تنقيح الأصول‏ - ج2

- الشيخ حسين التقوي الاشتهاردي المزيد...
457 /
351

حيث إنّه عامّ يشمل العادل و غيره، إلّا أنّه قام الإجماع على اعتبار العدالة في المجتهد الذي يُرجع إليه في القضاء، فإنّ العدالة قيد للموضوع فيه، فلا فرق في ذلك بين المخصِّص اللُّبّي و بين اللفظيّ في عدم جواز التمسُّك فيه بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، و إلّا- أي و إن لم يكن المخرج من العناوين التي لا تصلح إلّا أن تكون قيداً للموضوع بل تصلح لتقيد الحكم لا الموضوع- يجوز التمسُّك فيه فيها بالعامّ، مثل‏

(لعن اللَّه بني اميّة قاطبةً)

(1)؛ حيث إنّ العقل حاكم بأنّ الحكم لا يعمّ المؤمن منهم؛ لأنّ اللعن لا يُصيب المؤمن، فلو علمنا من الخارج: أنّ خالد بن سعيد- مثلًا- مؤمن، فهو لا يندرج تحت هذا العامّ، و لكن المتكلّم لم ينبِّهه على ذلك؛ لمصلحة مقتضية لذلك، أو للغفلة عن ذلك، كما يتّفق ذلك في الموالي العرفيّة، فلا يجوز لعنه، و إذا شككنا في إيمان فرد من بني اميّة صحّ التمسُّك فيه بالعموم، و يستكشف منه أنّه غير مؤمن، فأصالة العموم فيه جارية، و يكون المعلوم خروجه من التخصيصات الفرديّة؛ حيث إنّه لم يؤخذ العنوان قيداً للموضوع، و لم يخرج من العموم إلّا بعض الأفراد.

و السرّ في ذلك: أنّ ملاكَ الحكم في الفرض الأوّل و تطبيق العنوان على مصاديقه، من وظيفة المكلّف و المخاطب و في عهدته، و في الفرض الثاني من وظيفة المتكلّم و في عهدته لا المخاطب، و حيث إنّ إحراز وجود الملاك في الثاني من وظيفة المتكلّم، كالبغض لأهل البيت و العداوة لهم (عليهم السلام) في المثال، و لا يصلح إلقاء هذا العموم إلّا بعد إحراز ذلك، أمكن و صحّ التمسّك بالعموم في الفرد المشتبه. انتهى‏ (2) ملخّصاً.

وجه ظهور الفساد: أنّ ذلك خروج عن محطّ البحث؛ لما عرفت من أنّ محلّ البحث هنا: هو ما إذا كان الإخراج بالمخصّص اللُّبّي، و شُكّ في فرد أنّه من مصاديق ذاك العنوان المخرَج أو لا و ما ذكره في الفرض الثاني- الذي ذكره- ليس كذلك، فإنّ‏

____________

(1)- مصباح المتهجد: 716، كامل الزيارات باب 71.

(2)- فوائد الاصول 2: 536- 537.

352

مرجعه إلى‏ الشكّ في التخصيص الزائد و عدمه، و لا ارتباط له بالمقام.

ثمّ إنّه استُدلّ أيضاً- المستدلّ المحقّق النهاوندي (قدس سره) على ما حُكي- لجواز التمسُّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصِّص: بأنّ قول القائل: «أكرم العلماء» يدلّ بعمومه الأفرادي على وجوب إكرام كلّ واحد من العلماء، و بإطلاقه اللحاظي على سراية الحكم إلى‏ جميع حالات الأفراد التي تعرض عليها، و من جملة تلك الحالات كون فرد مشكوك الفسق و العدالة، كما أنّ من جملتها معلوميّة العدالة أو الفسق، و بقوله: «لا تُكرم الفُسّاق منهم» خرج من هو معلوم الفسق منهم، و لم يُعلم خروج الباقين، فمقتضى أصالة العموم و الإطلاق بقاء المشكوك تحت حكم العامّ‏ (1). انتهى.

أقول: إن أراد (قدس سره) إثبات الحكم الواقعي للفرد المشكوك بالإطلاق اللحاظي، فمرجعه إلى‏ إثبات حكمين واقعيّين مختلفين فعليّين لفرد واحد بعنوان واحد في بعض التقادير، و هذا محال؛ و ذلك لأنّه إذا فُرض أنّ الفرد المشكوك فسقه فاسق واقعاً، فيشمله «لا تكرم الفسّاق»؛ لأنّ حرمة الإكرام متعلّقة بالفسّاق الواقعيّين و المفروض أنّ هذا الفرد فاسق واقعاً، فهو محرّم الإكرام، فلو حكم بأنّه واجب الإكرام بحكم العامّ بعنوانه الواقعي بالإطلاق اللحاظي، لزم ما ذكرنا؛ ضرورة أنّ المراد بالإطلاق المذكور هو أنّ الأفراد محكومة بحكم العامّ بعنوانها الواقعي.

مضافاً إلى ما عرفت مراراً: أنّ الإطلاق اللحاظي هو معنى العموم، و ليس للإطلاق إلّا قسم واحد، و هو أنّ تمام الموضوع للحكم هو هذا، من دون دَخْل شي‏ءٍ فيه، و لو تُمسّك بالإطلاق بهذا المعنى لإثبات وجوب الإكرام واقعاً للفرد المشكوك- أيضاً- لزم ما ذكرناه في بعض التقادير.

و إن أراد التمسُّك بالإطلاق لإثبات الحكم الظاهري؛ من وجوب الإكرام للفرد المشكوك، فإن اخذ في موضوعه الشكّ في الفسق؛ بأن يقال: إنّ الفرد المشكوك فسقه‏

____________

(1)- انظر تشريح الاصول: 261.

353

محكوم بوجوب الإكرام ظاهراً، فهو خلاف ما اصطلحوا عليه من الحكم الظاهري، فإنّ الحكم الظاهري المصطلح هو الذي اخذ في موضوعه الشكّ في الحكم الواقعي لا غير ذلك.

و إن أراد أنّه اخذ في موضوعه الشكّ في الحكم الواقعي؛ بأن يقال: إنّ الفرد المشكوك أنّه من أفراد الخاصّ- من حيث إنّه مشكوك الحكم بوجوب الإكرام واقعاً- محكوم بأنّه واجب الإكرام ظاهراً، فهو و إن سَلِمَ عن الإشكال المذكور، لكن لا يمكن إنشاء حكمين- أحدهما الواقعي على أفراد العلماء العدول، و ثانيهما الظاهري بالنسبة إلى الفرد المشكوك- بإنشاء واحد، فالاستدلال المذكور لجواز التمسُّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصِّص، أسوأ حالًا ممّا ذكرناه و قدّمناه.

هنا مسائل:

المسألة الاولى في إخراج الأفراد بجهة تعليليّة

أنّه لو قال: «أكرم العلماء»، ثمّ أَخرج منهم عدّة من أفراده، مثل زيد و عمرو و بكر؛ لعلّة مشتركة بينهم، كما إذا عقّبه بقوله: «لأنّهم فسّاق» و شكّ في فرد مشكوك الفسق و العدالة أنّه أخرجه- أيضاً- أو لا، فهل هو من قبيل الشكّ في التخصيص الزائد؛ ليصحّ فيه التمسّك بالعامّ بالنسبة إلى ذلك الفرد، أو أنّه من قبيل الشكّ في مصداق المخصّص، فلا يصحّ التمسُّك فيه بالعموم؟

الظاهر المتبادِر منه عرفاً هو الثاني؛ لأنّ المتبادِر منه في المتفاهمات العرفيّة هو أنّه أخرج عنوان الفسّاق، لا لخصوصيّة في زيد و عمرو.

354

المسألة الثانية في العامين من وجه‏

لو صدر من المتكلّم عامّان من وجه، مثل: «أكرم العلماء»، و «لا تُكرم الفُسّاق»، و شكّ في عالم أنّه فاسق أو لا، أو في فاسق أنّه عالم أو لا، فإمّا أن يكون أحدهما حاكماً على الآخر و ناظراً إليه و شارحاً له، فهو مقدّم على العامّ الآخر، و حُكمُ العامّ الحاكم هنا حُكمُ المخصِّص في الشبهة المصداقيّة له.

و ان لم يكن أحدهما حاكماً على الآخر:

فذهب بعضهم: إلى أنّه يُعامل معهما في مادّة الاجتماع معاملة المتعارضين، و ليس من باب اجتماع الأمر و النهي، و حينئذٍ فمع ثبوت المزيّة و المرجِّح لأحدهما، فحكمُ ذي المرجِّح حكمُ المخصِّص في العامّ و الخاصّ المطلق في عدم جواز التمسُّك بعموم الآخر في الشبهة المصداقيّة له، فمع تقديم «لا تكرم الفسّاق» لمرجّحٍ لو شُكّ في عالم أنّه فاسق أو لا، لا يصحّ التمسُّك بعموم «أكرم العلماء» (1) في الحكم بوجوب إكرامه.

و ذهب بعضهم إلى‏ أنّهما من باب المتزاحمين لا المتعارضين، فلا بدّ من ملاحظة أنّ الملاك في أيّهما أقوى‏ (2)، فلو فرض أنّ ملاك أحدهما أقوى من الآخر، فذهب بعضهم إلى‏ أنّ الحكم في ذي الملاك الضعيف بالنسبة إلى‏ مادّة الاجتماع شأنيّ لا فعليّ، بل الحكم الفعليّ إنّما هو لذي الملاك القويّ، و حينئذٍ فلا مزاحم في الفرد العالم الفاسق- أي مادّة الاجتماع- لحرمة إكرامه؛ لو فرض أنّ ملاك الحرمة أقوى‏ من ملاك‏

____________

(1)- انظر فوائد الاصول 4: 708.

(2)- كفاية الاصول: 211، نهاية الأفكار 2: 412.

355

الوجوب، و حينئذٍ ففي الفرد المشكوك عدالته يشكّ في وجود المزاحم لحرمة إكرامه، فلو أكرمه معتذراً باحتماله عدالته لم يُقبل عذره.

و ذهب بعضهم إلى أنّ الحكمين في المتزاحمين فعليّان معاً- كما هو المختار- و إن كان ملاك أحدهما أقوى‏ من الآخر، و حينئذٍ فالكلام في المشكوك مصداقيّته لذي الملاك الأقوى، هو الكلام في الشبهة المصداقيّة للمخصِّص.

المسألة الثالثة في إحراز الموضوع بالأصل في الشبهة الموضوعية

قد عرفت أنّه لا يجوز التمسُّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصِّص، لكن هل يجري فيه أصل موضوعي ينقَّح به الموضوع، و ينتج نتيجة التمسُّك بالعامّ فيه، أو لا؟

ذهب بعضهم إلى أنّه ليس فيه أصل موضوعيّ كذلك- ذهب إليه المحقّق العراقي (قدس سره) في المقالات- لا أصل العدم الأزلي و لا غيره‏ (1).

و ذهب بعض آخر كالشيخ‏ (2) و صاحب الكفاية (3) و الحائري (قدس سرهم) في بحثه‏ (4) و درسه إلى‏ جريانه مطلقاً.

و فصّل بعضهم بما سيأتي إن شاء اللَّه.

و استدلّ المحقّق العراقي (قدس سره) بما حاصله: أنّ تخصيص العامّ و إخراج بعض أفراده عن تحته، ليس إلّا كانعدام ذلك البعض، فكما أنّ موت بعض الأفراد لا يوجب‏

____________

(1)- مقالات الاصول 1: 152 سطر 3.

(2)- مطارح الأنظار: 192 سطر 32.

(3)- كفاية الاصول: 261.

(4)- درر الفوائد: 219.

356

تغيُّر عنوان موضوع حكم العامّ، كالعلماء في المثال، بل هو باقٍ في تعلّقه بهذا العنوان كما كان قبل موت ذلك البعض، كذلك التخصيص لا يوجب تغيُّر عنوان الموضوع؛ لأنّه ليس هنا إلّا إخراج عدّة من الأفراد، و لا يغيّر ذلك موضوع الحكم، فإذا قال في المثال: «لا تكرم الفسّاق منهم» و شكّ في فرد أنّه فاسق أو لا، و كان حالته السابقة عدم الفسق، فاستصحاب عدم فسقه إلى‏ الآن و إن أفاد عدم حرمة إكرامه، لكن لا يثبت به وجوب إكرامه.

و أمّا ما اشتهر من التمسّك بالعامّ في عدم شرطيّة ما شُكّ في أنّه مخالف للكتاب أو السنّة، و كذلك الصلح المخالف لكتاب اللَّه المستثنى من عموم (كلّ صلح جائز) (1) في إثبات نفوذ المشكوك مخالفته لكتاب اللَّه، فالسرّ فيه: أنّه كلّما كان رفع الشكّ فيه من وظيفة الشارع فالتمسّك بالعامّ فيه صحيح، و كلّما كان رفع الشكّ فيه و بيانه ليس من وظيفة الشارع، كالشبهات الموضوعية، فلا يصحّ التمسّك فيه بالعامّ، و ما ذكر من قبيل الأوّل. انتهى ملخّص كلامه‏ (2).

