تنقيح الأصول‏ - ج2

- الشيخ حسين التقوي الاشتهاردي المزيد...
457 /
201

واحد، و الهيئة و لفظ «لا» الناهية- أيضاً- موضوعة للدلالة على الزجر، فلِمَ لا يلتزم بذلك في الأمر؟!

و إن اريد أنّ المادّة الموضوعة للطبيعة مستعملة في جميع الأفراد مجازاً لمناسبة اتّحادها مع الأفراد في الخارج.

ففيه: أنّ المفهوم من لفظة «لا تضرب»- مثلًا- غير ذلك عرفاً، مضافاً إلى‏ أنّه لا مناسبة و لا علاقة بين نفس الطبيعة و خصوصيّات الأفراد لتستعمل فيها مجازاً.

و بالجملة: ما ذكره- من أنّ النهي هو الزجر عن كلّ فردٍ فرد من أفراد الطبيعة- لا يساعده العُرف و لا العقل و لا اللغة.

و غاية ما يمكن أن يقال في المقام: هو أنّ المادّة المتعلّقة للنهي و إن كانت بعينها التي تقع هي متعلَّقة للأمر- أيضاً- في مثل «اضرب» و «لا تضرب»، و أنّه لا فرق بين مادّتها في الوضع و الدلالة، لكن الفرق إنّما هو بين نفس الأمر و النهي، فإنّ الأمر حيث إنّه بعث إلى‏ الطبيعة، و أنّ الطبيعة تتحقّق بوجود فرد منها، فإذا أتى‏ المكلّف بفرد منها كان مطيعاً عند العرف و العقلاء؛ لإيجاده تمام الطبيعة- حينئذٍ- فيسقط الأمر، بخلاف النهي؛ حيث إنّه زجر عن الطبيعة، فإذا حصلت مقدّمات ارتكابها، و لم يمنعه مانع عنه، فانتهى و انزجر عن جميع أفرادها، عُدّ في العرف مطيعاً، و هكذا لو اتّفق ذلك مكرّراً يُعدّ مُطيعاً بعدد كفّ نفسه عنها مرّاتٍ عديدة عرفاً كذلك، و أنّه لا يسقط النهي عندهم بارتكاب فرد منها بنحو العصيان، بل هو باقٍ بحاله، و أنّه لو ارتكبها مرّات، و أتى بأفراد منها، يعدّ ذلك عصيانات بعدد الأفراد المأتيّ بها، فتأمّل في المقام.

202

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

203

الفصل الثالث في اجتماع الأمر و النهي‏

هل يجوز اجتماع الأمر و النهي في واحد أو لا؟ كذا عنونوا هذا البحث‏ (1)، لكنّه ليس بسديد، فإنّ المراد بالواحد إمّا الواحد الشخصيّ أو النوعيّ أو الجنسيّ أو الأعمّ من الجميع، و على أيّ تقدير فالأمر دائر ما بين بديهيّة الجواز و بديهيّة الامتناع؛ لأنّه إن اريد بالواحد الواحد الشخصيّ الخارجيّ، فالشي‏ء بعد وجوده الخارجيّ لا يمكن أن يتعلّق به أمر أو نهي، فيمتنع الجواز، و إن اريد به الواحد الجنسيّ فالجواز بديهيّ، كالأمر بالسجود للَّه و النهي عنه للصنم، أو الأمر بالحركة المُتخصِّصة بالصلاة و الحركة المتحصِّصة بالغصب، فإنّه لا ريب و لا إشكال في جوازه.

فالأولى أن يُعنون البحث هكذا: هل يجوز تعلُّق الأمر و النهي الفعليّين بعنوانين متصادقين على واحد شخصيّ أو لا؟ فإنّ النزاع فيه معقول كُبرويّ؛ أي في الجواز و عدمه، و أمّا بناءً على ما ذكروه فالنزاع صُغرويّ في أصل الاجتماع و عدمه، و أيضاً الواحد الجنسيّ ليس مصداقاً لعنوانين في اصطلاح أهل الميزان، فإنّ المصداق‏

____________

(1)- انظر قوانين الاصول 1: 140، الفصول الغروية: 124، كفاية الاصول: 183.

204

في اصطلاحهم هو الفرد الخارجيّ.

ثمّ إنّه لا بدّ في المقام من تقديم امور:

الأمر الأوّل: بيان الفرق بين هذه المسألة و مسألة النهي في العبادات‏

قال في «الكفاية» ما حاصله: إنّ الفرق بينهما هو أنّ الجهة المبحوث عنها فيهما مختلفة، كما هو المناط في تغاير المسألتين، فإنّ البحث فيما نحن فيه إنّما هو: في أنّ تعدُّد الجهة و العنوان في واحد هل يوجب تعدّد متعلّقي الأمر و النهي؛ بحيث ترتفع غائلة استحالة الاجتماع في الواحد بوجه واحد، أو لا يوجبه؟ فالنزاع في سراية كلّ واحد من الأمر و النهي إلى‏ متعلَّق الآخر و عدمها، فالأوّل لأجل اتّحاد مُتعلّقيهما وجوداً، و عدم سرايته لتعدّدهما وجهاً، بخلاف الجهة المبحوث عنها في تلك المسألة، فإنّ البحث فيها هو: أنّ النهي في العبادات هل يوجب فسادها بعد الفراغ عن توجّهه إليها أو لا؟

و أمّا ما ذكره صاحب «الفصول»- من أنّ الفرق بينهما و امتيازهما إنّما هو لتغاير موضوعيهما (1)- فاسد؛ لما ذكرنا من أنّه إذا كانت الجهة المبحوث عنها واحدة في المسألتين فهما واحدة و إن اختلف موضوعاهما أو محمولاهما، و إن كانت متعدّدة فهي مُتعدّدة متغايرة و إن اتّحد موضوعاهما أو محمولاهما (2). انتهى.

أقول: في مراده من الجهة المبحوث عنها التي ذكرها احتمالات بحسب مقام التصوّر:

الأوّل: أن يُريد منها الحيثيّة التي وقع البحث فيها، كالبحث في حيثيّة جواز الاجتماع و عدمه، بخلافه في المسألة الاخرى، فإنّ البحث فيها في حيثيّة الفساد و عدمه.

____________

(1)- انظر الفصول الغرويّة: 140 سطر 19.

(2)- كفاية الاصول: 184- 185.

205

الثاني: أن يريد منها ما هو سبب البحث و علّته التي وقع البحث فيها لأجله.

الثالث: أن يريد منها منشأ القول بالجواز و عدمه، و أنّ منشأ القول بعدم الجواز هو سراية النهي إلى‏ متعلّق الآخر، و منشأ القول بالجواز عدم سرايته.

فنقول: مراده (قدس سره) هو الاحتمال الأخير لتصريحه (قدس سره) بذلك.

لكن يرد عليه: أنّه إذا كان بين مسألتين تغاير بتمام ذاتيهما، كما إذا تغايرا موضوعاً و محمولًا، أو ببعض ذاتيهما، كما لو اتّحد موضوعهما و تغاير محمولهما أو بالعكس، فلا وجه لأن يبيّن الفرق بينهما بالآثار و العوارض المترتّبة عليهما، كما لو قيل: أنّ الفرق بين الإنسان و الحجر هو أنّ الأوّل مستقيم القامة، بخلاف الحجر، مع أنّهما متباينان في مرتبة ذاتيهما، و ما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ المسألتين المذكورتين مُتباينتان في مرتبة ذاتهما موضوعاً و محمولًا، و لا ارتباط لإحداهما بالأُخرى‏، و لا جهة اشتراك بينهما كي يحتاج إلى‏ بيان ما به الامتياز، فالحقّ أنّ اختلاف المسألتين إنّما هو في الجهة المبحوث عنها بالمعنى‏ الأوّل، كما ذكره في «الفصول».

الأمر الثاني: في كون المسألة اصولية

إنّ هذه المسألة هل هي من المسائل الاصوليّة، أو من المبادئ الأحكاميّة، أو من المبادئ التصديقيّة، أو من المسائل الكلاميّة، أو من الفروع الفقهيّة؟

قال الميرزا النائيني (قدس سره): حيث إنّ القول بامتناع الاجتماع يؤدّي إلى‏ باب التعارض، فهي من المسائل التصديقيّة (1).

و قال بعض الأعاظم: حيث إنّ موضوع الاصول هو الحجّة في الفقه، و أنّه يبحث فيه عن أحوال الحجّة، فهذه المسألة من المبادئ الأحكاميّة؛ لأنّه لا يبحث فيها عن أحوال الحجّة؛ لتكون من المسائل الاصوليّة، بل يستأنس بها في الأحكام‏

____________

(1)- انظر فوائد الاصول 1: 400.

206

الشرعيّة (1).

و قال في «الكفاية»: إنّه و إن كان في هذه المسألة جهات من البحث كلّ واحدة من الجهات تناسب أن تكون من مسائل كلّ واحدة من المذكورات، لكن لا داعي لجعلها من مباحث غير الاصول، مع أنّهم ذكروها في الاصول، و إمكان جعلها من المسائل الاصوليّة؛ لأنّ المناط في المسائل الاصوليّة هو وقوع نتيجتها في طريق الاستنباط، و هذه المسألة كذلك‏ (2).

أقول: أمّا ما أفاده الميرزا النائيني (قدس سره) فيظهر من كلامه أنّ مراده من المبادئ التصديقيّة غير ما هو المصطلح عليه، فإنّها في الاصطلاح: عبارة عن البراهين و الاستدلالات التي يتوقّف التصديق بالمسائل عليها.

و أمّا ما ذكره البعض الآخر من أنّها من المبادئ الأحكاميّة، و أنّ الموضوع لعلم الاصول هو الحجّة في الفقه، فقد تقدّم الكلام فيه مفصّلًا:

أوّلًا: بأنّا لا نسلّم ما هو المعروف من أنّه لا بدّ لكلّ علمٍ موضوعٌ يُبحث فيه عن أحواله و عوارضه الذاتيّة (3)؛ لاستلزامه خروج جُلّ مسائل كثير من العلوم عنها؛ مثلًا: أنّهم ذكروا أنّ موضوع علم الفقه هو أفعال المكلّفين‏ (4)، مع أنّ قولهم: «الشمس مطهّرة»، أو «الماء مطهّر»، أو «مقدار الكرّ كذا» ... إلى‏ غير ذلك من أمثالها، لا يرجع البحث فيه إلى‏ البحث عن أحوال المكلّفين.

و ثانياً: لا نسلّم أنّ الوجوب و الحرمة من العوارض.

و ثالثاً: لا نسلّم أنّها من عوارض فعل المكلّف و إن سُلِّم أنّها من العوارض.

____________

(1)- انظر حاشية الكفاية للبروجردي 1: 349.

(2)- انظر كفاية الاصول: 185.

(3)- كفاية الاصول: 22.

(4)- معالم الدين: 25.

207

و رابعاً: لو سلّمنا أنّ موضوع علم الاصول هو الحجّة في الفقه، فليس المراد منها مفهومها، بل المراد مصاديقها الخارجيّة، و حينئذٍ فيمكن جعلها من المسائل الاصوليّة بهذا المعنى، فلا يصحّ جعلها من مبادئ الأحكام.

و أمّا ما ذكره في «الكفاية» ففيه: أنّه إنّما يصحّ ما ذكره من إمكان جعل هذه المسألة من المذكورات، إذا كان فيها الجهات المذكورة بعنوانها و بقاء موضوعها و محمولها، مع أنّهم ذكروا في وجه كونها من المسائل الكلاميّة: أنّ مرجع البحث فيها إلى‏ أنّ المكلِّف- بالكسر- هل يصحّ أن يأمر بعنوان، و ينهى عن عنوان آخر متصادقين على موضوع واحد (1)؟

و في وجه كونها من المسائل الفقهيّة: أنّ مرجع البحث فيها إلى‏ صحّة الصلاة الواقعة في المكان الغصبيّ و فسادها، فغيّروا المسألة و عنوانها و هكذا.

فما ذكره- من إمكان جعلها من كلّ واحد من المذكورات- غير صحيح.

فالمتعيّن هو ما ذكرناه من أنّ مسائل كلّ علم عبارة عن عدّة مسائل مربوطة، و أنّ المناط في المسألة الاصوليّة هو إمكان وقوع نتيجتها في طريق استنباط الأحكام الفرعيّة، و هي كذلك.

الأمر الثالث: في أنّ المسألة عقلية

لا ريب في أنّ هذه المسألة من المسائل العقليّة، و أنّ الجواز المبحوث عنه فيها و عدمه لا يراد منه الجواز الشرعيّ، بل هو بمعنى‏ الإمكان، و أمّا تفصيل بعض فيها بالجواز عقلًا و عدمه عرفاً (2)، فلا يدلّ على أنّها من المباحث اللفظيّة و اللغويّة، فإنّ مراده أنّ مقتضى حكم العقل الدِّقّي هو أنّ تعدُّد الجهة موجب لتعدُّد المتعلَّق، و أمّا

____________

(1)- نهاية الأفكار 1: 407.

(2)- مجمع الفائدة و البرهان 2: 112.

208

بحسب النظر العرفيّ فإنَّهما واحد مسامحة، لا بمعنى‏ استظهار ذلك من اللفظ؛ لأنّ البحث ليس في دلالة لفظي الأمر و النهي.

الأمر الرابع: عدم الفرق بين أقسام الوجوب‏

لا فرق بين أقسام الوجوب- من النفسيّ و الغيريّ و العينيّ و الكفائيّ و التعيينيّ و التخييريّ- في جريان النزاع في الجميع و شمول البحث لها؛ لأنّ البحث- كما عرفت- عقليّ يجري في جميع ذلك، لا لفظيّ كي يقال: إنّ لفظ الأمر ظاهر في الوجوب النفسيّ العينيّ التعيينيّ إلّا مع خروج موضوعه، كما في مثل وجوب المُقدّمة؛ حيث إنّ الوجوب فيها متعلّق بذات المقدّمة لا بعنوانها ليتصوّر النزاع فيه.

الأمر الخامس: عدم اعتبار وجود المندوحة

هل يعتبر في محلّ البحث قيد وجود المندوحة؛ بمعنى‏ تمكّن المكلّف من الصلاة- مثلًا- في مكان مُباح في مقام الامتثال؛ إذ بدونها يلزم التكليف بالمحال، أو لا؟

و الحقّ عدم اعتبار قيد وجودها، كما هو مختاره في «الكفاية» (1)؛ لأنّ محطّ البحث فيها هو: أنّه هل يجدي تعدُّد الوجه و العنوان في دفع غائلة اجتماع الضدّين، أو لا يجدي؟ و لا فرق في ذلك بين وجود المندوحة و عدمه، و لا فرق في ذلك بين العنوانين المتلازمين في الوجود؛ بحيث لا ينفكّ أحدهما عن الآخر بحسب الوجود، و غير ذلك.

