بحر الفوائد في شرح الفرائد - ج8

- الشيخ محمد حسن الآشتياني المزيد...
820 /
53

يستلزم اجتماع النّقيضين» (1). انتهى كلامه.

و قال في محكي «التهذيب»: «الدّليلان إمّا أن يكونا يقينيّين فالتّعارض بينهما محال» (2). انتهى.

و قال في «شرح المبادي»- تبعا للمصنّف على ما حكي-: «لا يتعارض دليلان قطعيّان؛ لاستلزامه اجتماع النّقيضين» (3). انتهى كلامه.

و قال في محكيّ «المنية»: «الأدلّة القطعيّة عقليّة كانت أو نقليّة لا يجوز تعادل دليلين متقابلين منها بالنّفي و الإثبات. أمّا العقليّة: فلوجوب حصول المدلول عند حصول دليله، فلو تحقّق دليلان على نقيضين لزم اجتماعهما، و هو محال بالضّرورة. و أمّا النّقليّة: فلأنّه يلزم إمّا اجتماع النّقيضين أو الكذب على الشّارع و هما محالان».

و قال- بعد جملة كلام له-: «الثّالث: أن يكون أحدهما يقينيّا و الآخر ظنّيّا فيتعيّن العمل باليقيني؛ ضرورة استلزامه العلم بكذب الظّن المقابل لليقين اللّازم للدّليل» (4). انتهى.

و قال في مقام آخر: «التّعارض في اليقينيّات محال؛ إذ الدّليل اليقيني‏

____________

(1) انظر مفاتيح الأصول: 680.

(2) تهذيب الأصول للعلّامة الحلّي: 277- 278 و الحاكي هو محمّد أمين الاسترآبادي في الفوائد المدنيّة: 47 و كذلك انظر مفاتيح الأصول: 680.

(3) مبادي‏ء الوصول: 230 و الحاكي أيضا هو الاسترآبادي كما مرّ و السيّد المجاهد.

(4) انظر مفاتيح الأصول للسيّد محمّد المجاهد: 680.

54

لا يتحقّق إلّا مع كون مقدّماته ضروريّة أو لازمة للضّروريّة و منتهية إليها ... إلى آخر ما ذكره» (1).

و قال في محكي «غاية المأمول»- بعد الحكم باستحالة تعارض القطعيّين من حيث استلزامه اجتماع النّقيضين-: «و لا يتحقّق بين القطعي و الظّني؛ لانتفاء الظّن عند حصول القطع و إنّما يتحقّق بين الظّنّيين» (2). انتهى.

و في محكيّ «غاية البادي»: «وقع الاتّفاق على امتناع التّعارض بين الأدلّة العقليّة، و أمّا النّقليّة فليست قطعيّة، و على تقدير إفادتها اليقين فالدّليل القائم في العقليّات قائم في سائر القطعيّات» (3). انتهى.

و في محكيّ «الزّبدة»: «و لا تعارض في قطعيّين؛ لاجتماع النّقيضين و لا في قطعيّ و ظنّي. انتهى كلامه.

و في محكيّ «غاية المأمول» بعد جملة كلام له في تحقيق مورد التّعارض ما هذا لفظه: «و هو لا يتحقّق بين قطعيّين، و إلّا ثبت مقتضاهما فيلزم اجتماع النّقيضين و هو محال» (4). انتهى كلامه.

و في محكيّ «الإحكام»: «لا يتصوّر التّعارض في القطعيّ؛ لأنّه إمّا أن يعارضه قطعيّ أو ظنّي. و الأوّل محال».

____________

(1) المصدر السابق.

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق.

(4) المصدر السابق.

55

إلى أن قال:

«و الثّاني أيضا محال؛ لامتناع ترجيح الظّني على القطعي فلم يبق سوى الطّرق الظّنية» (1). انتهى كلامه.

و قال العضدي- في «شرح المختصر» عند شرح قول الماتن [لا تعارض في قطعيّين‏]: «الدّليلان إمّا قطعيّان، أو أحدهما قطعيّ و الآخر ظنّي، أو هما ظنّيّان، و لا تعارض في قطعيّين، و إلّا ثبت مقتضاهما و هما نقيضان، و لا بين قطعيّ و ظنّي؛ لأنّ الظّن ينتفي بالقطع بالنّقيض و أمّا الظّنيّان فيتعارضان» (2). انتهى ما حكي عنه.

إلى غير ذلك من كلماتهم الصّريحة في التّفصيل الّذي عرفته من «شرح المختصر». و الغرض من نقلها ليس مجرّد الوقوف عليها، بل الوقوف على مرادهم من التّفصيل المذكور، و أنّ الدّليل القطعي عندهم: ما لا ينفك عن إفادة القطع بمدلوله بخلاف الظّني. و هذا كما ترى، لا يقبل المناقشة فلا بدّ أن يكون مبنى المناقشة التباس مرادهم من الدّليل القطعي و الظّني على المناقش على ما عرفت الإشارة إليه.

____________

(1) الإحكام للآمدي: ج 4/ 241.

(2) انظر مفاتيح الأصول: 680.

56

كلام الفاضل النراقي و المناقشة فيه‏

قال الفاضل النّراقي في «المناهج»:

«قالوا: التّعارض بين القطعيّين و القطعي و الظّني محال، و استدلّوا على الأوّل باستلزامه التّناقض؛ لأنّ القطعي ما ثبت تحقّق مدلوله قطعا فلو عارضه مثله لحصل القطع بتحقّق مدلوله أيضا، و المفروض تناقض المدلولين و لا فرق في ذلك بين كونهما متساويين أو بينهما عموم و خصوص مطلق أو من وجه، و على الثّاني: بأن الظّني لا يقاوم القطعي فلا يمكن أن يعارضه، و بأنّ الظّن ينتفي عند قيام القطع.

أقول: إن كان المراد من القطعي ما ذكر فعدم تعارضهما واضح. و أمّا إن كان المراد ما كان الدّالّ قطعيّا كما يظهر من تمثيلهم للقطعيّين بالمتواترين و الإجماعين القطعيّين، فقد يمكن التّعارض بجواز صدور خبرين متناقضين لمصلحة تقيّة و نحوها متواترا أو انعقد الإجماع على حكم في زمان تقيّة و على خلافه في زمان آخر.

و أمّا ما ذكروه دليلا للثّاني: فيتوجّه على الأوّل منهما: أنّ التّقاوم مناط التّعادل دون التّعارض؛ فإنّ الظّنيّين اللّذين اقترن أحدهما بمرجّح متعارضان مع فقد التّقاوم، و على الثّاني: بأنّ مناط التّعارض هو تنافي المدلولين دون بقاء الظّن؛ فإنّ المراد بالظّني ليس ما أفاده بالفعل، و إلّا لزم عدم التّعارض بين الظّنيّين أيضا؛ لاستحالة تعلّق الظّن بطرفي النّقيض، بل ما من شأنه أن يفيد الظّن و إن لم يفده بالفعل و ذلك متحقّق في الظّني و القطعي، فالحقّ إمكان التّعارض بين القطعي‏

57

و الظّني. بل التّحقيق: إمكان تعارض القطعيّين بهذا المعنى أيضا» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و هو كما ترى، غير نقيّ عن النّظر من وجوه؛ لأنّ ما ذكره بالنّسبة إلى القطعيّين يتوجّه عليه: أنّ مرادهم من القطعي ليس إلّا ما ذكره أوّلا؛ فإنّ الدّليل القطعي عندهم في مقابل الظّني ما يكون اعتباره ذاتيّا و من جهة حصول القطع منه كما ذكره شيخنا الأستاذ العلّامة في بيان مرادهم، و كون الدّالّ قطعيّا؛ لأنّ المدلول كما ذكره لا محصّل له أصلا؛ إذ اتّصاف الدّال بالقطعيّة إنّما هو باعتبار مدلوله، و إلّا فمجرّد القطع بصدور كلام من الشّارع مع عدم قطعيّة مدلوله و عنوان صدوره لا يوجب اتّصاف الدّال بالقطعيّة؛ ضرورة كون النّتيجة تابعة لأخسّ مقدّمتيها.

و من هنا لا يعدّ الكتاب و السّنة القطعيّة مع ظنّيّة دلالتهما من الأدلّة القطعيّة، و تمثيلهم بالمتواترين و الإجماعين للقطعيّين لا يدلّ على ما توهّمه؛ لأنّ الغرض من التّواتر ليس مجرّد التّواتر اللّفظي مع ظنّيّة متنه وجهة صدوره، و كذا المراد من الإجماع القطعي على الحكم ليس مجرّد الإجماع على مجرّد صدور اللّفظ من الإمام (عليه السّلام)، كما قد يتّفق على مذهب القدماء في باب الإجماع و صدور خبرين متواترين متناقضين لمصلحة تقيّة و نحوها. و كذا انعقاد الإجماع على حكم في زمان تقيّة و على خلافه زمان آخر لا يجديه في شي‏ء.

لأنّه إن أراد من التّقيّة: التّقيّة في العمل كالوضوء تقيّة على طبق مذهب العامّة مثلا عند الضّرورة و الابتلاء، فيتوجّه عليه: أنّ مضمون الخبر على هذا

____________

(1) مناهج الأحكام في أصول الفقه: 314.

58

الفرض حكم واقعيّ إلهيّ، إلّا أنّه واقعيّ اضطراريّ كسائر الواقعيّات الاضطراريّة كالصّلاة في حالة الخوف أو المرض إذا لم يتمكّن من الإتيان بالقيام مثلا، فهل يتوهّم أحد التّعارض بين حديثين دلّ أحدهما على وجوب الصّلاة قائما على الصّحيح و الآخر على وجوبها قاعدا على المريض الغير المتمكّن من القيام فكذا بين حديثين دلّ أحدهما على وجوب الوضوء على طبق مذهب الشّيعة في حالة الاختيار و عدم التّقيّة و دلّ الآخر على وجوبه على طبق مذهب العامّة عند الابتلاء بهم؟ حاشا ثمّ حاشا.

و إن أراد منها: التّقيّة في مجرّد القول، فإن جوّزنا الكذب على الإمام (عليه السّلام) عند الخوف و التّقيّة من الأعداء- كما نجوّزه لغيره- من جهة الضّرورة، فيتوجّه عليه: أنّ مضمون الخبر على هذا ليس حكما أصلا و إن كان صدوره واجبا على الإمام (عليه السّلام) فلا يتعارض مع غيره.

و إن لم نجوّزه له و أوجبنا عليه التّورية كما هو الحقّ- و إن جوّزناه لغيره- فالمراد من الخبر الصّادر تقيّة و خوفا على هذا التّقدير أيضا حكم إلهيّ واقعيّ، بل ربّما يكون واقعيّا اختياريّا فكيف يقع التّعارض بينه و بين غيره؟ فإذا ورد عن الإمام (عليه السّلام) ما دلّ على حرمة التّمتّع و كان مراده حرمته بدون رضا الزّوجة مثلا، فلا يعارض ما دلّ على جوازه مع اجتماع ما يعتبر في العقود من رضا المتعاقدين و غيره.

و أمّا ما أورده على الوجه الأوّل لعدم إمكان التّعارض في المختلفين:

فيتوجّه عليه: بأنّ عدم التّقاوم في الفرض ليس من جهة ترجيح القطعي على الظّني مع تعارضهما، بل من جهة عدم إمكان التّعارض بينهما؛ لأنّ أصل الكشف الظّني‏

59

و لو نوعا على ما هو التّحقيق أو اعتباره على ما تقضي به ضرورة العقل و الوجدان مقيّد بعدم القطع على الخلاف فليستا في مرتبة واحدة حتّى يمكن التّعارض بينهما.

و أمّا ما أورده على الوجه الثّاني: فيتوجّه عليه أيضا ما يتوجّه على إيراده على الوجه الأوّل.

و أمّا قياسه المقام بالظّنيين و استكشاف حكمه منهما: فيتوجّه عليه: بأنّ إرادة الشّأني منهما أو الفعلي و الشّأني ممّا لا غبار عليه أصلا؛ لأنّ الغرض من حصر التّعارض في الظّنيين ليس إمكانه في جميع صوره، بل تحقّقه فيهما في مقابل القطعيّين و المختلفين من القطعي و الظّني.