و يرد عليه: أنّه فرق بين التخصيص و بين انعدام فرد من العامّ و موته، فإنّ موت بعض أفراد العامّ لا يُغيِّر عنوان موضوع حكم العامّ، بل الحكم بوجوب إكرام جميع أفراد العلماء باقٍ بحاله، و فعليّ حتّى بالنسبة إلى‏ من مات منهم، غاية الأمر أنّه معذور في المخالفة، بخلاف التخصيص، فإنّه و إن لا يغيِّر عنوانه بحسب اللفظ، لكن يغيّره لُبّاً و في نفس الأمر، فالوجوب متعلِّق- بعد التخصيص- بالعلماء الغير الفُسّاق في الواقع و نفس الأمر، و إن لم يكن كذلك بحسب اللفظ، بل الموضوع بحسبه هو الموضوع قبل التخصيص، و حينئذٍ فالقياس في غير محلّه.

____________

(1)- الكافي 5: 259 باب الصلح ح 5، الوسائل 13: 164 انظر باب 3 من أبواب أحكام الصلح، لكن في المصدر (الصلح جائز).

(2)- مقالات الاصول 1: 152 سطر 4.

357

و أمّا ما ذكره في آخر كلامه فهو خلط في محطّ البحث؛ لأنّ البحث إنّما هو في الشبهة المصداقيّة للمخصِّص، و هي شبهة موضوعيّة خارجيّة أبداً، فلو فُرض الشكّ في شرط أو صلح أنّه مخالف لكتاب اللَّه أو سنّة نبيّه (صلى الله عليه و آله و سلم) من جهة الشبهة الحكميّة، فهو خارج عن محلّ الكلام؛ أي الشبهة المصداقيّة للمخصِّص.

و استدلّ المحقّق الحائري (قدس سره) في درسه لجواز إجراء الأصل الموضوعي مطلقاً:

بأنّه لو شكّ في مصداقيّة فرد للخاصّ- كالشكّ في عالم أنّه فاسق أو لا في المثال- و فُرض أنّ حالته السابقة عدم الفسق، جرى فيه استصحاب عدم فسقه، و إذا ثبت أنّه غير فاسق بالأصل وجب إكرامه؛ لأنّ المفروض أنّه يجب إكرام العلماء، و هو- أيضاً- من أفرادهم، و مع عدم الحالة السابقة لعدم فسقه، أمكن جريان أصل العدم الأزليّ.

توضيحه: أنّ العوارض على قسمين: عارض الماهيّة؛ أي الذي يعرضها مع قطع النظر عن الوجودين الذهني و الخارجي، كالزوجيّة للأربعة، و عارض الوجود كالسواد و البياض، و هو- أيضاً- إمّا لازم أو مفارق، و حينئذٍ نقول: إنّ القرشيّة- مثلًا- من عوارض الوجود؛ لأنّها عبارة عن انتساب المرأة إلى‏ قريش، و المرأة و إن كانت إذا وُجدت وُجدت إمّا قرشيّة أو غير قرشيّة، لكن لو شُكّ في امرأة أنّها منتسبة إلى‏ قريش أو لا، يمكن أن يُشار إلى‏ ماهيّتها، و يقال: إنّها لم تكن بحسب الماهيّة قرشيّة، فالأصل هو عدم عروض القرشيّة على وجودها للشكّ فيه، فيشمله عموم: أنّ المرأة التي ليس بينها و بين قريش انتساب تحيض إلى‏ خمسين. انتهى ملخّص كلامه.

أقول: لا بدّ هنا من تقديم امور:

الأوّل: أنّ القضايا على أقسام: لأنّها إمّا بسيطة أو مركّبة، موجبة أو سالبة، و كلّ منها: إمّا معدولة أو محصّلة.

و ذكروا: أنّ النسبة من مُقوِّمات القضيّة، و أنّها مركّبة من أجزاء ثلاثة:

358

الموضوع و المحمول و النسبة بينهما، و الاختلاف إنّما هو في الجزء الرابع، لكنّهم اتّفقوا في أنّه لا بدّ من النسبة بين الموضوع و المحمول فيها.

لكن ليس كذلك، بل منها ما لا تشتمل على النسبة، بل لا تحكي إلّا عن الهوهوية و الاتّحاد، مثل: «زيد زيد»، و «زيد إنسان» و «اللَّه- تعالى‏- موجود» و «الإنسان حيوان ناطق» و «الإنسان ممكن» ... إلى‏ غير ذلك؛ لأنّه لا ريب في أنّ القضيّة إنّما تحكي عن الواقع و نفس الأمر، و لا ريب في أنّه ليس بين زيد و نفسه نسبة و ارتباط، و كذلك بين زيد و الإنسان؛ لاتّحاده معه في الخارج، و كذلك بينه و بين الوجود، و إلّا يلزم زيادة الوجود على الماهيّة في الخارج، و كذلك بينه و بين الشي‏ء؛ لاتّحاده معه فيه، و إلّا يلزم التسلسل، و صرّحوا- أيضاً- بأنّ الإنسان عين الحيوان الناطق، الذي هو حدّ له، و أنّ الفرق بينهما إنّما هو بالإجمال و التفصيل.

و بالجملة: لا ريب في أنّه ليس بين الموضوع و المحمول في هذه القضايا نسبة و ربط لأحدهما بالآخر في الواقع و نفس الأمر، بل الموضوع فيها متّحد مع المحمول و عينه ضرورةً، و كذا المعنى المعقول منها- أي القضيّة المعقولة منها- لأنّ المفروض أنّه معقول منها، و ليس فيها نسبة، فكذلك في المعقول منها، و إلّا لم يكن معقولًا منها، و كذلك القضيّة الملفوظة ليس بين الموضوع و المحمول فيها نسبة؛ لأنّها حاكية عن الواقع، و ليس في الواقع نسبة بينهما؛ حتّى تَحكي النسبة في القضيّة الملفوظة عنها، و كذلك المفهوم منها، بل الهيئة في القضايا المذكورة تحكي عن الاتّحاد و الهوهوية الخارجيّة، و معنى السوالب من هذه القضايا هو سلب الاتّحاد و الهوهويّة، فمعنى «أنّ زيداً ليس بحجر» أنّه ليس متّحداً معه في الخارج، و سمّينا هذا القسم من القضايا بالقضايا المستقيمة غير المؤوّلة.

و من القضايا ما تشتمل على ثلاثة أجزاء: الموضوع و المحمول و النسبة بينهما، نحو: «زيد على السطح»، فإنّه لا يُراد منها أنّ زيداً متّحد مع السطح، و لا مع كونه على‏

359

السطح؛ لأنّ الكون فيه رابطيّ، و هذا القسم من القضايا التي لا تحكي عن الهوهويّة الخارجيّة سمّيناها بالقضايا المؤوّلة.

و ممّا يدلّ على ما ذكرنا: صدق قولنا: «زيد له البياض»، و عدم صدق قولنا:

«زيد بياض»، و ليس ذلك إلّا لأجل أنّ الهيئة في الثاني تدلّ على الهوهويّة و الاتّحاد، و ليس خارجُه كذلك. هذا في الموجبات.

و أمّا السوالب فاختلفوا: في أنّه هل تشتمل على نسبة سلبيّة (1)؛ ليكون مفادها ربط السلب، أو أنّه ليس فيها نسبةٌ، و أنّ مفادها سلب الربط و الانتساب، فحيث إنّه ليس في الخارج شريكُ الباري و وجودٌ و ارتباط بينه و بين ذلك الوجود، و ثبت في محلّه أنّ صِرف الشي‏ء لا يتكرّر (2)، امتنع أن يكون له تعالى‏ ثانٍ و شريك يتصوّر أنّه شريك الباري في النفس، و يُحكم بأنّه ممتنع، و أنّه ليس بينه و بين الوجود نسبة و ارتباط، و حينئذٍ يحكم بسلب الربط بينهما، و إلّا فلا يعقل وجود النسبة بين الشي‏ء و العدم في الخارج؛ لاحتياجها إلى‏ وجود المنتسبين فيه، و ذلك واضح.

و بالجملة: المقصود هو أنّه ليس جميع القضايا متقوّمة بالنسبة؛ لعدم اشتمال بعضها عليها، بل هي مركّبة من جزءين، و بعضها مشتملة على النسبة، و أنّها مركّبة من ثلاثة أجزاء، و بعضها مركّبة من أربعة أجزاء، و بعضها من خمسة أجزاء.

الثاني: أنّهم ذكروا أنّ المناط في صدق القضية و كذبها هو أنّه إن كان الكلام لنسبته خارج تطابقه‏ (3) أو لا تطابقه فهو إخبارٌ و إلّا فإنشاء.

و الحقّ أنّه ليس كذلك، بل التحقيق: أنّ ما به تتقوّم الجملة الخبريّة هو احتمال الصدق و الكذب، و أنّ الملاك التامّ لاحتمالهما هو الحكاية التصديقيّة، سواء كانت‏

____________

(1)- النجاة: 13، شرح المنظومة- قسم المنطق-: 51.

(2)- شرح المنظومة- قسم الفلسفة-: 43 سطر 4.

(3)- المطوّل: 30 سطر 15، المنظومة قسم الفلسفة: 54 سطر 2. القوانين: 419 سطر 10.

360

حكاية عن الهوهويّة التصديقيّة، أو عن النسبة التصديقيّة، فإنّ الهيئة في قولنا: «زيد إنسان» تحكي عن الهوهويّة التصديقيّة، و في قولنا: «زيد على السطح» عن النسبة التصديقيّة، بخلاف «رجل عالم» أو «زيد العالم» بنحو التوصيف، فإنّ الهيئة فيهما تحكي عن الهوهويّة التصوّريّة و في «غلام زيد» عن النسبة التصوُّريّة؛ لما عرفت من عدم اشتمال جميع القضايا على النسبة.

و مناط الصدق و الكذب هو مطابقة هذه الحكاية التصديقيّة- سواء كانت إيجابيّة أو سلبيّة- للواقع و نفس الأمر و عدمها، مثلًا: لو قال: «زيد قائم» أو «في الدار»، فإن كان زيد كذلك في نفس الأمر فالقضيّة صادقة، و إلّا فكاذبة.

الأمر الثالث: قد عرفت أنّ القضايا مختلفة؛ لأنّها إمّا موجبة أو سالبة، و كلٌّ منهما: إمّا محصّلة أو معدولة.

و لها قسم آخر: و هي الموجبة السالبة المحمول، و هي التي تنحلّ إلى‏ قضيّتين، مثل: «زيد هو الذي ليس بقائم»، و هذه كالقضايا الموجبات المحصّلات و المعدولات، لا بدّ لها من وجود الموضوع؛ لأنّ ثبوت شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوت المثبت له، و إن كان الثابت وصفاً عدميّاً، بخلاف السالبة المحصّلة، فإنّه يمكن صدقها بانتفاء موضوعها، و أمّا القضيّة الموجبة المحمول فإنّها و إن أمكن تصويرها، مثل: «زيد هو الذي قائم»، لكن لم يعدّوها من القضايا المعتبرة في العلوم.

الأمر الرابع: الموضوع في القضيّة لا بدّ أن يكون: إمّا مفرداً، أو بحكم المفرد كالهوهويّة التصوّرية، مثل: «زيد العالم»، أو النسبة التصوّرية، نحو: «غلام زيد»، لا جملةً تدلّ على الهوهويّة التصديقيّة أو النسبة التصديقيّة لعدم إمكانه. و أمّا قولنا:

«زيدٌ قائمٌ غيرُ عمرٌو جالس»، فمعناه: أنّ هذه الجملة غير تلك. و كذلك المحمول.

إذا عرفت هذا فنقول: إذا ورد عامّ، مثل: «أكرم العلماء»، و خاصّ مثل:

«لا تكرم الفُسّاق منهم» من المخصِّص المنفصل، أو كالاستثناء من المخصِّص المتّصل، فلا

361

ريب و لا إشكال في أنّ التخصيص المذكور يوجب تغيُّر عنوان موضوع العامّ بحسب الجدّ، و أنّه العلماء الغير الفسّاق.

فقال في «الكفاية»: إنّ الباقي تحت العامّ بعد التخصيص حيث إنّه غير مُعنوَن بعنوان خاصّ، بل بكلّ عنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاصّ، فلجريان الأصل الموضوعي في الشبهة المصداقيّة- إلّا ما شذّ- مجال واسع، فيمكن استصحاب عدم تحقُّق الانتساب بين المرأة المشكوك كونها قرشيّة و بين قريش، فيحكم بأنّها ترى‏ الحُمرة إلى‏ خمسين سنة؛ لأنّ كلّ مرأة كذلك إلّا القرشيّة. انتهى‏ (1) حاصله.

و قال الاستاذ الحائري (قدس سره) في درسه: إنّه يمكن أن يُشار إلى‏ المرأة المشكوكة، فيقال: هذه لم تكن بحسب الماهيّة في الأزل قرشيّة، فيُستصحب عدم قرشيّتها، و يحكم عليها بأنّها ترى‏ الحمرة إلى‏ خمسين سنة، و قال الشيخ الأعظم (قدس سره)(2) ما يقرب من هذا المعنى.