نعم: يشترط في التكليف تمكّن المكلّف و قدرته و غير ذلك من الشرائط، لكنّه خارج عن محلّ النزاع.

____________

(1)- كفاية الاصول: 187.

209

الأمر السادس: هل النزاع مبنيّ على القول بتعلّق الأوامر و النواهي بالطبائع أم لا؟

هل النزاع في جواز الاجتماع و عدمه مبنيّ على القول بتعلّق الأوامر و النواهي بالطبائع؛ لأنّه على القول بتعلُّقها بالأفراد يتعيّن القول بالامتناع، أو لا، بل يجري على كلا القولين؟

ثمّ إنّه من قال بتعلُّقها بالأفراد هل يتعيّن أن يختار القول بالامتناع أو لا، و يتعيّن اختيار القول بالجواز على من يذهب إلى‏ تعلُّقها بالطبائع أو لا؟

فنقول: تحقيق الكلام يحتاج إلى‏ بيان المراد من تعلُّق الأوامر و النواهي بالأفراد: لا إشكال في أنّه ليس المراد منه هو الأفراد الشخصيّة الموجودة في الخارج، فإنّه غير معقول و تحصيل للحاصل، و على فرض إرادتهم ذلك فلا معنى لهذا النزاع فيه، بل المراد من تعلُّقها بالأفراد أحد وجوه:

الأوّل: أنّ المراد هو تعلُّق الأمر بالفرد المعنون بعنوان الصلاة، و النهي بالفرد المعنون بعنوان الغصب- مثلًا- في قبال القول بتعلُّقها بنفس الطبائع المجرّدة.

الثاني: أنّ المُراد أنّ الأمر متعلّق بإيجاد فردٍ من الصلاة، و النهي بالزجر عن إيجاد الفرد من الغصب في الخارج.

الثالث: أنّ المراد بالأفراد هو عنوان الصلاة مع جميع ملازماتها من الزمان و المكان- بعرضها العريض- و مشخِّصاتها الفرديّة، و الغصب أيضاً كذلك في قبال القول بتعلُّقها بالطبائع المجرّدة.

الرابع: أنّ المراد بتعلُّقها بالأفراد تعلُّقها بالوجود السِّعيّ من كلّ طبيعة مجرّداً عن العوارض؛ بمعنى‏ الجامع بين الأفراد، لا بالمعنى‏ المصطلح عليه في كتب الفلسفة، في قبال القول بتعلُّقها بالفرد الموجود.

210

لا إشكال في أنّ البحث يجري على كلّ واحد من الاحتمالات المذكورة، إلّا الثالث؛ لأنّه بناءً على تعلُّق الأوامر و النواهي بعنواني الصلاة و الغصب- مثلًا- مع جميع عوارضهما الخارجيّة و مشخصاتهما الفرديّة، لا مناص من القول بالامتناع، لأنّه في قوّة أن يقال: «صلّ في الدار المغصوبة» و بالعكس، و أمّا غيره من الاحتمالات فيقع البحث فيها و في اختيار الجواز و عدمه؛ لأنّ متعلّقيهما كلّيّ في جميعها، و الذي دعاهم إلى‏ القول بتعلُّقها بالأفراد بأحد معانيها الثلاث، مع أنّها كلّيّات، هو أنّهم زعموا أنّ نفس الطبيعة المجرّدة غير قابلة لأن توجد في الخارج، فلا يمكن تعلُّق الأمر و النهي بها.

الأمر السابع: اعتبار وجود المناطين في المجتمع‏

قال في «الكفاية» ما محصّله: إنّه لا يكاد يكون من باب الاجتماع إلّا فيما إذا كان في كلّ واحد من الأمر و النهي مناطُ حكمه مطلقاً، حتّى في مورد التصادق و الاجتماع؛ كي يحكم على الجواز بأنّه محكومٌ بحكمين فعلًا، و على الامتناع بأنّه محكوم بحكم أقوى‏ المناطين، أو بحكم آخر فيما لم يكن أحدهما أقوى‏، و أمّا إذا لم يكن للمتعلّقين مناط كذلك فلا يكون من هذا الباب، بل هو من باب التعارض، فلا بُدَّ من علاج التعارض بينهما، و لا يكون مورد الاجتماع إلّا محكوماً بحكم واحد إذا كان له مناط واحد، أو حكم آخر غيرهما فيما لم يكن لواحد منهما؛ قيل بالجواز، أو الامتناع‏ (1). انتهى حاصله.

أقول: يحتمل ما ذكره أحد وجهين لا يخلو كلاهما عن الإشكال:

الوجه الأوّل: أن يريد (قدس سره) أنّ محطّ البحث و النزاع إنّما هو فيما إذا كان المناطان موجودين، كما أنّ من اعتبر وجود المندوحة يذهب إلى‏ أنّ محطّ البحث إنّما هو في‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 189.

211

صورة وجودها.

فإن أراد ذلك يرد عليه: أنّ هذا مناقض لما ذكره- في بيان عدم اعتبار وجود المندوحة- من أنّ المهمّ في هذه المسألة هو البحث عن جواز الاجتماع و عدمه؛ من حيث إنّ تعدّد العنوان هل يُجدي في دفع غائلة اجتماع الضدّين أو لا؟ فإنّه- حينئذٍ- لا فرق بين وجود المناطين و عدمه؛ لعدم دخل وجودهما- حينئذٍ- في جريان النزاع‏ (1).

مع أنّه يرد عليه: أنّه- بناءً على ذلك- لا بدّ و أن يختصّ هذا البحث بالعدليّة، لا الأشاعرة؛ حيث إنّهم لا يقولون بوجود المناط و الملاك للأحكام.

هذا بناءً على ما اختاره من أنّ النزاع في المقام صُغرويّ.

و أمّا بناءً على ما اخترناه- من أنّ البحث فيها كُبرويّ؛ أي في إمكان الاجتماع و عدمه- فلا يشترط ما اعتبره من وجود المناطين.

الوجه الثاني: أن يريد (قدس سره) فيما ذكره دفع إشكال: و هو أنّهم ذكروا في باب التعارض؛ أي تعارض العنوانين اللذين بينهما عموم من وجه، مثل: «أكرم العلماء» و «لا تكرم الفسّاق»، فإنّهما يتعارضان في مادّة الاجتماع، و ذكروا في هذا الباب: أنّ النزاع في جواز الاجتماع و عدمه إنّما يجري في العنوانين اللذين بينهما عموم من وجه، مثل «الصلاة» و «الغصب»، و إن أمكن جريانه فيما كان بينهما عموم مطلق- أيضاً- مثل: «أكرم العلماء» و «لا تكرم الفسّاق منهم»، و لم يتعرّضوا في باب التعارض إلى‏ أنّه يمكن الجمع بينهما بما ذكروه من جواز اجتماع الأمر و النهي‏ (2).

فأجاب (قدس سره): بالفرق بين ما نحن فيه و باب التعارض، و أنّ ما نحن فيه إنّما هو فيما إذا وجد المناط لكلّ واحد من الوجوب و الحرمة، حتّى في مورد التصادق و الاجتماع، و باب التعارض إنّما هو فيما لم يكن كذلك.

____________

(1)- انظر نفس المصدر: 187.

(2)- انظر مطارح الأنظار: 129 سطر 5.

212

و فيه: أنّ المناط في مسألة التعارض هو تنافي الدليلين عرفاً؛ بأن يكون الدليل متعرِّضاً للأفراد، مثل: «أكرم كلّ عالم» و «لا تكرم كلّ فاسق»، فإن لم يتنافيا عرفاً كما في الأعمّ و الأخصّ المطلقين؛ حيث إنّ بينهما الجمع العرفيّ، فلا يعامل معهما مُعاملة المتعارضين، بخلاف ما نحن فيه، مثل «صلّ» و «لا تغصب»، فإنّ الأمر فيهما متعلّق بعنوان «الصلاة» بدون أن يتعرّض للأفراد، و النهي متعلّق بعنوان «الغصب»، كذلك، فلا تعارض بينهما عرفاً، فهو من مسألة الاجتماع، فلا مساس لإحدى المسألتين بالأُخرى‏؛ ليحتاج إلى‏ بيان الفرق بينهما.

و بالجملة: البحث في مسألة التعارض عرفيّ، و منشؤه ورود الأخبار العلاجيّة، و هي منزّلة على العرف، فإن كان بينهما تعارض عرفاً يعامل معهما مُعاملة المتعارضين، و إلّا فيجمع بينهما، فالموضوع في باب التعارض عرفيّ، بخلاف مسألة الاجتماع، فإنّ البحث فيها عقليّ.

ثمّ إنّ ما ذكره في «الكفاية» من أنّه لو دلّ دليل على ثبوت المناطين من إجماع و غيره فهو، و إلّا فلو لم يكن إلّا إطلاق دليلي الحكمين، ففيه تفصيل، و هو:

أنّ الإطلاق لو كان في مقام بيان الحكم الاقتضائيّ، فهو دليل على ثبوت المقتضى و المناط في مورد الاجتماع، فيكون من هذا الباب‏ (1).

ففيه: أنّه إن أراد أنّ البحث في مسألة الاجتماع يعمّ ما إذا كان الحكمان اقتضائيّين- أيضاً- يرد عليه- مع الإغماض عن الإشكال في ثبوت مرتبة الاقتضاء للأحكام و تسليم ذلك-: أنّه لا وجه لتوهّم جريان النزاع فيه؛ لعدم الإشكال في جواز اجتماع الحكمين الاقتضائيّين، بل البحث انّما هو فيما لو تعرّض الدليلان لبيان الحكم الفعليّ، و لذا قيّدنا الحكمين في عنوان البحث بالفعليّين.

____________

(1)- كفاية الاصول: 190.

213

الأمر الثامن: ثمرة بحث الاجتماع‏

قال في «الكفاية»: لا إشكال في سقوط الأمر و حصول الامتثال بإتيان المجمع بداعي الامتثال على الجواز مطلقاً؛ و لو في العبادات و إن كان معصيةً- أيضاً- للنهي، و كذا الحال على الامتناع و ترجيح جانب الأمر، إلّا أنّه لا معصية هنا، و أمّا مع ترجيح جانب النهي فيسقط به الأمر مُطلقاً في غير العبادات، و أمّا فيها فلا مع العلم و الالتفات أو بدونه تقصيراً، و أمّا إذا كان جاهلًا عن قصور فيسقط الأمر، بل يمكن أن يقال بحصول الامتثال أيضاً. انتهى ملخّص كلامه (قدس سره)(1).

أقول: لا بدّ من ملاحظة أنّه هل تتحقّق في الصلاة الواقعة في الدار المغصوبة جهتان واقعيّتان و حيثيّتان في نفس الأمر منضمّتان في الخارج: إحداهما الحيثيّة الصلاتيّة، و الثانية الحيثيّة الغصبيّة، و أنّه ينطبق على الاولى عنوان «الصلاة»، و على الثانية عنوان «الغصب»، و الاولى‏ مُقرِّبة للعبد إلى‏ اللَّه تعالى‏، و الثانية مُبعِّدة له عنه تعالى‏؛ حتّى لا يرد عليه إشكال: أنّ المبعّد كيف يمكن أن يكون مُقرِّباً أو ليس كذلك بل ليس في الخارج إلّا حيثيّة واحدة واقعاً، فالحكم بصحّة الصلاة- حينئذٍ- يحتاج إلى‏ إثبات الشِّقّ الأوّل.

فتصدّى الميرزا النائيني (قدس سره) لإثبات ذلك بتمهيد مقدّمات نذكرها بنحو الاختصار:

الاولى: أنّ الصلاة من مقولة الوضع لو قلنا أنّها عبارة عن الهيئة أو الهيئات المتلاصقة و الأوضاع المتعاقبة، و الغصب من مقولة الأين.

الثانية: كلّ مقولة مباينة مع مقولة اخرى‏، و المبايَنة بينهما بتمام الذات، و ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز؛ لأنّها بسائط.

الثالثة: أنّ الحركة في كلّ مقولة لا تخلو عن أحد احتمالات ثلاث: أحدها أن‏

____________

(1)- نفس المصدر: 191.

214

تكون جنساً للمقولات، الثاني أن تكون معروضة لها، الثالث أن تكون من كلّ مقولة هي فيها:

أمّا الأوّل فباطل، و إلّا لزم أن يكون للمقولات جنس و فصل، و أنّ ما به الامتياز فيها غير ما به الاشتراك، فيلزم تركُّبها، مع أنّه ثبت في محلّه أنّ المقولات بسائط.

و كذلك الاحتمال الثاني؛ لأنّ الحركة لو كانت معروضة للمقولات فهي- أيضاً- من الاعراض لا الجواهر، فيلزم قيام العرض بالعرض، و هو محال.

بقي الاحتمال الثالث، فهو المتعيّن، فالحركة من كلّ مقولة من المقولات هي من هذه المقولة، و المفروض أنّ المقولات متباينة، فينتج أن الحركات في المقولات مُتباينة، ففي الصلاة الواقعة في الدار المغصوبة حركتان: إحداهما في الوضع، و هي الحركة الصلاتيّة، و ثانيتها الحركة في الأين، و هي الحركة الغصبيّة، و ليس المراد من الحركةِ الحركةَ الحسّية من رفع اليد و وضعها مثلًا، بل المراد الحركة الصلاتيّة و الغصبيّة، فإذا كانت الحركتان مُتباينتين: بإحداهما يقرب العبد من اللَّه، و بالثانية يبعد عن اللَّه تعالى‏، فلا يرد على القول بصحّة الصلاة: أنّ المُقرِّب لا يمكن أن يكون مُبعِّداً، أو بالعكس‏ (1). انتهى.

أقول: لا إشكال في أنّ الغصب غير التصرّف في مال الغير، فإنّ الغصب:

عبارة عن السلطة على مال الغير و الاستيلاء عليه عدواناً و إن لم يتصرّف فيه، و أمّا التصرُّف في مال الغير المحرّم فهو مفهوم انتزاعيّ، و منشأ انتزاعه مختلف، فإنّه قد يصدُق على النوم على بساط الغير عدواناً، أو الجلوس عليه أو وضع اليد عليه و إن لم يكن مسلَّطاً و مستولياً عليه، فلا بدّ من ملاحظة أنّ الصلاة هل تتّحد مع الغصب- أي التسلّط على مال الغير- أو لا؟ و من ملاحظة أنّها هل تتّحد مع التصرّف في مال الغير

____________

(1)- أجود التقريرات 1: 346- 347.

