بحر الفوائد في شرح الفرائد - ج8

- الشيخ محمد حسن الآشتياني المزيد...
820 /
103

من التّأويل كما ترى؛ فإنّه حمل على النّادر إن لم يكن حملا على المعدوم.

الثّاني: الأجوبة الّتي وردت في الأخبار المذكورة، فإنّه لم يقع فيها إلّا الجواب بالطّرح تعيينا أو تخييرا.

و أمّا قولهم (عليهم السّلام) في بعض الأخبار: (أنتم أفقه النّاس إذا عرفتم معاني كلامنا ... إلى آخره) (1)، أو (أنّ أمر النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كأمر القرآن فيه ناسخ و منسوخ و محكم و متشابه) (2) الحديث، فليس منافيا لما ذكر إن لم يكن مؤيّدا؛ فإنّ الغرض منه الحثّ و التّأكيد على التّأمّل في وجوه دلالة الكلام من الدّاخل و الخارج و عدم حمله على ما يفهم منه في بادي‏ء النّظر أو قبل ملاحظة القرائن الخارجيّة، و هذا ليس محلّا لإنكار واحد فلو دلّ على الجمع كما ستقف عليه فإنّما يدلّ عليه في الفرض الخارج عن محلّ الكلام.

الثّالث: الإجماع العملي من الخاصّة بل جميع علماء الإسلام من زمن الصّحابة إلى زماننا هذا؛ فإنّهم لم يزالوا يطرحون أحد المتعارضين تعيينا أو تخييرا فلو كان الجمع و لو بضرب من التّأويل البعيد مقدّما على الطّرح لما سلكوا هذا المسلك و اضطراب كلام الشّيخ لا يقدح فيه مع كون عمله على طبق عملهم، بل‏

____________

(1) بصائر الدرجات: 349 الباب 9 في الأئمة (عليهم السّلام) «انهم يتكلمون على سبعين وجها في كلها المخرج و يفتون بذلك»- ح 6- و معاني الأخبار: 2- ح 1، عنه الوسائل: ج 27/ 117 باب «وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة»- ح 27.

(2) الكافي الشريف: ج 1/ 63 باب «اختلاف الحديث»- ح 1، عنه الوسائل: ج 27/ 206 باب «عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر كلام النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) المروي من غير جهة الأئمة (عليهم السّلام) ...»- ح 1.

104

و لو لم يكن بعد انتهاء عملهم إلى زمان الحجّة؛ فإنّ الإجماع العملي ليس كالإجماع القولي حتّى يقدح فيه مطلق الخلاف على بعض وجوه تقريره كاللّطف أو الحدس في وجه، أو مخالفة مجهول النّسب على طريقة الدّخول بعد فرض انتهاء العمل إلى زمان المعصوم و اجتماع شروط التّقرير.

نعم، فيما يجعل الإجماع العملي كاشفا عن الإجماع القولي و اتّفاق المجمعين في الآراء جرى فيه ما يجري في الإجماع القولي.

و أمّا جمع الشّيخ (رحمه اللّه) بين الأخبار المتعارضة على وجه يقتضي ابتناءه على مجرّد الإمكان العقلي فليس مبنى عمله قطعا، بل الوجه فيه ما ذكره في أوّل كتابه:

من ابتنائه على مجرّد الاحتمال بحسب الواقع لئلّا يشكل الأمر على ضعفاء النّفوس من كثرة ما يشاهدون من التّعارض بين الأخبار.

و أمّا ما ذكره الشّيخ ابن أبي جمهور: من دعوى الإجماع على تقديم الجمع على الطّرح مهما أمكن، فقد عرفت: منع ظهوره في الإمكان العقلي، مع أنّه على تقدير الظّهور لا يصدّق في دعواه؛ إذ غاية ما يسلّم كون المسألة خلافيّة. و أمّا الإجماع على تقديم الجمع بقول مطلق على الطّرح فممنوع جدّا فتأمّل‏ (1).

الرّابع: لزوم الهرج و المرج في الفقه و إحداث فقه جديد يعلم بعدم ثبوته من الشّارع و اللّزوم بعد ملاحظة كثرة المتعارضات و فتاوى الأصحاب في‏

____________

(1) الوجه في التأمّل: عدم الجزم بالإجماع العملي مع ما يشاهد من مسلكهم في مقام التعرض في الفقه؛ فإن الظاهر من غير واحد تقديم الجمع على الطرح مطلقا فتدبّر. منه (دام ظلّه) العالي.

105

مواردها ظاهر لا يحتاج إلى البيان فضلا عن البرهان فتدبّر. هذا بعض الكلام في غير الصّورة الأولى من الصّور المتقدّمة.

و أمّا الصّورة الأولى و هي: ما كان لأحد المتعارضين قوّة على الآخر، فحاصل القول: فيها أنّ القوّة لو كانت بالنّصوصيّة سواء كان بالعموم و الخصوص و الإطلاق و التّقييد فيما كان الخاص أو المقيّد نصّين بحسب الدّلالة أو غيرهما فلا إشكال في أولويّة الجمع في الفرض بل خروجه عن عنوان التّعارض حقيقة لما أسمعناك فيما سبق: من كون النّصّ الظّني حاكما على الظّاهر، و إن كان قطعيّا من الجهات الأخر فالتّعرض له في المقام و إدراجه في باب التّعارض و جعله من أقسام الجمع كما في «الكتاب» من باب التّسامح و التّوسع حقيقة.

و لو كانت بالظّهور فظاهر المشهور بل صريحهم- كما هو الحقّ- تقديم الجمع و التّصرّف في دلالة الظّاهر بقرينة الأظهر على التّرجيح و التّخيير و إن كان الجمع على الوجه المزبور راجعا إلى نوع من التّرجيح و هو التّرجيح بحسب الدّلالة و مرجع تقديمه حقيقة إلى ما سيتلى عليك: من تقديم التّرجيح بحسب الدّلالة على سائر وجوه التّراجيح إلّا أنّ المطلب لا يوهن بتغيير العنوان و ظاهر الشّيخ (قدّس سرّه) في «العدّة» في بيان التّرتيب بين المرجّحات إنكار ذلك و إن تسالم على تقديمه على التّخيير و ربّما يستظهر من المحقّق القمّي (قدّس سرّه) أيضا في باب حمل العام على الخاص، بل الجمود على ظاهر كلام الشّيخ (قدّس سرّه) يعطي ذهابه إلى تقدّم التّرجيح في القسم الأوّل أيضا أي: النّصّ و الظّاهر، لكن لا بدّ من حمله على مفروض البحث؛ حيث إنّ جلالة شأنه و علوّ مقامه في العلم يمنع من المخالفة في القسم الأوّل فارجع إلى كلامه المنقول في «الكتاب» في المقام الثّاني أي: التّرجيح، و كذا

106

إلى ما يحكيه عن المحقّق القمّي (قدّس سرّه) و إن أمكن توجيه كلام المحقّق القمّي (رحمه اللّه) بما لا يخالف المشهور في مفروض البحث على ما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى في ذلك المقام.

