تنقيح الأصول‏ - ج2

- الشيخ حسين التقوي الاشتهاردي المزيد...
457 /
251

و التحقيق: هو القول الثاني، و ذلك فإنّا و إن أثبتنا في محلّه: أنّ الأحكام الوضعيّة ممّا يمكن أن تنالها يد الجعل استقلالًا، لكن الصحّة هنا: عبارة عن موافقة المأتيّ به للمأمور به، و الفساد عدمها، و هي من الامور التكوينيّة، و أمّا جعل الآثار فلا يستلزم جعل الصحّة.

و استدل الميرزا النائيني لمجعوليّتهما في الأحكام الظاهرية: بأنّ الشارع جعل الصلاة مع الطهارة المستصحَبة موافقةً لها مع الطهارة الواقعيّة بقوله: (لا تنقض اليقين بالشك) (1)، و ليس المراد بالمجعوليّة إلّا ذلك‏ (2).

و فيه: أنّ الشارع إمّا أنّه رفع اليد عن شرطيّة الطهارة الواقعيّة للصلاة في الفرض في صورة الشكّ بقوله: (لا تنقض اليقين بالشك)، فالصلاة مع الطهارة المُستصحَبة- حينئذٍ- صحيحة موافقة للواقع، و هذه الموافقة ليست مجعولة، أو أنّه لم يرفع يده عن شرطيّتها، بل حكم بالصلاة باستصحاب الطهارة؛ تسهيلًا للعباد و إرفاقاً لهم، فهي ليست بصحيحة، بل فاسدة، غاية الأمر أنّه لا يُعاقب العبد عليها؛ لمكان العذر.

و بالجملة: موافقة المأتيّ به للمأمور به و عدمها ليستا مجعولتين و الصحّة و الفساد عبارتان عن ذلك.

الأمر الخامس: هل يختص محط البحث و عنوانه بالنهي التحريمي، أو أنّه يعمّ التنزيهي؟

قد يقال: إنّ النهي التنزيهي خارج عن محلّ النزاع؛ لأنّه متضمِّن للرخصة في‏

____________

(1)- التهذيب 1: 8 باب الاحداث الموجبة للطهارة ح 11، الوسائل 1: 174 باب 1 من أبواب نواقض الوضوء ح 1.

(2)- أجود التقريرات 1: 392.

252

الفعل، فيقع صحيحاً (1).

و وجهه: أنّ النهي في مثل: «لا تصلِّ في الحمّام» متعلّق بالكون في الحمّام حال الصلاة و إيجاد الصلاة فيه، لا بنفس الصلاة ليشمله النزاع.

و فيه: أنّه لا اختصاص لهذا البحث بالنواهي الشرعيّة، بل هو كلي شامل للنواهي العرفيّة- أيضاً- و تعلُّق نهي تنزيهيّ خاصّ في الشريعة بخصوصيّة- لا بنفس العبادة- لا يوجب خروج النواهي التنزيهيّة كلّها عن ذلك، فإنّ خروج ذلك في مورد إنّما هو لخروجه عن موضوع البحث، لا لأنّ البحث مخصوص بغير النواهي التنزيهيّة.

مع أنّا لا نسلّم تعلُّق النهي في «لا تصلِّ في الحمّام» بالخصوصيّة، مضافاً إلى‏ أنّه ربّما يتعلّق النهي التنزيهي بعنوان العبادة، كالنهي عن صوم يوم عاشوراء و نحوه.

كما أنّه لا اختصاص للنزاع بالنهي النفسي الأصليّ، بل يشمل التبعيّ و الغيريّ أيضاً، فإنّه لا وجه لتوهّم خروجهما عن محطّ البحث، إلّا ما قيل:

من إنّ النهي الغيريّ في مثل «لا تصلِّ في وبر ما لا يؤكل لحمه» إرشاد إلى الفساد، و مع فساده لا يتوهّم الصحّة كي ينازع في ذلك.

و أيضاً النهي التبعيّ الغيريّ- الذي يقتضيه الأمر بالشي‏ء- مبنيّ على مسألة الضدّ، و احتمال فساد الصلاة بالنهي الغيريّ إنّما هو لأجل عدم الأمر بها حينئذٍ، لكن لا نُسلّم عدم وجود الأمر بالعبادة التي تعلّق بها الأمر الغيريّ، بل يمكن فرض وجود الأمر بها بنحو الترتُّب، و على فرض عدم الأمر فالعبادة المنهيّ عنها بالنهي الغيريّ صحيحة؛ بسبب وجود ملاك العبادة في الصلاة، و لا يحتاج في صحّة العبادة إلى تعلُّق الأمر بها، و حينئذٍ فالصلاة مع تعلُّق النهي الغيريّ التبعيّ بها صحيحة، فلا وجه للنزاع في اقتضاء الأمر الغيري للفساد و عدمه‏ (2).

____________

(1)- المصدر السابق 1: 386.

(2)- انظر أجود التقريرات 1: 387.

253

و فيه: أنّ ذلك مبنيّ على صحّة الترتُّب، أو القول بعدم احتياج صحّة العبادة إلى الأمر، فمن لا يصحّ عنده الترتُّب و ذهب إلى‏ توقّف العبادة على الأمر بها، و عدم كفاية مجرّد وجود الملاك، فلا بدّ أن يقول ببطلان الصلاة مع تعلُّق النهي الغيريّ أو التبعيّ بها.

فالتحقيق: أنّ محطّ البحث يعمّ النهي التحريمي و الغيري و التبعي و الأصلي و النفسي، كما اختاره في «الكفاية».

الأمر السادس: المُراد بالشي‏ء- في قولنا: النهي عن الشي‏ء هل يقتضي الفساد؟

- هو العبادة أو المعاملة.

و المراد بالعبادة ما يصلح للعباديّة بالذات، أو ما لو امر به كان عبادة تحتاج في تحقُّقها إلى‏ قصد التقرّب.

و المراد بالمعاملة هي العناوين العرفيّة التي يعتبرها العقلاء، و يُرتِّبون عليها الآثار، كالبيع و الإجارة و نحوهما.

و بعبارة اخرى‏: كلّ عنوان اعتباريّ يقع تارةً صحيحاً يترتّب عليه الآثار، و اخرى‏ فاسداً لا يترتّب عليه الأثر، و أمّا ما لا يقع في الخارج إلّا صحيحاً كالقتل، أو ما لا يقع فيه إلّا فاسداً، فهو خارج عن محطّ البحث، فإنّ القتل ليس على قسمين صحيح و فاسد، بل هو صحيح دائماً، لكن قد لا يترتّب عليه الأثر، كقتل الأب ابنه، لعدم ترتُّب القصاص عليه.

الأمر السابع: لا أصل في المسألة الاصوليّة يُعوَّل عليه عند الشكّ في الاقتضاء و عدمه؛ لأنّ النزاع إمّا في دلالة لفظ النهي، و إمّا في ثبوت الملازمة بين المبغوضيّة و الفساد:

و على الأوّل: فليس لعدم الفساد حالة سابقة ليُستصحب حالَ النهي و بعده، فإنّ عدم الفساد قبل النهي إنّما هو لأجل عدم صدوره، فلا يصحّ استصحابه بعد صدوره.

254

و على الثاني: فإن قلنا بأنّ الملازمات أزليّات- كما ذكره بعض‏ (1)- فليس لعدمها حالة سابقة لتستصحب، و إلّا فعدم وجود الملازمة قبل النهي إنّما هو لأجل عدم وجود الملازم، فلا يمكن استصحابه بعد وجوده- أي النهي- و صدوره.

و لو سلّمنا صحّة الاستصحاب من هذه الجهة و عدم الإشكال فيه؛ لوجود الحالة السابقة لعدم الدلالة على الفساد أو عدم الملازمة، لكن يُشترط في جريان الاستصحاب- و سائر الاصول في الموضوعات الخارجيّة- وجودُ كُبرى كلّيّة ثابتة؛ كي يثبت بإجراء الاصول موضوع تلك القاعدة الكلّيّة، كما في استصحاب العدالة- مثلًا- فإنّه يثبت به موضوع كُبرى جواز الاقتداء بالعادل، و ليس فيما نحن فيه كُبرى كذلك؛ حتّى يثبت بالاستصحاب موضوعها.

و بعبارة اخرى‏: لا بدّ في الاستصحابات الموضوعيّة من ترتُّب أثرٍ شرعيٍّ عليها و هو مفقود فيما نحن فيه. هذا كلّه بالنسبة إلى الأصل في المسألة الاصوليّة.

و أمّا بالنسبة إلى الأصل الفرعي في المسألة الفرعيّة: أمّا في المعاملات: فأصالة الفساد فيها متّبعة؛ لأنّ ترتُّب الآثار إنّما هو بجعل الشارع أو بإمضائه، فمتى شُكّ في صحّة معاملة فالأصل عدم ترتُّب الآثار عليها.

و أمّا في العبادات: لو شكّ في دلالة النهي على الفساد، أو في ثبوت الملازمة بين الفساد و المبغوضيّة فإن احرز في العبادات المنهيّ عنها وجود الملاك و المصلحة- كما في صورة العجز عنها، فإنّ الملاك فيها موجود، غاية الأمر أنّ المكلّف عاجز عن الإتيان بها و معذور- فمقتضى الأصل هو الصحّة، و إن لم يحرز فيها وجود الملاك و المصلحة- كما هو الظاهر فيما نحن فيه؛ لأنّه لا طريق لإثبات ذلك إلّا تعلّق الأمر بها في الشريعة، و المفروض أنّها منهيّ عنها، و حينئذٍ فلا يمكن تعلُّق الأمر بها؛ ليكشف به وجود الملاك- فمقتضى الأصل الفساد.

____________

(1)- فوائد الاصول 2: 462.

255

و أمّا تقرير الأصل العملي في العبادة: بأنّه إن تعلّق النهي بنفس العبادة فمقتضى الأصل هو الاشتغال؛ لأنّ الشكّ إنّما هو في خروج العهدة عن الاشتغال اليقيني بها، و مقتضاه تحصيل البراءة اليقينيّة، و لا تحصل بالإتيان بالعبادة المنهيّ عنها.

و إن تعلّق النهي بالجزء أو الشرط فمرجعه إلى‏ مسألة الأقل و الأكثر؛ لأنّ الشك- حينئذٍ- في مانعيّة الجزء أو الشرط.

ففيه: أنّ محطّ البحث هو أنّ النهي لو تعلّق بعبادة، هل يستلزم فسادها، أو لا؟ فلا بدّ من إحراز تعلّقه بالعبادة ذاتها، فالجزء و الشرط إن كانا عبادة كالركوع و الوضوء، فهما- أيضاً- داخلان في محطّ البحث و عنوانه، فيقال: إنّ النهي المتعلّق بالركوع- الذي هو عبادة- هل يستلزم فساده، أو لا؟ و كذلك الشرط العبادي.

و أمّا استلزام فسادِ الجزء أو الشرط فسادَ الكلّ و المشروط، فهو مسألة اخرى‏ لا ربط لها بما نحن فيه، لعلّنا نتعرّض لها في خاتمة البحث إن شاء اللَّه.

و من هنا يظهر فساد ما ذكره في «الكفاية»: من جعل النهي المتعلّق بالعبادة على أقسام، و أنّه إمّا يتعلّق بنفس العبادة، أو جزئها، أو شرطها، أو وصفها الخارج اللازم لها أو المقارن‏ (1)؛ لأنّ متعلّق النهي في جميع ذلك هو العبادة نفسها لو كانت هذه- أي الأجزاء و الشرائط- عبادة، لا أنّها جزء أو شرط لها، بل هي بما أنّها عبادة متعلَّقةٌ للنهي و محلُّ البحث، و إن لم تكن هذه- أي الأجزاء و الشرائط- عبادة بنفسها فهي خارجة عن محطّ البحث.

و تحقيق ما هو الحقّ في المقام يحتاج إلى‏ بسطِ الكلام في مقامين:

الأوّل: ما إذا لم يُحرز عنوانُ النهي أنّه إرشاديّ أو مولويّ، تحريميّ أو تنزيهيّ، نفسيّ أو غيره.

الثاني: ما إذا احرز ذلك.

____________

(1)- كفاية الاصول: 222- 223.

256

أمّا المقام الأوّل:

فلا إشكال في أنّ المستفاد منه عرفاً هو الإرشاد إلى‏ الفساد في العبادات و المعاملات، و أنّ مفاده عدم ترتُّب الآثار المترقَّبة منها.

و الاحتمالات في المعاملات ثلاثة:

أحدها: أن يتعلّق النهي فيها بالأسباب، كلفظ «بعت» و «اشتريت» الذي هو فعل مباشريّ.

الثاني: أن يتعلّق بالعنوان الذي يعتبره العقلاء؛ أي النقل و الانتقال المسبّبين عن الأسباب المذكورة عند العقلاء.

الثالث: أن يتعلّق بترتيب الآثار عليها؛ أي التصرّف فيه من الأكل و الشرب و نحوهما.

فلا إشكال في أنّ المستفاد من النهي عنها عرفاً هو الثالث من الاحتمالات، فإذا قيل: «لا تبع ربويّاً» معناه أنّه لا تترتّب عليه الآثار المترقَّبة من البيع، و ليس نهياً عن إيجاد سببه بما هو فعل مباشريّ، و هو التلفُّظ بلفظ «بعت» مثلًا، و ليس نهياً- أيضاً- عن اعتبار الملكيّة و النقل و الانتقال و لو مع عدم ترتُّب الأثر عليها، و كذلك في العبادات، فإنّه عرفاً إرشاد إلى‏ فسادها، و أنّه لا يترتّب عليها الآثار المطلوبة منها من فراغ الذمّة عن التكليف و خروجه عن العُهدة، فكما أنّ المستفاد من «صلِّ مع الطهارة» أنّ الطهارة شرط لها، و أنّه لا يترتّب عليها الآثار المترقَّبة منها، كذلك يستفاد من قوله: (لا تُصلِّ في وَبرِ ما لا يُؤكل لحمُه) (1) مانعيّة ذلك إلى‏ غير ذلك، و الحاكم بذلك هو العرف، و الشاهد عليه الوجدان، و إلّا فلا دليل آخر على إثبات ذلك.

و أمّا المقام الثاني:

فالبحث فيه: إمّا في العبادات، و إمّا في المعاملات:

أمّا الأوّل: فإن احرز أنّ النهي المتعلّق بالعبادة تحريميّ تكليفيّ، فلا ريب في أنّه يستلزم الفساد؛ حيث إنّه يدلّ على مبغوضيّتها للمولى، و أنّها ذات مفسدة بهذا العنوان‏

____________

(1)- انظر الوسائل 3: 250- 252 باب 2 من أبواب لباس المصلّي.