215

أو لا؟

فأقول: يرد على ما ذكره (قدس سره):

أوّلًا: أنّ الصلاة ليست من المقولات، فإنّ المقولات من الامور التكوينيّة، و الصلاة أمر مركّب اعتباريّ، فلا بدّ من ملاحظة أجزائها من الركوع و السجود و غيرهما، فالأجزاء هي عين الكون في مكان الغير الذي هو الغصب.

و ثانياً: أنّ الغصب- أيضاً- ليس من المقولات، بل هو- كما عرفت- أمر اعتباري؛ أي السلطة و الاستيلاء على مال الغير عدواناً.

و ثالثاً: لو أغمضنا عن ذلك كلّه، لكن مقولة الأين ليست هو الكون في ملك الغير عدواناً، بل هي عبارة عن الكون في المكان، و قيد العدوان خارج عنها، مع أنّ قيد العدوان من مقوّمات الغصب.

و رابعاً: لو أغمضنا عن ذلك- أيضاً- لكن الركوع و السجود و غيرهما من أفعال الصلاة هو عين الكون في مكان الغير بالوجدان.

هذا كلّه لو لاحظنا الصلاة مع عنوان «الغصب».

و أمّا ملاحظتها مع عنوان «التصرُّف في مال الغير عدواناً»، فالصلاةُ الواقعة في مكان الغير كلّ واحد من أجزائها عينُ التصرُّف في مال الغير عدواناً، فليس في الخارج إلّا حيثيّة واحدة ينطبق عليها عنوانا «الصلاة» و «التصرّف في مال الغير عدواناً»، فيرد على ما ذكره من صحّة الصلاة الواقعة في ملك الغير عدواناً: أنّه كيف يمكن أن يكون المُقرِّب مُبعِّداً؟!

و أمّا ما ذكره- من أنّ الحركة من كلّ مقولة هي منها- فلا ربط له بالمقام.

و العجب أنّه (قدس سره) أيّد ما ذكره- من أنّ الحركة الصلاتيّة غير الحركة الغصبيّة- بأنّ إضافة الأعراض إلى‏ مكان مثل إضافة الجواهر إليه، فكما أنّ كون «زيد» في مكان غصبيّ لا يوجب أن يصير «زيد» مغصوباً، فكذلك قيام زيد فيه و الصلاة فيه لا

216

يوجب كون القيام و الصلاة عين الغصب.

ففيه: أنّه فرق بين الجواهر و الأعراض، فإنّ قيام زيد و ركوعه و سجوده من الأفعال الاختياريّة التي تصدر منه، و الواقعة منها في دار الغير عدواناً عينُ التصرُّف المحرَّم، بخلاف الجواهر.

و بالجملة: ما ذكروه- من استلزام صحّة الصلاة في المكان الغصبيّ لكون المقرّب مبعداً- صحيح لا ريب فيه، سواء قلنا بجواز اجتماع الأمر و النهي أم لا.

ثمّ إنّ ظاهر ما ذكره في «الكفاية»- من الحكم بصحّة الصلاة بناءً على الامتناع و ترجيح جانب الأمر و انتفاء المعصية (1)- عدم الفرق بين وجود المندوحة في مقام الامتثال- و تمكّن المكلّف من الإتيان بالصلاة في مكان مُباح- و عدمه، فإن أراد ذلك فهو خلاف الضرورة من الشرع؛ لأنّه لا ريب و لا إشكال في بطلان الصلاة في المكان الغصبي مع إمكان وقوعها في مكان مُباح، سواء قلنا بأنَّ تقييد الصلاة بعدم وقوعها في المكان الغصبي، تقييد عقليّ و بحكم العقل، أو شرعي و بحكم الشرع.

و إن أراد خصوص صورة عدم وجود المندوحة، فلا يرد عليه الإشكال المذكور.

صورة الجهل عن قصور

ثمَّ إنّه بناءً على الامتناع و ترجيح جانب النهي، فمع العلم أو الجهل عن تقصير، فالحكم كما ذكره من بطلان الصلاة، و لا كلام فيه، و إنَّما الكلام في صورة الجهل عن قصور، فالحكم بسقوط الأمر بالصلاة و حصول الامتثال إنّما هو لوجود ملاك الأمر، بل يُمكن أن يأتي بها بقصد الأمر المُتعلّق بالطبيعة، لكن لا بُدَّ من ملاحظة أنَّه بناءً على الامتناع و ترجيح جانب النهي، هل يمكن وجود ملاك الأمر فيها أو لا؟

و على فرض وجوده، مع أنَّه ضعيف و مغلوب و مُنكسر، هل يمكن صحّة

____________

(1)- كفاية الاصول: 191.

217

الصلاة- حينئذٍ- أو لا؟

أمّا الأوّل: فبناءً على ما قرّره (قدس سره) في وجه الامتناع، لا يُعقل وجود ملاك الصلاة في المجمع؛ لأنّه استدل لما اختاره من الامتناع بأنَّ الأمر و النهي المُتعلّقين بعنواني «الصلاة» و «الغصب» متعلّقان في الواقع بالفعل الصادر من المكلّف في الخارج، و أنَّ العنوانين اخذا بنحو الكاشفية و المرآتيّة، كاللفظ بالنسبة إلى المعنى، فالأمر و النهي مُتعلّقان بالواحد وجوداً و ماهيّة في الواقع الخارجي، و تعدّد الوجه و العنوان لا يُوجب تعدّد المُعنون، فهو مع بساطته ليس له إلّا حيثية واحدة مصداقاً لمفاهيم كثيرة، كالواجب تعالى‏، فإنَّه تعالى‏ مع بساطته و أحديته يصدق عليه مفاهيم كثيرة، فالعنوانان موجودان بوجود واحد و ماهيّة واحدة، فيمتنع اجتماع الأمر و النهي فيه، فإنَّ مقتضى ذلك عدم وجود ملاك الأمر فيه أصلًا؛ بناءً على عدم وجود حيثيتين واقعيّتين في المجمع- إحداهما ذات مصلحة، و الاخرى‏ ذات مفسدة، بل حيثيّة واحدة ذاتاً و وجوداً- امتنع وجود المصلحة و المفسدة فيه كليهما.

و إن وجّه الامتناع ببيان آخر؛ بحيث يمكن معه وجود حيثيّتين واقعيّتين، إحداهما ذات مصلحة و متعلّقة للأمر، و الاخرى‏ ذات مفسدة متعلّقة للنهي؛ بحيث يكون المقرّب غير ما هو المبعِّد ذاتاً و وجوداً، فلا إشكال في الحكم بالصحّة مع الجهل بالحرمة قصوراً، بل و عن تقصير و عمد أيضاً، فبالحيثيّة الصلاتيّة يقرّب إليه تعالى‏، و بالحيثيّة الغصبية يبعّد عنه تعالى‏.

و أمّا الثاني: أي فرض مغلوبية ملاك الأمر مع وجوده.

ففيه: أنَّه ليس معنى مغلوبيّته و ضعفه مثل الانكسار الخارجي؛ بحيث ينعدم بوجود ملاك النهي، بل معناها أنَّ ملاك النهي أقوى‏ و أهم من ملاك الأمر، لكن ملاك الأمر بالمهم- أيضاً- تمام الملاك للصلاة، فكلّ واحد من ملاكي الأمر و النهي موجود في الفرض، فمع فرض امتناع الاجتماع و ترجيح جانب النهي؛ لأنّه أقوى‏ مناطاً، و أنّ‏

218

مراعاة المفسدة أولى من مراعاة المصلحة مع جهل المكلّف بالحرمة قصوراً، تقع الصلاة الواقعة في الدار المغصوبة صحيحةً؛ لوجود الملاك التام فيها.

و قال بعض الأعاظم: إنَّه فرق بين ما إذا كان التزاحم بين مصلحة الصلاة و مفسدة الغصب في مقام الاقتضاء و جعل الحكم، و بينهما في مقام فعليته و في مقام الامتثال: ففي الأوّل لا يحكم فيه بصحّة الصلاة، فإنَّه مع فرض كون ملاك النهي أقوى‏ بناءً على الامتناع، لا يمكن للشارع الأمر بالصلاة- حينئذٍ- بحيث يشمل هذا الفرد أيضاً، بل لا بُدَّ أن يقيّد أمره بغير هذا الفرد المُزاحَم بالغصب، و هذا القسم من صُغريات مسألة التعارض، فلا بُدَّ من التعامل معه معاملة المتعارضين من الترجيح و التخيير و غير ذلك.

و بالجملة: بناءً على هذا الوجه تقع الصلاة فاسدة و لو مع الجهل- عن قصور- بالحرمة؛ لعدم الملاك فيها و عدم الأمر بها حينئذٍ، بخلاف القسم الثاني، فإنَّه لو لم يكن بين المصلحة الصلاتية و المفسدة الغصبية تزاحم في مقام الاقتضاء و جعل الحكم في نظر الحاكم، بل التزاحم بينهما في مقام الامتثال و العمل و فعليّة الحكمين، نظير ما إذا غرق الابن و ابن الأخ في زمانٍ واحدٍ، و لا يتمكّن من إنقاذهما معاً، و إنقاذ الابن أهمّ، مع عدم المزاحمة بينهما في مقام الاقتضاء و الأمر، بل التزاحم بينهما إنّما هو في مقام الامتثال، فمع أهمية ملاك النهي من ملاك الأمر، فالأمر بالصلاة و إن كان مقيّداً عقلًا بغير الفرد المُزاحَم- أي الغصب- لكن لو غفل المكلّف عن النهي مع الامتناع و ترجيح جانب النهي، فصلّى في المكان الغصبي، تقع صحيحةً لوجود الملاك فيها حينئذٍ (1) انتهى مُلخّص كلامه.

و فيه: مع الإغماض عن الإشكالات التي ترد عليه الغير المربوطة بالمقام، أنَّه لو قلنا إنَّ صحّة الصلاة و غيرها من العبادات تحتاج إلى‏ وجود الأمر بها ليقع الامتثال‏

____________

(1)- أجود التقريرات: 358- 361.

219

بقصده، كما ذكره الشيخ البهائي (قدس سره)(1) في الضد الواجب العباديّ، فلا مناص عن الحكم بفساد الصلاة في الصورة الثانية؛ بناءً على ما ذكره من سقوط الأمر بالمهم فيها.

و إن قلنا: إنَّه يكفي في صحّة الصلاة وجود ملاكها فهو موجود في الصورة الاولى- أيضاً- و لا مناص من الحكم بصحّة الصلاة في الصورتين من غير فرق بينهما في صورة الجهل بالحرمة قصوراً.

الأمر التاسع: شمول النزاع لعنوانين غير متساويين‏

قد عرفت أنَّ محط البحث هو جواز تعلُّق حُكمين فعليّين متصادقين على موضوعٍ واحدٍ، فإن تباين العنوانان فهو خارج عن محلّ النزاع؛ لعدم تصادقهما على واحد، و كذلك إن تساويا، و إن يتوهم شمول محطّ البحث لهما، لكن لا ريب في عدم إمكان الأمر بعنوان و النهي عن عنوان متصادقين في جميع الأفراد.

و أمّا العموم و الخصوص المُطلق فهو على قسمين:

أحدهما: العموم و الخصوص بحسب المورد، مثل الضاحك و الحيوان.

و ثانيهما: العموم و الخصوص المُطلق بحسب المفهوم، بأن يكون مفهوم العامّ مأخوذاً في مفهوم الخاصّ، و ذلك مثل المطلق و المقيّد، مثل الحيوان و الحيوان الأبيض.

أمّا القسم الأوّل: كما إذا قال: «أكرم ضاحكاً» و «لا تكرم الحيوان» فكل واحدٍ منهما عنوان مستقلّ يتصادقان على واحدٍ، فيشملهما البحث، و إن ذكر المحقّق القمي و الميرزا النائيني خروج العام و الخاص المُطلقين عن محلّ النزاع مطلقاً (2)، لكن لا إشكال في شموله لهذا القسم وفاقاً «للفصول» لكنَّه قائل بشموله لكلا القسمين‏ (3).

____________

(1)- انظر زبدة الاصول: 99 سطر 2.

(2)- انظر قوانين الاصول 1: 153- 154.

(3)- الفصول الغروية: 125 سطر 8.

220

و أمّا القسم الثاني: فقد يقال بخروجه عنه، لأنّ الإطلاق في المُطلق ليس قيداً أو جزءاً للموضوع، بل الموضوع فيه نفس الطبيعة التي هي متعلَّق الأمر مثلًا، و المقيّد هو الطبيعة- أيضاً- المتعلّقة للنهي لكن مع قيد، فيلزم تعلُّق الأمر و النهي بشي‏ءٍ واحدٍ و هو الطبيعة، و هو محال خارج عن محلّ النزاع.

لكن الأمر ليس كذلك، فإنَّ الموضوع في المُطلق و إن كان هي الطبيعة، و ليس الإطلاق جزءاً للموضوع، لكن الموضوع للحكم الآخر هو المُقيّد، و هما عنوانان مُتغايران مُتصادقان على موضوع واحد.

بل يمكن أن يُقال: إنَّ متعلَّق النهي في «لا تصلِّ في الدار المغصوبة» هو الكون فيها، فهو مع الأمر بطبيعة الصلاة من القسم الأوّل؛ أي العموم و الخصوص المُطلق بحسب المورد الذي عرفت أنَّه لا إشكال في شمول محطّ البحث لهما.

نعم: المطلق قد يتّحد مع المقيّد في الخارج، و لا يضرّ ذلك بما ذكرناه.

