تنقيح الأصول‏ - ج2

- الشيخ حسين التقوي الاشتهاردي المزيد...
457 /
401

الفصل الثاني عشر في تخصيص الكتاب بالخبر

لا إشكال في تخصيص الكتاب بالخبر الواحد المعتبر بالخصوص. و ما يمكن أن‏

يُتمسّك للمنع عنه وجوه:

الأوّل: أنّ الكتاب قطعيّ الصدور، و الخبر الواحد ظنّيّ السند، و لا يصحّ تخصيص القطعي بالظنّي‏ (1).

و فيه: أوّلًا: النقض بالعامّ المتواتر، فإنّهم اتّفقوا على جواز تخصيصه بالخبر الواحد المذكور.

و ثانياً: بالحلّ بأنّ الدوران ليس بين السندين، بل بين أصالة العموم و دليل سند الخبر، و الخبر بدلالته و سنده صالح للقرينيّة على التصرّف في أصالة العموم، و ليس دليل اعتبار الخبر منحصراً بالإجماع؛ كي يقال: إنّه حجّة فيما ليس على خلافه دلالة، و مع وجود الدلالة القرآنيّة لا يُعتمد عليه، و ذلك فإنّ العمدة في دليل اعتبار الخبر هو استقرار سيرة العقلاء على العمل به في قِبال العمومات القرآنيّة، خصوصاً في العمومات الصادرة في مقام جعل القوانين الكلّيّة، مثل: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (2) و نحوه.

____________

(1)- المحصول 1: 434.

(2)- المائدة: 1.

402

الثاني: العمومات الصادرة عن الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) الدالّة على أنّ الأخبار المخالفة للقرآن، يجب طرحها و ضربها على الجدار (1)، أو أنّها زُخرُف‏ (2)، أو أنّها ممّا لم يقله المعصوم‏ (3) (عليه السلام)(4).

و فيه: أوّلًا: النقض بالخبر المتواتر، فإنّه لا ريب و لا خلاف في جواز تخصيص العامّ الكتابي به.

و ثانياً: بالحلّ بأنّه لا مناص عن حمل المخالفة في تلك الأخبار على غير المخالفة بنحو العموم المطلق، بل على المخالفة بنحو التباين أو العموم من وجه؛ لصدور أخبارٍ كثيرة منهم (عليهم السلام) كذلك؛ أي بنحو العموم و الخصوص المطلق، و يؤيّده قوله تعالى‏:

«وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» (5)، فإنّه يدلّ على أنّ المخالفة بنحو العموم و الخصوص المطلق، لا يُعَدّ مخالفة؛ لوجود هذا النحو من المخالفة- أي العموم و الخصوص المطلق- بين الآيات في القرآن المجيد، فيكشف ذلك عن أنّ ذلك لا يعدّ مخالفة.

و السرّ في جميع ذلك: أنّ بناء العقلاء و دأبهم مستقرّ على جعل القوانين الكلّيّة أوّلًا، ثمّ تخصيصها بالمخصِّصات، و لا يعدّ ذلك عندهم مخالفة.

____________

(1)- مجمع البيان 1: 81 المقدمة/ الفن الثالث.

(2)- الكافي 1: 55 باب الأخذ بالسنّة و شواهد الكتاب ح 3 و 4.

(3)- الكافي 1: 56 باب الأخذ بالسنّة و شواهد الكتاب ح 5.

(4)- عُدّة الاصول: 135- 136 سطر 20.

(5)- النساء: 82.

403

الفصل الثالث عشر في الاستثناء المتعقّب لجمل متعدّدة

اختلفوا في أنّ الظاهر من الاستثناء الواقع عقيب جمل متعدّدة يرجع الى الجميع، أو إلى خصوص الأخيرة فقط؟ على قولين.

و لا بدّ من البحث هنا في مقامين:

أحدهما: في إمكان رجوعه إلى‏ الجميع.

الثاني: في الاستظهار من اللفظ بعد إثبات إمكانه و أنّه ظاهر في أيّ منهما.

المقام الأوّل: في إمكان الرجوع إلى الجميع‏

فقد يقال: إنّ آلة الاستثناء: إمّا اسمٌ مثل «غير» و نحوه، أو حرفٌ مثل «إلّا».

و على أيّ تقدير المستثنى: إمّا كلّيّ مثل الفسّاق، أو جزئيّ ينطبق عليه عناوين موضوعات الجمل التي قبله، و إمّا مشترك كزيد المشترك بين زيد بن عمرو و زيد بن بكر، و كان من أفراد موضوعات الجمل من يسمّى بزيد.

فهذه ستّة أقسام.

فلو كان آلة الاستثناء اسماً، و المستثنى‏ كلّيّاً أو جزئيّاً، ينطبق عليه عناوين‏

404

موضوعات كلّ واحد من الجمل المتعدّدة، فلا ريب في إمكان رجوع الاستثناء إلى‏ الجميع و عدم استحالته، و عدم الإشكال فيه؛ لا من ناحية آلة الاستثناء، و لا من ناحية المستثنى:

أمّا الأوّل: فلأنّ الموضوع له فيها عامّ كالوضع.

و أمّا الثاني: فلأنّ المستثنى أمر كلّيّ قابل الانطباق على الجميع أو خصوص الأخيرة.

و أمّا لو كان المستثنى جزئيّاً مشتركاً امتنع الرجوع إلى الجميع؛ لأنّه و إن لا يلزم منه محذور من ناحية آلة الاستثناء؛ لأنّ المفروض أنّها اسم و الموضوع له فيها عامّ، لكن المحذور إنّما هو من ناحية المستثنى؛ حيث إنّ رجوعه إلى‏ الجميع يستلزم استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنىً واحد، و هو المستثنى، و هو محال، فلا يتصوّر رجوعه إلى‏ الجميع.

و أمّا لو كان آلة الاستثناء حرفاً: فإن قلنا: إنّ الموضوع له في الحروف عامّ كالوضع، فالكلام فيه هو الكلام فيما لو كان اسماً في جميع الأقسام.

و إن قلنا: إنّ الموضوع له فيها خاصّ امتنع الرجوع إلى‏ الجميع في القسم الثالث، بل هو أسوأ حالًا ممّا لو كانت اسماً؛ لأنّه يمتنع الرجوع إلى الجميع- حينئذٍ- لوجهين:

أحدهما: لزوم استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى واحد، و هو لفظ المستثنى، و هو محال.

الثاني: استعمال لفظ آلة الاستثناء في أكثر من معنىً واحد أيضاً، بل حيث إنّ الحروف غير مستقلّة بالمفهوميّة، و أنّ معانيها آلة و حالة للغير، فاستعمالها في أكثر من معنى واحد مستلزم لفناء اللفظ الواحد في أكثر من واحد، و هو محال‏ (1).

____________

(1)- انظر مقالات الاصول 1: 158- 159 سطر 23.

405

أقول: هذا مبنيّ على القول بعدم جواز استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنىً واحد في استعمال واحد، لكن عرفت سابقاً: أنّ الحقّ هو جوازه، بل هو استعمال شائع في العرف، و عرفت أنّه ليس بين المعاني الحرفيّة جامع مشترك حرفيّ هو الموضوع له للحروف، و أنّه لا يمكن حكاية جامع اسميّ عنها و عن خصوصيّاتها، فلا محيص عن الالتزام بأنّها تابعة لمتعلّقاتها و مدخولها في الاستعمال، فإن كان متعلَّقها ممّا يدلّ على الكثرة، مثل «كلّ» و نحوه من ألفاظ العموم، فهي- أيضاً- مستعملة في الكثرة تبعاً له، و أنّ لفظة «من» الابتدائيّة في مثل «سر من البصرة إلى الكوفة» أو «سر من أيّة نقطة من البصرة»، مستعملةٌ في الكثرة.

و أمّا ما ذكره بعضهم: من أنّ اللفظ المستعمل في المعنى فانٍ فيه‏ (1)، فلا معنى له.

و حينئذٍ فجميع الأقسام الستّة متصوّرة و ممكنة.

مضافاً إلى‏ أنّه يمكن أن يقال: إنّه إذا كانت آلة الاستثناء حرفاً، فهي مستعملة في معنىً واحد و لو مع الرجوع إلى‏ جميع الجمل؛ لأنّه لو فرض أنّ المستثنى من العناوين الكلّيّة مع اشتماله على ضمير راجع إلى المستثنى منه، مثل: «أضف التجار، و أكرم العلماء، و جالس الطلّاب إلّا الفُسّاق منهم»، فآلة الاستثناء مستعملة في إخراج الفسّاق، و هو معنىً واحد؛ سواء رجع الضمير إلى الجميع أو إلى خصوص الأخيرة بلا فرق بينهما؛ لأنّه ليس في الأوّل إخراجات متعدِّدة، بل إخراج واحد، و هو إخراج فسّاقهم.

و تقدّم أنّ الضمائر و الموصولات و أسماء الإشارات حروف لا أسماء، و أنّها موضوعة للإشارة لا المشار إليه، غاية الأمر أنّ الإشارة في مثل «هذا» إنّما هو للإشارة إلى‏ المحسوس المشاهد، و في الضمائر و الموصولات إلى‏ الغائب، فلا فرق في الإشارة بالضمير في «إلّا الفُسّاق منهم» بين الرجوع إلى‏ الجميع أو البعض؛ في أنّ‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 53، حاشية المشكيني 1: 54- 55.

406

«إلّا» مستعملة في معنىً واحد، و هو الإخراج، و كذلك في المستثنى الجزئي المشترك، فإنّ رجوع الاستثناء فيه إلى‏ الجميع- باستعمال المستثنى في أكثر من معنىً واحد- لا يستلزم استعمال أداة الاستثناء في أكثر من معنىً واحد، فإنّ لفظة «إلّا» مستعملة في إخراج زيد بما له من المعنى المتعدّد، و إن قلنا بعدم جواز استعمال لفظ المشترك في أكثر من معنىً واحد، فزيد المستثنى من الجميع مستعمل في مسمّى ب «زيد»، فالمخرج ب «إلّا» هو مسمّى ب «زيد».

و بالجملة: رجوع الاستثناء إلى‏ الجميع لا يستلزم استعمال أداة الاستثناء إلّا في معنىً واحد، و هو الإخراج، لا الإخراجات المتعدّدة، و ذلك واضح.

المقام الثاني: في مقام الإثبات‏

فقد يقال- القائل المحقّق الميرزا النائيني في التقريرات-: حيث إنّ الاستثناء يرجع إلى عقد الوضع للقضيّة، فقد يتكرّر عقد الوضع في الجمل المتعدّدة، و قد لا يتكرّر:

فإن لم يتكرّر عقد الوضع و لم يُذكر في الجملة الأخيرة، فهو راجع إلى الجميع مثل «أكرم العلماء، و أضفهم، و جالسهم، إلّا الفسّاق منهم».

و إن تكرّر عقد الوضع و ذكر في الجملة الأخيرة، فالظاهر هو الرجوع إلى الأخيرة فقط؛ لأنّه بعد تكرار الموضوع في الجملة الأخيرة فقد أخذ الاستثناء محلّه‏ (1). انتهى ملخّص كلامه.

و فيه: أنّ الاستثناء ليس راجعاً إلى‏ عقد الوضع للقضيّة، بل هو استثناء من تعلُّق الحكم بالموضوع، فكأنّه قال: «تعلَّق وجوب الإكرام بالعلماء إلّا الفسّاق منهم».

و يدلّ على ما ذكرنا ما اتّفقوا عليه: من أنّ الاستثناء من النفي إثبات و من‏

____________

(1)- أجود التقريرات 1: 496- 497.

407

الإثبات نفي‏ (1)، و لو رجع الاستثناء إلى‏ الموضوع لم يكن كذلك؛ لأنّ الحكم- حينئذٍ- متعلّق ب «العلماء» المقيّد ب «غير الفُسّاق منهم».