257

الواحد، و معه لا يمكن أن تقع محبوبةً، و ذاتَ مصلحة يتقرّب بها إلى‏ اللَّه تعالى شأنه، و ذلك هو معنى الفساد، و ليس ذلك من باب اجتماع الأمر و النهي- بأن يكون النهي متعلِّقاً بالخصوصيّة في مثل «لا تُصلِّ في المكان المغصوب»، و الأمر متعلِّقاً بعنوان الصلاة- المتصادقين على مصداق واحد، كما أتعب المحقّق الحائريّ نفسه الزكيّة بذلك‏ (1)، فإنّه- حينئذٍ- خارج عن عنوان البحث الذي فُرض فيه تعلُّق النهي بنفس العبادة، لا بما هو خارج عنها.

و أمّا إذا احرز أنّ النهي تنزيهيّ فلا فرق بينه و بين التحريميّ من جهة حكم العقل؛ حيث إنّه يدلّ النهي التنزيهيّ على مرجوحيّة متعلَّقه و مطلوبيّة تركه، و لا يصلح المرجوح لأن يُتقرَّب به إلى اللَّه سبحانه، لكنّه في العرف ليس كذلك، فإنّهم- من جهة أنّه تنزيهيّ متضمِّن للرُّخصة في الفعل- يُؤوِّلونه إلى‏ ما يمكن معه فرض الصحّة، مثل الإرشاد إلى‏ أنّ هذا الفرد أقلّ ثواباً من غيره، أو غير ذلك، فلا إشكال في ذلك أيضاً.

و إذا احرز أنّ النهي غيريّ أو تبعيّ أو هما معاً، كما إذا قلنا بأنّ الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضدّه، فأَمرَ المولى بإزالة النجاسة عن المسجد، و مع ذلك أخذ العبد بالصلاة المنهيّ عنها بالنهي الغيريّ التبعيّ، الذي اقتضاه الأمر بالإزالة، أو قلنا بأنّ ترك الضدّ واجب من باب المقدّمة، فلا يدلّ النهي الغيريّ على حرمة المنهيّ عنه، فإنّ المطلوب هو ذو المقدّمة، و هو محبوب، و أمّا المقدّمة فهي ليست محبوبة و لا مبغوضة، فالمنهيّ عنه بالنهي الغيريّ ليس مبغوضاً؛ حتى يستلزم الفساد و لو في العبادات.

و أمّا حرمة التجرّي فالتجرّي على المولى بترك إزالة النجاسة المأمور بها، لا يوجب مبغوضيّة الصلاة التي يتوقّف امتثال الأمر بالإزالة على تركها، فإنّه اجترأ على المولى بترك الإزالة، و لا ارتباط له بالصلاة، و إلّا يلزم القول ببطلان صلاة من‏

____________

(1)- درر الفوائد: 187- 188.

258

أفطر صومه اجتراءً على المولى، مع وضوح فساده. هذا كلّه في العبادات.

و أمّا الثاني- أي في المُعاملات- فإن احرز أنّ النهي المتعلِّق بها تحريميّ، فهذا- أيضاً- يُتصوّر على وجهين:

أحدهما: أن تُحرز الحيثيّة التي تعلّق بها النهي.

الثاني: ما لم يُحرز ذلك.

و الوجه الأوّل- أيضاً- إمّا أن يُحرز فيه أنّ النهي تعلّق بما هو فعل بالمباشرة من المعاملة، و هو قول: «بعت» و «اشتريت»- مثلًا- و هذا مجرّد فرض و تصوُّر، و لم نظفر له على مثال.

و أمّا تمثيل الشيخ (قدس سره) له بالنهي عن البيع وقت النداء (1)؛ فمراده- أيضاً- فرض ذلك، و إلّا فليس النهي فيه متعلِّقاً بمجرّد قول: «بعت» و «اشتريت».

و على أيّ تقدير لا يدلّ النهي في هذا القسم على الفساد؛ لعدم المُنافاة بين مبغوضيّة التلفُّظ ب «بعت» و «اشتريت» و سببيّة ذلك للنقل و الانتقال.

و إمّا أن يُحرز أنّ النهي متعلِّق بالعنوان الاعتباريّ المسبَّب عن التلفُّظ ب «بعت» الذي هو فعل مباشريّ، كالنقل و الانتقال، و ذلك كالنهي عن تملُّك الكافر للمسلم أو القرآن المجيد مثلًا.

فقال الشيخ (رحمه اللَّه): إنّ ذلك يحتمل وجهين:

أحدهما: أن تكون سببيّة هذا اللفظ للنقل و الانتقال شرعيّة مجعولة للشارع.

الثاني: أن تكون عقليّة تكوينيّة، لكن حيث إنّه لا يُدركها العقل كشف عنها الشارع.

فعلى الثاني: فالنهي لا يدلّ فيه على الفساد؛ لعدم التنافي بين مبغوضيّة ذلك السبب التكوينيّ و بين تأثيره في وجود المسبَّب.

____________

(1)- انظر مطارح الأنظار: 163 سطر 26.

259

و أمّا على الأوّل: فمبغوضيّة السببيّة المجعولة مع تأثيرها في إيجاد النقل و الانتقال في غاية البعد، فالنهي- حينئذٍ- يدلّ على الفساد (1). انتهى.

أقول: هنا وجه ثالث: و هو أن لا تكون السببيّة عقليّة تكوينيّة و لا تشريعيّة، بل عرفيّة عقلائيّة، فإنّ العقلاء يعتبرون وجود الملكيّة بالتلفُّظ ب «بعت» و «اشتريت»، و هو سبب عندهم لها، و يتعلّق النهي في هذا القسم بهذا العنوان الاعتباريّ، و هذا الوجه هو المتعيِّن، فإن كان النهي عنه ردعاً لهذه الطريقة العقلائيّة و بنائهم، فمقتضاه الفساد، كما في النواهي الإرشاديّة، و إن قلنا بأنّه ليس ردعاً لها، بل هو مجرّد زجر عن سلوكها، فيدلّ على مبغوضيّتها مع تأثير السبب أثره على فرض وقوعه في إيجاد المسبّب، فلا يقتضي الفساد حينئذٍ.

ثمّ لو تنزّلنا عن ذلك، و قلنا: إنّ السببيّة مجعولة شرعيّة، لكن ليس المجعول هو سببيّة هذا اللفظ للانتقال الخاصّ، بل المجعول السببيّة لكلّيّ اللفظ للانتقال بالمعنى الكلّيّ، و لا يستلزم مبغوضيّة فرد خاصّ من السببيّة فسادَ كلّيّتها، بل لا منافاة بين مبغوضيّتها و بين صحّتها كليّاً و تأثيرها، فإنّ المجعول هو الكلّيّ، و المبغوض هو الفرد.

لا يقال: الحكم بالصحّة هنا لغوٌ؛ حيث إنّه لا معنى لها مع مبغوضيّتها و وجوبِ إجبار الكافر على البيع من مسلم أو المصحف الذي اشتراه من مسلم و فرضِ صحّته.

فإنّه يقال: لا مانع من ذلك؛ لوقوع نظائره في الشريعة، فإنّ شراء الولد والديه صحيح، مع أنّهما ينعتقان عليه، و لو فُرض النهي عن تسبُّب شي‏ء لشي‏ء، و كان هو المبغوض بدون مبغوضيّة ذات السبب و لا المسبَّب، فالنهي فيه يدلّ على الصحّة؛ لأنّه تعتبر القدرة في متعلَّق النهي، كما في الأمر، و مع الفساد ليس هو بمقدور، و مثّلوا لذلك بالظِّهار، فإنّ طلاق المرأة مطلقاً ليس مبغوضاً، و كذلك مجرّد التلفُّظ ب «أنتِ عليَّ كظهر امّي»، فإنّه بما أنّه فعل مباشريّ ليس مبغوضاً، بل المبغوض هو التسبُّب للطلاق‏

____________

(1)- المصدر السابق.

260

باللفظ المذكور.

و لا يرد عليه ما ذكره بعضهم: من أنّ المبغوضيّة تُنافي الصحّة (1)؛ لأنّ الحكم بالصحّة إنّما هو لشمول الإطلاقات و العمومات لذلك.

و أمّا إذا تعلّق النهي التحريميّ بترتيب الآثار، كالنهي عن البيع الربويّ بلحاظ أثره، كالتصرُّف في الثمن و المثمن و نحوه، فهو مستلزم للفساد؛ إذ لا معنى للحكم بصحّة النقل و الانتقال مع حرمة التصرُّف فيما انتقل إليه، كما في الموارد التي يكون النهي إرشاداً إلى‏ الفساد.

أمّا الوجه الثاني:- و هو ما لم يحرز فيه تعلُّق النهي بحيثيّة خاصّة مع كونه تحريميّاً- فقال الشيخ (قدس سره): إنّه يُحمل على تعلُّقه بالسبب بما هو فعل مباشريّ حفظاً للعنوان، و إلّا يلزم أن يكون النهي غيريّاً، فإنّ الظاهر أنّ النهي متعلِّق بما هو فعل مباشريّ، فلو فُرض أنّ المبغوض مع ذلك هو العنوان الاعتباريّ المسبَّب عنه أو الآثار المطلوبة منه، لكان النهي غيريّاً توصُّلًا إلى الزجر عن غيره‏ (2)، لكن الظاهر أنّه ليس كذلك، بل النهي فيه مثل النهي الإرشاديّ، متعلّق بما هو المتعارف عند العقلاء؛ من اعتبار الملكيّة و النقل و الانتقال و ترتُّب الآثار عليها، فيدلّ على الفساد، كما لا يخفى‏.

و بالجملة: المبغوض و المنهيّ عنه هو ما بنى‏ العقلاء عليه من اعتبار الملكيّة و ترتُّب الآثار عليه.

____________

(1)- انظر فوائد الاصول 2: 471- 472.

(2)- انظر مطارح الأنظار: 164 سطر 9.

261

الروايات التي استدلّ بها لدلالة النهي على الفساد:

ثمّ إنّه استُدلّ‏ (1) على دلالة النهي على الفساد و استتباعه له شرعاً و إن لم يستلزمه عقلًا بروايات:

منها:

رواية زُرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (سألت عن مملوك تزوّج بغير إذن سيّده، فقال: ذاك إلى‏ سيّده إن شاء أجاز و إن شاء فرّق بينهما.

قلت: أصلحك اللَّه إنّ الحكم بن عُيينة و إبراهيم النَّخعي و أصحابهما يقولون: إنّ أصل النكاح فاسد، و لا تحلّ إجازة السيّد له، فقال أبو جعفر (عليه السلام): إنّه لم يعصِ اللَّه، و إنّما عصى سيِّده، فإذا أجازه فهو له جائز)

(2).

و روايته الاخرى: عنه (عليه السلام) قال: (سألته عن رجل تزوّج عبدُه امرأةً بغير إذنه، فدخل بها، ثمّ اطّلع على ذلك مولاه؟

قال: ذاك لمولاه إن شاء فرّق بينهما، و إن شاء أجاز نكاحهما، فإن فرّق بينهما للمرأة ما أصدقها ... إلى أن قال:

فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): فإنّه في أصل النكاح كان عاصياً.

فقال أبو جعفر: إنّما أتى‏ شيئاً حلالًا، و ليس بعاصٍ للَّه إنّما عصى سيّده، و لم يعصِ اللَّه، إنّ ذلك ليس كإتيان ما حرّم اللَّه عليه من نكاحٍ في عدّة و أشباهه)

(3).

و رواية منصور بن حازم عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام): (في مملوك تزوّج بغير إذن مولاه، أ عاصٍ للَّه؟

____________

(1)- الوافية: 104- 106.

(2)- التهذيب 7: 351 باب 30 من كتاب التجارات ح 63، الوسائل 14: 523 باب 24 من أبواب نكاح العبيد و الإماء ح 1.

(3)- التهذيب 7: 351 باب 30 من كتاب التجارات ح 62، الوسائل 14: 523 باب 24 من أبواب نكاح العبيد و الإماء ح 2.

262

قال: عاصٍ لمولاه.

قلت: حرامٌ هو؟

قال: ما أزعم أنّه حرام، و نولّه أن لا يفعل إلّا بإذن مولاه)

(1).

وجه الاستدلال: أنّ قوله (عليه السلام):

(إنّه لم يعصِ اللَّه، و إنّما عصى سيّده)

يدلّ على أنّه لو كان معصيةً للَّه و ممّا نهى اللَّه تعالى‏ عنه، لكان قول الحكم بن عيينة صحيحاً، لكنّه لم يعصِ اللَّه، و إنّما عصى سيّده، فلا يصحّ قوله، فيدلّ على أنّ النهي في الشريعة يدلّ على الفساد.

و استُشكل على الرواية بأنّه كيف حكم الإمام (عليه السلام) بأنّه لم يعصِ اللَّه، بل عصى سيّده، مع أنّ معصية السيّد معصية اللَّه‏ (2)؟

و أجاب عنه الشيخ (قدس سره) بما حاصله: أنّ هنا أمرين:

أحدهما: فعل مباشريّ للعبد، و هو التلفّظ بلفظ «أنكحت».

و الثاني: ترتيبه الآثار.

و مُراده (عليه السلام) أنّه عصى سيّده في الأوّل، و معصيته معصية اللَّه، و لم يعصهِ في التزويج الذي هو مسبَّب عن الأوّل- أي الفعل المباشريّ- ضرورة أنّ أصل النكاح و ترتيب الآثار عليه ليس منهيّاً عنه و محرّماً (3).

و فيه: أنّ ذلك خلاف ظاهر الرواية؛ حيث إنّ ظاهرها: أنّ الحيثيّة التي عصى بها سيّده لم يعصِ اللَّه بها بعينها، لا أنّه لم يعصِ اللَّه في أصل النكاح و التزويج، و إنّما عصاه بالتلفُّظ بلفظ «أنكحت».

____________

(1)- الكافي 5: 478 باب المملوك يتزوّج بغير اذن مولاه ح 5، الوسائل 14: 522 و باب 23 من أبواب نكاح العبيد و الإماء ح 2.

(2)- انظر قوانين الاصول 1: 162 سطر 6.

(3)- مطارح الأنظار: 165 سطر 15.

