تنقيح الأصول‏ - ج2

- الشيخ حسين التقوي الاشتهاردي المزيد...
457 /
151

و على الأوّل: فالعصيان- كما عرفت- يحتاج في تحقُّقه إلى مُضيّ مقدار من الوقت، فالمعصية في الآن الأوّل تتوقّف على مُضيّ ذلك الآن، فيلزم وجوب الصوم بعد ذلك الآن من الفجر، و هو- أيضاً- كما ترى‏.

و رابعاً: قد عرفت أنّ الترتُّب إنّما هو فيما لو كان الأمران في زمان واحد، و على فرض كون الشرط هو العصيان يسقط الأمر بالأهمّ عند فعليّة الأمر بالمهمّ.

مضافاً إلى‏ أنّ الأمثلة المذكورة ممّا يمكن الجمع فيها بين الحكمين فيها، و الترتُّب ليس كذلك.

هذا إذا جعل العصيان الخارجيّ شرطاً للأمر بالمهمّ.

و أمّا إذا جعل الشرط هو العنوان المنتزع- كما إذا نهى عن الإقامة، و قال: «إن كنت ممّن يعصي هذا الحكم، أو ممّن يقيم في المدّة، وجب عليك الصوم»- فيرد عليه أنّ تلك الأمثلة دليل على نقيض مطلوبه و عدم صحّة الترتُّب و عدم إمكانه؛ لأنّه لو كان ذلك ترتُّباً لزم إمّا أن لا تقع الإقامة مبغوضة، و إمّا أن لا يقع الصوم مطلوباً، كما صرّح (قدس سره) في الأمرين المترتّبين: أنّهما بحيث لو أتى‏ بهما المكلّف على فرض المحال، لم يقعا على صفة المطلوبيّة (1)، و في المثال حيث إنّ الأهمّ حكم تحريميّ، و المهمّ المترتّب عليه حكم إيجابيّ، فبناء على ما ذكره لو أقام و صام لزم إمّا أن لا تقع الإقامة على صفة المبغوضيّة، و لم تكن محرّمة، أو لا يقع الصوم على صفة المطلوبيّة، و لا يكون واجباً، مع أنّه لا إشكال في أنّ الإقامة وقعت في الأمثلة مبغوضة، و الصوم محبوباً، و هو دليل على أنّ الأمثلة ليست من الترتُّب في شي‏ء.

و أمّا مسألة الخُمس فهي ليست من الترتُّب أصلًا؛ لأنّ موضوع الخُمس هو الغنيمة؛ لقوله تعالى‏: «وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ» (2) الآية، فكلّما

____________

(1)- انظر فوائد الاصول 1: 363.

(2)- الأنفال: 41.

152

تحقّقت الغنيمة يتحقّق وجوب الخمس في آخر تلك السنة بشرائطه، غاية الأمر أنّه لو كان عليه دَيْن و أدّاه في السنة، لا يجب خمسه؛ لانتفاء موضوعه- أي الغنيمة- و ليس وجوب الخمس في الشريعة مترتّباً على عصيان الأمر بالأداء كما لا يخفى‏.

و قال المحقّق العراقي (قدس سره) في المقام ما حاصله: ما ذكره الاصوليّون من الترتُّب- لتصحيح الأمرين المتعلّقين بالضدّين- في غاية المتانة، و لا إشكال فيه، و لكن لا حاجة إليه في المقام؛ و ذلك لأنّه لو فرض أنّ الأمرين متساويان في الأهميّة فلا يصحّ أن يقال: إنّ كلّاً منهما مشروط بعصيان الآخر لأدائه إلى‏ الاستحالة، و هو تقدّم الشي‏ء على نفسه؛ حيث إنّ العصيان متأخّر عن الأمر، و المشروط بالمتأخّر- أيضاً- متأخّر، فإذا فُرض أنّ كلّ واحد منهما مشروط بعصيان الآخر، لزم تقدّم كلٍّ منهما على الآخر و تأخّره عنه، و ليس كلّ واحد منهما مشروطاً بعدم الآخر أيضاً، لا لأجل ما ذُكر؛ فإنّ الاستحالة غير لازمة له، و لا لأجل محذور آخر، و هو لزوم طلب الجمع بين الضدّين إذا تركهما المكلّف كليهما؛ حيث إنّ شرط كلٍّ منهما متحقّق؛ لأنّه لو أوجد أحدهما ينهدم موضوع الآخر و شرطه، فلا يلزم الاستحالة و طلب الجمع، بل عدم مشروطيّة كلٍّ منهما بعدم الآخر لعدم الداعي و الباعث لجعل المطلق مشروطاً، مع إمكان إبقاء الطلبين على إطلاقهما، كما هو المفروض فيما نحن فيه، غاية الأمر أنّ العقل حاكم بتخيير المكلّف بينهما. هذا في المهمّين.

و هكذا الكلام فيما إذا كان أحدهما أهمّ من الآخر، فإنّ عدم استلزام الطلبين اللّذين أحدهما أهمّ من الآخر للجمع بين طلب الضدّين إنّما هو لأجل أنّ اقتضاء الأمر بالمهمّ اقتضاء ناقص، و اقتضاء الأمر بالأهمّ اقتضاء تامّ، و ذلك فإنّ الأمر قد يقتضي سدّ باب جميع الأعدام المتصوّرة المتوجّهة إلى‏ المأمور به، كالعدم من جهة الشرط أو وجود المانع أو وجود المُزاحم، و حينئذٍ فاقتضاؤه تامّ، و قد لا يقتضي سدّ جميع الأعدام المتصوّرة بل بعضها، كالأمر بالمهمّ؛ حيث إنّه لا يقتضي سدّ العدم‏

153

المتوجّه إليه من ناحية وجود المزاحم، و هو المأمور به بالأمر بالأهمّ، و حينئذٍ فالأمران كلاهما باقيان على إطلاقهما، و مع ذلك لا يلزم طلب الجمع بدون الاحتياج إلى‏ جعل الأمر بالمهمّ مشروطاً بعصيان أمر الأهمّ‏ (1).

ثم استشكل على نفسه بما أورده صاحب الكفاية (قدس سره)- كما أنّ الميرزا النائيني (قدس سره) أيضاً أورد هذا الإشكال على نفسه، و هو أنّه و إن لا يلزم الجمع بين الطلبين في مرتبة الأهمّ، و لا مطاردة بينهما في هذه المرتبة، إلّا أنّ المطاردة بينهما باقية في مرتبة الأمر بالمهمّ؛ بداهة فعليّة الأمر بالمهمّ و الأهمّ كليهما في تلك المرتبة، و ليس ذلك إلّا طلباً للجمع بين الضدّين، و هو مُستحيل‏ (2)-.

و أجاب عنه بما ذكره: من أنّ اقتضاء الأمر بالمهمّ اقتضاء ناقص لا يسدّ باب جميع الأعدام المتوجّهة إليه، فمع الأمر بالمهمّ ليس طلباً للجمع بينهما (3).

و أجاب الميرزا النائيني (قدس سره) عن الإشكال: بأنّ الأمر بالمهمّ مشروط بعصيان الأهم، فليس طلباً للجمع بينهما (4).

أقول: جميع ما ذكره (قدس سره) صحيح إلّا ما ذكره في مقام الجواب عن الإشكال، فإنّه إن أراد أنّ اقتضاء الأمر بالمهمّ ناقص ما دام لم يسقط الأمر بالأهمّ بالعصيان، فإذا عصاه سقط أمره، و صار أمر المهمّ تامّاً، فهو خارج عن الترتُّب؛ لما عرفت من أنّ الأمرين في الترتّب لا بدّ أن يكونا في زمان واحد، و دفع غائلة اجتماع الطلبين بالتقدّم و التأخّر الرتبيين، و ما نحن فيه ليس كذلك.

و إن أراد أنّ اقتضاء الأمر بالمُهمّ يصير تامّاً قبل سقوط الأمر بالأهمّ و لو

____________

(1)- نهاية الأفكار 1: 373، و مقالات الاصول: 119 سطر 20.

(2)- كفاية الاصول: 166- 167.

(3)- انظر مقالات الاصول 1: 120 سطر 11، و نهاية الأفكار 1: 375.

(4)- فوائد الاصول 1: 375.

154

آناً ما، فيلزم طلب الجمع بين الضدّين في ذلك الآن بدون أن يترتّب أحدهما على الآخر، و هو محال.

و من ذلك يظهر الجواب عمّا ذكره المحقّق النائيني (قدس سره) أيضاً.

و يظهر- أيضاً- فساد تقريب آخر ذكروه للترتُّب، و حاصله: أنّ اقتضاء كلّ أمر إنّما هو في مرتبة ذاته، لا في مرتبة تأثيره و معلوله، كما أنّ اقتضاء العلّة للمعلول إنّما هو في مرتبة ذاتها، لا في مرتبة المعلول، فاقتضاء الأمر بالأهمّ في مرتبة ذاته لا في مرتبة تأثيره، و كذلك اقتضاء الأمر بالمهمّ- أيضاً- في مرتبة ذاته، و هي مرتبة تأثير الأمر بالأهمّ، لا في مرتبة ذات الأمر بالأهمّ، و حينئذٍ ففي مرتبة اقتضاء الأمر بالمهمّ ليس للأمر بالأهمّ اقتضاء، فيندفع غائلة طلب الضدّين.

و جوابه يظهر ممّا ذكرناه، و حاصله: أنّه لا يخلو إمّا أن يبقى الأمر بالأهمّ و اقتضاؤه لأثره في مرتبة اقتضاء الأمر بالمهمّ و حين فعليّته، أو لا، بل يسقط الأمر بالأهمّ قبل اقتضاء الأمر بالمهمّ:

فعلى الأوّل فهو ليس إلّا طلباً للجمع بين الضدّين بدون التقدُّم و التأخُّر الرُّتبيين، و هو محال.

و على الثاني يخرج الفرض عن محطّ البحث؛ فإنّك قد عرفت غير مرّة أنّ محطّه إنّما هو فيما إذا كان هناك أمران متعلّقان بالضدّين في زمان واحد، و كان المهمّ منهما متأخّراً عن الآخر في الرتبة، و إنّ ما ذكره ليس كذلك.

فانقدح من جميع ما ذكرناه أنّ الإشكال الذي ذكره الشيخ البهائي في المقام لا يندفع بالترتُّب فإن أمكن دفعه بما ذكرناه سابقاً فهو، و إلّا فالإشكال باقٍ بحاله، فيلزم فساد الضدّ العباديّ لو لم نقل بكفاية وجود الملاك في صحّة العبادة و عدم احتياجها إلى الأمر.

155

الفصل الرابع عشر في أمر الآمر مع علمه بانتفاء الشرط

هل يجوز أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه؟ و قبل الخوض في المطلب يقع الكلام في محطّ البحث، و أنّه ما ذا؟ فإنّه يتصوّر على وجوه:

الأوّل: أنّه يحتمل أن يراد بالإمكان فيه هو الإمكان الذاتيّ؛ بأن يقال: هل يمكن صدور الأمر ذاتاً من الآمر مع علمه بانتفاء شرطه، أو لا؛ حيث إنّ الأمر من الأفعال الاختياريّة، فلا بدّ له من علّة تامّة مركّبة من الأجزاء و الشرائط، فمع انتفاء الشرط لا يمكن وجود المشروط؟

الثاني: أن يراد بالإمكان الوقوعي منه، و يراد بالشرط شرط الأمر؛ بأن يقال: هل يمكن صدور الأمر و وقوعه في الخارج من الآمر مع علم الامر بانتفاء شرط الأمر، و أنّه لا يلزم منه في الخارج محذور، أو لا، بل يلزم من وجوده المحال؟

الثالث: أن يُراد الإمكان الوقوعيّ- أيضاً- لكن يراد بالشرط شرط المأمور به و متعلّق الأمر؛ أي شرط وجوده.

الرابع: أن يراد الإمكان الوقوعي- أيضاً- لكن اريد من الشرط شرط التكليف، كقدرة العبد على الامتثال.

156

و بعبارة اخرى‏: محلّ البحث هو: أنّه هل يجوز التكليف بغير المقدور أو لا؟

الخامس: أن يقال: هل يجوز أمر الآمر و إنشاؤه للتكليف مع علمه بانتفاء شرط فعليّة التكليف أو لا يجوز؟

فنقول: أمّا الأوّل فهو لا يوافق عنوان البحث؛ حيث اخذ في عنوانه علم الآمر بانتفاء الشرط، فإنّه عليه لا وجه للتقييد بالعلم كما لا يخفى، و كذلك الثاني، و أنّه لا بدّ من حذفه إلّا أن يرجع إلى‏ الثالث.

