تنقيح الأصول‏ - ج2

- الشيخ حسين التقوي الاشتهاردي المزيد...
457 /
301

أنّها أسباب لنفس الأفعال لا لأحكامها.

و الاشكال بلزوم الانفكاك يمكن أن يدفع: بالقول بأنّ الجنابة- مثلًا- سبب جعليّ للغُسل، لا عقليّ و لا عاديّ، و معنى السبب الجعليّ هو أنّ لها نحو اقتضاء للغسل في نظر الجاعل، على وجهٍ لو انقدح ذلك في نفوسنا نجزم بالسببيّة، و يكشف عن ذلك قول المولى لعبده: «إذا جاء زيد من السفر فأضفه»، فإنّ للضيافة نحو ارتباط بالمجي‏ء من السفر، فالقول بأنّها ليست أسباباً لنفس الأفعال لا وجه له ... إلى‏ أن قال:

لكن الإنصاف: أنّه- أيضاً- لا يفيد، فإنّ معنى جعليّة السبب ليس إلّا مطلوبيّة المسبَّب عند وجود السبب، و الارتباط المدّعى بين الشرط و الجزاء- من حيث إنّ الجزاء من الأفعال الاختياريّة- معناه: أنّ الشرط منشأ لانتزاع أمر يصحّ جعله غايةً للفعل المذكور (1).

و أجاب المحقّق العراقي (قدس سره) أيضاً بهذا الجواب الذي ذكره‏ (2) أوّلًا؛ غفلةً عن رجوعه عنه بما ذكره.

الوجه الثالث: الذي ذكره- أيضاً- بعد الغضّ عن الوجه الثاني، و حاصله: أنّ مقتضى تأثير كلّ واحد من الشرطين مستقلّاً هو الوجوب المستقلّ، بعد فرض أنّها أسباب للأحكام المتعلِّقة بالأفعال، لا لنفس الأفعال، و إلّا فتأكّد الوجوب في ظرف تكرار الشرط، يستلزم عدم استقلال الشرط في التأثير؛ لبداهة استناد الوجوب المتأكّد إليهما، لا إلى‏ كلّ واحد منهما، و حينئذٍ فمن المعلوم اقتضاء الوجوبين المستقلّين وجودين كذلك، و لازم ذلك- أيضاً- عدم التداخل‏ (3). انتهى.

و الأولى‏ في وجه القول بعدم التداخل ما ذكرها: من أنّه المتبادر إلى الأذهان‏

____________

(1)- مطارح الأنظار: 180 سطر 20.

(2)- مقالات الاصول 1: 142 سطر 2.

(3)- نفس المصدر سطر 10.

302

العرفيّة، و هو كافٍ في إثباته.

هذا كلّه في المقام الأوّل أي ما إذا تعدّد جنس الشرط.

و أمّا المقام الثاني:

- أي ما إذا اتّحد جنس الشرطين، كما لو قال: «إذا بلت فتوضّأ»، فبال المكلّف مرّتين-: فلْيُعلمْ أنّ محطّ البحث في هذا القسم: هو ما إذا احرز أنّ الشرط هو الأفراد الخارجيّة للبول- مثلًا- لا جنس البول و طبيعته، و أنّ معنى «إذا بلت فتوضّأ»: أنّه متى بلت و صدر منك البول في الخارج يجب عليك الوضوء، فيتفرّع عليه البحث في تداخل الأسباب أو المسبّبات؛ إمّا لأجل انحلال القضيّة الشرطيّة إلى‏ ذلك، كما هو مختار المحقّق الميرزا النائيني (قدس سره)(1) أو لغير ذلك.

و أمّا لو فُرض أنّ المؤثّر و الشرط هي طبيعة البول- أو احتُمل ذلك- فلا تصل النوبة إلى هذا البحث؛ لأنّ السبب- حينئذٍ- واحد، هو طبيعة البول و إن تكرّر صدوره منه.

و في الانحلال الذي ذكره المحقّق النائيني (قدس سره) منع و على فرض كون الشرط هو الأفراد الخارجيّة، ففرقٌ بين هذا القسم و بين القسم الأوّل، فإنّه لا منافاة بين إطلاق الصدر و إطلاق الذيل في كلّ واحدة من الشرطيّتين في القسم الأوّل، و إنّما التنافي هو بين الإطلاقات الأربعة في القضيّتين- كما تقدّم- بخلاف هذا القسم، فإنّ إطلاق الشرط يُنافي إطلاق الجزاء في كلّ قضيّة شرطيّة فيه، و أنّ الصدر ظاهر في أنّ كلّ واحد من الأفراد مؤثّر مستقلّ، و هو منافٍ لظهور وحدة الذيل- يعني الجزاء- فيه، و لا إشكال في حكومة ظهور الصدر على ظهور الذيل؛ لأنّه أظهر عرفاً بلا إشكال، و يتفرّع على ذلك القولُ بعدم التداخل. هذا كلّه في تداخل الأسباب.

____________

(1)- فوائد الاصول 2: 494.

303

و أمّا الكلام حول التداخل في المسبّبات:

بعد فرض كون كلّ واحد من الشرطين مؤثّراً مستقلًا، و أنّ أثر كلٍّ منهما غير أثر الأوّل، فهل يستلزم تعدُّدَ الجزاء- و تكرُّره بحسب العمل- حسب تعدُّد الشرط و تكرُّره، أو لا، بل يكفي إيجاد فرد واحد من الجزاء، الذي يعبَّر عنه بتداخل المسبَّبات؟

فقال الشيخ (قدس سره): إنّ تداخل المسبَّبات- بمعنى‏ كفاية إيجاد فرد واحد من الجزاء مع وجوب المتعدِّد عليه- ممتنع، بعد فرض أنّ كلّ واحد من الشرطين علّة تامّة، و أنّ معلول كلّ واحد منهما غير معلول الآخر، فلا يمكن التعبُّد بدليل خاصّ على كفايته؛ لامتناعه، و على فرض ورود دليل خاصّ عليه، فلا بدّ إمّا من رفع اليد عن الدعوى الاولى التي ذكرها العلّامة (1)؛ أي عن العلّيّة التامّة لكلّ واحد من الشرطين، و إمّا عن الثانية؛ أي تغاير أثر كلّ واحد من الشرطين‏ (2). انتهى محصّله.

أقول: فيه أنّه إن جُعل الجزاء هو الفردَ الخارجيّ، و أنّ البول- مثلًا- علّة تامّة لوجود فرد خارجيّ من الوضوء- مثلًا- و كذلك النوم، فما ذكره صحيح، لكن قد عرفت عدم تعلّق الأوامر و النواهي بالخارج؛ لامتناعه، و لا يلتزم به الشيخ (قدس سره) أيضاً.

و إن جُعل الجزاء عنواناً كلّيّاً، كالعنوان الكلي للوضوء في قوله: «إذا بلت فتوضّأ»، غير العنوان الكلي منه في قوله: «إذا نمت فتوضّأ»، و التغاير بين العنوانين لا بدّ أن يكون بالقيد، و القيود مختلفة، فإن قُيِّد أحدهما بقيد مضادّ للآخر، و لم يمكن اجتماعهما في مقام الثبوت و نفس الأمر كالسواد و البياض، فالأمر كما ذكره (قدس سره) من امتناع تداخل المسبّبات، فلا يكفي الوضوء مرّة واحدة- في المثال- في امتثال الأمرين.

____________

(1)- تقدّم تخريجه قريباً.

(2)- مطارح الأنظار: 180.

304

و إن قُيّد كلٌّ منهما بقيد مُخالف للآخر، و يمكن اجتماعهما في واحد، كالبياض و الزنجيّ- مثلًا- فمقتضى القاعدة كفاية الإتيان بمجمع العنوانين في امتثال الأمرين، بل احتمال ذلك كافٍ في الحكم بإمكان تداخلهما؛ لأنّ الحكم بالامتناع يحتاج إلى‏ إثبات أنّ بين القيدين تضادّ، و إلى دليل و برهان عليه، و إلّا فمجرّد احتمال التضادّ بينهما لا يكفي في الحكم بالامتناع. هذا في مقام الثبوت.

و أمّا في مقام الإثبات: فمقتضى القاعدة هو عدم تداخل المسبَّبات، و الحكم بالاشتغال و لزوم الإتيان بالجزاء مرّتين أو أزيد حسب تعدُّد وجود الشرط، إلّا أن يدلّ دليل على كفاية الإتيان به مرّة واحدة، كما قيل في الأغسال: إنّها كذلك، فمع عدم التداخل في أسبابها تتداخل مسبّباتها (1).

خاتمة:

تعرّض بعضهم في المقام إلى ما لا يخلو إيراده عن الفائدة في الفقه و هو أنّه يعتبر في المفهومِ القيودُ المأخوذة في المنطوق في جانب الموضوع و الحكم، فإذا قيل: «إن جاءك زيد يوم الجمعة قبل الزوال فأكرمه بالضيافة»- مثلًا- فمفهومه انتفاء سنخ هذا الحكم إذا لم يجي‏ء يوم الجمعة قبل الزوال، فبانتفاء أيّ قيد منها ينتفي الحكم‏ (2)، و هذا ممّا لا إشكال فيه.

و كذا لا إشكال فيما لو قُيّد بالكلّ المجموعي فإنّ مفهوم قوله: «إذا جاءك زيد فأكرم مجموع العلماء»، هو انتفاء وجوب إكرام مجموعهم عند انتفاء مجي‏ء زيد.

و إنّما الإشكال فيما لو قُيِّد بالكلّ الاستغراقيّ، كما لو قيل: «إن جاءك زيد فأكرم‏

____________

(1)- مطارح الأنظار: 180- 181.

(2)- درر الفوائد: 197، و فوائد الاصول 2: 485، و مقالات الاصول 1: 139- 140 سطر 13.

305

كلّ العلماء»، و مثل قوله (عليه السلام): «إذا بلغ الماءُ قدرَ كُرٍّ لم يُنجِّسه شي‏ء» (1)؛ لأنّ النكرة في سياق النفي تُفيد العموم، فاختلفوا في أنّه هل يعتبر هذا القيد في المفهوم أيضاً، و أنّ المفهوم في المثال الأوّل: «أنّه إذا لم يجئكَ زيد فلا يجب إكرام كلّ العلماء»؛ بنحو عموم السلب، و في المثال الثاني: «إذا لم يبلغ الماء قدر كُرّ ينجِّسه كلّ واحد من النجاسات»، أو أنّه لا يُعتبر هذا القيد في جانب المفهوم، فالمفهوم في المثال الأوّل: «لا يجب إكرام جميع العلماء»؛ بنحو سلب العموم، و في المثال الثاني: «ينجِّسه شي‏ء»، كما اختاره المحقّق صاحب الحاشية على «المعالم» (2) و جمع آخر (3)؟ قولان.