263

و قال صاحب «الكفاية» و المحقّق الشيخ محمّد حسين صاحب الحاشية 0:

إنّ المراد من قوله (عليه السلام):

(إنّه لم يعصِ اللَّه)

هو في الحكم الوضعيّ؛ أي أنّ النكاح ليس ممّا لم يُمضِه اللَّه ليكون فاسداً، بل عصى سيّده في الحكم التكليفي، فلا تدلّ على دلالة النهي التحريميّ على الفساد شرعاً (1).

و فيه: أنّه- أيضاً- خلاف ظاهر الرواية؛ لاستلزامه التفكيك بين الجملتين الذي هو خلاف ظاهرها.

و قال بعض الأعاظم (قدس سره): إنّ المُراد من قوله (عليه السلام):

(لم يعصِ اللَّه)

: أنّ التزويج ليس مثل سائر الأعمال و الأفعال المحرّمة، كالنكاح في العدّة و نحوه في حرمة ارتكابه، و ذلك بقرينة الرواية الثانية (2).

و هذا و إن كان أقرب بملاحظة الرواية الثانية، لكن يرد عليه ما أوردناه على الأوّلين: من أنّه خلاف ظاهر الرواية.

و التحقيق في المقام: أن يقال في معنى الرواية: إنّ التلفُّظ بلفظ «أنكحت» و نحوه، ليس حراماً على العبد بدون إذن سيّده؛ بتوهّم أنّ ذلك تصرّف من العبد في سلطنة غيره عدواناً، فإنّ الحكم بحرمة ذلك ممّا لا يمكن نسبته إليه تعالى‏؛ لأنّه ظلم- تعالى اللَّه عنه- بل المنهيّ عنه هو عنوان مخالفة العبد لسيّده، فهي بهذا العنوان محرّمة، و أمّا عنوان التزويج- المسمّى في الفارسيّة ب «زن گرفتن»- فهو حلال ليس بحرام، لكنَّ العنوانين المذكورين متصادقان في مورد الرواية على شي‏ء واحد، و هو نكاح العبد، و حينئذٍ فنقول: المراد أنّ العبد لم يعصِ اللَّه في عنوان النكاح ليفسد، فإنّ التزويج ممّا أحلّه اللَّه، و لذلك قال (عليه السلام) في الرواية الثانية:

(و إنّما أتى‏ شيئاً حلالًا)

أي النكاح، لكن حيث يصدق عليه عنوان مخالفة السيِّد، فعصى سيِّده بهذا العنوان المحرَّم،

____________

(1)- انظر كفاية الاصول: 227، و نهاية الدراية 1: 317- 318.

(2)- أجود التقريرات 1: 407.

264

أي المخالفة، و معصية السيِّد بهذا العنوان- أيضاً- معصية اللَّه، لكنّه بعنوان أنّه تزويج ليس معصيةً للَّه، و حيث إنّ الحكم بن عُيَينة و غيره زعموا أنّ النكاح المذكور مخالفة للسيّد، و كلّ مخالفة للسيّد حرام، فالنكاح المذكور حرام، و هو يستلزم الفساد.

و في الحقيقة أجاب الإمام (عليه السلام): بأنّه لم يتكرّر الحدّ الأوسط في هذا الشكل، فإنّ النكاح المذكور بعنوان أنّه مخالفة السيّد حرام، لا بما أنّه نكاح و تزويج، فهذه الرواية من أدلّة جواز اجتماع الأمر و النهي.

دلالة النهي على الصحّة

ثمّ إنّه حُكي عن أبي حنيفة و الشيباني دلالةُ النهي في العبادات و المعاملات على الصحّة.

و استدلّا عليه: بأنّه كما يشترط قدرة المكلّف في متعلّق الأمر، فكذلك في النهي، فلا يمكن النهي عن الطيران في الهواء؛ لعدم قدرة المكلّف عليه، فلو لا أنّ المعاملة و العبادة صحيحتان قبل تعلّق النهي لكانتا غير مقدورتين للعبد، فلا يصحّ زجره عنها، فلا بدّ أن تكونا مقدورتين قبل تعلّق النهي بها؛ ليصحّ الزجر عنهما، و إلّا لا يصحّ‏ (1).

و وافقهما في «الكفاية» فيما إذا تعلّق النهي بالمسبَّب أو بالتسبُّب، لا ما إذا تعلّق بذات السبب بما هو فعل مباشريّ‏ (2)، لكن ذلك ليس مخالفة لهما؛ لأنّ مرادهما- أيضاً الفرضان الأوّلان.

و قال المحقّق الشيخ محمّد حسين صاحب الحاشية (قدس سره) ما حاصله: إنّ النهي: إمّا أن يتعلّق بالسبب بما هو فعل مباشريّ، و إمّا أن يتعلّق بالمسبّب، و هو إيجاد الملكيّة.

أمّا الأوّل: فهو قد يتّصف بالصحّة، و قد يتّصف بالفساد، فالنهي عنه و إن دلّ‏

____________

(1)- مطارح الأنظار: 166 سطر 15، انظر المحصول في علم الاصول 1: 350.

(2)- كفاية الاصول: 228.

265

على مقدوريّته للمكلّف، إلّا أنّ وجوده لا يلازم صحّته، فلا يدلّ فيه على الصحّة.

و أمّا الثاني: فالأمر فيه دائر بين الوجود و العدم، و الصحّة لازمة لوجوده، و النهي عنه لا يدلّ على صحّته؛ لأنّ النهي عن إيجاد الملكيّة- الذي هو معنى التمليك بالحمل الشائع- إمّا بلحاظ ترتُّب وجود الملكيّة عليه، فالإيجاد لا يمكن أن يؤثّر في الوجود؛ لأنّهما متّحدان بالذات، و مختلفان بالاعتبار، فمن حيث قيامه بالمكلّف قيام صدور فهو إيجاد، و من حيث قيامه بالماهيّة قيام حلول وجود، و لا يمكن تأثير الشي‏ء في نفسه، و إمّا بلحاظ الأحكام المترتّبة على الملكيّة المعبَّر عنها بآثارها، فهو- أيضاً- غير صحيح؛ لأنّ نسبتها إليها نسبة الحكم إلى‏ موضوعه، لا نسبة المسبَّب إلى سببه؛ ليتّصف بلحاظه بالنفوذ و الصحّة، فالنهي عن إيجاد الملكيّة و إن دلّ عقلًا على مقدوريّته و إمكان تحقُّقه، لكنّه لا يدلّ على صحّته؛ حيث لا صحّة له، فما ذكره أبو حنيفة لا يصحّ على جميع التقادير. انتهى حاصله‏ (1).

أقول: ليس مراد أبي حنيفة و الشيباني ما ذكراه، بل مرادهما أنّ النهي المتعلّق بالمعاملة- مثلًا- يقتضي صحّة العنوان الاعتباريّ الذي يعتبره العقلاء، لا أنّ النهي المتعلِّق بما هو فعل مباشريّ و سبب، و لا بإيجاد الملكيّة، يقتضي الصحّة.

و التحقيق: أنّ ما ذكراه صحيح في المعاملات؛ لما ذكر من اشتراط القدرة في متعلَّق النهي فيها كالأمر، لكن لا بدّ أن يُعلم أنّ ذلك إنّما يصحّ في النهي التحريميّ التكليفيّ؛ ليكون ذلك زجراً عمّا يعتبره العقلاء عما هو متعارف عندهم في المعاملات، و أمّا لو كان النهي إرشاداً إلى الفساد، فلا إشكال في أنّ الفساد لازم له.

و أمّا في العبادات فلا يصحّ ما ذكراه؛ لأنّه على القول بأنّها أسامٍ للأعمّ، فالمكلّف قادر على الإتيان بها صحيحة أو فاسدة، فيمكن النهي عنها، و يستلزم الفساد كما في نهي الحائض عن الصلاة.

____________

(1)- نهاية الدراية 1: 318 سطر 15.

266

و أمّا على القول بأنّها أسامٍ للصحيحة منها، فلا ريب في أنّ مرادهم بالصحيح إنّما هو بالإضافة إلى‏ غير قصد القربة و امتثال الأمر و نحوهما ممّا يُعتبر من ناحية الأمر، و لذلك أوردنا عليهم: بأنّ إطلاقهم الصحيح عليها غير صحيح، و حينئذٍ فالمكلّف قادر على الإتيان بالصحيح و الفاسد منها- بهذا المعنى- قبل تعلُّق النهي بها.

و على فرض الإغماض عن ذلك، و فرضنا أنّ مرادهم بالصحيح هو الصحيح من جميع الجهات، فمن الواضح استحالة النهي عن الصلاة الصحيحة بهذا المعنى، الواجدة لجميع الأجزاء و الشرائط، مع وجود ملاكها و تعلُّق الأمر بها.

و بالجملة: ما ذكراه غير مستقيم في العبادات.

تنبيه:

النهي المتعلّق بجزء العبادة أو شرطها أو وصفها اللازم أو المقارن، هل يسري إلى‏ نفس العبادة، أو لا؟

و بعبارة اخرى‏: النهي المتعلّق بأحد المذكورات المستلزم لفساده لو كان عبادة، هل يستلزم فساد العبادة، أو لا؟

لا إشكال في أنّه لا يسري إلى‏ نفس العبادة:

أمّا الجزء- سواء كان عبادة، أم لا- فالنهي عنه و إن استلزم مبغوضيّته، لكن مبغوضيّة الجزء لا تستلزم مبغوضيّة الكلّ حتى تستلزم فساده، نعم لو اكتفى بالجزء العباديّ المنهيّ عنه أوجب ذلك بطلان الكلّ؛ لأجل عدم الإتيان بالجزء، لا لأجل أنّ الصلاة مبغوضة لأجل تعلُّق النهي بجزئها. هكذا ينبغي أن يعنون هذا البحث.

و أمّا تفصيل بعضهم: بأنّه يوجب الفساد فيما إذا اخذت العبادة بشرط لا عن هذا الجزء مثلًا، و كذا فيما إذا تعلّق النهي في الحقيقة بالعبادة، و تعلّقه بالجزء أو الشرط لأنّهما واسطة في الثبوت، و عدم إيجابه الفساد في غير هذه الصورة.

267

فهو خارج عن محطّ البحث؛ لأنّ العبادة لو اخذت بشرط لا عن الجزء- مثلًا- فمرجعه أنّ الجزء المذكور مانع، و ليس البحث فيه، و ليس البحث- أيضاً- في أنّ تعلُّق النهي بنفس العبادة يوجب فسادها أو لا، بل الكلام في أنّ النهي عن الجزء- بما هو جزء- هل يستلزم فساد الكلّ أو لا؟

أمّا الوصف اللازم فهو- أيضاً- كذلك، و ليعلم أنّه ليس المراد بالوصف اللازم ما لا ينفكّ عن الملزوم؛ لعدم تعقُّل الأمر بالملزوم، كذلك مع النهي عن لازمه الغير المنفكّ عنه، بل المراد اللازم الذي لا ينفكّ عن خصوص الفرد، كالجهر في القراءة المجهور بها؛ لأنّه لا بدّ من وجود المندوحة. لكن يمكن أن يُستشكل عليه: بأنّه يلزم- حينئذٍ- أن يكون جميع الأوصاف لازمة.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّه فرق بين ما نحن فيه و سائر الأوصاف، فإنّ القراءة التي يُجهر بها لا تنفكّ عن الجهر، و القراءة التي لا يجهر فيها فرد آخر من القراءة توصف بالإخفات، بخلاف الموصوف في سائر الموارد، فإنّ موصوفاً واحداً تارةً يتّصف بصفة، و اخرى‏ بصفة اخرى‏، كالجسم قد يتّصف بالسواد، و قد يتّصف بالبياض.

و بالجملة: لا يمكن انفكاك الجهر عن موصوفه، بخلاف سائر الصفات، فإنّه يمكن انفكاك كلٍّ من السواد و الجسم الخاصّ الموصوف به عن الآخر.

و على أيّ تقدير: فالنهي إنّما تعلّق بعنوان الجهر بالقراءة، و الأمر متعلّق بنفس القراءة، و هما عنوانان متغايران، لا يسري النهي من أحدهما إلى‏ الآخر، و لا تستلزم مبغوضيّة أحدهما مبغوضيّة الآخر، و ليس ذلك من قبيل المطلق و المقيّد أيضاً؛ لوضوح الفرق بين ما إذا نهى عن القراءة المجهور بها و الأمر بمطلق القراءة، و بين ما إذا أمر بالقراءة و نهى عن الإجهار بها، فلا إشكال في أنّ النهي عن الوصف اللازم بما هو وصف، لا يسري إلى‏ الموصوف ليصير فاسداً.

و أمّا توهُّم أنّ المُبعِّد لا يمكن أن يكون مُقرِّباً فقد تقدّم الجواب عنه، و أنّه ليس‏

268

المراد منهما القرب و البعد المكانيّين؛ حتى يمتنع اجتماعهما في واحد، بل المراد المكانة و المنزلة، و كذلك البعد، و حينئذٍ فيمكن أن يكون شي‏ءٌ واحد مُقرِّباً من جهة، و مُبعِّداً من جهة اخرى‏.

و ظهر ممّا ذكرنا حكم الوصف المقارن إذا تعلّق به النهي، فإنّه لا يستلزم فساد الموصوف به بالطريق الأولى.

و أمّا إذا تعلّق النهي بالشرط، كما إذا دلّ الدليل على شرطيّة الستر في الصلاة و نهى عن ستر خاصّ، فالنهي عنه يدلّ على مبغوضيّة ذلك الستر، لكن لا يسري إلى المشروط ليصير فاسداً. نعم لو كان الشرط النهي عنه عبادة استلزم فسادُه فسادَ الصلاة؛ لفقدانها لما هو شرط لها، و لكنّه خارج عن محلّ الكلام من سراية النهي منه إليها.

269

المطلب الثالث المنطوق و المفهوم و فيه فصول:

270

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

271

المقدمة

و قبل الخوض في الكلام فيهما لا بدّ من تقديم امور:

الأمر الأوّل:

أنّ المناط في حجّيّة المفهوم عند القدماء غير ما هو المناط فيه عند المتأخّرين؛ لأنّه عند المتأخّرين مُستفاد من العلّيّة المنحصرة (1)، و عند القدماء لأجل بناء العقلاء على عدم لَغْويّة القيد بما هو فعل اختياريّ من الأفعال‏ (2)، كما سيجي‏ء تفصيله إن شاء اللَّه.