و أمّا الثالث فهو ممكن، و البحث فيه معقول، و لذلك وقع البحث فيه بين الأشاعرة و المعتزلة.

و كذلك الرابع و الخامس؛ بأن يقال: هل يجوز إنشاء التكليف مع العلم بعدم حصول شرط التكليف أبداً، كعدم النسخ، كما يظهر من استدلال الأشاعرة لجواز ذلك بقضية أمر (1) إبراهيم (عليه السلام) بذبح ولده، فإنّه تعالى‏ أمره بذبح ابنه مع علمه تعالى‏ بعدم وجود شرط فعليّة وجوب الذبح، و هو عدم النسخ.

و حينئذٍ فنقول: إنّ هذا البحث من المعتزلة و الأشاعرة من شُعب النزاع في اتّحاد الطلب و الإرادة، فذهبت الأشاعرة إلى‏ تغايرهما، و أنّ في النفس ما يسمّونه كلاماً نفسيّاً، و الطلب هو الإنشائي منه، و أنّه يمكن أن يطلب المولى شيئاً و ينشئه، لكن لم تتعلّق إرادته به؛ حيث إنّه لو تعلّقت إرادته به لزم المحال، و هو تخلُّف المراد عن الإرادة (2)، فذهبوا إلى‏ جواز الأمر مع العلم بانتفاء شرطه‏ (3)، و حيث إنّ الإماميّة و المعتزلة ذهبوا إلى‏ اتّحادهما مصداقاً- و أنّه لا شي‏ء في النفس غير الإرادة و ما هو مبدأٌ للطلب فيما نحن فيه، و أنّ مبدأه و منشأه هي الإرادة فقط- ذهبوا إلى‏ عدم جواز

____________

(1)- هداية المسترشدين: 304، سطر 19.

(2)- هداية المسترشدين: 133، كفاية الاصول: 86- 87.

(3)- انظر كفاية الاصول: 169- 170، و القوانين 1: 126 سطر 1، و معالم الدين: 85 سطر 10.

157

أمر الآمر مع العلم بانتفاء شرطه؛ لعدم ما هو منشأ و مبدأ له في النفس، فإنّ البعث الحقيقي إنّما هو للانبعاث، فمع العلم بعدم انبعاث المكلّف لعدم شرطه يقبح البعث، فلا يمكن صدوره من المولى الحكيم‏ (1).

و لكنّه مبنيّ على القول بانحلال التكاليف الكلّية و العامّة المتوجّهة إلى‏ العموم إلى‏ تكاليف جزئيّة متوجّهة إلى‏ آحاد المكلّفين، لكن قد عرفت ما فيه.

توضيح ذلك: أنّك قد عرفت أنّ البعث الحقيقيّ لا يمكن بالنسبة إلى‏ الشخص العاجز الغير القادر، و لا يصحّ للشارع بعثه إلى‏ الغير المقدور له، و كذا بالنسبة إلى‏ من يعلم أنّه لا ينبعث، و كذلك بالنسبة إلى‏ من يعلم الآمر بأنّه يأتي بالمأمور به و إن لم يأمره به في التوصُّليّات، و كذلك بالنسبة إلى‏ خصوص المكلّف الذي يكون المأمور به خارجاً عن مورد ابتلائه؛ كلّ ذلك لأجل أنّ غاية البعث و الزجر الحقيقيّين هو انبعاث المكلّف إلى‏ المأمور به و انزجاره عن المنهي عنه، اللذان هما غايتان للبعث و الزجر و مبدءان لهما، المنتفيان في هذه الموارد، فيمتنع البعث و الزجر إلى‏ أشخاص هؤلاء المكلّفين؛ لعدم المبدأ و المنشإ لهما، فلو انحلت الأوامر و النواهي الكلّيّة القانونيّة المتوجّهة إلى‏ عموم المكلّفين إلى‏ أوامر و نواهٍ جزئيّة متوجّهة إلى‏ آحاد المكلّفين و أشخاصهم، لزم الالتزام بعدم ثبوت الأحكام للعاجزين و الجاهلين القاصرين، و كذلك العاصين و الآتين بالمأمور به من دون بعث، و هو كما ترى‏ لا يلتزم به أحد، فيكشف ذلك عن فساد دعوى الانحلال. مضافاً إلى‏ أنّه يؤدّي إلى‏ الاختلال في الفقه، و يلزم الحكم بعدم نجاسة الخمر الخارج عن مورد الابتلاء، و أن لا تحرم الامّ و الاخت الخارجتان عن محلّ ابتلائه، و غير ذلك من الأحكام التكليفيّة و الوضعيّة، خصوصاً على مذهب الشيخ (قدس سره) من أنّ الأحكام الوضعيّة منتزعة عن الأحكام التكليفيّة (2)،

____________

(1)- انظر معالم الدين: 85، و الفصول الغرويّة: 109، و كفاية الاصول: 169- 170.

(2)- الرسائل: 351 سطر 2.

158

و قد عرفت أنّ الإرادة متعلّقة بالجعل التشريعيّ و الأحكام الكلّيّة، و ليست متوجّهة إلى‏ آحاد المكلّفين و أشخاصهم كلّ واحد على حدة، و أنّ جميع المكلّفين بالنسبة إلى‏ الأحكام سواء، غاية الأمر أنّ مثل العاجز و الجاهل القاصر معذوران في مخالفتها عقلًا، و أنّ ملاك قبح جعل الحكم القانونيّ هو عجز جميع المكلّفين و عدم قدرتهم كلّهم، أو العلم بعدم انبعاث جميعهم أو خروج المكلّف به عن مورد ابتلاء جميعهم، فإنّ الجعل- حينئذٍ- لغوٌ و مستحيل، و حينئذٍ فلا وجه للاستدلال للقول بعدم الجواز في المقام بعدم تحقُّق شرط فعليّته بالنسبة إلى‏ بعض المكلّفين، كما لا يخفى‏.

مضافاً إلى‏ أنّه وقع في الشريعة ممّا هو من هذا القبيل فإنّ نجاسة أهل الخلاف و كفرهم من الأحكام التي أنشأها الشارع، و لكن لم تبلغ حدّ الفعليّة، مستودَعةً عند الأئمّة (عليهم السلام) و صاحب الأمر- (عجّل اللَّه فرجه)- حتى يصدر الأمر من اللَّه تعالى‏ بإبلاغها.

159

الفصل الخامس عشر في متعلَّق الأوامر و النواهي‏

هل الأوامر و النواهي متعلّقة بالطبائع أو بالأفراد؟ و قبل الشروع في البحث لا بدّ أوّلًا من تصوير محلّ النزاع، ثمّ الكلام فيه.

فاعلم أنّه يُتصوّر النزاع بصور:

إحداها: أن يقال: إنّ هذه المسألة متفرّعة على النزاع في وجود الكلي الطبيعي في الخارج و عدمه: فعلى الأوّل لا بدّ أن نقول بتعلّقهما بالطبائع لا الأفراد، و لكن لا يخفى ما فيه، فإنّ مسألة وجود الكلي الطبيعي و عدمه مسألة دقيقة عقليّة فلسفيّة، و هذه المسألة مسألة عرفيّة عقلائيّة لا بدّ فيها من ملاحظة المتفاهم العرفيّ، و لا ارتباط لإحداهما بالأُخرى‏ لتتفرّع عليها.

و ثانيتها: أن يقال: إنّ هذه المسألة متفرّعة على أصالة الوجود أو الماهيّة: فعلى الأوّل لا بدّ أن يقال: إنّ متعلّق الأوامر و النواهي هو الأفراد، و على الثاني الطبائع.

و هو- أيضاً- كما ترى‏؛ لا يصحّ ابتناء هذه المسألة العرفيّة على تلك المسألة الفلسفيّة الدقيقة.

الثالثة: أن يقال: هذا البحث متفرّع على البحث في أنّ المادّة في الأوامر هل‏

160

هي موضوعة للطبيعة المطلقة، أو الأفراد؛ بناءً على أنّ الوضع فيها عامّ و الموضوع له خاصّ؟

و فيه أيضاً: أنّ محلّ النزاع في المقام: انما هو في متعلّق الأوامر و النواهي؟ و انّه ما هو و هو أعمّ من المادّة؛ لوضوح أنّ الأوامر و النواهي قد تتعلّقان بالماهيّة المقيّدة لا المطلقة، مثل أن يقال: يجب عليك الصلاة في المسجد- مثلًا- و نحو ذلك.

مُضافاً إلى‏ أنّه بناءً عليه لا وجه لتكرار ذلك البحث مرّتين في الاصول.

الرابع: أن يقال: إنّ النزاع في المقام إنّما هو في أنّ هيئة الأوامر موضوعة للبعث و الإغراء إلى‏ نفس الطبيعة، أو إلى‏ إيجادها: فعلى الأوّل لا بدّ من القول بتعلُّقها بالطبائع، و على الثاني بالأفراد.

و فيه: ما لا يخفى، فإنّ تعلُّق الأمر بالفرد الخارجيّ غير معقول؛ لأنّه أمر بتحصيل الحاصل، فاحتماله منفيّ قطعاً.

الخامس: أن يقال: المأخوذ في متعلّق الطلب هل هو نفس الطبائع، أو الأفراد الخارجيّة مع خصوصيّاتها الشخصيّة؟

و هو- أيضاً- كما ترى‏ غير قابل لأن يقع البحث فيه بين الأعلام؛ لأنّه لا مجال لأحد أن يتوهّم أنّ متعلّقها الموجود الخارجيّ المتحقّق، فإنّه طلب لتحصيل الحاصل.

السادس: أن يقال: إنّ متعلّقها الطبائع بما هي هي، أو أنّه هي مع إضافات و توابع منضمّة إليها، كما هو ظاهر «الكفاية» (1).

و فيه أيضاً: أنّه إن اريد بالإضافات هو الخصوصيّات الخارجيّة فمرجعه إلى‏ الوجه الخامس، و إن اريد بها الخصوصيّات الذهنيّة بتصوّرها في الذهن، فإن كانت دخيلة في الغرض و المطلوب فهو صحيح، لكنّه غير قابل للبحث؛ فإنّه لا يتوهّم أحد تعلُّقها بالطبائع المطلقة المجرّدة.

____________

(1)- كفاية الاصول: 171.

161

و إن لم تكن دخيلة في الغرض و المطلوب ففيه: أنّه فاسد؛ لأنّه لا يتوهّم أحد بتعلُّقها بالطبائع مقيّدةً بما ليس له دخل في الغرض و المطلوب، كما لا يعقل خروج ما هو دخيل في الغرض عن متعلّق الأمر، و لا يعقل حكاية اللفظ الموضوع بإزاء الطبيعة المُطلقة عن الخصوصيّات الشخصيّة و العوارض الخارجيّة، و لو فرض أنّ الطبائع المطلقة بما هي هي تمام المطلوب و الغرض، فلا بدّ من تعلُّقها بها كذلك.

و توهّم منافاة ذلك لكونها من حيث هي ليست إلّا هي لا موجودة و لا معدومة (1).

مدفوع: بأنّه لا مساس لإحدى القضيّتين بالأُخرى‏؛ ليتوهّم التنافي بينهما، و ليس النزاع في أنّ الهيئة موضوعة للبعث إلى‏ إيجاد الماهيّة، أو إلى‏ الماهية بنفسها.

و لا فرق فيما ذكرناه بين الطلب و الأمر، فما يظهر من «الكفاية» من الفرق بينهما- بإمكان تعلُّق الطلب بنفس الطبائع من حيث هي، دون الأمر (2)- ففيه أنّ الطلب هو عين الأمر لا فرق بينهما كما واضح.

ثمّ إنّ المحقّق العراقي (قدس سره) بعد أن اختار تعلُّق الأوامر بالطبائع قال: إذا تعلّق بعنوان على نحو صرف الوجود، فهل يسري إلى‏ أفراده و مصاديقه بنحو التبادل؛ على نحوٍ تكون الأفراد بما لها من الحدود الفرديّة و الخصوصيّات الشخصيّة متعلَّقةً للطلب، أو لا؟

و على الثاني هل يسري إلى‏ الحصص المقارنة للأفراد، كما في الطبيعة السارية، أو لا، بل الطلب و الأمر يقف على نفس الطبيعيّ و القدر المشترك بين الحصص؟

قال: و توضيح المرام يحتاج إلى‏ تقديم مقدّمة: هي أنّه لا إشكال أنّ الطبيعيّ الذي له أفراد، كلُّ فرد منه مشتمل على مرتبة من الطبيعيّ غير المرتبة التي يشتمل‏

____________

(1)- الفصول الغرويّة: 108، 125.

