرادها لا مُزاحم له، و الأمرُ بالإزالة- أيضاً- فوراً معاً؛ لأنّ المفروض أنّ الأمر بالصلاة موسّع بالأصالة، و لو فُرِض صيرورتها مُضيّقة بتأخيرها إلى‏ أن بقي من الوقت بمقدار فعلها، و فُرض الأمر بالإزالة- أيضاً- في ذلك الوقت، فلا مانع- حينئذٍ- من الالتزام بتعلُّق الأمر بطبيعة

____________

(1)- انظر زبدة الاصول: 99 سطر 2.

(2)- انظر كفاية الاصول: 166.

(3)- الإسراء: 78.

120

الصلاة و لو ضاق وقتها، و كذا بطبيعة الإزالة؛ حيث إنّ هذا الفرد من الصلاة و إن انحصرت أفراد طبيعتها به بالعَرض، لكن أصل الطبيعة (هي) المتعلَّقة للأمر، فيمكن أن يُؤتى بهذا الفرد بقصد الأمر المتعلّق بالطبيعة (1). انتهى حاصل كلامه.

أقول: لا إشكال فيما ذكره (قدس سره) من تعلّق الأوامر بالطبائع المجرّدة من الخصوصيات الفرديّة، لكن المقصود من الأمر بها إيجادها في الخارج، و الطبيعة قد تكون لها أفراد، و قد تنحصر في فرد، و الأفراد- أيضاً- إمّا عرضيّة، كالصلاة في هذا المكان و ذاك، أو أفراد طوليّة كثيرة، كالصلاة في أوّل الوقت و ثانيه و ثالثه إلى‏ آخر الوقت، و لا ريب في عدم إمكان الأمر بالضدّين فيما لو انحصرت الطبيعة في فرد، كما إذا ضاق الوقت و بقي بمقدار فعل الصلاة فقط و المسجد متنجِّس، فإنّ الأمر بالصلاة و الأمر بالإزالة في الفرض ليس أمراً بالضدّين؛ لأنّ الأمرين متعلّقان بالطبيعتين، لكن ملاك استحالة الأمر بالضدّين موجود هنا؛ حيث إنّ الأمر و إن تعلّق بالطبيعة، لكن المقصود منه هو إيجاد الطبيعة، و ملاك استحالة الأمر بالضدّين هو عدم قدرة العبد على امتثالهما، و هو متحقّق فيما نحن فيه أيضاً.

و أمّا لو فرض أنّ للطبيعة أفراداً طوليّة، كما لو أمر بالإزالة في أوّل الوقت، و أمر بالصلاة لدلوك الشمس إلى‏ غسق الليل، فإنّه ليس في أوّل الوقت أمر بالضدّين؛ لتعدّد الأمر- تعلّق أحدهما بطبيعة الصلاة، و الثاني بطبيعة الإزالة- و ليس فيه- أيضاً- ملاك الأمر بالضدّين لسعة وقت الصلاة، لكن لا يمكن الأمر الفعليّ بالصلاة في أوّل الوقت؛ لأنّه ينتهي إلى‏ الاستحالة، و كذلك لو فرض للطبيعة أفراد عرضيّة، لكن بالنسبة إلى‏ الفرد المزاحَم لا غير.

و بالجملة: ما ذكره لتصحيح وجود الأمر بالصلاة محلّ إشكال و منع؛ فإنّه و إن لم يكن أَمرَ بالضدّين، لكن ملاك الاستحالة في الصورة الاولى موجود، و في الصورة

____________

(1)- جامع المقاصد 5: 13- 14.

121

الثانية و الثالثة- أيضاً- بالنسبة إلى‏ الفرد المزاحم، فإنّه فيهما- أيضاً- ينتهي فعليّة الأمر بالصلاة إلى‏ الاستحالة.

بحث حول الترتّب‏

و أجاب بعض الأعاظم عن إشكال الشيخ البهائي (قدس سره) بتصحيح وجود الأمر المتعلّق بالصلاة في المثال بنحو الترتّب‏ (1).

فنقول: قد وقع الخلط في المقام في محطّ البحث من القائلين بالترتّب و غيرهم من الاصوليين، فإنّ محطّ البحث و النزاع في المقام إنّما هو ما لو فرض الأمر بطبيعة في وقت مضيّق، كالأمر بالإزالة فوراً، و فرض تعلُّق أمر آخر بطبيعة اخرى‏ في ذلك الوقت، فهل يمكن ذلك بنحو الترتُّب إذا لم يمكن الجمع بينهما في ذلك الوقت؟ و أمّا إذا فرض أحد الأمرين موسّعاً فهو خارج عن محطّ البحث، فإنّهم صحّحوا الأمر بالضدّ بنحو الترتُّب؛ أي ترتُّب أحد الأمرين على عصيان الآخر؛ بأن يكون أحدهما واجباً مطلقاً، كالأمر بالإزالة، و الآخر واجباً مشروطاً بما لو عصى الأمرَ الأوّل و خالفه، كالأمر بالصلاة لو خالف أمر الإزالة.

فلا بدّ من تقديم امور ليتّضح الحال في المقام:

الأوّل: أنّ الأوامر و إن كانت متعلّقة بالطبائع، لكن المقصود هو إيجادها في الخارج، كما عرفت، و هو مسلّم عند المتأخّرين‏ (2) من الاصوليين.

الثاني: لا يمكن جعل الطبيعة مرآةً و وجهاً لخصوصيّات أفرادها؛ بأن يحكي اللفظ الموضوع للطبيعة عن الأفراد بخصوصيّاتها كالعام، فإنّه فرق بينه و بين الطبيعة و لو بعد إجراء مقدّمات الحكمة، فإنّ العامّ يحكي عن خصوصيات الأفراد، بخلاف‏

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 373- 374. هداية المسترشدين: 245.

(2)- كفاية الاصول: 171- 172، نهاية الأفكار 1: 381- 386.

122

المطلق الموضوع للطبيعة؛ لعدم إمكان حكاية اللفظ الموضوع لمعنىً عن معنىً آخر غير ما هو الموضوع له، فإنّ الموضوع له في قوله تعالى‏: «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» (1) هو طبيعة البيع لا أفراده، بخلاف ما لو قيل: «احِلّ كلّ بيع»، فإنّه يدلّ على كلّ فردٍ فردٍ، و كم فرقٍ بينهما.

الثالث: أنّ المُزاحمة التي ذكروها في المقام بين الضدّين، ليست في مقام الإرادة و عالَمها، و لا في مقام تعلّق الأمرين بكلّ واحدة من الطبيعتين، فإنّه لو فرض تعلُّق الأمر بالصلاة في وقت مضيّق، و تعلُّق أمر آخر بالإزالة في ذلك الوقت، فليس بينهما تضادّ و تزاحم، بل المزاحمة إنّما هي في صورة الابتلاء الخارجي بهما و في مقام الامتثال في وقت واحد، فمع عدم الابتلاء بهما، كما لو لم يتنجّس المسجد بعدُ أو تنجّس قبل ذلك الوقت، و اتّفق عدمه في وقت وجوب الصلاة، فإنّه لا مزاحمة في البين.

في أقسام الترتّب:

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ الترتّب الشرعيّ إمّا غير معقول، أو غير واقع:

أمّا الأوّل: فلأنّ التزاحم كما عرفت متأخّر عن الحكم بمرتبتين، فكيف يمكن اشتراط أحد الأمرين بعصيان الآخر و جعل ذلك علاجاً للتزاحم؟!

و بعبارة اخرى‏: إذا عرفت أنّ التزاحم إنّما يتحقّق بعد تعلُّق الأمرين بالموضوعين، و بعد الابتلاء الخارجي بهما، فلا يمكن للآمر أن ينظر إلى‏ صورة التزاحم المتأخّر عن الحكم بمرتبتين، فضلًا عن أن يعالجه.

و أمّا الثاني: فلأنّه لو فُرض معقوليّة ذلك فالاشتراط و الترتُّب غير واقعيين؛ لأنّ الاشتراط يحتاج إلى‏ مئونة و بيان زائد على بيان أصل الحكم، مع أنّ الأدلّة

____________

(1)- البقرة: 275.

123

الشرعيّة- مثل قوله تعالى‏: «أَقِيمُوا الصَّلاةَ»* (1)- خالية عن هذا الاشتراط، مع أنّك عرفت أنّ التزاحم فرع الابتلاء الخارجيّ، فلعلّه لم يقع و لا يقع إلى‏ يوم القيامة، فالقول بالترتُّب غير صحيح.

و أمّا الترتُّب العقليّ: فإن اريد أنّ العقل يتصرّف في الأدلّة الشرعيّة بتقييدها بالقدرة و غيرها مع إطلاقها، فهو- أيضاً- واضح الفساد، فإنّه لا سبيل للعقل إلى تقييد الأدلّة الشرعيّة و الخطابات المطلقة الصادرة من الشارع، و ليس للعبد أن يقيِّد الأوامر الصادرة من مولاه بقيد.

و إن اريد أنّ العقل حاكم بمعذوريّة العاجز و الجاهل و غيرهما في مخالفة الحكم الشرعيّ؛ بمعنى‏ أنّه لا يصحّ عقوبته مع إطلاق الحكم بحيث يشمله، فهو مسلّم.

الخطابات القانونيّة:

و توضيحه يحتاج إلى‏ تمهيد امور:

الأوّل: أنّ ما ذكره في غير موردٍ من «الكفاية» من أنّ للأحكام مراتبَ أربعة:- مرتبة الاقتضاء، و مرتبة الإنشاء، و مرتبة الفعليّة، و مرتبة التنجّز (2)- غيرُ متصوّر، و المتصوّر منها مرتبتان على وجه، و هما مرتبة الإنشاء، و مرتبة الفعليّة، و أمّا مرتبة الاقتضاء فليست من مراتب الحكم؛ لأنّها قبل الحكم، كما أنّ مرتبة التنجّز بعد الحكم، و ليست- أيضاً- من مراتبه؛ و ذلك لأنّ جميع الأحكام صادرة من الشارع لانقطاع الوحي بعد النبيّ (صلى الله عليه و آله) و لا دَخْلَ لعلم المكلّف و قدرته و جهله و عجزه فيها، و الأحكام كلّيّة قانونيّة تشمل جميع المكلّفين، كالأوامر العرفيّة الصادرة من الموالي العرفيّة، و هي مرتبة الإنشاء.