الأمر الثاني: أنّه هل هو من الدلالات اللفظيّة أو العقليّة؟

فبناءً على مسلك المتأخّرين هو من قبيل الدلالات اللفظيّة؛ لأنّه كما تنقسم الدلالة في المفردات إلى‏ المطابقة و التضمّن و الالتزام، و اللزوم- أيضاً- إلى‏ البيِّن و الغير البيِّن، و كلّ واحد منهما بالمعنى‏ الأعمّ و الأخصّ، كذلك تنقسم الدلالة في المركّبات و القضايا إلى‏ الأقسام المذكورة و إن لا يخلو ذلك عن مسامحة؛ لأنّه ليس للمركّبات‏

____________

(1)- نهاية الاصول 1: 270.

(2)- نفس المصدر.

272

وضع على حِدة سوى وضع مفرداتها.

و على أيّ تقدير إنّهم ذكروا أنَّ أدوات الشرط تدلّ على وجود خصوصيّة للشرط، و هي العلّيّة المنحصرة للجزاء بالوضع أو بالإطلاق، و أنّ المفهوم لازم بيِّن لها، و الدلالة الالتزاميّة التي هي من أقسام الدلالات اللّفظيّة عندهم هي دلالة اللفظ على اللازم، و لكن المفهوم ليس كذلك، فإنّه لازم للخصوصيّة التي يدلّ عليها اللفظ، و هي من المعاني، لكن حيث إنّ المفهوم لازم بيِّن لها جعلوه من الدلالات اللفظيّة.

و الحاصل: أنّهم ذهبوا إلى‏ أنّ أدوات الشرط- مثل «إن» الشرطيّة- تدلّ بالوضع أو الإطلاق على ما هو بالحمل الشائع علّة منحصرة، لا لمفهومها، فلا يرد عليه الإشكال: بأنّها لو دلّت على ذلك فلِمَ لا يفهم منها مفهوم العلّيّة و الانحصار عند إطلاقها؟ و ذلك لما عرفت أنّه ليس المراد دلالتها على مفهومهما، بل على مصداقهما، و ما هو بالحمل الشائع علّة منحصرة، التي هي معنىً حرفيّ، كما أنّه لا يتبادر من لفظة «من» الابتدائيّة مفهوم الابتداء، بل ما هو مصداقه بالحمل الشائع، و بناءً على ذلك فدلالة الشرطيّة على المفهوم من الدلالات اللفظيّة، لكن لا في محلّ النطق، بخلاف المنطوق، كما ذكر الحاجبي: من أنّ المفهوم: هو اللفظ الدالّ عليه لا في محلّ النطق، و المنطوق هو اللفظ الدالّ عليه في محلّ النطق‏ (1).

ثمّ إنّه يمكن أن يجعل المفهوم على ذلك صفةً للّفظ الدالّ من حيث إنّه دالّ، أو المدلول من حيث هو مدلول، أو الدلالة، كما أنّ المطابقة يمكن أن تجعل صفةً للّفظ من حيث إنّه مطابق للمعنى، و للمدلول؛ لأنّه مطابَق- بالفتح- له، و للدلالة. هذا كلّه بناءً على مسلك المتأخّرين.

و أمّا بناءً على ما نُسب إلى القدماء من المسلك في المفهوم‏ (2)- و إن كان في‏

____________

(1)- شرح مختصر الاصول: 360.

(2)- نهاية الاصول 1: 270.

273

النسبة نظر- فالمفهوم من الدلالات العقليّة؛ و ذلك لأنّهم قالوا: كما أنّ بناء العقلاء مستقرّ في أفعالهم على أنّها لغرض عقلائيّ، و أنّها لم تصدر منهم لَغْواً و عَبَثاً، فكذلك القيد الذي يقيِّد المتكلّمُ العاقل الشاعر موضوعَ حكمه به، فإنّ طريقتهم استقرّت على حمل التقييد على أنّه لغرض التفهيم و التفهُّم، لا لغواً و عبثاً، لكن ذلك لا بما أنّه لفظ، بل بما أنّه فعل من الأفعال، و حينئذٍ فالمفهوم عندهم من الدلالات العقليّة، و يمكن تطبيق ما ذكره الحاجبي على ذلك- أيضاً- و إن كان انطباقه على مذهب المتأخّرين أظهر.

الأمر الثالث:

النزاع في هذا المبحث هل هو صغرويّ على كلا المسلكين، أو كبرويّ على كليهما، أو أنّه صغرويّ على مسلك المتأخّرين، و كبرويّ على مسلك القدماء؟

قد يقال بالأخير، و أنّ النزاع على مسلك المتأخّرين في ثبوت المفهوم و عدمه، مع الاتّفاق على حجّيته على فرض الثبوت، و أمّا بناءً على مسلك القدماء فهو في حجّيّته، و أنّه هل يصحّ الاحتجاج به عند المخاصمة و اللجاج أو لا؟ مع الاتّفاق على ثبوته‏ (1).

لكن ليس كذلك، بل النزاع على كلا المسلكين صُغرويّ، و أنّه إنّما هو في أنّه هل للقضيّة الشرطيّة- مثلًا- مفهوم أو لا؟ أ لا ترى‏ أنّ عَلم الهدى (قدس سره) من القدماء ذهب:

إلى‏ أنّه ليس لها مفهوم؛ مستشهداً بآية الشهادة (2)، و أنّ التقييد بالرجلين لا مفهوم له؛ لنفوذ الشهادة مع انضمام امرأتين إلى‏ رجل واحد أو يمين، و أنّ التقييد بالشرط أو الوصف في جملتي الشرطيّة و الوصفيّة، إنّما هو لأجل فائدة اخرى‏ (3).

____________

(1)- نفس المصدر 1: 266.

(2)- البقرة 1: 282.

(3)- الذريعة إلى‏ اصول الشريعة 1: 406.

274

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

275

الفصل الأوّل في دلالة الجملة الشرطية على الانتفاء عند الانتفاء

هل الجملة الشرطيّة تدلّ على انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط، كدلالتها على ثبوته عند ثبوت الشرط أو لا؟

قد يُقرّر دلالتها على ذلك بوجوه تبلغ سبعة:

الوجه الأوّل: ما نُسب إلى‏ المتقدّمين: و هو أنّ الوجه في دلالتها على المفهوم- بل في دلالة الوصفيّة أيضاً- هو استقرار بناء العقلاء على أنّ القيد الذي يأتي به المتكلّم العاقل الشاعر في كلامه، إنّما هو لغرضٍ عقلائيّ بما أنّه فعل من أفعاله، و ليس لغواً، كسائر الأفعال الصادرة منه؛ حيث إنّ الأصل العقلائيّ مستقرّ على عدم اللَّغْويّة، و أنّها لغرض عقلائيّ‏ (1).

ثمّ إنّ هنا أصلٌ ثانويٌّ هو أنّ القيد الذي يُقيَّد به الكلام إنّما هو لغرض التفهيم و التفهُّم، لا لأغراضٍ اخر.

____________

(1)- نهاية الاصول 1: 270.

276

و هنا أصل ثالث أيضاً: و هو أصالة الحقيقة، أو الظهور عند الشكّ في إرادة الحقيقة، أو إرادة ما هو ظاهر الكلام، فإنّ بناء العقلاء- أيضاً- على ذلك.

فهذه اصول ثلاثة عقلائيّة مُتَّبعة في مواردها.

و قد يقع الشكّ في كلام المتكلّم- بعد العلم بإرادته الحقيقة أو الظهور- في أنّ ما جعله موضوعاً للحكم كالرقبة المؤمنة في قوله: «أعتق رقبةً مؤمنة»، هل هو تمام الموضوع، أو أنّه جزء الموضوع؛ و أنّ العدالة- أيضاً مثلًا- دخيلة في موضوع الحكم؟

فلا تجري هنا أصالة الحقيقة أو أصالة الظهور؛ لمكان العلم بإرادتهما، بل هو مجرى أصالة الإطلاق؛ لأنّه لا ريب في أنّ المتكلّم إذا كان في مقام البيان و كان للموضوع قيد آخر له دَخْلٌ في موضوع الحكم، لزم عليه البيان، و حيث إنّه لم يبيّن ذلك يستكشف منه أنّ تمام الموضوع للحكم هو الرقبة المؤمنة، و أنّه لا دخل لشي‏ء آخر فيه، و كذا لو قال: «إن جاءك زيد فأكرمه» يُعلم منه أنّ تمام الموضوع للحكم هو مجي‏ء زيد؛ للأصل العقلائيّ، و أنّه لا دَخْل لشي‏ءٍ آخر في ترتُّب ذلك الحكم عليه؛ لأصالة الإطلاق، فيعلم منه أنّ تمام الموضوع هو مجي‏ء زيد لا غير، فإذا لم يتحقّق الموضوع- أي مجي‏ء زيد- ينتفي وجوب الإكرام، و هو المطلوب و المقصود من أنّ انتفاء الشرط أو الوصف يستلزم انتفاء المشروط. هكذا ينبغي أن يُقرّر ذلك الوجه.

و أمّا تقرير بعض الأعاظم لذلك: بأنّ بناء العقلاء و الأصل العقلائي مستقرّ على أنّ القيد الذي يأتي به المتكلّم في مقام البيان في كلامه، دخيلٌ في ترتُّب الحكم، فبانتفائه ينتفي الحكم‏ (1)، فهو غير تامّ ما لم ينضمّ إليه أصل آخر عقلائيّ، و هو أصالة الإطلاق و عدم دخل شي‏ء آخر في موضوعيّة ذلك الموضوع للحكم، كما ذكرناه مفصّلًا، فالأولى هو ما ذكرناه.

____________

(1)- هذا جواب من السيد المرتضى عن الاستدلال الأوّل، انظر الذريعة إلى اصول الشريعة 1: 402 و 406.

277

و أجاب عنه عَلم الهدى (قدس سره) بما حاصله بتقريبٍ منّا: بأنّ الاصول العقلائيّة المذكورة مُسلَّمة؛ لأنّه لا ريب في أنّ القيد الذي يأتي به المتكلّم- بما أنّه فعلٌ من الأفعال- له دَخْل في الغرض، و أنّ الأصل عدم لَغْويّته، و لا ريب- أيضاً- في أنّ أصالة الإطلاق مُحكّمة مُتّبعة فيما لو شُكّ في دَخْل شي‏ء آخر في ترتُّب ذلك الحكم على موضوعه بلا إشكال، لكن لا يثبت بذلك انتفاء الحكم عند انتفاء ذلك القيد من الشرط أو الوصف، كما هو المقصود من دلالة الشرطيّة أو الوصفيّة على المفهوم؛ لأنّه يمكن أن ينوب موضوع آخر عمّا جُعل موضوعاً للحكم، و يخلفه، فيمكن أن يترتّب وجوب الإكرام على مجي‏ء زيد، و يترتّب- أيضاً- على إكرامه إيّاك، و لا يُنافي ذلك صحّة قوله: «إن جاءك زيد فأكرمه»، و لا يُنافي الاصول العقلائيّة المذكورة- أيضاً و كذلك لو قال: (إذا بلغ الماء قدر كُرٍّ لم يُنجِّسه شي‏ء) (1)، فإنّه يُعلم من ذلك أنّ الماء البالغ حدّ الكرّ فهو عاصم، لكن لا يدلّ على عدم عاصميّة الجاري أو ماء المطر، بل يحتاج في دلالته على ذلك إلى‏ إثبات انحصار موضوعيّة ذلك الموضوع للحكم؛ بحيث لا ينوب عن ذلك موضوع آخر؛ أ لا ترى‏ أنّ قوله تعالى‏: «وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ» (2) يمنع من قبول شهادة رجل واحد إلّا مع ضمّ شهادة رجل آخر إليه، فانضمام الثاني إلى‏ الأوّل شرط في قبول الشهادة، ثمّ نعلم أنّ ضمّ امرأتين إلى الشاهد الأوّل يقوم مقام الثاني، ثمّ نعلم بدليل آخر أنّ ضمّ اليمين يقوم مقامه أيضاً، فنيابة بعض الشروط عن بعضٍ أكثر من أن تُحصى‏ (3).

الوجه الثاني: أنّ المتبادِر من القضيّة الشرطيّة و تعليق الحكم على الشرط،

____________

(1)- مختلف الشيعة 1: 186.

(2)- البقرة: 282.

(3)- انظر الذريعة إلى‏ أصول الشريعة 1: 406.

278

انتفاؤه عند انتفاء الشرط، و أنّه علّة منحصرة للجزاء (1).

الوجه الثالث: أنّ ذلك هو مقتضى انصراف القضيّة الشرطية إلى العلّية المنحصرة للشرط، و أنّ اللُّزوم المنصرف إليه فيها هو أكمل أفراده؛ أي بنحو العلّيّة المنحصرة (2).

و الإنصاف: أنّ دعوى التبادر و الانصراف هنا مجازفة، فإنّه ليس مفاد الجملة الشرطيّة إلّا أنّ الجزاء و الحكم متحقّق عند تحقُّق الشرط، و أمّا عدم نيابة شرط آخر عنه ترتُّب الجزاء فلا يتبادر منها، و لا هي مُنصرفة إلى‏ ذلك، بل و لم يثبت ترتُّب الجزاء على الشرط، و لا العلّيّة أيضاً، فإنّ المُعتبر في القضايا الشرطيّة هو وجود نحوٍ من العلاقة و الارتباط بين الشرط و الجزاء و لو بنحو الاتّفاق؛ لأنّه يجوز أن يقال: «لو جاء زيد جاء معه غلامه»، مع عدم وجود العلّيّة بين مجيئهما، و كذلك يصحّ أن يقال:

«إن كان النهار موجوداً فالشمس طالعة»، مع أنّه لا يترتّب طلوع الشمس على وجود النهار، بل الأمر بالعكس.

و بالجملة: لا يعتبر في صحّة القضايا الشرطيّة ترتُّب الجزاء على الشرط واقعاً، فضلًا عن أنّه بنحو العلّيّة، و فضلًا عن أنّه بنحو العلّيّة المنحصرة، بل يكفي وجود نحوٍ من العلاقة و الارتباط بينهما، فيصحّ أن يقال: (الماء إذا بلغ قدر كرّ لم يُنجِّسه شي‏ء)، مع أنّ الجاري و ماء المطر- أيضاً- كذلك، فلا يتبادر العلّيّة المنحصرة من الجملة الشرطيّة، و كذا الانصراف إليها.