(2)- كفاية الاصول: 171- 172.

162

عليها الفرد الآخر، و من ذلك يتصوّر للطبيعيّ حصص عديدة حسب تعدّد الأفراد المغايرة كلُّ حصّة منه- باعتبار محدوديّتها بالمشخّصات الفرديّة- مع حصّته الاخرى، كما في الإنسان؛ حيث إنّ الإنسانيّة الموجودة في ضمن «زيد» بملاحظة تقارنها لخواصّه، غير الإنسانيّة الموجودة في ضمن «عمرو» المقارنة لخواصّه، و لهذا تتحقّق حصص من الإنسانيّة: حصّة قارنت خواصّ زيد، و حصّة قارنت خواصّ عمرو، و هكذا، و لا ينافي ذلك اتّحاد تلك الحصص بحسب الذات و الحقيقة، و كون الجميع تحت جنس واحد و فصل فارد؛ من حيث صدق الحيوان الناطق على كلّ واحد من الحصص كما لا يخفى، و هذا هو المراد من الكلمة الدارجة بين أهل الفنّ: أنّ نسبة الطبيعيّ إلى‏ الأفراد كنسبة الآباء إلى‏ الأبناء، و أنّ مع كلّ أب فرداً من الطبيعي غير ما يكون للأب الآخر، و تكون الآباء مع اختلافها و تباينها بحسب المرتبة متّحدة ذاتاً؛ بحيث تندرج الجميع تحت نوع واحد.

و بما ذكرنا من اختلاف الحصص من جهة المرتبة و اتّحادها ذاتاً، اتّضح لك: أنّه يمكن انتزاع عناوين متعدّدة من كلّ حصّة، بعضها من مقوّمات مرتبة كلّ حصّة، و بعضها من مقوّمات ذاتها، و كلّ ما هو مقوّم للمرتبة فهو مقسّم لذاتها، و هذا هو من قولهم‏ (1): إنّ كلّ مقوّم للعالي مقوّم للسافل و لا عكس.

إذا عرفت المقدّمة فالتحقيق: يقضي بوقوف الطلب على نفس الطبيعيّ و عدم سرايته لا إلى‏ الخصوصيّات الفرديّة، و لا إلى‏ حصص الطبيعيّ الموجودة في ضمن الأفراد المقارنة لخواصّها، و الدليل على ذلك أمران:

الأوّل: أنّا نرى بالوجدان عند طلب شي‏ء و الأمر به أنّه لا يكون المطلوب إلّا صرف الطبيعي من دون مدخليّة للحصص في ذلك، فضلًا عن الخصوصيّات الفرديّة.

الثاني: أنّ الطلب تابع للمصلحة، و لا يتعلّق إلّا بما تقوم به المصلحة، فمع قيام‏

____________

(1)- انظر حاشية ملّا عبد اللَّه: 52 سطر 5.

163

المصلحة بصرف الطبيعيّ و عدم سرايتها إلى‏ الخصوصيّات الفرديّة و لا إلى‏ الحصص، يستحيل سراية الطلب إلى‏ الحدود الفرديّة أو الحصص المقارنة.

ثمّ لا يخفى أنّ ما ذكرناه- من عدم سراية الطلب إلى‏ الحصص- إنّما هو بالقياس إلى‏ الحيثيّة التي بها تمتاز هذه الحصص الفرديّة بعضُها عن البعض الآخر، المشترك معه في الجنس و الفصل القريبين. و أمّا بالنسبة إلى‏ الحيثيّة الاخرى، و التي بها تشترك هذه الحصص، و تمتاز بها عن أفراد النوع الآخر المشارك لها في الجنس القريب، و هي الحيثيّة التي بها قوام نوعيّتها، فلا بأس بدعوى‏ السراية إليها، بل لا محيص عنها؛ من جهة أنّ الحصص- بالقياس إلى‏ تلك الحيثيّة و اشتمالها على مُقوِّمها العالي- ليست إلّا عين الطبيعي، فلا وجه لخروجها عن المطلوبيّة، فعلى ذلك تكون الحصص المزبورة كلّ واحدة منها بالقياس إلى‏ بعضِ حدودِها- و هو الطبيعيّ- تكون تحت الطلب، و بالقياس إلى‏ حدودها الخاصّة تكون تحت الترخيص، و خارجة عن دائرة المطلوبيّة، لا أنّها على الإطلاق تحت الطلب، و لا خارجة كذلك عن دائرة الطلب، و نتيجة ذلك كون التخيير بين الحصص شرعيّاً لا عقليّاً ... إلى‏ أن قال:

إن قلت: إنّ الطلب بعد تعلُّقه بالعناوين و الصور الذهنيّة- لا بالمُعنونات الخارجيّة، كما هو المفروض- تستحيل سرايته إلى‏ الحصص الفرديّة؛ حيث إنّ الحصص بقيودها الذهنيّة تُباين الطبيعيّ، و إن كان كلٌّ من الحصص الفرديّة و الطبيعيّ ملحوظاً بنحو المرآتيّة للخارج؛ إذ لازم ذلك تحقّق صورتين ذهنيّتين، و من الواضح أنّ الصورتين الممتاز إحداهما عن الاخرى في وعاء تقرّرهما متباينتان.

قلت: إنّ المدّعى هو تعلُّق الطلب بالطبيعي بما هو مرآة للخارج، و لا ريب في أنّ وجود الطبيعي في الخارج لا يمتاز عن وجود الحصص، بل هو الجهة المشتركة الجامعة بين الحصص، و المرئيُّ بالطبيعي الملحوظ مرآةً للخارج ليس إلّا تلك الجهة الجامعة بين الحصص، و هذا مرادنا من سراية الطلب من الطبيعي إلى‏ حصصه، بل‏

164

التأمّل يقضي بأنّ التعبير بالسراية في المقام مسامحي؛ إذ بالنظر الدِّقّي يكون الطلب المتعلّق بالطبيعي الملحوظ مرآةً للخارج، متوجِّهاً إلى‏ تلك الجهة الجامعة بين الحصص، فمتعلّق ذلك الطلب في الحقيقة تلك الجهة الجامعة (1). انتهى.

أقول: ما ذكره- من أنّ نسبة الطبيعي إلى‏ الأفراد هو نسبة الآباء إلى‏ الأبناء- ليس مجرّد لفظ و اصطلاح، بل هو نظير ما ذكره الرجل الهمداني من أنّ نسبة الطبيعي إلى‏ الأفراد نسبة الأب الواحد إلى‏ الأبناء، و أنّ الطبيعي موجود في الخارج بنعت الوحدة- أي الجامع بين الأفراد- و ليس مجرّد لفظ و اصطلاح.

و استدلّ على مذهبه: بأنّا ننتزع من الأفراد الخارجيّة مفهوماً واحداً، و مع أنّها كثيرة يُنتزع منها ذلك المفهوم، مثل انتزاع مفهوم الإنسان من زيد و عمرو و بكر و سائر الأفراد، و لا يمكن انتزاع مفهوم واحد منها بما أنّها كثيرة، فلا بدّ لها من جامع مشترك بينها موجود في الخارج‏ (2).

و فيه: أنّ الخارج ظرف للأفراد بنعت الكثرة، و لا يمكن وجودها فيه بنعت الوحدة، و لا تنتزع المفاهيم الكلّيّة من الأفراد الخارجيّة؛ بأن يوقَع شي‏ء من الخارج في الذهن، فإنّه غير معقول، بل تنتزع من الأفراد الذهنيّة بلحاظها و تصوُّرها أوّلًا و إلغاء خصوصيّاتها الفرديّة و ما يمتاز كلّ واحد منها عن الآخر.

و استدلّ- أيضاً- بأنّه قد تتوارد العلل المتعدّدة- المستقلّة كلّ واحدة منها في العلّيّة و التأثير- على معلول واحد، كقتل واحد بسهمين أو برمحين، و كتسخّن الماء بالنار و الشمس، و رفع اثنين صخرةً لا يقدر كلّ منهما مُستقلّاً على رفعها، و نحوها من الأمثلة، و حينئذٍ فإمّا أن يُؤثِّر كلّ منهما مستقلّاً، و هو مستحيل، و إمّا أن لا يؤثّر شي‏ء منهما، و هو- أيضاً- مُستحيل، و إمّا أن يُؤثّر كلّ واحد منهما تأثيراً ناقصاً، و هو

____________

(1)- بدائع الأفكار 1: 407- 410.

(2)- انظر رسائل ابن سينا: 467- 471.

165

- أيضاً- محال، و إمّا أن يؤثّر المجموع، فهو أمر اعتباري ليس غيرَ كلّ واحد منهما، فلا بدّ أن يُؤثِّر الجامع بينهما، و لا يمكن تأثيره إلّا إذا كان موجوداً في الخارج، و هو المطلوب و المراد من وجود الطبيعي فيه.

و فيه: أنّه وقع الخلط في كلامه بين العلّة الإلهيّة- أي علّة الإيجاد- و بين العلّة الطبيعيّة، فإنّ أثر كلّ علّة لا يمكن انفكاكه عنها و تفويضه إلى‏ علّة اخرى‏، و معلول كلّ علّة إلهيّة يتعلّق بها بتمام وجودها تمامَ التعلّق، و لا ارتباط له بغيرها من العلل.

و أمّا الأمثلة المذكورة فأثّر كلّ علّة عبارة عن حركة العضلات المسبوقة بالإرادة و مقدّماتها في مثال رفع الصخرة، و أمّا قتل واحد بإصابة سهمين و نحوهما، فقتل الشخص إنّما هو بإزهاق روحه، و هو مُسبَّب عن خروج مقدار من الدم من عروق بدنه، فإن أصابه سهم واحد فيخرج الدم المذكور في مدّة معيّنة، و إن أصابه سهمان فيخرج الدم المذكور في نصف تلك المدّة، فهذه الأمثلة لا تدلّ على ما ذهب إليه.

و استدلّ- أيضاً- بأنَّه لا ريب في أنّ طبيعة الإنسان- مثلًا- طبيعة واحدة، و لا ريب في أنّ الطبائع موجودة في الخارج، فينتج أنّ طبيعة الإنسان موجودة في الخارج.

و فيه: أنَّ المُراد من الوحدة في قولهم: «طبيعة الإنسان واحدة» (1) هي الوحدة النوعيّة التي موطنها الذهن، و كذلك الوحدة الجنسيّة للحيوان و الفصليّة للناطق، فإنّ موطنَ جميعها و وعاءَها الذهن لا الخارج أي الوحدة الشخصيّة الخارجيّة، و حينئذٍ فلا يتمّ الاستدلال.

و صنّف الشيخ الرئيس رسالة في ردّ ذلك المذهب، و ذهب إلى‏ أنّ نسبة الطبيعي إلى‏ الأفراد نسبة الآباء إلى‏ الأبناء، و أنّ كلّ واحد من الأفراد هو تمام الطبيعي‏ (2)،

____________

(1)- انظر شرح المنظومة (قسم الفلسفة): 111 سطر 8.

(2)- رسائل ابن سينا 1: 471.

166

و حيث إنّهم عجزوا عن الجواب عن الرجل الهمداني، و عن الشيخ الرئيس، جمعوا بين قوليهما: بأنّ المراد ممّا ذكره الرجل الهمداني هو نفس الطبيعة بما هي هي، و ممّا ذكره الشيخ الرئيس و أتباعه الحصص و نسبة هذا الجمع إلى‏ المحقّق العراقي كان شائعاً بين بعض الأساتذة، كالمير سيد علي الكاشاني (قدس سره) لكن الجمع بين هذين المذهبين كالجمع بين الضدّين أو النقيضين مُستحيل.