ثمّ إنّ الوجه في تقديم التّصرّف في الظّاهر بقرينة الأظهر على طرح الأظهر صدورا للتّرجيح أو التّخيير مع عدم كونه كالنّص الظنّي الصدور و من حيث إمكان التصرّف في دلالته و إبقاء الظّاهر على ظهوره بخلاف النّص؛ حيث إنّه لا معنى للتّعبّد بصدوره إلّا جعله قرينة للظّاهر هو حكم العرف و بنائهم على خروج الفرض عن الأخبار العلاجيّة: من جهة عدم التّحيّر الموجب للسّؤال بعد بنائهم على جعل الأظهر قرينة للظّاهر فهو ملحق بالنّص حكما.

و من هنا ذكر شيخنا الأستاذ العلّامة فيما علّقه على المقام: أنّه بعد إحراز التّرجيح العرفي للأظهر يصير كالنّص و يعامل معه معاملة الحاكم؛ لأنّه يمكن أن يصير قرينة للظّاهر و لا يصلح الظّاهر أن يصير قرينة له، بل لو أريد التّصرف فيه احتيج إلى قرينة أخرى من الخارج فيدفع بالأصل فالتّعبد بصدور الأظهر بعد هذه الملاحظة لا معنى له، إلّا رفع اليد به عن الظّاهر كما عرفته في معنى التّعبّد بالنّص.

فإن شئت قلت: إنّ التّصرف في الأظهر بعد فرض عدم قيام القرينة عليه من الخارج غير ممكن عرفا فيصير كالحاكم بالنّسبة إلى المحكوم كدليل نفي الحرج بالنّسبة إلى أدلّة تشريع الأحكام العامّة هذا. و يمكن اقتباس حكم المقام ممّا عرفت الإشارة إليه ممّا ورد في الحثّ على التّأمّل فيما يرد عنهم (عليهم السّلام) و عدم الجمود على ما يفهم من كلماتهم في ابتداء النّظر إليها هذا. و ستقف على زيادة توضيح لذلك منّا و من شيخنا (قدّس سرّه) عند الكلام في باب التّراجيح.

107

ثمّ إنّ الوجه فيما أفاده (قدّس سرّه) في حكم ما يحصل الجمع بالتّصرف في أحدهما مع تساويهما في الظّهور- في ذيل التّحقيق الّذي عليه أهله بقوله: (و أمّا لو لم تكن لأحد الظّاهرين مزيّة على الآخر فالظّاهر أنّ الدّليل في الجمع ... إلى آخره) (1) (2) الظّاهر في كون الجمع فيما يتوقّف على التّصرّف فيهما و تأويلهما أولى منه في المقام-: هو أنّ حاصل الجمع في المقام هو الحكم بإجمال المتعارضين و الرّجوع إلى الأصل غالبا أو دائما من جهة عدم تعيّن وجه التّصرّف، و من المعلوم عدم كونه عملا بشي‏ء منهما فلا معنى للتعبّد بصدورهما لترك العمل بهما على ما أسمعناك سابقا. و هذا بخلاف الجمع فيما يتوقّف على تأويلهما معا؛ فإنّ الغالب فيه تعيّن‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 27.

(2) قال المحقق الخراساني (قدّس سرّه):

«الظاهر ان الدليل جار فيما إذا تعيّن عرفا ما يصرف إليه احدهما بحيث صار ظاهرا فيه بعد صرفه عن ظاهره، دون ما يصرف اليه الآخر ما لم يقم معيّن من الخارج، اذ الظاهر أن يكون الأوّل بحسب العرف متعينا للتأويل ما لم يقم قرينة من الخارج على تأويل الآخر، فيكون نفس صدورهما قرينة على التأويل، و الجمع بينهما بصرف الأوّل عن ظاهره و ابقاء الآخر على حاله، و لا يوجب الجمع للاجمال الموجب للتخير الباعث لاندارجهما تحت الجواب و السؤال في الأخبار العلاجية.

نعم الظاهر عدم جريان الدليل فيما اذا لم يكن كذلك، و احتيج في تأويل واحد منهما بالخصوص الى معيّن من الخارج، سواء كان ذلك لعدم تعيّن ما يصرف اليه في واحد منهما ام لتعيّنه في كليهما فيشملهما الأخبار العلاجية، بناء على ان الظاهر شمولها لكل دليلين لا يساعد العرف على جمع بينهما، و يبقى متحيّرا و يلتمس عليه قرينة من الخارج» إنتهى.

أنظر درر الفوائد: 438.

108

بعض الاحتمالات: من حيث كونه أقرب فيرجع إلى العمل بهما و لو بالأخذ بخلاف ظاهرهما؛ فإنّه نوع عمل بالخبر جزما.

و بما ذكرنا ينبغي تحرير وجه الأولويّة بل تحرير المقام مطلقا لا بما أفاده في «الكتاب»؛ فإنّه لا يخلو عن مناقشة؛ فإنّ العمل بالأصل المطابق لأحدهما ليس عملا بشي‏ء منهما؛ و إلّا كان العمل بالخبر المطابق للقياس عملا بالقياس أيضا و هو كما ترى؛ ضرورة أنّ العمل بالشّي‏ء عبارة عن الاستناد إليه و العمل بالأصل المطابق استناد إلى الأصل لا إلى الخبر، اللّهمّ إلّا من باب التّوسّع و المسامحة على ما أسمعناك مرارا في مطاوي كلماتنا. و كذا ما أفاده بالنّسبة إلى العمل بأصالتي الحقيقة تخييرا فإنّ معناه على القول به- و إن كان فاسدا كما ضعّفه- هو جواز الأخذ بكلّ من الظّاهرين و جعل المأخوذ قرينة للمطروح فهو عمل بالنّسبة إلى دليل التّعبّد بالصّدور حقيقة في كلا الخبرين فأين الطّرح حتّى يجعل مرجع الجمع إلى الطّرح؟ فتدبّر.