فالتحقيق أن يقال: إنّ الحكم في الجمل المتعدّدة قد يتكرّر مع اختلافه سنخاً، و كذلك الموضوع، مثل: أن يقال: «أكرم العلماء، و أضف التجّار، و جالس الطلّاب» و كان المستثنى عنواناً كلّيّاً يشتمل على الضمير، مثل: «إلّا الفُسّاق منهم»، فحيث إنّ الضمير فيه صالح لأن يرجع إلى‏ جميع الجمل المتعدّدة و إلى الأخيرة فقط، و ليس أحدهما أظهر في المتفاهم العرفي، يقع الإجمال في البين بالنسبة إلى‏ غير الأخيرة، لكنّها القدر المتيقّن من رجوع الاستثناء إليها؛ لدوران الأمر- حينئذٍ- بين الرجوع إلى‏ الجميع و بين الرجوع إلى‏ الأخيرة فقط؛ لبُعد رجوعه إلى‏ غير الأخيرة، كالأُولى فقط؛ لخروجه عن طريقة المحاورات و الاستعمالات.

و كذلك لو لم يشتمل المستثنى على الضمير، بل كان مقدَّراً، بل و لو لم يذكر الضمير و لم يقدّر- أيضاً- مثل استثناء بني أسد في المثال بقوله: «إلّا بني أسد»، و فرض اشتمال كلّ واحد من موضوعات الجمل المتعدّدة المتقدّمة عليهم، فلا يبعد- أيضاً- أنّه كذلك، فيقع الإجمال في البين؛ لصلاحيّة رجوع الاستثناء إلى‏ الجميع و إلى الأخيرة فقط.

و قد تتكرّر الأحكام المتعدّدة المتّحدة سنخاً مع تكرّر الموضوعات المختلفة، مثل «أكرم العلماء، و أكرم التجّار، و أكرم الطلّاب»، فهو- أيضاً- مثل السابق في الشقوق المتصوّرة للاستثناء و المستثنى‏.

و قد تتكرّر الأحكام دون الموضوع، بل الموضوع واحد مذكور في الجملة الاولى، و الأحكام التي في الجملة الثانية و الثالثة- مثلًا- متعلّقة بضمير يرجع إليه، مثل: «أكرم العلماء و أَضِفْهم و جالِسْهم»، فإن اشتمل المستثنى على الضمير، مثل: «إلّا

____________

(1)- قوانين الاصول: 251 سطر 9، الفصول الغرويّة: 195 سطر 22، كفاية الاصول: 247.

408

فُسّاقهم»، فالظاهر عرفاً هو الرجوع إلى‏ الجميع، فإنّه لا يصلح رجوع ضمير المستثنى إلى‏ الضمائر المتقدِّمة، فلا محالة يرجع إلى‏ «العلماء» الذي هو مرجع الضمائر في جميع الجمل، و حاصل المعنى حينئذٍ: أنّ العلماء يجب إكرامهم و ضيافتهم و مجالستهم إلّا فسّاقهم، فلا يجب شي‏ء منها بالنسبة إلى‏ فُسّاق العلماء.

و أمّا القول: بأنّ مرجع الضمير- أي العلماء- و إن كان واحداً، إلّا أنّه يمكن فرض تعدُّده بفرض الحيثيّات المتعدّدة، فالعلماء من حيث إنّهم واجبو الإكرام غير العلماء من حيث وجوب ضيافتهم، و أنّ الضمير في المستثنى راجع إليهم بإحدى‏ الحيثيّات، فهو و إن صحّ بالنظر الفلسفي، لكن الكلام إنّما هو في الاستظهار العرفي، و ما ذُكر غير مسموع عند العرف.

و كذلك لو لم يشتمل المستثنى على الضمير، لكن قُدِّر في الكلام، بل لا يبعد أنّه كذلك و لو لم يُقدَّر لو كان المستثنى كلّيّاً، مثل: «إلّا بني أسد».

و قد يتكرّر الأحكام المتعدّدة المختلفة سنخاً أو غير المختلفة، كما في باب التنازع، مثل «أكرم و أضف و جالس العلماء إلّا الفسّاق منهم»، و قس على ذلك ما يُتصوّر في المقام من الأقسام الاخر.

تذنيب:

هل يجوز التمسّك بالعامّ في الجمل المشكوك رجوع الاستثناء إليها و في موارد الإجمال؛ لأنّ القدر المتيقَّن هو رجوعه إلى‏ الأخيرة، و غيرها مشكوكة، فيرجع فيها إلى‏ أصالة العموم، أو لا، بل المرجع فيها الأصل العملي، كما اختاره في الكفاية (1)؟

التحقيق: هو الثاني؛ لأنّ الدليل على أصالة الجدّ هو بناء العقلاء- كما عرفت مراراً- و لم يُحرَز بناؤهم عليها في المقام؛ أي فيما إذا احتفّ العامّ بما يصلح للمخصِّصيّة،

____________

(1)- كفاية الاصول: 274.

409

كما فيما نحن فيه، فإنّ الاستثناء في جميع موارد الإجمال صالح لذلك، و الشكّ في بنائهم على ذلك كافٍ في عدم الجواز.

فانقدح بذلك ما في كلام المحقق الميرزا النائيني (قدس سره) في التقريرات: من أنّ توهُّمَ أنّ المقام من قبيل اكتناف الكلام بما يصلح للقرينيّة، غيرُ صحيح؛ لأنّ المتكلّم لو أراد الجميع، و مع ذلك اكتفى في مقام البيان بذكر استثناء واحد، مع تكرُّر عقْد الوضع في الجملة الأخيرة، لَأَخَلَّ بالبيان؛ إذ بعد أخذ الاستثناء محلّه من الكلام؛ بذكر عقد الوضع في الجملة الأخيرة، لا موجب لرجوعه إلى‏ الجميع‏ (1). انتهى حاصله.

نعم ما ذكره صحيح؛ بناءً على مذهبه من رجوع الاستثناء في المفروض إلى‏ الأخيرة فقط، و أمّا بناءً على ما ذكرناه من الإجمال فلا.

و كذلك ما ذكره المحقّق العراقي (قدس سره) في المقالات: من التفصيل بين كون دلالة العامّ على العموم وضعيّة، فيجوز التمسّك بالعموم؛ لأنّ أصالة العموم- حينئذٍ- حاكمة على أصالة الإطلاق في جانب الاستثناء و المستثنى‏، و لا يصلح مثل هذا الاستثناء للقرينيّة على خلاف العموم؛ لأنّ قرينيّته دوريّة، فيبقى العموم على حجّيّته، و بين استفادة العموم من الإطلاق، فلا يجوز التمسُّك بالعموم، لا من جهة اتّصال كلٍّ من إطلاقي الاستثناء و المستثنى‏ منه بما يصلح للقرينيّة؛ لعدم إمكان قرينيّة كلٍّ منهما؛ إذ ظهورُ كلِّ واحدٍ معلّقٌ على عدم ظهور الآخر، فيلزم الدور المستحيل، بل عدم الأخذ بالإطلاق إنّما هو لعدم ظهور كلّ واحد منهما بالذات، لا لأجل اقتران اللفظ بما يصلح للقرينيّة؛ لما عرفت من عدم إمكان قرينيّة كلٍّ للآخر ببرهان الاستحالة.

مضافاً إلى‏ أنّ الإطلاق في المستثنى تابع له، فإن رجع الاستثناء إلى‏ الأخيرة فقط فالإطلاق في المستثنى فيها فقط، و إن رجع إلى‏ الجميع فالإطلاق إنّما هو في المستثنى من الجميع‏ (2).

____________

(1)- أجود التقريرات 1: 497.

(2)- انظر مقالات الاصول 1: 159 سطر 15.

410

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

411

المطلب الخامس المطلق و المقيّد

412

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

413

الفصل الأوّل في تعريف المطلق و المقيّد

عرّفوا المطلق: بما دلّ على معنىً شائع في جنسه‏ (1)، و هذا التعريف غير مستقيم، و ذلك لأنّ الظاهر- كما صرّح به بعضهم- أنّ المراد بالموصول في التعريف هو اللفظ (2)، فالإطلاق- حينئذٍ- من صفات اللفظ:

فإن اريد أنّ المطلق هو لفظ يدلّ على معنىً مع الشيوع في جنسه، و أنّ حيثيّة الشيوع جزء مدلول اللفظ.

ففيه: أنّ شيئاً من المطلقات ليس كذلك، فإنّ المطلق- مثل «الرقبة»- لا يدلّ إلّا على نفس الطبيعة بدون زيادة على ذلك، أو مع زيادة الوحدة في مثل النكرة، فلا يدلّ واحد من المطلقات على الشيوع في الجنس بالدلالة اللفظية. نعم بعض ألفاظ العموم- مثل «أيّ» الاستفهاميّة- كذلك، لكنّها ليست من المطلقات.

و إن اريد أنّ المطلق ما دلّ على معنىً سارٍ في مُجانساته ذاتاً، فليس المراد

____________

(1)- معالم الدين: 154، الفصول الغروية: 217 سطر 36، مفاتيح الاصول: 193.

(2)- مطارح الأنظار: 215 سطر 7، فوائد الاصول 2: 562.

414

بالجنس هو الجنس الاصطلاحي، بل الأفراد المجانسة له، فمدلول المطلق شي‏ء واحد و معنىً فارد، لكنّه شائع في مجانساته ذاتاً بدون أن يدلّ اللفظ على ذلك.

فهو و إن سَلِمَ عن الإشكال المذكور، لكن يرد عليه:

أوّلًا: النقض بالمقيّد كالرقبة المؤمنة، فإنّها- أيضاً- كذلك.

و ثانياً: ليس الإطلاق و التقييد وصفين للّفظ، بل هما من صفات المعنى، فإنّ الإطلاق عبارة عن الخُلُوّ من القيد، و المطلق هو المعنى الخالي عن القيد؛ سواء كان ذلك المعنى هو موضوعَ الحكم، أو متعلَّقَه، أو نفسَ الحكم، أو نفسَ الطبيعة مع قطع النظر عن الحكم، فإنّ الإطلاق و التقييد يمكن اعتبارهما في نفس الطبيعة- في مقام الثبوت- مع قطع النظر عن الحكم، فإنّ المصلحة و المفسدة قد تقومان بنفس الماهيّة و الطبيعة، و قد تقومان بالمقيّدة منها، بل يمكن تصوير الإطلاق و التقييد مع قطع النظر عن وجود المصلحة و المفسدة في الماهيّة، فإنّ نفس طبيعة الرقبة بدون القيد مطلقة، و مع التقييد بالمؤمنة مثلًا مقيَّدة؛ و لو لم يتعلّق بهما حكم، و لم يترتّب عليهما مصلحة أو مفسدة.

و بالجملة: ليس الإطلاق و التقييد وصفين للّفظ أوّلًا و بالذات، بل للمعنى.

و ثالثاً: ليس المطلق دائماً و في جميع الموارد ماهيّةً كلّيّة سارية في مجانساته، بل قد يكون جزئيّاً حقيقيّاً، كنفس الحكم الذي هو مفاد الهيئة إذا اطلق؛ لما عرفت سابقاً: أنّ الموضوع له في الهيئات خاصّ، و أنّها موضوعة لإيجاد الحكم، فلا معنى لسريانه في مجانساته حتّى يتكلّف في توجيهه.

فتلخّص: أنّ هذا التعريف غير صحيح.

415

الفصل الثاني في الفرق بين الإطلاق و أقسام الماهية

ثمّ إنّ الإطلاق و التقييد وصفان إضافيّان، فيمكن أن تكون الماهيّة مطلقة بالنسبة إلى‏ قيد لم تُقيَّد به، و بالإضافة إلى قيد آخر قُيِّدت به مقيّدة، مثل «الرقبة» في الأوّل و «الرقبة المؤمنة» في الثاني، فالتقابل بينهما أشبه بتقابل العدم و الملكة، و إن لم تكونا كذلك حقيقةً؛ لأنّه يعتبر في الموضوع في تقابل العدم و الملكة قابليّتُهُ للتقييد، كالعمى‏ و البصر، فإنّ الأعمى قابل للبصر، و من شأنه ذلك، و بعد أن صار بصيراً تزول عنه القابليّة، و يصير فعليّاً، بخلاف المطلق، فإنّه ليس له حالة منتظرة؛ ليصير بعد التقيّد فعليّاً.

ثمّ لا فرق في أنّ معنى الإطلاق عبارة عن اللاقيديّة بين موارده؛ سواء كان في الماهيّات المجرّدة كالرقبة، أم في الأعلام الشخصيّة، كالبيت العتيق في قوله تعالى‏:

«وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ» (1)، فإنّه مطلق بالإضافة إلى القيود و الحالات المتصوّرة فيه، كالمسقّفيّة و عدمها و نحو ذلك، و كذلك الجواهر و الأعراض من الماهيّات‏

____________

(1)- الحج: 29.