أقول: قد عرفت أنّ التخصيص لا يوجب تغيّر عنوان موضوع حكم العامّ، و حينئذٍ فإمّا أن يصير الموضوع بعد التخصيص: هو كلّ امرأة متّصفة بأنّها غير قرشيّة بنحو القضيّة المعدولة، و إمّا بنحو الموجبة السالبة المحمول، مثل: «كلّ امرأة ليست قرشيّة»، لا بنحوٍ يجعل القضيّة موضوعة للحكم؛ لما عرفت أنّه غير ممكن، بل المراد أخذ الموضوع نظير المعدولة أو الموجبة السالبة المحمول.

و لا يمكن أن يؤخذ الموضوع بنحو السالبة المحصّلة، التي يمكن صدقها بانتفاء الموضوع، مثل: «كلّ امرأة ليست قرشيّة» و لو لعدم وجود المرأة؛ لأنّه لا يعقل أن يُحكم بإثبات حكمٍ لموضوعٍ عدميٍّ، نعم لو فُرض وجود الموضوع- كالمرأة في المثال- أمكن أخذ الموضوع بنحو السلب المحصّل أيضاً.

____________

(1)- كفاية الاصول: 261.

(2)- مطارح الأنظار: 194 سطر 30.

362

فإن اخذ الموضوع بعد التخصيص بأحد النحوين الأوّلين- أي بنحو العدول أو الموجبة السالبة المحمول- فلا ريب في أنّ استصحاب عدم القرشيّة بأحد النحوين المذكورين، فرع ثبوت الموضوع، و ليس للاستصحاب المذكور حالة سابقة؛ لأنّه لم تكن المرأة موجودة في زمان سابق متّصفةً بعدم القرشيّة؛ كي يستصحب ذلك العدم.

و استصحاب العدم الأزلي لا يفيد؛ لأنّ عدم تحقّق الانتساب بينها و بين قريش في الأزل إنّما هو بانتفاء الموضوع، مضافاً إلى‏ أنّ ذلك الأصل لا يُثبت عنوان «المرأة التي ليست بقرشيّة».

و إن اخذ بنحو السالبة المحصّلة مع فرض وجود الموضوع، فليس للمستصحب حالة سابقة؛ لأنّها لم تكن موجودة في زمان مع العلم بعدم قرشيّتها كي يُستصحب ذلك العدم.

و لو سُلِّم أنّه اخذ في الموضوعِ المرأةُ مع عدم كونها قرشيّة بنحو السلب المحصّل و لو بانتفاء الموضوع، و أغمضنا النظر عن عدم معقوليّته، فإنّه يرد عليه:

أوّلًا: أنّ القضيّة المتيقّنة فيه ليست متّحدة مع المشكوكة، لأنّ القضيّة المتيقّنة هو عدم كون المرأة قرشيّة لأجل عدم وجودها، و أمّا القضيّة المشكوكة فهي عدم قرشيّة المرأة الموجودة المشار إليها ب «هذه»، و هي فرد خاصّ من المرأة، و يشترط في الاستصحاب اتّحاد القضيّة المتيقّنة و المشكوكة.

و ثانياً: أنّ هذا الاستصحاب مثبِت؛ لأنّ صدق السالبة- و لو بانتفاء الموضوع- أعمّ من صدقها مع وجود الموضوع، فاستصحاب عدم القرشيّة بنحو السلب المحصّل- بانتفاء الموضوع الذي هو أعمّ- لا يثبت عدم القرشيّة بنحو السلب المحصّل مع وجود الموضوع؛ لأنّ عدم قرشيّة هذه المرأة أثر عقليّ للمستصحب المذكور، و حينئذٍ فما ذكروه في المقام لا يمكن تصحيحه بوجه من الوجوه.

هذا كلّه بالنسبة إلى‏ استصحاب العدم الأزلي في الموارد التي ليست لها حالة سابقة.

363

و أمّا لو فرض أنّ للمستصحب حالة سابقة، فلا إشكال في الاستصحاب الموضوعي في الجملة في بعض الموارد، لا في جميعها.

توضيح ذلك: أنّه إذا ورد «أكرم العلماء» و خُصّص بقوله: «لا تُكرم الفُسّاق منهم»، و فُرض الشكّ في فرد أنّه فاسق أو لا، فقد عرفت أنّ الخاصّ يغيّر عنوان العامّ بحسب الجدّ، و أنّ الموضوع للعامّ بحسب الجدّ هو العالم الغير الفاسق؛ بنحو العدم النعتي، أو الموجبة السالبة المحمول.

فإن كان للفرد المشكوك حالة سابقة، و كان مسبوقاً بعدم الفسق في الزمان السابق، مع العلم ببقاء علمه، و إنّما الشكّ في بقاء عدالته، فلا إشكال في جريان استصحاب عدم فسقه، فيحكم بأنّه عالم غير فاسق، و يُنقَّح به موضوع وجوب الإكرام، فيجب إكرامه.

و لو علم باتّصافه بعدم الفسق سابقاً و عدم اتّصافه بالعلم، ثمّ صار عالماً بالوجدان، و شكّ في بقاء عدالته و عدم فسقه، ففي جريان الاستصحاب إشكال؛ لأنّ موضوع العامّ بحسب الجدّ هو عنوان العالم الغير الفاسق، و استصحاب عدم فسق زيد لا يثبت هذا العنوان، غاية الأمر أنّه بعد استصحاب عدم فسق زيد، و بعد العلم بصيرورته عالماً، يحكم العقل بأنّه عالم غير فاسق، لكنه حكم عقليّ ليس بمستصحب، و المستصحب هو عدم فسق زيد، لا العالم الغير الفاسق كي ينقّح به موضوع حكم العامّ، مع أنّه يعتبر في استصحاب الموضوعات ترتُّب أثرٍ شرعيٍّ عليها، بل معنى الاستصحابات الموضوعية هو إثبات صغرى لكبرى كلّيّة شرعيّة، و أمّا خفاء الواسطة التي ذكروها، فإن كان بحيث يُعدّ الأثر للمستصحب عرفاً فهو صحيح، و إلّا فلا.

و لو علم اتّصاف زيد بالعدالة في الزمان السابق، و علم باتّصافه بالعلم كذلك، لكن لم يعلم اتّحاد الزمانين في السابق؛ بأن لم يعلم بعدالته في زمان اتّصافه بالعلم، أو في غير ذلك الزمان، فهو مثل القسم الثاني في عدم جريان الاستصحاب؛ لعين ما ذكر.

364

و بالجملة: المناط في جريان الاستصحاب في الشبهات المصداقيّة للمخصِّص، هو كون المستصحب عين موضوع العامّ، لا ما يلازمه عقلًا.

المسألة الرابعة في التمسّك بالعامّ لكشف حال الفرد

ذكر بعضٌ: أنّه قد يُتمسّك بالعمومات فيما لو شُكّ في فرد لا من جهة التخصيص، بل من جهة اخرى‏، كما لو شُكّ في صحّة الوضوء أو الغسل بمائع مضاف، فيستكشف صحّته بعموم، مثل: «أوفوا بالنذور» فيما لو نذره كذلك؛ بأن يقال: الإتيان بهذا الوضوء واجب وفاءً بالنذر للعمومات، و كلّما وجب الوفاء به و الإتيان به، فهو لا محالة صحيح؛ للقطع بأنّه لو لا صحّته لما وجب الوفاء به، فيحكم كلّيّاً: بأنّ الوضوء بالماء المضاف صحيح و لو فيما لم يقع متعلَّقاً للنذر (1).

و ربّما يؤيّد ذلك: بما ورد من صحّة الإحرام قبل الميقات‏ (2)، و الصيام في السفر (3)، و النافلة في وقت الفريضة (4)؛ بناءً على المنع عنها.

و فيه: أوّلًا: أنّ العموم المذكور و نحوه محكوم بقوله:

(لا نذر إلّا في طاعة اللَّه)

(5)، و عموم وجوب إطاعة الولد للوالد محكوم بقوله:

(لا طاعة لمخلوق في‏

____________

(1)- قرَّره في مطارح الأنظار: 195- 196.

(2)- التهذيب 5: 53- 54 باب 6 من كتاب الحج ح 8- 10، الوسائل 8: 236 انظر باب 13 من أبواب المواقيت.

(3)- التهذيب 4: 235 باب 57 من كتاب الصيام ح 63، الوسائل 7: 141 باب 10 من أبواب من يصح منه الصوم ح 7.

(4)- الكافي 3: 388 باب التطوّع في وقت الفريضة ح 3.

(5)- نصب الراية 3: 278 مع اختلاف في اللفظ.

365

معصية اللَّه)

(1)؛ لأنّها عرفاً شرح و تفسير للعمومين المذكورين، و حينئذٍ فالكلام في التمسُّك في الشبهة المصداقيّة للحاكم بالعمومين، هو الكلام في التمسُّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصِّص بلا فرق بينهما.

و ثانياً: سلّمنا عدم حكومتهما على العمومين، لكن لا أقلّ من أنّهما مخصِّصان لهما، و حينئذٍ فالمنذور الذي شُكّ في أنّه طاعة، أو شُكّ فيما أمر به الوالد أنّه مباح أو لا، من قبيل الشكّ في الشبهة المصداقيّة للمخصِّص، و التمسُّك بالعامّ فيها غير جائز كما مرّ.

و ثالثاً: ما ذكروه أسوأ حالًا من التمسُّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصِّص؛ لأنّه مضافاً إلى‏ أنّه كذلك فيه استكشاف لحال الموضوع من صحّة الوضوء المذكور و إباحة المنذور، نظير التمسّك بعموم «أكرم العلماء» في إثبات أنّ زيداً عالم، و لا يخفى على أحد فساده كما في «الكفاية» (2).

و أمّا التأييد المذكور فلا ربط له بما نحن فيه؛ لأنّ المقصود ممّا ذكر هو التمسُّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصِّص، و لا شبهة في حرمة الإحرام قبل الميقات و كذلك الصوم في السفر، غاية الأمر أنّه قام دليل خاصّ على صحّة النذر فيهما بأحد التوجيهات التي ذكرها في «الكفاية» (3)، و ليس هنا مقام تفصيلها، و البحث فيه موكول إلى‏ الفقه.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ التأييد المذكور إنّما هو بلحاظ أنّ النذر إذا صحّ فيهما صحّ فيما نحن فيه بالطريق الأولى.

____________

(1)- عوالي اللآلي 1: 444 ح 164. في المصدر (لا طاعة لمخلوق ...).

(2)- كفاية الاصول: 262.

(3)- كفاية الاصول: 263.

366

المسألة الخامسة في التمسّك بالعامّ عند الشكّ بين التخصيص و التخصّص‏

لو قال: «أكرم العلماء»، و عُلم بحرمة إكرام زيد المشكوك أنّه عالم أو لا، فإن كان عالماً في نفس الأمر لزم التخصيص في العامّ المذكور، و إلّا فهو خارج موضوعاً.

و بالجملة: إذا دار الأمر فيه بين التخصيص و التخصُّص، فهل يصحّ التمسُّك بعموم «أكرم العلماء» و أصالة عدم تخصيصه في إثبات أنّه غير عالم أو لا، و على الثاني ما السرّ في عدم الجواز؟

قال الشيخ (قدس سره): إنّ ديدن العلماء و دأبهم مستقرّ على التمسُّك بالعامّ في إثبات عدم فرديّة المشكوك له؛ لأنّهم يتمسّكون لإثبات عدم نجاسة ماء الغُسالة المنفصلة من المتنجِّس بعموم «كلّ نجس منجِّس»، فلمّا ثبت أنّ الغُسالة غير منجِّسة لملاقيها يستكشف أنّها ليست نجسة؛ لأنّ كلّ نجس منجِّس لملاقيه‏ (1).

و تمسّك في «الكفاية»- في باب الصحيح و الأعمّ- لإثبات أنّ الصلاة موضوعة للصحيحة منها بعموم‏ «الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ» (2)، و حيث إنّ الفاسدة ليست كذلك قطعاً يستكشف منه أنّها ليست بصلاة؛ لأنّ كلّ صلاة ناهية عنهما (3).

و قال- في ما نحن فيه- ما حاصله: إنّه لا يجوز ذلك؛ لأنّ الدليل على حجّيّة أصالة العموم هو بناء العقلاء، و هو دليل لُبّيٌّ لا بدّ من الاقتصار فيه على القدر المتيقَّن،

____________

(1)- انظر مطارح الأنظار: 196 سطر 15.

(2)- العنكبوت: 45.

(3)- كفاية الاصول: 45.

367

و المثبِتات من الاصول اللفظيّة و إن كانت حجّة، لكن لم يُحرز هنا بناء العقلاء على أصالة العموم؛ لاحتمال اختصاص بنائهم عليها بما إذا لم يكن المراد معلوماً، و أنّه أراد الحقيقة أو لا، و المراد فيما نحن فيه معلوم‏ (1).

و قال المحقِّق العراقي (قدس سره) في توضيح ذلك ما حاصله: إنّ قوله: «أكرم العلماء» و إن كان بمنزلة الإخبار عن وجوب إكرامهم؛ في جريان أصالة العموم و أصالة تطابق إرادتي الجدّ و الاستعمال، و أنّ عكس نقيضه هو أنّ من لا يجب إكرامه فهو ليس بعالم، لكن حيث إنّ أصالة العموم و الحقيقة أصل تعبّديّ من العقلاء، فلا بدّ من إحراز التعبُّد به في إثبات هذا لعكس النقيض الذي هو لازم للقضيّة، فإنّه لازم واقعيّ يحتاج في إثباته إلى‏ وقوع التعبُّد به، نظير أصالة الصحّة بالنسبة إلى‏ ملزوماتها، فإنّها من الاصول اللفظيّة، لكن لا يثبت بها جميع الآثار العقليّة و الواقعيّة؛ لعدم إثبات الملزومات بها.