____________

(1)- البقرة: 43.

(2)- كفاية الاصول: 193 و 297.

124

و من الأحكام ما لم يصدر من الشارع؛ لمصالح في عدم إجرائها أو مفاسد فيه، كالأحكام التي لم يُؤمر النبيّ (صلى الله عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام) بإعلامها للناس بل هي مُستودعة عند صاحب الأمر- (عجّل اللَّه تعالى‏ فرجه)- كنجاسة أهل الخلاف و كفرهم.

و منها: ما أوقعه الشارع في مورد الإجراء، مثل‏ «لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ» (1) و «أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ»* (2) و نحوها المتوجّهة إلى‏ جميع المكلّفين الواقعة في مورد الإجراء و العمل، و هي المرتبة الفعليّة، و لا تختصّ بالعالم و القادر، بل تشمل الجاهل و العاجز أيضاً، غاية الأمر أنّ العاجز و الجاهل القاصر معذوران عقلًا في المخالفة، و ليس هذا تقييداً للدليل الشرعيّ؛ كي يتحقّق هنا مرتبة اخرى‏ للحكم هي مرتبة التنجّز.

الثاني: أنّهم ذكروا: أنّ الأمر بما هو خارج عن مورد الابتلاء مستهجن، و كذلك الزجر عنه، و لذا حكموا بعدم منجّزية العلم الإجمالي بالمحرّم مع خروج بعض أطرافه عن مورد الابتلاء؛ لعدم العلم- حينئذٍ- بالتكليف و الحكم الشرعيّ‏ (3)، لكن هذا إنّما يصحّ في الخطابات الجزئيّة الشخصيّة، و كذا يقبح بعث شخص أو زجره عن شي‏ء يعلم بإتيان المكلّف به أو زجره بنفسه و لو لم يأمره به أو يزجره عنه.

و أمّا الأحكام الكلّيّة القانونيّة مثل الأحكام الشرعيّة و الخطابات الإلهيّة و النبويّة (صلى الله عليه و آله) و كذا أوامر الموالي العرفيّة الكلّيّة القانونيّة، فهي إنّما تُستهجن إذا كان المأمور به و المنهيّ عنه خارجاً عن ابتلاء جميع المكلّفين، و أمّا إذا لم يكن كذلك؛ لابتلاء بعض المكلّفين به، و إن خرج عن مورد ابتلاء بعضٍ آخر فهو غير مُستهجن، فليس الخطاب بمثل‏ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»* و نحوه من الخطابات الكلّيّة، قبيحةً

____________

(1)- آل عمران: 97.

(2)- البقرة: 43.

(3)- انظر فرائد الاصول: 250، 251، و فرائد الاصول 4: 50- 51.

125

و مستهجنة، و الشاهد على ذلك أنّهم لا يقولون بذلك في الأحكام الوضعيّة، كنجاسة الخمر الموجود في مكان بعيد خارج عن مورد الابتلاء، و كذلك نجاسة الدم و نحوه، و إلّا لزم الهرج و المرج في الفقه.

و توهّم: انحلال الأحكام الكلّيّة القانونيّة المتوجّهة إلى‏ المكلّفين إلى‏ أحكام جزئيّةٍ بعدد المكلّفين، متوجّهةٍ إلى‏ كلّ واحد من آحاد المكلّفين‏ (1)، لا معنى له، بل هو غير معقول؛ أ ترى‏ أنّه لو قال: «جاء الناس كلّهم» في الإخبار كذباً، أنّه أكاذيب متعدّدة بعددهم؛ لانحلاله إلى‏ ذلك؟! حاشا و كلّا، بل هو كذب واحد، و هو شاهد على فساد القول بالانحلال بالمعنى‏ المذكور.

فتلخّص: أنّ الأحكام الصادرة من الشارع كلّية قانونيّة متوجّهة إلى‏ جميع المكلّفين- العالم منهم و الجاهل، القادر منهم و العاجز- غاية الأمر أنّ العقل يحكم بمعذورية العاجز و الجاهل القاصر في المخالفة، و ليس ذلك تقييداً لحكم الشارع كما عرفت.

الثالث: قد عرفت أنّ الأحكام الشرعيّة: إمّا لا يتصوّر فيها النظر إلى‏ صورة التزاحم، فضلًا عن بيان علاجه و أنّه لا يمكن ذلك، و على فرض إمكانه- أيضاً- غير ناظرة إليها؛ لأنّ بيان العلاج يحتاج إلى‏ بيان زائد على بيان أصل الحكم، كما يشهد بذلك الحسّ و الوجدان.

الرابع: أنّ القول بالترتُّب و تقييد الأحكام الشرعيّة بذلك فاسدٌ؛ لوجهين:

أحدهما: أنّه لو جاز ذلك لزم جواز إزالة المكلّف قدرته و تعجيز نفسه باختياره، لو فرض أنّ الأحكام مشروطة بالقدرة؛ لأنّه- حينئذٍ- يصير مثل قوله:

«قصّر إن كنت مسافراً» أو «صلّ أربع ركعات إن كنت حاضراً»، فإنّه يجوز السفر و التقصير في الصلاة، فكما يجوز ذلك لزم أن يجوز للمكلّف تعجيز نفسه؛ لأنّ الحكم‏

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 551.

126

مشروط بالقدرة على الفرض، و لا يجب تحصيل شرط التكليف أو إبقاؤه، مع عدم التزامهم بذلك.

و ثانيهما: أنّهم ذهبوا إلى‏ الاحتياط عند الشكّ في القدرة، مع أنّه لو كان التكليف مشروطاً بها فالقاعدة هي البراءة؛ للشكّ في تحقُّق شرط التكليف.

الخامس: أنّه قد يعجز المكلّف عن الإتيان بالمأمور بهما معاً في المثال، و قد يقدر على امتثال واحد منهما، و يعجز عن الجمع بينهما في مقام الامتثال، فلا إشكال في جواز الأمر و البعث في الثاني؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما مقدور له، و الغير المقدور هو الجمع بينهما و لم يتعلّق به أمر.

إذا عرفت ذلك نقول: إذا فُرض أنّ المولى أمر عبده بالإزالة، و أمره- أيضاً- بإنقاذ الغريق، و فرض أنّه ليس أحدهما أهمّ من الآخر، بل فرض تساويهما في الأهمية فقد يتركهما المكلّف بدون أن يأتي بفعل آخر مطلقاً، و قد يشتغل عند تركهما بفعل مباح، و قد يشتغل بفعل محرّم، أو يأتي بأحدهما:

ففي الأوّل يستحقّ عقوبتين لمخالفته للتكليفين.

و لا يتوهّم أنّه لا يقدر على الجمع بينهما، فلا يصحّ له إلّا عقوبة واحدة؛ لأنّ المقدور ليس إلّا واحداً منهما؛ لأنّ المفروض أنّ كلّ واحد منهما مع قطع النظر عن الآخر مقدور له، فمع تركهما معاً يستحقّ العقوبة لكلّ واحد منها.

و كذلك في الصورة الثانية.

و أمّا في الصورة الثالثة: فيستحقّ فيها ثلاث عقوبات: أحدها لارتكابه المحرّم، و الثانية و الثالثة لتركه الإزالة و الإنقاذ مع تمكّنه من الإتيان بكلّ واحدٍ منهما مع قطع النظر عن الآخر.

و أمّا في الصورة الرابعة: فلا يستحقّ فيها عقوبة أصلًا؛ لأنّه مع الإتيان بواحدٍ منهما لا يقدر على فعل الآخر، فهو معذور في مخالفته عقلًا، مع أنّه حكم فعليّ أيضاً.

127

هذا في صورة تساوي التكليفين في الأهميّة.

و أمّا لو فرض أنّ أحدهما أهمّ من الآخر، كما لو غرق اثنان: أحدهما ابن للمولى، و الآخر ابن أخٍ له، و فرض أنّ إنقاذ الابن أهمّ عقلًا من الآخر عنده، فإنْ تَركَ إنقاذهما معاً استحقّ عقوبتين؛ لقدرته على إنقاذ كلّ واحدٍ منهما مع قطع النظر عن الآخر، و إن أنقذ الابن و لم يقدر على الآخر، فلا يستحقّ عقوبةً أصلًا في مخالفة الأمر بالمهمّ؛ لمعذوريّته عقلًا لعدم قدرته على امتثاله مع فعل الأهمّ، و لو أنقذ ابن الأخ المهمّ فلا يستحقّ عقوبة بالنسبة إليه، و أمّا بالنسبة إلى‏ ترك إنقاذ الابن الأهمّ، فلا يُعذِّره العقل لتركه و اشتغاله بالمهمّ.

فظهر من جميع ما ذكرناه: أنّ ما استشكله الشيخ البهائي (قدس سره) على الثمرة- بأنّ الأمر بالشي‏ء و إن لا يقتضي النهي عن الضدّ، لكنّه يقتضي عدم الأمر به، و هو كافٍ في فساده لو كان عبادة (1)- غيرُ صحيح؛ لما عرفت من أنّ الأوامر متعلّقة بالطبائع، فالصلاة في المثال مأمور بها، و كذلك الإزالة بنحو الإطلاق، مع أنّها ضدٌّ للإزالة، فلا يقتضي الأمرُ بها عدمَ الأمر بالصلاة في المثال:

ففي صورة تساوي الضدّين في الأهميّة لو أتى‏ بواحدٍ منهما، فالعقل حاكم بمعذوريّته في مخالفة الآخر، مع أنّ أمره- أيضاً- فعليّ، و الترتُّب الشرعيّ أو العقليّ- كما عرفت- غير معقول.

و في صورة أهميّة أحدهما لو أتى‏ به فهو معذور- أيضاً- في ترك الآخر.