416

المتأصّلة، و العرضيّات من الماهيّات الغير المتأصّلة؛ سواء اخذ في متعلَّق الأمر و الحكم، أم في موضوعه، و كذلك الإطلاق في نفس الحكم و الماهيّة في عالم التصوّر و في مقام الثبوت؛ لما عرفت من أنّ الإطلاق و التقييد لا ينحصران في مقام الإثبات و الدلالة فقط، بل يُتصوّران في مقام الثبوت أيضاً، لكن نظرهم إنّما هو الإطلاق و التقييد في مقام الإثبات و الدلالة؛ لأنّه محلّ ظهور الثمرة.

و هذا الّذي ذكرناه في معنى الإطلاق لا ارتباط له بتقسيم الماهيّة إلى‏ الماهيّة اللابشرط و البشرطلا و البشرط شي‏ء (1)؛ لأنّ هذه الأقسام إنّما هي للماهيّات المتأصّلة، و لا اختصاص للإطلاق و التقييد بها، بل الماهيّات الاعتباريّة قد تتّصف بالإطلاق و التقييد- أيضاً- كالبيع و النكاح و نحوهما.

لكن لا بأس ببسط الكلام في بيان هذه الأقسام تبعاً للقوم، فنقول:

الماهيّة- كرجل- قد تلاحظ في الذهن، و هي- حينئذٍ- من الموجودات الذهنيّة، و حيث إنّ وجودها الذهني- و لحاظها الذي وُجدت به فيه- مغفولٌ عنه للّاحظ، و أنّه يتصوّر نفس الماهيّة المجرّدة عن جميع القيود، يمكن أن يوضع لفظ «الرجل» لها بدون تقييده بقيد من القيود، حتّى قيد وجودها الذهني، فأسماء الأجناس موضوعة لنفس الطبيعة المجرّدة بلحاظها كذلك.

فما يظهر من بعض المحشّين على «الكفاية»- المحقّق الاصفهاني (قدس سره)-: من أنّ الواضع يتصوّر الماهيّة بقيد الإرسال، فيضع اللفظ لنفسها، و لحاظ الإرسال إنّما هو لأجل السريان في جميع أفرادها (2).

فيه: أنّ الوضع لنفس الماهيّة بتصوُّرها كذلك، كافٍ في السريان بدون الاحتياج إلى‏ لحاظ الإرسال، مع أنّ مجرّد لحاظ الإرسال لا يُفيد ما لم يوضع اللفظ

____________

(1)- شرح المنظومة- قسم الفلسفة: 95 سطر 16.

(2)- نهاية الدراية 1: 353 سطر 1.

417

بإزائها مقيّداً به.

فالحقّ ما عرفت: من أنّ أسماء الأجناس موضوعة لنفس الماهيّة بلحاظها كذلك، و معنى صدقها على الأفراد هو اتّحادها مع كلّ واحد منها، لا انطباقها عليها و حكايتها عنها.

ثمّ إنّ تقسيم الماهيّة إلى المطلقة و المخلوطة و المجرّدة (1)، هل هو تقسيم لنفس الماهيّة، أو أنّه تقسيم لها مقيسة إلى‏ الاعتبارات الثلاثة، و هي البشرط شيئيّة و البشرطلائيّة و اللّابشرطيّة، فالمَقْسم- حينئذٍ- هو الماهيّة المقيسة إليها، لا نفس الماهيّة، و حينئذٍ فالماهيّة المقيسة إلى‏ جميع اللواحق العارضة لها- كالبياض و السواد مثلًا- هو اللابشرط القسمي، أو أنّه تقسيم للحاظ الماهيّة، لا لنفس الماهيّة، و لا الماهيّة المقيسة إلى‏ الاعتبارات الثلاثة؟

فنقول: لا بدّ من ملاحظة أنّ هذا التقسيم من الفلاسفة العظام، هل هو مجرّد فرض و اعتبار؛ بحيث يمكن أن يُفرض شي‏ء واحد لا بشرط و بشرط شي‏ء و بشرط لا، أو أنّ الأقسام المذكورة انعكاسات عن الخارج و صور له و حاكية عن الحقائق الواقعيّة، و إنّما ذكروها في مقام التعليم و التعلُّم، كما أنّ مراتب الفصول و الأجناس من العالي و السافل منهما و المتوسّطات صور للعالَم؛ حيث إنّ الهيولى الاولى التي هي مادّة الموادّ، لمّا تحرّكتْ قَبِلت الصورة الجسميّة أوّلًا، فمنها ما وقفت عليها و تعصّت عن الترقّي إلى‏ ما فوقها؛ أي الصورة المعدنيّة كالحجر و المدر، و منها ما تحرّكت إلى‏ ما فوقها، و قبلت الصورة المعدنيّة، و المعدنيّات- أيضاً- ما وقفت على صورتها متعصّية عن التحرّك إلى‏ ما فوقها؛ أي الصورة النباتيّة كالشجر و ساير النباتات، و منها ما تحرّكت عنها إلى‏ ما فوقها، و قبلت الصورة الحيوانيّة، و الحيوانات- أيضاً- كذلك منها ما وقفت على صورتها، و منها ما تحرّكت إلى‏ ما فوقها، و هي الصورة الإنسانيّة.

____________

(1)- شرح المنظومة- قسم الفلسفة: 95 سطر 14.

418

و هذه الحركة من الهيولى الاولى في هذه المراتب، منها ما يحتاج إلى‏ فصل زمانٍ، و في بعضها بدون فاصلة من الزمان، فالمعدن الذي هو في الذهب غير المعدن الذي هو في الإنسان، و الحيوانيّة التي في البقر- مثلًا- غير الحيوانيّة التي في الإنسان، فمراتب الأجناس و الفصول ليست مجرّد فرض و اعتبار، بل هي صور عالَم الكون.

و أمّا تقسيم الماهيّة إلى‏ الأقسام الثلاثة، فيظهر من بعضهم: أنّها مجرّد فرض و اعتبار، و أنّها قد تعتبر لا بشرط، و قد تعتبر بشرط لا، و قد تعتبر بشرط شي‏ء (1).

و أجابوا عن الإشكال في هذا التقسيم- بأنّه تقسيم للشي‏ء إلى‏ نفسه و إلى غيره، و اتّحاد المَقْسم مع بعض الأقسام‏ (2)- بالفرق بين اللابشرط القسمي و اللابشرط المَقْسمي، و أنّ اللابشرط القسمي هو ما لوحظ فيه اللابشرطيّة، و قُيّدت الماهيّة بها، بخلاف المقسمي، فإنّه لم يلاحظ فيه مع الماهيّة شي‏ء حتّى اللابشرطيّة (3).

و نظير ذلك الفرق بين المادّة و الجنس و النوع، فقالوا: إنّ الماهيّة إن اعتُبرت بشرط شي‏ء فهي النوع، و إن اعتُبرت بشرط لا فهي المادّة، و إن اعتبرت لا بشرط فهي الجنس‏ (4)، فالفرق بينهما إنّما هو بالاعتبار، و أنّها إذا اعتبرت لا بشرط أمكن حملها، و إن اعتبرت بشرط لا امتنع حملها.

لكن هذا كلّه خلاف مراد الفلاسفة و الحكماء؛ لأنّ الفرق بين المادّة و الجنس و النوع ليس بمجرّد الفرض و الاعتبار الذهنيّ، بل الفرق بينها أمر واقعيّ تكوينيّ؛ لأنّ الهيولى بعد ما قبلت صورةً من الصور النوعيّة كالجوزة- مثلًا- صارت المادّة فعليّة، ثمّ ان كان فيها استعداد كونها شجرة، فهي مادّة للشجرة، فالمادّة الاولى للصورة

____________

(1)- شرح المنظومة- قسم الفلسفة: 95 سطر 15.

(2)- الاسفار 2: 19 قرّره.

(3)- انظر الأسفار 2: 19.

(4)- انظر الأسفار 2: 18.

419

النوعيّة للجوزة بشرط شي‏ء عند صيرورتها جوزة، و تركيبها مع صورة الجوزة اتّحاديّ؛ بمعنى‏ أنّ المادّة صارت فعليّة، و المادّة الثانية التي في الجوزة- أي الاستعداد للشجريّة و قبولها لصورة الشجريّة- هي اللابشرط بالنسبة إلى‏ صورة الجوزة، و تركيبهما انضماميّ؛ بمعنى‏ أنّ لها الاستعداد لقبول صورة الشجريّة، و هو موجود مع صورة الجوزة، لا أنّها شي‏ء التصق بها، فالأوّل هو النوع، و الثاني هو المادّة.

و كذلك فيما نحن فيه، فإنّ تقسيم الماهيّة إلى‏ الاعتبارات الثلاثة بمجرّد الفرض و الاعتبار، بل كلّ ماهيّة إذا قيست بحسب ذاتها أو وجودها الخارجيّ إلى‏ شي‏ء آخر من لوازمها و لواحقها، فهي بالإضافة إليه: إمّا بشرط شي‏ء أو بشرط لا أو لا بشرط، مثلًا: إذا قيست الماهيّة في وجودها الخارجي- كالجسم- بالنسبة إلى‏ التحيُّز، فهي بشرط شي‏ء بالنسبة إليه؛ لعدم انفكاكه عنه في وجوده، و إذا قيست إلى‏ التجرُّد فهي بشرط لا بالنسبة إليه؛ لاستحالة اتّصافها به، و إذا قيست إلى‏ مثل البياض و السواد فهي لا بشرط؛ لإمكان اتّصافها بهما و عدمه.

و هكذا الماهيّة بحسب ذاتها إذا قيست إلى‏ شي‏ء آخر فلا تخلو عن أحد الامور الثلاثة: فإنّها بالنسبة إلى‏ ما لا يمكن انفكاكها عنه كلوازمها بشرط شي‏ء، و بالنسبة إلى‏ ما لا يمكن اتّصافها به بشرط لا، و بالنسبة إلى‏ ما أمكن فيه الأمران، و ليست آبية عنه و عن عدمه، فهي لا بشرط، فالفرق بين الأقسام المذكورة ليس مجرّد الفرض و الاعتبار الذهنيّ؛ بحيث إذا لوحظت بشرط لا عن شي‏ء واحد فهي بشرط لا، و إذا اعتُبرت بشرط ذلك الشي‏ء فهي بشرط شي‏ء، و إذا اعتُبرت لا بشرط عن ذلك الشي‏ء فهي اللابشرط، و أنّها إذا اعتُبرت لا بشرط شي‏ء أمكن حملها، و إن اعتُبرت بشرط لا عن هذا الشي‏ء امتنع حملها.

بل الفرق بينها واقعيٌّ كما عرفت، و حينئذٍ فالمَقْسم في الأقسام المذكورة، هي نفس الماهيّة المطلقة المتّحدة مع كلّ واحد من الأقسام، و لا يرد عليه إشكال لزوم‏

420

تقسيم الشي‏ء إلى‏ نفسه و غيره.

إذا عرفت هذا فاعلم: أنّ أسماء الأجناس موضوعة لنفس الطبيعة المطلقة اللابشرط المَقْسمي، و تعرف ما في كلام الميرزا المحقّق النائيني (قدس سره) على ما في التقريرات، فإنّه قال ما حاصله: إنّ الماهيّة قد تعتبر بشرط لا؛ بمعنى‏ أنّها تعتبر على نحوٍ لا تتّحد مع ما هو معها، فهي بهذا الاعتبار مغايرة لما هي تتّحد معه باعتبار آخر، و الماهيّة المعتبرة على هذا النحو، تقابلها الماهيّة المعتبرة لا بشرط بالإضافة إلى‏ الاتّحاد، و هذا كما في المشتقّات بالإضافة إلى‏ مبادئها، و كما في الجنس و الفصل بالإضافة إلى‏ المادّة و الصورة، فهي- أي المبادئ- آبية عن حمل بعضها على بعض و على الذوات المعروضة لها؛ لأنّها اخذت بشرط لا، و أمّا المشتقّات فهي قابلة لحمل بعضها على بعض آخر، لا بمعنى‏ أنّها تعتبر على نحوٍ لا يكون معها شي‏ء من الخصوصيّات، و اللابشرط بهذا المعنى خارج عمّا هو محلّ الكلام.