قال الشيخ الأعظم (قدس سره) ما حاصله: إنّه إن اخذ «شي‏ء» في «لم ينجِّسه شي‏ء» بنحو الآليّة و المرآتيّة لعناوين النجاسات الواقعيّة، فكأنّه قال: «لم ينجّسه الدم و الميتة ...» إلخ، فيعتبر هذا في المفهوم أيضاً، فالمفهوم- حينئذٍ-: «إذا لم يبلغ الماء قدر كُرٍّ ينجّسه كلّ واحد من النجاسات»، و إن اخذ بنحو الاستقلاليّة- أي المنظور فيه لا به- فالحقّ هو ما اختاره صاحب الحاشية على «المعالم»: من عدم اعتبار هذا القيد في جانب المفهوم.

و لكنّه (قدس سره) استظهر الأوّل، ثمّ قال: و أمّا ما ذكره المنطقيّون من أنّ نقيض الموجبة الكلّيّة سالبة جزئيّة، فإنّما هو بلحاظ أنّهم أخذوا لازم القضايا و القدر المتيقَّن من نقائضها، المطّرد في جميع الموارد، و إلّا فالظاهر من اللفظ أنّ نقيض الكلّية هي الكلّية، فلا ينافي ما استظهرناه. انتهى ملخّص كلامه (قدس سره)(4).

أقول: و فيه: أوّلًا: أنّ الشي‏ء في الرواية اخذ بنحو الاستقلاليّة، لا الآليّة

____________

(1)- مختلف الشيعة 1: 186.

(2)- هداية المسترشدين: 291 سطر 33.

(3)- نهاية الاصول 1: 280.

(4)- مطارح الأنظار: 174 سطر 22.

306

و المرآتيّة لعناوين النجاسات، كما هو المتبادِر منها عرفاً، لكن من المعلوم أنّ المراد منه هو أحد النجاسات، لا بنحوٍ اخذ قيداً مقدَّراً في الكلام، بل هو كناية عنها.

و ثانياً: سلّمنا أنّه اخذ بنحو المرآتيّة لعناوين النجاسات، لكن ليس مفهوم السالبة موجبة؛ ليصير مفهوم ذلك: «إذا لم يبلغ قدر كرّ ينجِّسه شي‏ء»، بل المفهوم- كما صرّحوا به- انتفاء سنخ الحكم الثابت عند ثبوت الشرط، فمفهومه: «الماء إذا لم يبلغ قدر كُرٍّ ليس هو بأن لا ينجّسه كلّ شي‏ء» على فرض اعتبار القيد في ظرف المفهوم، كما استظهره (قدس سره) غاية الأمر أنّه يلزمه قضيّة موجبة: و هي «أنّه إذا لم يبلغ قدر كُرٍّ يُنجِّسه شي‏ء».

و بعبارة اخرى‏: مفهوم «إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه كلّ واحد من النجاسات من الدم و الميتة و غيرهما»-: هو أنّه «إذا لم يبلغ قدر كرّ فهو ليس بحيث لا ينجّسه كلّ واحد من الدم و الميتة و غيرهما»، و لازمه العقليّ هو تنجُّسه بشي‏ء من المذكورات بنحو الإهمال و الإجمال، و حينئذٍ فالقول: بأنّ المفهوم للقضيّة هو نقيضها، غيرُ صحيح؛ لما عرفت من أنّ المفهوم انتفاء سنخ الحكم الثابت في المنطوق على تقدير ثبوت الشرط؛ سواء كانت القضيّة موجبة أم سالبة، فمفهوم السالبة سلب السلب، و هو غير الإيجاب، كما عرفت.

307

الفصل الثاني في مفهوم الوصف‏

و أنّه هل للوصف مفهوم؛ بحيث يُعارض التصريح بخلافه، أو لا؟

و لنقدّم أمرين:

الأمر الأوّل:

أنّ محطّ البحث في مفهوم الوصف أعمّ من المعتمِد على الموصوف- مثل: «أكرم الإنسان العالم»- و غيره؛ بأن يذكر الوصف و الموصوف بلفظ واحد؛ مثل: «أكرم العالم».

و توهّم: أنّ محطّ البحث هو القسم الأوّل فقط، و أنّه لو كان الغيرُ المعتمِد- أيضاً- محلَّ البحث، و أنّ لقولنا: «أكرم العالم»- أيضاً- مفهوم، للزم أن يكون مفهوم اللقب- أيضاً- محلّ الكلام، و لَزِم ثبوت المفهوم له- أيضاً- و أنّ مفهوم «أكرم الإنسان» هو عدم وجوب إكرام الحيوان، مع أنّه كما ترى‏ (1).

مدفوع: بأنّه إن اريد أنّ القسم الثاني ليس محلَّ الكلام و محطَّ بحث الاصوليّين‏

____________

(1)- فوائد الاصول 2: 501.

308

و نزاعهم، فهو واضح الفساد؛ ضرورة وقوع البحث بينهم فيه، و صرّح الشيخ (قدس سره) في التقريرات‏ (1) و صاحب الفصول‏ (2) 0 بذلك.

مضافاً إلى أنّ منشأ وقوع النزاع هو من هذا القبيل حيث فَهِم أبو عبيدة (3) من قوله (عليه السلام):

(لَيُّ الواجِدِ يُحلّ عرضه و عقوبته)

(4) و

(مَطْل الغنيّ ظلم)

(5) أنّ لَيّ غير الواجد لا يُحِلّ عقوبته، و مطل غير الغنيّ ليس بظلم، مع أنّ الواجد و الغنيّ وصفان غير معتمدين على الموصوف في الرواية.

و إن اريد أنّه لا ينبغي البحث فيه فله وجه.

و أمّا قوله: و إلّا يلزم أن يقع مفهوم اللقب- أيضاً- مورداً للبحث، ففيه: أنّ مفهوم اللقب- أيضاً- محلّ للبحث، غاية الأمر أنّه بحث ضعيف.

و بالجملة: لا إشكال في أنّ البحث يعمّ القسمين.

الأمر الثاني:

إنّ الوصف و الموصوف: إمّا متساويان، كالإنسان الضاحك، أو الوصف أعمّ مطلقاً من الموصوف، كالإنسان الماشي، أو بالعكس، كالإنسان العالم، أو بينهما عموم من وجه، فهل يعمّ البحث جميع الأقسام، أو لا؟

الظاهر أنّ محلّ البحث هو ما إذا كان الموصوف أعمَّ مطلقاً من الوصف، أو أعمّ من وجه، لكن في خصوص مادّة افتراق الموصوف عن الصفة لا غير؛ لأنّه يشترط في باب المفهوم إحراز وجود الموضوع- الذي جعل موضوعاً في المنطوق مع الوصف-

____________

(1)- مطارح الأنظار: 182 سطر 11.

(2)- الفصول الغروية: 151 سطر 35.

(3)- ذكره في القوانين 1 في ضمن حجّة المثبتين: 178 سطر 12، و نسب هذا القول في شرح العضدي إلى أبي عبيد: 311.

(4)- مسند أحمد بن حنبل: 222، سنن ابن ماجة 2: 811 ح 2427، سنن النسائي 7: 316.

(5)- سنن النسائي 7: 317، صحيح مسلم 3: 383 ح 33.

309

عارياً عن الوصف في جانب المفهوم، و هذا إنّما يتحقّق في القسمين المذكورين.

و بعبارة اخرى‏: المفهوم عبارة عن انتفاء سنخ الحكم الثابت لموضوعٍ موصوفٍ بصفة عن نفس هذا الموضوع بعينه بدون الصفة، و لا يتحقّق ذلك فيما إذا كان الوصفُ أعمَّ من موصوفه و في مادّة افتراق الصفة عن الموصوف في العامّين من وجه و كذا في المتساويين؛ لعدم احراز الموضوع مع انتفاء الصفة فيها؛ حتّى يحكم بانتفاء سنخ الحكم عنه، و انتفاء سنخ الحكم عن موضوع آخر ليس من باب مفهوم الوصف، و تعليق الحكم على موضوع موصوف بصفة لا يدلّ على انتفائه عن موضوع آخر.

و أمّا ما ذكره بعض الشافعيّة: من أنّ قوله (عليه السلام):

(في الغنم السائمة زكاة)

(1)، يدلّ على وجوب الزكاة في الإبل المعلوفة (2)، فيمكن أن يقال: إنّ ذلك لأجل قيام قرينة خارجيّة عليه، مضافاً إلى أنّه غلط و فاسد قطعاً لو أراد أنّ تلك الدلالة من جهة المفهوم.

و كذلك ما ذكره صاحب الكفاية (قدس سره) من أنّه على فرض استفادة العِلّيّة المنحصرة للوصف يشمل النزاع المتساويين‏ (3) أيضاً، و الظاهر أنّه سهوٌ من قلمه الشريف، فإنّه لا يتوهّم أحد أنّ مثل: «أكرم الإنسان الضاحك» يدلّ بحسب المفهوم على جعل حكم سلبيّ على موضوع آخر، كالحيوان الغير الضاحك.

دليل ثبوت مفهوم الوصف‏

إذا عرفت ذلك فنقول: مقتضى ما ذكروه في مفهوم الشرط- من أنّ قضيّة إطلاق الشرط أو الجزاء هو أنّ الشرط علّة منحصرة للجزاء- هو ثبوت المفهوم‏

____________

(1)- عوالي اللآلي 1: 399 ح 50.

(2)- المنخول للغزالي: 222.

(3)- كفاية الاصول: 245.

310

للوصف- أيضاً- لإمكان أن يقال فيه: إنّ مقتضى إطلاق الموضوع ك «الإنسان العالم» في «أكرم الإنسان العالم»، هو أنّه تمام الموضوع لوجوب الإكرام، فلو كان لقيدٍ آخر دخلًا في ثبوت الحكم لزم عليه البيان، و حيث إنّه لم يبيِّن يُعلم أنّه تمام الموضوع له.

ثمّ إنّه يستفاد من الإطلاق أمر آخر أيضاً: و هو أنّه لا عِدْل لذلك الموضوع ينوب منابه في ترتُّب ذلك الحكم عليه، و إلّا لزم عليه البيان، و حيث إنّه لم يُبيِّنه يُعلم أنّ الموضوع لذلك الحكم منحصر بذلك، فيفيد سلبَ سِنْخ هذا الحكم عن الموصوف بدون الصفة، كالإنسان الجاهل في المثال.