و أمّا إذا أتى‏ بالمهمّ فهو ممتثل بالنسبة إليه، فيُثاب به، لكن حيث إنّه ترك الأهمّ، فلا يعذره العقل، فيصحّ عقوبته به؛ لما عرفت من أنّ الأوامر الشرعيّة كلّها كلّيّة قانونيّة متوجّهة إلى‏ عامّة المكلّفين، و ليس حالات المكلّفين- من العلم و الجهل و القدرة و العجز- دخيلة فيها و لا ملحوظة، و إلّا لزم تقييدها بعدد أفراد المكلّفين؛

____________

(1)- انظر زبدة الاصول: 99 سطر 2.

128

لاختلاف حالاتهم، و أنّ دعوى انحلالها إلى‏ أوامر شخصيّة و أحكام جزئيّة غيرُ معقولة، و أنّ إرادة الشارع لم تتعلّق ببعث كلّ واحدٍ واحدٍ من المكلّفين و انبعاثه أو زجره و انزجاره، و إلّا لما أمكن التخلُّف، كما هو واضح.

مضافاً إلى‏ أنّه لو انحلت الأوامر و النواهي الشرعيّة إلى‏ أوامر و نواهٍ جزئيّة شخصيّة، فمع العلم بعصيان المكلّف لا معنى للبعث و الزجر لاستهجانه حينئذٍ، و كذا مع العلم بالإتيان و الموافقة و لو مع عدم الأمر و النهي، و كذا مع العلم بعدم قدرته على الامتثال، فيلزم عدم الأمر و النهي بالنسبة إلى‏ العاصين و المطيعين و العاجزين، و لا يلتزم بذلك أحدٌ قطعاً، بل الإرادة متعلّقة بجعل القانون، و معنى التشريع هو ذلك، و المكلّفون كلّهم في شمول الأحكام لهم سواء من غير استثناء، غاية الأمر أنّ العاجز و الجاهل القاصر معذوران عقلًا، و لا يصحّ عقوبتهما في مخالفة الحكم الفعليّ، و قد عرفت أنّ الأوامرَ الصادرة من الشارع- في الآيات القرآنيّة و السنّة النبويّة (صلى الله عليه و آله) مطلقةٌ كلّيّة، و ليست جزئيّة.

رجع إلى بيان استحالة الترتّب:

و أمّا بيان استحالة الترتُّب من جهة الآمر بأن يقال: كما أنّه يستحيل أمر الشارع بالضدّين لقبحه، فلا يمكن إرادته بالأمر بهما، كذلك يستحيل صدور أمرين منه: تعلّق أحدهما بشي‏ء في وقت معيّن، و الآخر بشي‏ء آخر مضادّ له في ذلك الوقت؛ بحيث لا يتمكّن العبد من امتثالهما، فإنّه لا ينقدح إرادة المولى الملتفِت به.

قال في «الكفاية» ما حاصله: إنّه تصدّى‏ جماعة من الأفاضل‏ (1) لتصحيح الأمر بالضدّ بنحو الترتُّب على العصيان، و عدم إطاعة الأمر بالشي‏ء بنحو الشرط المتأخّر،

____________

(1)- هداية المسترشدين: 245 سطر 19، الفصول الغرويّة: 96 سطر 26، كشف الغطاء: 27 سطر 19.

129

أو البناء على العصيان بنحو الشرط المتقدّم أو المقارن؛ بدعوى‏ أنّه لا مانع عقلًا عن تعلُّق الأمر بالضدّين كذلك؛ أي بأن يكون الأمرُ بالأهمّ مطلقاً، و الأمرُ بالمهمّ معلّقاً على عصيان أمر الأهمّ أو البناء عليه، بل هو واقع في العرف كثيراً.

قال: قلت: إنّه و إن لم يكن ملاك الاستحالة فيه موجوداً في مرتبة الأمر بالأهمّ، لكنّه موجود في مرتبة الأمر بالمهمّ؛ بداهة فعليّة الأمر بالأهمّ في هذه المرتبة- أيضاً- و عدم سقوط أمر الأهمّ بعدُ بمجرّد المعصية.

قال: لا يقال: إنّه بسوء اختيار المكلّف، و لا برهان على امتناعه.

لأنّا نقول: إنّ سوء اختيار المكلّف لا يَقلب الممتنع ممكناً، و لا فرق في الاستحالة بين ما إذا كان الضدّان في عرض واحد، و بين ما نحن فيه.

إن قلت: فرقٌ بين الاجتماع في عرض واحد و بين الاجتماع كذلك، فإنّ الطلب في كلّ واحدٍ منهما يطرد الآخر في الأوّل، بخلافه في الثاني.

قلت: ليت شعري كيف لا يطرده الأمر بغير الأهمّ؟! و هل يكون طرده له إلّا من جهة فعليّته و مضادّة فعليّته للأهمّ، و المفروض فعليّة الأمر بغير الأهمّ و مضادّة متعلّقه؟!

إن قلت: فما الحيلة فيما وقع كذلك من طلب الضدّين في العرفيّات؟

قلت: لا يخلو إمّا أن يكون الأمر بالمهمّ بعد التجاوز عن الأمر بالأهمّ و طلبه حقيقةً، و إمّا أن يكون الأمر به إرشاداً إلى‏ محبوبيّته و بقائه على ما هو عليه من المصلحة و الغرض لو لا المزاحمة.

و قال (رحمه اللَّه): ثمّ إنّه لا أظنّ أن يلتزم القائل بالترتّب بما هو لازمه من الاستحقاق لعقوبتين في صورة مخالفة الأمرين، و لذا كان سيّدنا الاستاذ (الميرزا حسن الشيرازي) لا يلتزم به على ما ببالي، و كنّا نورد به على الترتُّب، و كان بصدد تصحيحه‏ (1). انتهى‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 166- 168.

130

ملخّصه.

أقول: إنّ تخصيصه الاشتراط على العصيان بنحو الشرط المتأخّر فهو لعدم تصوّر الشرط المقارن فيه، فضلًا عن الشرط المتقدّم، و ذلك لأنّ المراد بالعصيان الذي هو شرط للأمر بالمهم هو العصيان الخارجي، و هو موجود زمانيّ؛ لأنّه عبارة عن تعطُّل المكلّف عن امتثال الأمر بالأهمّ في مقدار من الزمان، كان يقدر على الإتيان به في هذا الزمان المظروف له، فلو أمره بإزالة النجاسة عن المسجد في ساعة معيّنة أوّلها الدلوك- مثلًا- و فرض أنّه لا يمكن فعلها في أقلّ من ساعة، ففي أوّل الدلوك و قبله لم يتحقّق عصيان للأمر بالإزالة، كما أنّه لم يتحقّق إطاعة فيهما، بل العصيان موقوف على مضيّ مقدار من أوّل الدلوك و لو قليلًا؛ بحيث لا يتمكّن المكلّف من امتثال أمر الإزالة في تلك الساعة، فإذا رتّب الأمر بالمهمّ على عصيان الأمر بالأهمّ، فلا يمكن إلّا بنحو الشرط المتأخّر لا غير، هذا بخلاف ما لو رتّب أمر المهمّ على العزم على عصيان أمر الأهمّ، فإنّه يمكن بنحو الشرط المُقارن أيضاً.

و الأولى‏ بيان ما أفاده الميرزا النائيني في المقام- على ما نقله بعض مُقرّري درسه- فإنّه (قدس سره) مهّد لتصحيح الترتُّب مقدّمات:

المقدمة الاولى في بيان أمرين:

الأوّل: أنّ المتضادّين إذا تعلّق التكليف بكلٍّ منهما أو بواحد منهما بالخصوص، مشروطاً بعدم الإتيان بمتعلّق الآخر، فلا محالة يكون التكليفان المتعلّقان بهما طوليّين لا عرضيّين، و لا يلزم من الطلبين كذلك طلب الجمع بين الضدّين؛ لما ذكرنا، و إنّما يلزم من الطلبين ذلك إذا كان كلّ واحدٍ منهما في عرضٍ واحد بأن يكون مطلقاً بالإضافة إلى‏ الإتيان بمتعلّق الآخر و عدمه، بخلاف ما إذا جعل أحدهما مشروطاً بعدم الآخر، و يكشف عن ذلك أنّه إذا فرض إمكان الجمع بين شيئين كالقراءة و الدخول في المسجد، و مع ذلك جعل أحدهما مشروطاً و مترتِّباً على عدم الآخر، و قرأ حال‏

131

الدخول في المسجد امتنع وقوعهما في الخارج على صفة المطلوبيّة، فلو أتى‏ المكلّف بهما كذلك كان مشرِّعاً، فيكشف ذلك عن أنّ نفس ترتّب الخطابين يمنع من تحقّق الجمع بينهما.

الأمر الثاني: أنّه في صورة عدم قدرة المكلّف على امتثال التكليفين الموجب لوقوع المزاحمة بينهما، و إن كان لا بدّ من رفع اليد عمّا يقع به التزاحم؛ لاستحالة التكليف بغير المقدور عقلًا، إلّا أنّه لا مناص من الاقتصار على ما يرتفع به التزاحم المذكور، و أمّا الزائد عليه فيستحيل سقوطه، فإنّه بلا موجب.

و من ثمَّ وقع الكلام في أنّ الموجب للتزاحم هل هو إطلاق الخطابين؛ ليكون الساقط هو إطلاق خطاب المهمّ فقط، دون أصل خطابه، مشروطاً بعدم الإتيان بالأهمّ و مترتّباً عليه؛ لأنّ سقوطه بلا مُوجب كما عرفت، أو أنّ الموجب له نفس فعليّة الخطابين ليسقط خطاب المهمّ من أصله، و يترتّب على ذلك أنّ التزاحم إذا كان ناشئاً عن فعليّة الخطابين، فلا بدّ من سقوطهما معاً إذا لم يكن أحدهما أهمّ، غاية الأمر أنّ العقل يستكشف خطاباً تخييريّاً شرعيّاً؛ لاستلزام عدمه تفويت الملاك الملزم، و هو قبيح على الحكيم، و هذا بخلاف ما إذا كان التزاحم ناشئاً عن إطلاق الخطابين، فإنّه بناءً عليه يكون الساقط إطلاق الخطابين دون أنفسهما، فكلٌّ من الخطابين مشروط و مترتّب على عدم الإتيان بمتعلَّق الآخر، و التخيير- حينئذٍ- عقليّ لا شرعيّ.