و ممّا ذكرنا كلّه يظهر: تطرّق المناقشة إلى التّرقي الّذي ذكره أخيرا بقوله:

(بل التّحقيق إمكان التّعارض بين القطعيّين بهذا المعنى أيضا) لما صرّح به شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه) في «الكتاب»: من أنّ اعتبار القطعي بهذا المعنى على تقدير وجوده في الشّرعيّات لا بدّ فيه من التماس قيام الدّليل عليه؛ فإنّه كالظّني كما هو ظاهر، و اعتبار الأدلّة القطعيّة عندهم على ما عرفت مستند إلى نفس إفادتها القطع لا إلى شي‏ء آخر.

و ممّا ذكرنا يظهر: تطرّق المناقشة إلى ما أفاده في حكم المقام في «الفصول» فإنّه قريب إلى ما أفاده الفاضل المتقدّم ذكره في «المناهج». قال:

«و لا يقع التّعارض بين الدّليلين القطعيّين. أعني: المفيدين للقطع بمؤدّاهما بالفعل سواء كانا عقليّين أو سمعيّين أو كان أحدهما عقليّا و الآخر سمعيّا؛ لأدائه إلى الجمع بين المتنافيين بحسب المعتقد، إلّا أن يكون المعتقد جاهلا بالتّنافي‏

60

فيخرج الكلام بالنّسبة إليه عن محلّ البحث؛ إذ لا تعارض عنده حقيقة و لو فسّر الدّليل القطعي بالفعلي- نظرا إلى أنّه لا حكم للقطع الشّأني و الدّليل الظّني بما يعمّ الفعلي و الشّأني لوقوع التّعويل على كلّ منهما في الجملة- صحّ في تحرير المقام أن يقال: الدّليلان إن كانا قطعيّين إمتنع وقوع التّعارض بينهما، و إن كان أحدهما قطعيّا و الآخر ظنيّا رجّح القطعي، و إن كانا ظنّيين ففيه: التّفصيل الآتي» (1).

و الفاضل المعاصر بعد أن حكم بامتناع التّعارض بين الدّليلين القطعيّين قال: «و كذلك لا يكون في قطعيّ و ظنّي؛ لانتفاء الظّن عند حصول القطع، فالتّعارض إنّما يكون بين دليلين ظنّيين و يشكل عليه: بأنّ الظّن كما لا يجامع القطع بالخلاف كذلك لا يجامع الظّن به، إلّا أن يريد بالظّني في الأوّل الفعلي و في الثّاني ما يعمّ الشّأني لكن يشوّش معه نظم التّحرير» (2).

و ساق الكلام إلى أن قال:

«و أمّا القطعيّان بالقوّة أعني: ما من شأنهما إفادة القطع و لو مع قطع النّظر عن معارضة الآخر فيمكن وقوع التّعارض بينهما- كما نبّهنا عليه في دفع شبهة الجبريّة- و حكم هذا التّعارض أن يلاحظ أحدهما مع الآخر فإن سقطا عن إفادة القطع سقط اعتبارهما في الموارد الّتي يطلب فيها القطع و إن سقط أحدهما عن إفادته فقط تعيّن التّعويل على الآخر. و ممّا قرّرنا يظهر الكلام في تعارض الدّليل القطعيّ مع الظّني» (3). انتهى ما أردنا نقله من كلامه رفع مقامه.

____________

(1) الفصول الغرويّة: 435.

(2) المصدر السابق: 435.

(3) نفس المصدر.

61

و أنت بعد الإحاطة بما ذكرنا ينكشف لك وجوه المناقشة فيه؛ لأنّ الحكم بترجيح القطعي إذا عارض الظّني قد عرفت ما فيه: من عدم إمكان التّعارض بينهما حتّى يحكم بالتّرجيح.

و منه يظهر: أنّ الظّني بأيّ معنى يراد سواء أريد منه الظّن الفعلي أو الشّأني لا يمكن أن يعارض القطعي على ما أسمعناك في طيّ المناقشة على ما ذكره الفاضل النّراقي، فإذا أريد من إثبات التّعارض في الظّنيّين: أنّه لا يتحقّق إلّا فيهما على ما عرفت و لو بأن يتحقّق في الشّأنيّين منهما، أو الشّأني و الفعلي في مقابل القطعيّين و القطعيّ و الظّنّي فليس فيه تفكيك حتّى يختلّ معه نظم التّحرير و يتشوّش كما هو ظاهر.

و كذا الحكم بتعارض القطعيّين الشّأنيّين مع الالتزام بما أفاده في حكم تعارضهما يرجع حقيقة إلى عدم التّعارض بينهما، إلّا بحسب صورة البرهان فهو خارج عن حقيقة التّعارض كما هو ظاهر و هو ليس محلّا لإنكار أحد؛ لأنّ التّعارض الصّوري بين البراهين ممّا لا يمكن إنكاره لكن لا تعلّق به بالتّعارض المبحوث عنه في المقام إلى غير ذلك ممّا يقف عليه التأمّل في أطراف كلامه.

كلام السيّد ابراهيم القزويني في الضوابط

و قال بعض السّادة ممّن تأخّر بعد جملة كلام له في معنى التّعارض:

«ثمّ إنّهم قالوا: إنّ التّعارض لا يكون إلّا بين الظّنيين، و أمّا القطعيّان أو المختلفان فلا يمكن حصول المعارض بينهما. و فيه: أنّ المراد من القطعي و الظّني إن كان القطعيّة و الظنّيّة في الصّدور فلا ريب في جواز التّعارض في كلّ الصّور

62

الثّلاث من القطعيّين و الظّنّيين و المختلفين، و إن كان القطعيّة و الظنّيّة في اللّب و الدّلالة: فإن كان المراد قطعيّة الدّليلين أو ظنّيتهما بمعنى: أنّه لو لا أحدهما لأفاد الآخر القطع أو الظّن- و إن لم يكن بعد ملاحظة التّعارض قطع و لا ظنّ- فلا ريب في جواز التّعارض بهذا المعنى بين الكلّ أيضا. و إن كان المراد قطعيّة الدّليلين أو ظنّيتهما شخصا أي: فعلا، فلا ريب في عدم جواز التّعارض في الكلّ.

ففي الفرضين الأوّلين لا وجه لقولهم بعدم الإمكان في القطعيّين و المختلفين، و في الفرض الأخير لا وجه لقولهم بالإمكان في الظّنيين، و إن كان في القطعيّين و المختلفين الشّخصيّين و في الظّنّيين أحد الفرضين الأوّلين فهو تفكيك خال عن الوجه، لكنّ الظّاهر منهم: الأخير؛ لزعمهم: أنّ ما سوى الشّخصي لا يمكن في القطع؛ لأنّ العلّة التّامّة في القطع بعد حصولها لا يمكن التخلّف عنه بالتّعارض.

و فيه: أنّه يمكن أن يكون انتفاء أحد الدّليلين شرطا لإفادة الآخر القطع فيكونان قطعيّين طبعا، و لا دليل على عدم جواز ذلك عقلا، بل هو واقع في الخبر كالوارد في دية إصبع المرأة؛ فإنّ العقل بعد سماع أنّ دية ثلاثة من إصبعها ثلاثون يقطع بأنّ دية الأربع لا تنقص عن دية ثلاث لو لا الإجماع على الرّجوع إلى عشرين أو السّماع عن الإمام (عليه السّلام) كما أنّ أبان توحّش عن حكم الإمام (عليه السّلام)» (1).

____________

(1) الكافي الشريف: ج 7/ 299 باب «الرجل يقتل المرأة و المرأة تقتل الرجل و فضل دية الرجل على دية امرأة في النفس و الجراحات»- ح 6، و التهذيب: ج 10/ 184 باب «القود بين الرجال و النساء و المسلمين و الكفار و العبيد و الاحرار»- ح 16، عنهما الوسائل: ج 29/ 352 باب «ان دية اعضاء الرجل و المرأة سواء»- ح 1.

63

و ساق الكلام إلى أن قال:

«و ظهر من ذلك جواز تعارض القطعيّين عقليّين بالطّبع إذا كان حكم العقل تبعيّا لا أصليّا، فتلك العلّة الّتي زعموها لعدم إمكان التّعارض في القطعيّين فاسدة.

و أمّا العقليّان القطعيّان بالطّبع المستقلّان في الحكم و كذا النّقليّان فلا دليل اجتهاديّا فيه على الجواز عقلا، و لكن أصالة الجواز و الإمكان عقلا يثبته ما لم يقم دليل على عدم الجواز عقلا.

ثمّ إنّهم قالوا بجواز تعارض الظّنّيين و عدم جواز تعارض ما عداهما، و لا ريب أنّ التّعارض له فردان: أحدهما التّعادل، و الآخر: التّرجيح. فإن كان مرادهم من جواز تعارض الظّنيين جوازه بكلا قسميه، و من عدم الجواز في القطعيّين و المختلفين عدم جوازه كذلك، ففيه: أنّ التّعارض على وجه التّرجيح يمكن في المختلفين؛ فإنّ القطع يترجّح على الظّن عند التّعارض، و إن سلّمنا عدم جواز التّعارض مطلقا في القطعيّين للزم خروج العلّة التّامّة عن كونها علّة تامّة في الصّورتين من التّعارض أي التّعادل و التّرجيح، إذ في الأوّل: يلزم خروج كلتا العلّتين في الدّليلين عن العلّيّة التّامّة، و في الثّاني: يلزم خروج علّة المرجوح عن العلّيّة. و أمّا المختلفان فلا يلزم إبطال العلّة عند التّرجيح القطعي.

و إن كان مرادهم من جواز التّعارض في الظّنيين المصرّح به التّعادل لكون جواز التّرجيح في الظّنيين بديهيّا و واقعيّا فلا حاجة إلى التّصريح به، و من عدم جوازه في غيرهما كذلك، أي: عدم جوازه بطريق التّعادل، ففيه: أنّ في القطعيّين لا يجوز على مذاقهم التّرجيح أيضا، و كذا لا يجوز في المختلفين بترجيح المقطوع على المظنون فلم صرّحوا بعدم جواز التّعادل في غير الظّنيين و لم يصرّحوا بعدم‏

64

جواز التّرجيح مطلقا في القطعيّين و في الجملة في المختلفين؟ و ما الوجه في حصرهم عدم جواز التّعارض في غير الظّنّيين‏ (1)»؟ انتهى كلامه رفع مقامه.

المناقشة في كلام صاحب الضوابط

و لا يخفى أنّ فيه مواقع للنّظر و التّأمّل.

أمّا أوّلا: فلأنّ التّرديد في الدّليل القطعي بين كونه قطعيّا باعتبار بعض الجهات، أو كونه قطعيّا باعتبار المفاد و المدلول ممّا لا معنى له؛ لأنّ الدّليل القطعي لا يكون قطعيّا على ما أسمعناك، إلّا بالاعتبار الثّاني الّذي لا ينفكّ عن قطعيّة جميع جهاته من الصّدور و جهته و الدّلالة.

و أمّا ثانيا: فلأنّه لا معنى لقوله: (فهو تفكيك خال عن الوجه) بعد وضوح الوجه؛ حيث إنّ الدّليل القطعي عندهم ما كان اعتباره ذاتيّا لأجل حصول القطع منه و هو الّذي قضى البرهان العقلي بعدم إمكان تعلّق الجعل به على ما أسمعناك في طيّ مباحث القطع، و أمّا ما يفيد القطع نوعا و إن انفكّ عنه في خصوصيّات المقامات من جهة الموانع فقد عرفت: أنّ اعتباره يتوقّف على قيام الدّليل الشّرعي عليه في مورد الانفكاك فيصير حينئذ كالدّليل الظّني في توقّف اعتباره على قيام الدّليل عليه.

و مثل هذا كما ترى، غير متحقّق لنا في الأدلّة مع أنّه على فرض وجوده لا بدّ

____________

(1) ضوابط الأصول للعلّامة الفقيه المتبحّر السيّد ابراهيم القزويني (قدّس سرّه) المتوفى سنة 1262 ه.

كتبه تقريرا لأبحاث الأصوليّ النحرير شريف العلماء المازندراني (قدّس سرّه).

65

أن يتقيّد بصورة انفكاك القطع منه؛ إذ الجعل على وجه الإطلاق لا يجامع عدم إمكان تعلّق الجعل بالقطع، و هذا بخلاف الدّليل الظّني؛ فإنّ أكثر الأدلّة الظّنية، بل كلّها معتبرة عند المشهور من باب الظّن النّوعي المطلق فلا ضير في إطلاق القول:

بأنّ التّعارض في الظّنّيين هذا.