و أمّا الاستدراك بقوله: (نعم، يظهر الثّمرة في أعمال المرجّحات السّنديّة ...

إلى آخره) (1) فالغرض منه- بعد الحكم بأول الجمع إلى الطّرح و نفي الثّمرة بينهما من هذه الجهة- إثبات الثّمرة بين الجمع و الطّرح لا إثبات الثّمرة لدليل التّعبّد بالصّدور على تقدير الجمع، كيف! و التّرجيح بالصّدور ينافي الجمع كما هو واضح.

نعم، ينبغي جعل الثّمرة بينهما الرّجوع إلى المرجّحات مطلقا لا خصوص ما أفاده من المرجّحات السّنديّة، إلّا أن يحمل ذكره على المثال، أو على المفروض في‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 27.

109

كلامه في المقام و إن كان الفرض مبنيّا على المثال أيضا فتأمّل.

و أمّا ما أفاده من الاستدراك في مقام توهين الرّجوع إلى الأخبار العلاجيّة و الحكم بتقديم الطّرح بعد ثبوت التّلازم في مفاد الأخبار بين التّرجيح و التّخيير موردا و إن افترقا بوجود المرجّح و عدمه فيكون الجمع بهذه الملاحظة أولى من الطّرح في هذا القسم من الجمع فيما يتوقّف على التّصرّف فيهما بقوله (قدّس سرّه): (لكن يوهنه: أنّ اللّازم حينئذ بعد فقد المرجّحات ... إلى آخره) (1).

فربّما يناقش فيه أيضا: بأنّه على تقدير تسليمه يسلّم فيما كانت النّسبة العموم من وجه أو العموم و الخصوص في الجملة لا فيما كانت التّباين؛ فإنّه لم يعهد من أحد نفي التّخيير من أحد مع فقد المرجّح في الفرض مع إثباته فيما يتوقّف الجمع على تأويلهما.

و منه يظهر: أنّ التّفصيل المبنيّ على الاستبعاد حقيقة يجري في العموم و الخصوص أيضا، إذ على تقدير التّكافؤ من حيث الدّلالة لو بني على الطّرح ترجيحا أو تخييرا مع كون المأخوذ الخاصّ لزم منه طرح العامّ من حيث الصّدور أو جهته في الجملة لا مطلقا فيلزم التّبعيض لا محالة كما هو ظاهر.

***

____________

(1) نفس المصدر: ج 4/ 28.

110

* تنبيهات القاعدة

و ينبغي التّنبيه على أمور و إن تقدّمت الإشارة إليها.

الأوّل: أنّ عدّ تقديم الأظهر على الظّاهر من أقسام الجمع لا ينافي ما تسالموا عليه: من كونه من التّرجيح بحسب الدّلالة فيكون نوعا من الطّرح بقول مطلق؛ حيث إنّ المراد من الجمع على ما عرفت الإشارة إليه هو الأخذ بدليل الصّدور من المتعارضين و إن استلزم الطّرح: من حيث الدّلالة لمكان التّرجيح فلا تنافي بينهما أصلا.

الثّاني: هل المراد بالنّصوصيّة في المقام و غيره هو خصوص كون اللّفظ صريحا في المراد بحسب الذّات أو يعمّه و ما كان كذلك بملاحظة الأمر الخارجي- ككون بعض إفراد العام متيقّن الإرادة بملاحظة الخارج على تقدير صدور العام كالعدول من قوله: «أكرم العلماء» و الفسّاق، من قوله: «لا تكرم العلماء»؛ فإنّ نسبة العام في المثال إلى أفراده متساوية من حيث الذّات لا فرق بينها بحسب وضع العام المذكور، و إلّا لم يعقل الفرق بينها بحسب تعلّق الأمر بالإكرام و النّهي عنه، و إنّما حصل الفرق من تعلّق الأمر الخاص و النّهي المضادّ له بحسب الملاحظة الخارجيّة، و عذرة المأكول من قوله (عليه السّلام): (لا بأس ببيع العذرة) (1) و غير المأكول‏

____________

(1) الكافي الشريف: ج 5/ 226 باب «يجامع فيما يحل الشراء و البيع منه و ما لا يحل»- ح 3 و التهذيب: ج 6/ 372 باب «المكاسب»- ح 200، و الاستبصار: ج 3/ 56 باب «النهي عن-

111

من قوله (عليه السّلام): (ثمن العذرة سحت) (1) فإنّ الفرق بينهما إنّما هو بملاحظة اختلاف المحمول و الخارج لا من حيث الذّات.

و من هذا القبيل تيقّن إرادة الجواز من الأمر و الكراهة من النّهي و هكذا- و جهان بل قولان كما يظهر لمن راجع كلماتهم في الفقه؛ من حيث إنّ تيقّن الإرادة من الخارج على تقدير الصّدور لا يجدي صارفا عن ظهور اللّفظ و قرينة على إرادة خلاف الظّاهر منه بحكم العرف، بل يحتاج إلى قرينة أخرى فيدخل في تعارض الظّاهرين فيتوقّف رفع اليد عن ظاهر كلّ منهما بنصّ الآخر على ثبوت حكومة دليل الصّدور على دليل الظّهور بقول مطلق.

و يؤيّده بل يدلّ عليه: ما ورد في باب علاج تعارض الأخبار بالتّرجيح أو التّخيير؛ فإنّ حمله على غير المفروض يوجب خروج كثير من الموارد منه بل الأكثر؛ ضرورة قلّة ما لا يوجد فيه هذا المعنى من المتعارضين، و من حيث إنّ الأخذ بصدورهما في الفرض لا يوجب رفع اليد عن الظّاهر من غير قرينة بعد تيقّن الإرادة و نصوصيّة كلّ منهما و لو بملاحظة الخارج فكلّ من العامّين بمنزلة الخاصّ بالنّسبة إلى الآخر فيما هو نصّ فيه فيندرج في الجمع المقبول لا المردود.

و الّذي اختاره شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه) في «مكاسبه» و مال إليه في‏

____________

- بيع العذرة»- ح 1، عنهما الوسائل: ج 17/ 175 باب « «حكم بيع عذرة الانسان و غيره و حكم الابوال»- ح 2.