و قد تعتبر الماهية بشرط لا؛ بمعنى‏ أنّها تعتبر على نحوٍ لا يكون معها شي‏ء من الخصوصيّات اللاحقة لها، و يُعبَّر عنها بالماهيّة المجرّدة، فهي بهذا الاعتبار من الكلّيّات العقليّة التي يمتنع صدقها على الموجودات الخارجيّة، و الماهيّة المأخوذة بشرط لا بهذا المعنى يقابلها أمران:

الأوّل: الماهيّة المعتبرة بشرط شي‏ء؛ أي الماهيّة الملحوظ معها اقترانها بخصوصيّة من الخصوصيّات اللاحقة لها؛ سواء كانت تلك الخصوصيّة وجوديّة أو عدميّة، و يعبّر عنها بالماهيّة المخلوطة، و الماهيّة بهذا الاعتبار تنحصر صدقها على الأفراد الواجدة لتلك الخصوصيّة، و يمتنع صدقها على الفاقدة لها.

الثاني: الماهيّة المعتبرة لا بشرط؛ أعني بها ما لا يعتبر فيه شي‏ء من الخصوصيّتين المعتبرتين في الماهيّة المجرّدة و المخلوطة، و يُعبّر عنها بالماهيّة المطلقة و الماهيّة المأخوذة بنحو اللابشرط القسمي، و هو المراد بلفظ المطلق حيثما اطلق في‏

421

المباحث، و الماهيّة بهذا الاعتبار قابلة للصدق على جميع الأفراد المعتبرة كلٌّ منها بخصوصيّة تغاير خصوصيّة الفرد الآخر.

فظهر بذلك: أنّ الكلي الطبيعي الصادق على كثيرين إنّما هو اللابشرط القسمي، دون المقسمي؛ لأنّ اللابشرط المقسمي أي نفس الطبيعة من حيث هي جامعة بين الكلي المعبّر عنه باللابشرط القسمي الممكن صدقه على كثيرين، و الكلي المعبّر عنه بالماهيّة المأخوذة بشرط شي‏ء، الذي لا يصدق إلّا على‏ الأفراد الواجدة لما اعتبر فيه من الخصوصيّة، و من الواضح أنّه يستحيل أن يكون الجامع بين هذه الأقسام هو الكلي الطبيعي؛ لأنّ الكلي الطبيعي هو الكلي الجامع بين الأفراد الخارجيّة الممكن صدقه عليها، فهو- حينئذٍ- قسيم للكلي العقلي الممتنع صدقه على الأفراد الخارجيّة، و لا يعقل أن يكون قسيم الشي‏ء مَقْسماً له و لنفسه؛ لأنّ المقسم لا بدّ أن يكون متحقّقاً في جميع أقسامه، فالمقسم هو الجامع القابل للصدق على الخارج و على الكلي العقلي، و لا يُعقل أن يكون الكلي الطبيعي هو الجامع بين الماهيّة المجرّدة و الأفراد الخارجيّة، بل هو المتمحِّض في كونه جهة جامعة بين جميع الأفراد الخارجيّة المعبَّر عنها باللابشرط القسمي، و الجامع بين جميع هذه الأقسام هي الماهيّة المأخوذة على نحو اللابشرط المقسمي.

و اتّضح بذلك: أنّ الفرق بين اللابشرط القسمي و بين المقسمي: هو أنّ اللابشرط المقسمي قد اخذ لا بشرط بالإضافة إلى‏ خصوصيّات الأقسام الثلاثة، الممتاز كلُّ واحدٍ منها عن الآخر باللحاظ، و اللابشرط القسمي قد اخذ لا بشرط بالإضافة إلى‏ الخصوصيّات و الأوصاف اللاحقة لها باعتبار اتّصاف أفرادها بها، كالعلم و الجهل بالنسبة إلى‏ الإنسان.

و من ذلك يظهر أنّه يمكن تقسم الماهيّة إلى‏ أقسامها الثلاثة بوجه آخر: و هو أن يقال: إنّ الماهيّة إمّا أن تلاحظ على نحو الموضوعيّة و غيرَ فانيةٍ في مصاديقها

422

الخارجيّة، فهي الماهيّة المجرّدة المأخوذة بشرط لا، و إمّا أن تلاحظ على نحو الطريقيّة و فانيةً في جميع المصاديق؛ بحيث يكون المحمول الثابت لها ثابتاً لجميعها، فهي الماهيّة المطلقة المأخوذة على نحو اللابشرط القسمي، و إن لوحظت فانيةً في قسم خاصّ من الأقسام دون غيره، فهي الماهيّة المأخوذة بشرط شي‏ء.

ثمّ قال: إنّا مهما شككنا في شي‏ء لا نشكّ في أنّ الإطلاق مساوق لأخذ الماهيّة على نحوٍ يسري الحكم الثابت لها إلى‏ جميع أفرادها، فيكون مفادُ «أعتق رقبةً» مثلًا- بعد فرض تماميّة مقدّمات الإطلاق في الكلام- مساوقاً لمفاد «أعتق أيّة رقبة»، و هذا المعنى لا يتحقّق في فرض كون اللابشرط القِسمي مَقْسماً (1). انتهى ملخّص كلامه على ما في تقريرات درسه.

أقول: في كلامه (قدس سره) مواقع للنظر و الإشكال و التناقض الغير القابل للجمع، و لنذكر بعضها:

أمّا أوّلًا: فلأنّ ما ذكره من التقسيم أوّلًا: بأنّ البشرطلا: عبارة عن أخذ الماهيّة و اعتبارها على نحوٍ لا يكون معها شي‏ء من الخصوصيّات، و بشرط شي‏ء:

عبارة عن أخذها و اعتبارها مع خصوصيّةٍ من الخصوصيّات، و لا بشرط: عبارة عن أخذها و اعتبارها على نحوٍ لا يعتبر فيها شي‏ء من الخصوصيّتين.

فيه: أنّه إن أراد من الأخير- أي اللابشرط القسمي- أنّه ما لوحظ و اعتبر فيه عدم اعتبار شي‏ءٍ من الخصوصيّات- كما هو الظاهر- فاللابشرط بهذا المعنى كلّيّ عقليّ، لا موطن له إلّا العقل و الذهن، و يمتنع صدقه على الخارج؛ لتقوّمه بالاعتبار و اللحاظ الذي هو أمر ذهنيّ، و لا يمكن صدقه على الخارج.

فإن قلت: إنّ ذلك مُسلّم لو اخذ لحاظ عدم الاعتبار بالمعنى‏ الاسميّ، و أمّا لو اخذ بالمعنى‏ الحرفيّ فلا يمتنع صدقه على الخارج و حمله عليه، كما ذكره صاحب الدُّرر

____________

(1)- أجود التقريرات 1: 522- 526.

423

ردّاً على «الكفاية» (1)؛ حيث قال: و فيما أفاده- أي صاحب الكفاية من امتناع الصدق على الخارج- نظر؛ لإمكان دخل الوجود الذهني على نحو المرآتيّة في نظر اللاحظ، كما أنّه تنتزع الكلّيّة عن المفاهيم الموجودة في الذهن، لكن لا على نحوٍ يكون الوجود الذهني ملحوظاً للمتصوِّر بالمعنى‏ الاسمي؛ إذ هي بهذه الملاحظة مباينة مع الخارج، و لا تنطبق على شي‏ء، و لا معنى لكلّيّة شي‏ءٍ لا ينطبق على الخارج أصلًا (2). انتهى ما في «الدُّرر».

قلت: المراد من المعنى الحرفيّ هو عدم لحاظ عدم اعتبار مقارنتها مع احدى الخصوصيّات، في قِبال المعنى الاسمي الذي هو عبارة عن لحاظ ذلك، و حينئذٍ فإذا قُسِّمت الماهيّة إلى‏ الأقسام الثلاثة: فإمّا أن يجعل اللابشرط القسمي نفس الماهيّة، أو الماهيّة الملحوظة عدم مقارنتها مع إحدى الخصوصيّات‏ (3):

فعلى الأوّل: يلزم اتّحاد القسم و المَقْسم، كما ذكرنا أوّلًا.

و على الثاني: فهو من الكلّيّات العقليّة؛ لتقوّمه بالاعتبار العقلي، و يمتنع صدقه على الخارج؛ لأنّه يلزم أن لا يكون الموجود في الخارج نفس الإنسان و ماهيّته، بل الإنسان مع قيد الاعتبار، و هو محال، فإنّ الموجود في الخارج هو نفس ماهيّة الإنسان، و يمتنع حمل الإنسان مع قيد لحاظ عدم اعتبار خصوصيّة معه على الإنسان الموجود في الخارج.

مضافاً إلى‏ أنّه لا معنى لأخذ اللحاظ في مقام التقسيم بالمعنى الاسمي.

و إن أراد أنّ اللابشرط القسمي هو ما لم يعتبر فيه لحاظ عدم الاعتبار، بل لوحظ فيه نفس الماهيّة فقط، يتوجّه عليه إشكال لزوم الاتّحاد بين المقسم و بعض‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 283.

(2)- درر الفوائد: 232.

(3)- انظر أجود التقريرات 1: 522.

424

الأقسام، لكن الظاهر أنّ مراده هو الأوّل.

و ثانياً: أنّه (قدس سره) ذكر في صدر كلامه عدم اعتبار شي‏ء من الخصوصيّتين في اللابشرط القسمي‏ (1)، و هو مناقض لما ذكره من الفرق بين المقسم و الأقسام: من أنّ اللابشرط القسمي عبارة عمّا اخذ لا بشرط بالإضافة إلى‏ الخصوصيّات و الأوصاف اللاحقة لها باعتبار اتّصاف أفرادها بها، كالعلم و الجهل بالنسبة إلى‏ الإنسان.

و ثالثاً: ما ذكره (قدس سره) في التقسيم الأخير من معنى اللابشرط القسمي مناقض لما ذكره أوّلًا لمعناه؛ لتقوّمه فيما ذكره أخيراً بالفناء في الأفراد، و اعتبار ذلك فيه دون الأوّل.

اللّهمّ إلّا أن يكون تقسيماً آخر و هو كما ترى‏، مضافاً إلى‏ أنّه غير مستقيم في نفسه؛ لامتناع صدقه- حينئذٍ- على الخارج؛ لتقوّمه باعتبار الفناء الذي هو أمر ذهنيّ.

و رابعاً: ما ذكره أخيراً في مقام الفرق بين المَقسم و الأقسام- أيضاً- مناقض لما ذكره أوّلًا؛ فإنّ المقسم- بناءً على ما ذكره أوّلًا- هو نفس الماهيّة و الطبيعة، و جعله هنا الماهيّة التي اخذت لا بشرط بالإضافة إلى‏ خصوصيّات الأقسام الثلاثة بلحاظ الماهيّة، و تصوّرها في كلّ واحد منها على نحوٍ يُغاير لحاظها في الآخر، و حينئذٍ فلا محيص إمّا عن الالتزام بأنّ الفرق بين الأقسام و المقسم بمجرّد الاعتبار و الفرض، كما يظهر من المحقّق السبزواري في المنظومة؛ حيث قال:

مخلوطة مطلقة مُجرَّدة* * * عند اعتباراتٍ عليها مُوْرَدة (2)

أو عن ما ذكرناه و حقّقناه مفصّلًا.

____________

(1)- أجود التقريرات 1: 523.

(2)- شرح المنظومة- قسم الفلسفة: 95 سطر 15.

425

تتميم: في اسم الجنس و عَلم الجنس‏

ثمّ إنّه قال في «الكفاية»: المشهور بين أهل العربيّة أنّ عَلم الجنس- كأُسامة- موضوع للطبيعة لا بما هي هي، بل بما هي متعيِّنة بالتعيُّن الذهني‏ (1)، و لذا يُعامل معها معاملة المعرفة بدون أداة التعريف.

لكن التحقيق: أنّه موضوع لصِرف المعنى بلا لحاظ شي‏ءٍ معه أصلًا كاسم الجنس، و التعريف فيه لفظيّ، و إلّا لما صحّ حمله على الأفراد بلا تصرُّف و تجريد؛ لأنّه على المشهور كلّيّ عقليّ لا يكاد يصدق عليها إلّا مع التجريد، مع أنّه لا معنى للوضع لما يحتاج إلى‏ التجريد عنه في الاستعمالات المتعارفة (2).