و بعبارة اخرى‏: السرّ في عدم جواز التمسُّك بالعموم فيما ذكر: هو أنّه إنّما يجوز التمسُّك بالعامّ في إثبات عدم كون الفرد المشكوك مصداقاً للعامّ، مع العلم بأنّه ليس محكوماً بحكمه، إذا فُرض أنّ العامّ متعرِّض لبيان حال الأفراد، و قوله: «أكرم العلماء» ليس كذلك، فلا يجوز التمسُّك به في نفي مصداقيّة المشكوك له، كما مرّ في بيان عدم جوازه في الشبهة المصداقيّة؛ لعدم الفرق بين ما نحن فيه و بين تلك المسألة إلّا أنّ المقصود هاهنا نفي مصداقيّة المشكوك له، و هناك إثبات مصداقيّته له.

و بالجملة: حيث إنّ العمومات متكفّلة لبيان الحكم الكلي للأفراد بدون التعرُّض لتشخيص الأفراد و حالاتها، فلا يجوز التمسّك بها لنفي فرديّة المشكوك لها (2). انتهى.

____________

(1)- كفاية الاصول: 264.

(2)- مقالات الاصول 1: 153- 154.

368

أقول: لا بدّ من ملاحظة أنّ عكس النقيض الذي هو لازم غير منفكٍّ عن القضيّة، هل هو لازم لنفس العامّ و مجرّد الكبرى الكلّيّة، أو أنّه لازم للعامّ المتعرِّض للأفراد و حالاتها؟

لا ريب في أنّه لنفس القضيّة و العموم، و حينئذٍ يرد عليه: أنّه بعد تسليم جريان أصالة العموم و أصالة تطابق الجدّ و الاستعمال، و أنّه يجب إكرام كلّ فردٍ فردٍ من العلماء؛ بلا استثناء فرد منه بحسب الجدّ، لا محيص عن الالتزام بأنّ من لا يجب إكرامه فهو ليس بعالم؛ لأنّ عكس نقيض القضيّة لازم لها غير منفكّ عنها، بل هو عينها، و إلّا لم يكن العامّ عامّاً. هذا خلف. فمع تسليم عموم وجوب إكرام العلماء بحسب الجدّ، لا يمكن عدم تسليم أنّ من يحرم إكرامه فهو ليس بعالم، الذي هو عكس النقيض.

و أمّا عدم جواز التمسُّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، فقد عرفت أنّ السرّ فيه هو عدم جريان أصالة الجدّ فيه.

فالتحقيق: أنّ السرّ في عدم جواز التمسُّك بالعامّ في المقام هو عدم جريان أصالة العموم و الحقيقة فيه؛ لأنّ الدليل عليها هو بناء العقلاء الذي لم يحرز في جميع الموارد، بل في الموارد التي تُؤدّي إلى‏ الاحتجاج و المخاصمة و اللجاج، كما في الخطابات الصادرة من الموالي العُرفيّة إلى‏ عبيدهم، و لذلك ترى‏ عدم بنائهم عليها في أشعار السعدي أو امرئ القيس- مثلًا- مع بنائهم عليها في موارد اخرى‏.

و بالجملة: المسلّم المقطوع به من بنائهم عليها، إنّما هو فيما إذا لم يعلم مراد المتكلّم أنّه أراد الحقيقة و العموم من قوله: «أكرم العلماء»، أو أراد الخصوص باستعمال العامّ في بعض الأفراد مجازاً، لا فيما عُلم المراد، كما في ما نحن فيه.

369

المسألة السادسة في التمسّك بالعامّ إذا كان المخصّص مجملًا

و أمّا إذا علم بحرمة إكرام مسمّى زيد، و دار أمره بين زيد بن عمرو العالم؛ ليلزم التخصيص في العموم، و بين زيد بن بكر الجاهل، فلا يلزم التخصيص، و أنّ خروجه من باب التخصّص، فيمكن أن يقال: إنّه يحكم بوجوب إكرام زيد العالم؛ لجريان أصالتي الجدّ و العموم في العامّ، فيلزمه حرمة إكرام زيد الجاهل؛ للعلم إجمالًا بحرمة إكرام أحدهما، فإذا ثبت وجوب إكرام الأوّل يلزمه حرمة إكرام الثاني، بخلاف الفرض السابق.

370

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

371

الفصل الثامن هل يجوز التمسُّك بالعامّ- بل في جميع الظواهر- قبل الفحص عن المخصِّص و المعارض، أو لا؟

و الكلام هنا في امور:

الأوّل: في محطّ البحث:

قال في «الكفاية»: إنّ محطّ البحث فيه هو بعد فرض حجّيّة العموم من باب الظنّ النوعي للمشافَه و غيره، مع عدم العلم الإجمالي بوجود المخصِّص‏ (1):

أمّا اعتبار حجّيّة أصالة العموم للمشافَه و غيره فواضح.

و أمّا اعتبار حجّيّتها من باب الظنّ النوعي، فلأنّها لو كانت من باب الظنّ الشخصي، فالمناط هو فعليّة الظنّ و عدمها قبل الفحص و بعده.

و أمّا اعتبار عدم العلم الإجمالي بالمخصِّص، فلا بأس بالكلام على كلا تقديري وجود العلم الإجمالي به و عدمه.

الثاني: البحث في وجوب الفحص‏

إنّما هو في المخصِّصات المنفصلة، و أمّا

____________

(1)- انظر كفاية الاصول: 264.

372

المتّصلة منها فلا يجب الفحص عنها بلا كلام؛ لأنّ احتمال وجود المخصّص المتّصل و عدم وصوله إلينا هو- مثل احتمال قرينيّة المجاز- ممّا لا يعتني به العقلاء، كما في «الكفاية» (1).

الثالث: هل يفرّق بين الفحص هنا و بينه في باب البراءة أو لا؟

و فرّق بينهما في «الكفاية»: بأنّ الفحص هنا إنّما هو عن وجود المزاحم للحجّة، بخلافه هناك، فإنّه عن مُتمّم الحجّة، فإنّ موضوع البراءة العقليّة هو عدم البيان، و المراد به هو البيان المتعارف، و لا يلزم وصوله إلى‏ المكلّف بنفسه، فلا بدّ أن يُحرز عدم البيان في جريان البراءة بالفحص.

و أمّا البراءة النقليّة فإطلاق أدلّتها و إن يشمل ما قبل الفحص، إلّا أنّ الإجماع بقسميه مُقيّد له بما بعد الفحص‏ (2).

فنقول:

أمّا وجوب الفحص عن المخصِّص مع عدم العلم الإجمالي بوجوده في البين-

كما هو الحقّ في محطّ البحث- فالحقّ كما ذكره في «الكفاية» من التفصيل بين ما كان العامّ في مَعرض التخصيص، و بين ما لم يكن كذلك، فيجب الفحص في الأوّل دون الثاني.

فالأوّل مثل الخطابات الصادرة من الشارع في مقام جعل القوانين الكلّيّة، مثل قوله تعالى‏: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (3)، و نحوُه كثيرٌ في الكتاب المجيد و أحاديث سيّد المرسلين (صلى الله عليه و آله و سلم).

و الثاني كما في الخطابات العُرفيّة من الموالي العُرفيّة إلى‏ عبيدهم، الصادرة لا في‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 265.

(2)- انظر كفاية الاصول: 265- 266.

(3)- المائدة: 1.

373

مقام جعل القوانين الكلّيّة؛ و ذلك لأنّ الاحتجاج في مقام المخاصمة و اللجاج يتوقّف على ظهور الكلام في العموم و جريان أصالة الجدّ، و البناء على ذلك من العقلاء ثابت في العمومات الصادرة منهم في مُحاوراتهم العُرفيّة، لا في مقام جعل القانون. و أمّا في مقام جعل القوانين، فقد استقرّ بناء العقلاء و ديدنهم على الفحص عن المخصِّصات للعمومات الصادرة في هذا المقام، و ليس بناؤهم على أصالة الظهور و الجدّ فيها بمجرّد صدورها، و العمومات الصادرة من الشارع من هذا القبيل‏ (1)، و هو المراد من مَعْرَضيّتها للتخصيص، كما عرفت أنّه استقرّ بناء العقلاء على جعل القوانين الكلّيّة أوّلًا، ثمّ بيان المخصِّصات و المُقيّدات و الاستثناءات في موادّ و فصول متأخّرة عنه، و بعد الفحص بالمقدار المعتبر تخرج عن المَعْرَضيّة للتخصيص، و حينئذٍ يصحّ التمسُّك بها.

و انقدح ممّا ذكرنا: أنّه لا فرق بين الفحص هنا و بينه في مسألة البراءة، و أنّ البحث في كلا المقامين إنّما هو عن مُتمِّم الحجّيّة، فكما أنّه لا يصحّ الاحتجاج بأصالة البراءة إلّا بعد الفحص عن الدليل و البيان، كذلك فيما نحن فيه، فإنّ العامّ بمجرّد صدوره و ظهوره ليس حجّة تامّة يصحّ الاحتجاج به، إلّا بعد جريان أصالة الجدّ، التي لا تجري إلّا بعد الفحص عن المخصِّص، فلا فرق بين المقامين في أنّ الفحص إنّما هو عن مُتمّم الحجّة.

ثمّ إنّه قد يقال- و القائل شيخنا الحائري (قدس سره)-: إنّه لو ظُفر بالفحص بمخصِّص مجمل بحسب المفهوم؛ مردّد بين الأقلّ و الأكثر كالفاسق المردّد بين مرتكب الكبائر و الصغائر أو الكبائر فقط، فإجماله يسري إلى‏ العامّ و يصير مُجملًا (2).

لكن بعد التأمّل فيما ذكرنا تعرف: أنّ ما ذكره (قدس سره) غير مستقيم؛ لما عرفت من أنّ العامّ ظاهر في عمومه قبل الفحص و بعده، مع الظفر بالمخصّص و عدمه، غاية الأمر

____________

(1)- انظر كفاية الاصول: 265.

(2)- انظر درر الفوائد: 223- 224.

374

أنّه لا يصحّ الاحتجاج بهذا الظهور، إلّا بعد جريان أصالة الجدّ، و هي لا تجري إلّا بعد الفحص عن المخصِّص، فإذا تفحّص و ظفر بالخاصّ المذكور، يرفع اليد عن العموم و عن أصالة الجدّ بالنسبة إلى‏ ما قامت الحجّة على خلافه، و هو الأقلّ القدر المتيقّن خروجه من العموم، و أمّا الأكثر كالمرتكب للصغائر في المثال، فليس الخاصّ حجّة فيه مع شمول العامّ له، و لا مانع من جريان أصالة الجدّ فيه أيضاً.

هذا كلّه فيما لو لم يُعلم إجمالًا بوجود المخصِّصان.

و أمّا لو عُلم بوجودها إجمالًا فاستُدلّ لوجوب الفحص‏

- حينئذٍ- و عدم جواز التمسُّك بالعامّ قبل الفحص: بأنّ مقتضى العلم الإجمالي بها و بالمُقيِّدات الكثيرة للإطلاقات الواردة في الشريعة- حتى قيل: «ما من عامّ إلّا و قد خُصّ» (1)، و ما من مطلق إلّا و قد قُيِّد- هو عدم جواز التمسُّك بها قبل الفحص و اليأس عن المخصِّص، و بعده ينحلّ العلم الإجمالي بالظفر بعدّة من المخصِّصات.

و اورد عليه بوجهين:

الوجه الأوّل: إنّ مقتضى الدليل المذكور أعمّ من المدّعى، و وجوب فحص أزيد منه؛ لأنّ المدّعى هو وجوب الفحص فيما بأيدينا من الأخبار المُودَعة في كتب الأخبار، و دائرة العلم الإجمالي أوسع من ذلك؛ لأنّ أطرافه أعمّ ممّا بأيدينا و وصل إلينا من الأخبار و الأحكام و ممّا لم يصل إلينا منها، و الأخبار المضبوطة في الاصول و الجوامع الأوّليّة لم تصل جميعها إلينا.

و بالجملة: العلم الإجمالي إنّما هو بوجود مخصِّصات كثيرة فيما صدر من الشارع كلّها، لا في خصوص ما بأيدينا من الأخبار فقط، و الفحص فيما بأيدينا من الكتب لا يوجب انحلال العلم الإجمالي و إن بلغ الفحص ما بلغ‏ (2).

____________

(1)- معالم الدين: 124 سطر 2.

(2)- انظر مطارح الأنظار: 202 سطر 21.

375

و ذكر المحقّق الميرزا النائيني (قدس سره) هذا الإشكال في الاصول العمليّة فقط (1)، و أجاب عنه بما حاصله: أنّه بعد الفحص عنها فيما بأيدينا من كتب الأخبار ينحلّ العلم الإجمالي غاية الأمر أنّه ليس انحلالًا حقيقيّاً، بل انحلال حكميّ؛ لأنّ ما عثرنا عليه منها قابل الانطباق على ما عُلم إجمالًا منها؛ إذ لا يُعلم بأنّ في الشريعة أحكاماً أزيد ممّا تكفّلته الأدلّة التي عثرنا عليها (2).