لكن فيه: أنّك قد عرفت أنّ ما ذكروه- من أنّ مقتضى الإطلاق هو أنّه تمام الموضوع- مُسلّم، و أمّا استفادة الانحصار من الإطلاق فهي ممنوعة؛ لأنّ ثبوت الحكم للموصوف بهذه الصفة، مع انتفاء الصفة و طُروّ وصف آخر عليه، لا يُنافي الإطلاق، كما مرّ تفصيله.

و استدلّ بعضهم لإثبات مفهوم الوصف: بأنّ الأصل في القيد أن يكون احترازياً، و مقتضى ذلك هو ثبوت المفهوم له، و أنّ الظاهر أنّ لعنوان الوصف بخصوصه دَخْلًا في ثبوت الحكم، و عدمُ وصفٍ آخر ينوب منابه فيه، و إلّا يلزم أن يصدر الواحد من اثنين، و لا يصدر الواحد إلّا من الواحد، و القول بأنّ الجامع بين الوصفين هو المؤثّر خلاف ظاهر الكلام؛ حيث إنّ الظاهر أنّ الوصف بعنوانه الخاصّ ممّا يترتّب عليه الحكم‏ (1). انتهى.

و فيه: أوّلًا: أنّه ليس فيما نحن فيه صدور و صادر، و ليس الحكم صادراً من الموضوع؛ كي يقال: الواحد لا يصدر إلّا من الواحد، مضافاً إلى‏ أنّ القاعدة إنّما هي في موارد خاصّة، لا كلّ مورد فيه صدور و صادر، كما مرّ مراراً.

و ثانياً: لو أغمضنا عن ذلك لكن القاعدة المذكورة عقليّة، و البحث فيما نحن فيه‏

____________

(1)- انظر نهاية الدراية 1: 330 سطر 10.

311

عرفيّ، و المرجع فيه العرف و العقلاء، لا العقل.

ثمّ إنّ معنى احترازيّة القيد: هو أنّ له دَخْلًا في الحكم، في قبال التوضيحيّ منه الذي ليس له دخل فيه، و ليس معناها أنّه لا يخلفه قيد آخر في ترتُّب الحكم عليه.

و أمّا دعوى التبادر أو الانصراف في باب مفهوم الوصف فالإنصاف أنّها جزافيّة، و أمّا فهم أبو عبيدة (1) من قوله (عليه السلام): (لَيُّ الواجد يُحِلّ عقوبته) (2) و نحوه، فيمكن استفادته من قرينة حاليّة أو مقاليّة، مضافاً إلى أنّ فهمه ليس حُجّة علينا، فإنّا لا نفهم ذلك في عرفنا و لساننا، و لا يمكن الاختلاف في ذلك بين الألسنة.

و أمّا توهّم بعضهم: أنّ حمل المطلق على المقيّد في المثبتين- مثل: «أعتق رقبة» و «أعتق رقبة مؤمنة»- إنّما هو لأجل مفهوم الوصف‏ (3).

ففيه: أنّه سيجي‏ء- إن شاء اللَّه- في باب المطلق و المقيّد: أنّه ليس كذلك، بل هو لأجل أنّه جمع عرفيّ بينهما، و أنّ العرف و العقلاء يفهمون منه أنّ المراد من المطلق هو المقيّد، و لم يُرد غيره، كما في «الكفاية» (4).

____________

(1)- تقدّم تخريجه.

(2)- تقدّم تخريجه.

(3)- نسبه الى البهائي في مطارح الأنظار: 183 سطر 2.

(4)- كفاية الاصول: 244.

312

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

313

الفصل الثالث في مفهوم الغاية

هل الحكم المُغيّا بغاية يدلّ على انتفائه عمّا بعد الغاية، بناءً على دخول الغاية في المغيّا، أو عنها و ما بعدها؛ بناءً على خروجها؛ بحيث يعارض ما لو صرّح بثبوت الحكم لما بعدها أو لا؟ فيه خلاف‏ (1).

و الحقّ هو التفصيل- كما اختاره كثير (2) منهم- بأنّه لو جعلت الغاية قيداً للموضوع- بأن لاحظ الآمر الموضوع مقيّداً بغاية، كالسير المقيّد إلى الكوفة، و علّق عليه الحكم- فلا مفهوم لها، و لا تدلّ- حينئذٍ- على انتفاء سِنْخ الحكم عمّا بعدها، حتّى أنّه لو صرّح بثبوته لما بعدها لم يناقض الحكم الأوّل، فهو مثل مفهوم الوصف.

بل ذكر الشيخ الأعظم (قدس سره): أنّه ليس المراد بالوصف النعت الاصطلاحي، بل يشمل مثل الحال و التمييز (3)، فتشمل الصفةُ بهذا المعنى الغاية التي اخذت قيداً للموضوع، فإذا لم يكن للوصف مفهوم فالغاية كذلك أيضاً، بل مفهوم الغاية أضعف‏

____________

(1)- مطارح الأنظار: 185- 186 سطر 33.

(2)- كفاية الاصول: 246، درر الفوائد: 204.

(3)- انظر مطارح الأنظار: 168.

314

من مفهوم الوصف.

و إن كانت الغاية غاية للحكم فتدلّ على انتفاء سنخ الحكم عمّا بعد الغاية؛ بحيث لو صرّح بثبوته لما بعدها لناقضها.

و قد ذكروا لبيان ذلك تقريبات، أوجهها ما ذكره في «الدرر»، و حاصله: أنّه قد ثبت في محلّه: أنّ الهيئة في الأوامر موضوعة للطلب الحقيقي و طبيعة الطلب، و المفروض أنّه قُيِّد الطلب الحقيقي بغاية معيّنة، مثل: «اجلس إلى الظهر»، فحقيقة وجوب الجلوس إنّما هي إلى الظهر، و يلزم ذلك انتفاء الوجوب بعد الظهر، و إلّا يلزم عدم ما جعل غاية بغاية (1).

لكنّه (قدس سره) عدل عن ذلك في أواخر عمره الشريف، و قال ما حاصله: إنّ ما ذكرناه من البيان لإثبات مفهوم الغاية لا يفي لإثباته؛ لأنّه لا ريب في أنّ لكلّ حكم علّةً و سبباً يمتنع الحكم بدونه، فإنْ فُرض أنّ وجوب الجلوس إلى الظهر معلول لعلّة مُنحصرة له دلّ ذلك على المفهوم، و أمّا إذا فُرض أنّها ليست بمنحصرة فلا تدلّ عليه؛ و ذلك لأنّ المعلول لكلّ علّة لا مطلقٌ بالنسبة إلى العلّة، و لا مقيَّد بها، لكن له ضيق ذاتيّ بها، و لا يمكن أن يكون أوسع من علّته و بالعكس.

و بالجملة: لا بدّ في ثبوت المفهوم للغاية من إحراز أنّ علّة الحكم منحصرة، و أمّا بدونه فلا مفهوم‏ (2) لها، انتهى.

أقول: لو سلّمنا: أنّ هيئة الأمر موضوعة لحقيقة الطلب و طبيعته، فالحقّ هو ما ذكره أوّلًا من ثبوت المفهوم للغاية؛ لأنّه لا ريب في أنّ الحكم المُغيّا بغاية، ظاهر عرفاً في انتفائه عمّا بعدها، و هذا الظهور العرفيّ ممّا لا ريب فيه، و حينئذٍ فإن قلنا: إنّ الأحكام الشرعيّة مُسبَّبات عن أسباب و علل موجبة لها، و أنّ العرف و العقلاء

____________

(1)- درر الفوائد: 204.

(2)- الظاهر أنه مستفاد من مجلس بحثه الشريف.

315

- أيضاً- يُدركون ذلك كشف هذا الظهور عن أنّ العلّة منحصرة.

و إن قلنا: إنّهم لا يُدركون ذلك فلا مصادم لهذا الظهور أيضاً. و على أيّ تقدير فالظهور العرفي باقٍ بحاله، و لا مصادم له، و هو كافٍ في المقام.

و كأنّه (قدس سره) زعم أنّ المفهوم في باب الغاية مثل المفهوم للشرط؛ في أنّه ناشٍ عن العِلّيّة المُنحصرة للشرط أو الموضوع، لكن ليس كذلك، فإنّ استفادة العِلّيّة المُنحصرة و المفهوم من الشرطيّة، إنّما هو لأجل أنّها موضوعة لذلك، أو لاقتضاء الإطلاق لهما، بخلاف ما نحن فيه، فإنّ استفادة المفهوم إنّما هي لأجل الظهور العرفي في ذلك.

هذا لو قلنا بأنّ هيئات الأوامر موضوعة لحقيقة الطلب، لكنّه ممنوع؛ لما عرفت في المعاني الحرفية [من‏] أنّها جزئيّة دائماً، و أنّ هيئات الأوامر موضوعة لإيقاع البعث و إيجاده، كما أنّ أحرف النداء موضوعة لإيقاع النداء و إيجاده، فهي موضوعة لمعنىً جزئيّ؛ أي ما يصدق عليه إيجاد النداء، و ليست مثل المعاني الاسميّة في أنّ لها معنىً كلّيّاً و معنىً جزئيّاً، بل معانيها جزئيّة دائماً، و لكن يكفي في ثبوت المفهوم للغاية انتزاع الوجوب- بلا قيد الكلّيّة و الجزئيّة عرفاً- من إيجاد البعث في الخارج، فيقولون: إنّه أوجب الجلوس إلى الظهر- مثلًا- فيدلّ على أنّه لا وجوب للجلوس بعد الظهر، بدون أن يتفطّن و يستشعر أنّ معنى الهيئة جزئيّ، و هو كافٍ في ثبوت المفهوم.

بحث: في دخول الغاية في حكم المُغيّا

ثمّ إنّ هنا بحثاً آخر: و هو أنّ الغاية نفسها هل هي داخلة في حكم ما قبلها أو خارجة عنه؟

و محطّ البحث في ذلك: إنّما هو في الغاية التي لها استمرار وجود، و أنّ المراد بالغاية هنا هو مدخول «حتّى» أو «إلى‏» لا بمعنى‏ النهاية؛ لأنّ البحثَ عن أنّ غاية الجسم و نهايته هل هو جسم أو لا؟ بحثٌ فلسفيّ، أو ليس من المسائل الاصوليّة.

316

و كذلك لا معنى للبحث عن معناها العرفي: أنّها داخلة في حكم ما قبلها، أو لا، بل المراد هو مدخول «حتّى» أو «إلى‏» في ما له استمرار وجود، ك «الكوفة» في «سرت من البصرة إلى‏ الكوفة».