و أورد عليه في «الدُّرر»: بأنّ لحاظ التعيُّن إنّما هو بالمعنى‏ الحرفيّ دون الاسميّ؛ كي يمتنع حمله على الخارج، و حينئذٍ يجوز حمله على الخارج بلا عناية التجريد (3).

أقول: هذا الجواب- على فرض تماميّة أصل المطلب- غير وجيه؛ لأنّه لا معنى للحاظ التعيين إلّا بالمعنى‏ الاسمي- كما أشرنا إليه- فلا بدّ من بيان معنيي المعرفة و النكرة؛ ليتّضح الفرق بينهما.

فنقول: الفرق بينهما حقيقيّ واقعيّ، فإنّ لبعض المفاهيم تعيُّناً في نفس الأمر و في عالم المفهوميّة، كمفهوم «زيد»، فإنّ مفهومه أمر متعيّن حقيقةً، و بعضها ليس كذلك، فإنّ مفهوم «رجل» غير متعيّن في نفس الأمر و في عالَم المفهوميّة، و حينئذٍ فالماهيّة

____________

(1)- انظر المطول: 64 سطر 3، قوانين الاصول: 198 سطر 3، الفصول الغرويّة: 165 سطر 35، و هداية المسترشدين: 343 سطر 38.

(2)- انظر كفاية الاصول: 283- 284.

(3)- انظر درر الفوائد: 232.

426

بحسب ذاتها لا معرفة و لا نكرة، بل اللفظ الموضوع بإزائها لا يستعمل بنفسه إلّا مع إلحاق اللواحق، بل المنكوريّة و المعروفيّة من العوارض اللاحقة للماهيّة، و إلّا فهي في مرتبة ذاتها لا معرفة و لا نكرة، و لأجل أنّها كذلك قد تلحقها النكارة و قد يلحقها التعريف، و لو كانت نكرة لما أمكن عروض التعريف عليها بالعكس، و حينئذٍ فإن قلت: «الرجل» فهو معرفة، و إن قلت: «رجل» فهو نكرة.

و حينئذٍ فيمكن أن يكون عَلم الجنس موضوعاً للماهيّة المتعيّنة واقعاً من بين الماهيّات ممتازة عنها، فإنّ ماهيّة «الأسد» ممتازة عن جميع ما سواها من الماهيّات في نفس الأمر، و وُضِع عَلم الجنس بإزائها، لا بإزائها مع لحاظ التعيُّن بنحوٍ يجعل لحاظ تعيُّنها جزءاً للموضوع له؛ ليرد عليه امتناع الحمل- حينئذٍ- إلّا مع التجريد كما في «الكفاية» (1)، بل موضوع للماهيّة المتعيّنة في نفس الأمر، و حينئذٍ فمفاد «أسد» هو مفاد «اسامة»، غاية الأمر أنّ اسم الجنس المعرَّف باللام يدلّ على الماهيّة المتعيِّنة بتعدُّد الدالّ و المدلول، و عَلم الجنس يدلّ عليه بنفسه بدالّ واحد، و حينئذٍ فالتعريف في أسماء الأجناس حقيقيّ على وِفق القاعدة، كالتعريف في أعلام الأشخاص، لا لفظيّ على خلاف القاعدة.

و ليس المراد مطلق التعيُّن؛ كي يقال: إنّ النكرة- أيضاً- كذلك؛ لأنّها ممتازة عن المعرفة؛ لما عرفت من أنّ المراد هو التعيُّن بحسب المفهوم، و النكرة ليست كذلك، فهي بحسب المفهوم ممتازة عن غيرها هو الموضوع له للفظها.

و أمّا المفرد المحلّى باللام: فالحقّ أنّ الألف و اللام موضوعتان لمعنىً واحد، و هو تعريف الجنس، و مفيدتان للتعيين.

و أمّا العهد الذهني و الحضوري و الذِّكري و الخارجي و الاستغراق، فهو مستفاد

____________

(1)- كفاية الاصول: 284.

427

من القرائن الخارجيّة، كالحضور و الذكر و نحوهما.

و أمّا الجمع المحلّى باللام: فالحقّ أنّ اللام فيه مفيدة لتعريف الجمع و الإشارة إلى‏ مرتبة معيّنة منه، و هي المرتبة المستغرقة لجميع الأفراد، فإنّها المتعيِّنة في نفس الأمر فقط، و أمّا أقلّ الجمع كالثلاثة فليست متعيِّنة؛ لصدقها على كثيرين من أفراد الثلاثة، بخلاف جميع الأفراد، فلا يرد عليه ما أورده في «الكفاية» (1).

و أمّا النكرة مثل «رجل» في‏ «وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ» (2) و نحوه، أو في «جئني برجل»، فاختلفوا في أنّ معناها جزئيّ حقيقيّ فيهما (3)، أو كلي فيهما (4)، أو أنّه جزئيّ معلوم بالنسبة إلى‏ المتكلّم في الأوّل، و كلّيّ في الثاني‏ (5)، على أقوال أقواها الثاني، فإنّه لا فرق بينهما في أنّ مفهوم «رجل» هو فرد غير معيَّن من أفراد الرجال، و أمّا أنّه معلوم و مصداق معيّن عند المتكلّم في الأوّل، فإنّما هو لقرينة خارجيّة، و هي كلمة «جاءني».

و اخترنا الاختصار في هذه المباحث لخروجها عن المقصد، فلنرجع إلى‏ أصل المبحث.

____________

(1)- كفاية الاصول: 285.

(2)- القصص: 20.

(3)- درر الفوائد: 233.

(4)- انظر قوانين الاصول 1: 329 سطر 5.

(5)- كفاية الاصول: 285.

428

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

429

الفصل الثالث في مقدّمات الحكمة

فنقول: ليس معنى الإطلاق هو السريان الشمولي أو البَدلي أو تعلُّق الحكم بالأفراد؛ كي يُستشكَل في عدّ النكرة و أسماء الأجناس من المطلقات، و يُجاب: بأنّ الإطلاق فيهما إنّما هو بالوضع كما هو المشهور (1)، أو بمعونة مقدّمات الحكمة كما نسب إلى سلطان‏ (2) العلماء.

بل معنى الإطلاق في الجميع معنىً واحد؛ سواء كان في الماهيّة، أو في أفرادها، أو في أحوال العَلَم، أو في الحكم، و هو اللاقيديّة، كما مرّت إليه الإشارة غير مرّة، فإنّ السريان و الشمول هو معنى العموم لا الإطلاق، و ليس معنى الإطلاق لحاظ الحالات و الخصوصيّات، و ليس من صفات اللفظ- أيضاً- بل من أوصاف المعنى.

و حينئذٍ فما ذكره في «الكفاية»:- من أنّ المطلق هو اسم الجنس و القسم الثاني من النكرة فقط، لا القسم الأوّل، و أنّه لا يبعد أن يكون الجري في هذا الإطلاق‏

____________

(1)- نهاية الأفكار 2: 562- 564.

(2)- المصدر نفسه.

430

على وفق اللُّغة، لا أنّ لهم فيه اصطلاحاً خاصّاً (1)- غير وجيه.

و كذا ما ذكره بعد ذلك: من أنّه بعد جريان مقدّمات الحكمة و إثبات الإطلاق لا فرق بينه و بين العموم‏ (2).

إلّا أنّ الاحتياج إلى‏ مقدّمات الحكمة إنّما هو في موردين في المطلق: أحدهما بالنسبة إلى‏ الأنواع، كالروميّة و الزنجيّة بالنسبة إلى‏ الإنسان، و ثانيهما بالنسبة إلى الأفراد، بخلاف العامّ، فإنّه لا يحتاج فيه بالنسبة إلى الأفراد إلى‏ مقدّمات الحكمة، و إن احتيج إليها بالنسبة إلى‏ الأنواع.

و أمّا مقدّمات الحكمة فلا يحتاج في إثبات الإطلاق منها إلّا إلى‏ كون المتكلّم في مقام بيان تمام المراد، و هذه هي المقدّمة الاولى. فإنّه لو لم يكن في مقام بيان تمام المراد بالنسبة إلى‏ حكم، فلا يمكن الأخذ بالإطلاق بالنسبة إليه، كما لو قال: «إذا شككتَ فابْنِ على الأكثر»، فإنّه لا يصحّ الأخذ بالإطلاق بالنسبة إلى‏ الصلاة، و أنّ الصلاة بنحو الإطلاق كذلك و لو نافلةً؛ و ذلك لعدم صحّة الاحتجاج للعبد على المولى بذلك؛ لأنّه يصحّ للمولى أن يجيب: بأنّي لم أكن في مقام بيان حكم ذلك، بل في مقام بيان حكم الشكّ إجمالًا.

و قال في «الدُّرر»: إنّه لا احتياج إلى‏ هذه المقدّمة- أي إحراز أنّ المتكلّم في مقام بيان تمام المراد- في الحمل على الإطلاق مع عدم القرينة؛ لأنّ المهملة مردّدة بين المطلق و المقيّد، و لا ثالث لهما، و لا إشكال في أنّه لو كان مراده المقيّد فالإرادة متعلّقة به بالأصالة، و إنّما تُنسب إلى‏ الطبيعة بالعَرَض و المجاز لمكان الاتّحاد، فنقول: لو قال القائل: «جِئني بالرجل- أو- برجل» فهو ظاهر في أنّ الإرادة أوّلًا و بالذات متعلّقة بالطبيعة، لا أنّ المراد هو المقيّد، و إنّما أضاف إرادته إلى‏ الطبيعة لمكان الاتّحاد، و بعد

____________

(1)- كفاية الاصول: 286.

(2)- كفاية الاصول: 292.

431

تسليم هذا الظهور تسري الإرادة إلى‏ تمام الأفراد، و هذا معنى الإطلاق‏ (1). انتهى.

و فيه: أنّ هذا البيان إنّما يصلح لإثبات الاحتياج إلى‏ تلك المقدّمة في الأخذ بالإطلاق، فإنّه لو لم يكن المتكلّم في مقام البيان و لم يُحرز ذلك، كيف يمكن إثبات ظهور أنّ الإرادة أوّلًا و بالذات متعلّقة بالطبيعة؟! فالظهور المذكور موقوف على إحراز كون المتكلّم في مقام البيان.

و أمّا المقدّمة الثانية: و هي عدم ذكر القرينة و القيد، كما في «الكفاية» أنّها إحدى‏ المقدّمات التي لا بدّ منها في إثبات الإطلاق‏ (2)، فهو من الأعاجيب؛ لأنّ مورد جريان مقدّمات الحكمة هو ما إذا شُكّ في الإطلاق و التقييد فيحكم بالإطلاق بمعونة مقدّماته، و مع إحراز عدم القيد لا يبقى شكّ في الإطلاق، مع كون المتكلّم في مقام بيان تمام المراد، فمع إحراز عدم القيد و القرينة يتحقّق موضوع الإطلاق، لا أنّه شرطه.

و أمّا المقدّمة الثالثة: التي ذكرها في «الكفاية» (3) و هي عدم وجود القدر المتيقَّن في مقام التخاطب؛ و لو كان المتيقَّن بملاحظة الخارج عن مقام التخاطب في البين، و المراد بالقدر المتيقّن في مقام التخاطب هو كون الكلام و المخاطب بحيثٍ و حالةٍ يُفهم القدر المتيقّن من تعلُّق الحكم بالأفراد- و أنّ أفراداً معيّنة أو أصنافاً أو أنواعاً خاصّة متعلَّقة للحكم قطعاً- بمجرّد إلقاء الكلام؛ لمكان ما في ذهن المخاطب من الانس و غيره.

و المراد من القدر المتيقَّن في الخارج عن مقام التخاطب: هو أن لا يكون الكلام و المخاطب كذلك، و لا يَفهم المخاطَب القدر المتيقّن بمجرّد إلقاء الكلام، و إن فُهم ذلك بعده بالتأمّل و التدبّر.

____________

(1)- درر الفوائد: 234.

(2)- كفاية الاصول: 287.

(3)- المصدر السابق.