و لعلّه إلى‏ ذلك يرجع ما أفاده المحقّق العراقي (قدس سره) في الجواب عن الإشكال؛ حيث قال في المقالات- بعد ذكر عدم جواز التمسّك بالعامّ قبل الفحص عن المخصِّص للعلم الإجمالي-: لا بدّ أن يفحص عنه فإن ظُفر بالمعارض أو الحاكم فهو، و إلّا فيكشف [عن‏] خروج هذا المورد من الأوّل عن دائرة العلم الإجمالي، و بهذا يندفع الإشكال‏ (3).

فإنّ تعبيره: بالظفر بالمعارض، يُشعر بأنّ مراده هو ما ذكره الميرزا النائيني (قدس سره)- من أنّا لا نعلم أنّ في الشريعة أحكاماً سوى ما بأيدينا- و إلّا فلا يمكن الظفر بالمعارض فيما لم يصل إلينا.

نعم ظاهرُ تعبيره- بأنّه يكشف [عن‏] خروج هذا من الأوّل عن دائرة العلم الإجمالي- خلافُه، فإنّ ظاهره أنّ الأطراف كانت أطرافاً له ابتداءً؛ سواء انكشف الخلاف أم لا، غاية الأمر أنّه بعد الظفر بالمخصِّص يحكم بأنّها لم تكن أطرافاً للعلم الإجمالي من حينه، لا من الأوّل؛ للعلم الوجداني بأنّها كانت أطرافاً له و لو بعد الانحلال أيضاً.

اللّهمّ إلّا أن يريد ما ذكرناه: من أنّه ينكشف خطأ الاحتمال المذكور.

____________

(1)- انظر فوائد الاصول 4: 278- 279.

(2)- فوائد الاصول 4: 280.

(3)- مقالات الاصول 1: 154 سطر 21.

376

و على أيّ تقدير فهذا الذي ذكراه في الجواب عن الإشكال صحيحٌ لا غبار عليه.

الوجه الثاني: إنّ هذا الدليل أخصّ من المدّعى؛ لأنّ المُدّعى هو عدم جواز التمسُّك بالعامّ إلّا بعد الفحص عن المخصِّص في كلّ عامّ، و العلم الإجمالي بالمخصِّصات و المقيّدات فيما بأيدينا من كتب الأخبار و إن اقتضى ذلك قبل الفحص، إلّا أنّه بعد انحلال العلم الإجمالي- بالفحص و العثور على المقدار المتيقَّن منها- يصير المراد:

صيرورة وجود المخصّص ضمن الأكثر شبهةً بدويّة، و الأكثر هو الباقي من الأخبار التي بأيدينا بعد الظفر بالقدر المتيقّن من المخصّصات من بينها شبهة بَدْويّة، كما في كلّ علمٍ إجماليٍّ تردّدت أطرافه بين الأقلّ و الأكثر، فإنّه بالعثور و الاطّلاع على المقدار المتيقّن الذي هو الأقلّ، ينحلّ العلم الإجمالي، و يصير الأكثر شبهة بدويّة فلا مانع من إجراء الاصول اللّفظية فيه، و لا يقتضي هذا الدليل وجوب الفحص عن المخصِّص في جميع العمومات حتّى بعد انحلال العلم الإجمالي، كما هو المدّعى‏ (1).

و أجاب عنه المحقّق العراقي (قدس سره): بأنّه و إن ظُفِر بالمقدار المعلوم كمّاً، و الشكّ في الزائد يصير بدويّاً، و لكن هذا المقدار إذا تردّد بين محتملات متباينات، منتشرات في أبواب الفقه من أوّله إلى‏ آخره، يصير جميع المحتملات المشكوكة في جميع أبواب الفقه طرفاً لهذا العلم، فيمنع من التمسُّك بالعموم قبل الفحص عن جميعها، و لا يفيد الظفر بالمعارض في هذه الصورة بمقدار المعلوم، فالاحتمال القائم في جميع أبواب الفقه الموجب لكونه طرفاً للعلم، منجِّز للواقع بحسب استعداده، فإنّه مثل العلم الحاصل بعد العلم الإجمالي لا يوجب الانحلال، انتهى‏ (2).

أقول: لو فرض أنّ محتملات المعلوم بالإجمال من المخصِّصات متشتّة في جميع أبواب الفقه إجمالًا، و تردّدت بين الأقلّ و الأكثر، فلو تفحّص المجتهد في جميع أبواب‏

____________

(1)- قرّره أيضاً في فوائد الاصول 4: 278.

(2)- مقالات الاصول 1: 155 سطر 3.

377

الفقه، و ظفر بالمقدار الأقلّ المتيقَّن، فلا محالة ينحلّ العلم الإجمالي المذكور.

و أمّا لو تفحص في بعض أبوابه و ظفر بالمقدار المتيقَّن فهو يُنافي العلم بتشتُّت أطرافه في جميع أبواب الفقه، فلا بدّ إمّا من رفع اليد عن دعوى العلم بتشتُّت محتملاته في جميع أبواب الفقه، و إمّا عن دعوى الظَّفَر بالمقدار المتيقَّن؛ لبقاء العلم الإجمالي بوجود مخصِّصات اخر في سائر الأدلّة، و إلّا فلا محالة ينحلّ العلم الإجمالي.

و قال المحقّق النائيني في الجواب عن الإشكال: بأنّ المعلوم بالإجمال: تارة مرسل غير مُعلَم بعلامة يُشار إليه بتلك العلامة، و اخرى‏ مُعلَم كذلك، و انحلال العلم الإجمالي بالعثور على المقدار المتيقّن إنّما هو في القسم الأوّل، و أمّا القسم الثاني فلا ينحلّ بذلك، بل حاله حال دوران الأمر بين المتباينين.

و ضابط القسمين: أنّ العلم الإجمالي مطلقاً على سبيل القضيّة المنفصلة المانعة الخلوّ، المنحلّة إلى‏ قضيّتين حمليّتين، و هاتان القضيّتان:

تارة: إحداهما متيقّنة، و الاخرى‏ مشكوكة من أوّل الأمر؛ بحيث نشأ العلم الإجمالي من هاتين القضيّتين بضمّ إحداهما إلى‏ الاخرى، كما لو علم بأنّه مديون لزيد إمّا خمسة دراهم أو عشرة.

و اخرى‏: لا كذلك- أي بأن يكون من أوّل الأمر إحداهما متيقّنة و الاخرى‏ مشكوكة- بل تعلّق العلم بالأطراف على وجهٍ تكون جميع الأطراف ممّا تعلّق بها العلم بوجه؛ بحيث لو كان الأكثر هو الواجب لكان ممّا تعلّق به العلم، و تنجّز بسببه، و ليس الأكثر مشكوكاً من أوّل الأمر؛ بحيث لم يصبه العلم الإجمالي بوجه من الوجوه، بل كان الأكثر- على تقدير ثبوته في الواقع- ممّا أصابه العلم، و ذلك في كلّ ما يكون المعلوم بالإجمال مُعلماً بعلامةٍ كان قد تعلّق العلم به بتلك العلامة، فيكون كلّ ما اندرج تحت تلك العلامة ممّا تعلّق به العلم؛ سواء في ذلك الأقلّ و الأكثر، و حينئذٍ لو كان الثابت هو الأكثر في الواقع فقد تعلّق العلم به؛ لمكان تعلُّقه بعلامته، و ذلك كما إذا

378

علمتُ أنّي مديون لزيد بما في الدفتر، فإنّ جميع ما في الدفتر من دين زيد قد تعلّق العلم به؛ سواء كان دين زيد خمسة أو عشرة، فإنّه لو كان دين زيد عشرة فقد أصابه العلم؛ لمكان وجوده في الدفتر و تعلُّق العلم بجميع ما في الدفتر، و أين هذا ممّا إذا كان دين زيد من أوّل الأمر مردّداً بين الخمسة و العشرة؟! فإنّ العشرة في مثل ذلك ممّا لم يتعلّق بها العلم بوجهٍ من الوجوه، و كانت مشكوكة من أوّل الأمر، فلا موجب لتنجُّزها على تقدير ثبوتها في الواقع، بخلاف ما إذا تعلّق العلم بها بوجهٍ؛ و لو لمكان تعلّق العلم بما هو من قبيل العلامة لها، و هو كونها في الدفتر، فإنّها قد تنجّزت على تقدير وجودها في الدفتر.

و إن شئت قلت: كان لنا هنا علمان: علم إجمالي بأنّي مديون لزيد بجميع ما في الدفتر، و علم إجمالي آخر بأنّ دين زيد خمسة أو عشرة، و العلم الثاني غير مقتضٍ للاحتياط بالنسبة إلى‏ العشرة، و العلم الإجمالي الأوّل مقتضٍ للاحتياط بالنسبة إليها؛ لتعلّق العلم بها على تقدير ثبوتها في الواقع، و اللامقتضي لا يمكن أن يُزاحم المقتضي.

و ما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ العلم الإجمالي المُعلَّم المقتضي للفحص التامّ، لا ينحلّ بالعثور على المقدار المتيقّن؛ لأنّ العلم قد تعلّق بأنّ في الكتب التي بأيدينا مقيّدات و مخصِّصات و أحكاماً إلزاميّة، فهو من قبيل العلم بأنّه مديون لزيد بما في الدفتر، فيكون كلّ مقيّد و مخصِّص و حكم إلزاميّ ثابتاً فيما بأيدينا من الكتب، قد أصابه العلم و تعلّق به، و قد عرفت أنّ مثل هذا العلم الإجمالي لا ينحلّ بالعثور على المقدار المتيقّن، بل لا بدّ فيه من الفحص التامّ في جميع ما بأيدينا من الكتب‏ (1). انتهى.

أقول: يرد عليه:

أوّلًا: النقض بما لو علم أنّه مديون لزيد بما كان في الكيس الذي صرفه في مصارفه، أو بما أهداه للمسجد أو غيره، و تردّد ما كان في الكيس بين الأقلّ و الأكثر،

____________

(1)- فوائد الاصول 2: 543- 546.

379

فبناءً على ما ذكره لا يجوز الرجوع إلى‏ الأصل بالنسبة إلى‏ الأكثر؛ لأنّه معلَّم بعلامة «ما في الكيس»، مع أنّه (قدس سره) لا يلتزم به.

و ثانياً: بالحَلّ بأنّ العناوين المتعلَّقة للعلم الإجمالي مختلفة؛ لأنّه قد يكون العنوان المتعلَّق له أمراً بسيطاً مبيَّناً مفهومه، و لكن يُشكّ في المحصِّل له بين الأقلّ و الأكثر، كما لو تعلّق الأمر بعنوان الطهارة، و شُكّ في أنّ المحصِّل له خمسة أجزاء أو ستّة، ففي مثل ذلك مقتضى القاعدة هو الاشتغال؛ لأنّه شكّ في المحصِّل، فيجب الأكثر.

و قد يتردّد نفس العنوان بين الأقلّ و الأكثر، كما في المقام، فإنّ متعلّق العلم هو وجود مخصِّصات كثيرة فيما بأيدينا من الكتب، مردّدة بين الأقلّ و الأكثر، فإنّه و إن تعلّق العلم بما في الكتب، لكنّه مثل عنوان «ما في الكيس» في المثال المتقدّم، و هو عنوان يُشار به إلى‏ الخارج، و هو في جنب العلم الإجمالي بين الأقلّ و الأكثر من المخصِّصات، كالحجر في جنب الإنسان، لا أثر له أصلًا، بل المؤثِّر هو العلم الإجمالي بوجود المخصِّصات إجمالًا، المردّدة بين الأقل و الأكثر، و بعد انحلاله بالعثور و الاطّلاع على الأقلّ، لا محالة ينحلّ العلم الإجمالي المذكور، و لا موجب- حينئذٍ- للأكثر، و لا مانع من التمسُّك بالعموم حينئذٍ.

مضافاً إلى‏ أنّ مقتضى ما ذكره عدم جواز التمسّك بالبراءة بعد الفحص- أيضاً- في الشبهات البَدْويّة، و هو كما ترى‏.

و أمّا بناء العقلاء على ما ذكره، ففيه: أنّه مُسلَّم، لكن لا من حيث اقتضاء العلم الإجمالي ذلك، بل من جهة أنّ الفحص في الشبهات الموضوعيّة خفيف المئونة؛ لا يحتاج إلى‏ مئونة و مشقّة كثيرة فيما كانت كذلك، كما لو تردّد مائع بين الماء و الدم، و يحصل العلم بمجرّد النظر فيه و رؤيته و لو في الشبهات البدويّة، فيوجبون الفحص في ذلك، و لا يُبادرون إلى‏ إجراء البراءة، و مثال الدفتر كذلك و من هذا القبيل. مضافاً إلى‏ قيام الإجماع على وجوب الفحص في الشبهات الموضوعيّة و عدم صحّة التمسُّك‏

380

بالبراءة قبله.