أمّا الغاية التي هي أمر بسيط، مثل الفصل المشترك، كالآن الفاصل بين الليل و النهار، فلا معنى للبحث عنه- أيضاً- لأنّه أمر اعتباريّ يمكن اعتباره جزءاً من الليل أو النهار، كالنقطة بالنسبة إلى الخطّ، و الخطّ بالنسبة إلى السطح، و السطح بالنسبة إلى الجسم.

إذا عرفت هذا نقول: ادّعى بعضهم الإجماع على دخول ما بعد «حتّى» في حكم ما قبلها، نحو: «أكلت السمكة حتّى رأسها»، و عدم دخول ما بعد «إلى‏» فيه‏ (1).

و فصّل في «الدرر» بين ما إذا جعلت الغاية قيداً للفعل، و بين ما لو جعلت قيداً للحكم؛ بدخولها و ما بعدها في حكم ما قبلها في الأوّل، مثل «سرت من البصرة إلى‏ الكوفة»؛ لأنّه المتبادِر منه عرفاً، فلا بدّ من سيرة مقداراً من الكوفة حتّى يصدق ذلك، بخلاف القسم الثاني، فإنّ الحكم إذا جُعل مغيّا بغاية فمعناه: أنّ الحكم مستمرّ إلى‏ ذلك، و إلّا يلزم عدم كون ما جُعل غايةً بغايةٍ (2).

و قال في «الكفاية»: إنّ هذا البحث إنّما هو فيما إذا جُعلت الغاية غاية للموضوع و المتعلّق، دون ما إذا جُعلت قيداً للحكم‏ (3)، و لكنّه عدل عن ذلك في الحاشية إلى أنّه يمكن تصوُّر النزاع فيما إذا جعلت قيداً للفعل أيضاً (4).

قلت: التحقيق هو خروج الغاية عن حكم ما قبلها مطلقاً.

____________

(1)- نسبه ابن هشام إلى شهاب الدين القرافي، مغني اللبيب: 65 سطر 16.

(2)- درر الفوائد: 205.

(3)- انظر كفاية الاصول: 247.

(4)- نفس المصدر.

317

و الدليل على ذلك: هو الفهم العرفي، فإنّه لا إشكال في تحقُّق الامتثال في «سرْ من البصرة إلى الكوفة» إذا سار حتّى انتهى إلى ظهر الكوفة من دون أن يدخلها، و لا دليل لنا و لا لهم في المقام سوى الفهم العرفي.

و أمّا ما أفاده في «الدرر»- من دخولها و ما بعدها في حكم ما قبلها إذا جعلت قيداً للفعل للانفهام العرفي- فهو ممنوع.

و أمّا دعوى الإجماع على دخولها في «حتّى» دون «إلى‏»، ففيه: أنّه وقع الخلط بين «حتّى» العاطفة و «حتّى» التي للغاية في المقام، فإنّ «حتّى» في «أكلت السمكةَ حتّى رأسها» عاطفةٌ، و المراد أنّه أكل تمام السمكة، لا أنّه ابتدأ في الأكل من ذَنَبها حتّى وصل إلى‏ رأسها، كما ذكر ذلك ابن هشام‏ (1).

____________

(1)- انظر مغني اللبيب: 65.

318

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

319

الفصل الرابع في مفهوم الاستثناء

اختلفوا في أنّ الاستثناء: هل يدلّ على اختصاص الحكم إيجاباً و سلباً بالمستثنى منه و نفيه عن المستثنى، أو لا، بل هو مسكوت عنه؟

الحقّ: هو الأوّل، و لذا قالوا: الاستثناء من الإثبات نفي و من النفي إثبات‏ (1)، خلافاً لأبي حنيفة (2)، حيث احتجّ بقوله (عليه السلام):

(لا صلاة إلّا بطهور)

(3)؛ لأنّه لو كان الاستثناء من النفي إثباتاً، لزم صحّة الصلاة مع الطهور و لو فقدت سائر الشرائط، أو مع الموانع.

و اجيب عن ذلك:

أوّلًا: بأنّ المراد من مثله: أنّ الصلاة الواجدة لجميع الشرائط، الفاقدة لجميع الموانع، لا تقع صحيحة إلّا مع الطهور، و بدون الطهارة ليست بصلاةٍ أو صلاةٍ مأمور بها (4).

____________

(1)- انظر مطارح الأنظار: 187 سطر 23، كفاية الاصول: 247، درر الفوائد: 206.

(2)- انظر شرح مختصر الاصول للعضدي: 265.

(3)- عوالي اللآلي 3: 8 ح 1، الفقيه 1: 22 ح 1 باب وقت وجوب الطهور.

(4)- انظر مطارح الأنظار: 187 سطر 28، و كفاية الاصول: 247- 248، و درر الفوائد: 206.

320

و ثانياً: محلّ الكلام فيما لو تجرّد الكلام عن القرائن، و القرينة فيما ذكره موجودة، مضافاً إلى‏ أنّ الرواية في مقام بيان شرطيّة الطهارة للصلاة، مع قطع النظر عن سائر الشرائط و الموانع‏ (1)، كما لا يخفى‏.

و استدلّوا على أنّ الاستثناء من النفي إثبات بقبول رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله و سلم)(2) إسلام من قال: «لا إله إلّا الله»، فلو لا أنّ الاستثناء من النفي إثبات لما قبل ذلك بمجرّد التلفُّظ بذلك‏ (3).

و أوردوا على دلالتها على التوحيد: بأنّه لا بدّ فيها من خبر مقدّر للفظة «لا» النافية للجنس، و هو إمّا لفظ «ممكن»، أو «موجود»، و على أيّ تقدير لا تدلّ على التوحيد:

أمّا على الأوّل: فلأنّها- حينئذٍ- تدلّ على إمكان وجوده تعالى‏، لا على وجوده، و إن دلّت على عدم إمكان غيره.

و أمّا على الثاني: فلأنّها و إن دلّت- حينئذٍ- على وجوده تعالى‏، لكن لا تدلّ على عدم إمكان غيره تعالى‏، بل تدلّ على عدم وجود غيره تعالى‏ فقط (4).

و اجيب عنه:

تارةً: بأنّ الإشكال مردود على كلا التقديرين؛ لأنّ المراد من اللَّه هو واجب الوجود، و مع تقدير «ممكن» في خبرها تدلّ على إمكانه تعالى و عدم إمكان غيره، و إمكانه تعالى‏ ملازم لوجوده؛ للملازمة بين إمكان وجوده و وجوده.

و على فرض تقدير «موجود» تدلّ على عدم وجود غيره تعالى‏، و عدم وجود

____________

(1)- انظر كفاية الاصول: 248.

(2)- سنن البيهقي 9: 182 كتاب الجزية باب من لا تؤخذ من أهل الأوثان.

(3)- مطارح الأنظار: 187 سطر 29 قرره.

(4)- قرّره في درر الفوائد: 207 و كفاية الاصول: 248.

321

غيره ملازم لامتناعه؛ لأنّه لو أمكن لوُجد (1).

و تارة اخرى‏: بأنّها تدلّ على التوحيد بضميمة أنّ كلّ مولود يولد على الفطرة الإسلاميّة، كما عن الشيخ (قدس سره) على ما في التقريرات‏ (2).

و ثالثة: بأنّه لا احتياج إلى تقدير خبر، بل هي بلا خبر، و المعنى‏: لا نقرّ بالأُلوهيّة لإله إلّا الله‏ (3).

و الأولى‏ في دفع الإشكال أن يقال: حيث إنّ العرب و الأعراب كانوا على قسمين و طائفتين: طائفة منهم المشركون القائلون بتعدُّد الآلهة، و طائفة اخرى‏ قائلون بالتوحيد المعتقدون به، فمن نطق منهم بهذه الكلمة يُعلم أنّه من الطائفة الثانية المعتقدة بالتوحيد، و لذلك كان رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) يقبل إسلام من تلفّظ بها.

و أمّا الأجوبة المذكورة فغير مستقيمة؛ لعدم إدراك العوامّ و الأعراب هذه المعاني الدقيقة و المطالب العقليّة و العرفانيّة، كما لا يخفى‏.

____________

(1)- انظر كفاية الاصول: 248.

(2)- انظر مطارح الأنظار: 188 سطر 7.

(3)- انظر فوائد الاصول 2: 509.

322

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

323

المطلب الرابع العامّ و الخاصّ و فيه فصول:

324

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

325

الفصل الأوّل تعريف العامّ‏

عُرِّف العامّ بتعاريف كثيرة مذكورة في الكتب المطوّلة (1)، مع الإشكالات التي أوردوها عليها من النقض و الإبرام، و لم يتعرّض في «الكفاية» (2) لها؛ لأنّها تعاريف لفظيّة، و هو كذلك، فالأولى عدم التعرُّض لها.

و لكن القدر المعلوم: هو أنّ في كلمات العرب ألفاظاً موضوعة للطبائع المجرّدة، كلفظ «الإنسان» لطبيعته، و الطبيعة و اللفظ الموضوع لها و إن تصدق على الأفراد الخارجيّة من الإنسان- مثلًا- لكن يستحيل حكايتها عنها بخصوصيّاتها؛ لأنّ المفروض أنّ اللفظ موضوع لنفس الطبيعة لا بشرط، فلا يحكي إلّا عمّا هو الموضوع لها بلا زيادة عنه، و كذلك نفس الطبيعة.

و فيها ألفاظ- أيضاً- موضوعة للكثرة، مثل «كلّ» و «جميع» و نحوهما في سائر

____________

(1)- هداية المسترشدين: 339- 341 سطر 9، الفصول الغروية: 158- 159 سطر 24، غاية المسئول: 359- 362 سطر 8.

(2)- كفاية الاصول: 252.

326

اللغات موضوعة لمعنى‏ الكثرة، فإذا دخل هذا اللفظ على اللفظ الموضوع لنفسِ الطبيعة أو لعنوانٍ من عناوين المشتقّات، و قيل: «كلّ إنسان» أو «كلّ عالم» يُفهم منه كلّ فردٍ فردٍ من أفراد الإنسان، و حينئذٍ فالعامّ هو اللفظ الدالّ على الكثرة كلفظ «كلّ» و ما يرادفه من سائر اللغات.

327

الفصل الثاني الفرق بين بحث العامّ و المطلق‏

جعل بعض أهل الفنّ العامّ على قسمين: أحدهما ما هو موضوع للكثرة و الشمول، و الثاني ما ليس كذلك، بل يستفاد العموم منه من الإطلاقات و مقدّمات الحكمة.

ثمّ قال: إنّ المقصود هنا البحث عن القسم الأوّل، و أمّا القسم الثاني فالكلام فيه موكول إلى‏ باب المطلق و المقيّد.

و هكذا صنع في «الدرر» (1) و المحقّق الميرزا النائيني على ما في التقريرات‏ (2).