الوجه الرابع: التمسُّك بإطلاق أداة الشرط؛ بناءً على جواز التمسُّك بالإطلاق في الأداة، كما هو الحقّ من إمكان تقييد المعاني الحرفيّة؛ لما عرفت سابقاً من أنّ أكثر التقييدات إنّما هي للمعاني الحرفيّة، و حينئذٍ فيقال في تقرير ذلك الوجه:

إنّه كما لو شُكّ في واجب أنّه نفسيّ أو غيريّ، يُتمسّك فيه بالإطلاق لنفي‏

____________

(1)- الفصول الغرويّة: 147 سطر 27.

(2)- قرّره في نهاية الأفكار 1: 481.

279

الوجوب الغيريّ؛ لاحتياجه إلى‏ قيد زائد على إنشاء الوجوب، و هو أنّ وجوبه إنّما هو على تقدير وجوب شي‏ء آخر، بخلاف النفسي، فلو كان المتكلّم في مقام البيان، و اقتصر على إنشاء الوجوب حُمل على أنّه نفسيّ للإطلاق؛ حيث إنّه لو كان غيريّاً لبيّنه، و حيث إنّه لم يُبيّن ذلك يستكشف منه أنّ المُنشأ هو الوجوب النفسيّ، فكذلك أداة الشرط، فإنّها موضوعة للدلالة على اللُّزوم و الترتُّب بين الشرط و الجزاء، و هو كلّيّ له أفراد:

أحدها: الترتُّب بنحو العلّيّة المنحصرة.

ثانيها: الترتُّب بنحو العلّيّة الغير المنحصرة.

ثالثها: الترتُّب بنحو العلّيّة الناقصة.

فلو كان المتكلِّم في مقام بيان القضيّة الشرطيّة، و كان مراده من الترتُّب هو الترتُّب بأحد النحوين الأخيرين، لَبيَّنه؛ لاحتياجهما إلى‏ مئونة زائدة على أصل الترتُّب، و هي بيان أنّ الشرط جزء العلّة للجزاء في الأخير، و بيان العِدل في الثاني، كما أنّه لو شُكّ في واجب أنّه تعيينيّ أو تخييريّ يُحكم بالإطلاق على أنّه تعيينيّ؛ لاحتياج التخييريّ إلى‏ مئونة زائدة على أصل الوجوب، و هو بيان العِدل، فكذلك فيما نحن فيه، و حيث إنّه لم يُبيِّن ذلك يحكم بالإطلاق على أنّه بنحو العِلّيّة المنحصرة؛ لأنّها أخفّ مئونةً من غيرها.

أقول: أمّا التمسُّك بالإطلاق لإثبات الوجوب النفسي التعييني عند الشكّ فيهما، فقد عرفت ما فيه، فإنّه لو فرض أنّ هيئة الأمر موضوعة لكلّيّ البعث أو الوجوب- كما زعموا- فكلٌّ من التعييني و التخييري و كذلك النفسي و الغيري من أقسام ذلك الكلي، و يحتاج كلّ واحدٍ منها إلى‏ قيد زائد- و لو كان عدميّاً- به يمتاز كلّ قسم من الآخر، و به يصير قسماً للمقسم، كيف؟! و لو لا القيد كان القسم عين المقسم، و هو محال، فكما أنّ الغيري هو الواجب لأجل الغير، كذلك الواجب النفسي هو الواجب لنفسه،

280

و حينئذٍ فمقتضى القول بأنّ الهيئة موضوعة لكلّيّ الوجوب، هو حمل المطلق على أصل الطبيعة؛ لأنّها أخفّ مئونةً من أفرادها و أقسامها من الوجوب النفسي و الغيري و نحوهما.

و أمّا تقبيح العقلاء عبداً ترك المأمور به؛ لاحتمال أنّه غيريّ، و احتمالِ عدم وجوب ذلك الغير؛ حتّى يجب الإتيان به، أو لإتيانه شيئاً آخر يُحتمل أنّه عِدْل له، فهو ليس لأجل اقتضاء الإطلاق الوجوب النفسي التعييني، بل لأنّه لا عذر مقبول للعبد في تركه المأمور به في مقام المحاجّة و المخاصمة، و لا ربط لذلك بما نحن فيه.

و أمّا ثانياً: سلّمنا أنّ مُقتضى الإطلاق هو الحمل على النفسي و التعييني، لكنّه ممنوع فيما نحن فيه؛ لأنّ الترتُّب بنحو العلّيّة المنحصرة و الربط بينهما ليس نحواً مغايراً لغيرها، و أنّ العلّيّة المنحصرة ليست أخفّ مئونةً من غيرها؛ لاحتياج إرادة غيرها إلى‏ بيان زائد بخلافها؛ حتّى تحمل الشرطيّة عند إطلاقها على العلّيّة المنحصرة، بل هما سنخ واحد.

الوجه الخامس: التمسُّك لإثبات العلّيّة المنحصرة بإطلاق الشرط؛ بأن يقال: لو كانَ لشي‏ء آخر دَخْلٌ في العِلّيّة، و أنّ الشرط للجزاء في المثال هو مجي‏ء زيد مع قيد آخر، لَبيَّنه في مقام البيان، و حيث إنّه لم يُبيِّن ذلك يُحمل على أنّه علّة تامّة للجزاء، كما لو شُكّ في الواجب أنّه نفسيّ أو غيريّ، و كذلك يُتمسّك بإطلاق الشرط لنفي علّيّة شي‏ء آخر للجزاء يقوم مقام الشرط، فحيث إنّه لم يُبيِّن ذلك يُحكم بأنّ الشرط علّة منحصرة، و أنّ العلّة في المثال منحصرة بمجي‏ء زيد، كما في الشكّ في التعييني و التخييري‏ (1).

و فيه: أنّ التمسُّك بالإطلاق لنفي علّيّة شي‏ء آخر للجزاء، و أنّ العلّيّة مُنحصرة في الشرط، قد عرفت مفصّلًا أنّه غير صحيح.

نعم؛ صحّ التمسُّك به لنفي دَخْل شي‏ء في العلّيّة، و أنّ الشرط هو مجي‏ء زيد في‏

____________

(1)- انظر نهاية الأفكار 1: 482.

281

المثال، و أنّه علّة تامّة.

الوجه السادس: التمسُّك بإطلاق الشرط لإثبات أنّه العلّة المنحصرة ببيان آخر: و هو أنّه لو كانت هناك علّة اخرى‏ للجزاء غير مجي‏ء زيد في المثال فمع تقدّمها في الوجود على مجي‏ء زيد الذي هو علّة للجزاء- أيضاً- فالمؤثّر هي العلّة الاولى لا الثانية، و مع فرض تقارنهما في الوجود فكلّ واحدة منهما جزء المؤثّر.

و حينئذٍ فلا يصحّ إطلاق القول: بأنّه «لو جاءك زيد فأكرمه»- مثلًا- ظاهر في أنّ المؤثّر التامّ في وجوب الإكرام فعلًا هو مجي‏ء زيد، و حيث إنّه أطلقه، و لم يبيِّن ذلك، كشف ذلك عن أنّ العلّيّة منحصرة بالمجي‏ء الذي هو الشرط، و أنّه ليس هناك علّة اخرى‏ تنوب منابه في ترتُّب الجزاء.

و العجب من المحقّق صاحب الكفاية (قدس سره) أنّه ارتضى هذا الوجه، لكنّه اعتذر:

بأنّه نادر الوقوع‏ (1)، مع أنّه غير صحيح أيضاً؛ لوقوع خلط في هذا البيان، و هو أنّ ما ذكره من البيان إنّما يصحّ في الوجود الخارجي للعلّة، فإنّها مع سبق وجودها الخارجيّ فالمؤثّر هو، لا المسبوق في الوجود، و مع تقارنهما فيه فالمؤثّر هما معاً، و أحدهما جزء المؤثّر، و ليس الكلام في وجودها الخارجيّ، بل التمسُّك بالإطلاق إنّما هو في مقام إنشاء الحكم و إيقاعه، و لا ارتباط له بالخارج، فلو قال في مقام الإنشاء:

«إن جاء زيد فأكرمه» فهو لا يُنافي ثبوت وجوب الإكرام بسبب شي‏ء آخر أيضاً، و لا يُنافي الإطلاق أيضاً.

الوجه السابع: التمسُّك لذلك بإطلاق الجزاء: ذهب إليه المحقّق الميرزا النائيني (قدس سره) حيث إنّه بعد ردّه التمسُّك بإطلاق الشرط؛ لوجهين:

أحدهما: ما ذكره في «الكفاية».

و الثاني: أنّ مقدّمات الحكمة إنّما تجري في المجعولات الشرعيّة، و العلّيّة

____________

(1)- كفاية الاصول: 233.

282

و السببيّة ليست كذلك، و إنّما المجعول المسبَّب على تقدير وجود السبب، فلا معنى للتمسُّك بإطلاق الشرط لإثبات العلّيّة المنحصرة.

قال (رحمه اللَّه): إنّ الشروط التي تتضمّنها القضيّة الشرطيّة: تارةً يمكن أن يُناط بها المجعول، و يتقيّد المحمول به في عالم الجعل؛ بحيث لو لا التقييد و الإناطة الجعليّة لما كان المحمول منوطاً بذلك الشرط.

و اخرى‏ لا يمكن جعل الإناطة، بل المجعول منوط بنفسه بالشرط تكويناً؛ بحيث لا يُعقل تحقُّقه بدون تحقُّق الشرط.

فعلى الوجه الثاني لا مفهوم للقضيّة؛ لأنّ القضيّة- حينئذٍ- مسوقة لبيان فرض وجود الموضوع، مثل: «إن رُزقتَ ولداً فاختنه» و «إن ركب الأمير فخُذ ركابه»؛ حيث إنّه لا يُعقل خِتان الولد و أَخْذ رِكاب الأمير، إلّا بعد تحقُّق الشرط، فالمجعول في مثل هذا لا يمكن أن يُقيَّد بالشرط و يُناط به؛ إذ التقييد فرع إمكان الإطلاق، و المحمول الذي يتوقّف على الشرط لا يمكن فيه الإطلاق، فهو بنفسه مقيَّد تكويناً، و هذا هو السرّ في عدم المفهوم للقضيّة اللَّقَبيّة؛ من جهة أنّ الاشتراط الذي تتضمّنه اللقب ليس إلّا فرض وجود الموضوع، مثل قوله: «أكرم زيداً»، فإنّ معناه:

لو وجد زيد وجب إكرامه، و الإكرام يتوقّف عقلًا على وجود زيد بدون التقييد به في عالم الجعل و التشريع.

و على الوجه الأوّل- كمجي‏ء زيد و ركوبه و جلوسه- فلا بدّ أن يُقيَّد الجزاء بذلك في عالم الجعل و التشريع، و معنى التقييد هو إناطة الجزاء بذلك الشرط، و مقتضى إناطته بذلك الشرط بالخصوص، هو دوران الجزاء مداره وجوداً و عدماً بمقتضى‏ الإطلاق و مقدّمات الحكمة؛ حيث إنّه قيّد الجزاء بذلك الشرط بخصوصه، و لم يقيّده بشي‏ء آخر، لا على نحو الاشتراك؛ بأن يُجعل شي‏ء آخر مُجامعاً لذلك الشرط قيداً للجزاء، و لا على نحو الاستقلال؛ بأن يَجعل شيئاً آخر مُوجباً لترتُّب الجزاء عليه و لو

283

عند انفراده، و مقتضى ذلك هو دوران الجزاء مدار ما جعله شرطاً في القضيّة؛ بحيث ينتفي عند انتفائه، و هو المقصود من تحقّق المفهوم للقضيّة، فمقدّمات الحكمة إنّما تجري في ناحية الجزاء، لا في الشرط حتّى يرد عليه ما تقدّم من الإشكال، و هذا كإطلاق الوجوب في اقتضائه النفسيّة العينيّة التعيينيّة، من غير فرق بين المقامين‏ (1). انتهى.

أقول: يظهر من كلامه (قدس سره) أنّ له في المقام دعويين:

احداهما: أنّ مورد التمسُّك بالإطلاق هو المطلق المجعول لا غير.

الثانية: أنّه يمكن التمسُّك بإطلاق الجزاء لإثبات العلّيّة المنحصرة.

أمّا الاولى ففيها: أنّ غالب الموارد التي يُتمسَّك فيها بالإطلاق ليس مجعولًا شرعاً، منها ما إذا قيل: «إن أفطرتَ فأعتقْ رقبةً» فإنّهم يتمسّكون فيه بالإطلاق، مع أنّه لا يمكن التمسُّك فيه بإطلاق أداة الشرط؛ لأنّها من الحروف، و لا يصحّ التمسُّك بإطلاق المعاني الحرفيّة عنده (قدس سره) و كذلك لا يصحّ عنده (قدس سره) التمسُّك بإطلاق الشرط- أي الإفطار- كما صرّح هو به.

و أمّا كلمة «أعتق» فهيئتها- أيضاً- كذلك، لا يصحّ التمسُّك بالإطلاق فيها عنده؛ لأنّها من الحروف، و أمّا مادّتها فهي غير مجعولة، فلا يصحّ التمسُّك بها عنده، فإنّ العتق فعل العبد، فينحصر تمسّكهم بالإطلاق في القضيّة في «الرقبة»، فلا إشكال في أنّ موضوع الحكم فيها هو مطلق الرقبة أو الرقبة المؤمنة، فيحكم فيها بالإطلاق لو فرض أنَّ المُتكلّم في مقام البيان، مع أنّ الرقبة ليست من المجعولات الشرعيّة، و هكذا نظائر هذه القضيّة.

و أمّا الثانية ففيها: أنّ ما ذكره في بيان صحّة التمسُّك بإطلاق الجزاء، هو بعينه البيان الذي ذكروه في صحّة التمسُّك بإطلاق الشرط، فيرد عليه ما اورد عليه سابقاً.

ثمّ إنّه استدلّ بعضهم للمفهوم: بأنّ ظاهر القضيّة الشرطيّة- في مثل «إن‏

____________

(1)- فوائد الاصول 2: 481- 483.

284

جاءك زيد فأكرمه»- هو أنّ الشرط علّة منحصرة للجزاء، و أنّ المؤثّر هو خصوص المجي‏ء لا غير؛ لأنّه لو كان هناك علّة اخرى‏ له سوى المجي‏ء، لكان المؤثّر هو الجامع بينهما؛ لأنّه لا يصدر الواحد إلّا من الواحد، و ظاهر القضية خلاف ذلك‏ (1).

و فيه: أنّ ذلك- أيضاً- لا يُفيد المطلوب؛ أي انحصار العِلّيّة في الشرط، و قد مرّ غير مرّة أنّ قضيّة «لا يصدر الواحد إلّا من الواحد» غير مربوطة بما نحن فيه و أمثاله.