و أمّا العموم من وجه فهو محلّ النزاع مطلقاً، سواء كان العنوانان المتعلّقان للأمر و النهي من الأفعال الاختيارية للمكلَّف، كالغصب و الصلاة، أم لا، كالموضوعات الخارجة عن اختيار المكلَّف، كالعالم و الفاسق، و سواء كانا من الأفعال الاختيارية أوَّلًا و بالذات، كالصلاة و الغصب أيضاً، أم من الأفعال التوليديّة التي ليست من الأفعال الاختياريّة أوّلًا و بالذات، لكنّها اختيارية بالعَرض و بالواسطة؛ أي بواسطة أسبابها و مولّداتها كالتعظيم؛ بناءً على أنّه عنوان يحصل بالقيام عند مجي‏ء شخص، و سواء كان تصادق العنوانين على مصداق خارجي انضماميّاً- مثل الصلاة و الغصب- بناءً على ما ذكره بعض‏ (1)، أو اتحاديّاً- مثل العالم و الفاسق- خلافاً للميرزا النائيني (قدس سره) في المقامات الثلاثة، فإنّه (قدس سره) قيَّد محل البحث في العامين من وجه بما إذا كانا من الأفعال الاختيارية للمكلَّف أولًا و بالذات، و بما إذا كان التصادق في الخارج‏

____________

(1)- نهاية الأفكار 1: 425.

221

انضمامياً لا اتحادياً، و منشأ ذلك هو أنَّ نظره (قدس سره) أنَّ امتناع اجتماع الأمر و النهي إنَّما هو لاتحاد العنوانين في الخارج‏ (1)، لكن سيجي‏ء- إن شاء اللَّه- أنَّه لا فرق بين الأقسام المذكورة في أنَّ جميعها محل الكلام، و أنّ صورة اتّحاد العنوانين في الخارج وجوداً و ماهية- أيضاً- محل البحث، و أنَّه يجوز الاجتماع فيهما، لأنَّ الأحكام متعلّقة بالطبائع و العناوين، لا بالموجود في الخارج.

و أمّا التقييد و التخصيص بالأفعال الاختيارية بالذات، فهو مبنيّ على القول بأنَّ الأوامر و النواهي المُتعلقة بالأفعال التوليدية، لا بُدَّ و أن ترجع إلى‏ أسبابها و مولّداتها، و أمّا بناءً على القول بعدم إرجاعها إليها فهي مشمولة للبحث أيضاً، لكن قد عرفت أنَّ المُتعين هو الثاني.

بل يمكن أن يُقال: بأنَّه بناءً على القول الأوّل- أيضاً- يمكن شمول البحث لها، فإنَّ القيام بقصد التعظيم لزيد عنوان، و القيام لتعظيم عمرو عنوان آخر، و إن تصادقا على ما لو قام عند مجيئهما معاً، و قد عرفت أنَّ الاتحاد في الوجود لا يضرّ في جواز الاجتماع.

التحقيق في جواز الاجتماع‏

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنَّ الحق هو جواز اجتماع الأمر و النهي المتعلّقين بعنوانين مُتصادقين على موضوع واحد، و توضيحه يحتاج إلى‏ تقديم امور:

الأوّل: أنَّه إذا تعلّق الأمر أو النهي بعنوان، فلا يُعقل تعدّيه و تجاوزه عنه إلى مُلازماته أو مقارناته الذهنية أو الخارجية، فالأمر في قوله: «صلِّ» مُتعلّق بنفس الطبيعة مُجرّدة عن كافة الخصوصيّات، و لا يُعقل تعدّيه عنها إلى ما هو خارج عنها،

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 410- 412.

222

و كذلك النهي في «لا تغصب»؛ و ذلك لأنّه كما يستحيل تعلّق إرادته تعالى‏ بشي‏ء جُزافاً و بدون الملاك أو المناط، كذلك لو فرض أنّ المصلحة قائمة بشي‏ءٍ يستحيل و لا يُعقل تعلّق إرادته به مقيّداً بشي‏ء آخر، كما أنّه لو فُرض أنَّ المصلحة في شي‏ءٍ مقيّداً بقيد، فلا يُعقل تعلّقها به بدون ذلك القيد.

الثاني: ليس معنى الإطلاق لحاظ سراية الحكم لجميع الحالات و شموله لجميع الخصوصيّات، فإنَّ ذلك هو معنى العموم لا الإطلاق، بل الإطلاق عبارة عن جعل الطبيعة مُطلقة مُتعلَّقة للأمر أو النهي بدون قيد أصلًا؛ بحيث يظهر منه أنَّها تمام الموضوع للحكم، فمعنى أنّ «صلِّ» مُطلق أنَّ الحكم الوجوبي تعلّق بطبيعة الصلاة بدون قيد، و أنّ تمام الموضوع و المطلوب هو نفس الطبيعة بلا لحاظ الحالات و الخصوصيّات.

و بالجملة: معنى الإطلاق هو عدم لحاظ الحالات و الخصوصيات، لا لحاظ عدمها؛ حتى يصير معنى إطلاق «صلِّ» إنشاء وجوب طبيعة الصلاة، سواء وقعت في مكان غصبي أم لا، فالموضوع في المُطلق هو نفس الطبيعة، و يستحيل سراية الحكم إلى الخصوصيات الفردية بأن تُجعل الطبيعة حاكيةً عنها.

الثالث: أنَّ اتحاد الطبيعة مع جميع الأفراد و الخصوصيات في الخارج، و قولهم:

اللابشرط يجتمع مع ألف شرط، ليس معناه حكاية الطبيعة عن الأفراد و الخصوصيات الخارجية، بل معناه أنَّها في الخارج هي ذلك الفرد و ذاك، فإنّ اتحادها مع الخصوصيات في الخارج بهذا المعنى مسألة، و حكايتها- و أنّها مرآة لها- مسألة اخرى‏، و الاولى‏ مُسلَّمة، و الثانية ممنوعة.

الرابع:- و هو العُمدة- هو أنَّه لا إشكال في أنَّ الأوامر و النواهي متعلِّقة بنفس الطبائع المجردة؛ و ذلك لأنَّ هنا ثلاثة أشياء: أحدها الموجود في الخارج كزيد الموجود فيه، الثاني الموجود في الذهن، الثالث نفس الطبيعة المجرّدة عن الوجودين.

223

فالأوّل جزئي حقيقي خارجي، و الثاني جزئي حقيقي ذهني، و أمّا الثالث أي نفس الطبيعة فهي و إن لا تحقق لها في ذاتها، إلّا أنّها عين الموجود في الخارج من أفرادها، و في الذهن عين الموجود الذهني، لكن إذا تصورها الإنسان فليست جزئياً، إلّا بلحاظ وجودها في الذهن بلحاظ آخر ثانٍ، و لا يمكن لحاظها كذلك بتصوّرٍ واحدٍ، بل إذا تصوّرها الإنسان فهي توجد بهذا التصوّر فيه.

و لكن هذا الوجود الذهني مغفول عنه، و ليس المتصوّر جزئياً بهذا التصوّر، بل جزئيتها تحتاج إلى‏ تصوّر آخر لوجودها في الذهن و لحاظه، و إلّا فمع عدم اللحاظ الثاني فهي ليست إلّا هي أوجدها الإنسان في ذهنه، فهي- حينئذٍ- في نفس الأمر من الموجودات الذهنية بالحمل الشائع، لكن الأحكام الثابتة لها المجعولة عليها ذاتية لنفس الطبيعة؛ لأنَّ وجودها الذهني مغفول عنه، فلا يمكن إثبات حكم له.

و لذا ذهب جمع من المحقّقين- في مبحث لوازم الماهية كالزوجية للأربعة- إلى‏ أنّها لازمة لنفس الطبيعة، مُنفكة عن الوجودين الذهني و الخارجي؛ من جهة أنَّ تصورها و إن كان هو وجودها الذهني بالحمل الشائع، لكن حيث إنَّ هذا الوجود مغفول عنه و مع ذلك تثبت لها لوازمها (1).

يستكشف منه أنّها لازمة لنفس الطبيعة، و يدل على ذلك- أيضاً- تقسيم الماهية إلى الموجودة و المعدومة، و الظاهر أنَّ المُراد منها هو نفس الطبيعة الكليّة، لا مقيّدة بالوجود الذهني؛ فإنّها كذلك قسم لا مقسم، و غير قابلة للتقسيم المذكور.

و بالجملة: لا إشكال في أنَّ هنا أحكاماً ثابتة لنفس الطبائع المجرّدة عن الوجودين، و الأوامر و النواهي مُتعلقة بها كذلك بتصوّرها و جعل الحكم من الوجوب و الحُرمة و غيرهما لها نفسها، فإنَّ هذا التصوّر و إن كان هو وجودها الذهني، لكنَّه مغفول عنه عند جعل الحكم لها، و لا يثبت لهذا الوجود شي‏ء، و يدل على ذلك أنّا

____________

(1)- انظر منظومة السبزواري (قسم الفلسفة): 60.

224

مُكلَّفون بالصلاة و الصيام فعلًا، مع أنّا لم نكن في زمن صدور الأحكام، و ليس ذلك إلّا لأجل أن الموضوع نفس الطبيعة، و لا يُعقل تعلّق الأمر و النهي بالخارج؛ لأنّه- حينئذٍ- لا بُدَّ أن يوجد المأمور به فيه، ثمّ يتعلّق به الأمر، و إلّا لزم وجود المتعلِّق- بالكسر- قبل وجود المتعلَّق- بالفتح- و هو محال، و بعد وجوده يستحيل الأمر به؛ لأنّه تحصيل للحاصل، و كذلك في النهي؛ لأنّه- حينئذٍ- لا يتعلّق إلّا بعد الوجود، و بعده لا معنى للنهي عنه.

و لا يُعقل تعلّقهما بالوجود الذهني- أيضاً- لا لعدم القدرة على إيجاده في الخارج، و لذلك وقع الاستاذ الحائري (قدس سره) في «الدرر» في حيص و بيص؛ حيث أخذ في متعلّق الأوامر و النواهي الإيجاد، و أجاب عن الإشكالات‏ (1) بما لا يخلو عن الإشكال.

إذا عرفت ما ذكرناه نقول: إنّ الأمرَ متعلِّقٌ بعنوان الصلاة و طبيعتها، و النهيَ بعنوان الغصب و طبيعته، و هما- في عالم تعلُّق الأمر و النهي بهما- عنوانان متغايران، و لا يسري حكم أحدهما إلى‏ الآخر بمقتضى‏ ما ذكرنا في الأمر الأوّل، و لا يمكن الاستدلال للسراية بالإطلاق؛ لما عرفت في الأمر الثاني من معنى الإطلاق، و أنّه ليس عبارة عن لحاظ التسوية بين الخصوصيّات و الأفراد، بل معناه جعل الطبيعة متعلَّقة للحكم بدون لحاظ الخصوصيّات، و أنّها تمام الموضوع، فتمام موضوع الأمر هو طبيعة الصلاة، و تمام موضوع النهي هو طبيعة الغصب، و لا ارتباط لأحدهما بالآخر، و عرفت في الأمر الثالث معنى اللابشرط، و أنّه ليس معناه حكاية الطبيعة عن الخصوصيّات. و لا يجتمعان- أي الأمر و النهي- في الخارج- أيضاً- لأنّ الخارج ظرف للسقوط- أي سقوط الأمر و النهي- لا الثبوت، فبالإتيان بالصلاة في الدار المغصوبة يسقط الأمر بالإطاعة و النهي بالعصيان؛ لما عرفت من عدم إمكان تعلُّق الأمر و النهي بالخارج.

____________

(1)- درر الفوائد: 155- 159.

225

و الذي أوقع القوم في الاشتباه هو ما ذكره الفلاسفة من أنّ الماهيّة من حيث هي ليست إلّا هي؛ لا محبوبة، و لا مبغوضة، و لا كلّيّة، و لا جزئيّة، و النقائض عنها مرتفعة (1)، و غير ذلك، فتوهّموا: أنّه لا يمكن تعلّق الأمر و النهي بها نفسها، بل هي متعلّقة بالوجود الخارجي، و فرّعوا عليه القول بالامتناع في المسألة، و ذهب القائلون بجواز الاجتماع إلى‏ أنّها مُتعلِّقة بإيجاد الماهيّة، فأخذوا في متعلَّقها الوجود المجرّد منضماً إلى الماهيّة؛ فراراً عن المحذور المذكور، فلا بدّ من توضيح ذلك و بيان شبهتهم، فنقول:

معنى قولهم: «الماهيّة من حيث هي ليست إلّا هي» أنّ الكلّيّة و الجزئيّة و نحوهما ليست عينها و لا جزأها في مرتبة ذاتها، و أنّ طبيعة الإنسان- مثلًا- في مرتبة ذاتها ليست إلّا طبيعة الإنسان، و لذا صرّحوا بارتفاع النقيضين و الضدّين اللّذين لا ثالث لهما عنها (2)، مع أنّ ارتفاع النقيضين محال واقعاً، و لا ريب في أنّ طبيعة الإنسان كلّيّة- أيضاً- يمكن صدقها على كثيرين.

و بالجملة: فمرادهم من الجملة المذكورة: أنّ الكليّة و الجزئيّة و غيرهما من المسلوبات عنها ليست عين ذاتها و لا جزأها، و أنّها غير مأخوذة فيها أصلًا، و لا ربط لهذا المطلب بما نحن فيه، و لا منافاة له لما نحن بصدده، فإنّ المُدّعى هو أنّ الأحكام متعلِّقة بنفس الطبائع المجرَّدة، و لا يلزم من ذلك دخل شي‏ء في ذاتها عيناً أو جزءاً حتّى ينافي ما ذكره الفلاسفة؛ لما عرفت أنّ الاحتمالات بحسب مقام التصوّر ثلاثة: أحدها تعلّق الأحكام بالخارج، و ثانيها تعلُّقها بالموجود في الذهن، الثالث تعلُّقها بنفس الطبائع، و الأوّلان مستحيلان- كما عرفت مُفصَّلًا- فتعيّن الثالث، فالأمر متعلّق بنفس الطبيعة، و يُتوسَّل به إلى إيجاد فردها الخارجي.

و إن شئت قلت: إنّها متعلّقة بإيجاد الطبيعة في الخارج- أي مفهوم الإيجاد-

____________

(1)- انظر الأسفار 2: 3- 4، و منظومة السبزواري 2: 93.

(2)- انظر منظومة السبزواري 2: 94.

226

فمتعلّق الأمر هو عنوان الصلاة، و النهي متعلّق بعنوان الغصب، و هما- في عالم عنوانهما و تعلّق الأمر و النهي بهما- متغايران لا يسري أحدهما إلى الآخر، و لا ريب في إمكان الأمر بالأوّل و النهي عن الثاني، و أمّا الخارج فالصلاة في الدار المغصوبة و إن تعنونت فيه بعنوانين و صارت مصداقاً لطبيعتين تعلّق بإحداهما الأمر و بالثانية النهي، لكن الخارج- كما عرفت- ليس متعلّق الأمر و النهي كي يجتمعان.