432

فنقول: إنّه لا احتياج إلى‏ هذه المقدّمة أيضاً، بل لا معنى لها حسب ما مرّ: من أنّ المطلق: عبارة عن ما ليس له قيد، و الإطلاق: عبارة عن اللاقيديّة، و ليس معناه الشيوع و السريان إلى‏ الأفراد، و حينئذٍ فلو كان المتكلّم في مقام البيان، و جَعَل متعلَّق حكمه نفسَ الطبيعة، مثل طبيعة الرقبة في «أعتق رقبة»، يُحكم بالإطلاق، و يصحّ احتجاج العبد على مولاه لدى المخاصمة و اللجاج بالإطلاق، و ليس للمولى أن يجيبه بالاعتماد على القدر المتيقّن الموجود من أفراد مخصوصة كالمؤمنة من الرقبة أو صنف خاصّ أو نوع كذلك؛ لأنّ واحداً منها لم يكن متعلَّقاً للحكم، بل المتعلّق له نفس الطبيعة، و لو أراد المقيَّد يلزم عليه البيان.

و إن اريد بذلك أنّ المكلّف يقطع بالامتثال و خروج العهدة عن التكليف بالإتيان بالمقيّد- أي القدر المتيقّن- و عتق الرقبة المؤمنة- مثلًا- على أيّ تقدير؛ سواء تعلّق الحكم بالطبيعة أو الطبيعة المقيّدة واقعاً، بخلاف ما لو أعتق فرداً غيرها، فإنّه يحتمل عدم تعلُّق الأمر به واقعاً، فلا يقطع بالامتثال.

ففيه: أنّ القدر المتيقَّن في مقام الإطاعة و الامتثال غير القدر المتيقَّن في مقام تعلُّق الحكم و الخطاب؛ إذ لا ريب في صحّة الاحتجاج فيما لو أطلق في مقام البيان، مع وجود القدر المتيقّن في مقام الامتثال.

و بالجملة: لا احتياج في الأخذ بالإطلاق إلى‏ هذه المقدّمة، و لا إلى‏ المقدّمة الثانية، بل يكفي كون المتكلّم في مقام البيان.

هذا بناءً على ما اخترناه من معنى الإطلاق، و أنّه عبارة عن اللاقيديّة.

و أمّا بناءً على ما اختاره المحقِّق صاحب الكفاية (قدس سره) و غيره: من أنّ الإطلاق عبارة عن الشيوع و السريان‏ (1)- أي سريان الحكم إلى‏ الأفراد- فلا إشكال في الاحتياج إلى‏ المقدّمة الاولى- أي كون المتكلِّم في مقام البيان- في التمسُّك بالإطلاق.

____________

(1)- كفاية الاصول: 287 و 288، مطارح الأنظار: 218 سطر 17.

433

و أمّا المقدّمة الثانية- أي عدم ذكر القيد- ففيها: أنّها محقِّقة لموضوع الإطلاق، و مع إحراز عدم القيد لا يشكّ في الإطلاق؛ ليفتقر إثباته إلى‏ المقدّمات.

و أمّا المقدّمة الثالثة: فقال في «الكفاية» في تقريب الاحتياج إليها: إنّه مع وجود القدر المتيقّن لا إخلال بالغرض لو كان المتيقّن تمام مراده، فإنّ الفرض أنّه بصدد بيان تمامه، و قد بيّنه، لا بصدد بيان أنّه تمامه كي أخلَّ ببيانه‏ (1).

و قال في الحاشية: لو كان المولى بصدد بيان أنّه تمامه ما أخلّ ببيانه، بعد عدم نصب قرينة على إرادة تمام الأفراد، فإنّه بملاحظته يفهم أنّ المتيقّن تمام المراد، و إلّا كان عليه نصب القرينة على إرادة تمامها، و إلّا فقد أخلّ بغرضه.

نعم لا يفهم ذلك إذا لم يكن إلّا بصدد بيان أنّ المتيقّن مراد، و لم يكن بصدد بيان أنّ غيره مراد أو غير مراد، قبالًا للإجمال و الإهمال المطلقين، فافهم فإنّه لا يخلو عن دقّة (2). انتهى.

و فيه: أنّه على فرض حكاية الطبيعة عن الأفراد و أنّها مرآة لها، فهي تحكي عن جميع الأفراد؛ إذ لا معنى لحكاية الطبيعة المطلقة عن الأفراد المقيّدة، التي فُرض أنّها القدر المتيقَّن، فلو جعل متعلَّق الحكم الطبيعة الحاكية عن الأفراد، صحّ الحكم بالإطلاق و الاحتجاج على المولى و لو مع وجود القدر المتيقَّن بالمعنى‏ المذكور في البين؛ حيث إنّ المفروض أنّ متعلَّق الحكم هي نفس الطبيعة المطلقة الحاكية عن جميع الأفراد بزعمهم، و يكفي الإتيان بأيّ فرد من أفرادها، مثلًا: لو سأله عن بيع المعاطاة، فأجاب: بأنّه أحلّ اللَّه البيع، فإنّه يصحّ الأخذ بإطلاقه، و لا يمنعه تقدُّم السؤال، مع أنّه القدر المتيقّن بملاحظة السؤال، ثمّ بعد إحراز أنّ المتكلّم في مقام البيان صحّ التمسُّك بالإطلاق، و الاحتجاج به على المولى، و لا فرق فيه بين الإطلاق في نفس الحكم‏

____________

(1)- انظر كفاية الاصول: 287.

(2)- كفاية الاصول: 287- 288.

434

و متعلَّقه أو موضوعه أو غير ذلك.

لكن اورد عليه بوجهين:

الأوّل: أنّه لو احرز أنّ المتكلّم في مقام البيان، مع جعل الطبيعة متعلَّقة أو موضوعة للحكم، كالرقبة في «أعتق الرقبة»، ثمّ ظفر بالمقيِّد المنفصل، يكشف به عن أنّه لم يكن في مقام البيان، و معه لا يجوز التمسُّك بإطلاقه بالنسبة إلى‏ قيود اخر، كالعدالة المشكوك في تقييدها بها؛ لكشف الخلاف، و أنّه لم يكن في مقام البيان‏ (1).

الثاني: أنّ المقدّمات المذكورة إنّما تُنتج الإطلاق لو كان المتكلّم من الموالي العرفيّة، الذين ليس دأبهم تقييد مطلقاتهم بالدليل المنفصل، و أمّا مَن دأبه و ديدنه جعل القوانين الكلّيّة، ثمّ الإتيان بالقيود في فصول منفصلة عن ذلك، فلا يستقيم ذلك، و لا تنتج المقدّمات المذكورة صحّة الأخذ بالإطلاق.

أقول: أمّا الوجه الأوّل: ففيه أنّه إنّما يرد لو قلنا: إنّ تقييد المطلق موجب للتجوُّز فيه، و أمّا لو لم نقُلْ بذلك، و أنّ التقييد لا يوجب التجوُّز في المطلق- كما مرّ تفصيلًا- فلا يسقط المطلق عن الحجّيّة بعد التقييد، كما في العامّ بعد التخصيص.

توضيحه: أنّه لو قال: «أعتق الرقبة»، فيتخيّل أنّه في مقام بيان تمام مراده، فمقتضى أصالة الإطلاق هو أنّ المطلق استُعمل في معناه، كالرقبة في نفس الطبيعة، و مقتضى أصالة الجدّ هو أنّ ذلك مراده جدّاً أيضاً، فإذا وُجد مقيّد بعد ذلك بدليل منفصل- مثل: «لا تعتق رقبةً كافرة»- يكشف ذلك عن عدم صحّة جريان أصالة الجدّ بالنسبة إلى‏ هذا القيد، و أنّ متعلّق الحكم بحسب الجدّ هو الرقبة المؤمنة، و أمّا بالنسبة إلى‏ قيود اخر شُكّ فيها- كالعدالة و العلم- فلا مانع من جريان أصالتي الإطلاق و الجدّ بالنسبة إليها، كما هو الحال في العامّ المخصَّص بالمنفصل، فإنّه حجّة فيما

____________

(1)- انظر مطارح الأنظار: 218 سطر 19. و قد أشار المحقّق الخراساني إلى هذا الإشكال في ضمن كلامه ممّا يدلّ على أنّ الأشكال كان مطروحاً قبله.

435

بقي بعد التخصيص.

و أمّا الوجه الثاني: ففيه- أيضاً- أنّ مقتضاه عدم جواز التمسُّك بالإطلاق قبل الفحص عن المقيِّد و المعارض، و هو مسلَّم، بل جميع الأدلّة كذلك لا يجوز التمسُّك بها قبل الفحص عن المعارض، كالعامّ قبل الفحص التامّ عن المخصِّص و المعارض، و لا محيص عنه، لكن إذا تفحّص المجتهد بمقدار يُخرِج المُطلق عن المَعْرَضيّة للتقييد، جاز التمسُّك بإطلاقه إذا كان المتكلّم في مقام البيان.

ثمّ إنّه لو عُلم أنّ المولى في مقام بيان تمام مراده، فلا إشكال في جواز التمسُّك بإطلاق كلامه، و لو عُلم أنّه ليس في مقام البيان، فلا إشكال في عدم جواز التمسك بإطلاق كلامه، و لو شُك في ذلك ففيه تفصيل؛ لأنّه إمّا أن يعلم أنّه في مقام بيان ذلك الحكم، لكن يُحتمل أن لا يكون في مقام [بيان‏] تمام مراده، كما لو سأله عن الشكّ بين الثلاث و الأربع، فقال: «ابنِ على الأربع»، فإنّه لا يُحتمل أنّه في الجواب في مقام بيان حكمٍ آخر غير حكم الشكّ بينهما، لكن يحتمل عدم كونه في مقام بيان تمام المراد، فمقتضى الأصل هو الحمل على أنّه في مقام بيان تمامه؛ لاستقرار بناء العقلاء عليه، و أمّا أن يشُكّ في أنّه هل هو بصدد بيان ذلك الحكم أو حكمٍ آخر؟ فلا أصل في البين يُحرز به ذلك؛ لعدم بناء العقلاء في هذه الصورة على ذلك.

436

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

437

الفصل الرابع في أقسام المطلق و المقيّد و أحكامهما

إذا ورد مطلق و مُقيَّد ففيه أقسام: لأنّهما إمّا متكفّلان لحكم وضعيّ أو لحكم تكليفيّ. و على الثاني: إمّا هما مثبتان أو منفيّان، أو مختلفان في النفي و الإثبات.

و على أيّ تقدير إمّا هما إلزاميّان، أو غير إلزاميّين، أو مختلفان فيه. و على الأخير: فإمّا أنّ المثبت إلزاميّ و المنفيّ غير الزاميّ، أو بالعكس.

و على جميع التقادير: قد يُعلم بأنّ المطلوب و التكليف واحد؛ إمّا لذكره السبب أو من الخارج، و قد لا يعلم ذلك ... إلى‏ غير ذلك من الأقسام المتصوّرة فيه.

و لا بأس بتفصيل الكلام و بسطه في غالب تلك الأقسام؛ لما يترتّب عليها من النتائج المفيدة في مقام استنباط الأحكام:

الصورة الاولى: في المختلفين في الإثبات و النفي، و هما- أيضاً- إمّا متّصلان أو منفصلان: لا إشكال في حمل المطلق على المقيَّد في المتّصلين؛ لاحتفاف المطلق بالمقيَّد قبل انعقاد ظهوره في الإطلاق، لا من باب تصادم الظهورين، بل لأنّه لا ينعقد للكلام- حينئذٍ- إلّا ظهور واحد في المقيّد؛ لأنّ ظهور المطلق في الإطلاق موقوف على عدم ذكر القيد، و المفروض ذكره في الكلام بنحو الاتّصال.

438

و أمّا في المنفصلين فهما- أيضاً- على قسمين: لأنّ المنفيّ إمّا هو المطلق، و المثبت هو المقيّد، مثل: «لا تعتق الرقبة» و «أعتق رقبة مؤمنة»؛ بناءً على أنّ الأوّل لا يُفيد العموم، فإن كان النهي تحريميّاً فلا إشكال في حمل المطلق على المقيّد، و لا فرق فيه بين كون الأمر في المقيّد إلزاميّاً أو غير إلزاميّ، فإنّ حرمة العتق بنحو الإطلاق معناها حرمة جميع أفراده و مصاديقه عرفاً، فإنّ عدم الطبيعة في المتفاهمات و الارتكازات العرفيّة إنّما هو بانعدام جميع أفرادها، و هو منافٍ لوجوب عتق فردٍ منها، و هو المؤمنة، أو استحبابه، فلا محيص عن حمل المطلق على المقيّد فيه.