و ينبغي التنبيه على امور:

التنبيه الأوّل: في حقيقة المفهوم‏

قال في «الكفاية»: إنّ المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم المُعلَّق على الشرط عند انتفائه، لا انتفاء شخصه؛ ضرورة انتفائه عقلًا بانتفاء موضوعه و لو ببعض قيوده، و لا يتمشّى القول بأنّ للقضيّة الشرطيّة مفهوماً أو لا، إلّا في مقامٍ يمكن ثبوت سنخ الحكم- أي الجزاء- و انتفاؤه عند انتفاء الشرط، فيقع البحث: في أنّ لها دلالة على الانتفاء عند الانتفاء، أو لا.

و من هنا ظهر: أنّه ليس من المفهوم و دلالة القضيّة على الانتفاء عند الانتفاء ما توهّم في الوصايا و الأوقاف و النذور و الأيمان‏ (2)؛ لأنّ انتفاءها عن غير ما هو المتعلَّق لها- من الأشخاص بألقابها أو بوصف شي‏ء أو بشرطه المذكورة في العقد أو مثل العهد- ليس من دلالة الشرط أو الوصف أو اللقب عليه، بل لأجل أنّه إذا جُعل شي‏ءٌ وقفاً على شخص أو اوصي به له أو نُذِر له .. إلى‏ غير ذلك، لا يمكن أن يصير وقفاً على غيره أو وصيّةً أو نذراً له، و انتفاء شخص الوقف أو النذر أو الوصيّة عن غير مورد

____________

(1)- نهاية الاصول 1: 269- 270.

(2)- تمهيد القواعد (الملحق بكتاب الذكرى): 14.

285

المتعلَّق- قد عرفت- أنّه عقليّ مطلقاً؛ و لو قيل بعدم المفهوم في مورد يصلح له.

ثمّ اورد عليه بما حاصله: أنّ الجزاء المعلَّق على الشرط إنّما هو الحكم الحاصل بالإنشاء، فالجزاء في مثل قوله: «إن جاءك زيد فأكرمه» هو إيجاب الإكرام، و هو شخصيّ، فغاية قضيّتها هو انتفاء ذلك الحكم الخاصّ بإنشائه بانتفاء الشرط.

و أجاب عن ذلك بما حاصله: أنّ الإشكال إنّما يرد لو قلنا: إنّ الموضوع له في الهيئات خاصّ، و أمّا بناءً على ما حقّقناه من عموم الموضوع له فيها كوضعها، و أمّا الشخص و الخصوصيّات الناشئة من قِبَل استعمالها فيه لا تكاد تكون من خصوصيّات معناها المستعملة فيه، فلا يرد الإشكال المذكور؛ لأنّ الجزاء هو طبيعةُ إيجاب الإكرام في المثال و كلِّيُّهُ، لا شخص خاصّ منه‏ (1). انتهى ملخّص كلامه.

أقول: هذا الجواب مبنيّ على ما ذكره من عموم الموضوع له في الحروف، و أمّا بناءً على أنّ الموضوع له فيها خاصّ- كما اخترناه- فلا يندفع الإشكال بما ذكره.

و التحقيق في الجواب- بناءً على ما اخترناه-: هو أنّه و إن كان المعلَّق على الشرط في المثال هو إيجاب الإكرام- الذي هو مدلول قوله: «فأكرمه» بحسب الظاهر- لكن لا إشكال في أنّ المتبادِر من القضيّة الشرطيّة في المثال عرفاً، هو أنّ المرتبط بالشرط هو طبيعة الإكرام، لا إيجاب الإكرام، فالمناسبة إنّما هي بين تحقُّق الشرط و تحقّق الجزاء، لا بين الشرط و الإيجاب، و إلّا فلِمَ لا يتعلّق إيجاب الصلاة مثلًا بالشرط المذكور، و لا بينه و بين إيجاب الإكرام معاً و ذلك واضح، و أمّا الإيجاب الذي هو مدلول الهيئة فهو آلة و وسيلة إلى‏ بيان ذلك.

و الحاصل: أنّه بناءً على ثبوت المفهوم للقضيّة الشرطيّة، و انحصار علّيّة الشرط فيها بذكر ما يدلّ عليها، و هو كلمة «إنْ» الشرطيّة، أنّ الآمر- حيث إنّه رأى أنّ بين طبيعة المجي‏ء و طبيعة الجزاء ارتباط و مناسبة- تعلّقت إرادته ببعث المكلّف الى‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 236- 237.

286

تحصيل الجزاء، و هو الإكرام عند تحقُّق الشرط؛ بإيجاب ذلك عليه عنده، و إلّا فلو لا المناسبة بينهما لزم الجزافُ في الأمر بالجزاء، و إرادتُهُ بلا مناسبة و ملاك، فمنشأ الأمر و الإيجاب هو وجود تلك المناسبة بينهما، و هذا معنى أنّ الواجبات الشرعيّة ألطافٌ في الواجبات العقليّة (1)، و هذا الذي ذكرناه قد أشار إليه الشيخ (قدس سره) في «كتاب الطهارة» (2)، فلا يرد عليه- حينئذٍ- الإشكال المذكور.

التنبيه الثاني: في تعدّد الشرط و اتّحاد الجزاء

إذا تعدّد الشرط و اتّحد الجزاء، مثل: «إذا خَفِي الأذان فقصِّرْ، و إذا خَفيت الجُدران فقصِّر»، فبناءً على ظهور الجملة الشرطيّة في المفهوم يقع التعارض بينهما، و البحث هنا في مقامين:

المقام الأوّل: أنّ التعارض هل هو بين المنطوقين؛ حيث إنّه يدلّ كلّ واحد منهما على الانحصار، فلا يمكن صدقهما معاً، أو بين مفهوم أحدهما و منطوق الآخر؛ لأنّ مفهوم قوله: «إذا خَفِي الأذان فقصِّر» بناءً على إفادته الانحصار، أنّه إذا لم يخف فلا يجب أنْ يُقصِّرْ و إن خَفيت الجُدران، و يدلّ منطوق قوله: «إذا خَفِي الجُدران فقصِّرْ» على أنّ خفاء الجُدران موجب للقصر، فالتعارض بين مفهوم الأوّل و منطوق الثاني.

فنقول: إنّ دلالة الشرطيّة على المفهوم: إمّا بالوضع و أنّ أدوات الشرط موضوعة للعِلّيّة المُنحصرة، أو لانصرافها إلى‏ العِلّيّة المُنحصرة، مع أنّها موضوعة للعِلّيّة التامّة، أو لاستفادة الانحصار من مقدّمات الحكمة و الإطلاق.

فعلى الأوّل يقع التعارض بين المنطوقين؛ لأنّ أصالة الحقيقة في كلّ واحد منهما تُعارضها في الآخر، و المفروض أنّه لا مُرجِّح لأحدهما على الآخر، فيتساقطان.

____________

(1)- كفاية الاصول: 414.

(2)- كتاب الطهارة: 49 سطر 29.

287

و كذلك على الثاني؛ أي استفادة الانحصار من الانصراف، فإنّ الانصراف في كلّ واحد منهما يُعارض الآخر، و حينئذٍ فإن قلنا: إنّ أدوات الشرط موضوعة للثبوت عند الثبوت، تبقى‏ العلّيّة التامّة لكلّ واحد منهما، و يرفع اليد عن الانحصار، و إلّا يصير الكلام مجملًا، و المرجع- حينئذٍ- هو الاصول العمليّة.

و أمّا بناءً على الثالث فالتعارض يقع بين أصلين عقلائيّين، و هما أصالة الإطلاق في كلّ واحد منهما، و على أيّ تقدير: فليس التعارض- حينئذٍ- بين مفهوم أحدهما و منطوق الآخر، بل بين المنطوقين.

المقام الثاني: في بيان علاج التعارض: و لا بدّ فيه من التصرّف و رفع اليد عن الظهور: إمّا بتخصيص مفهوم كلّ واحد منهما بمنطوق الآخر، و يحكم بانتفاء وجوب القصر عند انتفاء الشرطين معاً، برفع اليد عن المفهوم فيهما فالشرط هو خفاء أحدهما، أو بتقييد إطلاق الشرط في كلّ واحد منهما، فالشرط- حينئذٍ- هو خفاء الأذان و الجُدران معاً، و امّا بجعل الشرط هو القدر الجامع المشترك بينهما. وجوه.

و التحقيق أن يقال: إنّه إن قلنا: إنّ أدوات الشرط موضوعة للعِلّيّة المُنحصرة، و إنّها المتبادِر منها، فأصالة الحقيقة في كلّ واحد منهما معارِضة لها في الآخر، فلا بدّ من رفع اليد عنها فيهما، فيُرجع إلى الأصل العمليّ.

و أمّا رفع اليد عن الانحصار فقط، و حمل كلّ واحد من الشرطين على العِلّيّة التامّة؛ لأنّها أقرب المجازات للمعنى الحقيقي، و هو العِلّيّة المنحصرة. فغير سديد؛ لأنّه يعتبر في الحمل على أقرب المجازات- بعد تعذُّر إرادة المعنى الحقيقي- أن تكون الأقربيّة إليه بحسب انس الذهن الحاصل بكثرة الاستعمال، و العِلّيّة التامّة و إن كانت أقرب إلى العِلّيّة المنحصرة، لكن ليس لأجل انس الذهن؛ كي تحمل عليها.

و إن قلنا: إنّ الانحصار مستفاد من الانصراف إلى العِلّيّة المنحصرة يقع التعارض بين الانصرافين، فلا بدّ من رفع اليد عن العِلّيّة المنحصرة، و حينئذٍ فإن قلنا:

288

إنّ أدوات الشرط موضوعة للثبوت عند الثبوت، تبقى‏ العِلّيّة التامّة في كلّ واحد منهما- أي من الشرطين- بحالها، و إلّا يقع الإجمال، و المرجع- حينئذٍ- الاصول العمليّة.

و إن قلنا: بأنّ الانحصار مستفاد من الإطلاق و مقدّمات الحكمة: فإن قلنا: إنّ أدوات الشرط موضوعة للعِلّيّة التامّة و أنّ التمسُّك بالإطلاق إنّما هو لإثبات الانحصار فقط، فلا بدّ من رفع اليد عن الانحصار فقط مع بقاء العلّيّة التامّة لكلٍّ منهما؛ لأنّ التعارض- حينئذٍ- بين أصالتي الإطلاق في كلّ واحد منهما؛ لأنّ قوله: «إذا خفي الجدران فقصّر» معناه: أنّ تمام الموضوع المنحصر لوجوب القصر هو خفاء الجدران، و قوله: «إذا خفي الأذان فقصّر» أيضاً معناه: أنّ تمام الموضوع المنحصر لوجوبه هو خفاء الأذان، فيقع التعارض بين الإطلاقين المستفاد منهما الانحصار.

و أمّا لو فرض استفادة العِلّيّة التامّة- أيضاً- من الإطلاق، فهنا احتمالان:

أحدهما: احتمال دخل الشرطين معاً في الجزاء، و أنّهما معاً علّة واحدة، و كلّ واحد منهما جزء العلّة، فيدفع هذا الاحتمال بالتمسُّك بالإطلاق.

الثاني: احتمال عدم الانحصار- أي عدم كون خفاء الأذان علّة مُنحصرة، و احتُمل أن يكون له عِدْل ينوب عنه في ترتُّب الجزاء عليه- فيندفع هذا الاحتمال- أيضاً- بالإطلاق، فيقع التعارض بين الإطلاقين، فيدور الأمر بين تقييد الإطلاق الأوّل و رفع اليد عنه، و يلزمه رفع اليد عن الإطلاق الثاني و الانحصار أيضاً؛ لأنّه لا معنى للانحصار مع عدم العليّة التامّة، فرفع اليد عن الانحصار إنّما هو لأجل رفع موضوعه، و هو العلّيّة التامّة، و بين تقييد الإطلاق الثاني و رفع اليد عن الانحصار فقط مع بقاء العِلّيّة التامّة؛ للعلم الإجمالي بعدم إرادة أحد الإطلاقين و عدم إرادتهما معاً؛ لمكان التعارض بينهما، فيمكن أن يقال: بأنّ العلم الإجمالي ينحلّ: إلى العلم التفصيلي برفع اليد عن الانحصار، و الشكِّ البدوي بالنسبة إلى تقييد الإطلاق الأوّل و رفع اليد عن العلّيّة التامّة، فيُتمسّك فيه بالإطلاق.

289

و نظير ذلك دوران الأمر بين تقييد الإطلاق و تخصيص العامّ لو اجتمعا و تعارضا، كما لو قال: «أكرم العلماء»، فإنّ «العلماء» عامّ في أفراده، و الأفراد- أيضاً- كلّ واحد منها مطلق بالنسبة إلى حالاته، و عُلم من الخارج إجمالًا: إمّا بتقييد الإطلاق؛ بخروج زيد عن هذا الحكم يوم الجمعة، و إمّا بتخصيص العامّ؛ بخروجه عن حكم العامّ رأساً، فيقال: إنّ هذا العلم الإجمالي ينحلّ: إلى العلم التفصيلي بتقييد الإطلاق المذكور، و عدم وجوب إكرام زيد يوم الجمعة فقط، و الشكّ البدوي في تخصيص العامّ بإخراج زيدٍ عنه رأساً، فيُتمسّك فيه بالعموم.

و كذلك في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر، فإنّه- بوجه بعيد- نظيرُ ما نحن فيه، فإنّ العلم الإجمالي إمّا بوجوب الأقل أو الأكثر ينحلّ: إلى العلم التفصيلي بوجوب الأقل، و الشكّ البدوي في وجوب الأكثر، فيُتمسّك في نفي وجوب الأكثر بأصالة البراءة، و يُؤخذ بالأقلّ؛ لأنّه الواجب على كلّ تقدير.

و استشكل عليه في «الكفاية»: بأنّ الانحلال المذكور مستلزم للدور؛ و ذلك لأنّ انحلاله موقوف على وجوب الأقلّ على كلّ تقدير، و من التقادير هو تقدير وجوب الأكثر، و وجوبه موقوف على بقاء العلم الإجمالي و عدم انحلاله، فانحلاله موقوف على عدم انحلاله‏ (1).

لكن على فرض صحّة ما ذكره من لزوم الدور في الأقلّ و الأكثر، ليس ما نحن فيه من هذا القبيل؛ لأنّه ليس المدّعى فيه انحلال العلم الإجمالي إلى‏ العلم التفصيلي و الشكّ البدويّ، فإنّ مورد انحلاله هو ما إذا عُلم تفصيلًا ابتداءً و من الأوّل، و كان الإجمال بدْويّاً و في بادي النظر، و أمّا فيما نحن فيه فالعلم الإجمالي باقٍ بحاله مع العلم التفصيلي أيضاً.