ثمّ إنَّ ما ذكره- من أنّ الأمر المتعلّق بالطبيعة لا يسري إلى‏ الحصص إنّما هو بالنسبة إلى‏ الحيثيّة التي بها تمتاز هذه الحصص الفرديّة بعضها عن بعض، و أمّا بالنسبة إلى‏ الحيثيّة التي ... الخ- فهو من غرائب الكلام، فإنَّ الحصّة المُقارنة لفرد من نوع ليس امتيازها عن الحصّة المقارنة لفردٍ آخرٍ من نوع آخر بالفصل فقط، بل به و بالخصوصيّات الشخصيّة الفرديّة كليهما، و حينئذٍ نقول: إنَّ المصلحة إذا كانت قائمة بنفس الطبيعي، لا بخصوصيّات الأفراد، فصرّح هو (قدس سره) بأنّه يستحيل سراية الأمر منها إلى‏ الأفراد فما ذكره مُخالف لما صرّح به.

167

الفصل السادس عشر في بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب‏

إذا نُسخ الوجوب فهل يبقى الجواز أو لا؟ لا بدّ أوّلًا من تنقيح محطّ البحث، و بيان معنى الوجوب، ثمّ البحث فيه، فنقول:

الوجوب هو البعث الناشئ عن إرادة ملزمة، فإنّه قد يريد الإنسان شيئاً في الإرادة الفاعليّة؛ بحيث يسدّ باب جميع الأعدام التي تتوجّه إليه، و كذلك في الإرادة التشريعيّة، و قد يريد الإنسان لكن لا بالنحو الأكيد، و على أيّ تقدير فالبعث المنشأ عن الإرادتين بعث واحد لا اختلاف في حقيقته، فلا فرق بين الوجوب و الاستحباب في حقيقة البعث، و إنّما الفرق بينهما هو أنّ البعث في أحدهما مسبوق بالإرادة الأكيدة، و في الآخر بالإرادة الغير الأكيدة، فينتزع الوجوب من الأوّل، و الاستحباب من الثاني.

إذا عرفت ذلك نقول: قد يقال: إنّ محطّ البحث هو الإرادة؛ بأن يقال: إذا زال الإلزام و التحتّم في الإرادة، فهل يبقى الرجحان، أو أصل الإرادة- بمعنى‏ الرخصة- أو لا؟

و يُمكن أن يقال: إنَّ محطّ البحث هو الوجوب، و أنّه إذا نُسخ الوجوب المُنتزع‏

168

عن البعث فهل يبقى الرجحان، أو أصل الرخصة و الجواز، أو لا؟

و على أيّ تقدير: البحث إمّا عن إمكان ذلك و عدمه، أو في وجود الدليل الاجتهادي عليه بعد الفراغ عن إمكانه، و أنّه إذا فُقِد الدليل الاجتهادي هل يجري الاستصحاب أو لا؟ فنقول:

المقام الأوّل: حول إمكان البقاء، و فيه تقريبان:

أمّا الأوّل: فقد يقال في تقريب بقاء الجواز أو الرجحان: إنّ الإرادة و إن كانت من الحقائق البسيطة، لكنّها ذات مراتب، كمرتبة الإلزام، و مرتبة الرجحان، و مرتبة الجواز و الرخصة، فإذا زالت المرتبة الاولى بالنسخ بقيت المراتب الاخر، و إذا فُرض زوال المرتبتين الأوّلتين تبقى‏ الثالثة.

قلت: أمّا أنّ الإرادة من الحقائق البسيطة فهو مسلّم، و كذلك كونها ذات مراتب، لكن ليس معنى وجود المراتب المختلفة لشي‏ء اجتماعها كلّها في الموجود الواحد الشخصي؛ ليتفرّع عليه أنّه إذا زالت مرتبة منها بقيت الاخرى، بل المراد أنّ أفراد الإرادة و مصاديقها مختلفة في الوجود، و أنّ منها أكيدة مُلزِمة، و بعضها راجحة غير مُلزمة، و بعضها لا تشتمل على الرجحان، و يستحيل اجتماعها في فردٍ واحدٍ منها؛ أ لا ترى‏ أنّ كلّ واحدٍ من النور و الوجود بسيط ذو مراتب؛ بمعنى‏ أنّ مصاديقه و أفراده مختلفة في الشدّة و الضعف- مثلًا- لا أنّ المراتب جميعها مُجتمعة في مصداق واحد شخصي؛ بحيث لو انتفى مرتبة منها بقيت الاخرى، و لذا ترى‏ أنّهم يقولون: إنّ الهيولى فصلها مُضمَّن في جنسها، و أنّ الصورة جنسها مُضمَّن في فصلها، و المُراد أنّ الهيولى ليست مثل سائر الأجسام المركَّبة، فيها حيثيّتان: إحداهما منشأ انتزاع الجنس، و الاخرى‏ منشأ انتزاع الفصل، و كذلك الصورة، بل ليس فيهما إلّا حيثيّة واحدة هي منشأ انتزاع الجنس و الفصل؛ لأنّ الهيولى و الصورة بسيطتان و الإرادة- أيضاً- من هذا القبيل، فالأجزاء التي يذكر لها في مقام التعريف أجزاء حدّيّة، لا أنّها أجزاء

169

للمحدود.

فتلخّص: أنّه لا معنى للتقريب الأوّل في بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب.

و أمّا الثاني: فهو أنّه إذا نُسخ الوجوب المنتزع عن البعث، فهل يبقى الجواز أو لا؟

فقد يقال في تقريبه كما في الإرادة: أنّ البعث و إن كان بسيطاً، لكنّه ذو مراتب، فإذا زالت مرتبة منها بالنسخ- و هي مرتبة الإلزام- يبقى مع المرتبة الاخرى بالتقريب المذكور في الإرادة.

و الجواب هو الجواب، فإنّ كلّ واحد من البعث الوجوبي و الاستحبابي و الترخيصي موجود خاصّ ناشٍ عن إرادة خاصّة، ففي كلّ واحد منها مرتبة من المراتب غير المرتبة التي في الآخر، لا أنّ المراتب مجتمعة في البعث الخاصّ الوجوبي؛ كي تبقى‏ المرتبة الاخرى بعد نسخ مرتبة الوجوب.

فاتّضح بذلك: أنّه إذا نُسخ الوجوب فلا يمكن بقاء الرجحان أو الجواز.

المقام الثاني: ثمَّ لو فُرض إمكانه فهل يقتضي دليلا الناسخ و المنسوخ البقاءَ أو لا؟

قال المحقّق العراقي (قدس سره) في تقريبه ما حاصله: إنّه إذا قال المولى: «أكرم العلماء»، ثمّ قال: «لا بأس بترك إكرامهم»، فكما أنّ مقتضى الجمع بين الدليلين هو استحباب الإكرام و رجحانه، فكذلك ما نحن فيه، فإذا فُرض أنّ صلاة الجمعة كانت واجبة، ثمّ نسخ وجوبها، فالدليل الناسخ إنّما يرفع الإلزام و الحتميّة، فيبقى أصل الرجحان أو الرخصة بمقتضى‏ دليل المنسوخ.

و بالجملة: فقضيّة مُلاحظة الدليلين و الجمع بينهما هو بقاء الرخصة و الجواز.

ثمّ استشكل على نفسه: بأنّ ذلك إنّما يصحّ إذا لم يكن الناسخ حاكماً على دليل المنسوخ، لكن ليس كذلك، بل الدليل الناسخ حاكم على دليل المنسوخ، فيرتفع دليل‏

170

المنسوخ رأساً.

قال: قلت: إنّ حكومته إنّما هي بالنسبة إلى‏ بعض مدلوله؛ أي بالنسبة إلى‏ ظهوره في الإلزام، و أمّا بالنسبة إلى‏ ظهوره في الرخصة و الرجحان فلا.

اللهمّ إلّا أن يُقال: إنَّ الناسخ حاكم على المنسوخ و ظهوره بأسره و تمامه، لكن مع فرض كون الدليل الناسخ مجملًا بالنسبة إلى‏ رفع غير الإلزام من المراتب، فيمكن أن يقال ببقاء ظهوره بالنسبة إلى‏ الرجحان أو أصل الجواز على فرض عدم سراية إجماله إلى‏ دليل المنسوخ و صيرورته مُجملًا (1).

أقول: أمّا القياس الذي ذكره فهو في غير محلّه، و أنّه مع الفارق.

توضيح ذلك: أنّه لو قال: «أكرم العلماء»، ثمّ قال: «لا بأس بترك إكرامهم»، فإنّ الجمع العُرفيّ بينهما يقتضي الحمل على الاستحباب؛ و ذلك لما عرفت سابقاً: من أنَّ هيئة الأمر ليست موضوعة للوجوب، بل حملها على الوجوب إنّما هو لأجل أنّه يصحّ للمولى على العبد الاحتجاج بالأمر، و لا يصحّ اعتذاره: بأنّه احتمل الاستحباب، فمع تحقُّق الأمر و لو بنحو الإطلاق يتحقّق موضوع صحّة العقاب بحكم العرف و العقلاء، و هو إنّما يصحّ إذا لم يصرِّح المولى بخلافه، و إلّا فلا ينتزع منه الوجوب، كما هو المفروض في المثال.

و لو سلّمنا أنّ الهيئة موضوعة للوجوب، لكنّ تصريحه بعدم البأس في ترك الإكرام في المثال، قرينةٌ صريحة في إرادة الاستحباب منها، و أنّها مستعملة في غير ما وُضعت له، و على أيّ تقدير فمقتضى الجمع العرفي في المثال هو إرادة الاستحباب، بخلاف ما نحن فيه، فما ذكره- من أنّ الدليل الناسخ إنّما يرفع ظهوره في الإلزام دون ظهوره في الرجحان أو الرخصة- إنّما يستقيم إذا كان لدليل المنسوخ ظهورات مُتعدّدة: أحدها ظهوره في الإلزام، و ثانيها ظهوره في الرجحان، و ثالثها ظهوره في‏

____________

(1)- بدائع الأفكار (تقريرات العراقي) 1: 413- 414.

171

الرخصة، و لكلّ واحد منها مصلحة على حِدَة مُستقلّة؛ لإناطة الأحكام بالمصالح و المفاسد النفس الأمريّة، فإذا ارتفع ظهوره في الإلزام بالدليل الناسخ بقي الظهوران الأوّلان بحالهما.

و لكن فساده غير خفيّ، فإنّه ليس في البعث إلّا ظهور واحد في الوجوب، فإذا دلّ الناسخ على رفعه فلا يبقى لدليل المنسوخ ما يبقى معه الرجحان أو الرخصة، و حينئذٍ فالقياس في غير محلّه.

ثمّ إنّ ما ذكره من عدم سراية إجمال الدليل الناسخ إلى‏ دليل المنسوخ- أيضاً- ممنوع، فإنّ عدم السراية إنّما يُسلّم لو فرض عدم حكومة الدليل الناسخ على دليل المنسوخ و عدم تعرُّضه لحاله و دلالته، كالعامّ و الخاصّ المنفصل، كما لو قال: «أكرم العلماء»، ثمّ قال منفصلًا: «لا تكرم زيداً العالم»، و تردّد زيد بين زيد بن عمر و زيد بن بكر، فإنّ ظهور العامّ لا يختلّ بذلك؛ أي بإجمال الدليل المخصِّص المجمل، بخلاف ما لو فرض حكومة الدليل الثاني على الأوّل و تعرّضه لحاله و دلالته، كما هو المفروض فيما نحن فيه، فإنّ إجمال الحاكم يسري إلى‏ الأوّل، فإجمال الدليل الناسخ يسري إلى‏ دليل المنسوخ و يوجب إجماله.

المقام الثالث: ثمّ بعد فرض عدم دليل اجتهاديّ في المقام، فهل يمكن إثبات بقاء الجواز بالاستصحاب؛ بأن يقال: إنّ الجواز بالمعنى‏ الأوّل كان موجوداً في ضمن الوجوب المتحقّق سابقاً، فإذا نُسخ الوجوب يُشكّ في بقاء الجواز و عدمه، فيُستصحب؟

و فرّعه بعضهم على جواز جريان الاستصحاب في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي، و هو ما إذا شُكّ في حدوث فرد مقارناً لارتفاع فرده الآخر الموجود سابقاً، الذي كان الكلي في ضمنه‏ (1).

____________

(1)- كفاية الاصول: 173.