و من الغريب أنّ العلّامة الأنصاري (قدس سره) مع إنكاره الترتّب، و بنائه على سقوط أصل خطاب المهمّ، دون إطلاقه‏ (1)، ذهب في تعارض الخبرين- بناءً على السببيّة- إلى‏ سقوط إطلاق وجوب العمل على طِبق كلّ واحد منهما ببيان: أنّ محذور التزاحم يرتفع عند سقوط الإطلاقين، فيكون وجوب العمل بكلّ منهما مشروطاً بعدم العمل على طبق الآخر، و هذا التقييد و الاشتراط إنّما نشأ من اعتبار القدرة في فعليّة

____________

(1)- مطارح الأنظار: 56- 57 سطر 34.

132

التكليف‏ (1).

و حاصل ما ذكره يرجع إلى الالتزام بخطابين مترتّب كلّ منهما على عدم امتثال الآخر، فليت شعري لو امتنع ترتّب أحد الخطابين على عدم امتثال الآخر- كما فيما نحن فيه؛ لاستلزامه الجمع بين الضدّين، كما توهّم- فهل ضمّ ترتُّبٍ إلى‏ مثله يوجب ارتفاع المحذور؟! إلّا أنّ الاشتباه من الأساطين غير عزيز (2). انتهى.

أقول: ما ذكره في هذه المقدّمة صحيح لا غبار عليه، لكن سيجي‏ء أنّه لا يترتّب عليه فائدة و ثمرة في المقام.

و أمّا إشكاله على الشيخ فهو من غرائب الإشكالات:

أمّا أوّلًا: فلأنّ الترتُّب المُدّعى في المقام: عبارة عن فرض وجود أمرٍ بالأهمّ بنحو الإطلاق، و أمرٍ آخر مشروطاً بعصيان أمر الأهمّ، لا بعدم الإتيان به، و عصيانُ كلّ أمر و طاعتُه في مرتبة متأخّرة عنه، و المفروض أنّ الأمر بالمهمّ مشروط بعصيان أمر الأهمّ، فهو متأخّر عن عصيان الأمر بالأهمّ؛ لأنّ المشروط متأخّر عن شرطه برتبة، خصوصاً بناءً على مذهبه من رجوع الشرائط الشرعيّة كلّها إلى‏ قيود الموضوع، فالأمر بالمهمّ مُتأخّر عن الأمر بالأهمّ بمرتبتين، فهذا هو الترتُّب المدّعى في المقام.

و أمّا ما ذكره الشيخ (قدس سره) فليس هو من الترتُّب أصلًا؛ لأنّه اشترط في العمل بكلّ واحدٍ من الخبرين عدم الإتيان بمتعلّق الآخر لا عصيانه، كما لا يخفى‏ على من تأمّل في عبارته الآتية.

و لو أراد الشيخ (قدس سره) الترتّب الاصطلاحي يلزمه المحال؛ لأنّه إن كان العمل بكلّ واحد من الخبرين مشروطاً بعصيان الآخر، يلزم تقدّم كلّ واحد منهما على الآخر

____________

(1)- فرائد الاصول: 438 سطر 17.

(2)- انظر فوائد الاصول 1: 336- 339.

133

بمرتبتين، فيلزم تقدّم المتأخّر و تأخّر المتقدّم.

و أمّا ثانياً: فلأنّ مُراد الشيخ (قدس سره) في باب التعارض هو ما ذكرنا سابقاً: من أنّ الأحكام الصادرة من الشارع كلّها مُطلقة، و جميع المكلّفين بالإضافة إليها سواء، لكن العقل حاكم بمعذوريّة مثل العاجز في مقام الامتثال، فإذا لم يقدر المكلّف على الجمع في امتثال الطلبين لو أتى‏ بواحدٍ منهما، فهو لا يستحقّ عقوبة في ترك الآخر، و لو تركهما معاً استحقّ عقوبتين.

فإنّه (قدس سره) قال في باب التعادل: إنّ الحكم بوجوب الأخذ بأحد المتعارضين في الجملة و عدم سقوطهما، ليس لأجل شمول العموم اللّفظي لأحدهما على البدل. قال:

و لكن لمّا كان امتثال التكليف منهما كسائر التكاليف الشرعية و العرفيّة مشروطاً بالقدرة، و المفروض أنّ كلّ واحد منهما مقدور في حال ترك الآخر، و غير مقدور مع إيجاد الآخر، فكلٌّ منهما مع ترك الآخر مقدور يحرم تركه، و يتعيّن فعله، و مع إيجاد الآخر يجوز تركه، و لا يعاقب عليه، فوجوب الأخذ بأحدهما نتيجة أدلّة وجوب امتثال كلٍّ منهما بعد تقييد الامتثال بالقدرة (1). انتهى.

و هذه العبارة كما ترى‏ صريحة فيما ذكرناه، و لكن يرد على الشيخ (قدس سره) أنّه لا اختصاص لما ذُكر بالمُهمَّينِ، بل يجري في الأهمّ و المهمّ أيضاً.

المقدّمة الثانية (التي ذكرها الميرزا (2) النائيني (قدس سره)): أنّ شرائط التكليف كلّها ترجع إلى‏ قيود الموضوع، و لا بدّ من أخذها مفروضة الوجود في مقام الجعل و الإنشاء، فحال الشرائط كلّها حال الموضوع. و من الواضح أنّ الموضوع بعد وجوده خارجاً لا ينسلخ عن الموضوعيّة؛ لأنّه يستلزم بقاء الحكم بلا موضوع، فلا وجه لما

____________

(1)- فرائد الاصول: 438.

(2)- فوائد الاصول 1: 339.

134

ذكره بعضهم: من أنّ الواجب المشروط بعد تحقّق شرطه ينقلب واجباً مُطلقاً (1)، و هو مساوق للقول: بأنّ الموضوع بعد تحقّقه خارجاً ينسلخ عن الموضوعية، و لا يبعد أن يكون ذلك من جهة خلط موضوع الحكم بداعي الجعل و علّة التشريع؛ بتوهّم أنّ شرط التكليف خارج عن موضوعه، بل هو من قبيل الداعي لجعل الحكم على موضوعه، فبعد وجوده يتعلّق الحكم بموضوعه، و لا يبقى للاشتراط مجال أصلًا.

و هذا التوهّمُ: ناشٍ عن الخلطِ بين القضايا الحقيقيّة و الخارجيّة، و توهّم أنّ القضايا المتكفّلة لبيان الأحكام الشرعيّة من قبيل الثانية؛ و من قبيل الإخبار عن إنشاء تكاليف عديدة يتعلّق كلّ واحد منها بمكلّف خاصّ عند تحقّق شرطه.

لكنّه فاسد، بل القضايا المتكفّلة لبيان الأحكام هي بنحو القضايا الحقيقيّة، و هذا الخلط وقع في جملة من المباحث:

منها: ما نحن فيه، فإنّه توهّم أنّه بعد عصيان الأمر بالأهمّ يكون الأمر بالمهمّ- أيضاً- مطلقاً، فلا محالة يقع التزاحم بين الخطابين (و يظهر من أحد المقرّرين‏ (2) أنّ هذا الخلط إنّما وقع في الكفاية).

و منها: إرجاع شرائط الأحكام الشرعيّة التكليفيّة و الوضعيّة إلى‏ شرط العلم و اللحاظ؛ سواء كان المعلوم متقدّماً أم متأخّراً أم مقارناً.

و منها: القول بأنّ سببيّة شي‏ء للحكم الشرعي إنّما هي من الامور التكوينيّة، لا من الامور الجعليّة، و لا من الامور الانتزاعيّة؛ بتوهّم أنّ تأثير دواعي الجعل فيه من الامور الواقعيّة التي لا تنالها يد الجعل تشريعاً، مع الغفلة عن أنّ الكلام إنّما هو في سببيّة العقد للملكيّة- مثلًا- و نسبته إليها نسبة الموضوع إلى‏ حكمه، لا نسبة الداعي و العلّة إلى‏ المعلول، و عليه فتعبير الفقهاء عن العقود و الإيقاعات بالأسباب، و عن قيود

____________

(1)- كفاية الاصول: 166- 167.

(2)- فوائد الاصول 1: 340.

135

الموضوع في باب التكاليف بالشرائط، إنّما هو مجرّد اصطلاح، و إلّا فكلٌّ من السبب و الشرط قيد من قيود الموضوع لا محالة.

و يعلم ممّا ذكرنا فساد توهّم: أنّ الالتزام بالترتُّب لا يدفع محذور التزاحم بين الخطابين- بتوهّم أنّ الأمر بالمهمّ بعد حصول عصيان الأمر بالأهمّ المفروض كونه شرطاً له في عرض الأمر بالأهمّ، فيقع التزاحم و التمانع لا محالة- و ذلك لما عرفت أنّ حصول شرط الحكم في الخارج لا يخرجه عن شرطيّته له، فالحكم المشروط به حدوثاً مشروط به بقاءً، فليس هنا إطلاقان؛ ليقع التزاحم بينهما (1). انتهى.