فتلخّص من جميع ما ذكرناه: أنّ الإشكال من الوجه الثاني باقٍ بحاله، و أنّ العلم الإجمالي بوجود المخصِّصات فيما بأيدينا من الأخبار المُودَعة في الكتب الأربعة و غيرها، غيرُ مؤثّر في وجوب الفحص في كلّ عامّ- كما هو المُدّعى- بعد انحلاله بالظفر بالمقدار المعلوم المتيقّن منها، و الشكِّ البدوي بالنسبة إلى‏ الباقي.

و أمّا مقدار الفحص فعلى الفرض الثاني- أي فرض وجود العلم الإجمالي بوجود المخصِّصات- يجب الفحص بمقدارٍ ينحلّ العلم الإجمالي به، و إن قيل بعدم انحلاله، لكن قد عرفت خلافه.

و أمّا على ما اخترناه في محطّ البحث من الفرض الأوّل- و هو فرض عدم العلم الإجمالي بها- فلا بدّ من الفحص التامّ في كتب الأخبار عنها بمقدار يحصل اليأس من وجودها و الاطمئنان بعدمها، فلا يجوز للمجتهد المبادرة إلى‏ التمسُّك بالعمومات، بل كلّ ظاهر ما لم يتفحّص بالمقدار المعتبر، بل لا بدّ من التتبّع في أقوال الفقهاء في كلّ مسألة، خصوصاً المتقدّمين منهم- قُدّست أسرارهم- لكن لا بمقدار يحصل العلم الجازم؛ لاستلزامه العسر و الحرج.

381

الفصل التاسع هل تختصّ الخطابات الشفاهيّة بالحاضرين في مجلس الخطاب أو تعمّ الغائبين عنه بل المعدومين؟

و قبل الشروع في المطلب لا بدّ من تحرير محلّ الكلام:

فقد يقال- القائل هو المحقّق النائيني (قدس سره)-: إنّ الكلام إنّما هو في الخطابات المصدَّرة بأحرف النداء، مثل: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»* (1) و نحوه، لا مثل: «لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ...» (2)، و نحوه ممّا لا خطاب فيه و لا أحرف النداء؛ لأنّه لا إشكال في شموله للمعدومين، فضلًا عن الغائبين‏ (3).

و يؤيّد ذلك عنوان البحث بما عرفت، و ليس في مثل الآية الشريفة خطاب، فلا

____________

(1)- البقرة: 153 و 183.

(2)- آل عمران: 97.

(3)- انظر فوائد الاصول 2: 548.

382

يشمله عنوانه.

لكن ليس كذلك؛ لما سيأتي- إن شاء اللَّه- أنّه و إن لم يشمله عنوان البحث، لكن يشمله ملاكه، و حينئذٍ و إن أمكن البحث في أنّه هل وُضعت أحرف النداء و الخطاب لهذا أو ذاك، لكن النزاع و البحث- حينئذٍ- لُغَويّ، و بحثٌ ضعيف لا ينبغي التعرّض له.

و أمّا البحث في أنّه هل يمكن مخاطبة المعدومين أو بعثهم الفعلي أو زجرهم كذلك أو لا؟ فهو واقع؛ بحيث ذهب بعض الحنابلة إلى‏ جوازه، و استدلّوا عليه بقوله تعالى‏: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (1)؛ لأنّ أمره و إرادته تعالى‏ لا يمكن أن يتعلّقا بالموجود (2)؛ لأنّه تحصيل للحاصل، فلا بدّ أن يتعلّقا بالمعدوم بأن يوجد.

لكن الإنصاف: أنّه لا ينبغي البحث عن ذلك أيضاً؛ فإنّه لا يُتوهَّم أن يتفوّه عاقل- بل أشعريّ- فضلًا عن فاضل بجواز تكليف المعدوم بالبعث و الزجر الفعليّين، و كذلك مخاطبته.

و الذي ينبغي أن يقع محلّ الكلام و البحث هو: أنّه هل يستلزم شمول الخطاب للمعدومين المحال أو لا؟

فإنّه يمكن اختيار الأوّل و القول باختصاص الخطابات المتضمّنة للتكاليف بالمشافهين؛ لأنّها لو عمّت المعدومين يلزم المحال، و يمكن أن يذهب بعضٌ إلى‏ الثاني، و أنّه لا يستلزم محالًا، و حينئذٍ فمرجع النزاع إلى‏ ثبوت الملازمة بين خطاب المعدومين‏

____________

(1)- يس: 82.

(2)- انظر روضة الناظر و جنّة المناظر: 120 قال بأنّ هذا الرأي خلافاً للمعتزلة و جماعة من الحنفية و من الطريف أنّ الشافعية أنفسهم تبنوا هذه الفكرة و اعتبروها من مختصات مذهبهم، راجع كتاب شرح مختصر الاصول: 106 و كتاب المحصول ج 1: 328.

383

و بين تكليفهم بالانبعاث و الانزجار، مع تسليم الطرفين استحالة تكليفهم الفعلي بالانبعاث و الانزجار.

و انقدح بذلك: عدم الفرق بين ما اشتمل على أحرف النداء، مثل: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»*، و بين ما ليس كذلك، مثل: «لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ».

ثمّ إنّه لا بدّ من الكلام في القضايا الحقيقيّة- التي هي مبنى القائلين بأعمّيّة الخطابات و شمولها للمعدومين- و أنّ الأحكام الشرعيّة تعلّقت بالعنوانين بنحو القضايا الحقيقيّة:

فقد يقال- القائل المحقّق الميرزا النائيني (قدس سره)-: إنّ المناط في القضايا الخارجيّة:

هو تعلُّق الحكم بعنوان حاكٍ عن الأفراد الشخصيّة، فكأنّ الحكم تعلَّق بخصوصيّات الأفراد و أشخاصها، مثل: «قُتِل مَن في العسكر»، فإنّ هذا العنوان اخذ مرآةً للأفراد الموجودة في الخارج، فلا فرق بينه و بين أن يقول: «قُتِل زيد و عمرو و بكر»، و إن تغاير الملاك في حكم كلّ واحد، كما لو قُتِل زيد بالسيف، و عمرو بالسهم .. و هكذا، فلا تقع القضيّة الخارجيّة كُبرى كلّيّة لصُغرى؛ لما عرفت [من‏] أنّ الحكم فيها على الأفراد الشخصيّة، فليست كلّيّة حتّى تقع كبرى‏ كلّيّة لصغرى، و أنّ المناط في القضايا الحقيقيّة هو أن يتعلّق الحكم بالطبيعة الحاكية عن الأفراد الأعمّ من المحقّقة الموجودة و المقدّرة المعدومة، لكن حكايتها عن الأفراد المعدومة بالفرض؛ بأن يُفرض و يُقدّر وجودها و حكاية الطبيعة عنها (1).

و ذكر- في باب المفهوم و المنطوق-: أنّ كلّ واحد من الحقيقيّة و الشرطيّة متضمِّنة للشرط و العنوان، لكن يُصرّح في الحقيقيّة بالعنوان، و تتضمّن الشرط، و في الشرطيّة بالعكس يُصرَّح بالشرط، و تتضمّن العنوان، فمرجع‏ «لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ‏

____________

(1)- انظر فوائد الاصول 2: 511- 513.

384

الْبَيْتِ» (1) إلى‏ أنّ من استطاع يجب عليه الحجّ، أو كلّ من وجد في الخارج و كان مستطيعاً يجب عليه الحجّ، و مرجع قوله: «من استطاع يجب عليه الحجّ» أنّه يجب الحجّ على المستطيع‏ (2). انتهى.

أقول: ما أفاده من معنى القضيّة الحقيقيّة و الخارجيّة غير ما هو المصطلح عليه عند أهل الفنّ؛ و ذلك لأنّه لا فرق بين الحقيقيّة و الخارجيّة؛ في أنّ الحكم في كلّ واحدة منهما متعلّق بعنوان حاكٍ عن الأفراد، لا بنفس الأفراد، غاية الأمر أنّه إن قُيِّد العنوان- المتعلَّق للحكم في القضيّة- بما يوجب تضييقَ دائرة الأفراد المحكيّة به، و حصرَها بالأفراد الموجودة في الخارج، مثل: «قُتِل مَن في العسكر» حيث إنّ التقييد ب «مَن في العسكر» يوجب حكاية الموصول عن الأفراد الخارجيّة فقط، و إلّا فالحكم فيها- أيضاً- متعلِّق بالعنوان، لا بالأفراد و أشخاصها، و حينئذٍ فلا مانع من وقوع القضيّة الخارجيّة كُبرى لصُغرى؛ لأنّها كلّيّة.

و إن لم يُقيَّد العنوان المتعلَّق للحكم في القضيّة بما يوجب تضييق دائرة الأفراد و انحصارها بالموجودة فقط- و إن قُيّد بقيود اخر لا توجب ذلك- فهي قضيّة حقيقيّة، مثل: «النار حارّة»، أو «أكرم كلّ عالم»، فإنّه لا اختصاص لها بالأفراد الموجودة، و ليس المراد من الحقيقيّة ما حُكم فيها على جميع الأفراد الموجودة و المعدومة، فإنّ المعدوم ليس بشي‏ء، و لا يصدق عليه شي‏ء؛ حتّى يجب إكرامه، و لم يُفرض فيها وجود الأفراد المعدومة، فإنّا كثيراً ما نحكم بنحو القضيّة الحقيقيّة بدون أن نفرض وجود الأفراد المعدومة، بل الحكم فيها متعلّق بنفس العنوان- أي عنوان «كلّ عالم»- بدون قيد الموجود و المعدوم، فكلّما صدق عليه ذلك العنوان- أي العالم- يتعلّق به الحكم، و إلّا فقبل الوجود لا يصدق عليه الفرد؛ حتّى يحكم عليه بوجوب إكرامه، و لذا قلنا:

____________

(1)- آل عمران: 97.

(2)- انظر فوائد الاصول 2: 494.

385

إنّ لوازم الطبيعة و إن كانت لازمة لها مع قطع النظر عن الوجودين، لكن قبل تحقُّقها بأحد الوجودين لا يصدق عليها نفسها حتّى يثبت لها لوازمها.

و ممّا يدلّ على ما ذكرنا- من أنّ الحكم في الحقيقيّة متعلِّق بالعنوان؛ أي عنوان الأفراد بدون قيد الوجود و العدم-: أنّه يصحّ تقسيمها إلى‏ الموجودة و المعدومة، فلو كان مقيّداً بأحدهما لما صحّ التقسيم المذكور.

و بالجملة: لا يتعلّق الحكم في الحقيقيّة بنفس الطبيعة من حيث هي، و لا بأشخاص الأفراد و خصوصيّاتها، بل هو متعلِّق بعنوان «أفراد العلماء» مثلًا، و هو المراد بقولهم: إنّها برزخ بين الطبيعيّة و الشخصيّة.

إذا عرفت هذا فنقول: حاصل الإشكال في عموم الخطابات الشفاهيّة للمعدومين أمران:

أحدهما: في مثل: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»* (1) و نحوه ممّا يشتمل على حرف النداء، و هو أنّه لو كانت الخطابات للأعمّ يلزم خطاب المعدوم حال عدمه و هو محال.

الثاني: في ما لا يشتمل على أدوات النداء، مثل: «لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ» و نحوه ممّا لا يتضمّن نداءً و لا خطاباً، و هو أنّه يلزم تكليف المعدومين فعلًا و بعثهم و زجرهم لو عمّهم، و هو محال؛ لأنّ المعدوم غير قابل لشي‏ء من ذلك.

أقول: و الجواب عن الإشكال في الفرض الثاني: هو أنّ الحكم في مثله إنّما هو بنحو القضيّة الحقيقيّة، و هي ما اخذ الموضوع فيها- و هو عنوان المستطيع مثلًا- بنحو الإرسال؛ بدون التقييد بالوجود و العدم، فكلّما صدق عليه عنوانه يتعلّق به الحكم، فالمعدوم ليس له حكم، فإنّ الحكم إنّما هو للمستطيع، و لا يصدق هو على أحد إلّا بعد وجوده، فإذا وجد، و صدق عليه عنوان المستطيع يحكم عليه بوجوب الحجّ، و لا فرق في ذلك بين الموجود في زمن صدور الحكم و بين المعدوم.

____________

(1)- البقرة: 153 و 183.

386

و أمّا الإشكال في الفرض الأوّل- أي الخطاب المشتمل على أحرف النداء- فلا يمكن الجواب عنه بالقضيّة الحقيقيّة لكن أجاب عنه الشيخ (قدس سره) بأنّه يمكن خطاب المعدوم بعد تنزيله منزلة الموجود (1)، كما وقع نظيره في الأشعار العربيّة.