و لكن فيه ما لا يخفى، فإنّه لا ارتباط بين المطلق و العامّ و لا بين مسائلهما؛ لأنّ العامّ كما عرفت هو الموضوع للكثرة، و أنّ معنى «كلّ إنسان» كلّ فرد من طبيعة الإنسان، و المطلق موضوع لنفس الطبيعة لا بشرط، لكن إذا كان المتكلّم في مقام البيان، و جعَل نفس الطبيعة موضوعة لحكمه بدون أن يقيّدها بقيد، و المفروض أنّه‏

____________

(1)- درر الفوائد: 210.

(2)- فوائد الاصول 2: 511.

328

عاقل مختار حكيم، يُستكشف منه أنّ تمام الموضوع لحكمه هي نفس الطبيعة.

و بالجملة: المتكلّم بالعامّ متعرّض للأفراد بخصوصيّاتها بالدلالة اللفظيّة، بخلاف المتكلّم بالمطلق، فإنّه لا تعرّض له لخصوصيّات الأفراد بالدلالة اللفظيّة، بل لنفس الطبيعة مجرّدةً، و الإطلاق ليس من الدلالات اللفظيّة، كما أشرنا إليه سابقاً، و سيجي‏ء في باب المطلق و المقيّد إن شاء اللَّه.

329

الفصل الثالث هل يحتاج في دلالة ألفاظ العموم عليه إلى‏ مقدّمات الحكمة في مدخولها أو لا؟

قد يقال: إنّ دلالة جميع العمومات على العموم، إنّما هو بمعونة مقدّمات الحكمة في مدخول ألفاظها، و بدونها لا تفيد العموم‏ (1). و قد وقع في «الدرر» (2) في دفع هذا القول في حيص بيص.

و الحقّ: أنّه لا احتياج فيها إلى‏ مقدّمات الحكمة، و أنّ استفادة الإطلاق من مثل قوله: «أعتق رقبةً»، إنّما هي لأجل أنّه فعل اختياريّ صادر من عاقل مختار، جعَل نفس الطبيعة موضوعة لحكمه، فيستكشف منه أنّ تمام الموضوع للحكم هي تلك الطبيعة لا غير، من دون أن يدلّ على ذلك لفظ، بخلاف العموم، فإنّ لفظة «كلّ» تدلّ عليه بالدلالة اللفظيّة؛ لما عرفت من أنّ لفظة «كلّ» موضوعة للكثرة، و الإنسان موضوع لنفس الطبيعة، و إضافة «كلّ» إليها تفيد كلّ فرد من أفراد الطبيعة؛ بحيث لو

____________

(1)- انظر كفاية الاصول: 254- 255.

(2)- درر الفوائد: 211.

330

أراد المتكلّم غير ذلك كان غالطاً، فليس هنا ما يُتمسّك بالإطلاق فيه.

نعم يمكن التمسُّك بالإطلاق بالنسبة إلى‏ حالات الأفراد و كيفيّات الحكم، لا في مدخول «كلّ».

و أيضاً يمكن أن يكون المتكلّم بالمطلق في مقام الإهمال و الإجمال، كما في كثير من المطلقات، بخلاف المتكلّم بالعامّ؛ لأنّه حيث إنّه حاكٍ عن الأفراد، و يدلّ عليها بالدلالة اللفظيّة، لا يتصوّر فيه كونه في مقام الإجمال أو الإهمال.

331

الفصل الرابع في أقسام العامّ‏

أنّهم قسّموا (1) العامّ إلى‏ الشموليّ الاستغراقيّ، و المجموعيّ، و البدليّ، و وقع في كلامهم خلطٌ بين العامّ و المطلق هنا أيضاً.

و لا بدّ من البحث في أنّه: هل لنا ألفاظ تدلّ على كلّ واحد من هذه الأقسام، أو لا؟ و قد عرفت أنّ لفظة «كلّ» تدلّ على العموم الاستغراقيّ، و أمّا العموم البدليّ فمثّل له بعضهم بالنكرة، مثل «رجل» إذا كان التنوين للنكارة، كما ذكره المحقّق العراقي (قدس سره) في «المقالات»، و ذكر- أيضاً- أنّ العامّ الاستغراقيّ مثل اسم الجنس‏ (2).

أقول: لكنّه ليس كذلك؛ لأنّ النكرة لا تدلّ على أنّ كلّ واحد من الأفراد بدل عن الآخر، فإنّ قوله: «أكرم رجلًا» و إن دلّ على واحد لا بعينه، لكن لا دلالة له على بدليّة كلّ فرد عن الآخر، نعم العقل فيه حاكم بالتخيير بين الأفراد، لكنّه ليس مدلولَ لفظ النكرة، و لا بدّ في العام من دلالة لفظه عليه، و كذلك اسم الجنس ليس موضوعاً

____________

(1)- هداية المسترشدين: 341 سطر 17، كفاية الاصول: 253.

(2)- مقالات الاصول 1: 146 سطر 1.

332

للدلالة على الاستغراق بل لنفس الطبيعة المطلقة.

و الظاهر: أنّ لفظ «أيّ» الاستفهاميّة تدلّ على العموم البدلي، مثل: «فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ» (1)، فإنّها مضافاً إلى‏ دلالتها على الفرد الغير المعيَّن، تدلّ على بدليّة كلّ واحد من الأفراد عن الآخر، و كذلك قوله تعالى‏: «فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ»* (2).

و أمّا العامّ المجموعي فالظاهر أنّ الدالّ عليه هو لفظ المجموع، مثل «أكرم مجموع العلماء»، فإنّه يدلّ على أمرين: أحدهما خصوصيّات الأفراد، و الثاني اعتبار مجموعها و فرضهم واحداً؛ بحيث لو لم يكرم واحداً منهم لما امتثل أصلًا، بخلاف ما لو قال: «أكرم كلّ العلماء أو جميعهم» فإنّه لو أكرم بعضهم دون بعضٍ آخر، امتثل الأمر بالنسبة إلى‏ من أكرمهم، و عصى بالنسبة إلى‏ من لم يكرمهم.

و الحاصل: أنّ بعض الألفاظ يدلّ على العموم الاستغراقي بلفظه، مثل «كلّ» و «جميع» و ما يُرادفهما في سائر اللّغات، و بعضها يدلّ على العموم المجموعي، مثل لفظ «المجموع»، و بعضها يدلّ على البدلي منه، مثل «أيّ» الاستفهاميّة، و دلالة كلّ واحد من الألفاظ المذكورة على المعاني المذكورة، إنّما هي بألفاظها، كما هو المتبادِر منها.

فظهر من ذلك: أنّ ما ذكره في «الكفاية»، و تبعه الميرزا النائيني (قدس سره): من أنّ اختلاف ما ذكر من أقسام العامّ- أي: الاستغراقي و المجموعي و البدلي- إنّما هو باختلاف كيفيّة تعلُّق الأحكام به، و إلّا فالعموم في الجميع بمعنى واحد، و هو شمول المفهوم لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه‏ (3)، غيرُ صحيح.

____________

(1)- غافر: 81.

(2)- المرسلات: 50.

(3)- كفاية الاصول: 253، فوائد الاصول 2: 514- 515. الا أنّه تبعه في المجموعي و الشمولي فقط لأنّه أخرج البدلي عن مفهوم العموم منذ البداية.

333

و كذلك ما ذكره المحقِّق العراقي (قدس سره)(1): من أنّ الفرق بين الاستغراقي و البدلي، إنّما هو في متعلَّقهما مع اتّحاد كيفيّة تعلُّق الحكم به فيهما.

نعم، و قسّموا (2) الإطلاق- أيضاً- إلى الاستغراقي و المجموعي و البدلي و إن لم يصرّحوا بالمجموعي منه، و ذلك لما عرفت من انّ تبادر العموم الاستغراقي من لفظ «كلّ عالم»، و البدلي من «أيّ» الاستفهاميّة، و المجموعي من لفظ «المجموع»، قبل تعلُّق الحكم به، و لو كان الفرق بينهما باختلاف تعلُّق الحكم به، لَزِم أن لا تتبادر المعاني المذكورة منها إلّا بعد تعلُّق الحكم بها، مع أنّهم صرّحوا بخلافه، و هل هذا إلّا التناقض؟!

فإنّه ذكر المحقّق الميرزا النائيني (قدس سره) على ما في التقريرات: أنّه لا يستفاد الاستغراق من مفردات قضيّة «أكرم كلّ عالم»، بل من مجموع تعلُّق الحكم بموضوعه‏ (3).

و قال بُعَيد هذا: إنّ المستفاد من «كلّ رجل» هو الاستغراق‏ (4).

و هذا مناقض لما ذكره قُبَيل ذلك: من أنّ العموم لا يُستفاد من مفردات القضيّة.

مضافاً إلى‏ أنّه لو كان اختلاف الأقسام بلحاظ تعلُّق الأحكام بها و اختلافه، فلا معنى للاختلاف في أنّ العامّ بعد تخصيصه حجّة في الباقي، أو لا، و كذلك البحث في أنّه هل للعموم صيغة تخصّه أو لا؟ ثمّ اختيار الأوّل، مثل «كلّ»، فإنّ معناه أنّ لفظ «كلّ» موضوع لذلك، و يدلّ بلفظه على الاستغراق.

و أمّا تقسيم الإطلاق إلى‏ هذه الأقسام فهو- أيضاً- فاسد، بل ليس للإطلاق المستفاد من مقدّمات الحكمة إلّا معنىً واحد، و هو أنّ المطلق الذي جعله المتكلّم‏

____________

(1)- انظر مقالات الاصول 1: 146 سطر 1.

(2)- كفاية الاصول: 292، فوائد الاصول 2: 562.

(3)- انظر فوائد الاصول 2: 514- 515.

(4)- نفس المصدر: 515.

334

العاقل الشاعر موضوعاً لحكمه، هو تمام الموضوع للحكم من دون دخل قيدٍ فيه، و إلّا لزم عليه البيان، و هو دلالة الفعل لا اللفظ، و المراد من إجراء مقدّمات الحكمة: إثبات أنّ تمام الموضوع للحكم هو المطلق- أي الطبيعة لا بشرط- و يحكم العقل بالتخيير بين أفراد المطلق؛ و اختيار أيّ فرد منها، و هذا التخيير عقليّ لا يدلّ عليه اللفظ.

و ممّا يدلّ على ما ذكرنا: أنّه فرق بين أن يقال: «أعتق رقبةً أيّة رقبة»، و بين أن يقال: «أكرم رقبة»، فإنّ الأوّل يدلّ على العموم البدلي، دون الثاني، فيعلم من ذلك:

أنّ المطلق لا دلالة له على البدليّة.