172

لكن على فرض الإغماض عن عمّا سيجي‏ء إن شاء اللَّه من الاشكال فيما ذكره الشيخ (قدس سره) في بعض صور استصحاب الكلي من القسم الثالث، و هو ما لو شك في تبدل رتبة من لونٍ كالسواد مثلًا مع القطع بارتفاعها إلى‏ رتبة اخرى منه، و ذلك لرجوعه إلى القسم الأوّل من استصحاب الكلي بل هو هو بعينه، لا مجال لهذا الاستصحاب في المقام؛ لعدم اجتماع شرائطه، فإنّه يعتبر في الاستصحاب أن يكون المستصحب من الأحكام الشرعيّة، أو يترتّب عليه حُكم شرعي في استصحاب الموضوعات الخارجيّة، و المُستصحب في المقام هو الجواز الكلي الجامع بين الجواز في ضمن الوجوب و الجواز الموجود في ضمن فرد آخر، فإنّ الوجوب و الاستحباب و ان كانا من الأحكام الشرعيّة، لكن الجامع بينهما ليس من مجعولات الشارع، و لا يترتّب عليه أثر شرعي أيضاً، و حينئذٍ فلا يصحّ الاستصحاب المذكور.

173

الفصل السابع عشر في الوجوب التخييري‏

لا إشكال في وجود الأوامر التعيينيّة في الشريعة المطهّرة، و كذلك الأوامر التخييريّة بحسب الظاهر، مثل التخيير بين القراءة و التسبيحات الأربع في الركعتين الأخيرتين، و مثل التخيير في الكفّارة بين الخصال الثلاث، لكن لا بدّ أن يُبحث في أنّه هل يمكن الأمر بشيئين على نحو الترديد بينهما؛ لتُحمل الأوامر الشرعيّة التخييريّة على ظاهرها، أو أنّه غير ممكن عقلًا، فيحمل ما هو الظاهر في التخيير بينهما على أحد الأقوال في المسألة من وجوب كلّ واحد منهما على البدل، و عدم جواز تركه إلّا إلى‏ بدل‏ (1)، أو وجوب الواحد لا بعينه‏ (2)، أو وجوب كلّ واحد منهما مع سقوطه بفعل واحد منهما (3)، أو وجوب الواحد المعيّن عند اللَّه تعالى‏ (4)؟

فقد يقال: بامتناع تعلّق الأمر بأحد الشيئين على نحو الإبهام و التردّد الواقعي؛

____________

(1)- انظر فوائد الاصول 1: 235، هداية المسترشدين: 247 سطر 34.

(2)- المحصول في علم الاصول 1: 273.

(3)- قال في هداية المسترشدين: 249 سطر 20.

(4)- المحصول في علم اصول الفقه 1: 274.

174

بأن يكون الواجب هو المردّد بينهما في نفس الأمر، لا المُردّد عند المكلّف المعيّن في الواقع، فإنّه ممكن واقع بلا إشكال، فإنّه قد يعلم المكلّف وجوب شي‏ء، و يشكّ في أنّ الواجب هو ذا أو ذاك، فالترديد إنّما هو في علم المُكلَّف به، و إلّا فهو مُعيّن عند اللَّه تعالى‏، بل المُمتنع وجوب المردّد بين الشيئين واقعاً.

فقيل في تقريب ذلك: إنّ صفحة الخارج بالنسبة إليه تعالى‏ و إرادته الإيجاديّة، مثلُ صفحة الذهن بالنسبة إلى‏ تعلُّق الإرادة في الإرادة التشريعيّة، فكما لا يعقل إيجاد المردَّد بين شيئين واقعاً- بأن يكون الموجود هو الأمر المبهم المُردّد- فكذلك لا يعقل تعلُّق الإرادة في غير الإيجاد التكويني أيضاً بالمردّد بين الصورتين الذهنيّتين، و حينئذٍ فوجود الإرادة كذلك في النفس محال.

أقول: الملاك كلّ الملاك في الامتناع هو عدم إمكان تعلّق إرادة واحدة بالمُردّد بين شيئين واقعاً، لكن الأمر في الواجبات التخييريّة ليس كذلك، فإنّا إذا راجعنا وجداننا نجد وجود الإرادة في الأوامر التخييريّة، و كذلك البعث، و كذلك كلّ فردٍ من فردي الواجب المخيّر، فإنّ متعلّق الأوامر في الأوامر التشريعيّة هو التشريع و جعل القانون.

و بالجملة: قد يُريد الإنسان شيئاً و يقتصر عليه، و يبعث عبده نحوه، و الواجب- حينئذٍ- تعيينيّ، و قد لا يقتصر عليه، بل يُريد غيره- أيضاً- و يبعث نحوه أيضاً، لكن حيث يرى أنّه يكفي في تحقُّق الغرض وجود أحدهما، أو بينهما و يقول: «افعل هذا أو ذاك»، فهنا إرادتان مُشخَّصتان، و بعثان مُتعيّنان مُتعلّقان بهما كذلك، فيصير الواجب تخييريّاً، و لا يلزمه وجود أمر مبهم مردّد، لا في الإرادة، و لا في البعث، و لا في متعلَّقي البعثين، فإنّ كلّ ذلك مُشخّص معيّن، و حينئذٍ فلا مانع من إبقاء ظهور الأوامر التخييريّة بحالها، و لا يحتاج إلى‏ القول بأنّ الواجب هو أحدهما ليصير تعيينيّاً، غاية الأمر أنّه- حينئذٍ- كلّيّ منحصر في فردين، و لا يحتاج- أيضاً- إلى‏ ما ذهب إليه في‏

175

«الكفاية» من أنّ الواجب هو الجامع بينهما واقعاً، و أنّ تعلُّقه بالفردين في الظاهر للإرشاد إلى‏ ذلك.

و أمّا ما ذكره: من أنّ الواحد لا يصدر من اثنين من حيث إنّهما اثنان، فالمصلحة الواحدة لا يمكن أن تصدر من اثنين‏ (1).

ففيه: أنّ تقسيم الواجب إلى‏ التعييني و التخييري، و كذلك سائر تقسيماته ليس في مقام الثبوت و المصلحة، بل التقسيمات إنّما هي بملاحظة الأمر و البعث، فإنّ الآمر إذا بعث المكلّف نحو شي‏ءٍ مُعيّن يصير الواجب تعيينيّاً، و نحو أحد الشيئين ببعثه إلى‏ شي‏ء آخر- أيضاً- مع تخلّل كلمة «أو» بينهما، يصير واجباً تخييريّاً، سواء قامت المصلحة بالجامع أو غيره.

و بالجملة: لا يلزم من الوجوب التخييري وجود أمر مبهم مردّد بين شيئين واقعاً؛ ليلزم المحال.

خاتمة في التخيير بين الأقلّ و الأكثر:

اختلفوا في جواز التخيير بين الأقلّ و الأكثر، و محطّ البحث فيه إنّما هو فيما إذا اخذ الأقلّ لا بشرط طرفاً للتخيير، لا بشرط لا؛ لوضوح أنّه لو اخذ كذلك و بحدّه الخاصّ صار مُبايناً للأكثر، و التخيير بينهما- حينئذٍ- تخيير بين المُتباينين، و لا ريب و لا إشكال في إمكانه حينئذٍ.

و من ذلك يظهر فساد ما في «الكفاية» من جعل الأقلّ بحدّه الخاصّ و بشرط لا طرفاً (2) له، و هو واضح.

فنقول: الأقلّ و الأكثر إمّا أن يكونا من الامور الدفعيّة الوجود، كرسم الخطّ

____________

(1)- كفاية الاصول: 176.

(2)- كفاية الاصول: 176.

176

الذي هو بقدر الذراع بوضع «مسطرة» طولها ذراع على ما يتأثّر بوضعها عليه، و وضع «مسطرة» طولها شبر كذلك، و قد يكونان من الامور التدريجيّة الوجود، كرسم الخطّ بمقدار ذراع أو بقدر شبر بمدّ قلم من نقطة إلى‏ هذا المقدار، و على كلا التقديرين المصلحة في كلّ واحد من الأقلّ و الأكثر: إمّا هي غير المصلحة التي في الآخر، لكن بحيث لو وُجد و تحقّق أحدهما لم يكن للآخر موقع؛ بأن يشتمل كلّ واحدٍ على مصلحة وافية بتمام الغرض، و إمّا في كلٍّ منهما مصلحة واحدة مُعيّنة. فهذه أربع صور.

فقال بعض الأعاظم ما حاصله: إنَّ الأقلّ و الأكثر إذا كانا من الماهيّات المشككة التي ما به الامتياز فيها عين ما به الاشتراك، كالخطّ إذا تعلّق به أمر، فيمكن التخيير بين الأقلّ و الأكثر فيه، و كذلك إذا كان كلّ واحدٍ منهما مُحصّلًا لعنوان واحدٍ ذي مصلحة، كصلاة الغرقى و المسافر و الحاضر و غيرهما، فإنّ كلّ واحد منهما محصّل لعنوان التخشّع و التخضّع بنحو العبوديّة الذي يترتّب عليه المصلحة، فإنّ التخيير بين الأقلّ و الأكثر في هذه الصورة- أيضاً- مُمكن‏ (1).

أقول: إنّ أخذ الأقلّ في هاتين الصورتين بشرط لا، فقد عرفت خروجه عن محلّ النزاع؛ لأنّ مرجعه إلى‏ التخيير بين المتباينين، و إن اخذ لا بشرط فالمحصّل للغرض هو الأقلّ- حينئذٍ- و الأكثر لا يمكن أن يحصل به الغرض، فلا معنى للتخيير بينهما.

فالتحقيق أن يقال: إنّ الأقلّ و الأكثر إمّا من الامور الواقعيّة الدفعيّة الوجود، و المصلحة في أحدهما غير المصلحة في الآخر، لكن يكفي إحداهما في حُصول الغرض، فإن كانت المصلحتان مُتزاحمتين في الوجود استحال التخيير بينهما؛ لعدم إمكان ذلك في الأكثر لوجود الأقلّ في ضمن الأكثر، فلا بُدَّ أن يترتّب عليه أثره من المصلحة، و المفروض أنّ في الأكثر- أيضاً- مصلحة تترتّب عليه، فحيث إنّ المصلحتين‏

____________

(1)- انظر نهاية الأفكار 2: 393- 394.

177

مُتزاحمتان في الوجود- كما هو المفروض- فهو يؤدّي إلى‏ الاستحالة.

و إن لم تتزاحم المصلحتان في الوجود أمكن التخيير بينهما، و إن ترتّب على الأقلّ في الفرض عين المصلحة التي تترتّب على الأكثر، فلا يمكن أن يتعلّق الأمر بالأكثر؛ لأنّ الأقلّ الموجود كافٍ في ترتُّب تلك المصلحة و وافٍ بالغرض، فالزيادة عليه لغو.

و إن كان الأقلّ و الأكثر من الامور المتدرّجة الوجود، فمع إيجاد الأقلّ يترتّب عليه الأثر المطلوب، فهو كافٍ في تحقّق المطلوب و وافٍ بالغرض فالأمر بالزائد عنه- أي الأكثر- لغو، و لا فرق فيه بين تغاير مصلحة الأقلّ مع مصلحة الأكثر و عدمه.

178

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

179

الفصل الثامن عشر في الوجوب الكفائي‏

لا ريب في أنَّه من سنخ الوجوب، و لا ريب- أيضاً- في إمكانه و وقوعه، كأكثر أحكام الميّت و تجهيزاته، و هذا ممّا لا إشكال فيه، و إنّما الإشكال في تصويره و كيفيّة تعلُّق الوجوب و توجّهه إلى‏ المكلّفين:

فقد يقال: إنّ التكليف فيه مُتوجّه إلى‏ جميع المكلّفين بنحو الاستغراق‏ (1).

و قد يُقال: إنّه متوجّه إلى‏ واحد غير معيّن‏ (2).

و قد يقال: إنّه متوجّه إلى‏ مجموعهم من حيث المجموع‏ (3).

و قد يقال: إنّه متوجّه إلى‏ فردٍ مُردّدٍ بين الأفراد (4).

فنقول: أمّا الثالث: فالمجموع أمر اعتباريّ لا وجود له في الخارج، غير قابل لأن يتوجّه إليه التكليف، فإنّه لا بدّ أن يتوجّه إلى‏ ما له تحقّق و وجود في الخارج.

____________

(1)- كفاية الاصول: 177، هداية المسترشدين: 268.

(2)- انظر مفاتيح الاصول: 312 سطر 8.

(3)- هداية المسترشدين: 268.

(4)- منتهى الدراية 2: 563.

180

لا يقال: قد يُؤمر جماعة برفع صخرة عظيمة- مثلًا- لا يقدر كلّ واحد منهم على رفعها وحده، و لكن يقدر جميعهم على ذلك، فإنّ الأمر- حينئذٍ- ليس متوجِّهاً إلى‏ كلّ واحد، فلا بدّ أن يتوجّه إلى‏ جميعهم بما هو كذلك.