و من هنا يظهر فساد ما ذكره في «الكفاية» من أنّ متعلَّق الأحكام هو الفعل الخارجي الصادر من المكلّف لا العنوان‏ (1)، و كذلك ما ذكره في «الفصول» (2).

و يظهر- أيضاً- أنّ المُقدّمات التي ذكرها الميرزا النائيني (قدس سره) لإثبات الجواز لا ربط لها بالمقام؛ لأنّه- كما عرفت- ذكر في المقدّمات أنّ محطّ البحث إنّما هو فيما إذا كان التركُّب بينهما في الخارج انضماميّاً لا اتّحاديّاً (3)؛ و ذلك- لما عرفت- أنّ الأوامر و النواهي لا يمكن تعلُّقها بالخارج، مع أنّه لو فرض أنّ التركُّب بينهما انضماميّاً، و أنّ في الخارج شيئان: أحدهما متعلّق للأمر، و الثاني متعلّق للنهي، فلا يتوهّم- حينئذٍ- الامتناع، بل الأمر بالعكس، و أنّ محطّ البحث إنّما هو فيما إذا كان التركُّب اتّحادياً؛ لما عرفت من أنّ عنوان البحث هو أنّه هل يجوز تعلُّق الأمر بعنوانين متصادقين على واحد، و لا ريب في أنّ المراد بالواحد هو المصداق الجزئي الموجود في الخارج لا المتعدّد.

بقي في المقام دفع إشكال:

أمّا الإشكال: فهو أنّه لا يمكن اجتماع الإرادة و الكراهة و الحبّ و البغض معاً في المصداق الخارجي للعنوانين، و كذلك المفسدة و المصلحة بناءً على الجواز، فكيف يمكن‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 193.

(2)- الفصول الغروية: 125 سطر 16.

(3)- فوائد الاصول 2: 423.

227

القول بالجواز في المسألة؟!

و هذا هو أجود التقريرات للقائلين بالامتناع.

و أمّا الدفع: فهو موقوف على ملاحظة كيفيّة صدور الأمر و النهي من المبدأ الأعلى سبحانه و تعالى؛ ليتّضح بذلك أنّه ليس للقائلين بالامتناع ما يتمسّكون به لمذهبهم.

فنقول: لا ريب في أنّ الامور التي هي دخيلة في تحقّق البعث و الزجر عبارة عن تصوّر الآمر و الناهي نفس الطبيعة، ثم التصديق بالفائدة، و كذلك سائر مبادئ الإرادة، و إرادة البعث إليها، أو الزجر عنها، و لا ريب- أيضاً- في أنّه لو لم يلاحظ أنّ الطبيعة في وجودها الخارجي مشتملة على المصلحة في الأمر و المفسدة في النهي، لا تنقدح الإرادة و الاشتياق إليها، مثل أنّ الصلاة الخارجيّة معراج المؤمن‏ (1)، أو قُربان كلّ تقيّ‏ (2)، و هكذا في النهي، إلّا أنّ جميع هذه التصوّرات إنّما هي قبل وجود الطبيعة في الخارج، و من الواضح أنّ الصلاة في وعاء الذهن غيرها في وعاء الخارج، و كذلك الغصب، و كذلك عنواناهما في عالم الذهن عنوانان متغايران، و ليسا موجودين بوجود واحد، بل يتصوّر المصلحة في الصلاة و المفسدة في الغصب، مع قطع النظر عن الوجود رأساً.

و بالجملة: عالم التصوُّر و اللحاظ هو وعاء امتياز الأشياء بعضها عن بعض، و الغصب في عالم التصوّر ممتاز تمام الامتياز عن الصلاة، و بعد ذلك يلاحظ أنّ الصلاة لو وجدت في الخارج اشتملت على مصلحة، و الغصب- أيضاً- لو وجد فيه اشتمل على مفسدة، فيشتاق إلى البعث إلى الاولى بهذا العنوان و الزجر عن الثاني بعنوانه، فيريدهما، فالاشتياق و البعث يتعلّقان بهذين العنوانين، و لا يمكن حكاية هذين‏

____________

(1)- اعتقادات المجلسي: 39.

(2)- الفقيه 1: 136/ 16 باب فضل الصلاة.

228

العنوانين عن الخارج و مرآتيّتهما له، لكن الواقع منكشف بهذين العنوانين، و لا نعني أنّ في المقام كاشفاً و منكشفاً- مثلًا- حيث إنّه يرى أنّ في الغصب الخارجي مفسدة مُضِرّة بحال العبد لو ارتكبه، فينهاه عنه بواسطة تصوُّر الموجود الذهني منه بعنوانه.

و الحاصل: أنّه لا يمكن تعلّق الأمر و النهي بالخارج، لكن حيث إنّ الخارج منكشف له بوجهٍ ما بتصوُّره ذهناً، كتصوُّر مفهوم الوجود الذي هو وجه الموجود الخارجي، فيتعلّق الأمر و النهي بالمفهوم الذهني و العنوان في وعاء الذهن، و لا ريب في أنّ المفاهيم مُتمايزات في الذهن، لا يمكن اتّحادها فيه، بل الاتّحاد إنّما هو في الوجود الخارجي، الذي يصدق عليه كلّ واحد من العنوانين من «الصلاة» و «الغصب».

فانقدح من جميع ما ذكرنا: عدم اجتماع المحبوبيّة و المبغوضيّة و الإرادة و الكراهة و المفسدة و المصلحة في المصداق الخارجي، بل هما يتعلّقان بالعنوانين المتمايزين المتغايرين. هذا كلّه في التكوينيّات.

و أمّا التشريعيّات فهي- أيضاً- كذلك بالطريق الأولى، فإذا أتى‏ العبد في الخارج بفرد هو مصداق للعنوانين، فلا ربط له بمقام التشريع؛ أ لا ترى‏ أنّه إذا صلّى في مكان غصبيّ مع الجهل به، فالحركات الخاصّة الصلاتيّة معلومة و مجهولة معاً، و التضادّ بينهما أوضح من التضادّ بين الأحكام الخمسة.

و حلّه: أنّ في الذهن صورتين: إحداهما معلومة، و الاخرى‏ مجهولة، و عليك بالتأمّل التامّ، فإنّه مزالّ الأقدام.

حول بطلان العبادة على القول بامتناع اجتماع المبادئ‏

ثمّ إنّه هل يمكن إثبات بطلان الصلاة في الدار المغصوبة بامتناع اجتماع المحبوبيّة و المبغوضيّة في شي‏ء واحد، أو بامتناع تحقُّق المصلحة و المفسدة في واحد، أو بامتناع أن يكون شي‏ء واحد مقرّباً و مبعّداً، أو لا؟

229

فنقول: إنّ شيئاً منها لا يصلح لإثبات البطلان:

أمّا الأوّل: فلأنّ المحبوبيّة و المبغوضيّة ليستا وصفين واقعيّين كالسواد و البياض؛ حتّى يمتنع اجتماعهما في موضوعٍ واحدٍ، حتى فيما لو كان المحبّ غير المُبغض، فإنّ اجتماع الضدّين ممتنع و إن كان من اثنين، و ذلك واضح، بل الحبّ و البغض وصفان قائمان بنفس المحبّ- بالكسر- و المبغض، لكن لا بدّ أن يكون لكلٍّ منهما من متعلَّق مشخِّص لهما في الذهن؛ ليوجد كلّ منهما في الذهن، و لا يمكن وجودهما فيه بدون المتعلَّق، و لا يمكن تعلُّقهما بالموجود الخارجي بعد وجوده؛ بأن يتشخّصا بالوجود الخارجي، مع أنّه بعد وجوده الخارجي يستحيل تعلُّق الحبّ و البغض بإيجاده، و قبل وجوده الخارجي معدوم، و المعدوم ليس قابلًا لذلك، فلا بُدَّ من تعلُّقهما بالوجود الذهني، الذي هو عنوان الخارج و وجهه، لا بمعنى‏ مرآتيّته للخارج، فذلك الموجود في الذهن- الذي هو وجه الخارج- مشخِّص للحبّ و البغض في النفس، لكن له إضافة اعتباريّة إلى‏ الخارج لا حقيقيّة، و منشأ انتزاعها هو تعلُّق الحبّ و البغض به في النفس بالوجه و العنوان، و حينئذٍ فلا يستحيل أن يكون شي‏ء واحد ذا وجهين و عنوانين: باعتبار أحدهما هو محبوب، و بالاعتبار الآخر هو مبغوض، كما لو أكرم ابن المولى في دارٍ نهاه عن الكون فيه، فهو مستحقّ للمدح و المثوبة بإكرام ابنه و اللوم و العقوبة لأجل الكون فيما نهاه عنه ضرورة أنّه فرق بين المثال المذكور و بين ما أهان ابن المولى في الدار المذكورة عند العرف و العقلاء فيستحقّ عقوبتين فيه بخلاف الأوّل.

و أمّا الثاني- أي لزوم اجتماع المفسدة و المصلحة- فهما أيضاً مثل الحبّ و البغض، ليستا وصفين خارجيّتين كالسواد و البياض؛ كي يمتنع اجتماعهما في واحد في زمان واحد، فإنّ المفسدة في الغصب عبارة عن لزوم الاختلال في نظام العالم؛ لو لم يحرم التصرُّف في مال الغير عدواناً، فلا يمتنع أن تتحقّق في شي‏ء واحد هذه المفسدة و مصلحة لجهة اخرى‏؛ باعتبار أنّ له وجهين و عنوانين يتعلّق بأحدهما الأمر، و بالثاني‏

230

النهي، كما ظهر ذلك من المثال الذي قدّمناه.

و أمّا الثالث- أي اجتماع المُقرّبيّة إلى اللَّه تعالى‏ و المُبعّديّة عنه تعالى‏ في شي‏ء واحد فهو أيضاً كذلك؛ لوضوح أنّه ليس المراد القرب و البعد المكانيّين منهما؛ ليمتنع اجتماعهما في واحد، بل المُراد المنزلة و المكانة و ضدّهما عند المولى، فلا مانع من اجتماعهما في واحد ذي عنوانين و وجهين: باعتبار أحدهما تقرُّب العبد إليه تعالى‏، و باعتبار الآخر يَبعُد عنه تعالى‏، كما في المثال المذكور.

و من جميع ما ذكرنا يظهر ما في المقدّمات التي ذكرها في «الكفاية» لبيان ما اختاره من الامتناع، و لا نُطيل بذكر ما فيها من الإشكال، لكن لا بأس بالتعرّض لبيان ما ذكره في المقدّمة الاولى، و ما هو المعروف من تضادّ الأحكام.

فإنّه قال فيها ما حاصله: إنّه لا ريب في أنّ الأحكام الخمسة متضادّة كلّ مع الآخر في مقام فعليّتها و بلوغها مرتبة البعث و الزجر؛ ضرورة ثبوت المنافاة و المعاندة التامّة بين البعث نحو واحد و الزجر عنه في زمان واحد بالنسبة إلى مكلّف واحد، و إن لم يكن بينهما مضادّة ما لم تبلغ تلك المرتبة؛ لعدم المنافاة و المعاندة بين وجوداتها الإنشائيّة قبل بلوغها إليها، كما لا يخفى‏، فاستحالة اجتماع الأمر و النهي في واحد ليست من باب التكليف بالمحال، بل لأنّه تكليف محال بنفسه، فلا يجوز عند من يجوّز التكليف بغير المقدور. انتهى‏ (1) حاصله.

أقول: قد عُرِّف الضدّان: بأنّهما أمران وجوديّان لا يستلزم تصوُّر أحدهما تصوُّر الآخر، يتعاقبان على موضوع واحد، و بينهما الخلاف، أو غاية الخلاف‏ (2)، على الاختلاف في تعبيراتهم.

و ذكروا أنّ من شرائط التضاد: أنّه لا بدّ أن يكون لكلّ واحد منهما ماهيّة

____________

(1)- كفاية الاصول: 193.

(2)- الأسفار 2: 112- 113، منظومة السبزواري 2: 41.

231

نوعيّة، و أن يقعا تحت جنس قريب‏ (1).

و لا ريب في أنّ كلّاً من الأمر الوجوبي و الأمر الاستحبابي مسبوق بالإرادة، و هي لا تختلف فيها إلّا بالشدّة و الضعف، فالأمر الوجوبي مسبوق بالإرادة الأكيدة، و الأمر الاستحبابيّ مسبوق بالإرادة الغير الأكيدة، و الآمر لا يرضى بترك المأمور به في الأوّل دون الثاني، لكن التأكُّد و عدمه و الرضا بالترك و عدمه ليست من مقوّمات الإرادة و جنسها أو فصلها، بل الإرادة الأكيدة عين الغير الأكيدة بحسب الماهيّة، و الاختلاف بينهما انّما هو بالمرتبة، و كذلك لا فرق بين النهي التحريمي و التنزيهي في أنّ كلّ واحد منهما مسبوق بإرادة الزجر، لكن مع الاختلاف بالتأكيد و عدمه أو بالشدّة و الضعف، بحسب المفاسد التي في المنهيّ عنه، كاختلاف الإرادة في الأمر الوجوبي و الاستحبابي بحسب المصالح التي في المأمور به بحسب نظر المولى، و كذلك الإباحة بناءً على أنّها من الأحكام، فإنّه حيث رأى أنّ في تخيير المكلّف بين الفعل و الترك مصلحةً، يحكم بإباحته، فلا فرق بين الأحكام الخمسة في أنّ كلّ واحد منها مسبوق بالإرادة، و هي ماهيّةٌ واحدة و حقيقيّةٌ فإرادة في جميعها.

و أمّا ما يُتراءى من بعضٍ من أنّ الأمرَ مسبوق بالإرادة و النهيَ بالكراهة، ففيه:

أنّ الكراهة انفعال في قبال الاشتياق في الأوامر، فكما أنّه لا يلزم وجود الاشتياق في الأوامر، كذلك الكراهة في النواهي و إرادة الزجر، فربّما يريد الفعل مع كراهته له أو يريد الزجر مع اشتياقه إلى الفعل.

إذا عرفت ذلك فنقول: الحكم الشرعي: إمّا هو عين الإرادة، أو الإرادة المظهرة للبعث، أو أنّه عين البعث و الزجر، أو أمر منتزع عنهما:

و على الأوّل فلا ريب في عدم انطباق تعريف التضادّ عليها، امّا أوّلًا: فلما عرفت من أنّ الإرادة في جميع الأحكام ماهيّة و حقيقة واحدة.

____________

(1)- نفس المصدر.