الصورة الثانية: عكس الأوّل؛ المنفي هو المقيّد و المثبت هو المطلق، نحو: «لا تعتق رقبة كافرة» و «أعتق الرقبة»، فإن كان النهي تنزيهيّاً فلا ريب في عدم حمل المطلق على المقيّد فيه؛ لعدم المنافاة بين وجوب عتق الرقبة و كراهة عتق الكافرة، و إن كان النهي تحريميّاً فلا إشكال في وجوب حمل المطلق على المقيّد؛ لتحقّق المنافاة بين حرمة عتق الكافرة و وجوبه.

و إنّما الإشكال فيما لو شُكّ في أنّ النهي تحريميّ أو تنزيهيّ، فإنّ الأمر دائر بين تقييد المطلق لو فرض كون النهي تحريميّاً، و بين التصرُّف في هيئة النهي بحمله على التنزيهيّ، فعلى القول: بأنّ النهي موضوع للحرمة، أو القول بكشفه نوعاً عن أنّه عن إرادة إلزاميّة، فلا ريب في وجوب حمل المطلق على المقيّد؛ لأنّ ظهوره في التحريم- حينئذٍ- وضعيّ، بخلاف ظهور المطلق في الإطلاق، و الظهور الوضعيّ أقوى‏ من غيره، فيقدّم عليه.

لكن قد عرفت سابقاً: أنّ الحقّ أنّه موضوع للزجر عن الشي‏ء، و أنّه يحتاج إلى‏ الجواب من العبد عند العرف و العقلاء، و حمله على التحريم إنّما هو لذلك، مع عدم ترخيصه في الفعل، و حينئذٍ فظهوره ليس وضعيّاً كظهور الآخر، و حينئذٍ لا بدّ في التصرُّف في المطلق من إثبات أنّ النهي في المقيّد تحريميّ، و كذلك العكس؛ لأنّه يعتبر

439

في الأخذ بالإطلاق رفع اليد عن احتياج النهي إلى‏ الجواب، و أنّ المطلق ترخيص في الفعل، و لا ترجيح في البين، فيقع الإجمال.

غاية ما يمكن أن يقال في بيان حمل المطلق على المقيّد: هو أنّ بناء الشارع المقنِّن- المستفاد من ملاحظة جميع أبواب الفقه- هو ذكرُ المقيِّدات منفصلًا عن المطلقات، و إرادةُ المقيّد من المطلقات، فيحصل هنا ظنٌّ نوعيّ بحمل المطلق على المقيّد، لا حمل النهي على الكراهة مع حفظ إطلاق المطلق.

و هنا وجه ثالث: و هو أنّ ذلك مبنيٌّ على شمول النزاع في اجتماع الأمر و النهي للمطلق و المقيّد و القول بجواز الاجتماع و عدم الشمول.

فإن قلنا بالشمول و جواز الاجتماع فيحفظ كلٌّ من الإطلاق و النهي على ظاهرهما، و لا يُتصرّف في واحد منهما، فمورد الاجتماع هو مجمع العنوانين، فباعتبار أحدهما يكون فاعله مطيعاً، و باعتبار الآخر عاصياً، و إن لم نقل بشمول النزاع لهما أو قلنا بعدم جواز الاجتماع، فلا محيص عن التصرُّف في أحدهما، و يقع الإجمال‏ (1).

و فيه: أنّا قد أشرنا آنفاً إلى‏ أنّ مسألة جواز الاجتماع و عدمه مسألة عقليّة، لا ارتباط لها بمسألة تعارض الدليلين- كما في المقام- و الجمع بينهما، فإنّ المرجع فيها هو العرف و نظر العقلاء، فلا بدّ من عرض المطلق و المقيّد على العرف، فإن أمكن الجمع بينهما عرفاً بحمل المطلق على المقيّد أو بالعكس فهو، و إلّا فلا بدّ من التعامل معهما معاملة المتعارضين، و حينئذٍ فلا وجه للاحتمال الثالث، بل يدور الأمر فيهما بين الاحتمالين الأوّلين.

و الإنصاف: أنّ الإطلاق ليس قرينة عرفاً على التصرُّف في هيئة النهي، بل الأمر بالعكس، كما في العامّ و الخاصّ المطلقين، و لعلّ السرّ في ذلك: عدم توجُّه العرف إلى‏ المعنى الحرفيّ- أي هيئة النهي- كي يتصرّف فيه إلّا نادراً، و لا فرق في هذه‏

____________

(1)- انظر ما قرّره في مطارح الأنظار: 223 سطر 8.

440

الصورة بين تقدُّم صدور المقيّد على المطلق أو بالعكس.

و قد يقال: إنّ قوله: «لا تعتق رقبة كافرة» على فرض كونه تنزيهيّاً، أيضاً قرينة على التصرّف في المطلق و حمله على المقيّد، فضلًا عن الشكّ فيه؛ لأنّ النهي التنزيهي متعلِّق بالمقيَّد بحسب الظاهر، لا القيد فقط، كما في قوله: «لا تصلِّ في الحمّام»، فإنّ المنهيّ عنه فيه هي الصلاة في الحمّام، لا الكون في الحمّام، فالمنهيّ عنه فيما نحن فيه هو عتق الكافرة لا الكفر، فعتق الرقبة الكافرة منهيّ عنه و مرجوح، و هو منافٍ لوجوب عتق مطلق الرقبة و رجحانه، فلا بدّ من حمل المطلق على المقيّد في هذه الصورة أيضاً. نعم لو عُلم من الخارج أنّ عتقها مطلقاً مطلوب و راجح، لم يكن بدٌّ من حمل النهي على الإرشاد إلى‏ أفضل الأفراد، لا حمل المطلق على المقيّد.

أقول: قد عرفت أنّ المسألة ليست عقليّة مبنيّة على الدقائق العقليّة، بل عرفيّة عقلائيّة لا بدّ من عرضها على العرف، فمع العلم بأنّ النهي تنزيهيّ يتعيّن عند العرف حفظ إطلاق المطلق و حمل النهي على الإرشاد إلى‏ أفضل الأفراد.

الصورة الثالثة: في المُثبَتَينِ نحو: «أعتق رقبة»، و «أعتق رقبة مؤمنة»، و لم يُذكر السبب فيهما، مع فرضهما إلزاميّين، ففيه احتمالات:

الأوّل: حمل المطلق على المقيّد مع حفظ الوجوب في كلٍّ منهما.

الثاني: أنّهما تكليفان و واجبان مستقلّان، و حينئذٍ فالكلام في كفاية عتق الرقبة المؤمنة في امتثال الأمرين و عدمها، هو الكلام في تداخل الأسباب و المسبّبات.

الثالث: حمل الأمر في المقيّد على الإرشاد إلى‏ أفضل الأفراد للواجب المخيّر، مع حفظ الوجوب فيهما.

الرابع: أن يكون عتق الرقبة واجباً في واجب.

فنقول: أمّا الاحتمال الأخير: ففيه: أنّه إنّما يصحّ إذا تعلّق الأمر في المقيّد بالقيد وحده، لا بالمقيّد، لكنّه ليس كذلك في أغلب الموارد، و من جملتها ما نحن فيه، فإنّ‏

441

الأمر بالمقيّد ليس متعلِّقاً بالإيمان، بل بالرقبة المؤمنة، و حينئذٍ فلا وجه لهذا الاحتمال.

و أمّا الاحتمال الأوّل: فحمل المطلق على المقيّد موقوف على إثبات وحدة الحكم و إحرازها فيهما، و أمّا لو فُرض أنّهما تكليفان مستقلّان، فلا تنافي بينهما حتى يُجمع بينهما بحمل المطلق على المقيَّد.

فذكر بعض الأعاظم لإثبات وحدة الحكم فيهما وجهين:

الأوّل: أنّ الحكم في المطلق متعلّق بصِرف وجوده، و كذلك في المقيَّد، فمع فرض أنّ الحكم فيهما إلزاميّ لا بدّ أن يكون واحداً، فيدور الأمر بين تعلُّقه بالمطلق و بين تعلُّقه بالمُقيّد، فعلى الأوّل فمعناه الترخيص في ترك القيد و عدم دخالة القيد في المطلوب، و على الثاني فالقيد دخيل في المطلوب لا يجوز تركه، فيقع التنافي بينهما.

الثاني: أنّ متعلَّق الحكم في المطلق نفس الطبيعة و صِرف وجودها، و أنّه ليس للقيد دَخْلًا فيه، بخلاف المقيّد، فإنّ معناه أنّ للقيد دَخْلًا في المطلوب، فمع فرض كون التكليف إلزاميّاً يقع التنافي بينهما؛ ضرورة التنافي بين دَخْل القيد في المطلوب و عدم دخله فيه‏ (1).

أقول: لو فرض أنّ هنا حكمين مستقلّين في الواقع: تعلّق أحدهما بنفس الطبيعة، و الآخر بالطبيعة المقيّدة، لم يصحّ واحد من الوجهين؛ ضرورة عدم التنافي بين دخالة قيد في حكم و عدم دخالته في حكم آخر، و الحاكم لا يرضى بترك القيد في أحد الحكمين دون الآخر، فالتنافي بينهما موقوف على وحدة الحكم، و وحدتُهُ على التنافي بينهما، و ذلك دور واضح.

فالأولى في بيان إثبات وحدة الحكم فيهما أن يقال: إنّ متعلّق الحكم في المطلق هو نفس الطبيعة المطلقة، و لم يحتمل دَخْل قيد آخر في الحكم، و في المقيّد هو هذه الطبيعة مقيّدة بقيد، فالموضوع فيهما واحد بإضافة قيد في أحدهما، فمع وحدة

____________

(1)- انظر فوائد الاصول 2: 584.

442

الموضوع لا يُعقل تعدُّد الحكم، فالحكم- أيضاً- واحد لا محالة، و إلّا يلزم تعلُّق الإرادة و الحبّ بنفس الطبيعة مرّتين تأسيساً لا تأكيداً؛ لما عرفت أنّ المطلق و المقيّد ليسا عنوانين متباينين؛ ليترتّب على أحدهما مصلحة، و على الآخر مصلحة اخرى‏، و حينئذٍ فلا بدّ أن يكون الحكم و المطلوب فيهما واحداً، فيدور الأمر بين الاحتمالين الأوّلين، فلا بدّ من عرضهما على العرف، و المتبادِر في المتفاهَم العُرفي هو حمل المطلق على المقيّد؛ لغفلتهم عن احتمال أنّ الأمر في المقيَّد و هيئتَهُ للإرشاد إلى‏ أفضل الأفراد، و لعلّ السرّ في ذلك: إمّا ما ذكرناه من عدم توجّه أذهان العقلاء و العرف إلى‏ المعاني الحرفيّة، و أنّها مغفول عنها إلّا مع عناية زائدة، أو لأجل أنّ الغالب في محيط الشرع و التشريع هو ذلك لا العكس.

و لو احتمل تعلُّق الحكم في المطلق- أيضاً- مقيّداً بقيد آخر في الواقع، فإنّه- حينئذٍ- يقع بينهما التنافي، و يدور الأمر في المطلق بين التأسيس على فرض تقيُّده في الواقع بقيد آخر، و بين التأكيد على فرض عدمه و حمل المطلق على المقيّد، فالثاني- أيضاً- هو المتعيّن عرفاً.

و ذهب في «الدُّرر»: إلى‏ أنّه مع إحراز وحدة المطلوب من الخارج، يقع الإجمال لو لم يذكر السبب في واحد منهما؛ لأنّ ظهور المطلق في الإطلاق يُصادم ظهور المقيّد في دَخْل القيد، فيدور الأمر بين حمل المطلق على المقيَّد، و بين حمل هيئة الأمر في المقيّد على الإرشاد إلى‏ أفضل الأفراد، و لا ترجيح في البين، فيقع الإجمال‏ (1).