مضافا إلى ما أسمعناك في المراد من وقوع التّعارض فيهما و من وقوعه في الظّنّيين في الجملة في قبال القطعيّين و المختلفين و كون محلّه منحصرا فيهما. و هذا كما ترى؛ لا يلازم وقوعه في جميع أقسام الظّنيين و عليه لا يلزم تفكيك أصلا.

و أمّا ثالثا: فلأنّه لا معنى لقوله في الاستدراك: (لكن الظّاهر منهم الأخير لزعمهم ... إلى آخره) إذ الزّعم المذكور لم يعهد من أحد؛ إذ لم يدّع أحد أنّ كلّما يفيد القطع لا بدّ و أن يفيده دائما كيف؟ و قد أطبقوا على اشتراط عدم سبق ذهن السّامع بالشّبهة في حصول القطع من التّواتر فليس الوجه إلّا ما عرفت في بيان التّفكيك.

و أمّا رابعا: فلأنّه لا معنى لما ذكره من وقوع التّعارض في الجملة بين القطعي و الظّني لما عرفت: من تقييد الدّليل الظّني ظنّا أو اعتبارا بعدم قيام الدّليل القطعي على الخلاف، و التّرجيح فرع التّعارض الغير المجامع عقلا مع أخذ أحد القيدين المذكورين كما هو واضح إلى غير ذلك ممّا يتوجّه عليه ممّا يقف عليه المتأمّل فيما ذكرنا و في أطراف ما ذكره.

66

كلام السيّد المجاهد في المفاتيح‏

و قال سيّد مشايخنا في «المفاتيح» بعد نقل جملة من كلماتهم المتعلّقة بالمقام ما هذا لفظه:

«و التّحقيق في المسألة عندي أن يقال: إن كان مراد القائلين بجواز وقوع تعادل الظّنين المتعارضين: أنّه يصحّ أن يتعارض الدّليلان الظّنيّان بحيث لا يترجّح أحدهما على الآخر بوجه من الوجوه، و يكون كلّ منهما مؤثّرا في حصول الظّن بالفعل بحيث يحصل له في زمان واحد ظنّان يتعلّق كلّ واحد بأحد الضّدّين، فهو باطل قطعا؛ لاستحالة ذلك عقلا؛ لأنّ الظّن من الكيفيّات النّفسانيّة و يستحيل التّكليف بالمتضادّين في آن واحد، و لذا لا يمكن وقوع التّعارض بين القطعيّين و حصول القطعيّين المتنافيين في آن واحد.

و إن كان مرادهم جواز وقوع تعادل الدّليلين اللّذين من شأنهما إفادة الظّن و إن لم يفيداه حين التّعارض فهو جيّد، لكن يمكن أن يقال بمثل هذا في القطعيّين، إلّا أن يقال: الدّليل القطعي لا يمكن فرض وجوده منفكّا عن إفادة القطع؛ لأنّه علّة لها و لازمة لذاته كالزّوجيّة و الأربع كما أشار إليه في «المنية»، و هو في غاية الوضوح في الدّلائل القطعيّة البرهانيّة كالأشكال الأربعة، و لذا لا يجوز تعارضها و لا كذلك الدّلائل الظّنية؛ فإنّه يجوز وجودها منفكّة عن إفادة الظّن؛ لأنّها إنّما يفيد الظّن بمحض العادة لا بغيرها، و لذا يجوز تعارضها و هو حسن في كثير من الأدلّة المفيدة للقطع، و أمّا ما يفيد القطع بحسب العادة كالحدسيّات و التّجربيّات‏

67

فلا يتوجّه فيه ما ذكر، فينبغي الحكم بجواز وقوع التّعارض بين الدّليلين منه فتأمّل» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و قال بعد ذلك ما هذا لفظه:

«و هل يجوز للشّارع أن ينصب للمكلّف دليلين ظنّيين متكافئين من جميع الجهات؟ فيه إشكال‏ (2)». انتهى كلامه.

و الإشكال الّذي ذكره أخيرا مبنيّ على ما ذكره بعض في التّعادل: من منعه بين الظّنيين بعد قبول وقوع التّعارض بينهما، و هو و إن كان ضعيفا؛ لأنّ حكم الشّارع بالتّخيير بين الخبرين المتكافئين على ما هو المسلّم عند المستشكل، و كذا حكمه بتخيير العامي في تقليد المتكافئين من المجتهدين ينافي الإشكال المذكور- كما هو واضح- إلّا أنّ الكلام فيه متعلّق بالتّعادل، و لعلّنا نتكلّم فيه إن شاء اللّه تعالى.

فقد تبيّن من مطاوي ما ذكرنا كلّه من أوّل المسألة إلى هنا: أنّ مورد التّعارض الدّليلان الظّنّيان إذا كانا في مرتبة واحدة سواء كانا آيتين أو سنّتين أو خبرين أو مختلفين إذا لم يكن التّعارض على وجه يوجب عدم حجّيّة أحدهما بالخصوص، كما في الخبر المخالف للكتاب و السّنة على وجه التّباين الكلّي؛ فإنّه ليس بحجّة نصّا و فتوى كما أسمعناك عند التّكلّم في حجّيّة الأخبار و سنشير إليه، اللّهمّ إلّا أن يقال بخروج الفرض عن تعارض الظّنيين؛ فإنّه إن لم يحتمل التّأويل‏

____________

(1) مفاتيح الأصول: 682.

(2) نفس المصدر بالذات.

68

في الآية فيما خالفها الخبر فيكون نصّا و قطعيّا من جميع الجهات بالفرض، و إن احتمل التّأويل فيها و إرادة ما يجامع ظاهر الخبر المخالف لها فيدخل في عنوان تعارض الخبر لظاهر الكتاب، و لا دليل على عدم حجّيّته و إن كانت النّسبة المنطقيّة التّباين فتأمّل.

كيفيّة جريان الورود و الحكومة في الأصول اللفظيّة

ثمّ إنّك قد عرفت من مطاوي ما ذكرنا المراد من قول شيخنا في «الكتاب» (و الفرق بينه و بين المخصّص ... إلى آخره) (1)، و أنّ محلّ هذا الكلام فيما كان الخاص ظنّيّا بحسب الدّلالة حتّى يدخل الفرض في تعارض الظّاهرين لكي يكون تقديم الخاصّ على العامّ من باب التّرجيح بضميمة حكم العقل بعدم جواز صدور المتنافيين عن الحكيم، فلا بدّ من التّصرّف في أحد القولين و جعل الآخر قرينة له إذا كان صالحا للقرينيّة، و من هنا قد يقدّم العامّ على الخاصّ إذا كان أقوى منه فقرينيّة الخاصّ بحكم العقل بملاحظة الدّوران و التّرجيح، و هذا بخلاف الحاكم فإنّ تقديمه على المحكوم ذاتي غير مستند إلى الدّوران و التّرجيح فلا ينافي قوله بعد ذلك (ثمّ إنّ ما ذكرنا من الحكومة و الورود ... إلى آخره) (2) فإنّ مورده و محلّه الخاصّ القطعي بحسب الدّلالة. و بعبارة أخرى: الخاصّ الّذي يكون نصّا و إن كان ظنّيّا من سائر الجهات كما يفصح عنه كلماته فلا تنافي بين الكلامين أصلا.

كما أنّك عرفت من مطاويه الوجه فيما أفاده بقوله: (ثمّ إنّ ما ذكرنا من‏

____________

(1) نفس المصدر: ج 4/ 14- و فيه: و الفرق بينه و بين التخصيص.

(2) فرائد الأصول: ج 4/ 15- و فيه: من الورود و الحكومة.

69

الورود و الحكومة جار في الأصول اللّفظيّة أيضا) (1) فإنّ حال الأصول اللّفظيّة من حيث كونها تعليقيّة و يعمل بها عند الشّك في المراد و عدم قيام القرينة على خلافها حال الأصول العمليّة، و إن فارقتها: من حيث جريانها في كلام الشّارع و قوله الّذي هو دليل على حكمه، و من هنا تكون مقدّمة عليها و إن قيل بكون مبناها على التّعبّد، كما ربّما يظهر من بعضهم في باب الاستصحاب حيث عمّمه للأصول اللّفظيّة كأصالة عدم التّخصيص و التّقييد و القرينة مع ابتنائه على الأخبار و التّعبّد، و إن كان ضعيفا على ما عرفته في الجزء الثّالث من التّعليقة.

و من هنا قد يقال بتقديمها على الأصول العمليّة و إن قيل بها من باب الظّن كما يظهر من صاحبي «المعالم» و «الزّبدة» (قدّس أسرارهما) على القول بالأصول اللّفظيّة من باب التّعبّد على أحد الوجهين، و إن كان القول به مطلقا و خصوص التّعبّد العقلائي في غاية الضّعف و السّقوط.

فإذا كانت حال الظّواهر حال الأصول العمليّة من الجهة المزبورة فلا إشكال في ورود ما يقابلها عليها إذا كان قطعيّا سواء كان من مقولة اللّب كالإجماع مثلا، أو اللّفظ كالخاصّ اللّفظي القطعي صدورا وجهة و دلالة مثلا؛ فإنّ العمل به و رفع اليد عن أصالة العموم من باب وروده عليها على جميع الأقوال في مبنى اعتبار الظّواهر، فالعمل بالنّص القطعي في مقابل الظّاهر من باب الورود لا محالة.

و أمّا إذا لم يكن قطعيّا و كان نصّا بحسب الدّلالة و ظنّيّا بحسب إحدى الجهتين الآخرتين، أعني: الصّدور أو جهته، فإن كان مبنى اعتبار الظّاهر المقابل‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 15.

70

على الظّن الشّخصي- على ما ذهب إليه بعض الأفاضل ممّن تأخّر حسبما عرفت في الجزء الأوّل من التّعليقة- فلا إشكال في خروجه عن موضوع التّعارض على ما أسمعناك سابقا؛ فإنّ عدم حصول الظّن الشّخصي بالمراد من الظّاهر أو ارتفاعه- و لو من جهة قيام الأمارة الغير المعتبرة على خلافه موجب لعدم حجّيّة من جهة عدم وجود مناط حجّيّته و اعتباره، و لو جعل مجرّد ارتفاعه بواسطة قيام النّص على الخلاف ورودا مسامحة لم يكن به بأس.

و كذا إذا كان مبناه على الظّن النّوعي المقيّد بعدم قيام مطلق الظّن على الخلاف و لو لم يكن معتبرا أو التّعبّد المقيّد كذلك. و إن كان مبناه على أحدهما مقيّدا بعدم قيام الدّليل المعتبر على الخلاف و لو لم يكن قطعيّا فيكون النّص واردا عليه، و إن كان مبناه على الظّن النّوعي أو الظّهور العرفي الأخصّ من الظّن النّوعي المطلق و الأعمّ من المقيّد منه و من الظّن الشّخصي على ما عرفت في الجزء الأوّل من التّعليقة عند الكلام في حجّيّة الظّواهر أو التّعبّد من غير تقييد بشي‏ء لا وجودا و لا اعتبارا لا عرفا و لا شرعا في شي‏ء من هذه الوجوه فيكون مناط الاعتبار هو الكشف عن المراد لو خلّي و طبعه عند الشّك في إرادة الظّاهر، و خلافه على القول بإناطة الاعتبار بالكشف و الظّن سواء كان مستندا إلى الوضع: من حيث غلبة إرادة المعنى الموضوع له من الألفاظ، أو إليه بملاحظة عدم قيام القرينة المعتبرة على الخلاف: من حيث إنّ الثّابت كون الوضع مقتضيا للظّهور لا علّة تامّة له فيكون الوضع جزءا للسّبب، بل على القول بكون القرينة مانعة لا بدّ من دخل عدمها في العلّة التّامّة للظّهور- فتدبّر- فيكون النّص حاكما عليه في هذه الصّورة؛ من حيث إنّ الأخذ بالظّاهر في هذا الفرض أي: مع قيام النّص على إرادة خلاف الظّاهر

71

الصّالح للقرينيّة لا بدّ أن يستند إلى احتمال عدم الصّدور مثلا.

فإذا حكم الشّارع بالصّدور و عدم الاعتناء باحتمال عدم صدوره فلا محالة يكون دليل التّعبّد بالصّدور حاكما و شارحا لما دلّ على وجوب العمل بالظّاهر عند احتمال إرادته و عدم قيام القرينة على خلافه، فهو حاكم على الدّليل الشّرعي الدّال على حجّيّة الظّواهر و لو بعنوان إمضاء الطّريقة العرفيّة و بمنزلته بالنّسبة إلى بناء أهل العرف و اللّسان.