لأنّا نقول: ليس الأمر كذلك، فإنّ للصخرة مقداراً من القوى الطبيعية التي تشدّها إلى‏ المركز- أي الأرض- أو أنّ للأرض قوّة جاذبة لها إليها، فإذا صارت في الأرض بمقتضى‏ إحدى‏ القوّتين، فلا ترتفع من مركزها إلّا بقوّة تخالفها مع زيادتها على الاولى، و في الفرض ليس لكلٍّ واحدٍ من الجماعة القوّة المخالفة زيادة عن مقدار ما في الصخرة من القوّة، أو ما في الأرض من الجاذبة، لكن قوى جميعهم زائدة على ما فيها أو على ما في الأرض من القوّة، و المؤثّر في رفع الصخرة- حينئذٍ- ليس مجموع قواهم من حيث المجموع، بل يستعمل كلّ واحد منهم قوّته، و يرفع كلّ واحد من الصخرة بمقدار ما له من القوّة، لا أنّ المؤثّر هو المجموع من حيث المجموع الذي لا تحقّق له في الخارج.

فعلم ممّا ذكرنا: أنّ القول الثالث غير متصوّر.

و أمّا القول الثاني- و هو توجُّه التكليف فيه إلى‏ واحد غير معيّن- فإن اريد به مفهوم الواحد الغير المعيَّن فالتكاليف متوجّهة إلى‏ الموجودين، و المفهوم لا وجود له في الخارج.

و إن اريد أنّه متوجِّه إلى‏ واحدٍ خارجيّ مقيّداً بأنّه غير معيّن، فلا معنى له؛ لأنّ كلّ واحدٍ من المُكلّفين معيّن.

و من ذلك يظهر: أنّ قولَ بعض الفقهاء:- إنّ صاعاً من صُبْرة مُعيَّنة (1) كليٌّ- فاسدٌ؛ لأنّ كلّ صاع من الصُّبرة معيَّن، لا كلي.

و إن اريد أنّ التكليف فيه متوجِّه إلى‏ عنوان الواحد الغير المعيّن، الذي يصدق‏

____________

(1)- منية الطالب 1: 294- 295.

181

على كلّ واحدٍ من المكلّفين، لا إلى‏ خصوص آحادهم- كزيد و عمر مثلًا- لا أن يكون قيد عدم التعيين للفرد الخارجي؛ ليرد عليه الإشكال المتقدّم، فهو مُتصوّر معقول لا إشكال فيه.

و أمّا القول الرابع- و هو أنّ التكليف فيه متوجّه إلى‏ واحد مردّد- فقد يُستشكل: بأنّ التكليف لا يمكن أن يتوجّه إلى‏ الفرد المردّد، كواحد من زيد و عمر بنحو الترديد الواقعيّ، و يُجاب عنه بالنقض بالواجب المخيَّر، فإنّ التكليف فيه متعلِّق بأحد الأفراد بنحو الترديد الواقعيّ مع صحّته و وقوعه.

و أورد عليه بعضٌ بالفرق بينهما، لكن لم يبيّن وجه الفرق، و الذي يسهّل الخطب أنّه ليس في الواجب التخييريّ إرادة واحدة و بعث واحد مُتعلّقان إمّا بهذا الفعل أو بذاك بنحو الترديد الواقعيّ، كما عرفت مفصّلًا؛ لأنّه مستحيل، بل حيث إنّه يرى المولى أنّ لهذا الفعل مصلحةً، فيريده و يبعث نحوه، ثمّ يرى أنّ في فعلٍ آخر مصلحة اخرى‏ مُغنية عن الاولى، فيريده و يبعث نحوه، و حيث إنّ المفروض كفاية إحدى‏ المصلحتين يفصل بين البعثين ب «أَو»، و يقول: «افعل هذا أو ذاك»، ففيه إرادتان و بعثان لا واحدة، فيمكن أن يقال في الواجب الكفائيّ نظير ذلك أيضاً، فلا إشكال فيه من حيث التصوير.

و أمّا القول الأوّل- و هو توجّه التكليف و الوجوب إلى‏ المكلّفين بنحو الاستغراق- فقال بعض الأعاظم ما حاصله: إنّ للوجوب إضافةً إلى‏ المُكلِّف- بالكسر- و إضافةً إلى‏ المُكلَّف- بالفتح- و إضافةً إلى‏ المكلَّف به، و الوجوب الكفائي يشترك مع الوجوب العينيّ في الإضافتين الأوّلتين، فكما أنّ للوجوب العيني إضافةً إلى‏ المُكلّفين بنحو الاستغراق، كذلك الوجوب الكفائيّ له إضافة إليهم بنحو الاستغراق، لكنّهما يفترقان في الإضافة الثالثة؛ أعني إضافته إلى‏ المكلَّف به، فإنّه مطلوب من كلّ واحد واحد من المكلّفين في الواجب العينيّ، فالممتثل منهم مُثاب و إن لم يمتثله‏

182

بعض آخر.

و بعبارة اخرى‏: لا يسقط تكليف بعض في الواجب العينيّ بامتثال آخر، بخلاف الواجب الكفائيّ، فإنّهم إن أخلّوا به جميعاً أثموا، و استحقّوا العقاب، لكن لو أتى‏ به بعضهم سقط عن الآخرين، و أنّه لو شُكّ في واجب أنّه عينيّ أو كفائيّ أمكن جريان البراءة عن العينيّة (1).

و قال الميرزا النائيني (قدس سره): إنّ الوجوب العينيّ يشترك مع الكفائيّ في الإضافة إلى‏ المكلِّف- بالكسر- و الإضافة إلى‏ المكلَّف به، و إنّما يفترقان في الإضافة إلى‏ المكلَّف- بالفتح- حيث إنّ التكليف متوجّه إلى‏ المكلَّفين في العينيّ بنحو الوجود الساري، و في الكفائيّ بنحو صرف الوجود (2). انتهى.

أقول: الواجبات الكفائيّة على أنحاء مختلفة:

منها: ما لا يمكن أن يوجد و يتحقّق منها في الخارج إلّا فرد واحد، كقتل سابّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) أو دفن الميّت، فإنّه لا يعقل تحقّق فردين منهما في الخارج، و أمّا اجتماع جماعة على قتله أو على دفن ميّت فهو قتل واحد و دفن واحد، صدر من كلّ واحد منهم بعضُه، لا متعدّد.

و منها: ما يمكن أن يتحقّق منه أزيد من فرد واحد، و هو- أيضاً- على قسمين، فإنّ الزائد على فرد واحد إمّا مبغوض للمولى، أو لا محبوب و لا مبغوض.

و منها: ما يكون المطلوب منه صرف الوجود الذي يتحقّق بإتيان فرد واحد و أكثر.

أمّا النحو الأوّل: فالظاهر أنّه بنحو الاستغراق غير متصوّر فإنّ بعث جماعة إلى‏ ما لا يمكن صدوره إلّا من واحد منهم، غير معقول بعثاً مُطلقاً إلّا بنحو الاشتراط؛ بأن‏

____________

(1)- انظر نهاية الاصول 1: 210- 211.

(2)- انظر أجود التقريرات 1: 187.

183

أمَر كلّ واحدٍ منهم به بشرط العلم بعدم عزم الباقين على إتيانه، فإنّه معقول متصوّر، و كذلك لا يعقل البعث المطلق لهم بنحو صِرف الوجود، فإنّه يصدق إذا تعدّد المكلّفون أيضاً.

أمّا النحو الثاني فأوضح من ذلك فساداً و من حيث عدم المعقوليّة، فإنّه لو فرض أنّ المطلوب هو فرد واحد فقط، و باقي الأفراد مبغوضة، لا معنى لبعثهم جميعاً نحوه؛ لجواز أن ينبعث الزائد على واحد منهم، فيأتي بفرد مبغوض، سواء كان بنحو الاستغراق أو صرف الوجود.

و النحو الثالث أيضاً كذلك و هو الذي فرض فيه: أنّ المطلوب فرد واحد، و الزائد عليه لا محبوب و لا مبغوض، فإنّ تكليفهم جميعاً بنحو الاستغراق غير معقول، كما لو أمر المولى عبيده بإتيان الماء للشرب، فإنّه لو أتى‏ كلّ واحد منهم بكأس من الماء لعاتبهم و قبَّح عملهم، و كذلك لو تركوا جميعهم؛ بخلاف ما لو أتى‏ به واحد منهم، فالمأمور هو ذاك الواحد منهم.

و بالجملة: التكليف بالنسبة إلى‏ غير الواحد منهم لغوٌ و بلا وجه، و أمّا التكليف في هذا النحو بنحو صِرْف الوجود فلا إشكال فيه.

و إذا عرفت أنّ التكليف بنحو الاستغراق في الواجب كفايةً غير معقول في جميع الصور، و كذلك بنحو صرف الوجود في بعضها، فلا بدّ أن يقال: إنَّ التكليف فيه مُتوجّه إلى‏ واحدٍ من المكلّفين؛ أي هذا العنوان الذي يصدق على كلّ واحد منهم.

أو يقال: إنّه متوجّه إلى‏ كلّ واحد منهم بشرط علمه بعدم عزم الباقين عليه؛ أي بشرط لا، أو بشرط عدم إقدام الباقين على فعله لو فرض أنّه بنحو الاستغراق، و لا يعقل- أيضاً- إن كان بنحو صِرف الوجود.

أو يقال بتوجُّه التكليف إليهم بنحو الترديد الواقعيّ؛ لما عرفت من إمكانه و عدم الإشكال فيه.

184

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

185

الفصل التاسع عشر في الواجب الموسَّع و المضيَّق‏

المبحث الأوّل: حول تعريفهما

قد يقسّم الواجب إلى‏ الموقّت و الغير الموقّت، و الموقّت- أيضاً- إلى‏ الموسَّع و المضيَّق.

قال (قدس سره) في «الكفاية»: إنّ الزمان و إن كان ممّا لا بدّ منه في كلّ واجب، إلّا أنّه قد يكون له دخلٌ فيه، أو لا دخل له فيه، فالأوّل هو الموقّت، و الثاني الغير الموقّت، و الأوّل إمّا أن يكون الزمان المأخوذ فيه بقدره فمضيّق، و إمّا أن يكون أوسع منه فموسّع‏ (1) انتهى.

و الأولى‏ في الموقّت و غيره ما ذكره في «الفصول» و اختاره الميرزا النائيني 0:

و هو أنّ الزمان بحسب مقام الثبوت إمّا له دخلٌ في تحقّق المصلحة، أو ليس له دخل فيه أصلًا؛ بحيث لو فرض إمكان انفكاكه عن الزمان تحقّقت المصلحة.

____________

(1)- انظر كفاية الاصول: 177.

186

و الأوّل على قسمين:

لأنّ ما له الدخل في المصلحة إمّا هو مُطلق الوقت و الزمان، و إمّا زمان معيّن، و جرى‏ الاصطلاح على أن يُطلق الموقّت على ما يكون الزمان المعيَّن دخيلًا في المصلحة، و الغير الموقّت على ما لا يكون الزمان المعيّن دخيلًا فيها، سواء لم يكن دخيلًا فيها أصلًا، أو يكون الدخيل هو مطلق الزمان.

و الموقّت- أيضاً- على قسمين: مُوسَّع إن لم يكن الزمان المأخوذ فيه بقدره، كالصلاة من دلوك الشمس إلى‏ غَسَق الليل، و مُضيَّق إن كان بقدره؛ كالصوم من الفجر إلى‏ الغروب‏ (1).

و من ذلك يظهر فساد ما ذكره في «الكفاية» من التعريف المذكور، فإنّه جعل الموقّت ما للزمان دخل فيه، سواء كان بنحو الإطلاق، أو زمان معيّن، لكن ليس كذلك كما عرفت، فكما لا يصحّ أن يقيّد المأمور به بإتيانه في الوقت فيما لا دخل للوقت في مصلحته أصلًا، كذلك فيما لمطلق الوقت دَخْلٌ فيها؛ لعدم انفكاكه عنه، فإنّه- أيضاً- يُعدّ من غير الموقّت كما قبله.