____________

(1)- انظر كفاية الاصول: 413.

290

و السرّ فيه: أنّه ليس فيه انحلال إليهما، بل يتولّد من العلم الإجمالي برفع اليد عن أحد الإطلاقين، علمٌ تفصيليّ برفع اليد عن الإطلاق الثاني و الانحصار: إمّا برفعه بنفسه؛ و إمّا برفعه لرفع موضوعه؛ أي العلّيّة التامّة؛ لأنّه لا يعقل الانحصار مع عدم العِلِّيّة التامّة، و مقتضى بقاء العلم الإجماليّ هو عدم جواز التمسُّك بأحد الإطلاقين، فيصير مجملًا، فيرجع إلى‏ الاصول العمليّة. هذا كلّه بالنسبة إلى‏ ملاحظة كلّ واحد من المفهومين مع الآخر.

و أمّا بالنسبة إلى نفي الثالث؛ بأن احتُمل دخْلُ شي‏ء في موضوع وجوب القصر، و أنّ الموضوع له مركّب من جزءين، أحدهما خفاء الأذان، أو احتمل العِلّيّة التامّة لشي‏ء آخر، و أنّه عِدلٌ لخفاء الأذان- مثلًا- في ترتُّب وجوب القصر عليه، فهل يصحّ التمسُّك بإطلاقهما لنفيه في كلا الاحتمالين، أو لا؟

الحقّ هو التفصيل: و هو أنّه إن قلنا: إنّ أدوات الشرط موضوعة لغةً للعِلّيّة المنحصرة أو منصرفة إليها، فلا يصحّ التمسُّك بإطلاقهما لنفي الثالث، سواء احتمل كونه جزء العلّة، أم علّة مُستقلّة؛ لأنّه بعد رفع اليد عن ظهورهما بالتعارض رأساً بالعلم بالتقييد في الجملة، لا يبقى ما به يُنفى الثالث، و ليس للظهور مراتب حتّى يبقى بعض مراتبه بعد رفع اليد عن بعضها الآخر.

و إن قلنا: إنّ استفادة العِلّيّة المُنحصرة و المفهوم من الإطلاق و مقدّمات الحكمة، صحّ التمسُّك بإطلاقهما لنفي الثالث.

و إن علم بتقييد أحدهما إجمالًا كما في سائر المطلقات، كما لو قال: «أعتق رقبة»، و علم باعتبار الإيمان فيها بدليل خاصّ، و شكّ في اعتبار وصف آخر، فإنّه يصحّ التمسّك بإطلاقها لنفي المشكوك اعتباره، و ما نحن فيه من هذا القبيل.

291

التنبيه الثالث: في تداخل الأسباب و المسبَّبات‏

إذا تعدّد الشرط و اتّحد الجزاء، نحو: «إذا بلت فتوضّأ، و إذا نمت فتوضّأ»، فهل يتداخل فيه الأسباب أو المسبّبات أو لا؟ و لا بدّ فيه- أيضاً- من تقديم امور:

الأمر الأوّل: محطّ البحث: هو ما إذا احرز أنّ كلّ واحد من الشرطين علّة تامّة للجزاء، و مستقلّ في التأثير على فرض انفراده، فيقع البحث فيه في التداخل، و أمّا إذا لم يُحرز ذلك، و احتُمل عدم استقلال كلّ واحد منهما في التأثير، و أنّ المؤثّر و العلّة التامّة هو مجموعهما، أو فرض احتمال الأعمّ من ذلك و ممّا إذا احرز أنّ كلّ واحد منهما علّة تامّة مستقلّة، فليس هو محطّ البحث في التداخل و عدمه.

الأمر الثاني: أنّ محلّ البحث: هو ما إذا كان الجزاء الواحد قابلًا للتكثُّر؛ لأجل أنّ الجزاء هو الطبيعة، و هي قابلة للتكثُّر في أفرادها كالوضوء، أو لأجل أنّ المأخوذ في الجزاء في أحد الشرطين طبيعة من الوضوء، و في الآخر طبيعة اخرى‏ منه بنحوٍ من أنحاء التغاير، بخلاف ما ليس كذلك كالقتل، فإنّه ليس محلَّ البحثِ و الكلامِ هنا.

و لا فرق- أيضاً- بين أن يكون الشرطان تحت طبيعة واحدة و من جنس واحد- كما لو قال: «إذا بلت فتوضّأ»، فبال المكلّف مرّتين- و بين اختلافهما في الجنس و الطبيعة، كما لو قال: «إذا بلت فتوضّأ، و إذا نمت فتوضّأ».

الأمر الثالث: معنى تداخل الأسباب هو أنّ المؤثِّر في المسبَّب هو مجموعها أو أحدها على فرض انفراده، و معنى تداخل المسبَّبات هو أنّ المُقتضَى- بالفتح- واحدٌ، و أنّ لكلّ واحد من الشرطين أثراً مُستقلّاً، و مثّلوا لذلك بما لو قال: «أكرمْ عالماً، و أكرم هاشميّاً» فأكرم هاشميّاً عالماً (1)، فإنّه لا ريب في أنّه امتثال لأمرين بإكرام واحد، لكن في هذا المثال نظر؛ لأنّ مورد تداخُل المسبّبات هو بعنيه مورد تداخل الأسباب،

____________

(1)- انظر كفاية الاصول: 240، و فوائد الاصول 2: 497.

292

و لكنّه على فرض القول بعدم تداخل الأسباب قد يقال بتداخل المسبّبات، و قد عرفت أنّ محطّ البحث في تداخل الأسباب: هو ما إذا اتّحد الجزاء لكلٍّ من الشرطين، و المثال ليس كذلك؛ لأنّ الإكرام المتعلِّق بالعالم غير الإكرام المتعلِّق بالهاشميّ، فتأمّل جيّداً.

الأمر الرابع: أنّ البحث في التداخل و عدمه إنّما هو في اقتضاء القواعد اللفظيّة اللُّغويّة ذلك، فلا بدّ أن يُفرض بعد الفراغ عن إمكانه عقلًا، و إلّا فلو امتنع التداخل أو عدمه عقلًا، لا تصل النوبة إلى‏ البحث في مقتضى القواعد اللُّغويّة و انّه ما ذا؟

فذهب بعضهم إلى‏ امتناع عدم التداخل عقلًا؛ لأنّه لا ريب في أنّه يمكن أن يقال: «إذا جاءك زيد فأكرمه، و إذا أكرمك زيد يجب عليك إكرامه مرّتين»، و كذا لو قال: «إذا نمت و بلت يجب عليك وضوءان»، و لكن لو قال: «إذا نمت يجب عليك الوضوء، و إذا بلت يجب عليك الوضوء»، فعلى فرض عدم تداخلهما، و وجوب الإتيان بالوضوء مرّتين، لا بدّ أن يُقيِّده بقيدٍ، و لا يصحّ ذلك إلّا أن يقول: «إذا بلت فتوضّأ، و إذا نمت توضّأ وضوءاً آخر» و هذا القيد- أيضاً- إنّما يصحّ فيما لو تقدّم أحد الشرطين في الوجود و الصدور من المكلّف دائماً، و تأخّر الآخر كذلك، و فيما نحن فيه ليس كذلك؛ فإنّه قد يوجد المتأخّر متقدِّماً و المتقدّم متأخّراً، فلا يصحّ التقييد بالآخر- أي بهذا اللفظ- أيضاً، و مع عدم تقييد أحد الجزاءين بقيد، فلا يتعدّد الجزاء، فيتداخلان، فلا يمكن عدم التداخل، فلا تصل النوبة إلى الاستظهار من الأدلّة (1).

و فيه: أنّه يمكن التقييد بقيدٍ آخر غير ما ذكره- أي قيد «آخر»- لأنّه يمكن أن يقال: «إذا بلت فتوضّأ وضوءاً من قِبَل البول، و إذا نمت فتوضّأ وضوءاً من قِبَل النوم».

لا يقال: لا يجوز أن يُقيَّد المعلول بعلّته؛ لأنّه يلزم وقوعهما في رتبة واحدة، و أن يكون المعلول في رتبة العلّة.

____________

(1)- نهاية الاصول 1: 278- 279.

293

لأنّه يقال: نعم تقييد المعلول بعلّته تكويناً و بذاته ممتنع للمحذور المذكور، و أمّا إذا لم يكن كذلك، بل قيّده المتكلّم بذلك، فلا يلزم المحذور المذكور.

مقتضى القواعد اللفظيّة

و إذا عرفت إمكان التداخل و عدمه عقلًا، فلا بدّ من بيان مُقتضى القواعد اللفظيّة، و قد عرفت أنّ الشرطين: إمّا طبيعتان متغايرتان، مثل: «إذا بلت فتوضّأ، و إذا نمت فتوضّأ»، و إمّا فردان من طبيعة واحدة- كما لو بال المكلّف في القضيّة الاولى- مرّتين.

أمّا المقام الأوّل:

فقال العلّامة (قدس سره) على ما حُكي عنه: إنّ كلّ واحد من الشرطين في الأوّل: إمّا علّة تامّة مستقلّة في التأثير، أو لهما تأثيرٌ واحدٌ، أو لأحدهما المعيّن، أو الغير المعيّن، و الأقسام كلّها باطلة، إلّا الأوّل‏ (1).

فقال الشيخ (قدس سره): إنّ مرجع ما ذكره إلى‏ دعاوى ثلاثة:

أحدها: أنّ كلّ واحد من الشرطين مؤثّر.

و ثانيها: أنّ أثر الثاني غير أثر الأوّل.

ثالثها: أنّ المُقتَضى لكلّ واحد منهما غير المقتَضى للآخر.

ثمّ أطال الكلام في كلّ واحد من هذه الدعاوى:

أمّا الاولى: فاستدلّ لعدم التداخل بمقتضى‏ القواعد اللّفظيّة بوجوه‏ (2) تبعه في كلّ واحد منها بعض الأعاظم:

الأوّل: ما تبعه فيه في «الكفاية»: و هو أنّه لا إشكال في أنّ الشرط علّة

____________

(1)- انظر مختلف الشيعة 2: 428- 429.

(2)- انظر مطارح الأنظار: 177 سطر 22.

294

مستقلّة للجزاء، و قضيّة ذلك تعدُّد الجزاء بتعدُّد الشرط، و مُقتضى إطلاق الجزاء و إن كان اتّحاده، و أنّه نفس الطبيعة في كلّ واحد منهما، لكن ظهور الشرطيّة حاكم على إطلاق الجزاء؛ لأنّه بيان، و الإطلاق إنّما هو فيما ليس فيه بيان، فمقتضى تعدُّد الشرط هو تعدُّد الجزاء، و يرفع اليد عن إطلاق الجزاء، و أنّ الجزاء لكلّ واحد من الشرطين غير الآخر (1).

الثاني: ما اختاره الميرزا النائيني (قدس سره) حيث قال ما حاصله: إنّ الأصل يقتضي عدم تداخل الأسباب و المسبّبات؛ لأنّ الأمر متعلّق بالجزاء، و مقتضاه هو إيجاد الطبيعة، و العقل حاكم بأنّ إيجاد الطبيعة يتحقّق بإيجاد فرد واحد منها، فكفاية الإتيان بالجزاء مرّة واحدة إنّما هو بحكم العقل؛ حيث إنّه اخِذ بنحو صِرف الوجود، لا أنّه مقتضى إطلاق الجزاء، لكن لو دلّ دليل على أن المطلوب متعدِّد لا يعارضه حكم العقل؛ لأنّ كلّ مطلوب يتحقّق امتثاله بفرد واحد، و هو لا يُنافي حكم العقل بتحقّق الطبيعة بإيجاد فرد منها، و أمّا أنّ المطلوب متعدّد أو لا، فلا حكم للعقل فيه، فلو دلّ ظاهر الشرطين على تعدُّد المطلوب لم يُعارضه شي‏ء أصلًا (2).

و قال المحقّق الأصفهاني صاحب الحاشية (قدس سره) ما يقرب من ذلك؛ حيث قال:

لا يخفى‏ أنّ متعلَّق الجزاء نفس الماهيّة المهملة، و الوحدة و التكرار خارجان، فهي بالنسبة إلى‏ الوحدة و التعدُّد لا اقتضاء، بخلاف أداة الشرط، فإنّها ظاهرة في السببيّة المطلقة، و لا تعارض بين الاقتضاء اللااقتضاء، و لكن الماهيّة و إن كانت في حدّ نفسها كذلك، إلّا أنّه لا بدّ للمتكلّم الحكيم أن يُلاحظها على نهج الوحدة أو التعدُّد؛ أي أحدهما معيّناً؛ إذ لا يعقل تعلُّق حكم العقل بالمهمل، فهناك ظهوران متعارضان، خصوصاً إذا كان ظهور الأداة في السببيّة المطلقة لا بالوضع.

____________

(1)- كفاية الاصول: 240- 242.

(2)- فوائد الاصول 2: 493.

295

فالوجه للقول بعدم التداخل: أنّه إذا عُرضت القضيّتان على العرف و العقلاء، يرون أنّ مقام الإثبات و مقام الثبوت مقترنان، و يحكمون بمقتضى‏ تعدُّد السبب بتعدُّد متعلَّق الجزاء، من غير التفاتٍ إلى أنّ مقتضى إطلاق المتعلّق خلافه، و هذا المقدار من الظهور العرفيّ كافٍ‏ (1).

الثالث: ما أشار إليه الشيخ الأعظم (قدس سره) و تبعه فيه المحقّق الهمداني (قدس سره) في «المصباح» في باب الوضوء؛ حيث قال: مقتضى القواعد اللفظيّة هو سببيّة كلّ شرط للجزاء مستقلّاً، و مقتضاه تعدُّد اشتغال ذمّة المكلّف بتعدُّد سببه؛ لأنّ مقتضى إطلاق سببيّة كلّ شرط تنجُّزُ الجزاء عند حصوله، و مقتضى تنجُّز الجزاء عند كلّ سبب، حصولُ اشتغال ذمّة المكلّف بفعل الجزاء بعدد الخطابات المتوجّهة إليه، فكأنّ المولى قال في مثل «إن جاءك زيد فأعطِهِ درهماً، و إن أكرمك فأعطِهِ درهماً»: «أعطِهِ درهمين» لأنّ إعطاء درهم واحد لا يعقل أن يكون امتثالًا لأمرين، إلّا إذا كان الثاني تأكيداً للأوّل؛ و لم يوجب اشتغال الذمّة، و هو باطل بعد فرض تأثير السبب الثاني في الفعل.