و إن شئت قلت: إنّ معنى حكم الشّارع بعدم الاعتناء باحتمال عدم صدور النّص جعله قرينة للظّاهر و عدم الاعتناء باحتمال عدم وجود القرينة و هو الرّجوع إلى الظّاهر في حكم الشّارع لو لا حكمه بعدم الاعتناء، فتقديم النّص على الظّاهر في الفرض ليس كتقديم الأظهر على الظّاهر عند العرف من حيث رجوعه إلى التّرجيح بقوّة الظهور مع وجود التّعارض و إن كان لبنائهم موضوعيّة في حقّنا، بل جهته الحكومة و التّقدم الذّاتي فيخرج عن موضوع التّعارض و التّنافي على ما عرفت: من عدم صدق المعارض على الشّارح للدّليل الآخر فيكون تقديم النّص على الظّاهر كتقديم الدّليل الاجتهادي الظّني على الأصل الشّرعي المعمول به عند الشّك في الواقع و الاحتمال، و إن زعم بعض معاصرينا فيما أملاه في المسألة الفرق بينهما فجعل الأوّل من التّعارض و الثّاني خارجا عنه بزعم اختلاف المحمول في الأصل و الدّليل، لكنّك قد عرفت ضعفه و لعلّنا نتكلّم فيه زيادة على ما عرفت بعد ذلك إن شاء اللّه تعالى.

و ممّا ذكرنا كلّه يظهر لك: الوجه في قول شيخنا (قدّس سرّه): (هذا كلّه على تقدير

72

كون أصالة الظّهور من حيث أصالة عدم القرينة (1)، و أمّا إذا كان من جهة الظّن النّوعي الحاصل ... إلى آخره) (2) فإنّ إثبات قرينيّة النّص إنّما هو بحكم الشّارع الرّاجع إلى إيجابه عدم الاعتناء باحتمال عدم الصّدور المسبّب عنه الشّك في قرينيّة النّص، و هذا بخلاف كون حجّيّة الظّهور النّوعي مقيّدا بحسب الاعتبار عند العرف و العقلاء بعدم وجود الظّن المعتبر على الخلاف.

***

____________

(1) قال المحقق الخراساني (قدّس سرّه):

«لا يخفى ان أصالة الحقيقة و عدم القرينة أصلان مستقلّان، يحتاج تارة إلى كليهما كما اذا شك في نصب القرينة و على تقدير الأعم في إرادة المعنى الحقيقي لاحتمال عدم إرادته مع ذلك لحكمة مقتضية لذلك.

و أخرى: إلى أصالة الحقيقة دون الأخرى كما إذا علم عدم نصبها و مع ذلك شك في إرادته لما ذكر و ثالثة: إلى أصالة عدم القرينة كما إذا شك في النصب مع القطع بعدم إرادته لو فرض عدم النصب.

اذا عرفت هذا فقد ظهر لك انه لا وجه للترديد في اعتبار أصالة الحقيقة بين أن يكون من حيث أصالة عدم القرينة، أو من حجّية الظن النوعي.

نعم، قد وقع الخلاف بينهم في حجّيتها من باب التعبّد، أو من باب الظن النوعي أو غير ذلك فافهم و استقم» إنتهى. أنظر درر الفوائد: 433.

(2) فرائد الأصول: ج 4/ 16.

73

* قاعدة الجمع‏

* شرح الفاظها و ما هو المراد بها

* مدرك القاعدة

* صور التعارض‏

* أدلة الصدور حاكمة على أدلّة الظهور

* تنبيهات القاعدة

74

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

75

* قاعدة الجمع‏

(3) قوله (قدّس سرّه): (و قبل الشّروع في حكمهما لا بدّ من الكلام في القضيّة المشهورة (1) ... إلى آخره) (2). (ج 4/ 19)

____________

(1) قال الشيخ موسى بن جعفر التبريزي (قدّس سرّه):

«هذه القضية مشهورة بين الفقهاء و الأصوليّين لا سيما المتقدمون منهم و قد نسبها المحقق القمى (رحمه اللّه) الى العلماء من دون نقل خلاف فيها مؤذنا بدعوى الاتفاق عليها قال: (قالوا:

ان العمل بهما من وجه أولى من اسقاط أحدهما بالكلية) و أرسل القول بأولوية الجمع من دون تعرّض للخلاف أيضا العلامة في «التهذيب» و السيد عميد الدين في «المنية» و الشهيد الثاني في «تمهيد القواعد» بحيث يشعر بكونها من المسلّمات فيما بينهم بل قد ادعى الشيخ ابن أبى جمهور الأحسائي عليه الاجماع كما نقله عنه المصنف (رحمه اللّه)» إنتهى. انظر أوثق الوسائل: 591.

(2) قال السيّد المجدّد الشيرازي (قدّس سرّه):

«المراد بالأولويّة هنا إنّما هو التعيين، لا الرجحان المطلق، و منه قوله تعالى-: النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏ [الأحزاب: 6].

و الكلام في الجمع بين الخبرين هنا انما هو بالنظر الى صدورهما.

و المراد بالجمع: البناء على صدور كليهما، و فرضهما كمقطوعي الصدور، و التصرّف في متنهما.

و بالطرح: البناء على عدم صدور أحدهما و الأخذ بسند الآخر و دلالته إمّا لمرجّح أو من باب-

76

____________

- التخيير.

و محل النزاع في هذه القاعدة: إنّما هو فيما اذا كان الخبران كلاهما ظاهرين من حيث الدلالة.

و أما اذا كان أحدهما نصا أو اظهر أو كان كلاهما نصين فلا نزاع، بل المتعيّن على التقديرين الأوّلين هو الجمع و التصرف في دلالة الظاهر، و في الأخير هو الطرح لمرجّح إن كان له مرجّح و قلنا بوجوب الأخذ به، و الا فيؤخذ بأحدهما تخييرا.

ثم ان الكلام في هذه القاعدة خارج عن مسألة التعادل و الترجيح الموضوعة لها هذه الرسالة؛ فان النزاع هذه القاعدة صغروي بالنسبة اليها؛ حيث أنها على تقدير اعتبارها و لزوم الأخذ بها ترفع التعارض المتحقق بين الخبرين الظاهرين من حيث الصدور، فيخرجهما عن مورد الكلام في المسألة المذكورة، فيختص مورد المسألة بالنصين من الخبرين المتعارضين؛ حيث إن شيئا منهما غير قابل للتأويل في دلالته، و على تقدير عدم اعتبارها فلا، بل يدخل موردها في المسألة المذكورة» إنتهى.

انظر تقريرات المجدد الشيرازي: ج 4/ 195.

* و قال الشيخ موسى بن جعفر التبريزي (قدّس سرّه):

«المراد بالأولويّة معنى اللزوم و التعيّن كما في قوله تعالى: أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ* [الاحزاب: 6/ الانفال: 75] لا معنى التفضيل، و لذا قال في «التهذيب»: «و ان أمكن العمل بكلّ واحد منهما من وجه دون وجه تعيّن».

و بالجمع بحسب الدلالة بعد الأخذ بسندهما كما أشار إليه المصنّف (رحمه اللّه).

و حكمهم بأولوية الجمع أعم ممّا كان الجمع محتاجا إلى التصرّف في ظاهر كلّ واحد منهما أو أحدهما غير المعيّن، أو أحدهما المعيّن.

و بعبارة أخرى: انه أعمّ ممّا كان محتاجا إلى شاهدين في الجمع كما في المتباينين أو إلى-

77

____________

- شاهد واحد كالعامّين من وجه أو لم يحتج اليه أصلا كالعام و الخاص مطلقا.

و حاصل المقصود: ان الجمع في هذه الموارد أولى من اطرح بالمعنى الذي أشار إليه المصنّف (رحمه اللّه) فهنا مقامات ثلاثة يشملها إطلاق كلماتهم في بيان القاعدة منها: ما هو مقطوع بكونه من مواردها، و منها: ما هو مقطوع بعدم كونه منها، و منها: ما هو مشكوك الحال» إنتهى.

أنظر أوثق الوسائل: 591.

* و قال السيّد المحقّق اليزدي (قدّس سرّه):

«ظاهرهم: أن المراد بالدليلين ما يقابل الأمارات الجارية في الموضوعات كخبرين أو آيتين و نحوهما لا مثل البينتين و يدين و نحوهما، إلّا أنه يظهر من الشهيد الثانى (رحمه اللّه) في «تمهيد القواعد» أن مورد القاعدة أعم حيث جعل من فروع القاعدة تعارض البينتين و سيأتى توضيحه.

ثم لا يخفى أن ظاهرهم أن المراد من الجمع انما هو الجمع بحسب الدلالة بأن يصرف أحدهما عن ظاهره الى ما لا ينافى الآخر أو يتصرف في كليهما بحيث لا يتنافيان كما في العام و الخاص أو العامين من وجه، لا أنه يعمل بأحدهما في بعض مدلوله و بالآخر في البعض الآخر مع عدم التصرف في واحد منهما كما فى البينتين، فان معنى الجمع فيه ليس بتصرف في لفظ احدى البينتين بأنه أراد من قوله: ان الدار لزيد، كون نصفه له و الاخرى بأن قوله: انه لعمرو، كون نصفه الآخر لعمرو، بل معناه: أنه يعمل بقول كل منهما في نصف ما شهدتا عليه و لا يعمل في النصف الآخر.

و لا يخفى أن النسبة بين الجمع الدلالي و العملي التباين مفهوما و العموم من وجه موردا، اذ قد يكون الجمع الدلالي ممكنا دون العملي كما لو ورد أمر بشي‏ء في خبر و النهي عنه في آخر؛ فانه يمكن فيه الجمع بحمل الأمر على الرخصة و النهي على الكراهة، و لا يمكن الجمع في العمل مع عدم تصرّف في الدلالة، و قد يكون بالعكس كما اذا كان المتعارضان نصين في-

78

____________

- مدلولهما فلا يمكن التصرّف في الدلالة، و يمكن الجمع العملي بأخذ بعض مدلول كل منهما، و قد يمكن الجمع بكلا الوجهين كما في قوله (عليه السّلام): «ثمن العذرة سحت» [الوسائل 17:

175/ أبواب ما يكتسب به ب 40- ح 1 (باختلاف يسير]، و «لا بأس ببيع العذرة» [الوسائل 17: 175/ أبواب ما يكتسب به ب 40- ح 3] فيمكن التصرف بحسب الدلالة بأن يقال: المراد من الأوّل عذرة غير المأكول و من الثانى عذرة مأكول اللحم، و يمكن ابقاؤهما على ظاهرهما و يعمل في كل منهما ببعض مدلوله.

ثم ان الدليلين أعم من ظنيي السند و قطعيي السند كآيتين أو خبرين متواترين، فان قاعدة الجمع لو تمت جارية في الكل، و تخصيص صاحب «العوالي» باجراء القاعدة في خصوص الحديثين لعله من جهة كون بحثه في تعارض الأخبار و لا يريد الاختصاص.

ثم ان الجمع بين الدليلين قد يكون بحمل الظاهر على النص أو الأظهر مما يساعده فهم العرف لا يحتاج الى شي‏ء من الخارج، و قد يكون جمعا بشاهد كما اذا ورد أن العاري يصلي قائما مؤميا، و ورد أيضا أن العاري يصلي جالسا فانهما بحيث لا يعرف العرف وجه جمع بينهما، لكن لو فرض أنه ورد أيضا أن العاري يصلي قائما مع الأمن من المطّلع و جالسا مع عدم الأمن صار هذا شاهدا للجمع بين الأولين بهذا التفصيل و يساعده العرف أيضا. و يمكن ارجاع هذا القسم الى القسم الأوّل بملاحظة مجموع الثلاثة، و قد يكون جمعا بالتأويل و ذلك كما اذا تعارض دليلان بالتباين و كان بحيث لو قطع بصدورهما يحكم العقل بلزوم ارادة ذلك المعنى التأويلي صونا لكلام الحكيم عن التناقض.

ثم ان ذلك المعنى التأويلي قد يكون متحدا و قد يكون متعددا بعضها أقرب من الباقى أو يكون الكل على السوية في القرب و البعد، اذا عرفت ذلك فنقول: ان محل النزاع في القاعدة ما عدا القسمين الأولين كما لا يخفى.