قلت: ما ذكره (قدس سره) و إن أمكن في نفسه و في حدّ ذاته، لكن لا دليل على أنّ خطابات القرآن المجيد كذلك، و الممكن الواقع- و ما دلّ عليه الدليل أيضاً- أن يقال:

إنّ الخطابات القرآنيّة الصادرة من اللَّه تعالى‏، ليست خطابات لفظيّة مخاطباً بها الناس كقوله تعالى‏- مثلًا-: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا ...»* (2)؛ لعدم إمكان ذلك؛ لعدم لياقة الناس لأن يكلّمهم اللَّه تعالى‏ بلا واسطة، إلّا أنبياء اللَّه (عليهم السلام) الذين بلغوا في الكمالات ما بلغوا، حتّى صاروا لائقين بأن يخاطبهم اللَّه و يكلّمهم، و إلّا فيستحيل أن يُكلّمهم اللَّه مع عدم لياقتهم لذلك، حتّى الحاضرين في مجلس الخطاب، بل لم يثبت وجود مجلس خطاب عند صدور الحكم و نزول الوحي، و قد عرفت أنّ أحرف النداء موضوعة لإيجاده، لا للنداء الحقيقي، كما في «الكفاية» (3)، و هو جزئيّ حقيقيّ يوجد في آنٍ، ثمّ ينعدم و ينقطع في الآن الثاني، و لا بقاء له، فلا يمكن نداء المعدوم و خطابه، بل الخطابات القرآنيّة الإلهيّة خطابات قانونيّة كتبيّة، كما هو دأب جميع العقلاء و ديدنهم من الموالي العرفيّة؛ حيث إنّهم في مقام جعل القوانين يكتبون ذلك و لو بنحو النداء و الخطاب، ثمّ يأمرون المُبلِّغين بنشرها و تبليغها بين الناس، فمن اطّلع عليها يعلم بأنّه مكلّف و مخاطب بها لا بالخطاب الشخصي، فكذلك الخطابات القرآنيّة خطابات كتبيّة، نزل بها جبرئيل على قلب سيِّد المرسلين (صلى الله عليه و آله و سلم) فإنّه مخاطب بتبليغ مثل‏ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»* و نحوه إلى‏ الناس، و لم يكن (صلى الله عليه و آله و سلم) أيضاً واسطة فيه؛ بأن‏

____________

(1)- مطارح الأنظار: 204 سطر 32.

(2)- النساء: 1.

(3)- كفاية الاصول: 268.

387

يخاطب (صلى الله عليه و آله و سلم) الناس عن اللَّه تعالى‏ حتّى كأنّه تعالى‏ خاطبهم؛ لما عرفت من عدم لياقتهم لذلك، فيستحيل وقوع غير الأنبياء مخاطَبين- بالفتح- له تعالى‏، و لا كشجرة موسى؛ بأن يكون خطابه و تبليغه تعالى‏ بنحو إيجاد الصوت من الشجرة، و حينئذٍ فكلّ من هو مصداق لموضوع ذلك الخطاب الكتبي فهو محكوم بحكمه؛ بلا فرق في ذلك بين الموجودين في زمن القانون الكتبي و بين المعدومين، بدون أن يستلزم ذلك مخاطبة المعدوم، و حينئذٍ فليس للإشكال مجال.

ثمّ إنّهم ذكروا لهذا النزاع ثمرتين ذكرهما في «الكفاية» (1)، لكن الاولى منهما غير التي ذكرها غيره كالفصول‏ (2).

فأمّا اللّتان ذكرهما في «الكفاية»:

فالاولى: أنّه يجوز التمسُّك بظهور الخطابات للمعدومين؛ بناءً على الشمول، و عدم جوازه بناءً على اختصاصها بالمشافهين.

و أجاب عنها: بأنّ ذلك إنّما يصحّ لو قلنا باختصاص حجّيّة الظواهر بالمقصودين بالإفهام، و ليس كذلك، فإنّ التحقيق أنّها حجّة مطلقاً.

سلّمنا أنّ حجّيتها مقصورة على المقصودين بالإفهام فقط، لكنّ المعدومين- أيضاً- مقصودون بالإفهام منها، بل المكلّفون مقصودون بالإفهام في الخطابات القرآنيّة و إن لم يكن المعدومون طرفاً للخطاب، كما تدلّ عليه الروايات و أدلّة الاشتراك، كما لا يخفى.

و أورد عليه المحقّق الميرزا النائيني (قدس سره) على ما في التقريرات: بأنّه كيف يمكن التمسُّك بالإطلاقات للمعدومين و الاحتجاج بها، مع فرض عدم شمول الخطاب لهم و عدم توجُّهه إليهم، و إن كانوا مقصودين بالإفهام، بل الاحتجاج بها

____________

(1)- كفاية الاصول: 269- 270.

(2)- الفصول الغروية: 184 سطر 19.

388

مختصّ بالمخاطبين‏ (1).

أقول: ليس مراده (قدس سره) في «الكفاية» احتجاج المعدومين في الفرض بظهورها و التمسُّك بها، بل مراده أنّهم يفهمون- حينئذٍ- أنّ الخطاب الفلاني- مثلًا كان ظاهراً في المعنى الفلاني بالنسبة إلى‏ المخاطبين، فهو حجّة لهم، و بدليل الاشتراك و الروايات يثبت أنّ حكم المعدومين- أيضاً- ذلك، و ليس مراده احتجاج المعدومين بها ليرد عليه ما ذكر.

الثانية: صحّة التمسُّك بالإطلاقات للمعدومين في كلامه تعالى‏ و جريان مقدّمات الحكمة؛ بناءً على شمولها لهم و لو مع اختلافهم في الصنف، و عدم صحّته على القول باختصاصها بالمشافهين، بل يحتاج إلى‏ إثبات اتّحادهم في الصنف معهم؛ حتّى يحكم بدليل الاشتراك بذلك للمعدومين- أيضاً- مثلًا يصحّ التمسّك بإطلاق قوله تعالى‏: «إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ...» (2) لوجوب صلاة الجمعة على المعدومين كذلك، و عدم دخل حضور الإمام (عليه السلام) أو نائبه الخاصّ بناء على عدم الاختصاص، بخلافه على القول بالاختصاص، بل يحتاج- حينئذٍ- إلى‏ إثبات اتّحاد الصنف حتّى يحكم بدليل الاشتراك على وجوبها عليهم أيضاً.

و المراد من الاتّحاد في الصنف: هو الاتّحاد فيما يحتمل أن يكون قيداً للحكم، كحضور الإمام (عليه السلام) أو نائبه الخاصّ في وجوب الجمعة، لا كلّ قيد، فإنّ بعض القيود ممّا لا يحتمل دخلها في الحكم، و حينئذٍ فلا يرد عليه ما أورد عليه بعضهم: من أنّه لو اعتبر الاتّحاد في الصنف لم يمكن إثبات حكم من الأحكام للمعدومين- بل الغائبين أيضاً- بدليل الاشتراك في التكليف؛ للاختلاف بينهم في قيد من القيود (3).

____________

(1)- انظر فوائد الاصول 2: 549.

(2)- الجمعة: 9.

(3)- انظر فوائد الاصول 2: 549.

389

و أورد في «الكفاية» على هذه الثمرة: بأنّه يمكن إثبات الاتّحاد في الصنف بإطلاق الخطاب؛ بأن يقال: لو كان للقيد دخلٌ في الحكم لزم عليه البيان، و حيث إنّه لم يبيِّن ذلك يعلم أنّه غير دخيل في الحكم. انتهى ملخّصه‏ (1).

و فيه: أنّه لا إشكال في صحّة التمسُّك بإطلاق الخطاب و لو مع تقييده بما يكون المكلّفون فاقدين له، كحضور النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) أو وصيّه في وجوب صلاة الجمعة.

____________

(1)- كفاية الاصول: 270.

390

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

391

الفصل العاشر هل تعقُّب العامّ بضمير يرجع إلى‏ بعض مدلوله يُوجب تخصيصه أو لا؟

فيه خلاف:

فذكر الشيخ، و تبعه في «الكفاية» و غيره: أنّ محلّ البحث إنّما هو فيما إذا وقعا في كلامين- أو في كلام واحد- محكومين بحكمين، و أمّا إذا وقعا في كلام واحد و اتّحد حكمهما (1)، مثل: «و المطلّقات أزواجهنّ أحقّ بردّهنّ»، فهو خارج عن محلّ الكلام، مثاله قوله تعالى‏: «وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَ‏، وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ» (2)؛ حيث إنّه من المعلوم أنّ حكم حقّ الرجوع مختصّ بالرجعيّات لا البائنات، فالضمير راجع إلى‏ بعض مدلول المطلَّقات.

____________

(1)- مطارح الأنظار: 207 سطر 35، كفاية الاصول: 271، نهاية الاصول 1: 320، درر الفوائد: 226.

(2)- البقرة: 228.

392

و فصّل المحقّق العراقي بين الضمير و اسم الإشارة (1).

لكنّه غير مستقيم؛ لاشتراك كلٍّ منهما في أنّه إشارة.

و هل يعتبر في محطّ البحث- مضافاً إلى‏ ما ذكر- أن يُعلم بدليلٍ خارجيٍّ أنّ الحكم مختصّ بالرجعيّات في المثال، بدون احتفاف الكلام بما يدلّ على ذلك من القرائن العقليّة أو النقليّة، أو أنّه يعتبر احتفافه بقرينة عقليّة أو لفظيّة تدلّ على ذلك، كما قال: «أهن الفسّاق و اقتلهم»؛ حيث نعلم علماً قطعيّاً بعدم جواز قتل جميع الفسّاق، بل هو مختصّ ببعضهم، أو أنّ محطّ البحث أعمّ من ذلك؟

و لم أرَ من تعرّض لذلك نفياً و إثباتاً، فلا بأس بالإشارة إلى‏ ما هو الحقّ على كلّ واحد من الوجوه:

أمّا على الأوّل: ما إذا لم يكن الكلام محفوفاً بما يدلّ على اختصاص الحكم بالرجعيّات في مثل: «وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ...»، فهنا عامّان:

أحدهما: «وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ».

و ثانيهما: «وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ».

و قام الدليل من الخارج على أنّ العموم الثاني مختصّ بالرجعيّات، و أنّ الإرادة الجدّيّة غير مطابقة فيه بالنسبة إلى‏ البائنات، و لا ربط له بالعامّ الأوّل، فإنّه باقٍ على ما هو عليه من العموم و أصالة تطابق الجدّ و الاستعمال، كيف؟! و العامّ المخصَّص حجّة فيما بقي، فضلًا عن العامّ الغير المخصَّص.

و بالجملة: لا وجه للنزاع- حينئذٍ- فإنّ العامّ الثاني إنّما خُصِّص بدليل خارجيٍّ، دون الأوّل، فلا يدور الأمر فيه بين التخصيص و التجوُّز في الضمير.

و أمّا على الثاني: أي ما إذا كان الكلام محفوفاً بما يدلّ على أنّ العموم غير

____________

(1)- مقالات الاصول 1: 157 سطر 17، نهاية الأفكار 2: 545.

393

مراد في العامّ الثاني، فبناءً على ما ذهب إليه المتأخّرون: من أنّ التخصيص لا يستلزم المجازيّة في العامّ، كما ذهب إليه الشيخ (قدس سره)(1) و تبعه من تأخّر عنه‏ (2)، و أنّ العامّ بعد التخصيص أيضاً مستعمل في معناه الموضوع له، فليس الأمر فيه دائراً بين تخصيص العامّ و بين التجوُّز في الضمير، غاية الأمر أنّ الإرادة الجدّيّة فيه غير مطابقة للإرادة الاستعماليّة في العامّ، فلا وجه للبحث في هذا الباب حينئذٍ.

نعم على مذهب القدماء: من استلزام تخصيص العامّ مجازيّته في الباقي، و أنّه مستعمل في الباقي مجازاً (3)، يدور الأمر بين تخصيص العامّ الأوّل و بين التجوّز في الضمير، فيقع الكلام في أنّ أيّهما مقدّم.

و على أيّ تقدير فالعامّ في هذا الفرض يصير مجملًا؛ لأنّ المفروض احتفاف الكلام بما يوجب ذلك قبل ظهوره التصديقي، فلا يصحّ التمسّك بعمومه؛ لأنّ أصالة الجدّ التي هي من الاصول العقلائيّة غير جارية فيه؛ لعدم بنائهم عليها في هذا المورد، و لا أقلّ من الشكّ في ذلك.

و أمّا على الوجه الثالث من الوجوه: فالحقّ هو التفصيل بين ما إذا عُلم من الخارج أنّ الحكم مختصّ بالرجعيّات؛ بدون احتفاف الكلام بما يدلّ عليه من القرائن العقليّة أو النقليّة، و بين ما إذا كان الكلام محفوفاً بما يدلّ على ذلك، فيجوز التمسُّك بالعموم في الأوّل دون الثاني.

و أمّا ما أفاده في «الكفاية»: من أنّ أصالة العموم إنّما تجري فيما إذا لم يُعلم‏

____________

(1)- مطارح الأنظار: 192 سطر 6.

(2)- كفاية الاصول: 255- 256، درر الفوائد: 212، فوائد الاصول 2: 516.

(3)- عدّة الاصول: 116- 117، معارج الاصول: 97.

394

المراد، لا فيما عُلم و شُكّ في أنّه كيف أراد (1)؟ فهو صحيح، لكن لا ربط له بما نحن فيه بعد فرض عدم استلزام التخصيص للمجازيّة- كما هو مختاره (قدس سره)(2)- فإنّ العامّ المخصّص مستعمل- حينئذٍ- في معناه الموضوع له قطعاً لا شكّ فيه؛ حتى يحتاج إلى‏ جريان أصالة الحقيقة و العموم، و إنّما الشكّ في الإرادة الجدّيّة.

____________

(1)- كفاية الاصول: 272.