(1) التهذيب: ج 6/ 372 باب «المكاسب»- ح 201، و الاستبصار: ج 3/ 56 باب «النهي عن بيع لعذرة»- ح 2، عنهما الوسائل: ج 17/ 175 باب «حكم بيع عذرة الإنسان و غيره و حكم الابوال»- ح 1. هذا و الموجود في النّص: «ثمن العذرة من السّحت».

112

مجلس البحث هو الأوّل؛ و لا يخلو عن قوّة؛ من حيث إنّ العلم بالإرادة إنّما حصل بملاحظة دليل الصّدور و التّنافي لا من اللّفظ بنفسه و لعلّنا نتكلّم فيه زيادة على هذا بعد ذلك.

و منه يظهر: النّظر فيما أفتى به بعض الأصحاب تبعا للشّيخ (قدّس سرّه) من جواز بيع عذرة المأكول جمعا بين ما دلّ على جواز بيع العذرة و ما دلّ على المنع منه.

الثّالث: أنّك قد عرفت: خروج مورد وجود الشّاهد للجمع عن محلّ الكلام في القاعدة المشهورة من غير فرق بين ما يتوقّف الجمع على تأويل المتعارضين، أو تأويل أحدهما فقد يقوم هذا الشّاهد من الخارج، و قد يحصل بملاحظة النّسبة بين المتعارضين فيما كان التعارض بين أزيد من دليلين؛ فإنّه إذا وقع التّعارض بين العامّين المتباينين كقوله: «أكرم العلماء» و «لا تكرم العلماء» مثلا، و ورد ما يوجب تخصيص أحدهما: من حيث كونه أخصّ منه كقوله: «لا تكرم فسّاق العلماء» لأنّه أخصّ من العامّ الأوّل يصير العام المخصّص أخصّ من العام الغير المخصّص فيجب الجمع بينهما بالتّخصيص فيحكم بإرادة خصوص الفسّاق من قوله: «لا تكرم العلماء» و هذا مع وضوحه نشرح لك القول فيه عند الكلام في تعارض أزيد من دليلين إن شاء اللّه تعالى.

113

ما فرّعه الشهيد الثاني على قاعدة الجمع‏

(4) قوله (قدّس سرّه): (بقي في المقام: أنّ شيخنا الشّهيد الثّاني فرّع ... إلى آخره). (ج 4/ 29)

في بيان إجراء قاعدة الجمع في البيّنات‏

أقول: أراد (قدّس سرّه) بهذا التّكلّم في القاعدة المعروفة في «البيّنات» و بيان حالها بالنّسبة إليها بعد الفراغ عن التّكلّم فيها في الأخبار و إن كان خارجا عن محلّ الكلام تبعا لثاني الشّهيدين (قدس أسرارهما)؛ حيث إنّه عمّمها لتعارض البيّنات، بل جعل جريانها فيه من فروع القاعدة.

ثمّ إنّه لا إشكال بل لا خلاف ظاهرا إلّا عن بعض في كون التّنصيف ميزانا للقضاء في الجملة كالبيّنة، و اليمين، و النّكول، و القرعة في الجملة. إنّما الكلام في أنّ مقتضى القاعدة فيما يقبل التّنصيف بعد فقد ما اتّفقوا على كونه ميزانا من البيّنة السّليمة، أو الرّاجحة، و اليمين، و النّكول هو الرّجوع إلى القرعة، أو التّنصيف.

كما أنّه لا إشكال في أنّ محلّ الكلام فيما أقام كلّ من المتداعيين بيّنة على طبق دعواه، و إلّا فيخرج عن مفروض البحث و مورد التّفريع و كلام الشّهيد (رحمه اللّه) «دار تداعياها و هي في يدهما أو لا يد لأحد عليها فأقاما بيّنة» (1) و كلامه و إن كان مطلقا إلّا أنّ من الواضح كون محلّ كلامه فيما تعادلتا من حيث المرجّحات‏

____________

(1) تمهيد القواعد: 284.

114

المعتبرة في باب تعارض البيّنات و لا يعمّ صورة وجود المرجّح، كما هو شأن القاعدة في تعارض الأخبار على ما عرفت: من شمولها لصورة وجود المرجّح فلا يحتاج إلى التّقييد الّذي ذكره في «القوانين» معترضا عليه حيث قال فيه- بعد نقل كلام الشّهيد- ما هذا لفظه:

«و التّحقيق فيه: أنّ ذلك يصحّ بعد ملاحظة التّراجيح في البيّنتين و انتفائها و تعادلهما، و كيف كان: يمكن العلاج في ذلك التّفريع؛ لإمكان استناد التّنصيف إلى ترجيح بيّنة الدّاخل فيعطي كلّ منهما ما في يده بترجيح أو بيّنة الخارج فيعطي كلّ منهما ما في يد الآخر؛ إذ دخول اليد و خروجها أعمّ من الحقيقي و الاعتباري، و يمكن استناده إلى التّعارض و التّساقط و التّحالف فينصف بعد التّحالف فيجري مجرى ما لو ثبت يداهما عليها و لم يكن هناك بيّنة كما هو المشهور» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و أنت خبير: بأنّ ما أورده على تفريعه من المناقشة في محلّه بالنّسبة إلى الفرض الأوّل سواء قلنا بالتّرجيح الحقيقي بالدّخول و الخروج أو المسامحي من حيث كون بيّنة الدّاخل بمنزلة الأصل بالنّسبة إلى بيّنة الخارج، أو قلنا بعدم سماع البيّنة من الدّاخل أصلا، فلا يعارض بيّنة الخارج و إن كان خلاف صريح فرض الشّهيد و ظاهر المحقّق القمّي (قدس أسرارهما).

و من هنا ذكر شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه): أنّه لو خصّ المثال بالفرض الأخير لم يرد عليه ما ذكره المحقّق القمّي و إن لم يخل عن مناقشة.

____________

(1) قوانين الأصول: ج 2/ 274.

115

نعم، لو قيل: بأنّ يد كلّ منهما على تمام الدّار- كما اختاره شيخنا (قدّس سرّه) في «جواهر الكلام» (1) و بعض أفاضل معاصرينا- لم يتوجّه عليه ما ذكره المحقّق القمّي، لكنّه بمعزل عن التّحقيق عندنا و عند الأستاذ العلّامة (دام ظلّه) العالي) و عند المحقّق القمّي كما فصّلنا القول فيه في باب «القضاء» (2) و «الغصب في غير تعاقب الأيادي» كما هو المفروض؛ فإنّ المعقول هو اليد التّامّة الواحدة على مجموع الدّار المتقوّمة بهما فيلزم أن يكون لكلّ منهما يد على النّصف المشاع.