ثم ان المراد من أولوية الجمع: هو اللازم المستحق نظير قوله تعالى: أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ‏-

79

* المراد من قاعدة الجمع و شرح ما يتعلّق بها

أقول: الكلام في المقام يقع في موضعين:

أحدهما: في المراد من القاعدة و شرح الألفاظ الواقعة فيها.

ثانيهما: في مدركها.

فنقول: المراد من «الجمع» حسبما يفصح عنه كلماتهم الأخذ بجميع جهات المتعارضين و إن أوجب التّصرّف في الدّلالة، و إلّا لم يكونا متعارضين؛ فإنّ مرجع الجمع حقيقة إلى تحكيم دليل الجهتين و ترجيحه على دليل اعتبار الظّاهر فطرح‏

____________

- أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ‏ [الإنفال 8: 75] كما هو واضح، نعم الجمع التبرّعي الذي يستعمله الشيخ الطوسي (رحمه اللّه) في كتاب «التهذيب» بعد الترجيح لبعض الأغراض الذي أشار اليه فيه فانه أولى بمعناه الحقيقي، لكنه غير منظور اليه هنا. ثم انه يظهر من كلام «العوالى» أن أولوية الجمع بالنسبة الى الترجيح، و الأظهر أنه ان تمت القاعدة يحكم بأولوية الجمع على كل ما يلزم على تقدير عدم الجمع من التساقط و التخيير العقلى و الشرعي أو الترجيح العقلي أو التعبدي.

ثم لا يخفى أن الجمع لا ينحصر في التخصيص بل أعم منه و من التقييد و المجاز و النسخ و الاضمار كل بحسب ما يقتضيه مورده، بل الحمل على التقية أيضا من وجوه الجمع لو فرض كون أحد المتعارضين موافقا للعامة فانه كما يمكن الجمع بحمل أحد المتعارضين على الضرورة من غير جهة التقية و الآخر على حال الاختيار، كذلك يجمع بحمل ما يوافق العامة على التقية فانها من أفراد الضرورة و أىّ ضرورة أعظم منها؟» إنتهى.

أنظر حاشية فرائد الأصول: ج 3/ 445- 448.

80

الظّاهر بقرينة الأظهر داخل في الجمع.

و منه يظهر: عدم جريان القاعدة في الآيتين المتعارضتين، و لا في السّنّتين النّبويّين، و لا في الخبرين القطعيّين من حيث الصّدور و الجهة؛ إذ لا دوران بين الأمرين في هذه الموارد فيتعيّن الحكم بإرادة خلاف الظّاهر منهما أو من أحدهما على التّعيين إذا كان هناك معيّن من الدّاخل أو الخارج، أو لا على التّعيين إذا لم يكن، فيحكم إجمالا بإرادة ما يجامع الواقع من المتعارضين و إن لم نعلمه بعينه.

و منه يعلم تطرّق المناقشة إلى ما ذكره بعض أفاضل من عاصرناه: من جريان القاعدة في الكتاب و السّنة حيث قال- في طيّ الأمور الّتي ذكرها في المقام-: «الثّالث: أنّ الجمع كما يأتي في أخبار الآحاد الظّنية كذلك يأتي في قطعي الصّدور، بل في آيات الكتاب أيضا من غير فرق. و في الموضعين يحتاج إلى الدّليل؛ لأنّ الأصل في المتعارضين التّساقط» (1). انتهى كلامه.

و هو كما ترى، اللّهمّ إلّا أن يكون مراده جريان نفس الجمع لا القاعدة المختصّة بالأخبار الظّنية فتدبّر.

كما أنّه يظهر منه عدم جريانها في النّصين؛ ضرورة عدم إمكان التّصرف فيهما من حيث الظّهور و التّأويل و إن أمكن الجمع بمعنى آخر و هو التّبعيض: من حيث العمل بأدلّة الصّدور مثلا، كما يراد من الجمع بين البيّنتين في الموضوعات و الطّرح في العامّين من وجه في أدلّة الأحكام ترجيحا أو تخييرا؛ فإنّ لازم الأخذ بهما في مادّتي الافتراق مع الطّرح الصّدوري هو التّبعيض في الحكم بالصّدور

____________

(1) بدايع الأفكار: 409.

81

و في العمل بدليل حجيّتهما صدورا فيكون كالجمع بين البيّنتين كما ستقف على شرح القول فيه.

و قد وقع التّصريح بما ذكرنا في المراد من «الجمع» مع كمال ظهوره في «الكتاب» و في كلام غير واحد فلا تغرّنك ما تراه في كلام بعض، هذا بعض الكلام في الجمع.

و أمّا «الإمكان» فكلماتهم غير نقيّة عن التّشويش و الاختلاف في المراد منه و قد صرّح شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه) في «الكتاب»: بأنّ المراد منه الإمكان العرفي في مقابل الامتناع عندهم؛ حيث إنّ الحكم بإرادة خلاف الظّاهر من اللّفظ من دون قرينة و شاهد ممتنع عند العرف و العقلاء و أهل اللّسان، و إلّا لم يكن الظّهور معتبرا عندهم و هو خلف.

و وافقه في ذلك غير واحد، بل استظهره من كلام صاحب «الغوالي» المدّعي للإجماع على تقديم الجمع على الطّرح‏ (1)؛ إذ لو لا إرادة هذا المعنى لم يبق مورد للعمل بالمرفوعة، مع أنّه صرّح بوجوب الرّجوع إليها فيما لم يمكن الجمع بين الخبرين المتعارضين؛ إذ على تقدير إرادة الإمكان العقلي و حمل المتعارضين أو أحدهما على معنى لا شاهد له أصلا، بمجرّد إمكان إرادته و احتماله بضرب من التّأويل لم يبق مورد للعمل بالحديث.

و حاصل هذا المعنى كما ترى بعد خروج فرض وجود الشّاهد من الخارج على إرادة خلاف الظّاهر من المتعارضين عن محلّ الكلام، و خروج النّص‏

____________

(1) غوالي اللئالي: ج 4/ 136.

82

و الظّاهر عن عنوان المتعارضين- على ما عرفت و ستعرف- يرجع إلى بيان لزوم تقديم التّرجيح من حيث الدّلالة و قوّة الظّهور على سائر وجوه التّراجيح كتقديمه و تقديمها على التّخيير اتّفاقا في قبال من أوهم كلامه تقديمها عليه كالشّيخ (قدّس سرّه) في بعض كلماته على ما ستقف عليه، و لو جعل تقابل النّص و الظّاهر من التّعارض مسامحة أمكن التّعميم له فتكون القاعدة مسوقة لبيان تأخّر مرتبة سائر وجوه التّراجيح عمّا كان في المتعارضين من الشّاهد على التّصرّف سواء كان بالنّصوصيّة أو قوّة الظّهور و الدّلالة هذا.

و الظّاهر من غير واحد: هو الإمكان العقلي، تحكيما لدليل الصّدور مثلا على دليل اعتبار الظّهور فيحكم لأجله بإرادة ما لا يساعده ظاهر المتعارضين منهما أو من أحدهما، فيحكم بإرادة عذرة غير المأكول ممّا دلّ على كون ثمن العذرة سحتا، و بإرادة خرء المأكول و بوله ممّا نفى البأس عن خرء الطّير و بوله جمعا و هكذا، إذا لم نقل بتيقّن إرادة غير المأكول من الحديث الأوّل، و المأكول من الثّاني فيكون كلّ منهما نصّا من جهة و ظاهرا من أخرى فيدفع ظاهر كلّ منهما بنصّ الآخر. أو قلنا بذلك مع الالتزام بعدم تأثير متيقّن الإرادة في النّصوصيّة بحسب اللّفظ كما ستقف على شرح القول فيه.

و مثله: ما إذا ورد في العرف من المولى الأمر بإكرام العلماء و النّهي عن إكرامهم فيحمل الأوّل على إرادة العدول و الثّاني على إرادة الفسّاق منهم جمعا، و بهذا سلك جماعة في الفقه منهم: ثاني الشّهدين في مواضع من كتبه، و المتصوّر المعقول من هذا الوجه: ما إذا أمكن حمل المتعارضين أو أحدهما على خلاف الظّاهر بضرب من التّأويل و التّصرّف من غير قرينة من الدّاخل و الخارج كما

83

عرفته في المثالين، و أمّا مجرّد الحكم بإرادة خلاف الظّاهر على سبيل الإجمال و إن لم يحكم بتعيينه أصلا، كما يسلك فيما كان ظاهره من الآيات و السّنة خلاف الدّليل القطعي من العقل و الإجماع حتّى يصير نتيجة الجمع هي مجرّد الحكم بإجمالهما و الرّجوع إلى الأصول العمليّة، فالظّاهر أنّه ليس مرادا من القاعدة إتفاقا؛ لأنّه يوجب سدّ باب التّرجيح و التّخيير و الهرج و المرج و فقها جديدا قطعا و إن أوهمه بعض كلمات شيخنا في «الكتاب» على ما ستقف عليه.

ثمّ إنّ الجمع الّذي ارتكبه الشّيخ (قدّس سرّه)(1) في الأخبار المتعارضة في «كتابيه» يمكن أن يكون مبناه على هذا المعنى الثّاني على أضعف الاحتمالين و إن يكون مبنيّا على مجرّد رفع التّعارض و الاختلاف الواقعي بين الأخبار المتعارضة مع كثرتها من غير أن يكون العمل عليه صونا لحفظ إيمان العامة و عدم خروجهم عن هذا الدّين: من جهة مشاهدة كثرة الاختلاف بين الأخبار كما ذكره في أوّل كتابه، و من هنا سمّي «بالجمع التّبرعي» في كلماتهم.

ثمّ إنّ المتّبع الدّليل الّذي أقيم على الجمع، فلا فائدة في إتعاب النّظر في تحقيق المراد بعد ظهور الاختلاف فنتكلّم في المقام الثّاني في كلّ من المعنيين فإذا لم يساعد الدّليل على المعنى الثّاني فلا نقول به و إن كان مرادا من القاعدة هذا.

و أمّا «الأولويّة» فالمراد بها- كما صرّح به غير واحد- هو التّعيين كما هو

____________

(1) أقول: يريد شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي (قدّس سرّه) المتوفى سنة 460 ه في كتابيه:

«التهذيب» و «الاستبصار».

84

شايع من استعمالها كما في آية «أولي الأرحام» (*) و لم يخالف فيه أحد ظاهرا؛ فإنّ بعض الأخباريّين و إن ذهب إلى رجحان التّرجيح و كونه أفضل و الأولى دفعا للتّعارض بين الأخبار العلاجيّة على ما ستقف عليه، إلّا أنّ من أوجبه قدّم الجمع عليه، و هو الّذي يقتضيه دليله أيضا.

و أمّا «الطّرح» فلا إشكال في كون المراد منه الأعمّ من القسمين، أي: الطّرح معيّنا للتّرجيح و لا على التّعيين للتّخيير كما هو صريح كلام ابن أبي جمهور و غيره و هو الّذي يقتضيه دليله أيضا. و إن كان في كلام الشّيخ و المحقّق القمّي (قدس اللّه أسرارهما) في باب حمل العامّ على الخاصّ ما يتوهّم منه خلافه كما ستقف عليه هذا بعض الكلام في المراد من القاعدة.

***

____________

(*) إشارة إلى قول اللّه عزّ و جل: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ* [الأنفال: 75 و الأحزاب: 6].

85

* مدرك قاعدة الجمع‏

و أمّا الكلام في مدركها فحاصله: أنّه استدلّ لها بوجوه:

الأوّل: الإجماع ادّعاه ابن أبي جمهور في «غواليه» (1) و يظهر من غيره أيضا.

الثّاني: أنّ دلالة اللّفظ على تمام معناه أصليّة و على جزئه تبعيّة و إهمال الثّاني اللّازم على تقدير الجمع أولى من إهمال الأوّل اللّازم على تقدير الطّرح ذكره العلّامة (قدّس سرّه) في محكيّ «النّهاية».

الثّالث: أنّ الأصل في الدّليلين الإعمال فيجب الجمع مهما أمكن؛ لاستحالة التّرجيح من غير مرجّح ذكره ثاني الشّهيدين (قدس أسرارهما) و غيره في الاستدلال على القاعدة.