أقول: يرد عليه أنّه لم يقم على ما ذكره من رجوع الشروط إلى‏ قيود الموضوع برهان و لا دليل، و من المعلوم أنّه قد يتعلّق الغرض بشي‏ء مع قيد؛ لأجل أنّ المصلحة الملزمة فيهما معاً، كما أشرنا إليه سابقاً، كما إذا تعلّق غرضه بالصلاة في المسجد، و عرفت أنّ في هذه الصورة لا بدّ من إيجاد المسجد لو فرض عدمه و إيقاع الصلاة فيه، و قد يتعلّق الغرض بفعلٍ على فرض وجود شرطٍ لا بدونه، و ربّما لا يكون الشرط محبوباً للمولى، بل قد يبغضه، و لكن لا يرضى بترك الحكم المشروط به على فرض وجوده، كما إذا قال: «إن جاء زيد فأكرمه» فإنّ الغرض قد تعلّق بإكرامه مشروطاً بمجيئه؛ للمصلحة فيه، لا بدونه؛ لعدم المصلحة حينئذٍ، فإذا كانت القيود المأخوذة في متعلّق الأوامر و النواهي- بحسب اللُّبّ و نفس الأمر- على قسمين بينهما كمال المغايرة، فلا يصحّ إرجاع أحدهما إلى الآخر؛ لعدم الداعي إلى‏ ذلك، إلّا لمحذور يرد عليه، و المحذور الذي ذكره في المقام: هو أنّه لو لا ذلك لزم القول بأنّ سببيّة شي‏ء للحكم الشرعيّ من الامور التكوينيّة، لكن ليس ذلك بمحذور أصلًا؛ فإنّه بعد أن كانت الشرطيّة و نحوها من الامور الاعتباريّة التي اعتبرها الشارع، لا محذور في أن يجعل الشارع السببيّة و الشرطيّة للدلوك- مثلًا- لوجوب الصلاة.

____________

(1)- تقدَّم تخريجه قريباً.

136

بل ما ذكره من إرجاع الشروط الشرعيّة إلى‏ قيود الموضوع غير صحيح، بعد ما عرفت من الفرق بينهما بحسب اللّب و نفس الأمر؛ لاختلاف الحكم بجعله شرطاً للحكم أو قيداً للموضوع، و إلّا لزم الاختلال في الفقه، فإنّ هنا ثلاثة أشياء:

قيدِ الموضوع، و قيدِ الحكم، و الداعي، و حكمُ كلّ واحد يُغاير حكم الآخر، و لا يصحّ الخلط بينها.

و أمّا ما ذكره- من أنّ الأحكام الشرعيّة بنحو القضايا الحقيقيّة لا الخارجيّة- فلا ارتباط له بالمقام، لكن حكم العقل لُبّيّ و ليس بنحو القضايا الحقيقيّة أو الخارجيّة.

و أمّا ما نقله عن بعضٍ- من أنّ المشروط بعد تحقّق شرطه يصير مطلقاً- فهو- أيضاً ممنوع، بل محال؛ لأنّه إن أراد أنّه تتغيّر إرادة اللَّه تعالى‏، فيصير حكمه تعالى‏ مطلقاً بعد أن كان مشروطاً، فهو مستحيل، مع أنّ إرادة اللَّه تعالى‏ لم تتعلّق ببعث المكلّفين و انبعاثهم، و إلّا لاستحال التخلُّف، بل إرادته تعالى‏ تعلّقت بالحكم القانوني الكلي.

و إن أراد أنّه تعالى‏ يجعل الحكم المشروط مطلقاً بعد حصول شرطه، فقد انقطع الوحي بعد النبيّ (صلى الله عليه و آله) و كملت الشريعة، فلا يمكن ذلك مع أنّه حكم آخر مجعول، لا أنّه تبديل الحكم المشروط بالمطلق.

المقدّمة الثالثة (التي ذكرها الميرزا النائيني (قدس سره)): و حاصلها: أنّ الواجب على قسمين: موسّع و مضيّق، و المضيّق- أيضاً- على قسمين:

أحدهما: ما يكون فعليّة الخطاب فيه متوقّفة على مُضيّ زمانه و لو آناً ما، و أنّ لمُضيّ آنٍ ما دخْلًا في الموضوع، فهو الجزء الأخير له، كما لا يبعد دعوى ذلك في القِصاص؛ فإنّه مترتّب على تحقّق القتل و مُضيّ زمانه و لو آناً ما.

و ثانيهما: ما ليس كذلك، بل فعليّة الخطاب فيه مساوقة لوجود آخر جزء من موضوعه و شرطه، و ليس بينهما تقدّم و تأخّر زماناً و إن تأخّرت عنه رتبةً، فنسبة الحكم إلى‏ موضوعه و إن لم تكن نسبة المعلول إلى‏ علّته التكوينيّة، لكنّها نظيرها،

137

فتخلّف الحكم عنه يرجع إلى‏ الخُلف و المناقضة؛ لأنّه يلزم أن لا يكون الجزءُ الأخير جزءاً أخيراً، و عليه فرّعنا بطلان الشرط المتأخّر.

و توهّمُ: لزوم تقدّم الخطاب على الامتثال زماناً؛ بتقريب: أنّ وجوب الإمساك- مثلًا- لو لم يتقدّم على الإمساك- مثلًا- في أوّل الفجر و لو آناً ما، فإمّا أن يكون المكلّف حين توجُّه الخطاب إليه متلبِّساً بالإمساك أوْ لا، و على كلا التقديرين يستحيل توجُّه الخطاب إليه؛ لأنّ طلب الإمساك ممّن فُرض تحقُّقه منه طلبٌ للحاصل، كما أنّ طلبه ممّن فُرض عدم تلبُّسه طلبٌ للجمع بين النقيضين، و كلاهما مستحيل، فلا بدّ من تقدُّم الخطاب على زمان الانبعاث و لو آناً ما (1).

مدفوعٌ: بأنّه لو صحّ ذلك لصحّ في نظيره؛ أعني به العلّة و المعلول التكوينيّين، فيقال: المعلول حين وجود علّته: إمّا موجود أو معدوم، فعلى الأوّل يلزم إيجاد الموجود، و على الثاني يلزم تأثير الموجود في المعدوم.

و الحلّ في المقامين: أنّ المعلول أو الامتثال لو كانا مفروضي الوجود في أنفسهما حين وجود العلّة و الخطاب يلزم ما ذكر من المحذور، و أمّا لو فرض وجودهما مع قطع النظر عنهما فلا يلزم من المقارنة الزمانيّة محذور أصلًا.

مضافاً إلى‏ أنّ المكلّف إن كان عالماً قبل الفجر- مثلًا- بتوجُّه الخطاب و وجوب الصوم عند الفجر- مثلًا- كفى‏ ذلك في إمكان تحقُّق الامتثال حين الفجر، فوجوده قبله لغوٌ؛ و لذا قلنا: إنّ تعلّم الأحكام و لو قبلها واجب على المكلّف، فالمحرِّك له هو الخطاب المقارن لصدور متعلّقه.

هذا، مع أنّ تقدّم الخطاب و لو آناً ما يستلزم فعليّة الخطاب قبل وجود شرطه، فلا بدّ من الالتزام بالواجب المعلّق المستحيل كما مرّ.

هذا كلّه، مع أنّه لو تمّ ذلك لجرى‏ في الواجب الموسّع- أيضاً- إذا وقع في أوّل‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 131.

138

وقته؛ لعدم الفرق- حينئذٍ- إلّا في وجوب المقارنة و جوازها، مع أنّهم لا يقولون بذلك.

و الغرض من هذه المقدّمة و إبطال القول بلزوم تقدُّم الخطاب المزبور، هو إثبات أنّ زمانَ شرط الأمر بالأهمّ و زمانَ فعليّة الخطاب و زمانَ امتثاله أو عصيانه- الذي هو شرط الأمر بالمهمّ- كلَّها متّحدةٌ، كما أن الشأن هو ذلك بالقياس إلى الأمر بالمهمّ و شرط فعليّته و امتثاله أو عصيانه، و لا تقدُّم في جميع ما تقدّم بالزمان، بل التقدّم بينهما بالرتبة، و حينئذٍ فلا وقع لبعض الإشكالات التي أوردها بعضٌ‏ (1) في المقام:

منها: أنّ زمان عصيان الأمر بالأهمّ متّحد مع زمان خطاب المهمّ، فلا بدّ من فرض تقدُّم خطاب المهمّ على زمان امتثاله، و هو يستلزم الالتزام بالشرط المتأخّر و غير ذلك من الإشكالات.

ثمَّ قال في آخر كلامه: لو تنزّلنا عمّا اخترناه، و التزمنا بأنّ وصفَ التعقُّب بالعصيان شرطٌ لفعليّة خطاب المهمّ المتقدّم على زمان امتثاله، لما استلزم ذلك الجمعَ بين الضدّين كما توهّم؛ بداهة أنّ عنوان التعقُّب بالمعصية إنّما يُنتزع من المكلّف و تحقّق عصيانه في ظرفه المتأخّر، فإذا فُرض وجودُ المعصية في ظرفها، و كونُ التعقُّب بها شرطاً لخطاب المهمّ، يكون الحالُ بعينه الحالَ في فرض كون نفس العصيان شرطاً، و عليه فلا يكون اجتماع الطلبين في زمانٍ واحد طلباً للجمع بين المتعلّقين، كما تُوهِّم هذا كلُّه في المُضيَّقين‏ (2). انتهى.

أقول: هذه المقدّمة هي عمدة المقدّمات التي ذكرها، و مع ثبوتها يثبت الترتُّب، و مع عدم ثبوتها يمتنع القول به، و إن ذكر بعض المقرِّرين لدرسه خلاف ذلك، و أنّه لا دخل معتدّاً به لهذه المقدّمة في المطلوب، و أنّه (قدس سره) إنّما ذكرها دفعاً لبعض الإشكالات‏

____________

(1)- انظر نهاية الدراية 1: 231 سطر 4.

(2)- أجود التقريرات 1: 288- 293.

139

الواردة في المقام، و أنّ العُمدة هو ما سواها من المُقدّمات، لكن ليس كذلك، بل العُمدة في إثبات مطلوبه هي هذه، فلا بدّ من ملاحظة صحّة ما ذكره فيها و سقمه، فأقول:

أمّا ما ذكره من اتّحاد زمان البعث و الانبعاث‏ (1) فهو صحيح؛ لأنّ المراد من الانبعاث هو اقتضاء الانبعاث- كما صرّح هو به‏ (2)- لا الانبعاث الفعلي الخارجي، فالبعث و اقتضاء الانبعاث كلاهما في زمان واحد، كما أنّ زمان العلّة و المعلول واحد و تأخُّرُ الانبعاثِ بهذا المعنى و المعلولِ عن البعث و العلّة رتبيٌّ لا زمانيّ.