ثمّ إنّ المراد من المناقشة الّتي ذكرها الأستاذ العلّامة (دام ظلّه) في الفرض الأخير على ما صرّح به في مجلس البحث: هو كون التّنصيف فيه من جهة تساقط البيّنتين بعد التّكافؤ و عدم المناص عن التّنصيف لا من جهة الجمع بين البيّنتين بالتّبعيض في أدلّة التّصديق فيكون الفرض كما إذا لم يكن بيّنة أصلا هذا.

و قد يتوهّم متوهّم: أنّ ما ذكره المحقّق القمّي (قدّس سرّه) من المناقشة بقوله: (و يمكن استناد التّنصيف ... إلى آخره) (3) هو بالنّسبة إلى الفرض الأخير فيورد على شيخنا من حيث لا يشعر.

و لكنّك خبير: بفساد التّوهم المذكور؛ فإنّ كلامه صريح في اختصاص ما ذكره بوجود اليد منهما كما يدلّ عليه ما وجه التّنصيف به بعد تساقط البيّنتين، و كيف كان: لا إشكال في توجّه المناقشة إلى كلّ من المثالين و إن كان المثال الثّاني- من حيث كونه أبعد عن الإيراد و المناقشة- أولى. و من هنا ذكر شيخنا (دام ظلّه)

____________

(1) جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: ج 40/ 403 و ج 14/ 237 دار المؤرخ العربي.

(2) كتاب القضاء: 360 ط دار الهجرة قم.

(3) قوانين الأصول: ج 2/ 279.

116

أنّ الأولى التّمثيل به و بما أشبهه‏ (1).

نعم، ربّما يتوهّم المتوهّم: كون الدّعوى بنفسها أمارة شرعيّة على الملكيّة فيكون الدّعويان بمنزلة يدين فلا فرق بين وجود اليد و عدمه، فالتّرجيح بالدّخول و الخروج على تقدير عدم اليد أيضا فيورد على الأستاذ العلّامة (دام ظلّه) بهذه الملاحظة.

و أنت خبير بوضوح فساده؛ فإنّ الدّعوى فيما يكون أمارة شرعيّة- على ما حقّق في باب القضاء- هي الدّعوى المأخوذة «بشرط لا» أي: بشرط عدم المعارض، لا الدّعوى «لا بشرط» و بأيّ وجه كانت هذا. مضافا إلى عدم تعقّل معنى للدّخول و الخروج بهذه الملاحظة كما هو واضح.

في أن تحكيم أدلّة الصّدور على أدلة الظواهر غير جار في البيّنات‏

و كيف كان: لا بدّ من صرف الكلام إلى أصل المطلب فنقول: قد عرفت: أنّ ظاهر ثاني الشّهيدين بل صريحه- بعد التّأمّل بملاحظة التّفريع و صريح بعض من تأخّر- اتّحاد الجمع حكما بل مدركا في الأخبار و البيّنات.

و لكنّك خبير: بأنّ ما ذكروه دليلا للقاعدة بالنّسبة إلى الأخبار: من تحكيم أدلّة التّعبّد بالصّدور على دليل التّعبّد بالظّهور غير جار بالنّسبة إلى البيّنات جزما؛

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 29.

117

ضرورة عدم جواز جعل إحدى البيّنتين بملاحظة دليل اعتبارها قرينة للأخرى و صارفة عنها و كاشفة عن مرادها من غير فرق بين كونهما نصّين أو ظاهرتين، و إن كان المفروض عدم الشّك في مراد البيّنتين و قيام كلّ واحد على طبق الدّعوى على سبيل الجزم و اليقين، و هذا بخلاف الخبرين؛ فإنّهما و إن حكيا و صدرا عن حجّتين، إلّا أنّهما بمنزلة كلامين لشخص واحد لا يحتمل في حقّه السّهو و النّسيان و الغفلة و الخطأ و التّناقض في القول، و إلّا فالشّخص الواحد أيضا قد يرجع عن قوله بأحد الأسباب المجوّزة في حقّ غير الحجّة.

و من هنا يصحّ جعل أحد الخبرين صارفا عن ظاهر الآخر و قرينة للمراد عنه بعد البناء على صدورهما كما في قطعيّ الصّدور، فالجمع في البيّنات لا بدّ من أن يلاحظ بالنّسبة إلى أدلّة التّصديق و اعتبارها فيصدّق كلّ من البيّنتين بالنّسبة إلى بعض ما شهدت عليه من جهة مزاحمتها مع الأخرى فهو بمنزلة الطّرح في العامّين من وجه على ما عرفت الإشارة إليه.

و من هنا يجري الجمع بهذا المعنى في النّصين أيضا على ما سبق القول فيه في معنى الجمع عند الكلام في المراد من الألفاظ الواقعة في القاعدة، إذن لا بدّ من التماس وجه آخر للجمع في البيّنات غير ما عرفته في وجه الجمع في الأخبار؛ لاختلاف المراد من الجمع في الموضعين. و من هنا ذهب غير واحد إلى عدم ثبوت القاعدة في الأخبار، و يقال بثبوت الجمع في البيّنات بمقتضى القاعدة و إن قيل بعدم ثبوته في الأخبار فالمسألة ذات وجوه.

118

ما يستدلّ به للجمع في البيّنات و المناقشة فيه‏

و كيف كان: يستدلّ للجمع في البيّنات بوجهين:

أحدهما: استفادته من جملة من الأخبار الحاكمة بالتّنصيف في الموارد الخاصّة بمعونته تنقيح المناط منها.

ثانيهما: كون التّنصيف في البيّنات و العمل بكلّ من البيّنتين- في بعض ما شهدت به و أخبرت عنه- جمع بين الحقّين من غير ترجيح بالدّواعي النّفسانيّة الغير المرجّحة شرعا و تخيير لا دليل عليه في وجه و مناف لشرع الفقهاء في وجه آخر.

فإن شئت قلت: إنّ الأمر دائر بين أمور كلّها باطلة سوى التّنصيف؛ لأنّ الأمر لا يخلو: من أنّه إمّا أن يحكم بترك العمل بالبيّنتين، أو يحكم بالعمل بإحداهما المعيّن، أو يحكم بإحداهما لا على التّعيين بمعنى التّخيير، أو يحكم بالتّنصيف بالمعنى الّذي عرفته. و غير الأخير باطل فيتعيّن؛ إذ لا وجه آخر بعد فرض تعارضهما و عدم إمكان العمل بكلّ واحدة في تمام المشهود به.