335

الفصل الخامس في دلالة بعض الألفاظ على العموم‏

هل النكرة أو اسم الجنس الواقعان في سياق النفي أو النهي يُفيدان العموم، أو لا؟

و لا بدّ فيه من ملاحظة مفردات هذا التركيب، فنقول:

أمّا «لا» النافية فتدلّ على النفي، و الناهية على الزجر، و أمّا لفظ «رجل» في «لا رجلَ في الدار» فمادّته تدلّ على نفس الطبيعة لا بشرط، و التنوين أو الهيئة على الواحد لا بعينه، فالمجموع يدلّ على نفي الطبيعة المقيّدة بالواحد لا بعينه، و ليس فيها ما يدلّ على العموم، و ليس للمركّب وضع آخر غير وضع مفرداته، بل لا معنى له.

و يدلّ على ذلك: أنّه فرق بين «لا تكرم رجلًا» و بين «لا تكرم كلّ رجل»، فإنّه يتبادر العموم من الثاني، دون الأوّل.

نعم، يمكن التمسُّك بمقدّمات الحكمة لإثبات الإطلاق، و أنّ الموضوع للحكم هو نفس الطبيعة، و العقل- حينئذٍ- يحكم بأنّ تركها أو انتفاءها إنّما هو بترك جميع أفرادها و انتفائه، لكن ذلك غير العموم كما عرفت.

و أمّا المفرد المحلّى بالألف و اللام: فهو- أيضاً- لا يُفيد العموم، بل تجري فيه‏

336

مقدّمات الحكمة لإثبات أنّ الموضوع هو نفس الطبيعة المطلقة.

و أمّا الجمع المحلّى بالألف و اللام: مثل‏ «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1)، فلا ريب في إفادته العموم؛ لأنّه المتبادِر منه عرفاً، لكن هل هو مستفاد من الألف و اللام، أو من نفس الجمع؟

الظاهر أنّ نفس الجمع يدلّ على الكثرة- أي ما فوق الاثنين- و الألف و اللام على أقصى مراتب الكثرة.

و بالجملة: لا ريب في تبادر العموم منه.

____________

(1)- المائدة: 1.

337

الفصل السادس في حجّيّة العامّ المخصَّص في الباقي‏

العامّ المخصَّص بالمخصص بالمتّصل أو المنفصل، هل هو حجّة في الباقي، أو لا، أو التفصيل بين المخصِّص بالمتّصل و بين المنفصل؛ بأنّه حجّة في الأوّل، دون الثاني؟ أقوال:

و عمدة دليل النافين: هو أنّه بعد التخصيص مجازٌ فيما بقي، و مراتب المجازات كثيرة، و ليس أكثرها عدداً أقربها ليحمل عليه؛ لأنّ المناط في الأقربيّة إلى المعنى الحقيقيّ الأقربيّة بحسب انس الذهن، الحاصل من كثرة الاستعمال، لا الكثرة العدديّة، و حينئذٍ فلا يُعلم إرادة أيّة مرتبة من مراتبه بعد عدم إرادة المعنى الحقيقي، فيقع الإجمال‏ (1).

و استدلّ المفصّل بهذا البيان في المخصَّص بالمنفصل فقط.

أقول: لا بدّ من ملاحظة مفردات العامّ المخصَّص، و أنّ التصرُّف بالتخصيص في أيٍّ منها؟

____________

(1)- انظر ما قرّره صاحب معالم الدين: 121 سطر 10، و الفصول الغروية: 199- 200 السطر الأخير، و مطارح الأنظار: 192 سطر 13.

338

فنقول: لا ريب في أنّ لفظ «كلّ» في «أكرم كلّ عالم»- المفروض تخصيصه بالعدول- مستعمل في معناه الموضوع له، و كذلك لفظ «عالم»، و كذلك مادّة «أكرِم» و هيئته- أيضاً- مستعملة لإنشاء البعث الموضوع له، فلم يستعمل واحدٌ من هذه المفردات في غير معناه الموضوع له؛ ليلزم التجوُّز فيه، غاية الأمر أنّ الداعي لإنشاء البعث: إمّا البعث أو الانبعاث الحقيقيّان، أو أمر آخر، كالامتحان أو السخرية أو غير ذلك، مع استعمال الهيئة في معناها الموضوعة له؛ أي إنشاء البعث.

و فيما نحن فيه استعملت الهيئة لإنشاء البعث الموضوع له، لكنّه بالنسبة إلى‏ إكرام العلماء العدول لغرض البعث و الانبعاث حقيقةً، و بالنسبة إلى‏ إكرام جميعهم- العدول منهم و الفسّاق- لداعي جعل القانون، كما هو ديدن الموالي العرفيّة و دأبهم؛ حيث إنّهم يجعلون الأحكام للمكلّفين بنحو العموم في مقام جعل القوانين، ثم يذكرون المخصِّصات بعد ذلك، فالهيئة مستعملة في معناها الحقيقي، و اريد منها العموم بالإرادة الاستعماليّة، لكن اريد منها البعث الحقيقي بالإرادة الجدّيّة بالنسبة إلى‏ بعضهم.

و بالجملة: لا يلزم من تخصيص العامّ تجوُّز أصلًا ليرد عليه ما ذكر، بل عرفت أنّ اللفظ في جميع موارد توهُّم المجاز مستعمل في معناه الحقيقي، و أنّه اسند الفعل في‏ «وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ» (1) إلى‏ نفس القرية من دون أن يُقدَّر المضاف؛ إذ لا ريب في أنّه لو قيل: «اسأل أهل القرية» لما كان فيه من الحسن ما في إسناده إلى‏ نفس القرية، لكن بدعوى‏ أنّ المطلب بمكان من الظهور حتّى أنّه تدركه نفس القرية العادمة للشعور أيضاً، و كذلك لفظ «السماء» في قول الشاعر:

إذا نزل السماء بأرض قومٍ‏ (2) ... الخ.

____________

(1)- يوسف: 82.

(2)- صدر بيت لجرير بن عطية التميمي على ما في جامع الشواهد 1: 99، و لمعاوية بن مالك على ما في لسان العرب 6: 379، و حاشية السبكي على تلخيص المفتاح، شروح التلخيص 4: 327، و عجزه: رعيناه و إن كانوا غضابا.

339

فأسند الفعل إلى‏ نفس السماء؛ بدعوى‏ أنّ السماء بنفسها قد نزلت لكثرة نزول المطر، لا أنّه استعمل السماء في المطر، كأنّه قال: «نزل المطر»؛ لعدم الحسن فيه.

و غير ذلك من أقسام المجازات.

راجع ما ألّفه الشيخ أبو المجد الاصفهاني (قدس سره)(1) تصدِّق ما ذكرناه، و ليس ذلك ما ذكره السكّاكي‏ (2) في باب الاستعارة، بل قريب ممّا ذكره.

و قد اورد على ما ذكرناه في بيان دفع إشكال لزوم المجاز:

تارةً: بأنّ الداعي إلى الأمر و البعث إلى‏ إكرام العلماء في قوله: «أكرم العلماء» مع أنّه مخصَّص: إمّا البعث و الانبعاث الحقيقيّان بالنسبة إلى‏ إكرام العدول منهم، و إمّا جعل القانون بالنسبة إلى‏ جميعهم، لا البعث و الانبعاث الحقيقيّان بالنسبة إلى‏ جميعهم، و لا يمكن إرادة جمعهما- أي الداعيين معاً- لأنّ الواحد لا يصدر من اثنين بما هما اثنان، و لا جامع- أيضاً- في البين‏ (3).

و اخرى‏: كما عن المحقّق الميرزا النائيني (قدس سره): بأنّه يستلزم وجود إرادتين للآمر:

إحداهما الاستعماليّة بالنسبة إلى‏ البعث إلى‏ إكرام جميع العلماء، و الثانية الجدّيّة في البعث بالنسبة إلى إكرام العدول منهم، مع أنّه ليس له إلّا إرادة واحدة.

و انّ التحقيق في دفع الإشكال أن يقال: إنّه لا يستلزم تخصيصُ العامّ المجازيّة مطلقاً؛ متّصلًا كان المخصّص، أم منفصلًا:

أمّا في المتّصل فواضح؛ لأنّ «كلّ» في «أكرم كلّ عالم» ليس مستعملًا في غير ما وُضع له، بل في معناه الموضوع له، و هو استغراق أفراد مدخوله، و المدخول هنا

____________

(1)- وقاية الأذهان: 101- 135.

(2)- مفتاح العلوم: 156- 157.

(3)- انظر نهاية الدراية 1: 337.

340

«الرجل العالم»، فكأنّ دائرة المدخول مُضيّقة من الأوّل.

و أمّا في المنفصل فكذلك؛ حيث إنّه اريد من «الرجل» في «أكرم كلّ رجل» و «لا تكرم الفاسق» الرجل العادل، لا مطلق الرجل، كالمتّصل‏ (1). انتهى.

أقول: أمّا الإشكال الأوّل فيرد عليه:

أوّلًا: بأنّ الداعي إلى‏ شي‏ء أو فعل من مبادئ ذلك الشي‏ء و الفعل، ليس مصدراً يصدر عنه الفعل؛ كي يقال: إنّ الواحد لا يصدر إلّا من الواحد، لا من الاثنين، مع ما عرفت أنّ مورد القاعدة غير هذه الموارد.

و ثانياً: أنّا نرى بالضرورة و العيان أنّه قد يكون للفعل داعيان أو أكثر، كالذهاب إلى‏ مجلس العالم لزيارته و استفادة العلم منه.

و أمّا الإشكال الثاني فيرد عليه:

أنّه ليس المراد أنّ في استعمال لفظ «كلّ» إرادتين: استعماليّة بالنسبة إلى‏ إكرام جميع العلماء، و الجدّية بالنسبة إلى‏ بعضهم؛ ليرد عليه ما ذكر، بل المراد أنّ في تعليق وجوب الإكرام على كلّ عالم إرادتين: استعماليّة بالنسبة إلى‏ جعل القانون، و الجدّية بالنسبة الى اكرام العدول منهم و حينئذٍ فلا يرد عليه ما ذكر.

و أمّا ما جعله التحقيق في الجواب ففيه: أنّه إن أراد أنّ الرجل في «أكرم كلّ رجل»- المخصَّص بالمنفصل- مستعمل في الرجل العالم، فهو استعمال للّفظ في غير ما وضع له غلطاً، و إن أراد أنّه مستعمل في معناه، و هو مطلق الرجل بالإرادة الجدّية، فلا بدّ أن يكون التخصيص بالمنفصل بعد ذلك بداءً و هو كما ترى‏.