(2)- كفاية الاصول: 255- 256.

395

الفصل الحادي عشر في تخصيص العامّ بالمفهوم‏

قال في «الكفاية»: اختلفوا في جواز تخصيص العامّ بالمفهوم المخالف- مع الاتّفاق على الجواز بالمفهوم الموافق- على قولين‏ (1).

و فيه: أنّ المسألة ليست ممّا يصلح الاستدلال فيها بالإجماع و الاتّفاق؛ لعدم كونها ممّا ورد التعبُّد فيها في الشرع، فالمفهوم الموافق- أيضاً- محلّ البحث.

المقام الأوّل: التخصيص بالمفهوم الموافق‏

و في المراد من مفهوم الموافق احتمالات:

أحدها: ما أفاده بعض الأعاظم: من أنّه عبارة عن إلغاء الخصوصيّة، كما لو سُئل عن رجلٍ شكّ بين الثلاث و الأربع، فقال: «فليبنِ على الأربع» مثلًا، فيفهم من السؤال و الجواب أنّه لا دَخْل للرجوليّة في ذلك، لا في نظر السائل، و لا في نظر

____________

(1)- كفاية الاصول: 272.

396

الإمام (عليه السلام) فالمرأة- أيضاً- كذلك، و حينئذٍ فليس المراد منه الأولويّة (1).

الثاني: أنّه عبارة عمّا كُنّي عنه بكلام آخر، كما لو قيل: إنّك لا تقدر أن تنظر إلى‏ ظلّ فلان؛ كناية عن عدم قدرته على إيذائه، فإنّ مقصود المتكلِّم هو المكنّى عنه؛ بدون أن يقصد نفس النظر إلى‏ ظلّه، و لا يبعد أن يكون قوله تعالى‏: «فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ» (2) من هذا القبيل، و عليه فنفس الافّ ليست منهيّاً عنها، بل هو كناية عن النهي عن ضربهما و إيذائهما.

الثالث: أن يتعلّق الحكم بفردٍ، لكن سيق الكلام لبيان حكم كلّيّ، و تعليق الحكم بهذا الفرد لأجل أنّه أحد مصاديق ذلك الكلي؛ لأنّه الفرد الخفيّ.

و الفرق بينه و بين الاحتمال الثاني: هو أنّ الفرد المذكور محكوم بالحكم المذكور و منظور إليه فيه، بخلافه في الاحتمال الثاني.

الرابع: أن يكون الكلام مسوقاً لبيان حكم فرد، و نظر المتكلِّم- أيضاً- إلى‏ هذا الفرد بخصوصه، لكن يكشف بالمناط القطعي الموجود فيه أنّ حكم الفرد الآخر- أيضاً- كذلك بالأولويّة القطعيّة، كما لو قال: «أكرم خدّام العلماء»، فإنّه يعلم منه وجوب إكرام العلماء أنفسهم بالأولويّة القطعيّة و بالطريق الأولى.

و الفرق بينه و بين الاحتمالات الثلاثة المتقدّمة: هو أنّ الكلام فيها مسوق لبيان حكمٍ كلّيٍّ، بخلافه فيه، فإنّه مسوق لبيان حكمِ افرادٍ خاصّة، لكن يكشف به عن الحكم الكُلّي لغيرهم أيضاً.

الخامس: أنّه عبارة عن الأحكام المنصوصة العلّة، كما لو قال: «لا تشرب الخمر؛ لأنّه مُسْكر»، فإنّه يُفهم منه: أنّ النبيذ- أيضاً- كذلك؛ لأنّه- أيضاً- مُسْكر،

____________

(1)- انظر نهاية الاصول 1: 266- 267.

(2)- الاسراء: 23.

397

ذكره بعض الأعاظم‏ (1).

السادس: أنّه عبارة عن الجامع بين الاحتمالات المذكورة؛ أي ما لم يكن واقعاً في محلّ النطق، مع عدم المخالفة بينه و بين المنطوق في الإيجاب و السلب.

ثمّ إنّ محطّ البحث و مورد الإجماع: هل هو فيما إذا كان المفهوم بحيث لو ابدل بالمنطوق خُصّص به العامّ؛ بأن يكون أخصّ مطلقاً من العامّ، أو أنّه أعمّ منه و ممّا إذا ابدل بالمنطوق لم يُخصّص به العامّ، كما في الأعمّ و الأخصّ من وجه؟

الظاهر هو الأوّل، فنقول: بناءً على الاحتمال الأوّل- و هو أنّ المفهوم الموافق عبارة عن إلغاء الخصوصيّة في الكلام- فلا ريب في أنّه لا فرق بينه و بين المنطوق في أنّه يُخصَّص العامّ به، فإنّ كلّ واحد منهما مُستفاد من اللفظ عرفاً، و اللفظ يدلّ عليهما.

و كذلك بناءً على الثاني و الثالث، و في الحقيقة ليس ذلك من قبيل المفهوم، بل هو مدلول اللفظ، فيُخصَّص به العامّ بلا إشكال.

و أمّا الاحتمال الخامس: فإن كان الحكم المنصوص العلّة بحيث يُفهم منه إلغاء الخصوصيّة عرفاً من الحكم المُلقى إلى‏ المخاطَب، و يتبادر منه في المتفاهم العرفي أنّ الحكم يدور مدار العلّة وجوداً و عدماً، كالإسكار في المثال، فهو كالمنطوق في جواز تخصيص العامّ به، فإذا ورد: «كلّ مائع حلال»- مثلًا- فهو يُخصّص بمفهوم قوله:

«الخمر حرام؛ لأنّه مُسكر»، فيخرج منه النبيذ المسكر- أيضاً- و لو كان بينهما العموم من وجه يُعامل معهما معاملة المتعارضين.

و أمّا الاحتمال الرابع: و هو أن يكون الكلام مسوقاً لبيان حكم فرد خاصّ، لكن المخاطَب يكشف منه الحكم الكلي؛ لمكان المناط القطعي له عنده، فادّعى بعض الأعاظم- الظاهر أنّه المحقّق الميرزا النائيني- أنّه لا بدّ أوّلًا من ملاحظة المنطوق مع العامّ: فإن كان بينهما العموم من وجه فالمفهوم- أيضاً- كذلك، و لا يُعقل أن يكون‏

____________

(1)- فوائد الاصول 2: 555.

398

المفهوم أخصّ مطلقاً من العامّ حينئذٍ ليُخصَّص به، و إن كان المنطوق أخصّ مطلقاً منه فحينئذٍ يخصّص العامّ به، و لا يُعقل أن يكون المفهوم أخصّ من وجه و معارضاً له، مع عدم العموم من وجه بين العامّ و المنطوق و عدم التعارض بينهما (1).

و فيه: أوّلًا: أنّ ما ذكره إنّما يصحّ في هذا الاحتمال من معنى المفهوم الموافق، لا في الاحتمالات الاخر مع أنّ مدّعاه عامّ يشمل جميعها، فالدليل أخصّ من المُدّعى.

و ثانياً: قد يعارض المفهومُ الموافقُ العامّ مع عدم معارضة المنطوق له، كما إذا قال: «لا تكرم النحويّين»، ثمّ قال: «أكرم جُهّال خُدّام الصرفيّين»، فإنّه لا تعارض بين العامّ و المنطوق فيهما؛ لعدم تصادقهما في شي‏ء، مع أنّ بينه و بين وجوب إكرام علماء خدّام الصرفيّين المستفاد بنحو مفهوم الموافقة تعارضاً، و بينهما العموم من وجه، كما لا يخفى.

لكن يمكن أن يقال- كما أفاده بعضهم في مثل المثال المذكور في بيان وجوب تقديم المفهوم على العامّ مع أنّ بينهما عموماً من وجه-: إنّ الأمر فيه دائر بين رفع اليد عن المنطوق، و بين رفع اليد عن المفهوم، و بين رفع اليد عن العموم:

لا سبيل إلى الأوّل؛ لأنّه بلا وجه لعدم التعارض بينه و بين العامّ.

و كذلك الثاني؛ لأنّه منافٍ لثبوت الملازمة بين المفهوم و المنطوق.

فلا محيص عن رفع اليد عن العموم‏ (2).

لكن يمكن أن يورد عليه: أنّه و إن لم يكن بين العامّ و المنطوق تعارض أوّلًا و بالذات، لكن بينهما تعارض بالعرض؛ حيث إنّ المنطوق ملازم لما هو معارض للعامّ.

و الحاصل: أنّ العامّ معارِض للمنطوق و المفهوم معاً، لكن بالنسبة إلى‏ المفهوم بالذات و بالنسبة إلى‏ المنطوق بالعرض، فرفع اليد عن المنطوق ليس بلا وجه. هذا كلّه‏

____________

(1)- انظر أجود التقريرات 1: 500- 501.

(2)- انظر مطارح الأنظار: 209- 210 سطر 33.

399

في المفهوم الموافق.

المقام الثاني: التخصيص بالمفهوم المخالف‏

و أمّا الكلام في المفهوم المخالف، و أنّه هل يصحّ تخصيص العامّ به أو لا؟

و ليس محطّ البحث في ذلك أنّه هل القيد في قوله (عليه السلام):

(إذا بلغ الماء قدر كُرٍّ لا يُنجِّسه شي‏ء)

(1)- يعني البلوغ قدر الكرّ- له دَخْل في ثبوت الحكم؛ ليكون تعارضه مع قوله (عليه السلام):

(خلق اللَّه الماء طَهوراً لا يُنجِّسه شي‏ء)

(2) بالإطلاق و التقييد، فيقيّد المطلق به أو لا؟ فإنّه لا ريب في تقييد المطلق به.

بل محلّ البحث إنّما هو في تخصيص العموم به و عدمه بعد ثبوت المفهوم، كما لو قال: «أكرم العلماء»، ثمّ قال: «إن جاءك زيد فلا تهن فسّاق العلماء»، و فُرض أنّ مفهومه المخالف: أنّه لو لم يجي‏ء زيد جاز إهانة فسّاق العلماء، فهل يجوز تخصيص «أكرم العلماء» بهذا المفهوم؛ سواء كانت استفادة العموم بطريق مسلك القدماء، أم مسلك المتأخّرين؟

فنقول: دلالة العامّ على العموم إمّا بالوضع و الظهور اللّفظي، و إمّا بالإطلاق و مقدّمات الحكمة، و كذلك دلالة الشرطيّة- مثلًا- على المفهوم: إمّا من جهة الوضع و الظهور اللفظي، أو من جهة الإطلاق و مقدّمات الحكمة. و على أيّ تقدير: إمّا أن يكون العامّ و ما له المفهوم متّصلين و في كلام واحد، أو منفصلين و في كلامين:

فإن قلنا: إنّ دلالة كلّ واحد منهما بالوضع و ظهور اللفظ، فلا ينعقد للعامّ ظهور

____________

(1)- المختلف 1: 186، الكافي 3: 2 باب الماء الذي لا ينجسه شي‏ء ح 1 و 2، الوسائل 1: 117 و 118 باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 1 و 2 و 6 في المصادر باستثناء المختلف (إذا كان الماء ...).

(2)- المعتبر: 9 سطر 7، الوسائل 1: 101 باب 1 من أبواب الماء المطلق ح 9.

400

في العموم في صورة اتّصالهما؛ لوجود ما يصلح للمخصِّصيّة قبل انعقاد ظهوره، فيقع الإجمال في البين، و في صورة الانفصال يصير كلٌّ منهما مجملًا.

و كذلك لو فُرض أنّ دلالة العامّ على العموم بالإطلاق، و دلالة الشرطيّة- مثلًا- على المفهوم بالوضع و ظهور اللفظ.

و إن قلنا: إنّ دلالة العامّ على العموم بالوضع و ظهور اللفظ- كما هو التحقيق- و دلالة الشرطيّة- مثلًا- على المفهوم بالإطلاق، فالعامّ يصلح لأن يكون بياناً مع الاتّصال، و أمّا مع الانفصال فهو مبنيّ على أنّ المراد بالبيان- الذي يعتبر عدمه في الأخذ بالإطلاق و مقدّمات الحكمة- هل هو الأعمّ من المتّصل و المنفصل، أو أنّه خصوص المتّصل؟

فعلى الأوّل لا يصحّ التمسُّك بالإطلاق، و يُقدَّم العامّ، بخلافه على الثاني، فإنّه يقع الإجمال مع الانفصال.

و إن قلنا: إنّ دلالة كليهما بالإطلاق- لا بالوضع- يقع الإجمال أيضاً.

و أمّا ما يقال (القائل المحقّق الميرزا النائيني (قدس سره)): حيث إنّ المفهوم مستفاد من إناطة الجزاء بالشرط، و الإناطة مدلولة للّفظ و من جهة ظهوره، فيقدّم على العامّ.

ففيه: أنّ الإناطة و إن كانت كذلك لكن مجرّد إناطة الجزاء بالشرط لا يُفيد المفهوم، بل لا بدّ من إثبات العِلِّيّة المُنحصرة للشرط، و هي إنّما تثبت بالإطلاق، كما اعترف هو (قدس سره) به، غاية الأمر أنّه (رحمه اللَّه) تمسَّك لذلك بإطلاق الجزاء، و غيرُه بإطلاق الشرط (1).

____________

(1)- فوائد الاصول 2: 561.