أمّا بطلان الأوّل: فلأنّه مناف لتشريع القضاء و موجب لإبطال الحقوق.

و أمّا بطلان الثّاني: فلفرض مساواة البيّنتين من حيث المرجّحات المعتبرة شرعا و بطلان التّرجيح بغيرها بعد فرض عدم اعتبارها فيؤول الأمر حقيقة إلى التّرجيح و التّعيين من غير مرجّح و معيّن و هو واضح البطلان.

و أمّا الثّالث: فلأنّ تخيير الحاكم لا دليل عليه في المقام؛ لعدم كون التّعارض‏

119

و الاشتباه في الحكم الشّرعي و لو في طريق فصل الخصومة و القضاء، و تخيير المتخاصمين مناف لتشريع القضاء و نقض لغرضه و موجب للهرج و المرج، بل أشدّ منه؛ لأنّ كلّا من المتخاصمين يختار العمل ببيّنته هذا.

و أنت خبير بما في الوجهين:

أمّا الأوّل: فلأنّه قياس لا نقول به؛ فإنّ القطعي منه ممنوع، و الظّني منه على تقدير تسليمه يرجع إلى القياس الممنوع.

و أمّا الثّاني: فلأنّه استحسان و اعتبار محض فيرجع إلى ما يمنع منه، و أمّا ما ذكر في تقريبه: من قضيّة التّرديد و الدّوران ففيه: أنّ الحكم بتساقطهما و الرّجوع إلى ميزان آخر من اليمين و غيرها لا يوجب محذورا أصلا، مع أنّ هنا أمرا آخر غير ما ذكر و هو الرّجوع إلى القرعة بمقتضى عموم ما قضي بها لكلّ أمر مشكل.

و ممّا ذكرنا كلّه يظهر: أنّه يمكن القول بالجمع بين البيّنات بالنّظر إلى الوجهين و إن قيل بعدمه في الأخبار؛ نظرا إلى ما عرفت: من تضعيف تحكيم أدلّة الصّدور على دليل الظّهور، كما أنّه يمكن العكس، و أمّا توهين الجمع في البيّنات بلزوم التّبعيض في الصّدق و الكذب بالنّسبة إلى خبر واحد، فقد عرفت: أنّه استبعاد محض، فلو كان هناك دليل عليه لقلنا به كما قلنا فيما قام الدّليل فيه على التّنصيف، و قلنا به في العامّين من وجه أيضا في تعارض الأخبار فيما لم يكن هناك قوّة لأحد العامّين؛ فإنّ المختار وفاقا للمشهور الحكم بالطّرح في مادّة التّعارض ترجيحا أو تخييرا، بل في العام و الخاصّ أيضا فيما كانا متكافئين بحسب الدّلالة إذا اختار العمل بالخاصّ لأحد الوجهين.

و لا يتوجّه عليه ما توهّم: من التّبعيض في الصّدق و الكذب، بل اللّازم هو

120

التّبعيض في الأخذ بدليل التّصديق الظّاهري كما عرفته في الطّرح في العامّين من وجه، بل قد يقال: بكون الطّرح فيما عرفت أسوأ حالا من الجمع في المقام؛ من حيث إنّ المخبر به للعادل هو قول الإمام (عليه السّلام) و هو أمر بسيط و إن كان ما صدر عن الإمام (عليه السّلام) قابلا للتّجزئة، و هذا بخلاف خبر الشّاهد؛ فإنّ مرجع شهادته بكون الدّار لزيد مثلا إلى كون كلّ جزء منها لزيد فيصدّق في بعض ما يخبر به، فكأنّه ينحلّ إلى أخبار متعدّدة.

و من هنا قيل: بالتّفصيل في القاعدة بين العامّين من وجه و غيره في الأخبار على ما عرفت، و لا يقاس بالحديث الواحد المشتمل على قضايا متعدّدة و فقرات كثيرة؛ فإنّ مرجعه إلى أحاديث حقيقة. و إن كان هذا القول ضعيفا؛ فإنّه إذا فرض المحكي عن الإمام (عليه السّلام) مشتملا على أجزاء كان إخبار الرّاوي في ظرف التّحليل راجعا إلى أخبار متعدّدة كما في البيّنات. كيف؟ و قد يحكم بالتّفكيك في التّصديق بما هو أشكل من ذلك.

ألا ترى أنّه لو كان الخبر مشتملا على مسألة لغويّة، أو أصوليّة كلاميّة اعتقاديّة يحكم بتصديقه فيما يتفرّع على المخبر به من المسألة الفرعيّة و لا يصدّق في نفس المخبر به؟ و هكذا في الإقرار بأمر واحد متعلّق بالنّفس و الغير من وجهين و هكذا.

و الحاصل: أنّ التّفكيك بحسب الحكم الظّاهري بين المتلازمين، بل الجمع بين النّقيضين بحسبه ممّا لا غبار عليه أصلا كما وقع كثيرا في الشّرعيّات كيف؟

و قد عرفت: وقوعه في الشّرعيّات في أخبار الأحكام أيضا عند شيخنا (قدّس سرّه)، بل المشهور في العامّين من وجه و شبههما بعد البناء على ترجيح الطّرح على الجمع،

121

بل قد عرفت: إمكان الجمع في أخبار الأحكام بهذا المعنى أيضا و إن كان المتعارضان نصّين بحسب الدّلالة، إلّا أنّ الحقّ فيها لمّا كان للشّارع فلا يفرّق بحسب الاعتبار بينه و بين الطّرح، و هذا بخلاف الأخبار في الموضوعات و البيّنات؛ فإنّ الحقّ فيها مردّد بين شخصين فكان إيصال الحقّ إلى صاحبه في الجملة أولى من حرمانه الرّأسي، فيكون الجمع بحسب الاعتبار أولى من الطّرح فيها. و من هنا يمكن التّفكيك في القاعدة بين المقام و البيّنات إذا لوحظ الجمع بهذا المعنى، إلّا أنّه لمّا لم يكن دليل عليه بهذا المعنى بقول مطلق فيتبع المورد الخاصّة و لم يحكم بكونه على طبق القاعدة و الأصل.