ثمَّ إنّه اورد على الواجب الموسَّع إشكال عقليّ في غاية الوهن: و هو أنّه إذا فرض أنّ الزمان أوسع من الواجب، كالصلاة من دلوك الشمس إلى‏ غَسَق الليل، فيجوز تركه في أوّل الوقت، و جواز الترك يُنافي الوجوب، فلا بدّ أن يُخصّص ما ظاهره ذلك، إمّا بأوّل الوقت، لكن لو عصى و أخّرها، و أتى بها في آخر الوقت، كفت و أجزأت عن الواجب، كما ورد في الخبر: (أنّ أوّل الوقت رضوان اللَّه، و آخر الوقت غفران اللَّه) (2)، و إمّا أن يُخصِّص بآخر الوقت، و الإتيان به في أوّل الوقت نقلٌ يسقط

____________

(1)- انظر الفصول الغرويّة: 104.

(2)- وسائل الشيعة 3: 90/ 16 باب 3 من أبواب المواقيت.

الفقيه 1: 140/ 6 باب مواقيت الصلاة، الفقه المنسوب للامام الرضا: 77.

187

به الفرض‏ (1).

و فيه: أنّ المفروض فيه أنّ الصلاة واجبة من أوّل الوقت إلى‏ آخره؛ أي من دلوك الشمس إلى‏ غَسَق الليل، و جواز الترك في جميع هذا الوقت المحدود يُنافي الوجوب، لا جواز الترك في بعض الوقت، و المخالفة و العصيان إنّما يتحقّقان لو تركها في جميع أجزاء الوقت، لا في بعضها فقط، و هو واضح.

و اورد على الواجب المضيّق- أيضاً- إشكال عقليّ: و هو أنّه لا ريب في أنّ الانبعاث مُتأخّر زماناً عن البعث، فإذا بعثه في أوّل الوقت، كالأمر بالصوم في أوّل الفجر، فإمّا أن ينبعث المكلّف في أوّل الوقت- أيضاً- فهو خلفٌ؛ لأنّ المفروض أنّ الانبعاث متأخّر زماناً عن البعث، فلا يُمكن وقوعه في زمانه، و إمّا أن يتأخّر عنه بالزمان و لو قليلًا، فيلزم عدم تطابق الفعل لأوّل الوقت، و هو- أيضاً- خلف‏ (2).

و فيه: أوّلًا: أنّا لا نُسلِّم أنّه لا بدّ من تأخُّر زمان الانبعاث عن زمان البعث، بل و لا التأخّر الرتبيّ، كتأخّر المعلول عن علّته؛ لأنّ الانبعاث ليس معلولًا للبعث، بل تأخّره عنه بالطبع، فإنّ الانبعاث مُسبِّب عن المبادئ الكامنة في نفس المكلّف من الحبّ و الخوف و الشوق و نحو ذلك، و حينئذٍ فلو أمره في أوّل الليل بالإمساك من الفجر بنحو الواجب المشروط، ينبعث المكلّف في أوّل الفجر، مع تعلُّق الوجوب- أيضاً- في ذلك الوقت، و لا إشكال فيه.

و ثانياً: سلّمنا تأخُّر الانبعاث عن البعث زماناً، لكن يمكن أن يأمر قبل الوقت به بنحو الواجب المُعلّق؛ بتعليق الواجب على دخول الوقت و إن كان الوجوب فعليّاً قبل الوقت بإنشائه قبله، فلا إشكال فيه.

____________

(1)- انظر قوانين الاصول 1: 118 سطر 5، المعتمد 1: 124- 133.

(2)- انظر فوائد الاصول 1: 236.

188

المبحث الثاني عدم إمكان صيرورة الموسّع مضيّقاً

بقي الكلام: في أنّه هل يصير الموسّع مضيّقاً لو أخّره إلى‏ أن بقي من الوقت بمقدار فعله أو لا؟

فنقول: إذا تعلّق الأمر بطبيعة في وقت موسّع، و لها أفراد، فالمكلّف مخيّر في الإتيان بأيّ فرد منها، و هذا التخيير عقليّ؛ لأنّ المفروض أنّ خصوصيّة كلّ واحد من الأفراد غير دخيلة في المطلوب منها، و إلّا لم يتعلّق الأمر بنفس الطبيعة، و مع دخل كلّ واحدة من الخصوصيّات فيه مع تعلّق الأمر بها يصير الواجب مضيّقاً، فالشارع من حيث إنّه شارع لا يجوز له أن يخيِّر العبد بين أفراد الطبيعة التي أمر بها، نعم يصحّ له ذلك بما هو أحد أفراد العقلاء. نعم لو فرض أنّ خصوصيّة كلّ فرد دخيلة في الغرض فلا بدّ أن يتعلّق بكلّ واحدٍ من الأفراد أمرٌ؛ لتعدُّد المحصِّل له، و حينئذٍ فلو خيَّره الشارع بينها كان التخيير شرعيّاً، و ما نحن فيه ليس كذلك.

إذا عرفت ذلك نقول: لو أخّر المكلّف الواجب الموسّع حتّى بقي من الوقت مقدار فعله فقط عمداً أو نسياناً، فلا ريب في أنّه لا يعقل أن يصير مضيّقاً:

أمّا أوّلًا: فلأنّ الأمر في الموسّع- كما عرفت- متعلّق بالطبيعة في ذلك وقت المحدود بحدّين، كالصلاة من دلوك الشمس إلى‏ غروبها، و هذا الفرد الواقع في آخر الوقت من مصاديق تلك الطبيعة؛ بداهة أنّه يصدق عليه أنّه صلاة واقعة بين الحدّين، كسائر أفرادها في ذلك الوقت.

و ثانياً: عرفت أنّ الأمر في الواجب المُوسَّع متعلّق بالطبيعة، و لا دخل لخصوصيّات أفرادها في الغرض و المصلحة، بخلاف الواجب المضيّق، فإنّ خصوصيّة

189

كلّ واحد من الأفراد دخيلة فيه، و الأمر فيها- أيضاً- متعلّق بالفرد الخاصّ، فلو صار الواجب الموسّع مضيّقاً بضيق وقته لزم التغيير في إرادة الشارع، و تصير مُتعلّقة بالفرد الخاصّ بعد ما كانت متعلّقة بالطبيعة، و هو غير معقول.

فظهر أنّ الموسّع لا يصير مُضيّقاً بضيق وقته، لكن العقل يحكم بلزوم الإتيان بخصوص هذا الفرد، لا من جهة أنّه مضيّق، بل من جهة أنّ الطبيعة المأمور بها انحصرت في هذا الفرد، و لا فرد لها غيره في الفرض.

المبحث الثالث حول دلالة الأمر على وجوب الإتيان خارج الوقت‏

ثمّ إنّه هل يدلّ الأمر المتعلّق بالموقّت على وجوب الإتيان به خارج الوقت لو لم يأتِ به في الوقت عمداً أو نسياناً أو غيرهما؟

قال في الكفاية: لو كان الأمر في الموقَّت متعلِّقاً بأصل الطبيعة و التقيُّد بالوقت- لقيام دليل آخر منفصل ليس له إطلاق بالنسبة إلى‏ حالات المكلّف من الصحّة و المرض و العجز و غير ذلك- لكان قضيّة إطلاق الأمر بأصل الطبيعة هو ثبوت الوجوب بعد خروج الوقت، و أنّ التقييد به إنّما هو لأجل أنّه تمام المطلوب، لا أصل المطلوب‏ (1) انتهى.

و فيه ما لا يخفى، فإنّ ما ذكره خارج عن محلّ الكلام، فإنّ محلّه هو: أنّ الأمر بالموقّت هل يدلّ على وجوبه بعد خروج الوقت؟ فذهب بعضٌ إلى‏ دلالته على ذلك؛ لأنّه مع عدم التمكّن من تحصيل مصلحة الوقت، يلزم عدم تفويت أصل مصلحة

____________

(1)- انظر كفاية الاصول: 178.

190

الطبيعة، و ما ذكره في الكفاية هو دلالة الإطلاق على ذلك، و لا شكّ فيه و لا شبهة تعتريه، لكنّه خارج عن المبحث.

و الحقّ أنّه لا دلالة لأمر الموقّت على وجوب الإتيان به خارج الوقت كما عرفت، فالقضاء إنّما هو بأمرٍ جديد.

مقتضى الاستصحاب‏

ثمّ مع عدم دلالته على ذلك فهل يمكن استصحاب الوجوب بعد خروج الوقت؟

و الحقّ عدم جريانه، توضيح ذلك يحتاج إلى‏ بيان مقدّمة: و هي أنّهم ذكروا أنّه يُعتبر في الاستصحاب بقاء الموضوع‏ (1)، و الأولى‏ أن يُقال: إنّه يُعتبر في الاستصحاب اتّحاد القضيّة المشكوكة مع المُتيقّنة، فإذا تعلّق الحكم بعنوان كلي مقيّد بقيد، كما لو قال:

«الماء إذا تغيّر ينجس» فالموضوع لهذا الحكم هو عنوان الماء المُتغيّر، بخلاف ما إذا جعل الموضوع مطلق الماء.

و الحاصل: أنّ الموضوع لحكمٍ إذا كان كليّاً، فهو مع التقييد بقيدٍ موضوعٌ، و بدون التقييد به موضوع آخر، كما إذا قال: «العنب إذا غلى ينجس»، فإنّ الموضوع فيه مغاير للزبيب، فإنّه موضوع آخر. هذا إذا كان الموضوع هو العنوان الكلي.

و أمّا إذا جعل الموضوع مصداقاً خارجيّاً، كما لو فرض وجود ماءٍ متغيّر في الخارج، فيقال: «هذا الماء متغيّر، و كل ماءٍ مُتغيّر نجس، فهذا الماء نجس»، فالموضوع هو المشار إليه بقولنا: «هذا»، فإذا فُرض زوال التغيُّر عنه في الخارج، و احتُمل أنّه لا يكون زوال التغيُّر بنفسه مُطهِّراً، أمكن جريان استصحاب النجاسة حينئذٍ، فإنّ الموضوع هو المشار إليه الخارجيّ، و التغيّر واسطة في الثبوت- أي ثبوت حكم النجاسة له- فلا يضرّ انتفاؤه في جريان الاستصحاب، و كذلك الكلام في العنب‏

____________

(1)- فرائد الاصول: 399 سطر 19، درر الفوائد: 573.

191

الموجود في الخارج، فإنّه محكوم بأنّه إذا غلى ينجس، فإنّه إذا صار زبيباً يُستصحب ذلك الحكم؛ لما بيّناه.

و بالجملة: إذا جعل و عُلّق الحكم على عنوان كلي و جُعل موضوعاً لحكمٍ، فهو يختلف باختلاف القيود وجوداً و عدماً، و أمّا الموضوع الخارجيّ فليس كذلك، لا يختلف باختلاف قيوده و حالاته إلّا أن يتغيّر ماهيّته، كما إذا صار الكلبُ مِلحاً.

إذا عرفت ذلك نقول: حيث إنّ الموضوع فيما نحن فيه هو العنوان الكلي؛ أي الصلاة من دلوك الشمس إلى‏ غسق الليل، و المفروض أنّه لم يوجد في الخارج، و إلّا لم يحتجْ إلى‏ الاستصحاب، فبانتفاء قيده الذي هو الوقت المعيّن بخروج الوقت، يتغيّر الموضوع، و يصير طبيعةَ الصلاة، لا المقيّدة بالوقت المحدود، فلا يجري الاستصحاب؛ لعدم اتّحاد القضيّة المتيقّنة مع المشكوكة و المفروض أنّ الموضوع هو العنوان الكلي لا المصداق الخارجيّ لأنّ المفروض أنّه لم يوجده المكلّف و إلّا انتفى الوجوب لأنّ الخارج ظرف للسقوط لا الثبوت فالمقام مجرى البراءة لا الاستصحاب.

192

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

193

المطلب الثاني في النواهي و فيه فصول:

194

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

195

الفصل الأوّل في متعلَّق النهي‏

هل النهي مثل الأمر في الدلالة على الطلب بمادّته و هيئته، و أنّ الفرق بينهما إنّما هو في المتعلّق، و أنّ متعلّق الأمر هو الوجود و متعلّق النهي هو العدم، أو أنّه لا فرق بينهما في المُتعلّق، و أنّه الوجود فيهما، و الفرق في أنفسهما؟

وجهان: اختار أوّلهما في «الكفاية»، لكن لا بدّ من بيان أنّ الفرض الأوّل هل هو متصوّر عقلًا أو لا؟

فنقول: لا ريب في أنّ الطلب مسبوق بمقدّمات الإرادة من التصوّر و التصديق بأنّ المطلوب ذو مصلحة في الأمر و مفسدة في النهي، و الاشتياق إليه في بعض الأوقات لتتعلّق به الإرادة و البعث إليه، و هذه كلّها غير متصوّرة في العدم لا عقلًا و لا عرفاً، فإنّ العدم المطلق منه و المضاف ليس شي‏ء يوجد فيه المصلحة أو المفسدة، أو يشتاق إليه أو يراد و يبعث نحوه، و أيضاً قولُنا: العدم ذو مصلحة أو مشتاق إليه أو مراد، قضيّةٌ موجبة لا بدّ لها من وجود الموضوع، فلا يصحّ جعل العدم موضوعاً لها.