و قال المحقّق العراقي (قدس سره) في المقالات في الجواب عن الإشكال ما حاصله:

حيث إنّ اللفظ يجذب المعنى إلى‏ نفسه؛ و لذا يسري قبح المعنى إلى‏ اللفظ، كان للعامّ ظهورات متعدّدة حسب تعدُّد أفراده، فإذا خصّص العامّ سقط بعضها، و يبقى الباقي‏

____________

(1)- أجود التقريرات 1: 446 و 452.

341

لعدم المصادم له‏ (1).

و هذا الذي ذكره (قدس سره) في الجواب يقرب ممّا ذكره الشيخ الأعظم (قدس سره)(2) لكن فيه ما مرّ عند نقل ذلك عن «الكفاية»: من أنّه لا معنى لجذب اللفظِ المعنى إلى‏ نفسه، و سراية قبح المعنى إلى اللفظ، فإنّه ليس في نفس الألفاظ حسنٌ و لا قُبح، و أمّا اشمئزاز النفس عند سماع بعض الألفاظ، فهو لأجل أنّه موضوع لمعنىً يشمئزّ النفس منه، و تبادرِهِ إلى‏ الذهن عند سماع اللفظ الموضوع له، و ليس في «أكرم كلّ عالم» إلّا ظهور واحد، و هو وجوب إكرام العلماء بنحو الاستغراق، لا ظهورات متعدّدة.

فالأولى في الجواب هو ما ذكرناه، و هو- أيضاً- مراده في «الكفاية»، لكن عبارتها قاصرة غير وافية به، و كذلك «الدرر» (3)، و إن ذكر (قدس سره) فيه ما لا يخلو عن الإشكال، فراجع.

____________

(1)- مقالات الاصول 1: 148 سطر 15.

(2)- مطارح الأنظار: 192 سطر 17.

(3)- درر الفوائد: 214.

342

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

343

الفصل السابع الكلام في المخصَّص بالمجمل‏

و له أقسام:

لأنّ الشبهة و الإجمال: إمّا في مفهومه؛ بأنّ لا يُعلم أنّه لأيّ شي‏ء وضع؟ و إمّا في المصداق مع تبيُّن مفهومه.

و الإجمال في القسم الأوّل أيضاً: إمّا لأجل تردُّده بين المتباينين، أو الأقلّ و الأكثر.

و على جميع التقادير: الكلام إمّا في المخصّص المتّصل، أو المنفصل.

أمّا القسم الأوّل: و هو الشبهة المفهوميّة مع تردّده بين الأقلّ و الأكثر في المخصّص المتّصل‏

، كما لو قال: «أكرم العلماء إلّا الفسّاق منهم»، و تردَّد مفهومُ الفاسق بين مرتكب الكبيرة فقط، و بين مرتكب كلّ ذنب و لو من الصغائر، فقالوا: إنّه لا يجوز التمسُّك بالعامّ في خصوص المشكوك؛ أي مرتكب الصغيرة؛ و ذلك لأنّ كلّ واحد من مفردات «أكرم كلّ رجل عالم» و إن كان ظاهراً في معناه الموضوع له، لكن حيث إنّه متّصل باستثناء ما لا يعلم مفهومه؛ لتردّده بين الأقلّ و الأكثر، يسري إجماله إلى‏ العامّ، و يصير هو- أيضاً- مجملًا بالنسبة إلى‏ الأكثر، و ليس لمجموع المستثنى و المستثنى‏ منه‏

344

إلّا ظهور واحد، و المفروض إجماله بالنسبة إلى‏ الفرد المشكوك، ففي مقام المخاصمة و الاحتجاج بين العبد و مولاه، لا يصحّ لواحد منهما الاحتجاج به على الآخر.

و بالجملة: الموضوع لوجوب الإكرام هو العالم الغير الفاسق ليس إلّا، و المفروض أنّ الفاسق مجمل مردَّد بين الأقلّ و الأكثر، فلا يصحّ التمسُّك بالعموم بالنسبة إلى‏ الأكثر أيضاً لصيرورته مجملًا لا يصحّ الاحتجاج به.

القسم الثاني: ما إذا كانت الشبهة في المفهوم لأجل تردُّد المخصِّص بين الأقلّ و الأكثر أيضاً، لكن في المخصِّص بالمنفصل‏

، فذهبوا إلى‏ أنّه لا يسري إجمال مفهوم المخصِّص إلى‏ العامّ؛ لأنّه صدر عند انعقاد ظهور العامّ في العموم ابتداءً، و بعد الظفر بالمخصِّص تُرفع اليد عن ظهوره بالنسبة إلى‏ المعلوم دخوله في المخصِّص، و أمّا بالنسبة إلى‏ المشكوك دخوله فيه- كالمرتكب للصغيرة في المثال المذكور- فلا تُرفع اليد عن ظهور العامّ بالنسبة إليه، فهو حجّة بالنسبة إليه‏ (1).

و الحاصل: أنّ العامّ حجّة حيث لا حجّة أقوى‏ منه أو مطلقاً على الخلاف، و المفروض وجود الحجّة بالنسبة إلى‏ الأقل؛ أي مرتكب الكبائر، و أمّا بالنسبة إلى‏ الأكثر فلم تثبت حجّيّة الخاصّ فيه؛ حتّى ترفع اليد عن ظهور العموم، كيف؟! و لو صدر المخصِّص المذكور ابتداءً قبل صدور العامّ، لما صحّ الاحتجاج به بالنسبة إلى‏ الأكثر الذي لم يُعلم شمول عنوان الخاصّ له، فكيف فيما نحن فيه المفروض وجود الحجّة على خلافه و هو العامّ؟!

لكن هذا الذي ذكروه في هذا القسم، إنّما يتمّ إذا لم يكن المخصِّص المنفصل ناظراً إلى العامّ و مفسّراً له، كما في بعض أقسام الحكومة، و أمّا إذا كان المخصِّص المنفصل ناظراً إلى‏ العامّ و شارحاً له بعد صدور العامّ، ففيما ذكروه تأمّل و إشكال؛ لأنّه- حينئذٍ- كالمخصِّص المتّصل كأدلّة نفي العسر و الحرج؛ حيث إنّها ناظرة إلى‏ أدلّة التكاليف‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 258، فوائد الاصول 2: 524، مقالات الاصول 1: 149.

345

و مفسِّرة لها.

قال (قدس سره) في «الدرر» ما حاصله: إنّه إذا فرض أنّ عادة المتكلّم و ديدنه جارية على ذكر المخصِّص منفصلًا عن كلامه، فحال المخصِّص المنفصل فيه كالمخصِّص المتّصل في كلام غيره؛ في أنّه يحتاج في التمسُّك بعموم كلامه إلى‏ عدم إحراز المخصِّص إمّا بالقطع أو بالأصل، و لا يمكن إحرازه فيما نحن فيه بواحد منهما: أمّا القطع فواضح، و أمّا الأصل فلأنّه إنّما يجري فيما لم يوجد فيه ما يصلح للمخصِّصية، و أمّا فيما نحن فيه الذي يوجد فيه ما يصلح لها فلا (1). انتهى.

أقول: هذا الذي ذكره إنّما يصلح للاستدلال به لوجوب الفحص عن المخصّص، و عدم جواز التمسُّك بالعامّ قبل الفحص و اليأس عنه، كما في سائر الموارد غير هذا المورد، و أمّا الاستدلال به لما ذكره من عدم جواز التمسُّك بالعامّ الصادر من المتكلِّم الذي ديدنه كذا، و لو بعد الفحص عن المخصِّص و اليأس عنه؛ لإجماله- حينئذٍ- لسراية إجمال المخصِّص المنفصل إليه، فلا.

القسم الثالث: ما إذا كانت الشبهة في مفهوم المخصِّص و إجماله لأجل تردّده بين المتباينين‏

، كما لو قال: «أكرم العلماء، و لا تكرم زيداً»، و لم يعلم أنّ المراد زيد بن عمرو أو زيد بن بكر، فاللازم في هذا الفرض هو الاحتياط؛ للعلم الإجمالي بوجوب إكرام أحدهما الغير المعلوم، كما في سائر موارد العلم الإجمالي، إلّا إذا دار الأمر فيه بين المحذورين، كما لو علم بوجوب إكرام أحدهما و حرمة إكرام الآخر، و لا فرق فيه بين المخصِّص المتّصل و المنفصل.

القسم الرابع: ما لو كانت الشبهة في مصداق الخاصّ مع تبيُّن مفهومه‏

، فمحطّ البحث فيه هو ما إذا ثبت حكمٌ لعامّ- أي لكلّ فرد فرد منه- ثمّ اخرج عدّة من أفراده عن تحته، لا فيما كان الحكم ثابتاً لعنوان، ثمّ قُيّد ذلك العنوان بدليل خاصّ،

____________

(1)- درر الفوائد: 215.

346

كالعالم و العالم العادل؛ لما عرفت غير مرّة: أنّ مسألة العامّ و الخاصّ غير مربوطة بمسألة المطلق و المقيّد.

فانقدح بذلك ما في كلام المحقّق الميرزا النائيني (قدس سره) في المقام حيث ذكر ما حاصله: أنّ ظاهر قوله: «أكرم العالم» هو أنّ عنوان «العالم» تمام الموضوع لوجوب الإكرام، و يُستكشف بالمخصِّص أنّ عنوان «العالم» ليس تمام الموضوع له، بل هو جزء الموضوع، و الجزء الآخر هو عنوان «العادل» مثلًا، و أنّ تمام الموضوع هو عنوان «العالم» المقيّد بالعادل، فكما لا يجوز التمسُّك في فرد شُكّ في أنّه عالم أو لا بالعموم، فكذلك فيما لو شُكّ في أنّه عادل أو لا؛ لعدم الفرق في ذلك بين الجزءين للموضوع، بل لا بدّ في جواز التمسُّك بالعامّ من إحراز الموضوع بتمام جزأَيْه‏ (1).

أقول: ما أفاده (قدس سره) من عدم جواز التمسُّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصِّص- حقٌّ، لكن البيان الذي ذكره لذلك غير صحيح؛ لما عرفت أنّه وقع الخلط فيه بين بابي المطلق و المقيّد و بين العامّ و الخاصّ، و حينئذٍ نقول:

إنّ المخصِّص في الفرض: إمّا متّصل، و إمّا منفصل:

أمّا الأوّل: فلا ريب في عدم جواز التمسُّك فيه بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصِّص، كما لو قال: «أكرم العلماء إلّا الفسّاق منهم» و شكّ في فرد أنّه فاسق أو لا، مع تبيُّن مفهوم الفُسّاق؛ لأنّه لا ينعقد للكلام إلّا ظهور واحد في وجوب إكرام العالم الغير الفاسق، فمع الشكّ في فرد أنّه فاسق أو لا، فحيث إنّه لا ظهور للكلام بالنسبة إليه، لا يجوز التمسُّك بالعامّ فيه.