و فيه: أنّ ظهور المطلق في الإطلاق إنّما هو لأجل عدم البيان، و مع ورود البيان- أي المقيّد- لا يصحّ الأخذ بالإطلاق و الاحتجاج به، فظهور المقيّد أقوى‏، فيقدّم على المطلق.

و قال المحقّق الميرزا النائيني (قدس سره) في المقام ما حاصله: إنّه إن كان المطلق‏

____________

(1)- انظر درر الفوائد: 236- 237.

443

و المقيّد متنافيين متّصلين، يتعيّن حمل المطلق على المقيّد؛ لأنّ ظهور المطلق في الإطلاق و التمستك به، موقوف على عدم نصب قرينة على الخلاف، و المقيّد صالح للقرينيّة.

فالسرّ في تقديم المقيّد على المطلق: هو أنّ المقيّد قرينة على عدم إرادة الإطلاق، و ظهور القرينة مقدّم على ظهور ذي القرينة مطلقاً، و إن كان ظهور القرينة أضعف من ظهور ذي القرينة؛ لأنّ وجه تقديمه عليه هو حكومة ظهور القرينة على ظهور ذي القرينة، و أنّ الشكّ في ذي القرينة مُسبَّب عن الشكّ في ظهور القرينة، فرفع الشكّ عن ظهور القرينة مستلزم لرفعه عن ذي القرينة، مثلًا: لو قال: «رأيت أسداً يرمي»، فالأسد ظاهر في الحيوان المفترس بالوضع، و لفظة «يرمي» و إن احتمل أن يُراد منها الرمي بالتراب، لكنّها منصرفة إلى‏ الرمي بالنبل، و حينئذٍ فهو عبارة اخرى‏ عن الرجل الرامي بالنبل، و ظهورها مقدّم على ظهور «الأسد»؛ لما ذكرنا، فيلزم رفع الشكّ في «الأسد» أيضاً، و ما نحن فيه من هذا القبيل.

ثمّ ذكر: أنّه و إن لم يظفر على ضابط كلّيّ لامتياز القرينة عن ذي القرينة، إلّا أنّ الغالب هو أنّ ما يُعدّ من اصول الكلام- كالفعل و الفاعل- فهو ذو القرينة، و ما يُعدّ من متعلَّقاته- كالحال و التميّز و نحوهما ممّا ليس من اصول الكلام- فهو القرينة، و اختلف في المفعول به في أنّه القرينة أو ذو القرينة، مثل: «اليقين» في‏

(لا تنقض اليقين بالشكّ)

(1)؛ حيث إنّ لفظ «اليقين» يعمّ صورة الشكّ في الرافع و المقتضي، و النقضُ ظاهر في الرافع، فإنْ عُدّ المفعول به قرينةً فلا بدّ من تقديم ظهوره على ظهور النقض، فيدلّ على حجّيّة الاستصحاب مطلقاً، و إلّا قُدِّم ظهور النقض على ظهوره، فيدلّ على حجّيّته في خصوص الشكّ في الرافع فقط، و لذلك اختلفوا في حجّيّة الاستصحاب‏

____________

(1)- التهذيب 1: 8 باب الاحداث الموجبة للطهارة ح 11، الوسائل 1: 174 باب 1 من أبواب نواقض الوضوء ح 1.

444

مطلقاً (1) أو في خصوص الشكّ في الرافع‏ (2).

و هكذا قولك: «اضرب أحداً»، فإنّ الضرب ظاهر في الضرب المؤلم، و الأحد يشمل الإنسان الحيّ و الميّت.

ثمّ قال: و أمّا المنفصلان فهما- أيضاً- كذلك، إلّا أنّه لا بدّ من ملاحظة أنّهما مع فرض الاتّصال هل هما متضادّان أو لا؟ و على الثاني فالحكم فيهما هو ما ذكرناه في المتّصلَين‏ (3). انتهى ملخّص كلامه.

أقول: في كلامه (قدس سره) مواقع للنظر و الإشكال نذكر بعضها:

أمّا أوّلًا: فلأنّ ما ذكره- من أنّ الشكّ في ظهور ذي القرينة مسبَّب عن الشكّ في ظهور القرينة- ممنوعٌ؛ فإنّ المجازات نوعاً ليست كذلك، فإنّ الشكّ في ظهور «الأسد» في الحيوان المفترس، ليس مسبَّباً و ناشئاً عن الشكّ في ظهور «يرمي»؛ لإمكان العكس، بل الشك في أحدهما ملازم للشكّ في الآخر، لا أنّه مسبَّب عن الآخر، و يرتفع الشك في أحد المتلازمين بارتفاعه في الآخر، فليس ظهور القرينة حاكماً على ظهور ذي القرينة، و ما ذكره: من أنّ «يرمي» عبارة اخرى‏ عن الرجل الرامي، كما ترى‏، و الوجه في تقديم ظهور المقيَّد على ظهور المطلق، هو ما أشرنا إليه من أقوائيّة ظهوره على ظهور المطلق.

و ثانياً: ما أفاده: من عدم الفرق بين المنفصلين و بين المتّصلين، فهو من الأعاجيب؛ لأنّهما في المتّصلين ليسا كالقرينة وذي القرينة؛ لما عرفت من أنّه مع احتفاف المطلق بما يصلح للتقييد قبل ظهوره التصديقي، لا ينعقد له ظهور، فليس لظهور المقيّد مصادِم في صورة الاتّصال، بخلاف القرينة وذي القرينة، و الإطلاق ليس‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 439.

(2)- فرائد الاصول: 328 سطر 17.

(3)- فوائد الاصول 2: 577- 579، أجود التقريرات 1: 535- 537.

445

مدلولًا للّفظ، بخلاف ذي القرينة.

و بالجملة: قياس ما نحن فيه بالقرينة وذي القرينة في غير محلّه، و كذا قياس صورة الانفصال على صورة الاتّصال في غير محلّه.

الصورة الرابعة: في المطلق و المقيّد المنفيّين مع عدم ذكر السبب: فهما مثل «لا تعتق رقبةً» و «لا تعتق رقبة كافرة»، فهما لا يتنافيان عند العرف و العقلاء، فلا يحمل المطلق على المقيّد، و المنهيّ عنه عتق جميع أفرادها.

الصورة الخامسة: في المثبتين مع ذكر السبب فيهما، و لكن السبب في أحدهما غيره في الآخر: مثل «إن ظاهرتَ فأعتق رقبة» و «إن أفطرت أعتق رقبة مؤمنة»، فقالوا: إنّه لا يُحمل المطلق على المقيّد فيه‏ (1)، و إن أمكن أن يقال: إنّ السبب في أحدهما و إن كان غيره في الآخر، و مع ذلك لا يمكن تعلُّق إرادتين مستقلّتين: إحداهما بالمطلق، و الاخرى‏ بالمقيّد، كما ذكرناه في القسم الثالث، لكنّه إنّما هو بمقتضى‏ حكم العقل و الدقّة العقليّة، و المرجع هنا هو نظر العرف و العقلاء، و لا ربط لأحدهما بالآخر عرفاً، و لا ريب أنّهما تكليفان مستقلّان عند العرف، فلا يحمل المطلق منهما على المقيّد؛ إذ لا تنافي بينهما.

الصورة السادسة: في المثبتَينِ مع ذكر سبب واحد فيهما: مثل «إن ظاهرت فأعتق رقبة» و «إن ظاهرت أعتق رقبة مؤمنة»، فلا إشكال في أنّ الجمع العرفي بينهما هو حمل المطلق على المقيّد.

و إنّما الإشكال فيما لو ذكر السبب في أحدهما فقط، و هو القسم السابع، مثل:

«إن ظاهرت فأعتق رقبة»، و قال: «أعتق رقبة مؤمنة»:

فقال بعض الأعاظم- المحقّق الميرزا النائيني (قدس سره)-: إنّ حمل المطلق على المقيّد فيه مستلزم للدور؛ لأنّ حمل المطلق على المقيّد، يتوقّف على إثبات أنّ التكليف فيهما

____________

(1)- مطارح الأنظار: 220، فوائد الاصول 2: 580.

446

واحد، متعلّق بموضوع واحد؛ لأنّهما لو كانا تكليفين مستقلّين متعلّقين على موضوعين، فلا تنافي بينهما كي يُحمل أحدهما على الآخر، فحمل أحدهما على الآخر يتوقّف على إثبات وحدة الموضوع، و وحدة الموضوع تتوقّف على وحدة الحكم، و الظاهر أنّه لا دافع لهذا الدور، و حينئذٍ فلا يحمل المطلق على المقيّد فيهما (1).

أقول: و فيه أوّلًا: ما عرفت من أنّ المحكّم هنا نظرُ العرف و العقلاء، فيقدّم الأظهر في المتفاهم العُرفي على الظاهر، لا حكمُ العقل الذي ذكره.

و ثانياً: لو أغمضنا عن ذلك، لكن ما ذكره من الدور مدفوع: بأن وحدة الحكم- و إحرازها- و إن تتوقّف على وحدة الموضوع، لكن وحدة الموضوع بحسب الواقع و نفس الأمر- و لا إحرازها- لا تتوقّف على وحدة الحكم؛ لأنّ وحدة الموضوع أمر واقعيّ وجدانيّ لا تتوقّف على وحدة الحكم، فلا بدّ من ملاحظة أنّ الطبيعة و الطبيعة المتقيِّدة بقيد، هل هما عنوانان متغايران، أو لا؟

و قد عرفت عدم تغايرهما عقلًا، فحكمهما واحد ليس إلّا، فيحمل المطلق على المقيّد، لكن حيث إنّ المحكّم هنا هو نظر العرف و العقلاء، ففي المتفاهم العرفي هما تكليفان مستقلّان، فلو لم يُظاهِرْ أحد من الناس مدّة عمره لا يجب عليه عتق الرقبة المؤمنة، لكنّه لا يُعذر في ترك امتثال أمر المطلق بدون ذكر السبب، و لا يصحّ الاحتجاج بحمل المطلق على المقيّد كما لا يخفى. هذا كلّه في الأحكام التكليفيّة.

و أمّا الأحكام الوضعيّة فالمطلق و المقيّد المتضمنان لها صورها كصور المتضمِّنين للأحكام التكليفيّة؛ في أنّه قد يُحمل المطلق منها على المقيّد، كما لو قال: «اقرأْ في صلاتك سورة»، ثمّ قال: «اقرأ فيها سورة طويلة» مثلًا، مع إحرازِ وحدة الحكم، و جعْلِ جزئيّة شي‏ءٍ واحد، فيحمل المطلق على المقيّد، بخلاف ما لو قال: «لا تصلِّ فيما لا يؤكل لحمه»، و قال: «لا تُصلِّ في الخزّ» مثلًا؛ لعدم المنافاة بينهما؛ لعدم المفهوم في‏

____________

(1)- انظر فوائد الاصول 2: 580- 581.

447

الثاني، و لو كان الحكمان استحبابيّين أو النهيان تنزيهيّين أو بالاختلاف، فإنّه و إن أمكن التفصيل بما ذكرناه في الواجبين، لكن حيث إنّ بناءهم على الحمل على مراتب المحبوبيّة في هذا الباب، فلا يُحمل المطلق على المقيَّد.

و أمّا قضيّة التسامح في أدلّة السُّنن- كما في «الكفاية»- فهو إنّما يصحّ فيما لو كان هناك دلالة؛ ليتسامح في السند، و الدلالة فيما نحن فيه موقوفة على عدم حمل المطلق على المقيَّد، و عدم الجمع العرفي بينهما بحمل المطلق على المقيّد، و إلّا فلا دلالة ليُتسامح في سندها.

هذا تمام الكلام في مباحث الألفاظ؛ تقريراً لأبحاث سيّدنا الأفخم، و استاذنا الأعظم، آية اللَّه العظمى، الحاج آغا روح اللَّه الموسوي الخميني، حفظه اللَّه من الآفات و الشرور و الأسقام بحقّ محمّد و آله الطاهرين- (صلوات اللَّه عليهم أجمعين)- و الحمد للَّه ربّ العالمين.

قد وقع الفراغ من تقريره و تسويده بيد العبد الفاني حسين التقوي الاشتهاردي سنة خمسٍ و ثلاثين و ثلاثمائة بعد الألف من السنين الشمسيّة الهجريّة.

448

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

449

الفهرس‏

450

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}