و أنت خبير بما في هذه الوجوه من وجوه المناقشة بل الفساد:

أمّا الأوّل: فلأنّه إن أريد من الجمع في كلام مدّعي الإجماع الجمع في الجملة على سبيل القضيّة المهملة أعني: بعض أفراده، و بعبارة أخرى: المعنى الأوّل من الجمع الّذي يساعد عليه العرف و أهل اللّسان عند عرض المتعارضين عليهم.

ففيه: أنّ الإجماع عليه بحسب الظّاهر و إن كان مسلّما بعد البناء على عدم قدح مخالفة ما يتراءى من الشّيخ و المحقّق القمّي (قدس أسرارهما) فيه، إلّا أنّه لا

____________

(1) غوالي اللآلي: ج 4/ 136.

86

يجدي في دعوى الكليّة كما ربّما يستظهر من كلام المدّعي.

و إن أريد منه الكليّة، أي: المعنى الثّاني الّذي عرفته، فتطرّق المنع إليه واضح جلي و إن كان ظاهر جماعة في الفقه عند الاستدلال بالقاعدة، بل ذكر شيخنا (قدّس سرّه):

أنّه لو ادّعي الإجماع على فساد هذا المعنى كما عن الفريد البهبهاني (قدّس سرّه)(1) فيما أملاه في القاعدة كان أولى بالتّصديق.

و أمّا الثّاني: فلأنّه يتوجّه عليه:

أوّلا: أنّ هذا الدّليل على فرض تماميّة أخصّ من المدعى؛ إذ ليس الكلام في الجمع في خصوص ما يتوقّف الجمع فيه على التّصرف في المتعارضين كما هو ظاهر، و إثبات المدّعى بضميمة الإجماع المركّب خروج عن الاستدلال بنفس الدّليل المذكور، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الغرض دوران الأمر بين طرح الدّليلين من غير نظر إلى تعدّده و وحدته. أو يقال: إنّ الغرض من هذا الدّليل هو إثبات المدّعى في بعض صور المسألة في قبال السّلب الكلّي كما ذكره بعض أفاضل من تأخّر.

و ثانيا: نمنع من لزوم طرح الدّلالة الأصليّة بل مطلق الدّلالة على تقدير الطّرح، بل اللّازم هو طرح السّند ليس إلّا على تقديره كما ستقف على شرح القول فيه عن قريب.

و ثالثا: أنّ دلالة العام على أفراده ليست بالتّضمّن على ما يقتضيه التّحقيق عند المحقّقين؛ لأنّ العموم الموضوع له أمر بسيط وحداني لا تركيب و لا تجزية فيه أصلا، و لا ينافيه ظهور العام في إرادة الباقي بعد ورود التّخصيص عليه إن لم‏

____________

(1) انظر الفوائد الحائرية الفائدة الثالثة و العشرون: 233.

87

يكن دليلا عليه فتأمّل‏ (1). و التّفصيل يطلب من مسألة العموم و الخصوص.

و رابعا: بعد الإغماض عمّا ذكر يلزم على تقدير الجمع أيضا طرح الدّلالة الأصليّة و الأخذ بالتبعيّة و إليه يرجع ما عن العلّامة (قدّس سرّه) في «النّهاية» في الاعتراض على الدّليل المذكور: «بأنّ العمل بكلّ منهما من وجه عمل بالدّلالة التّابعة من الدّليلين و العمل بأحدهما دون الآخر عمل بالدّلالة الأصليّة و التّابعة في أحد الدّليلين و إبطالهما في الآخر، و لا شكّ في أولويّة العمل بأصل و تابع من العمل بتابعين و إبطال الأصلين» (2). انتهى كلامه رفع مقامه.

و هو كما ترى، لا بدّ أن يكون مبنيّا على الإغماض و المماشاة و إلّا فقد عرفت: أنّه على الطّرح لا يلزم إبطال الدّلالة أصلا هذا.

و قد ناقش فيما أفاد (قدّس سرّه) السيّد عميد الدّين في محكيّ «شرح التّهذيب»:

«بأنّ العمل بأصل و تابع إنّما يكون راجحا بالنّسبة إلى العمل بتابعين إذا كانا من دليلين لا ما إذا كانا من دليل واحد و كان التّابعان من دليلين؛ لأنّ فيه تعطيلا للّفظ و إلغاء له بالكلّية، و من المعلوم أن التّأويل أولى من التّعطيل» (3). انتهى كلامه.

و أنت خبير بما فيه؛ فإنه في مقام الاعتراض على الدّليل المذكور

____________

(1) وجه التأمّل: ان دلالة العام على إرادة كل فرد و إن لم تكن مربوطة بدلالة على إرادة العموم و من هنا يحكم بظهوره في الباقي عند قيام الدليل على التخصيص، إلّا انّها حين إرادة العموم ليست دلالة مستقلّة، بل تابعة، و إن لم تكن تضمّنية فالمراد مجرّد التبعيّة و إن كان التعبير قاصرا فتأمّل. منه دام ظله العالي.

(2) نهاية الوصول إلى علم الأصول (مخطوط).

(3) انظر مفاتيح الأصول: 710.

88

و لا يتوجّه عليه ما أورده عليه و إن كان التّحقيق عندنا حسبما ستقف عليه: عدم أولويّة لأحدهما على الآخر بالنّظر إلى دليل حجيّة الصّدور و الظّهور و يظهر ما في كلام السيّد ممّا سنذكره إن شاء اللّه تعالى.

و خامسا: أنّ هذا الوجه مجرّد استحسان لا يجوز الاعتماد عليه و المعتمد هو الدّليل القاضي بترجيح أحدهما على الآخر من الخارج فتدبّر.

و أمّا الثّالث: فلأنّه غير محصّل المراد بظاهره كما صرّح به المحقّق القمّي و غيره؛ فإنّ في الطّرح ليس ترجيحا من غير مرجّح أصلا، فإن طرح أحدهما معيّنا لمكان رجحانه ليس فيه ترجيحا من غير مرجّح؛ ضرورة كونه من جهة المرجّح بالفرض و لا على التّعيين الّذي هو مرجع التّخيير لا ترجيح فيه أصلا، حتّى يتكلّم أنّه مع المرجّح أو لا معه، و أمّا اختيار أحدهما بحسب الدّواعي الّذي ليس من مقولة الحكم أصلا فلا ينفكّ عن المرجّح النّفساني، فأين التّرجيح بلا مرجّح؟

قال في «القوانين» بعد نقل الوجه المذكور عن «التّمهيد» ما هذا لفظه:

«و لم أتحقّق معنى قوله: (لاستحالة التّرجيح من غير مرجّح) (1) إذ المفروض عدم ملاحظة المرجّح، و إلّا فقد يوجد المرجّح لأحدهما» (2). انتهى كلامه رفع مقامه.

و وجّهه في «القوانين» بعد الاعتراض الّذي عرفته بما هذا لفظه:

«و توجيهه أن يقال: إنّه مراده إذا أمكن العمل بكلّ منهما و لو كان بإرجاع‏

____________

(1) تمهيد القواعد: 227.

(2) قوانين الأصول: ج 2/ 272.

89

التّوجيه إلى كليهما فمع ذلك لو عمل بأحدهما و ترك الآخر فيلزم التّرجيح من غير مرجّح؛ إذ المفروض أنّ موضوع الحكمين مغاير في الدّليلين فلا معنى لملاحظة التّرجيح بينهما؛ لأنّ كلّ واحد من الدّليلين حينئذ دليل على حكم شي‏ء آخر فضعف أحدهما بالنّسبة إلى الآخر لا يصير منشأ لترك مدلوله ... إلى آخر ما ذكره (قدّس سرّه)» (1).

و حاصله: كما ترى؛ أنّه بعد الجمع و التّأويل يكون الموضوع في كلّ منهما مغايرا لموضوع الآخر فإن عمل بأحدهما دون صاحبه حينئذ لزم التّرجيح بلا مرجّح هذا.

و فيه ما لا يخفى؛ إذ مجرّد إمكان التّأويل لا يوجب اختلاف الموضوعين و إنّما الموجب له فعليّة التّأويل و الكلام فيها فهو كما ترى أيضا غير محصّل المراد كما صرّح به غير واحد.

و وجّهه بعض من قارب عصرنا بعد الاعتراض عليه أيضا بما هذا لفظه:

«أقول: و يمكن توجيهه: إمّا بجعله تعليلا لكون الأصل في كلّ منهما الإعمال، أو للجمع بما أمكن من غير اختصاص ببعض وجوه الجمع، أو لما يفهم من كلامه من وجوب الجمع لا مجرّد الجواز أو الأولويّة» (2). انتهى كلامه رفع مقامه.

و أنت خبير بما في الأخير؛ و أمّا الأوّلان فلا بأس بهما في مقام التّوجيه و إن‏

____________

(1) المصدر السابق.

(2) الفصول الغرويّة: 440.

90

كان الأوّل أظهر. و المراد منه: أنّ بعد تساوي المتعارضين فيما هو المعتبر في حجيّتهما الذّاتيّة ككونهما خبر واحد عدل مثلا فلا بدّ من الالتزام بشمول الدّليل لهما من غير فرق؛ إذ لو قيل بشمول الدّليل لأحدهما دون الآخر بعد فرض تساويهما بالنّظر إليه لزم التّرجيح من غير مرجّح، و المراد من الأصل في كلامه:

القاعدة، أو الظّاهر المستفاد من دليل اعتبار المتعارضين، و حاصله: جعل نسبة دليل الاعتبار بالنّسبة إلى المتعارضين كنسبته بالنّسبة إلى الأفراد الغير المتعارضة من حيث الحكم بالشّمول الذّاتي و الشّأني.

فإن شئت قلت: على تقدير الطّرح: إمّا أن نقول بعدم شمول دليل الاعتبار للمطروح مع كونه مساويا للمأخوذ في شرائط العمل و الحجيّة، و إمّا أن نقول بوجود المقتضي للعمل فيهما، إلّا أنّ التّعارض مانع له فيجب رفع اليد عن العمل بأحدهما لعدم إمكان العمل بهما و الأوّل ترجيح بلا مرجّح، و الثّاني لا يصلح مانعا بعد إمكان التّأويل و العمل بهما في الجملة و لو بالحمل على إرادة خلاف الظّاهر، و لعلّه راجع إلى تحكيم دليل الصّدور على دليل الظّاهر على ما أسمعناك سابقا إجمالا و سنتكلّم فيه تفصيلا.

و قال في «المناهج»:

«قوله: (لاستحالة التّرجيح من غير مرجّح) (1) يريد به أنّا إن عملنا بأحد المتعارضين و طرحنا الآخر مع إمكان الجمع لزم التّرجيح من غير مرجّح؛ إذ ليس طرح أحدهما و العمل بالآخر أولى من العكس.

____________

(1) تمهيد القواعد: 277.

91

لا يقال: قد يتحقّق لأحدهما مرجّح من حيث المتن أو القرائن الخارجيّة فكيف يصحّ نفيهما؟

لأنّا نقول: لا يصلح تلك المرجّحات للتّرجيح مع إمكان الجمع بحمل الظّاهر على الصّريح، مثلا إذا تعارض العامّ و الخاصّ و كان الأوّل أقوى سندا فقوّة سنده لا تصلح مرجّحا لتقديمه على الخاصّ؛ لضعف دلالة الأوّل و قوّة دلالة الثّاني فتقديمه عليه ترجيح من غير مرجّح. و لا يذهب عليك أنّ هذا التّعليل قاصر عن إفادة المقصود؛ لأنّه إنّما يقضي ببطلان تعيين أحدهما للحجيّة و هو غير متعيّن على تقدير ترك الجميع لإمكان ترجيحهما معا أو البناء على التّخيير» (1). انتهى كلامه.

و هو كما ترى، مبنيّ على حمل كلام المستدلّ على صورة وجود الشّاهد الدّاخلي للجمع سواء كان بنصوصيّة أحدهما أو قوّة في دلالته فيخرج عن مسألة التّعارض في بعض الصّور، بل جميعها في وجه ستقف عليه، فيتوجّه عليه السّؤال الّذي أشار إليه بقوله: (لا يقال) و ما نبّه عليه بقوله: (و لا يذهب عليك). فالأولى في توجيه هذا الوجه التّشبّث بالوجه الأوّل المذكور في كلام بعض أفاضل مقاربي عصرنا (2).