و أمّا المخصّص المنفصل: فقد يقال بجواز التمسُّك بالعامّ فيه؛ لانعقاد ظهوره أوّلًا في عموم العلماء الفُسّاق منهم و العدول، و بعد صدور المخصِّص المنفصل ترفع اليد عن ظهوره بالنسبة الى الفرد المعلوم فسقه، و أمّا المشكوك فسقه فلا وجه لرفع اليد

____________

(1)- فوائد الاصول 2: 525.

347

عن ظهور العامّ بالنسبة إليه مع شموله له قطعاً.

و بالجملة: لم يُعلم دخول ذاك الفرد تحت الخاصّ حتّى يُزاحم العامّ في ظهوره، فهو من قبيل مُزاحمة الحجّة بلا حجّة (1). انتهى.

أقول: يرد عليه: أنّ العامّ قاصر عن الحجّيّة بالنسبة إلى‏ الفرد المشكوك دخوله تحت الخاصّ.

توضيح ذلك: أنّه لا ريب في أنّه لا يصحّ التمسُّك بالعامّ إلّا فيما يجري فيه أصالة الجدّ، و هي إنّما تجري فيما تجري فيه أصالتا الحقيقة و الظهور، ففي العامّ الغير المخصَّص الاصول الثلاثة جارية: أمّا أصالتا الحقيقة و الظهور فواضح، و أمّا أصالة الجدّ فلبناء العقلاء على تطابق الجدّ و الاستعمال فيه، و لا ريب في أنّ العامّ فيه مستعمل في معناه الحقيقي، و استقرّ بناؤهم- أيضاً- على أن العموم مراد جدّي له، و أنّه لم يُتكلّم به هَزْلًا و لَغْواً، كما لا يخفى.

و أمّا فيما نحن فيه؛ أي العامّ المخصَّص بالخاصّ المنفصل المبيَّن مفهومه، و لكن شُكّ في فرد أنّه مصداق له أو لا، فكلُّ واحدٍ من مفردات جملة «أكرم العلماء»- أي العامّ- و «لا تكرم الفسّاق منهم»- أي الخاصّ- مستعملٌ في معناه الحقيقي الموضوع له، و ليس لمجموعهما وضع على حِدة، فأصالتا الحقيقة و الظهور جاريتان فيها؛ لأنّ المفروض أنّ المعنى اللُّغوي لكلٍّ من المفردات معلوم مبيّن واضح، لكن لا تجري هنا أصالة الجدّ بالنسبة إلى الفرد المشكوك أنّه من أفراد الخاصّ، لا في العامّ، و لا في الخاصّ:

أمّا في العامّ: فلأنّ بناء العقلاء على حمل العامّ على الجدّ و عدم الهَزْل إنّما هو فيما لم يكن مخصَّصاً، و أمّا مع تخصيصه فلا.

و أمّا في الخاصّ: فلأنّ المفروض أنّ انطباقه على الفرد المشكوك فسقه‏

____________

(1)- انظر ما قرّره في كفاية الاصول: 258- 259.

348

مشكوك فيه، فلا تجري أصالة الجدّ فيه أيضاً.

و بالجملة: مع العلم الاجمالي بأنّ الفرد المشكوك فسقه إمّا داخل تحت مفهوم العامّ أو الخاص، و ليس واحدٌ منهما حجّة فيه، فليس ما نحن فيه من قبيل مزاحمة الحجّة مع اللاحجّة؛ لعدم حجّيّة العامّ فيه كالخاصّ، فما ذكره المستدلّ- من أنّ العامّ بعمومه يشمل الفرد المشكوك في مصداقيّته، و أنّه حجّة فيه دون الخاصّ- فهو غير صحيح؛ لما ذكرناه من أنّه لا يكفي مجرّد العموم و الظهور في ذلك ما لم تجرِ فيه أصالة الجدّ و بناء العقلاء عليه، و هو ممنوع.

فانقدح بذلك: الفرق بين الشبهة المصداقيّة للمخصِّص و بين الشبهة المفهوميّة له في المخصِّص المتّصل، فإنّه ليس في الثاني إلا ظهور واحد و موضوع واحد للحكم، و إجمال مفهوم المخصِّص المتّصل يسري إلى العامّ فيه، فيصير- أيضاً- مجملًا، فلا يصحّ التمسُّك بعمومه أيضاً.

و أمّا في المخصِّص المنفصل فإنّه ينعقد للعامّ ظهور في العموم ابتداءً، و لا تجري أصالتا الحقيقة و الظهور في الخاصّ؛ لأنّ المفروض أنّ مفهومه مجمل، و لا ينعقد له ظهور أصلًا، بخلاف العامّ؛ حيث إنّه ينعقد له ظهور في الابتداء، و تجري فيه أصالتا الحقيقة و الظهور، و تجري فيه أصالة الجدّ بالنسبة إلى‏ غير المتيقّن دخوله تحت الخاصّ، فهو حجّة في الفرد المشكوك من جهة الشبهة المفهوميّة للمخصِّص، بخلاف ما نحن فيه؛ أي الشبهة المصداقيّة، كما عرفت.

و قال المحقّق العراقي (قدس سره) في وجه عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة ما حاصله: إنّ الظهور الذي يمكن الاحتجاج به هو الظهور التصديقي، لا التصوّري، و هو إنّما يتحقّق فيما إذا كان المتكلِّم في مقام الإفادة و الاستفادة، و بصدد إبراز مرامه و إظهار مراده، و هو- أيضاً- إنّما يتحقّق إذا التفت إلى‏ مرامه، و ليس هو ملتفتاً إلى‏ الموضوعات الخارجيّة و خصوصيّاتها الشخصيّة؛ ليكون بصدد

349

بيان أحكامها، و حينئذٍ فلا يصحّ الاحتجاج بالعامّ في فرد يشكّ في دخوله تحت عنوان الخاصّ.

ثمّ قال: و هذا هو مراد شيخنا في «الكفاية» (1) و الشيخ الأنصاري‏ (2) 0 أيضاً. انتهى‏ (3) خلاصة كلامه.

أقول: الموضوع لحكم العامّ- الذي فرض أنّ المتكلّم بصدد بيان أحكامه- هو الأفراد الخارجيّة بعنوان «كلّ عالم»- مثلًا- و لا يستلزم ذلك لحاظ خصوصيّات الأفراد حسباً و نسباً و عوارضها الشخصيّة؛ بأن يُلاحظ كلّ واحد من زيد و عمرو في «أكرم كلّ عالم»- مثلًا- فإنّ الموضوع في جميع القضايا الحقيقيّة و الخارجيّة هو الأفراد، كما في قولنا: «كلّ نار حارّة» و نحوه، و لا يستلزم ذلك تصوُّر كلّ فرد فرد من النار بخصوصيّاتها؛ كيف؟! و قد لا يوجد فرد منه في الخارج، مع وجود الحكم المتعلِّق بالعامّ.

و بالجملة: إنّما تتعلّق الأحكام بالأفراد و الحاكم متعرّض لها و ملتفت إليها بدون استلزامه للالتفات إلى‏ خصوص زيد و عمرو و غيرهما.

مع أنّه يَرِد عليه النقض بما لو فرض أنّ المتكلّم قال: «أكرم كلَّ عالم»، ثمّ قال:

«لا تكرم الفُسّاقَ منهم»، و اعتقد أنّ زيداً- الذي هو عالم- فاسقٌ، و اعتقد المكلّف بخلافه، و فرض أنّه الصواب، فهل يصحّ للعبد الاحتجاج على المولى في ترك إكرامه:

بأنّك كنت معتقداً بفسقه؟! حاشا و كلّا.

و أمّا ما ذكره الشيخ (قدس سره) فحاصله: أنّه إنّما يصحّ التمسُّك بظهور كلام المتكلّم إذا كان بصدد بيان ذلك، لا في غيره، فلو فُرض أنّه بصدد بيان وجوب إكرام العلماء،

____________

(1)- كفاية الاصول: 258.

(2)- مطارح الأنظار: 193 سطر 10.

(3)- مقالات الاصول 1: 151 سطر 8.

350

فقال: «أكرم العلماء»، صحّ التمسُّك و الاحتجاج بظهور كلامه في وجوب إكرام زيد العالم، و لو شك في أنّه عالم أو لا، لا يصحّ التمسُّك بالظهور و الاحتجاج به؛ لأنّه ليس بصدد بيان أنّ زيداً عالم أو لا، و هذا حقّ لا ريب فيه، لكن لا ربط له بما ذكره، بل الظاهر أنّ مراد صاحب الكفاية هو ما ذكرناه من البيان الذي يقرب ممّا ذكره الشيخ (قدس سره)(1).

و لا فرق فيما ذكرناه- من عدم جواز التمسُّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصّص- بين المخصِّص اللفظي و اللُّبّي كالإجماع و حكم العقل، فلو قال المولى:

«أكرم جيراني»، و قطع العبد بأنّه لا يريد أعداءهم منهم، فلو شَكّ في عداوة زيد له الذي هو جاره، فكما أنّه لا يتمسّك به في المخصِّص اللفظي في الشبهة المصداقيّة، فكذلك في المخصِّص اللُّبّي، و ليس بناء العقلاء على التمسُّك بالعموم لوجوب إكرام زيد المذكور، كما في «الكفاية» (2) في المخصِّص اللُّبّي، الذي لا يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم؛ لانفصاله و عدم احتفاف الكلام به.

فظهر: أنّ محطّ البحث في المخصِّص اللُّبّي هو ما إذا فُرض خروج عدّة من أفراد العامّ بمخصِّص؛ بعنوان خاصّ بتلك الأفراد، و شُكّ في فرد أنّه من مصاديق ذلك العنوان المخرَج عن العامّ، أو لا.

و حينئذٍ يظهر ما في كلام المحقّق الميرزا النائيني (قدس سره) حيث قال- على ما في التقريرات- ما حاصله: أنّ العنوان المخرَج بالتخصيص اللُّبّي إذا كان من العناوين التي لا تصلح إلّا لتقييد الموضوع به، مثل (انظروا إلى‏ رجل قد روى حديثنا ...) (3) إلخ؛

____________

(1)- مطارح الأنظار: 193 سطر 10.

(2)- كفاية الاصول: 259.

(3)- الكافي 7: 412 باب كراهية الارتفاع إلى قضاة الجور ح 5، التهذيب 6: 301 باب 92 من كتاب القضايا و الأحكام ح 52، الوسائل 18: 98 باب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 1، (مع تفاوت).