و كذلك ما ذكره: من اتّحاد زمان الشرط و المشروط، و أنّ تأخُّر المشروط عن الشرط رتبيٌّ لا زمانيّ، لكن العصيان ليس كذلك، و ليس زمانه متّحداً مع زمان الشرط و الحكم و البعث؛ و ذلك لما تقدّم من أنّ المراد به هنا هو العصيان الخارجيّ، و هو- كما تقدَّم- عبارة عن تعطّل المكلّف عن الإتيان بالمأمور به في زمانه؛ بحيث لا يتمكّن من فعله في وقته المضروب له، فلا بدّ في صدق العصيان من تعطّله عنه بمضيّ مقدار من الزمان و لو قليلًا، و إلّا فهو في أوّل الوقت ليس بعاصٍ و لا ممتثل، فالعصيان متأخّر زماناً عن الأمر و البعث.

و بالجملة: المراد بالترتُّب هو أن يكون الأمر بالأهمّ و الأمر بالمهمّ كلاهما مضيّقين، أو أحدهما مضيّقاً و الآخر مُوسّعاً في زمان واحد إذا فُرض ابتداؤهما في وقت واحد في الثاني، كما إذا امر بالصلاة لدُلوك الشمس إلى‏ غَسَق الليل، و امر بالإزالة عند الدُّلوك فوراً، و فُرض أنّ مرتبة المهمّ متأخّرة عن مرتبة الأهمّ و في طوله، و حينئذٍ فنقول: قد عرفت أنّ الأمر بالمهمّ إن كان مشروطاً بعصيان أمر الأهمّ، فيلزم تغايرُ زمان الأمر بالأهمّ مع زمان أمر المهمّ، و مُضيُّ مقدارٍ من الزمان يتحقّق به عصيان الأمر بالأهمّ الذي هو شرط الأمر بالمهمّ، و إلّا فلم يتحقّق الشرط بعدُ، و قد عرفت‏

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 344.

(2)- نفس المصدر: 342.

140

أنّه يعتبر في الترتُّب اتّحاد زمانهما.

و إن أراد أنّ الأمر بالمهمّ ليس مشروطاً بالعصيان، بل مشروط بالتلبّس به و الشروع فيه، كما يظهر من ذيل عبارته في التقريرات، و أنّه يندفع غائلة طلب الضدّين بذلك، ففيه: أنّ العصيان ليس أمراً مُتدرّج الوجود و إن احتاج إلى‏ مُضيِّ زمانٍ من الوقت و تعطّلِ المكلّف في مقدار من زمانٍ لا يمكنه فعل المأمور به الأهمّ في ذلك الوقت المضروب له؛ لأنّه زمانيّ، فلا يمكن تصوُّر التلبُّس و الشروع فيه، بل إنّما يتحقّق دفعةً واحدة و في آنٍ واحد، فإنّه ما دام يمكنه فعل المأمور به الأهمّ في وقته لم يتحقّق العصيان، و في الآن الذي لا يمكنه فعله يتحقّق العصيان و الشروع إنّما يتصوّر في الأمر المتدرِّج الوجود و التحقُّق، لا في مثله.

مضافاً إلى أنّه لو سلّمنا ذلك، و أغمضنا النظر عن هذا الإشكال، لكن الشروع في العصيان و التلبّس به ليس في المرتبة المتأخّرة عن الأمر بالأهمّ؛ ليتفرّع عليه تأخّر المشروط به- أيضاً- عنه، و ليس اشتراطه بأيّ شرط موجباً لتأخّره عن الأمر بالأهمّ في الرتبة؛ أ لا ترى‏ أنّه لو اشترط الأمر بالمهمّ بطلوع الشمس- مثلًا- فهل يوجب تأخّره عن الأمر بالأهمّ؟! كلّا، و المرتبة- أيضاً- من الامور الواقعيّة، و ليست مجرّد الاعتبار.

و أمّا ما صرّح به بأنّه يمكن اشتراط الأمر بالمهمّ بعنوان انتزاعيّ، كمفهوم «الذي يعصي»، و أنّه- أيضاً- يدفع غائلة طلب الضدّين، ففيه: ما سيجي‏ء في المقدّمة الخامسة.

المقدّمة الرابعة (التي ذكرها الميرزا النائيني (قدس سره)): أنّ انحفاظ الخطاب على تقديرٍ يُتصوّر على أنحاء ثلاثة:

أحدها: أن يكون الخطاب مشروطاً بذلك التقدير أو مطلقاً بالنسبة إليه.

و بعبارة اخرى‏: انحفاظه إمّا بالإطلاق أو التقييد اللحاظي، و ذلك إنّما هو

141

بالنسبة إلى‏ القيود التي يمكن تقييد الحكم بها، فالأوّل مثل الأمر بالحجّ بشرط الاستطاعة، و الثاني كالأمر بالصلاة على تقديري إطارة الطير و عدمها، فإنّ الخطاب في الأوّل محفوظ في حال وجود القيد، و الثاني في الحالتين.

الثاني: انحفاظه بنتيجة الإطلاق و التقييد، و ذلك بالنسبة إلى‏ القيود التي لا يمكن تقييد الحكم بها، كالعلم و الجهل، و الإطلاقُ و التقييد لا بد أن يُستكشفا من الدليل الخارجي، و الأوّل كجميع الخطابات و الأحكام الشرعية بالنسبة إلى‏ صورتي العلم و الجهل، سوى الجهر و الإخفات و القصر للمسافر، فإنّ الإجماع قائم على إطلاق الأحكام سواهما بالنسبة إلى‏ صورتي العلم و الجهل، و الثاني مثل وجوب الجهر في القراءة أو الإخفات و القصر في السفر، فإنّ الإجماع قائم على تقييد ذلك بصورة العلم، و لا يصحّ الأخذ بالإطلاق في هذا القسم بدون الدليل، و معه يُستكشف كونه مطلقاً أو مقيّداً في نفس الأمر.

الثالث: ما لا يكون من قبيل هذين القسمين و ذلك بالنسبة إلى‏ كلّ تقدير يقتضيه نفس الخطاب كالفعل و الترك، فإنّه لا يمكن تقييد الخطاب بالفعل، فإنّه تحصيل الحاصل، و لا بالترك فإنّه طلب النقيضين، فإذا كان التقييد مستحيلًا فالإطلاق بالنسبة إليهما- أيضاً- كذلك.

و الفرق بين هذا القسم و بين القسمين الأوّلين: أنّ نسبة الخطاب إلى التقدير في الأوّلين نسبة العلّة إلى معلولها، و في الثالث نسبة المعلول إلى‏ العلّة، و أيضاً الخطاب في الأخير متكفّل لبيان التقدير- أي الفعل أو الترك- و متعرّض لحاله؛ حيث إنّه يقتضي فعل المتعلّق و عدم تركه، و لا تعرّض فيه لشي‏ء آخر سوى ذلك التقدير، بخلاف القسمين الأوّلين، فإنّه لا تعرّض للخطاب فيهما بنفسه للتقادير، بل متعرّض لبيان أمر آخر.

ثمّ فرّع على ذلك: أنّ الأمر بالمهمّ المشروط بعصيان الأمر بالأهمّ متأخّر عنه‏

142

بمرتبتين أو بمراتب، فليس طلباً للجمع بين المتعلّقين. انتهى.

أقول: الإطلاق على قسمين:

الأوّل: الإطلاق الذي يحتجّ به العبد على مولاه عند المخاصمة، و هذا إنّما هو بالنسبة إلى‏ القيود التي يمكن تقييد الخطاب بها.

الثاني: الإطلاق الذي لا يصحّ للعبد الاحتجاج به على مولاه عند المنازعة، و هو بالنسبة إلى‏ القيود التي لا يمكن تقييد الخطاب بها.

و وجه عدم صحّة احتجاجه على المولى فيه هو أنّ المفروض عدم إمكان تقييد الخطاب بها حتّى يُحتجّ به.

ففي القسم الأوّل: إذا جعل القادر المختار شيئاً موضوعاً لحكمه فإنّ الحكم لا يتجاوز عن موضوعه، فإذا جعل الموضوع نفس الطبيعة المطلقة، كما لو قال: «أعتق رقبة»، و امتثل المكلّف، و أعتق فرداً منها، لا يصحّ للمولى أن يقول: «إنّي أردت غير هذا الفرد»، فيحتجّ العبد عليه: بأنّه لو كان كذلك، فلا بدّ لك أن تقيّد الموضوع؛ لأنّ المفروض أنّه قادر مختار، و قد عرفت سابقاً أنّ الإطلاق عبارة عن جعل الموضوع طبيعة مطلقة، لا لحاظ سراية الحكم إلى‏ جميع الحالات.

فتلخّص: أنّ الإطلاق الذي يصحّ أن يحتجّ به العبد على مولاه قسم واحد، و ليس فيه لحاظ أنّه سواء كان كذا أو كذا، فإنّه تقييد، و إن أراد باللحاظ ما ذكرناه فلا مشاحّة في الاصطلاح.

و توهّم: أنّه في القسم الثالث جعل الخطاب بنحو القضية المهملة.

مدفوعٌ: بأنّه لا فرق بين هذا القسم و بين القسمين الأوّلين في أنّ للأمر مادّة و هيئة، و المادّة موضوعة للطبيعة المطلقة، و قد عرفت أنّ معنى الإطلاق هو ذلك ليس إلّا فمعنى «صلِّ» هو البعث إلى‏ المادّة؛ أي طبيعة الصلاة بنحو الإطلاق، لا الطبيعة المهملة، غاية الأمر أنّ التقييد في هذا القسم الثالث غير ممكن، فلأجله لا يمكن الأخذ

143

بالإطلاق بالنسبة إلى‏ الفعل و الترك؛ لأنّ مقتضى نفس الإطلاق هو الفعل لا لأجل عدم الإطلاق؛ ضرورة أنّ الموضوع في هذا القسم الثالث هو الموضوع في القسمين الأوّلين.