ثمّ إنّ المذكور في كلام بعض فضلاء العصر: كون الأصل في المسألة عدم الجمع و بطلانه فيلزم على مدّعيه إقامة الدّليل عليه سواء على القول بالطّريقيّة في المتعارضين أو السّببيّة؛ فإنّ لازم الأوّل: تساقطهما فلا يجوز الأخذ بواحد منهما

____________

(1) مناهج الأحكام في الاصول، المنهج الثاني من الخاتمة في التعادل و الترجيح ص 315.

(2) صاحب الفصول فيما مرّ من كلام له في المقام.

92

فضلا عن الأخذ بكليهما، و لازم الثّاني: بحكم العقل التّخيير فلا معنى للأخذ بهما.

و لكنّك خبير بما فيه؛ فإنّ للقائل بالجمع أن يقول: بأنّ مورد التّساقط و التّخيير فيما لا يمكن العمل بالدّليلين بحسب أدلّة الصّدور، و إلّا فلا تعارض في الحقيقة، فالمانع من الجمع حقيقة هو دليل التّعبّد بالظّهور كما ستقف عليه.

صور التعارض‏

إذا عرفت ذلك فنقول: تحقيقا للمقام و توضيحا للمرام: أنّ صور التّعارض لا يخلو من أربعة؛ لأنّه إمّا أن يكون لأحدهما قوّة بحسب الدّلالة أو لا، و على الثّاني:

أمّا أن يحصل الجمع بالتّصرّف في أحدهما محمولا أو موضوعا، أو يتوقّف على التّصرف فيهما كذلك. و على الأوّل، أي: حصول الجمع بالتّصرف في أحدهما: إمّا أن يكون النّسبة بينهما العموم من وجه، أو غيره من العموم و الخصوص، أو التّباين.

فالصّور أربعة.

و الكلام في حكم الصّور قد يقع فيما يقتضيه القاعدة بملاحظة دليلي اعتبار الصّدور و الظّهور و أنّ مقتضاهما تقديم الجمع على الطّرح، أو العكس، أو لا اقتضاء لهما أصلا، فلا أولويّة لأحدهما على الآخر، و قد يقع فيما يقتضيه الدّليل الخارجي.

و الكلام من الجهة الأولى، أي: فيما يقتضيه القاعدة إنّما هو في غير الصّورة الأولى، و أمّا هي فلا إشكال في أنّ مقتضاها تقديم الجمع على الطّرح كما ستقف عليه.

و تفصيل القول من الجهة الأولى:

أنّك قد عرفت: أنّ ظاهر غير واحد كون مقتضى القاعدة تقديم الجمع على‏

93

الطّرح و أولويّته بالنّسبة إليه مطلقا. و قد يقال: إنّ مقتضاها العكس مطلقا. و قد يقال: إنّ مقتضاها التّسوية بينهما و عدم أولويّة لأحدهما على الآخر مطلقا. و قد يقال: إنّ مقتضاها التّفصيل و تقديم الطّرح فيما يتوقّف الجمع على التّصرّف في المتعارضين دون ما لا يتوقّف على التّصرف فيهما. و قد يقال: بالتّفصيل فيما يحصل الجمع بالتّصرف في أحدهما بين ما كانت النّسبة بينهما العموم من وجه و غيرها، فيقال بتقديم الجمع على الطّرح في الأوّل دون الثّاني. و قد يقال: بالعكس.

و الّذي يقتضيه التّحقيق: عدم أولويّة لأحدهما على الآخر بالنّظر إلى القاعدة مطلقا؛ نظرا إلى عدم تحكيم و تقديم ذاتي لما دلّ على البناء على صدور المتعارضين على ما دلّ على البناء على اعتبار ظهورهما فيما لم يجعل العرف أحدهما صارفا و قرينة على رفع اليد عن ظاهر الآخر كما هو المفروض، كما أنّه لا تحكيم للعكس أيضا؛ لأنّ الشّك في شي‏ء منهما ليس مسبّبا عن الشّك في الآخر، غاية ما هناك حصول العلم الإجمالي بملاحظة عدم صدور المتنافيين واقعا عن الشّارع بحكم العقل لبيان الحكم الواقعي و باختلال جهة من الجهات المعتبرة في المتعارضين من الصّدور أو جهته أو دلالته، فلا يمكن جعل دليل اعتبار بعض الجهات الثّلاث حاكما على غيره و بمنزلة الدّليل بالنّسبة إليه.

فكما لا يمكن أن يجعل دليل اعتبار ظاهر قوله مثلا: «أكرم العلماء»، حاكما على دليل صدور قوله: «لا تكرم العلماء» مثلا فيحكم لأجله برفع اليد عمّا دلّ على التّعبد بصدوره و البناء عليه، كذلك لا يمكن جعل دليل التّعبّد بصدوره حاكما على ما دلّ على اعتبار ظاهر قوله: «أكرم العلماء»، و قرينة صارفة عن ظهوره‏

94

بإرادة بعضهم، و كذا جعل دليل اعتبار صدوره حاكما على دليل ظاهر قوله: «لا تكرم»، بإرادة البعض الآخر بحيث يرفع التّعارض بينهما، و كذا فيما يحصل الجمع برفع اليد عن ظاهر أحدهما كما إذا ورد: «إغسل للجمعة»، و «ينبغي غسل الجمعة»؛ فإنّه يحصل الجمع برفع اليد عن ظاهر أحد المحمولين.

لا يقال: إنّ المعتبر ظاهر ما فرغ صدوره عن الحجّة نبيّا كان أو وصيّا فاعتبار الظّهور متفرّع على الصّدور فلا يكون في مرتبته حتّى يزاحمه و يعارضه.

لأنّا نقول: ما ذكر و إن كان مسلّما، إلّا أنّ التقدّم و التّأخّر بحسب المرتبة إنّما يلاحظان بالنّسبة إلى كلّ قول و حديث صدورا و دلالة لا بالنّسبة إلى حديثين، فاعتبار ظاهر قوله: «أكرم العلماء» متفرّع على صدوره فلا يمكن المزاحمة بينهما لا على صدور قوله: «لا تكرم العلماء»؛ لعدم الارتباط بينهما أصلا، بل لا يمكن تفرّع صدور حديث على صدور الحديث الآخر كما هو ظاهر.

و من هنا لو كان هناك حديث ظاهره خلاف الإجماع أو العقل يؤخذ بدليل التّعبّد بصدوره و يرفع اليد عن ظاهره و لا يزاحم بدليل اعتبار ظاهره فيحكم بعدم صدوره و المفروض ليس من هذا؛ فإنّ المزاحمة فيه إنّما يلاحظ بين الظّاهر من أحد المتعارضين و الصّدور من الآخر، فأين الأصليّة و الفرعيّة؟

و منه يظهر فساد قياس المقام و استنباط حكمه من حديث ظاهره خلاف الإجماع حيث إنّ المسلّم عندهم على ما عرفت الحكم بصدوره و التّصرف في ظاهره.

95

في أن أدلة الصدور حاكمة على أدلّة الظهور أم لا؟

لا يقال: إنّ الأصل اللّفظي و إن كان معتبرا من باب الظّن، إلّا أنّه تعليقيّ يعمل به عند الشّك في وجود القرينة، و دليل اعتبار الصّدور تنجيزيّ فيكون حالهما حال الأصل العملي و الدّليل الاجتهادي، فيكون دليل التّعبّد بالصّدور حاكما على دليل اعتبار الظّهور من حيث إنّ مفاده جعله قرينة للظّاهر، بل يمكن تنظير المقام و قياسه بالأصل و الدّليل على القول بكون الأصل من باب الظّن أيضا؛ فإنّ المعهود تقديم الدّليل الاجتهادي على الأصل على هذا القول أيضا؛ فإنّ الاستصحاب مثلا على القول بكونه من باب الظّن أيضا لا يعارض غيره من الأدلّة الاجتهاديّة التنجيزيّة و إن كان على هذا القول دليلا اجتهاديّا أيضا، و ليس ذلك إلّا من جهة كونه تعليقيّا بالنّسبة إلى غيره من الأدلّة.

لأنّا نقول: كون الأصل اللّفظي تعليقيّا مسلّم، إلّا أنّ الكلام في كون دليل الصّدور تنجيزيّا بالنّسبة إليه في الفرض مع ما عرفت: من عدم كون الشّك فيه مسبّبا عنه؛ إذ كما يجعل دليل الصّدور المشكوك بمنزلة الصّادر كذلك يجعل دليل اعتبار ظاهر الظّهور بمنزلة النّص. و من المعلوم عدم جواز تصديق الخبر الظّني في مقابل النّص؛ لكون دليل الظّاهر المفروغ عن صدوره مانعا عن تصديق صدور الآخر فلو استند مع صلاحيّته إلى دليل الصّدور لزم الدّور كما هو ظاهر هذا. مع أنّ دليل الصّدور قد يستند إلى الأصل اللّفظي كعموم آية النّبأ مثلا.

لا يقال: ما دلّ على التّعبد بالصّدور يجعل مشكوك الصّدور في حكم معلوم‏

96

الصّدور و بمنزلته، و كما يجعل المعلوم صدوره دليلا على رفع اليد عن ظاهر غيره فيما وقع التّعارض بينهما فكذلك يجعل ما في حكمه دليلا عليه، فيثبت ما ذكرنا من الأصليّة و الفرعيّة.

لأنّا نقول: ما ذكر توهّم فاسد و تمحّل بارد؛ لأنّ دليل التّعبّد بالصّدور يجعل المشكوك بمنزلة الصّادر الواقعي فيما يترتّب عليه من الأحكام الشّرعيّة لا بمنزلة المعلوم من حيث هذا العنوان، و عدم المزاحمة فيما ذكر إنّما هو من جهة عدم صلاحيّة المشكوك للمزاحمة مع المعلوم إذا لوحظ بهذا العنوان بحكم العقل هذا.

فإن شئت قلت: إنّ تنزيل المشكوك بمنزلة المعلوم فيما يترتّب عقلا على العلم لا معنى له، فإذا فرض المتعارضان معلومي الصّدور أو أحدهما معلوم الصّدور على وجه و انحصر التّصرف في الدّلالة كآيتين مثلا، كان التّصرف في الدّلالة بحكم العقل لا بحكم الشّرع. و هذا بخلاف المقام؛ فإنّ دليل التّعبّد بصدور المشكوك و إن كان مقتضاه- بعد ملاحظة عدم اجتماعه مع إرادة الظّاهر من الآخر- رفع اليد عن ظهوره، إلّا أنّ دليل التّعبّد بظاهر الآخر المفروغ عن صدوره يقتضي أيضا كونه مرادا للشارع المنافي لصدور الآخر، فيلزمه رفع اليد عن صدوره و هما في مرتبة واحدة؛ لأنّ هذا اللّزوم و الاقتضاء من الطّرفين مستند إلى العلم بعدم صدور المتنافيين من الشّارع فيحكم لأجله- بعد ملاحظة دليل التّعبّد بالصّدور و الدّلالة في المتعارضين- برفع اليد عن أحدهما على ما عرفت سابقا، فالأمر دائر بين التّصرّف في أحد الدّليلين و رفع اليد عن مقتضاه من غير فرق بينهما أصلا هذا.

مع إمكان دفع التّوهم المذكور بالمعارضة بأن يقال: إنّ دليل التّعبّد بالظّاهر يجعل كلّا من الظّاهرين بمنزلة النّص، و من المعلوم رفع اليد عن الصّدور فيما

97

تعارض النصّان بحسب الدّلالة، اللّهمّ إلّا أن يدفع المعارضة: بأن التّنزيل المذكور يرجع نتيجته عند التأمّل برفع اليد عن الصدور بالدّلالة مع عدم إمكان المزاحمة بينهما، اللّهمّ إلّا أن يجعل المزاحمة بالنّسبة إلى ما هو محلّ الكلام من الأمرين لا مطلقا، فلا يلزم المحذور المذكور فتدبّر.

فإن قلت: لو لم يكن لدليل التّعبّد بالصّدور حكومة على دليل التّعبّد بالظّهور لزم الحكم بإجراء حكم التّعارض فيما كان أحدهما نصّا أو أظهر بالنّسبة إلى الآخر من الرّجوع إلى المرجّحات أو التّخيير، مع أنّ المسلّم عندهم على ما عرفت و ستعرف: الحكم بصدوره و جعله قرينة للظّاهر تحكيما لدليل الصّدور.