232

و ثانياً: فلأنّه ليس بين الوجوب و الاستحباب غاية الخلاف التي اعتبرها بعضهم في الضدّين، كما لا يخفى‏.

و ثالثاً: فلما عرفت أنّه يعتبر في الضدّين أن يكون لكلّ واحد منهما ماهيّة نوعية كالبياض و السواد، مع أنّه ليس للإرادة في جميع الأحكام إلّا ماهيّة واحدة.

و على الثاني:- أي بناءً على أنّ الوجوب و الحرمة عبارتان عن نفس البعث و الزجر- فليس- أيضاً- للبعث المتعلّق بالواجب و البعث المتعلّق بالمندوب إلّا ماهيّة واحدة نوعيّة، فالبعث إلى‏ صلاة الظهر- مثلًا- و البعث إلى النافلة حقيقة واحدة و ماهيّة فاردة مادةً و هيئة، و كذلك الزجر التحريمي و التنزيهي، و الضدّان ماهيّتان مختلفتان، و أيضاً لا بدّ في الضدّين أن يتعاقبا على موضوع خارجيّ واحد، و لا يجتمعان فيه في زمان واحد، و موضوع الأحكام ليس من الموجودات الخارجيّة؛ لاستحالته كما عرفت، بل موضوعها الماهيّة الكلّيّة، و حينئذٍ فلا يستحيل اجتماعها على موضوع واحد؛ ضرورة أنّه قد يأمر المولى عبداً بماهيّة، و ينهى آخر ذلك العبد عنها في زمان واحد، مع استحالة ذلك في الضدّين، كالسواد و البياض.

و على الثالث:- أي بناءً على الوجوب و الحرمة و غيرهما من الأحكام امور اعتباريّة منتزعة عن البعث و الزجر- فانتفاء التضادّ بينها حينئذٍ أوضح، فإنّ الضدّان أمران وجوديّان، و الأحكام- بناءً على هذا الوجه- ليست أمراً وجوديّاً، و أمّا عدم إمكان الأمر بشي‏ء و النهي عنه في زمان واحد بالنسبة إلى‏ شخص واحد، فليس هو لأجل التضادّ بين الأحكام، بل لأجل أنّه تكليف بغير المقدور، أو لغير ذلك، فعدم إمكان ذلك أعمّ من وجود التضادّ بينها.

233

بعض أدلّة جواز الاجتماع‏

و استُدلّ لجواز اجتماع الأمر و النهي: بأنّه لو كان بين الأحكام تضادٌّ يلزم تحقّق التضادّ بين الوجوب و الاستحباب، و كذلك بين الوجوب و الكراهة و الاستحباب و الكراهة، مع اجتماع الوجوب و الاستحباب، كصلاة الظهر في المسجد، و هو مع الكراهة، كالصلاة الواجبة في الحمّام، و الاستحباب مع الكراهة، كصوم يوم عاشوراء، و أمثال ذلك، فيكشف ذلك عن عدم التضادّ بين الأحكام.

و أجاب عنه في «الكفاية»:

أمّا إجمالًا فبأنّ ذلك ليس استظهاراً من الدليل، و ليس برهاناً قطعيّاً- أيضاً- فلا بدّ من التصرّف و التأويل فيما ورد في الشريعة ما يتوهّم منه الاجتماع، بعد قيام الدليل و البرهان على امتناع الاجتماع؛ لأنّ الظهور لا يُصادم البرهان.

و أمّا تفصيلًا: فالعبادات المكروهة على ثلاثة أقسام:

أحدها: ما تعلّق فيه النهي بعنوانه و ذاته، و لا بدل له، كصوم‏ (1) يوم عاشوراء و النوافل‏ (2) المبتدأَة في بعض الأوقات.

ثانيها: ما تعلّق به النهي كذلك، لكن مع البدل، كالنهي عن الصلاة (3) في الحمّام.

ثالثها: ما تعلّق به النهي لا بذاته، بل بما هو مجامع معه وجوداً، أو ملازم له خارجاً، كالصلاة في مواضع‏ (4) التهمة؛ بناءً على أنّ النهي عنها لأجل اتّحادها مع‏

____________

(1)- الكافي 4: 146/ 3- 7، باب صوم عرفة و عاشوراء، الوسائل 7: 339/ باب 21 من أبواب الصوم المندوب.

(2)- نفس المصدر 3: 288/ باب التطوع في ...، الوسائل 3: 170/ باب 38 من أبواب المواقيت.

(3)- نفس المصدر 3: 390/ 12، باب الصلاة في ...، الوسائل 3: 466/ باب 34 في الصلاة في الحمّام على كراهية.

(4)- انظر الوسائل 3: باب 21 من أبواب مكان المصلّي.

234

الكون في مواضعها.

أمّا القسم الأوّل: فالنهي تنزيهاً عنه بعد الإجماع على أنّه يقع صحيحاً إلّا أنّ تركه أرجح- كما يظهر من مداومة الأئمّة (عليهم السلام) على الترك- هو إمّا لأجل انطباق عنوانٍ ذي مصلحة على الترك، فالتركُ- حينئذٍ- كالفعل ذو مصلحة موافِقة للغرض، مع زيادة مصلحة الترك على مصلحة الفعل، و حينئذٍ فهما من قبيل المستحبَّين المتزاحمين، و أرجحيّة الترك من الفعل لا توجب حزازةً و منقصةً فيه أصلًا.

و إمّا لأجل ملازمة الترك لعنوان كذلك من دون انطباقه عليه، فيكون كما إذا انطبق عليه من دون تفاوت، و في الحقيقة تعلّق الطلب بما يلازمه من العنوان، بخلاف صورة الانطباق.

و أمّا القسم الثاني: فيمكن أن يكون النهي فيه لأجل ما ذكر في القسم الأوّل طابق النعل بالنعل، و يمكن أن يكون بسبب حصول منقصة في الطبيعة المأمور بها؛ لأجل تشخُّصها بمشخِّص غير ملائم لها، كما في الصلاة في الحمّام، فإنّ تشخّصها بمشخّصٍ وقوعها فيه لا يناسب كونها معراجاً، و ربما يحصل لها- لأجل تشخُّصها بخصوصيّة شديدة ملائمة معها- مزيّةٌ فيها، كالصلاة في المسجد؛ و ذلك لأنّ للطبيعة في حدّ نفسها- المشخّصة بما ليس له كمال المُلاءمة معها و لا عدم الملاءمة- مقداراً من المصلحة، كالصلاة في المكان المباح، و إن تشخّصت بما له كمال الملاءمة معها تزداد مصلحتها على مصلحة نفسها، و بما لا ملاءمة له معها فينقص عن مصلحتها الذاتيّة مقدارٌ، كالصلاة في الحمّام، و لذا ينقص ثوابها تارةً، و يزداد اخرى‏.

و ليكن هذا مُراد من قال: إنّ الكراهة في العبادات بمعنى‏ أنّها أقلّ ثواباً، فلا يرد عليه أنّه يلزم كراهة الصلاة في الدار المُباحة، أو في مسجد قليل المزية؛ لأنّها أقلّ ثواباً منها في مسجد الحرام- مثلًا- و هكذا.

و أمّا القسم الثالث: فيمكن أن يكون النهي فيه عن العبادة المُتّحدة مع ذلك‏

235

العنوان أو الملازمة له بالعرض و المجاز، و أنّ المنهيّ عنه في الحقيقة هو ذلك العنوان، و يمكن أن يكون إرشاداً إلى‏ غيرها من الأفراد الغير الملازمة له أو المتّحدة معه. هذا على القول بجواز اجتماع الأمر و النهي.

و أمّا على الامتناع فكذلك في صورة الملازمة، و أمّا في صورة الاتّحاد و ترجيح جانب الأمر- كما هو المفروض؛ حيث إنّه صحّة العبادة- فحال النهي فيه حاله في القسم الثاني طابق النعل بالنعل. انتهى خلاصة كلامه (قدس سره)(1).

أقول: أمّا القول بأنّ الترك ذو مصلحة أو ملازم لعنوانٍ كذلك أو لعنوان مُنطبق عليه، فهو كما ترى‏؛ حيث إنّه عدم، و العدم غير قابل لإثبات شي‏ء له عقلًا، كما عرفت ذلك تفصيلًا، فلا بدّ من الجواب عمّا يرد من الإشكال في المقام؛ قيل بالجواز أم بالامتناع:

فإن قلنا: بأنّ العنوانين اللذين بينهما عموماً و خصوصاً مطلقين- أيضاً- مشمولان للنزاع، و أنّه لا يختصّ محلّ البحث بالعامّين من وجه، فلا بدّ من الجواب عمّا ليس له بدل فقط، و هو ما تعلّق النهي فيه بعين ما تعلّق به الأمر.

و إن قلنا: إنّ البحث لا يشمل العامّين مطلقاً، و انّه يختصّ بالعامّين من وجه، فيحتاج القسم الأوّل و الثاني أيضاً- أي: ما إذا تعلّق الأمر فيه بعين ما تعلّق به النهي و له بدل- إلى الجواب.

فنقول: يمكن تعلُّق النهي في القسم الأوّل، و هو ما تعلّق النهي فيه بعين ما تعلّق به الأمر و لا بدل له، كصوم يوم عاشوراء أو الصلاة في الأوقات المكروهة في الواقع بعنوانٍ ذي مفسدة، كالتشبُّه ببني اميّة في صوم يوم عاشوراء و إن لم يقصد ذلك؛ حيث إنّهم كانوا يتبرّكون فيه بادّخار الطعام و نحوه ممّا يحتاجون إليه في معيشة سنتهم، فإنّ الأخبار (2) الواردة فيه لا تخلو عن ظهور في ذلك، و حينئذٍ فمتعلَّق الأمر فيه غير متعلَّق‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 197.

(2)- الكافي 4: 146/ 3- 7.

236

النهي في الحقيقة، و أنّ النهي متعلِّق بالتشبُّه بهم في الحقيقة، و تعلُّقه بالصوم بحسب الظاهر إنّما هو لأنّه ملازم لتحقّق هذا العنوان المنهيّ عنه، و حينئذٍ فيندفع الإشكال لتغاير المتعلّقين.

و أمّا القسم الثاني:- بناءً على عدم شمول النزاع للعامّين مطلقاً- فيمكن أن يقال: إنّ الأمر فيه متعلّق بطبيعة الصلاة، و النهي بالكون في الحمّام- و إيجادها فيه حيث إنّه مجمع الشياطين، و هما عنوانان متغايران و إن استُشكل في ذلك: بأنّ الكون جزء الصلاة، فيلزم محذور الاجتماع في عنوان واحد، و لا محيص- حينئذٍ- عمّا أجاب به عنه في «الكفاية».

و ما ذكرنا من أنّ متعلَّق النهي عنوان آخر غير ما تعلّق به الأمر هو أحد الوجوه التي يمكن أن يقال في مقام الجمع بين الأخبار، و للفقهاء في هذا المقام أقوال اخر في مقام الجمع بينها، مثل: أنّ النهيَ عن الصوم إنّما هو فيما إذا قُصد التبرّك، و الأمرَ فيما إذا صام حزناً للمصائب الواردة على أهل البيت (عليهم السلام) في ذلك اليوم‏ (1)، و لسنا فعلًا في مقام الجمع بين الأخبار، و التحقيق في محلّه.

و قال الميرزا النائيني (قدس سره) في المقام ما حاصله: إنّه قد يكون متعلّق الوجوب عين ما تعلّق به الاستحباب، كما لو نذر الإتيان بصلاة الليل، فإنّ الأمر الاستحبابي تعلّق فيه بذات صلاة الليل، و تعلّق الأمر النذريّ الوجوبي- أيضاً- بذاتها، لا بصلاة الليل المستحبّة؛ لأنّه لو كان كذلك لما أمكن الوفاء بالنذر؛ لعدم إمكان الإتيان بصلاة الليل المُستحبّة بعد تعلُّق النذر بها، فالأمر النذريّ فيه تعلّق بعين ما تعلّق به الأمر الاستحبابي، و هو عنوان صلاة الليل، ففي هذا القسم يندكّ أحد الأمرين في الآخر فيكتسب الأمر الوجوبي من الأمر الاستحبابي التعبُّدية و يكتسب الأمر الاستحبابي من الأمر الوجوبي الوجوب، فيتولّد منهما أمر وجوبي تعبُّدي.

____________

(1)- المقنعة للشيخ المفيد: 377- 378، التهذيب 4: 302.

237

و قد يكون مُتعلّق الأمر الوجوبي غير ما تعلّق به الأمر الاستحبابي، كما في استئجار شخص لصلاة مندوبة عن الغير، فإنّ الأمر الندبي تعلّق بذات الصلاة، و الأمر الوجوبي- من ناحية الإجارة- متعلِّق بالصلاة المتعبَّد بها، أو المتقرّب بها إلى‏ اللَّه تعالى‏، أو بها مع قيد النيابة عن الغير- على اختلاف المقرِّرين لبحثه- و ما نحن فيه من قبيل القسم الثاني، فإنّ الأمر الندبي تعلّق بنفس صوم يوم عاشوراء و الصلاة عند طلوع الشمس- مثلًا- و النهي مُتعلّق بالصلاة و الصوم المتعبّد بهما، فمتعلّقاهما عنوانان متغايران، فاندفع الإشكال‏ (1)، انتهى ملخّصاً.

أقول: يرد على القسم الأوّل:

أوّلًا: أنّ الأمر النذريّ لم يتعلّق بعين الصلاة التي هي متعلَّق الأمر الاستحبابي، بل الأوّل متعلِّق بعنوان الوفاء بالنذر (2)، و الإتيان بصلاة الليل مصداقه.

و ثانياً: على فرض الإغماض عن ذلك، لكن لا معنى لاكتسابِ أحد الأمرين الوجوب من الآخر، و اكتسابِ الآخر التعبُّديّة من الأوّل.

و أمّا القسم الثاني ففيه:

أنّ الأمر الوجوبي من قِبَل الإجارة ليس متعلِّقاً بالصلاة المتعبَّد بها، بل هو متعلِّق بعنوان الوفاء بالعقد؛ حيث إنّ الإجارة أحد العقود التي امر بالوفاء بها.