و من هنا قلنا: بأنّ مقتضى القاعدة عند فقد الموازين الخاصّة القرعة بعد الحكم بتساقط البيّنتين المتعارضتين بناء على عدم التّرجيح في البيّنات إلّا بالمرجّحات الخاصّة المنصوصة كأعدليّة الشّهود و أكثريّتها كما هو المختار و المشهور، أو عدم صلاحيّة القرعة للتّرجيح بها من حيث بنائها على التّعبّد فيكون مرجعا لا مرجّحا.

نعم، فيما أعرضوا عنها و لم يحكموا بها لا نضايق من القول به، كما أنّه لمّا لم يكن دليل على الجمع بالمعنى المعروف في أدلّة الأحكام عندنا بقول مطلق دار الحكم به مدار الشّاهد عليه من الدّاخل أو الخارج. و بما حرّرنا كلّه يظهر لك التّوفيق بين كلمات شيخنا الأستاذ العلّامة (دام ظلّه) في تحرير المقام و عدم التّدافع بينها كما توهّم.

122

نعم، قوله: (و هذا النّحو غير ممكن في الأخبار ... إلى آخره) (1) قد يناقش فيه: بأنّ الجمع الّذي بني عليه في البيّنات على تقدير القول به هو التّصديق البنائي الظّاهري، و إلّا فقد يعلم بكذب إحدى البيّنتين و صدق الأخرى فيعلم بخطأ التّبعيض كما هو الغالب، فالمثبت في البيّنات هو الّذي استدركه بقوله: (نعم، قد يتصوّر التّبعيض في ترتيب الآثار ... إلى آخره) (2) و إليه يرجع الطّرح في العامّين من وجه.

فصدور القول الخاص من الإمام (عليه السّلام) و عدمه و إن كانا غير ممكنين بحسب الواقع؛ لامتناع اجتماع النّقيضين، إلّا أنّهما ممكنان بحسب الظّاهر، كما أنّه يمكن التّفكيك في الزّوجيّة و النّسب بهذا المعنى أيضا.

نعم، شركة المتداعيين في العين الواحدة ممكنة بحسب الواقع، بخلاف صدور القول الواحد و عدمه و عليه بنى كلامه (دام ظلّه) العالي) في الفرق.

و الإنصاف: أنّ ما أفاده في تحرير المقام لا يخلو عن تشويش و إن أمكن الجمع بين كلماته.

***

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 30.

(2) المصدر السابق.

123

أحكام التعارض‏

* المقام الأوّل: في المتعادلين‏

* مقتضى الأصل الاوّلي في المتعادلين‏

* مقتضى الدليل الوارد

* تنبيهات تعادل الخبرين‏

* لابدّيّة الفحص عن المرجّحات في المتعارضين‏

124

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

125

* المقام الأوّل في المتكافئين‏

(5) قوله (دام ظلّه): (المقام الأوّل: في المتكافئين و الكلام فيه: أوّلا ...

إلى آخره). (ج 4/ 33)

أقول: الكلام في التّعادل و إن وقع في كلماتهم في مواضع: في مفهومه، و إمكانه، و وقوعه، و حكمه، بل أطال القول غير واحد في مفهومه و إمكانه و حكي عن غير واحد منعه، إلّا أنّ وضوح الأمر فيها يغني عن التّكلّم في غير حكمه؛ لأنّ مفهومه بحسب اللّغة و العرف العام سواء أخذ من «العدل»- بالكسر- أو منه- بالفتح- معروف، و بحسب العرف الخاصّ إن بني على النّقل معلوم و إن اختلفت عباراتهم في بيانه، إلّا أنّه لا اختلاف فيه بحسب المعنى؛ لأنّه تكافؤ الأمارتين المتعارضتين في النّظر بحسب ما يوجب ترجيح إحداهما في حكم الشّارع فلا معنى لأخذ النّسبة و الثّمرة بين التّعاريف.

مع أنّه يمكن القول بعدم النّقل من حيث كونه مأخوذا من- «العدل»- بالكسر بمعنى الشّوق و الميل، أو من- «العدل»- بالفتح- من التّساوي.

و إمكانه بحسب كلّ من الواقع و النّظر لا محذور فيه أصلا، مع أنّ التّعرض لحكمه في أخبار الباب يغني عن التكلّم في الإمكان بل الوقوع فلا بدّ من صرف العنان إلى التّكلّم في حكمه.

126

و الكلام فيه: قد يقع فيما يقتضيه الأصل و القاعدة الأولويّة مع قطع النّظر عن مقتضى الدّليل الوارد، و قد يقع فيما يقتضيه الدّليل في المتعارضتين بقول مطلق، أو خصوص المتعارضين من الأخبار، كما أنّ مقتضى الأصل لا يلاحظ بالنّسبة إلى خصوص عنوان التعادل فربّما يستفاد حكمه من مقتضى الأصل في عنوان التّعارض؛ نظرا إلى كونه من أفراده و انطباقه عليه.

ثمّ إنّ الكلام من الجهة الأولى:

يقع تارة: من حيث اقتضاء الأصل التّساقط و عدمه.

و أخرى: في بيان ما يقتضيه على الثّاني من الوجوه المذكورة في «الكتاب».

المقام الأوّل: مقتضى الأصل و القاعدة الأوّليّة في حكم المتعادلين‏

فنقول: قد يقال بل قيل: بأنّ مقتضى الأصل التّساقط بمعنى عدم شمول دليل اعتبار الأدلّة و الأمارات المعتبرة لصورة التّعارض سواء كان مستندا إلى المانع عن الشّمول فيما كان من الأدلّة اللّفظيّة بالتّقريب المذكور في «الكتاب»، أو إلى عدم المقتضي له فيما كان من الأدلّة اللّبيّة كالإجماع بقسميه من القولي و العملي، و إن زيّفه في «الكتاب» بما يرجع حاصله: إلى إثبات اتّحاد مفاد الدّليلين في المقام، و إلّا لم يكن معنى للتعارض؛ فإنّا لا نعني به إلّا تنافي الدّليلين مع بقائهما على هذا العنوان في مورد التّعارض بحيث لا يكون المانع عن العمل بهما، إلّا تعارضهما فتأمّل.

127

و المختار عند شيخنا الأستاذ العلّامة (دام ظلّه) فساد ما زعموه سواء على القول بالسّببيّة في حجيّة الأمارات، أو الطّريقيّة فقد أطال الكلام في تقريب المرام على كلّ من القولين و الوجهين لخفاء المطلب و دقّته.