و بالجملة: توهُّم أنّ العدم متعلَّق للطلب في النواهي و البعث و غيرهما غير معقول.

و أمّا بملاحظة العرف فالأمر مركّب من مادّة و هيئة فهو بمادّته يدلّ على نفس‏

196

الطبيعة و بهيئته يدلّ على البعث و الإغراء إليها، و أمّا النهي، مثل «لا تضرب» فمادّته هي مادّة الأمر مثل «اضرب»، تدلّ على طبيعة الضرب مع زيادة كلمة «لا»، و ليس فيه ما يدلّ على الطلب، بل هيئته تدلّ على الزجر عن الوجود.

و بالجملة: كلّ واحد من الأمر و النهي متعلِّق بالوجود، و لا فرق بينهما في ذلك، و إنّما الفرق بينهما في أنفسهما، و أنّ الأمر هو طلب الوجود، و النهي زجر عن الوجود، و ذلك هو مُقتضى العقل و العرف.

ثمّ إنّه لا وجه للنزاع و البحث في أنّ النهي عبارة عن طلب الكفّ عن الفعل، أو نفس أن لا تفعل‏ (1)، سواء قلنا بأنّ النهي هو طلب العدم، أم قلنا بأنّه زجر عن الوجود:

أمّا على الثاني فواضح؛ لأنّه لا طلب حتّى يتوهّم أنّه طلب للكفّ، أو نفس أن لا يفعل.

و أمّا على الأوّل- الذي اختاره في الكفاية- فهو- أيضاً- كذلك؛ لأنّه- حينئذٍ- و إن كان طلباً، لكن مُتعلّقه العدم لا الوجود.

ثمّ إنّ ما ذكره في «الكفاية» من أنّ الترك- أيضاً- مقدور، و إلّا لما كان الفعل مقدوراً- أيضاً- فإنَّ القدرة بالنسبة إلى‏ طرفي الوجود و العدم على حدٍّ سواء، و أنّها ذات إضافة إلى‏ طرفي الوجود و العدم، كما فُصّل ذلك في الكتب الحَكَميّة (2)، فإن أراد بذلك أنّ للمكلّف إضافة إلى‏ وجود الأفعال الاختياريّة و عدمها؛ سواء اريد بها الإضافة الإشراقيّة، أو الإضافة المقوليّة، فلا معنى له، فإنّ الإضافة تحتاج إلى‏ المتضايفين، و لا يمكن تحقُّقها مع أحد المُتضايفين فقط، و إن اريد بذلك أنّ المكلّف قادر على إيجاد الفعل في المستقبل، فهو صحيح.

____________

(1)- معالم الدين: 94- 95.

(2)- الأسفار 6: 308.

197

الفصل الثاني في منشأ الفرق بين مُرادَي الأمر و النهي‏

لا ريب و لا إشكال في أنّه إذا نهى المولى عن طبيعة، فالمراد الزجر عن جميع أفرادها عند العرف و العقلاء، فلا بدّ أن يترك المكلّف جميع الأفراد، و لو أمر بها كفى‏ في الامتثال إيجاد فرد منها.

و لا إشكال في ذلك في المُتفاهَم العرفيّ، و إنّما الإشكال في منشأ ذلك و أنّه هل هو بحكم العقل- أي البرهان العقليّ- أو أنّه مقتضى اللغة و مدلول اللفظ أو أنّه بحسب المتفاهم العرفيّ.

قد يقال: إنّه مُقتضى حكم العقل- كما اختاره في «الكفاية»- لأنّه يصدق إيجاد الطبيعة بإيجاد فرد منها؛ لأنّها عين الفرد في الخارج، فإذا أتى‏ به فقد أتى‏ بتمام المطلوب، فيتحقّق الامتثال فيما لو أمر بها، و أمّا في صورة النهي عنها فلأنّ المفروض أنّها تصدق بإيجاد فرد منها، فلو ترك فرداً منها و أوجد الآخر، فانتفاء الطبيعة و إن يصدق بترك فرد، لكن يصدق إيجادها بفرد آخر منها، فهي موجودة، فيلزم أن تكون موجودة

198

و معدومة معاً، و هو محال، فهي موجودة- حينئذٍ- فلا يتحقّق الامتثال‏ (1).

لكن هذا الاستدلال فاسد؛ لأنّ كلّ فرد من أفراد طبيعة- تمامها في الخارج- يتكثّر وجودها في الخارج بعدد الأفراد، لا أنّ حصّة منها موجودة في ضمن فرد، و حصّة اخرى‏ منها في فرد آخر، و حينئذٍ فكما أنّه إذا أوجد فرداً من الطبيعة فقد أوجدها، كذلك إذا ترك فرداً منها فقد تركها؛ لعدم الفرق في ذلك بعد ما فرض أنّ الطبيعة عين كلّ فرد في الخارج فالبرهان العقليّ قائم على خلاف ما ذكره.

و أمّا دلالة النهي على ذلك فهي- أيضاً- ممنوعة، فإنّ المادّة موضوعة للطبيعة المجرّدة، و الهيئة موضوعة للزجر عنها، و ليس للمجموع من حيث المجموع وضع آخر نوعيّ.

و أمّا احتمال أنّ وضع المادّة في النهي غير وضعها في الأمر فهو كما ترى‏، و كذلك احتمال أنّ استعمال صيغة النهي- مثل «لا تضرب»- في نفي جميع أفرادها بنحو المجازيّة لعلاقة نوعيّة.

و حينئذٍ فانحصر القول بأنّ ذلك حكم عرفيّ عقلائيّ، لا عقليّ؛ فإنّ مقتضى الحكم العقليّ الدِّقّي: هو أنّ الطبيعة توجد بإيجاد فرد منها، و تنعدم بإعدام فرد منها؛ لأنّه مُقتضى كون الطبيعة عين الأفراد في الخارج، و أنّها تتكثّر بتكثّرها، و لا يصحّ أن يقال: إنّ بناء العقلاء على ما ذكر إنّما هو لأجل أنّ وجود الطبيعة إنّما هو بوجود فرد منها، و انعدامها بإعدام جميع أفرادها و انتفائها، فإنّه- أيضاً- لا يستقيم؛ لأنّ مقتضى حكم العقلاء هو- أنّه إذا أتى‏ بالمنهيّ عنه مراراً، استحقّ العقوبة بعدد الأفراد التي ارتكبها، و أنّه لو اتّفق أنّه حصّل مقدّمات ارتكابه، لكن لم يرتكبها أصلًا عدّ ذلك طاعة عندهم، و لو تكرّر ذلك و لم يرتكبها عُدَّ ذلك إطاعات، و أنّه لو أتى‏ بفرد منها فالنهي باقٍ بحاله بالنسبة إلى‏ سائر الأفراد، و هذا منافٍ للحكم بأنّ انتفاء الطبيعة

____________

(1)- كفاية الاصول: 182- 183.

199

بانتفاء جميع الأفراد فقط؛ لأنّ مقتضاه أنّ ترك جميع الأفراد إطاعة واحدة.

و ذكر بعض الأعاظم في المقام ما حاصله: أنّ المُنشَأ في النهي هي طبيعة الطلب المتعلّق بطبيعة ترك شرب الخمر- مثلًا- في «لا تشرب الخمر»، لا شخص خاصّ من الطلب، و طبيعة الطلب بنفسها متكثّرة في الخارج بتكثّر الأفراد، فلكلّ فرد من المنهيّ عنه فرد من الطلب، فلذلك بنى‏ العقلاء على أنّ الإتيان بالأفراد المُتعدّدة للطبيعة المنهيّ عنها، هو عصيانات متعدّدة، و أنّ الإطاعة لا تحصل إلّا بإعدام جميع أفرادها (1) انتهى خلاصة كلامه (قدس سره).

و فيه: أنّه لا بدّ في المقام من ملاحظة القواعد اللّغويّة أيضاً، و ما ذكره (قدس سره) لا ينطبق عليها، فإنّه لو كان المُنشَأ في النواهي هو طبيعة الطلب و سنخه، فلِمَ لا يقولون به في الأوامر؛ ضرورة أنّ مادّتهما واحدة؟!

و إن أراد أنّ النهي متعلّق بالأفراد بنحو الاستغراق- كما ذهب إليه الميرزا النائيني (قدس سره)(2)- فهو أيضاً غير مستقيم إلّا بنحو المجازيّة في الاستعمال، و لا يلتزم به هو (قدس سره).

و قال بعضٌ آخر: إنّ النهي ليس طلباً مثل الأمر، بل هو عبارة عن الزجر عن متعلَّقه، و أنّ انتفاء الطبيعة بانتفاء جميع الأفراد من الأحكام العقلائيّة، و لعلّه لأجل أنّ الأمر و النهي لا يسقطان بالعصيان، بل سقوطهما إمّا بالإطاعة، أو بانتفاء الموضوع، أو بموت المكلّف، و أمّا العصيان فهو ليس مُسقطاً له، بل التكليف معه- أيضاً- باقٍ بحاله بارتكاب فرد من الطبيعة المنهيّ عنها (3). انتهى ملخّصه.

و فيه: أنّه قد يسقط التكليف بالعصيان- أيضاً- بارتكاب فرد من الطبيعة

____________

(1)- نهاية الدراية 1: 262.

(2)- فوائد الاصول 1: 395.

(3)- نهاية الاصول: 222- 223.

200

المنهيّ عنها، كما إذا نهى عن صِرف وجودها؛ أي أوّل فرد يتحقّق، فإنّ باقي الأفراد- حينئذٍ- ليست منهيّاً عنها، فبإيجاد الفرد الأوّل يسقط التكليف.

و أمّا ما أفاده في «الكفاية»: من أنّه يمكن التمسُّك بإطلاق المتعلَّق على أنّ المراد ترك جميع الأفراد من هذه الجهة (1).

ففيه: أنّه إن أراد من إطلاق المتعلَّق من هذه الجهة أنّه لاحظ التسوية بين الأفراد، و أنّه قال- مثلًا-: «لا تشرب الخمر سواء ارتكبته مرّة أو أكثر أم لا»، ففيه- مع أنّ الإطلاق اللحاظي غير متحقّق- أنّ ذلك ليس هو من الإطلاق، بل هو عموم.

و إن أراد بالإطلاق عدم اللحاظ فليس ذلك من حالات المتعلّق، بل هو من حالات المكلّف.

و أمّا ما يقال: من أنّه إذا فُرض أنّ المفسدة ثابتة في كلّ فرد من أفراد الطبيعة، فالنهي عنها متوجِّه إلى‏ جميع الأفراد بنحو الاستغراق، و أنّ المرادَ من «لا تشرب الخمر» الزجرُ عن جميعها بنحو الاستغراق، فهو قرينة عامّة في سائر النواهي أيضاً، و لذلك يحكم العرف و العقلاء بذلك أيضاً (2).

ففيه أيضاً: أنّه إن اريد أنّ المادّة موضوعة للطبيعة المجرّدة، و مستعملة فيها أيضاً، لكنّها جعلت حاكية عن خصوصيّات الأفراد، فهو محال؛ لأنّ الطبيعة المطلقة- بما هي كذلك- مباينة لخصوصيّات الأفراد، فكيف يمكن حكايتها عنها، و إن اتّحدت مع الأفراد في الخارج، بل هي عينها فيه؟! فإنّ اتّحادَ الطبيعة مع الأفراد في الخارج، و أنّ كلَّ فردٍ منها تمام الطبيعة، مسألةٌ، و حكايةُ اللفظ الموضوع لها مجرّدة عن خُصوصيّات الأفراد مسألةٌ اخرى‏، و الاولى‏ مُسلَّمة، و الثانية ممنوعة.

مضافاً إلى‏ أنّه لا فرق بين الأمر و النهي في أنّ متعلّق كلّ واحدٍ منهما شي‏ء

____________

(1)- انظر كفاية الاصول: 183.

(2)- انظر فوائد الاصول 1: 395.