نعم يمكن الأخذ بإطلاق الهيئة في هذا القسم.

و أمّا تفريعه القول بالترتّب على ما ذكره من أنّ الأمر بالمهمّ متأخّر عن الأمر بالأهمّ المشروط بعصيان الأمر بالأهمّ في الرتبة.

ففيه أوّلًا: أنّ العصيان ليس متأخّراً عن الأمر به رتبةً لعدم وجود ملاكه فيه كما سيجي‏ء بيانه.

و ثانياً: مجرّد التأخّر الرتبي لا يفيد في تصحيح الترتُّب و دفع غائلة طلب الضدّين شيئاً، فمجرّد تأخّر الشرط في الرتبة لا يصحِّح الترتُّب.

فاتّضح ممّا ذكرنا أنّ هذه المُقدّمة- أيضاً- على فرض صحّتها لا تفيد شيئاً، و إن نقل عنه أنّها أهمّ المقدّمات لتصحيح الترتُّب‏ (1).

ثمّ إنّه ذكر لبيان تأخُّر الأمر بالمهمّ تقريبات:

الأوّل: أنّ الإطاعة في مرتبة متأخّرة عن الأمر؛ لأنّ الانبعاث في رتبة متأخّرة عن البعث، و الإطاعة مع عدمها- أيضاً- في رتبة واحدة، فالعصيان متأخّر عن الأمر بمرتبة واحدة؛ لأنّه في رتبة الإطاعة التي هي متأخّرة عن الأمر، فالحكم المشروط بعصيان أمرٍ متأخّرٌ عن ذلك الأمر.

الثاني: أنّ الأمر بالشي‏ء مقتضٍ للنهي عن ضدّه العامّ- بمعنى‏ النقيض- أو مستلزم له، فالنهي عن الضدّ متأخّر عن الأمر؛ حيث إنّه مقتضٍ أو مستلزم له، فهو متأخّر عن مقتضيه في الرتبة، فلا بدّ أن يكون العصيان متأخّراً عن الأمر؛ لما عرفت من أنّ الشي‏ء مع مصداقه في مرتبة واحدة.

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 348.

144

الثالث: أنّ المشروط متأخّر عن شرطه بمرتبة واحدة، و حيث إنّ الأمر بالمهمّ مشروط بعصيان الأمر بالأهمّ، فهو متأخّر عنه.

أقول: قد عرفت أنّ أساس الترتُّب هو ذلك، و أنّ دفع غائلة طلب الضدّين إنّما هو باختلاف الطلبين في الرتبة؛ بحيث لو فرض دفعها لا بهذه الحيثيّة، بل لحيثيّة اخرى‏، لم يكن ترتُّباً و إن دفع الغائلة به، فلا بدّ أوّلًا من التنبيه على أمرٍ بديهيّ، و هو أن العصيان هل هو أمر وجوديّ زمانيّ، أو أنّه عدميّ؛ أي الترك مطلقاً، أو لا لعذر؟

لا إشكال في أنّه الأخير، و أنّ العصيان عبارة عن ترك المأمور به لا لعذر، فهو أمر عدميّ، لكن لا بدّ أن ينقضي من الوقت مقدار لا يتمكّن العبد من فعل المأمور به في ذلك الوقت، فإذا ثبت أنّه أمر عدميّ فإثبات المرتبة له؛ و أنّه في مرتبة كذا و كذا، أو أنّه شرط واضح الفساد، فإنّ العدم و العدميّ لا تحقّق لهما و إن احتاجا إلى‏ مضيّ زمان بالعَرض، و قد تقدّم أنّ ما يقال: من أنّ عدم الملكة أو العدم المضاف له حظّ من الوجود، فهو في مقام التعليم و التعلُّم، و إلّا فالعدم عدم مطلقاً، و الحظّ للوجود إنّما هو للملكة أو المضاف إليه، و عرفت أنّ القضايا التي بحسب الصورة موجبة و جُعل الموضوع فيها أمراً عدميّاً، مثل «إنّ شريك الباري ممتنع»، لا بدّ و أن ترجع إلى‏ السالبة المحصّلة بانتفاء الموضوع؛ أي أنّه ليس بموجود البتّة، و إلّا فالحكمُ بثبوت شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوت المثبت له، حكمٌ عقليّ كلّيّ بديهيّ غير قابل للتخصيص، و أمّا قولنا:

العقاب على العصيان، فلا بدّ من توجيهه- أيضاً- حتّى لا يرد عليه هذا الإشكال العقلي، و كذلك لا يمكن جعل العصيان شرطاً لحكم، كما فيما نحن فيه، فإنّ الشرط مصحّح لفاعليّة الفاعل أو لقابليّة القابل، و العدم لا يصلح لذلك؛ فإنّه لا بدّ أن يؤثّر الشرط في المشروط، و العدم غير قابل للتأثير في شي‏ء و توهّمُ اختصاص ذلك بالشروط التكوينيّة لا الشرعيّة، فلا يعتبر في الثاني تأثير الشرط في المشروط، خلافُ مذهب العدليّة من إناطة الأحكام الشرعية بمصالح و مفاسد واقعيّة، و أنّها

145

ليست جُزافية.

و أمّا التقريب الأوّل:

ففيه أنّ التقدُّم و التأخّر الرتبيّين العقليّين لا بدّ أن يكون لهما ملاك: إمّا بالتجوهر، كتقدّم أجزاء الماهيّة عليها في الرتبة، أو بالعلّية، كتقدّم العلّة على معلولها، أو بالطبع، كتقدّم المقتضي على مقتضاه بالطبع و الرّتبة، كلّ ذلك منتفٍ فيما نحن فيه؛ أي العصيان بالنسبة إلى‏ الأمر؛ ليكون العصيان متأخّراً عنه في الرتبة. نعم الإطاعة متأخّرة عن الأمر تأخّراً طبعيّاً لكن نقيضها و مصداق نقيضها ليسا كذلك لعدم الملاك فيهما.

و أمّا التقريب الثاني:

ففيه:

أوّلًا: أنّك قد عرفت أنّ الأمر بالشي‏ء لا يستلزم النهي عن الضدّ العامّ.

و ثانياً: سلّمنا ذلك، لكن عرفت أنّ تأخُّر شي‏ءٍ عن شي‏ء في الرتبة لا بدّ أن يكون له ملاك مفقود فيه، و منشأ توهُّم تأخُّر العصيان عن الأمر في الرتبة هو الخلط بين التقدُّم الرُّتبي و الخارجي و ملاحظة أنّ الموجودَ مع شي‏ءٍ متأخّرٍ عن أمرٍ متأخّرٌ عن ذلك الأمر في الحسّ و الخارج.

لكن أين هذا من التقدُّم الرُّتبيّ و التأخّر كذلك؟! فإنّ الرتبة أمر عقليّ موطنه العقل لا الخارج.

و أمّا التقريب الثالث:

ففيه أنّ المشروط ليس متأخّراً عن الشرط في الرتبة؛ لعدم ملاك التأخّر الرّتبي فيه، فرفع غائلة طلب الضدّين فيما إذا كان أمر المهمّ مشروطاً بعدم الإتيان بأمر الأهمّ، إنّما هو لعدم اجتماع الأمرين و الطلبين في زمان واحد لا بالرتبة.

المقدّمة الخامسة (التي ذكرها الميرزا النائيني (قدس سره)): هي أنّه تنقسم موضوعات التكاليف و شرائطها إلى‏ أقسام: لأنّ الموضوع إمّا قابل للرفع و الوضع أو لا، و الأوّل إمّا قابل لكلٍّ من الرفع و الدفع، أو قابل للدفع فقط، و على كلا التقديرين إمّا قابل‏

146

للرفع الاختياري للمكلّف- أيضاً- أو لا، و الرفع التشريعي إمّا بنفس التكليف أو بامتثاله.

هذا خلاصة التقسيم، فنقول: فيما إذا كان الموضوع ممّا لا تناله يد الوضع و الجعل و الرفع التشريعيين، كالوقت بالنسبة إلى‏ الصلاة، فالخطاب المجامع لهذا الخطاب يقتضي إيجاب الجمع على المكلّف، مع إطلاق كلّ واحد من الخطابين بالنسبة إلى‏ حالتي فعل الآخر و تركه، و إن كان كلٌّ منهما مشروطاً بعدم الآخر أو أحدُهما، فلا يقتضي الجمع.

و أمّا إذا كان قابلًا للرفع و الوضع الشرعيين، فالخطاب المجامع إن لم يكن متعرّضاً لموضوع الآخر من دفع أو رفع، فالكلام فيه هو الكلام في القسم الأوّل طابق النعل بالنعل.

و أمّا إذا كان متعرّضاً له فإمّا أن يكون نفس الخطاب رافعاً أو دافعاً لموضوع الآخر، أو يكون امتثاله رافعاً لموضوع الآخر:

فعلى الأوّل: فهو ممّا يوجب عدم اجتماع الخطابين في الفعليّة، و لا يعقل فعليّة كليهما؛ لأنّ وجود أحد الخطابين رافع لموضوع الآخر فلا يبقى مجال لفعليّة الآخر حتّى يقع المزاحمة.

و على الثاني: أي ما كان امتثال أحد الخطابين رافعاً لموضوع الآخر، فهذا هو محلّ البحث في الخطاب الترتُّبي؛ حيث يتحقّق اجتماع كلٍّ من الخطابين في الفعلية؛ لأنّه ما لم يتحقّق امتثال أحد الخطابين- الذي فرضنا أنّه رافع لموضوع الآخر بامتثاله- لا يرفع الخطاب الآخر، فيجتمع الخطابان في الزمان و في الفعليّة بتحقّق موضوعهما، فهل يوجب هذا الاجتماع إيجاب الجمع؛ حتّى يكون مُحالًا، أو لا؟

الحقّ أنّه لا يوجب ذلك، بل يقتضي نقيض إيجاب الجمع؛ بحيث لا يكون الجمع مطلوباً لو فرض إمكانه؛ لمكان أنّ الخطاب بالمهمّ مشروط بعصيان الأهمّ‏

147

و خلوّ الزمان عنه، و مع هذا كيف يقتضيان إيجاب الجمع؟! فلو اقتضيا إيجاب الجمع و الحال هذه لزم من المحالات ما يوجب العجب في كلّ من طرف الطلب و المطلوب:

أمّا الثاني: أي لزوم المحال من طرف المطلوب، فلأنّ مطلوبيّة المهمّ و وقوعه على هذه الصفة إنّما يكون في ظرف عصيان الأهمّ و خلوّ الزمان عنه، فوقوع المهمّ على صفة المطلوبيّة في حال وجود الأهمّ و امتثاله كما هو بحيث يعتبر ذلك فيه يستلزم الجمع بين النقيضين؛ و أنّ المطلوبيّة مقيّدة بوجود الأهمّ و عدمه.