ثمّ لو أغمضنا عن ذلك، و سلّمنا أنّ الأمر الوجوبي متعلّق بالصلاة المتعبّد بها، لكن الإجماع قائم على أنّه يعتبر قصد التقرُّب إلى اللَّه في الإتيان بصلاة الليل التي امر بها استحباباً، و على فرض استحالة أخذ قصد الأمر في الامتثال لا بدّ من الالتزام بتعدُّد الأمر في العبادات، و حينئذٍ فاجتمع الوجوب و الاستحباب في واحد، و هي الصلاة النافلة المتعبَّد بها، فالإشكال باقٍ بحاله.

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 439- 441.

(2)- كما ظاهر الأمر بالوفاء بالنذر- المقرر.

238

بحث: في مَن توسّط أرضاً مغصوبة بسوء الاختيار

اختلفوا في أنّه هل يجب الخروج عنها و ليس بحرام‏ (1).

أو أنّه حرام و ليس بواجب‏ (2).

أو أنّه يجري عليه حكم المعصية بالنهي السابق مع عدم النهي فعلًا، و ليس فيه مناط الوجوب أيضاً (3).

أو أنّه واجب و حرام معاً (4).

أو أنّه ليس بواجب و لا حرام؟ أقوال.

ثمّ المُراد من الوجوب: إمّا النفسيّ، أو الغيريّ.

و مبنى القول بالوجوب النفسيّ: إمّا دعوى أنّ عنوان التخلُّص عن الحرام واجب و متعلَّق للأمر، و إمّا دعوى أنّ الخروج عن الأرض المغصوبة واجب و متعلَّق للأمر، أو دعوى وجوب عنوان ردّ مال الغير إلى‏ صاحبه و الأمر به، كما اختاره الميرزا النائيني (قدس سره)(5) على إشكال في أنّ مبناه ذلك.

فالقائل بالوجوب النفسيّ لا بدّ و أن يُثبت إحدى‏ هذه الدعاوى و المباني.

و أمّا الوجوب الغيريّ فهو مبنيّ على أمرين:

أحدهما: أنّ النهي عن الشي‏ء يستلزم الأمر بضدّه العامّ.

و ثانيهما: أنّ مقدّمة الواجب واجبة؛ لأنّ النهي متعلِّق بعنوان الغصب، و هو يقتضي الأمر بتركه و الخروج؛ أي الاقدام حال الخروج مقدّمة لترك الغصب الواجب،

____________

(1)- مطارح الأنظار: 153 سطر 30.

(2)- انظر كفاية الاصول: 168.

(3)- الفصول الغرويّة: 138 سطر 25.

(4)- قوانين الاصول: 153.

(5)- فوائد الاصول 1: 451.

239

فالخروج واجب غيريّ مقدّميّ.

لكن تقدّم الإشكال في استلزام الأمر بالشي‏ء النهي عن ضدّه العامّ و بالعكس فإنّه إن اريد أنّ النهي المولويّ بشي‏ء يقتضي أمراً مولويّاً بضدّه العامّ، و أنّ مع كلّ أمر مولويّ نهيٌ كذلك بضدّه و بالعكس، فهذا باطل؛ لأنّه ليس في الواقع و نفس الأمر إلّا مبادئُ أحدِهما.

و إن اريد بذلك أنّ الأمر بشي‏ء يقتضي النهي عن ضدّه العامّ نهياً تأكيديّاً، فهو لا يُفيد المطلوب.

و أمّا وجوب المُقدّمة فقد تقدَّم- أيضاً- أنّه لا معنى للوجوب الترشُّحي التشريعي، بل هو عقليّ، و حينئذٍ فلا يتمّ القول بأنّ الخروج عن الأرض المغصوبة واجب غيريّ أيضاً.

و التحقيق: أنّه حرام فعلًا و منشأ توهّم عدم حرمته بالفعل توهّم انحلال الأمر الشرعي المتعلِّق بالطبيعة إلى‏ أوامر متعدِّدة بعدد أشخاص المكلَّفين، و أنّ الأمر الخاصّ- المتوجّه بالخروج إلى‏ هذا المكلَّف المتوسِّط في الأرض المغصوبة- ممتنع؛ لأنّه لا يقدر على الخروج منها؛ للنهي عن التصرّف فيها، فالنهي عنه تكليف بغير المقدور.

لكن قد عرفت سابقاً: أنّه لا معنى للقول بالانحلال، و أنّه ليس لكلّ مكلّف أمر خاصّ متوجِّه إلى‏ شخصه، بل الأوامر الشرعيّة كلّها كلّيّة قانونيّة متوجِّهة إلى‏ عموم المكلّفين، و ليست متوجِّهة إلى‏ القادرين فقط، كما أنّها ليست متوجِّهة إلى العالمين فقط، و ليست مقيَّدة بالقدرة؛ لأنّ التقييد الشرعي غير معقول: أمّا عدم توجّهه إلى العالمين فقط فهو واضح، و أمّا عدم توجُّهه إلى القادرين فقط و خروج العاجزين، فلأنّه ينافي قولهم بلزوم الاحتياط عند الشكّ في العجز و القدرة.

و أمّا التقييد العقلي فقد تقدّم- أيضاً- أنّه غير متصوّر في المقام، و أنّه لا يمكن أن يقيِّد العبدُ أوامر مولاه.

240

بل التحقيق:- كما عرفت مفصّلًا- أنّ الأوامر و النواهي الشرعيّة كلّيّة قانونيّة فعليّة بالنسبة إلى‏ جميع المكلّفين، و أنّهم مأمورون بامتثالها و يستحقّون العقاب بالمخالفة، إلّا من له عذر مقبول، كالجاهل بالموضوع، و الجاهل القاصر بالحكم، و العاجز مع فعليّة التكليف بالنسبة إلى‏ جميعهم.

و أمّا فيما نحن فيه فالمفروض أنّه ارتكب الحرام، و دخل في الأرض المغصوبة عدواناً بالاختيار، و لم يكن مضطرّاً إلى‏ ذلك، و لا له عذر مقبول، فجميع التصرُّفات التي تصدر منه في تلك الأرض من حين الدخول إلى‏ الخروج ارتكاب للمنهيّ عنه عرفاً بالاختيار، فلا وجه لسقوط تكليف الحرمة بالنسبة إليه حين إرادة الخروج، و لا معنى لصيرورة حكمه إنشائيّاً بعد فعليّته، فإنّ إرادة المولى غير قابلة للتغيير، و ليس في البين تقييد شرعيّ و لا عقليّ؛ لعدم معقوليّتهما، فلا إشكال في أنّ الخروج منهيّ عنه، و تصرّف في ملك الغير عدواناً المحرّم.

ثمّ على فرض التنزُّل عن ذلك، و قلنا: إنّه ليس بحرام، لكن لا وجه للقول بوجوبه، كما اختاره الميرزا النائيني (قدس سره) لعدم وجود مناط الوجوب فيه.

ثمّ لو سلّمنا أنّ الأمر بالشي‏ء مقتضٍ للنهي عن ضدّه و أنّ مقدّمة الواجب واجبة، و سلّمنا أنّ هنا أمراً شرعيّاً متعلِّقاً بردّ مال الغير إلى‏ مالكه، فهل التكليف فيما نحن فيه محال؛ لأجل امتناع البعث إلى‏ شي‏ء و الزجر عنه معاً في زمان واحد، و تكليف بالمحال- أيضاً- لأجل عدم المندوحة للمكلّف- كما اختاره في «الكفاية» (1) و أبو هاشم- أو أنّه تكليف بالمحال فقط، لا تكليفاً محالًا- كما اختاره في «الفصول» (2)- لتعدُّد زمانَي الأمر و النهي؟

فنقول: لا إشكال- بناءً على وجوب المقدّمة و ترشُّح الوجوب من ذي المقدّمة

____________

(1)- كفاية الاصول: 187.

(2)- الفصول الغرويّة: 138.

241

إليها- في أنّه لا يترشّح الوجوب إلى‏ ما هو مصداق المقدّمة الموصلة أو مطلق المقدّمة بالحمل الشائع؛ لأنّ ما هو المقدّمة بالحمل الشائع هو الفعل الخارجي، و قد مرّ مراراً استحالة تعلُّق البعث و الزجر بالشي‏ء الموجود في الخارج، فالذي يترشّح إليه الوجوب من ذي المقدّمة هو عنوان المقدّمة الموصلة أو مطلقاً- على اختلاف المذهبين- و حينئذٍ فمتعلَّق الأمر هو عنوان المقدّمة، و متعلَّق النهي هو عنوان التصرّف في مال الغير، و هما عنوانان متغايران لا يجتمعان في عالَم العنوانيّة، و أمّا في الخارج فهما و إن يتصادقا على واحد، لكن ليس في عالم الخارج أمر و لا نهي؛ ليصير التكليف محالًا.

فالحقّ هو ما اختاره صاحب الفصول: من أنّ التكليف المذكور ليس تكليفاً محالًا، بل تكليف بالمحال.

نعم يرد عليه الإشكال الذي ذكره في «الكفاية»؛ أي في بيان أنّه ليس تكليفاً محالًا؛ قال في بيانه: حيث إنّ الخروج منهيٌّ عنه بالنهي السابق الساقط فعلًا، و أنّه مأمور به فعلًا، فلا استحالة في التكليفين، و أنّهما ممكنان لتعدُّد زَمانَي الأمر و النهي و إن اتّحد زمان متعلَّقهما.

و حاصل الإشكال: أنّ تعدُّد زَمانَي الأمر و النهي و اختلافهما لا يُجدي في ذلك بعد فرض اتّحاد زمان متعلَّقهما، فإنّ التكليف معه مستحيل.

و قال الميرزا النائيني (قدس سره) في المقام، بعد الإشكال على ما أفاده في «الكفاية»، و اختياره ما اختاره الشيخ (قدس سره) من أنّ الخروج متّصف بالوجوب، و ليس حراماً، ما حاصله: أنّ ما ذكروه في هذا المقام- من أنّ الامتناع بالاختيار لا يُنافي الاختيار- لا ربط له بما نحن فيه؛ لأنّه ليس من صُغريات هذه الكُبرى الكلّيّة لوجوه:

الأوّل: أنّ ما هو الداخل في موضوع هذه القاعدة الكلّيّة ما عرضه الامتناع؛ بحيث يخرج عن القدرة، و كان مستنداً إلى‏ اختيار المكلّف، كالحجّ يوم عرفة ممّن ترك المسير إلى‏ الحجّ بالاختيار، و ما نحن فيه ليس كذلك.

242

الثاني: أنّ محلّ الكلام في تلك القاعدة: إنّما هو فيما إذا كان ملاك الحكم مطلقاً؛ بحيث يوجد ذلك الملاك في متعلَّق ذلك الحكم، سواء وُجدت مقدّمته الإعداديّة، أم لم توجد، و كان الحكم مشروطاً بمجي‏ء زمان متعلَّقه، و هذا كخطاب الحجّ، فإنّه و إن كان مشروطاً بمجي‏ء يوم عرفة- على ما هو الحقّ من امتناع الواجب المعلَّق- إلّا أنّ ملاكه يتمّ بتحقّق الاستطاعة، فمن ترك المسير إلى‏ الحجّ بعد الاستطاعة، يستحقّ العقاب على تركه و إن امتنع عليه الفعل في وقته؛ لأنّ الامتناع بالاختيار لا يُنافي الاختيار، بخلاف ما نحن فيه، فإنّ التصرُّف بالدخول من المقدّمات التي لها دَخْل في تحقُّق القدرة على الخروج و تحقّق ملاك الحكم فيه.

الثالث: أنّ الملاك في دخول شي‏ء في موضوع كُبرى تلك القاعدة، هو أن تكون المقدّمة موجبة لحصول القدرة على ذي المقدّمة؛ ليكون الآتي بها قابلًا لتوجُّه الخطاب بإتيان ذي المقدّمة، و هذا كالمسير إلى‏ الحجّ، فإنّه حيث كان مقدِّمة إعداديّة للحجّ، و به تتحقّق القدرة عليه، كان الآتي به قابلًا لتوجّه الخطاب إليه، كما أنّ تاركه لامتناع الحجّ عليه حينئذٍ يستحيل طلبه منه، لكن الاستحالة لكونها منتهية إلى الاختيار لا تسقط العقاب؛ لأنّ الامتناع بالاختيار لا يُنافي الاختيار.

و أمّا في المقام فالدخول و إن كان مقدّمة إعداديّة للخروج، إلّا أنّ تحقّقه في الخارج يوجب سقوط النهي عن الخروج؛ إذ بالدخول يكون ترك الخروج غير مقدور- على ما اختاروه- فكيف يمكن أن يكون الخروج من صُغريات تلك القاعدة؟!

و بالجملة: ما نحن فيه و مورد القاعدة متعاكسان؛ إذ وجود المقدّمة فيما نحن فيه- أعني بها الدخول- يُسقط الخطاب بترك الخروج، و لا بدّ من أن تكون المقدّمة في مورد القاعدة دخيلةً في فعليّة الخطاب، كما عرفت.

و ذكر لذلك- أيضاً- وجهاً رابعاً، لكن مرجعه إلى الأوّل‏ (1) انتهى.

____________

(1)- فوائد الاصول 2: 448- 451.

243

أقول: كأنّه (قدس سره) لم يلاحظ الكفاية- أيضاً- فإنّه لا إشكال في صحّة ما ذكره (قدس سره) من أنّ هذه القاعدة من الفلاسفة إنّما ذكروها ردّاً على مذهب الأشاعرة من الجبر؛ حيث استدلّوا عليه: بأنّ الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد، و ما لم يمتنع لم ينعدم، فليس الإيجاد و الإعدام بالاختيار، حتّى الأفعال الصادرة منه تعالى‏ و العياذ باللَّه.

فأجاب عنه الفلاسفة: بأنّ الإيجاب بالاختيار لا يُنافي الاختيار، و كذلك الامتناع بالاختيار لا يُنافي الاختيار، فإنّ الشي‏ء و إن كان ما دام لم يجب لم يوجد، و ما لم يمتنع لم ينعدم، لكن هذا الإيجاب و الامتناع السابق إنّما هو بالاختيار و الإيجاب و الامتناع بالاختيار لا يُنافي الاختيار، بل هذا الوجوب و الامتناع يؤكّد الاختيار (1).

و الحاصل: أنّ المراد من القاعدة في المقام أنّه لا تقبح العقوبة على ما لو أوقع نفسه اختياراً في ارتكاب الحرام، فإذا قال المولى لعبده: «أنقذ ابني الغريق»، فأعجز نفسه، و أوقعها فيما لا يمكن معه الإنقاذ اختياراً، فلا ريب في أنّه يستحقّ العقوبة، و هذا بخلاف ما إذا اريد من ذلك أنّه بعد اختياره السبب و إيجاده هل يُنافي الاختيار في إيجاد المسبّب و عدمه؟ فإنّه لا إشكال في أنّ الامتناع بالاختيار بهذا المعنى يُنافي الاختيار، فمن ألقى نفسه من شاهق باختياره، فبعد الإلقاء- و هو فيما بين السماء و الأرض- لا اختيار له.