ثمّ أشار إلى أنّ العلل الشرعيّة كالعلل التكوينيّة، فكما أنّ لكلّ علّة تكوينيّة معلول خاصّ، فكذلك العلل التشريعيّة (2).

و استدلّ في «الدرر» (3) بذلك؛ أي أنّ العلل الشرعيّة كالعلل التكوينيّة.

و هذه خلاصة الاستدلالات التي ذكرها الشيخ (قدس سره).

أقول: لا بدّ من ملاحظة أنّ ظهور الجملة الشرطيّة في حدوث الجزاء عند حصول الشرط- و دلالتها على ذلك، كما في «الكفاية»، أو ظهورها في أنّ الشرط علّة مُستقلّة للجزاء، كما عبّر به الشيخ (قدس سره) هل هو بالوضع، أو بالإطلاق و مقدّمات الحكمة؟

____________

(1)- نهاية الدراية 1: 326.

(2)- مطارح الأنظار: 180 سطر 17، مصباح الفقيه (كتاب الطهارة): 126 سطر 5.

(3)- انظر درر الفوائد 1: 174 هامش رقم 1.

296

و الاستدلالات المذكورة مبنيّة على الأوّل؛ أي أنّ الظهور المذكور بوضع الأداة لذلك، و حينئذٍ فظهور الجملة الشرطيّة حاكم على ظهور إطلاق الجزاء.

لكن ليس كذلك، بل كما أنّه يُتمسَّك لوحدة الجزاء بالإطلاق و مقدّمات الحكمة- لا بحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان و نحوه- كذلك ظهور الجملة الشرطيّة و دلالتها على حدوث الجزاء عند حدوث الشرط، إنّما هو بالإطلاق، و أنّ مقتضى الإطلاق فيها أنّ الشرط علّة مستقلّة للجزاء- سواء تقدّم عليه شرط آخر له، أم قارنه، أم تأخّر عنه- لا بالوضع، كما هو واضح.

و حينئذٍ فلو قال: «إذا بلت فتوضّأ» فلا تنافي بين إطلاقي الصدر و الذيل، و كذا لو قال: «إذا نمت فتوضّأ» لا تنافي بين إطلاقي صدرها و ذيلها، لكن بين الإطلاقات الأربع في القضيّتين منافاة، و المعلوم إجمالًا هو رفع اليد عن أحد الإطلاقين: إمّا إطلاق الشرط، أو إطلاق الجزاء، و ليس إطلاق الشرط حاكماً على إطلاق الجزاء؛ لما عرفت من أنّ حكومة ظهور الشرط على الظهور المستفاد من إطلاق الجزاء متوقّفة على أن يكون استفادة ظهور الشرط من الوضع، و أنّ أدوات الشرط موضوعة للدلالة على الحدوث عند الحدوث، و قد عرفت منعه، و جميع الوجوه المذكورة مبنيّة على ذلك.

و أمّا قياس العلل الشرعيّة على العلل التكوينيّة، و أنّه كما يقتضي كلّ واحد من العلل التكوينيّة معلولًا مستقلّاً واحداً، فكذلك العلل التشريعيّة.

فقد عرفت فساده غير مرّة، و أنّه مع الفارق؛ لأنّ المعلول في العلل التكوينيّة تابع لعلّته و ليس قبل المعلول تقدير له، فالمعلول تمام حيثيّة العلّة، بخلاف العلّة التشريعيّة، فإنّه يتقدّر المعلول بقدرٍ معلوم أوّلًا، ثمّ يتعلّق به الإرادة، فالعلّة فيها تابعة للمعلول، فالآمر يُقدِّر المعلول أوّلًا: بأنّه نفس الطبيعة أو الطبيعة المقيَّدة بقيد، ثمّ تتعلّق به إرادته.

ثمّ إنّه اعترف بعضهم: بأنّ ظهور الجملة الشرطية في الحدوث عند الحدوث،

297

إنّما هو بالإطلاق- أيضاً- كما في الجزاء، كما ذكرناه، لكنّه مع ذلك قدّم إطلاق الشرط على إطلاق الجزاء؛ من جهة حكم العقل: بأنّ العلّتين لا يمكن أن تُؤثِّرا في واحد، فإطلاق الشرط- بضميمة هذا الحكم العقليّ- مقدَّم على إطلاق الجزاء، و مقتضى ذلك هو عدم التداخل، و أنّ الجزاء في كلّ واحدة من القضيّتين جزاء خاص‏ (1).

و فيه: أوّلًا: أنّ الجمع الذي حكموا بأنّه أولى من الترجيح و الطرح، هو الجمع العرفيّ العقلائيّ، و قضيّة عدم تأثير الاثنين في واحد حكم عقليّ مبنيّ على برهان دقيق، كما بُيّن في محلّه‏ (2)، و لا يصحّ ابتناء الجمع العرفيّ العقلائيّ على هذه المسألة الدقيقة العقليّة.

و ثانياً: لو أغمضنا عن ذلك لكن يمكن أن يُعكس الأمر؛ بأن يقال: إنّ إطلاق الجزاء- بضميمة هذا الحكم العقليّ- يرجَّح على إطلاق الشرط و يُقدَّم عليه، و مُقتضى ذلك هو التداخل.

و الحاصل: أنّه لا بدّ من التخلّص عن مخالفة هذا الحكم العقليّ، و لا يمكن مع بقاء إطلاق كلّ واحد من الشرط و الجزاء على حاله، فلا بدّ من رفع اليد عن أحد الإطلاقين- إطلاق الشرط، أو إطلاق الجزاء- و لا ترجيح لرفع اليد عن الثاني، بل هما متساويان.

فالحقّ في تقرير عدم التداخل هو ما اختاره صاحب الكفاية في الحاشية: و هو أنّ المتبادر في التفاهم العرفيّ فيما إذا تعدّد الشرط و اتّحد الجزاء: أنّ كلّ واحد من الشرطين علّة تامّة للجزاء، و أنّ لكلّ واحد منهما جزاءً خاصّاً من دون التفات إلى‏ أنّ ذلك منافٍ لإطلاق الجزاء (3): إمّا لأجل قياسهم العلل التشريعيّة على العلل‏

____________

(1)- مصباح الفقيه 1: 126 سطر 19.

(2)- الأسفار 2: 209- 212.

(3)- انظر كفاية الاصول: 242 هامش 3.

298

التكوينيّة؛ حيث إنّه يترتّب على كلّ واحد من العلل التكوينيّة معلول خاصّ، كالنار و الشمس للحرارة، فإنّ لكل واحدة منهما حرارة خاصّة، و قد عرفت سابقاً أنّ هذا القياس فاسد لكنّه لا يضرّ في كونه منشأً للمتفاهم العرفيّ.

و إمّا لأنّهم يرون أنّ بين العلّة و نفس المعلول ارتباطاً و مناسبة، و أنّ في موت الهرّة- مثلًا- في البئر و نزح عشر دِلاء مناسبة، و كذلك بين موت الفأرة و نزح عشرة، فيحكمون بنزح عشرين في موتهما معاً فيه، فكذلك يرون أنّ بين كلّ واحد من النوم و البول مناسبة مع الوضوء، فيتعدّد وجوب النزح المقدَّر عند تعدُّد الشرط عندهم.

و على أيّ تقدير فالتفاهم العرفيّ في ذلك كافٍ في تقديم ظهور الشرطيّة- في تأثير كلّ واحد منهما أثراً مستقلّاً- على ظهور إطلاق الجزاء، أو لأظهريّتها منه.

لكن أورد عليه بعضهم: بأنّه لا ريب في أنّ الأسباب الشرعيّة علل للأحكام المتعلّقة بأفعال المكلّفين، لا لنفس الأفعال؛ ضرورة لزوم الانفكاك على تقدير علّيّتها لها، لا لأحكامها، فتعدّدها لا يوجب تعدّد الفعل، و إنّما يوجب تعدُّد معلولها، و هو الوجوب، و تعدّده لا يدلّ على وجوب إيجاد الفعل مكرّراً (1).

توضيح ذلك: أنّ هيئة الأمر- في قوله: «توضّأ عند صدور البول»- موضوعة للبعث، الظاهر في أنّه معلول لإرادة حتميّة، ما لم ينضمّ إليه قرينة دالّة على أنّه عن إرادة غير حتميّة، و الوجوب مُستفاد من البعث المعلول عن إرادة حتميّة، فلو قال بعد ذلك: «إذا نمت فتوضّأ» فهو- أيضاً- بعث معلول عن إرادة حتميّة، لكن هذه الإرادة التي هي علّة لهذا البعث عين الإرادة التي هي علّة للبعث الأوّل، و مع ذلك هذا البعث غير البعث الأوّل، و الوجوب المستفاد منه غير الوجوب المستفاد من البعث الأوّل، لكنّه لا يوجب تعدُّد الوجوب، بل هو تأكيد للأوّل، و ليس معنى التأكيد أنّه مجاز، و لا أنّ الهيئة مستعملة في التأكيد، بل الهيئة مستعملة في البعث إلى‏ الوضوء مثل‏

____________

(1)- انظر عوائد الأيّام: 101 سطر 24، و انظر أيضاً مطارح الأنظار: 179 سطر 32.

299

الأوّل، و منشؤهما إرادة حتميّة، كما هو كذلك في الأوامر العرفيّة، فإنّه قد يأمر المولى عبده بشي‏ء، و يُؤكّد أمره بأمر آخر و ثالث؛ لمكان أهمّيّة الغرض في نظره، مع أنّ إرادته واحدة، و الثاني مع أنّه بعث آخر تأكيد للأوّل، و ليس معناه أنّه عين الأوّل. و حينئذٍ فالأمر دائر بين رفع اليد عن ظهور إطلاق الشرط المقتضي لتعدّد الجزاء و بين رفع اليد عن إطلاق الجزاء المقتضي لوحدة الجزاء و رفع اليد عن ظهور السياق في أنّ الثاني تأسيس المقتضي لتعدد الجزاء، و حيث إنّ ظهور السياق أهون من الأوّلين، فالأولى رفع اليد عنه بحمل الثاني على التأكيد لا التأسيس. هذا غاية ما ذكروه من الإشكال.

و اجيب عنه بوجوه:

الوجه الأوّل: ما ذكره الشيخ الأعظم (قدس سره): و هو أنّ ظاهر القضيّة الشرطيّة في القضيّتين هو أنّ كلّاً منهما علّة مُستقلّة لاشتغال ذمّة المكلّف، فالشرط الثاني- أيضاً- موجب لاشتغالٍ آخر غير الاشتغال الحاصل من الأوّل؛ لوجود المقتضي و عدم المانع.

أمّا وجود المُقتضي فهو ظاهر؛ لأنّ المفروض أنّ كلّ واحد من الشرطين علّة مُستقلّة لوجوب الوضوء في المثال.

و أمّا عدم المانع فلأنَّ المفروض أنَّ الجزاء قابل للتكثُّر، و مقتضى تعدُّد الاشتغال هو تعدُّد المشتغَل به- بالفتح- وجوداً و قد فُرض أنّ الشرط علّة للوجوب، و إنّما يصحّ أن يُجعل الثاني تأكيداً للأوّل لو كان بينهما تقدّم و تأخّر، و الشرطان بحسب الوجود الخارجي كذلك، فيوجد أحدهما بعد الآخر، لكن المناط هو التقدّم و التأخّر في مقام الجعل و التشريع، و ليسا كذلك، فإنّ كلّ واحد من النوم و البول في مقام الجعل و التشريع في عَرْض واحد و في رتبة واحدة، فلا يمكن أن يُجعل أحدهما تأكيداً للآخر.

ثمّ ذكر في آخر كلامه: أنّه لو فرض أنّ أحد الشرطين علّة لجهة، و الآخر علّة لجهة اخرى‏، متصادقين على موضوع واحد، أمكن أن يُجعل أحدهما تأكيداً للآخر،

300

بخلاف ما لو كان الشرطان علّتين لعنوان واحد، و هو وجوب الوضوء، و ما نحن فيه من قبيل الثاني، لا الأوّل‏ (1). انتهى.

أقول: أمّا ما ذكره: من أنّ الشرط الثاني علّة لاشتغال آخر في الذمّة غير الأوّل، فقد عرفت سابقاً ما فيه، فإنّه لا يوجب إلّا اشتغال ذمّته بوجوب الوضوء، و قد كانت الذمّة مشغولة به، فيقع الثاني تأكيداً للأوّل.

و أمّا ما أفاده: من أنّه لو فرض أنّ أحد الشرطين علّة لجهة غير الجهة التي هي معلولة للآخر، و تصادقا على موضوع واحد، أمكن أن يُجعل أحدهما تأكيداً للآخر، و لكن ما نحن فيه ليس كذلك.

فهو- أيضاً- كما ترى‏، فإنّه على فرض كون الجزاء لأحد الشرطين غير ما للآخر، لم يمكن جعل أحدهما تأكيداً للآخر، فإنّه لو أفطر شخص في صوم شهر رمضان بشرب الخمر، لارتكب محرّمين، و خالف تكليفين، لا أنّه ارتكب حراماً مؤكّداً لتصادق العنوانين.

و أمّا ما ذكره: من أنّ الحمل على التأكيد إنّما يصحّ لو تقدّم أحد الشرطين على الآخر في مقام الجعل و التشريع، ففيه: أنّه ليس معنى التأكيد: أنّ الثاني مستعمل في مفهوم التأكيد، بل معنى التأكيد هو تكرار مطلب واحد و لو بغير اللفظ، فلو قال لعبده:

«اخرج» و أشار بيده إلى‏ الخروج، فهو تأكيد لبعثه إلى‏ الخروج؛ للفرق بينه و بين ما لو اقتصر على قوله: «اخرج» بدون الإشارة إليه باليد، فلو فرض إمكان بعثه إلى‏ شي‏ء واحد باللفظ مرّتين، فالثاني تأكيد للأوّل.

فما ذكره: من اعتبار عدم تقارن المؤكِّد و المؤكَّد، و اعتبار تقدُّم أحدهما على الآخر في الحمل على التأكيد، أيضاً غير مُستقيم.

الوجه الثاني: ما ذكره الشيخ الأعظم (قدس سره) أيضاً: من أنّه يمكن أن يقال بالتزام‏

____________

(1)- انظر مطارح الأنظار: 179- 180 السطر الأخير.