و أمّا الأوّل: أي استلزام ذلك في طرف الخطاب و الوجوب، فلأنّ خطاب الأهمّ من علل عدم خطاب المهمّ؛ لاقتضائه رفع موضوعه، فلو اجتمع خطابا الأهمّ و المهمّ، و صار خطاب المهمّ في عرض خطاب الأهمّ، لكان من اجتماع علّة الشي‏ء مع عدم علّته، فلا بدّ إمّا أن تخرج العلّة عن كونها علّة، و إمّا العدمُ عن كونه عدماً، و إمّا أن تبقى‏ العلّة على علّيّتها، و العدمُ على عدمه، و الكلّ كما ترى‏ من الخُلف و المناقضات العجيبة من جهات عديدة، مضافاً إلى‏ أنّ البرهان المنطقي- أيضاً- على خلاف ذلك؛ فإنّ الأمر الترتُّبي المبحوث عنه في المقام إذا أبرزناه بصورة القضيّة الحمليّة، يكون من المانعة الجمع لا الخلوّ، هكذا: إمّا أن يجب الإتيان بالأهمّ، و إمّا يجب الإتيان بالمهمّ.

انتهى‏ (1) ملخّص كلامه (قدس سره).

أقول: جميع الصور المتصوَّرة في المقام: إمّا طلب للجمع بين الضدّين، و إمّا خارج عن الترتُّب؛ و ذلك لأنّ الشرط: إمّا هو عصيان أمر الأهمّ، فقد عرفت أنّ تحقّقه يحتاج إلى‏ مُضيّ مقدار من الوقت لا يتمكّن المكلّف معه من فعل الأهمّ و لو آناً ما، و حينئذٍ يسقط الأمر بالأهمّ، و يصير الأمر بالمهمّ فعليّاً، و لا بدّ في الترتُّب- كما عرفت- من اجتماع الأمرين في زمان واحد، و هنا ليس كذلك.

و إمّا أن يجعل الشرط هو الشروع و الاشتغال بالعصيان ففيه: أنّه قد عرفت أنّ‏

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 352- 361.

148

العصيان أمرٌ آنيّ ليس فيه شروع و خروج.

و ثانياً: سلّمنا ذلك، لكن نقول: العصيان حين الشروع فيه إمّا متحقّق أو لا، لا إشكال في أنّه الثاني، و حينئذٍ فالأمر بالأهمّ باقٍ و لم يسقط بعدُ؛ لأنّ المفروض عدم تحقّق العصيان الذي هو موجب لسقوطه، و المفروض أنّ شرط الأمر بالمهمّ- أيضاً- متحقّق؛ لأنّ المفروض أنّه الشروع في العصيان لا نفس العصيان، و قد تحقّق الشروع و التلبّس به، فاجتمع الطلبان في زمان واحد، و ليس ذاك إلّا طلباً للجمع بين المتعلَّقين، و هو محال.

و إن جعل الشرط عنواناً انتزاعيّاً ك «الذي يعصي»- الذي هو أمر اعتباريّ منتزع عن العصيان، فلا يخلو إمّا أن يكون هو مساوقاً للعصيان الخارجي، أو مساوقاً للشروع فيه و التلبُّس به، أو لما قبل العصيان:

فعلى الأوّل فليس هو طلباً للجمع بين الخطابين في زمان واحد، بل في زمانين، كما إذا جعل الشرط نفس العصيان الخارجيّ طابق النعل بالنعل.

و على الثاني و الثالث فهو طلب للجمع بين متعلَّقي الخطابين، و هو مستحيل.

حول أمثلة الترتّب:

ثمّ إنّه (قدس سره) استدلّ على ما ذهب إليه في المقام بوقوعه في الأحكام الشرعيّة:

منها: أنّه لو فرض أنّ اللَّه تعالى‏ حرّم الإقامة من أوّل الفجر إلى‏ الزوال، ثمّ قال: «إن عصيت و أقمت وجب عليك الصوم».

و منها: أنّه لو فرض أنّه حرّم الإقامة من الزوال إلى‏ الغروب، ثمّ قال: «إن عصيت و أقمت وجب عليك إتمام الصلاة أربع ركعات».

و منها: ما لو فُرض أنّه كان مديوناً في السنين السابقة، و فرض أنّه ربح في السنة التي هو فيها، فهو مأمور بأداء الدَّين، و أنّه إن عصى و لم يؤد الدين وجب عليه‏

149

خمس ربحه.

و غير ذلك من الفروع التي رُتِّب فيها حكمٌ على عصيانِ حكمٍ آخر، و لا مفرّ عنها للفقيه إلّا بالالتزام بالترتُّب، و أدلّ الدليل على إمكان الشي‏ء وقوعه.

و الفرق بين تلك الأمثلة و بين ما نحن فيه: هو أنّ الجمع بين الحكمين في مقام الامتثال في الأمثلة ممكن، بخلاف ما نحن فيه، فإنّ المفروض فيه أنّ طلبهما مع قطع النظر عن الترتُّب طلب للجمع بين الضدّين، و قد عرفت أنّ هذا الفرق غير فارق، و أنّ الترتُّب إن كان ممكناً فلا فرق فيه بين الموردين‏ (1).

أقول: يرد عليه:

أوّلًا: أنّ العصيان ليس متأخّراً عن الأمر في الرتبة- كما عرفت، و سنشير إليه- و الترتُّب إنّما هو فيما إذا كان الشرط متأخّراً عن المشروط فيها.

و ثانياً: موضوع القصر و الإتمام إنّما هو نفس الإقامة أو العزم عليها؛ لقوله تعالى‏: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ» (2) الآية، و ليس موضوعها عصيان الأمر بالإقامة، كما هو واضح.

و على فرض أنّ عصيانَ كلِّ حكمٍ متأخّرٌ عنه في الرتبة، ففيما نحن فيه موضوع الحكم هو الإقامة أو العزم عليها، و ليسا مُتأخّرَينِ عن النهي عن الإقامة في الرتبة؛ لعدم وجود ملاك التأخّر الرُّتبي فيه، و النقض موقوف على صحّة ما ينتقض به و مُسلَّميَّته، و ما ذكره ليس من الترتُّب في شي‏ء.

و توهّم: أنّ الإقامة و إن لم تكن متأخّرة عن النهي عنها بالذات، لكن العصيان منتزع عن الإقامة، و الإقامة منشأ لانتزاع مفهوم العصيان، فالإقامة متأخّرة عن الحكم في الرتبة بالعَرض.

____________

(1)- انظر فوائد الاصول 1: 357- 359.

(2)- البقرة: 185.

150

فاسد؛ لأنّ العصيان و إن كان مُنتزَعاً عن الإقامة، لكن لا من حيث إنّها إقامة، بل من حيث إنّها مخالَفة للتكليف بدون عذر، و إلّا يلزم أن يكون المقيم مطلقاً- سواء كانت الإقامة محرّكة أم لا، و سواء كان ملتفتاً إلى‏ التكليف أم لا، و سواء خالفَ بلا عذر أو مع العذر- قد ارتكب محرّماً و معصية، و هو كما ترى‏.

و ما يقال: كلّ ما بالعَرض لا بدّ و أن ينتهي إلى‏ ما بالذات، فالعصيان أمر عرضيّ لا بدّ و أن ينتهي و يرجع إلى‏ ذاتيّ، و هو الإقامة، فهو صحيح، لكن ما بالعرض فيما نحن فيه يرجع إلى‏ حيثيّة المخالفة للحكم، لا إلى‏ ذات الإقامة.

و بالجملة: ما ذكره من الأمثلة ليس من الترتُّب أصلًا.

و ثالثاً: لو فُرض أنّ الموضوع لوجوب الصوم هو العصيان، و فُرض تسليم تأخُّر العصيان عن الأمر، فإمّا أن تكون الإقامة من الفجر إلى‏ الزوال، أو من الزوال إلى‏ الغروب، أو من ابتداء العشرة إلى‏ انتهائها، عصياناً واحداً؛ بحيث يتوقّف تحقُّقه على مُضيّ تمام المدّة، و أنّه لو بقي من المدّة أقلّ قليل لم يتحقّق العصيان، أو لا، بل الإقامة فيها في كلّ آنٍ مفروضٍ معصية واحدة:

فعلى الأوّل: يلزم وجوب الصوم من الزوال إلى‏ الغروب في المثال الأوّل، و بعد الغروب في المثال الثاني، و بعد انقضاء العشرة في الثالث، و الكلّ كما ترى‏ غير واقع في الشريعة، و ذلك كلّه واضح؛ لأنّ الحكم إنّما يتحقّق و يصير فعليّاً إذا تحقّق الشرط و الموضوع- أي العصيان، و المفروض أنّ تحقّقه يحتاج إلى‏ مُضيّ المدّة المذكورة.

و على الثاني: فالموضوع و الشرط: إمّا هو معصية واحدة منها (1)، أو جميع المعاصي في المدّة الواقعة من الفجر إلى‏ الزوال، أو من الزوال إلى الغروب، أو إلى‏ انقضاء العشرة:

فعلى الثاني الكلام فيه هو الكلام في الأوّل طابق النعل بالنعل.

____________

(1)- أي من المعاصي المفروضة في كل آنٍ من آنات الإقامة.