هذا كلّه بالنسبة إلى‏ الحكم التكليفي للخروج.

و أمّا بالنسبة إلى الحكم الوضعي- أي الصحّة و الفساد- لو اشتغل بالعبادة حال الخروج، فقال في «الكفاية»:

إنّه لا إشكال في الصحّة مطلقاً في الدار المغصوبة على القول بالاجتماع، و أمّا على القول بالامتناع فكذلك لو غلب ملاك الأمر على ملاك النهي مع ضيق الوقت، أو اضطرّ إلى‏ الغصب و لو كان بسوء الاختيار، مع وقوعها حال الخروج على القول‏

____________

(1)- انظر الأسفار 6: 309- 312.

244

بكون الخروج مأموراً به بدون إجراء حكم المعصية عليه؛ إذ على القول بإجراء حكم المعصية عليه يقع الكون الخارجي مبغوضاً و عصياناً للنهي السابق الساقط، فتبطل الصلاة فيها، و أمّا مع سعة الوقت فالبطلان مبنيّ على القول باقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن ضدّه؛ حيث إنّ الصلاة في الدار المغصوبة مضادّة للصلاة في المباح المأمور بها؛ لأنّها أهمّ في نظر الشارع من الصلاة في الدار المغصوبة، لكن الكلام في اقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن ضدّه، فإنّه ممنوع‏ (1) انتهى ملخّصاً.

أقول: بناءً على الامتناع يفتقر الحكم بصحّة الصلاة إلى‏ إثبات أمرين:

أحدهما: وجود ملاك الصلاة فيما فيه ملاك الغصب و إن كان عنواناً واحداً و حيثيّة فاردة.

الثاني: عدم مانعيّة ملاك الغصب عن ملاك الصلاة و لو مع فرض كون ملاك الغصب أهمّ.

أمّا الأوّل فهو ممتنع؛ لعدم إمكان اجتماع المصلحة و المفسدة في عنوان واحد مع اتّحادِ الحيثيّة، و القولُ بتعدُّد الحيثيّتين و العنوانين هنا، و أنّ المفسدة قائمة بغير ما فيه المصلحة، رجوعٌ عن الامتناع؛ لأنّ المفروض أنّ الامتناع إنّما هو لأجل أنّه تكليف محال.

ثمّ إنّه على فرض تصوّر القول بالامتناع مع وجود الحيثيّتين في نفس الأمر لوجه آخر، فلا بدّ من الحكم بصحّة الصلاة و لو مع أقوائيّة ملاك النهي من ملاك الأمر، و لا فرق فيه بين دخوله بسوء الاختيار أو بالاضطرار و نحوه.

و أمّا ما أفاده الميرزا النائيني (قدس سره) من تكاسر الملاكين و انكسار ملاك الأمر بملاك النهي‏ (2)، فقد عرفت سابقاً أنّه ليس في المقام كسر و انكسار خارجي، بل معنى أقوائيّة

____________

(1)- كفاية الاصول: 210- 211.

(2)- فوائد الاصول 2: 453.

245

ملاك النهي: هو أنّ مراعاة المفسدة المترتِّبة على الغصب بتركه أهمّ في نظر الشارع من مراعاة مصلحة الصلاة و أنّها ضعيفة بالنسبة إلى‏ مفسدة الغصب، مع أنّها تمام الملاك للصلاة بدون نقصٍ فيها، و حينئذٍ فنقول و إن لم نَقُلْ بتعلُّق أمر فعليّ بالصلاة، لكنّها تقع صحيحة بملاكها، و لا يحتاج إلى‏ تعلّق أمرٍ بها في الحكم بصحّتها.

و قال في «الدرر» ما حاصله: لا إشكال في صحّة الصلاة في الدار المغصوبة على القول بالامتناع أيضاً؛ لوضوح الفرق بين عبدٍ دخل داراً نهاه المولى عن دخولها و بين عبد دخلها مثله، لكنّه امتثل أمراً له- أيضاً- بالخياطة- مثلًا- فإنّ عقاب الأوّل أكثر من الثاني؛ حيث إنّ الثاني و إن ارتكب المنهيّ عنه، لكنّه امتثل أمراً له- أيضاً- دون الأوّل. هذا في التوصُّليات و كذلك التعبُّديات، كما لو صلّى بدل الخياطة في المثال.

ثمّ قال: إنّه يمكن اجتماع المحبوبيّة الفعليّة مع المبغوضيّة الذاتيّة في عنوان واحد، فإنّه لو غرقت زوجة رجل فإنقاذ الأجنبيّ لها بالمباشرة مبغوض له بالذات، لكنّه محبوب له فعلًا (1).

أقول: ما ذكره من الأمثلة العرفيّة صحيحة، لكن وقع خلط في كلامه (قدس سره) فإنّ متعلّق الحبّ في المثال ليس عين ما تعلّق به البغض فإنّ الحبّ متعلّق بالإنقاذ بهذا العنوان و البغض متعلّق بعنوان آخر و هو مباشرة الأجنبيّ لبدن الأجنبيّة و هما عنوانان متغايران متصادقان على موضوع واحد.

____________

(1)- درر الفوائد: 162.

246

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

247

الفصل الرابع في اقتضاء النهي فساد المنهيّ عنه‏

هل النهي عن شي‏ء يقتضي فساده أوْ لا؟ كذا عنونوا البحث‏ (1).

و عنونه بعضهم هكذا: هل النهي عن الشي‏ء يدلّ على فساد المنهيّ عنه أو لا (2)؟

لكن عنوانه كذلك لا يخلو عن إشكال، فإنّ الاقتضاء في العُرف و اللغة عبارة عن تأثير شي‏ء في شي‏ء آخر لو لا المانع، و ليس للنهي تأثير في المنهيّ عنه.

و كذلك الدلالة، فإنّ غاية ما يمكن في تقريب الدلالة هو أن يقال: حيث إنّ متعلَّق النهي مبغوض للمولى، فلا تجتمع المبغوضيّة مع المحبوبيّة في شي‏ء واحد، فتستلزم المبغوضيّة المستفادة من النهي فسادَ ذلك الشي‏ء، لكن هذا الاستلزام عقليّ خفيّ، و على فرض تسليم أنّ الدلالة الالتزاميّة من الدلالات اللفظيّة، فهذا القسم ليس منها؛ لأنّه لا بدّ في الدلالة الالتزاميّة- التي هي من الدلالات اللفظية- أن يكون اللزوم بينهما بيّناً، و ما نحن فيه ليس كذلك، فإنّ اللزوم فيه غير بيِّن، فالأولى أن يعنون‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 217، فوائد الاصول 2: 454، مقالات الاصول 1: 134.

(2)- عدّة الاصول: 99 سطر 12، الوافية: 100.

248

البحث هكذا: هل يستلزم النهي عن الشي‏ء فساده أو لا؟ و يراد بالاستلزام ما يعمّ العقليّ، أو يقال: هل يكشف تعلُّق النهي بشي‏ء عن فساده أو لا؟

و على أيّ تقدير لا بدّ هنا من تقديم امور:

الأمر الأوّل: قد عرفت الفرق بين هذه المسألة و مسألة الاجتماع، و أنّ الفرق بينهما إنّما هو في مرتبة الذات بتمامها.

الأمر الثاني: هذه المسألة من المسائل الاصوليّة بلا إشكال؛ لأنّ المناط في المسألة الاصوليّة إمكان وقوع نتيجتها في طريق الاستنباط، و هي كذلك.

الأمر الثالث: هذه المسألة هل هي من المسائل العقليّة المحضة، أو اللّفظيّة المحضة، أو مركّبة منهما؟

فقال بعضهم: إنّها من المسائل الاصوليّة العقليّة المحضة (1)، و حيث إنّهم لم يجعلوا مسائل الاصول على ثلاثة أقسام، بل قسمان، فجعلوها و عنونوها في المباحث اللفظيّة من الاصول.

و الظاهر أنّها لا عقليّة محضة، و لا لفظيّة محضة، بل هي مركّبة منهما، و لا ضرورة لجعلها إمّا عقليّة و إمّا لفظيّة، فيُعنْونُ البحث بما ذكرناه، و حينئذٍ يمكن الاستدلال بالدليل اللفظي و العقلي معاً.

الأمر الرابع: هل المراد من الصحّة هنا سقوط القضاء، و يُقابلها الفساد، أو أنّ الصحّة هنا بمعنى‏ موافقة الأمر، أو الشريعة، و يُقابلها الفساد، أو أنّ الصحّة بمعنى‏ التامّ، و الفساد بمعنى‏ الناقص؟

قال في «الكفاية» ما حاصله: إنّ الصحّة و الفساد أمران إضافيّان مرادفان للتماميّة و النقص لغةً و عرفاً، و اختلاف الفقيه و المتكلّم إنّما هو في المهمّ في نظرهما، و إلّا فهما متّفقان في أنّ الصحيح هو التامّ، و الفاسد هو الناقص، لكن الفقيه عبّر عن ذلك‏

____________

(1)- انظر فوائد الاصول 2: 455.

249

بالمُسقط للقضاء، و المتكلّم بموافقة الشريعة، و اختلافهما إنّما هو فيما هو المهمّ في نظرهما، و إلّا فهما عندهما بمعنى واحد- أي التماميّة و النقص- فالصلاة الواجدة لجميع الأجزاء، الفاقدة للشرائط صحيحة بالنسبة إلى‏ الأجزاء؛ بمعنى‏ أنّها تامّة الأجزاء، و فاسدة بالنسبة إلى الشرائط؛ أي ناقصة بالإضافة إليها، و كذلك اختلاف المُجتهدين في الأحكام الظاهريّة لها، فإنّها يمكن أن تكون صحيحة في نظر مجتهد، و فاسدة في نظر مجتهدٍ آخر، فالعبادة الموافقة للأمر الظاهري صحيحة عند المتكلّم و الفقيه؛ بناءً على أنّ الأمر- في تفسير الصحّة بموافقة الأمر- يعمّ الأمر الظاهريّ مع اقتضائه الإجزاء، و غير صحيحة عند الفقيه بناءً على عدم الإجزاء، و مراعى بموافقة الأمر الواقعي عند المُتكلّم؛ بناءً على إرادة خصوص الأمر الواقعيّ فقط (1). انتهى ملخّص كلامه (قدس سره).

أقول: أمّا الصحّة و الفساد في التكوينيّات عند العرف و اللغة فليستا مرادفين للتماميّة و النقص، بل هما أمران وجوديّان، فإنّ البطّيخ الذي عرضه شي‏ء صار فاسداً بسببه، يقال: إنّه فاسد، لا ناقص، بخلاف ما إذا لم يعرضه ذلك، و كان على طبيعته الأصليّة، فإنّه يُطلق عليه الصحيح، و لا يطلق عليه التامّ عند العرف و اللغة، و الأعمى‏ الفاقد للبصر أو الشخص الفاقد لعضو من الأعضاء، فإنّه يطلق عليهما الناقص، و لا يطلق عليهما الفاسد، و الدار الفاقدة لما يُعتبر في تمامها، فإنّه يُطلق عليها أنّها ناقصة، و لا يطلق عليها أنّها فاسدة.

و بالجملة: بين الصحّة و التماميّة عموم من وجه عند العرف و اللغة، و كذلك بين الفاسد و الناقص.

و أمّا في العبادات و المعاملات فإن كانت الصحّة و الفساد فيهما مثل غيرهما من التكوينيّات فكذلك، و إطلاقهما بمعنى‏ التماميّة و النقص في العبادات و المعاملات إمّا هو اصطلاح خاصّ للمتشرّعة، و إمّا لأنّه اطلقا عليهما بنحو المجاز و المسامحة، حتى صارتا

____________

(1)- كفاية الاصول: 220- 221.

250

حقيقتين فيهما، فهما أمران إضافيّان بينهما تقابل العدم و الملكة، كالتماميّة و النقص، فإنّ الصلاة الواجدة لجميع الأجزاء صحيحة؛ بمعنى‏ التماميّة بالإضافة إليها، و إن فقدت الشرائط فهي فاسدة بالنسبة إليها؛ بمعنى‏ أنّها ناقصة بالإضافة إليها.

و أمّا ما ذكره (قدس سره) من أنّه يمكن أن تكون عبادةٌ صحيحةً في نظر مجتهد، و فاسدةً في نظر آخر، ففيه: أنّه ليس ذلك معنى الإضافة، بل الصحيح هو أحد النظرين، و الآخر ليس بصحيح واقعاً و إن كان معذوراً في ذلك.

و بالجملة: كلّ واحد من المجتهدينِ المختلفينِ في النظر في الأحكام الظاهريّة يُخطّئ الآخر، و أنّ الصحيح في الواقع هو أحدهما.

و أمّا مسألة إجزاء الأمر الظاهري و عدم إجزائه فغير مربوطة بالمقام؛ بناءً على ما ذكروه في باب الإجزاء: من أنّ الأمر الظاهري أو الاضطراري هل يقتضي الإجزاء عن الأمر الواقعي فيسقط، أو لا؟ ففرضوا لذلك أمرين، و أنّ أحدهما هل يُسقط الآخر أو لا؟ و ذلك لأنّ المأمور به بالأمر الظاهري أو الاضطراري إن كان واجداً للملاك و المصلحة واقعاً، فهو صحيح مطلقاً، و إلّا ففاسد كذلك، لكن لا يُعاقب عليه للعذر في ذلك، و لا ارتباط لذلك بالصحّة و الفساد، كما لا يخفى.

ثمّ إنّ الصحّة و الفساد هل هما أمران مجعولان في العبادات و المعاملات، أو لا فيهما، أو أنّهما مجعولان في المعاملات من حيث إنّ ترتُّب الأثر على معاملة إنّما هو بجعل الشارع، دون العبادات، أو أنّهما مجعولان في العبادات المأمور بها بالأمر الظاهري، دون العبادات المأمور بها بالأوامر الواقعيّة؟

أقوال: اختار ثالثها و رابعها في «الكفاية» (1)، و وافقه في الثالث الميرزا النائيني (قدس سره)(2).

____________

(1)- كفاية الاصول: 221- 222.

(2)- أجود التقريرات 1: 392.