قلت: قياس الظّاهرين بمورد النّقض قياس مع الفارق؛ حيث إنّ الشّك في المقيس عليه في الظّاهر مسبّب عن الشّك في صدور الآخر من حيث صلاحيّته للقرينيّة و الصّارفيّة في نفسه، فيكون التأمّل في جعله صارفا من جهة احتمال عدم صدوره، فحكم الشّارع بعدم الاعتناء بهذا الاحتمال في معنى حكمه بجعله صارفا للظّاهر و لا معنى له غيره على ما أسمعناك سابقا، و هذا بخلاف المقام؛ فإنّ رفع اليد عن الظّاهر لا بدّ و أن يكون بانضمام مقدّمة متساوية النّسبة بكلّ من دليلي اعتبار الصّدور و الظّهور فكيف يجعل أحدهما مقدّما على الآخر ذاتا.

فإن قلت: لازم ما ذكر كون الطّرح أولى من الجمع بالنّظر إلى القاعدة فيما يتوقّف الجمع على التّصرف فيهما؛ حيث إنّ اللّازم من الطّرح مجرّد مخالفة دليل التّعبّد بالصّدور في المطروح و ليس فيه مخالفة دليل التعبّد بظاهره: من جهة عدم كون المطروح كلام المعصوم حتّى يجب الأخذ بظاهره بناء على ما أسمعناك: من كون موضوع دليل اعتبار الظّاهر الكلام المفروغ صدوره عن الحجّة، و هذا بخلاف‏

98

الجمع؛ فإنّ المفروض فيه الحكم بصدور المتعارضين فيصير ظاهرهما موضوعا لدليل التّعبّد به فيلزم مخالفته بالنّسبة إلى كلا الظّاهرين و نتيجته مخالفة الأصلين.

نعم، فيما يحصل الجمع بالتّصرف في ظاهر أحدهما يكونان- أي: الجمع و الطّرح- في مرتبة واحدة.

قلت: ما ذكر من أولويّة الطّرح في الصّورة المذكورة؛ نظرا إلى ما ذكر في وجهه توهّم؛ حيث إنّ الجمع في الفرض و إن توقّف على رفع اليد عن ظاهر كلا المتعارضين إلّا أنّ ظاهر غير المفروغ عن الأخذ بصدوره ليس مشمولا لدليل التّعبّد بالظّواهر حتّى يكون طرحه خلافا للأصل؛ فإنّ المتوهّم اعترف بتفرّع اعتبار الظّاهر بمقتضى دليله على الأخذ بصدوره. و من هنا قال: بأنّ طرح ظاهر المطروح ليس محرّما من جهة عدم شمول دليل التّعبّد بالظّاهر له، فإذا كان لازم الأخذ بصدور المردّد هو رفع اليد عن ظهوره كما هو المفروض فكيف يكون ظهوره مانعا عنه مع أنّه تابع له فيكون محالا؟

توضيح ذلك: أنّ المتعارضين في الفرض مشتملان على سندين و ظاهرين و الصّدور من أحدهما مأخوذ على كلّ تقدير، فيكون ظاهره مشمولا لدليل اعتبار الظّواهر، كما أنّ ظاهر الآخر غير مشمول لدليل اعتبار الظّواهر؛ للقطع بعدم إرادته على تقدير البناء على صدوره و عدم شمول الدّليل له ما لم يبن علي صدوره، فيبقى صدوره و هو مشمول لدليل التّعبد بالصّدور. كما أنّ ظاهر الآخر مشمول لدليل التّعبّد بالظّهور فيكون التّقابل بينهما ليس إلّا، فيدور الأمر من جهة رفع التّعارض بين رفع اليد عن الأوّل أو الثّاني من غير تقدّم لأحدهما على الآخر، و هذا معنى ما ذكرنا: من عدم الأولويّة بالنّظر إلى القاعدة و دليل اعتبار الصّدور

99

و الظّهور لشي‏ء منهما، فلا فرق بين صور التّعارض فيما ذكرنا أصلا هذا.

فإن شئت قلت: إنّ مرجع التّوهم المذكور إلى جعل اعتبار ظاهر الحديث مانعا عن الأخذ بصدوره، و مرجعه- بعد التّسالم على قضيّة الأصليّة و الفرعيّة كما ترى- إلى لزوم الدّور و هو ما أشرنا إليه: من الاستحالة هذا كلّه فيما إذا كان هناك معنى يحمل الظّاهران أو الظّاهر عليه على تقدير الجمع.

و أمّا إذا تعدّد المعنى المحتمل بحيث يحتمل إرادة كلّ واحد من غير فرق فلازم الجمع و الأخذ بصدور المتعارضين الحكم بالإجمال و الرّجوع إلى الأصل الغير المخالف لهما فقد يجعل هذا كما في «الكتاب»: من حيث إنّ نفي الثّالث اللّازم من الأخذ بهما صدورا عمل بهما مسوّغا و مجوّزا للحكم بصدورهما؛ فإنّ الأخذ بالدّلالة الالتزاميّة نوع من العمل بالحديث و قول المعصوم (عليه السّلام).

لكنّه كما ترى، لا يخلو عن مناقشة؛ من حيث إنّ نفي الثّالث ليس لازما للجمع و الأخذ بصدورهما معا، بل لازم الأخذ بالصّدور في الجملة المسلّم بين الفريقين، فلا معنى لجعله ثمرة عمليّة للأخذ بهما بعنوان الجمع و المعيّة فلم يبق ممّا يمكن أن يترتّب على الجمع إلّا الإجمال الّذي هو في معنى ترك العمل؛ فإنّه كما يكون الأخذ بالظّهور متفرّعا على الأخذ بالصّدور كذلك يكون شمول دليل الصّدور موقوفا على وجود أثر عمليّ هناك؛ حيث إنّ معنى لزوم التّصديق هو الالتزام بالآثار المترتّبة على المخبر به. فكيف يجعل الإجمال من آثاره الّذي هو في معنى ترك العمل به على ما عرفت؟ و من هنا لا يحكم بشمول دليل الصّدور لما تعيّن حمله على التّقيّة على تقدير الصّدور، فعلى ما ذكر من المناقشة يكون الطّرح أولى من الجمع بالنّظر إلى القاعدة في الصّورة المسطورة.

100

و القول: بكون الرّجوع إلى الأصل بعد الحكم بإجمال المتعارضين نوع عمل- كما لا يأبى عنه بعض عبائر «الكتاب»- كما ترى؛ فإنّ العمل بالأصل متفرّع على عدم وجود الدّليل، فكيف يجعل عملا به؟

و من هنا يحمل موارد جمعهم بين التمسّك بالأصل و الدّليل في حكم المسألة على إرادة التّنزّل و الإغماض عن وجود الدّليل، فمورد الدّوران ما إذا كانت هناك احتمالات متفاوتة في القوّة و الضّعف بعد رفع اليد عن الظّاهر بمقتضى الجمع: بأن يكون بعض المحتملات أقرب المجازات مثلا لا متيقّن الإرادة على تقدير الصّدور؛ إلّا إذا قلنا بأن تيقّن الإرادة لا يوجب نصوصيّة الكلام بالنّسبة إلى المراد.

فإذا ورد: «أكرم العلماء»، ثمّ ورد: «لا تكرم العلماء» مثلا، و كان العادل متيقّن الإرادة من الأوّل، و الفاسق من الثّاني لم يحكم بكون كلّ منهما نصّا من جهة و ظاهرا من جهة فيرفع اليد عن ظاهر كلّ منهما بنصّ الآخر فيخرج عن تعارض الظّاهرين هذا.

و ستقف على تحقيق الحقّ من الوجهين و المسلكين عن قريب، فالصّور ثلاثة عرفت حكمها هذا فيما كانت النّسبة بين المتعارضين التّباين، أو العموم و الخصوص مع التّكافؤ من حيث الدّلالة من جهة اشتمال العام بما يوجب مكافئته ظهورا مع الخاصّ.

و أمّا إذا كانت النّسبة العموم من وجه مع تكافؤ العامّين من حيث الدّلالة كما هو المفروض فقد يقال: في الصّورة بخصوصها على ما عرفت الإشارة إليه:

بأولويّة الجمع من الطّرح بقسميه ترجيحا و تخييرا: من حيث إنّ الطّرح من حيث‏

101

الصّدور بالنّسبة إلى مورد التّعارض بخصوصه، كما هو لازم النّسبة موجب للتّبعيض في الصّدور الآبي منه دليل التّعبد به؛ لأنّ الكلام الواحد لا يحمل عليه النّقيضان. و ليس مثله مثل الحديث الواحد المشتمل على فقرات و أحكام لموضوعات متعدّدة؛ حيث إنّه يجوز الأخذ بالحديث بالنّسبة إلى بعض الفقرات مع طرحه بالنّسبة إلى بعضها؛ لأنّه بمنزلة أحاديث متعدّدة، و هذا بخلاف المقام؛ فإنّ المفروض فيه الإخبار عن قضيّة واحدة فلا يحمل عليه الصّدور و العدم هذا.

و لكنّك خبير بكونه مجرّد الاستبعاد؛ إذ المستحيل عقلا الصّدور و عدمه الواقعيّان لا الظّاهريّان مع تعدّد مورد الحكم. و من هنا كان ظاهرهم الاتّفاق على اندراجه في الأخبار العلاجيّة فلا مناص من الالتزام بالتّبعيض الحكمي و البنائي بحسب الآثار كما هو الشّائع في الشّرعيّات هذا.

و قد يقال فيها بخصوصها: بأولويّة الطّرح؛ من حيث إنّ لازم الجمع فيه هو الحكم بالإجمال الدائمي في مورد التّعارض؛ فيلزمه حقيقة ترك العمل بهما فينافيه التّعبّد بالصّدور، فكيف يكون دليله دليلا عليه؟ و القول بكون ثمرته الإجمال و نفي الثّالث و الرّجوع إلى الأصل الموافق لأحدهما و إلّا فالتّخيير العقلي نظير دوران الأمر بين المحذورين واقعا في المسألة الفقهيّة قد عرفت ما فيه هذا.

و قد أشرنا إلى أنّ عبارة «الكتاب» غير خالية عن الإجمال: من حيث الحكم بأولويّة الجمع في خصوص الصّورة أو الطّرح و إن كان ظاهرا في اختيار عدم أولويّة لأحدهما على الآخر أخيرا.

فقد ظهر ممّا ذكرنا كلّه: الوجه للقول بعدم ترجيح لأحد من الجمع و الطّرح على صاحبه بالنّظر إلى القاعدة، كما أنّه ظهر منه وجوه سائر الاحتمالات‏

102

و الوجوه فلا حاجة إلى إطالة الكلام بإفراد كلّ بعنوان هذا بعض الكلام فيما يقتضيه القاعدة بالنّظر إلى دليل كلّ من التّعبّد بالصّدور و الدّلالة.

و أمّا الكلام فيما يقتضيه الدّليل الخارجي في الصّورة المذكورة و هو الموضع الثّاني فملخّصه:

أنّه ليس هناك دليل عام يقضي بأولويّة الجمع فلا بدّ أن يتّبع الشّاهد الخارجي في الموارد الشخصيّة و التّشخيص بنظر الفقيه المستنبط، و أمّا الطّرح فالدّليل عليه ما دلّ على لزوم التّرجيح و التّخيير كلّ في مورده في جميع صور التّعارض الّتي ليس فيها شاهد داخلي و لا خارجي على التّصرّف في أحدهما أو كليهما كما هو المفروض. و بعبارة أخرى: فيما كان الدّليلان متعارضين و متنافيين بنظر أالعرف، و هذا ما أفاده بقوله في «الكتاب»: (بل الظّاهر هو الطّرح ...

إلى آخره) (1).

و حاصل ما يستفاد من «الكتاب» و غيره في ترجيح الطّرح على الجمع من جهة الدّليل الخارجي يرجع إلى وجوه:

الأوّل: سؤال الرّواة عن حكم المتعارضين من الأخبار فيما ورد في باب العلاج بالتّرجيح و التّخيير مع ما هو المركوز في أذهانهم بل ذهن كلّ أحد: من وجوب العمل بالدّليل الشّرعي مهما أمكن، فلو لم يفهموا عدم الإمكان لم يكن معنى لتحيّرهم المحوج إلى السّؤال سيّما بلفظة أي الظّاهرة في عدم كون المورد ممّا يعمل بهما معا، و حمل مورد السّؤال على عدم إمكان الجمع عقلا و لو بضرب‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 23.