و حاصل ما أفاده على الوجه الأوّل: أنّ المستعمل فيه و المراد أمر وحداني لا يختلف حاله بحسب التّعارض و عدمه؛ فإنّ المراد من دليل الحجيّة و وجوب العمل هو الوجوب التّعييني مطلقا، إلّا أنّ التّكليف بجميع أقسامه لمّا كان في حكم العقل مشروطا بالقدرة من غير فرق بين الحكم الأصولي و الفرعي، و كان المكلّف قادرا على العمل بكلّ من المتعارضين مع عدم العلم بالآخر بحكم الوجدان، كما أنّه غير قادر على العمل به مع العمل بالآخر كان الحاصل: وجوب العمل بكلّ واحد مع ترك العمل بالآخر فالنّتيجة التّخيير، لكن لا من جهة استعمال اللّفظ فيه حتّى يتوجّه عليه: محذور استعمال اللّفظ في معنيين، و لا من جهة إنشاء العقل حتّى يكون عقليّا كما في دوران الأمر بين الوجوب و التّحريم؛ ضرورة امتناع اجتماع وجوبي التّخييري و التّعييني و إن كان أحدهما عقليّا و الآخر شرعيّا، مضافا إلى كونه خلاف الواقع و الوجدان.

و من هنا قلنا في محلّه: بأنّ ما اشتهر من حكم العقل بالوجوب التّخييري بين الأفراد فيما تعلّق الأمر بإيجاد الطّبيعة، أو بين أجزاء الزّمان في الواجبات الموسّعة ليس على ما يتراءى من ظاهره؛ ضرورة أنّ ما يوجد في الخارج من الحصّة يتّصف بالوجوب التّعييني لا محالة؛ لأنّه عين الطّبيعة المطلوبة بالوجوب التّعييني، فكيف يتّصف بالوجوب التّخييري؟ فالمراد من التّخيير العقلي هو مجرّد تسوية الأفراد في وجدان العقل في انطباق الطّبيعة عليها.

128

و من هنا يظهر: فساد توهّم التّخيير الإنشائي في الواجب الموسّع بالنّسبة إلى أجزاء الزّمان أيضا، فالتّخيير في المقام يشبه التّعيين في الواجب التّخييري إذا تعذّر بعض أفراده؛ فإن نتيجة الوجوب التّخييري المتعلّق بشيئين أو أشياء عند تعذّر أحد الفردين أو الأفراد هو الوجوب التّعييني فيما تيسّر، لا أن يحدث إنشاء آخر من الشّارع عند التّعذر و العينيّة الحاصلة في الواجب الكفائي عند انحصار من به الكفاية في شخص؛ فإنّه لم يحدث في حقّه من الشّارع خطاب آخر غير الخطاب الكفائي. فالحاصل من الوجوب التّعييني المتعلّق بطبيعة أو طبيعتين عند تزاحم الفردين منها أو منهما: هو الوجوب التّخييري لا بإنشاء آخر من الشّارع و لا بإنشاء من العقل.

و هذا ما ذكرنا: من أنّ نتيجة الوجوب التّعييني المتعلّق بطبيعة واحدة عند تزاحم الفردين منها، أو طبيعتين عند تزاحم الفردين منهما- بملاحظة اشتراط جميع التّكاليف بل الأحكام بالقدرة في حكم العقل- هو الوجوب التّخييري، فكلّ ما اختاره المكلّف من المتزاحمين يتّصف في الخارج بما يتّصف به عند عدم المزاحمة بحسب الحقيقة؛ لأنّ الوجوب التّعييني تابع للمصلحة الكامنة في الفعل على وجه التّعيين، غاية ما هناك: عجز المكلّف و قصوره عن إدراكها و هذا الوجوب التّخييري كما ترى، لا يضادّ التّعيين بل هو عينه و إن اختلف التّعبير فلا يلزم اجتماع الحكمين.

ثمّ إنّ هذا الذي عرفت مطّرد في جميع موارد تزاحم الواجبات إذا كانت في مرتبة واحدة و لم يكن بعضها أهمّ و أقوى و آكد مصلحة، كتزاحم صلاتين إذا كانتا في مرتبة واحدة، و إنقاذ غريقين بالشّرط المذكور إذا لم يتمكّن المكلّف من‏

129

الجمع و لو بحسب ضيق الوقت كما في صلاتين، و قد يتصوّر التّزاحم في المحرّمات أيضا عند الاضطرار، و حكمه حكم التّزاحم في الواجبات فيجب على المكلّف تخييرا إمتثال أحد النّهيين إذا كانا في مرتبة واحدة، فالحكم في جميع موارد التّزاحم بعد إحراز وجود المصلحة الفعليّة في المتزاحمين كما هو مناط التّزاحم على ما عرفت؛ إذ لو فرض عدم تعيّن الإتيان ببعضها مع عدم الإتيان ببعضها الآخر لزم الاشتراط بشي‏ء آخر غير القدرة و هو خلف.

و إلى ما ذكرنا يرجع ما أفاده بقوله: (فوجوب الأخذ بأحدهما نتيجة (*) وجوب الامتثال و العمل بكلّ منهما، بعد تقييد وجوب الامتثال بالقدرة) (1).

نعم، فيما كان أحدهما أهمّ يتعيّن الإتيان به مطلقا و لا يجوز الإتيان بغيره كذلك لا من جهة تعلّق النّهي، بل من جهة عدم تعلّق الطّلب فيكون فاسدا إذا كان من العبادات، خلافا لفقيه عصره في «كشفه» (2) و من تبعه‏ (3) ممّن قال بالتّرتّب في المقام و في مسألة الضدّ كما أشرنا إليه. و إلى ما فيه في الجزء الثّاني من التّعليقة (4).

هذا حاصل ما استفدناه من إفاداته في «الكتاب» و مجلس المذاكرة بتوضيح منّا حسبما يساعده فهمي القاصر على تقدير كون الأمر بالعمل بالأخبار

____________

(*) كذا و في نسخة الفرائد المطبوعة: «نتيجة أدلّة وجوب الإمتثال ...».

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 36.

(2) كشف الغطاء: ج 1/ 170.

(3) و هو صهره شيخ المحققين في هداية المسترشدين: ج 2/ 269- 272.

(4) بحر الفوائد: ج 2/ 213.

130

و غيرها من الأمارات من باب السّببيّة و الموضوعيّة.

و أمّا حاصل ما أفاده في وجه فساد توهّم التّساقط على الطّريقيّة- و لو من جهة قيامها بالسّبب الخاص المعبّر عنه بالظّن الخاصّ- فهو: أنّ مناط الحجيّة و وجوب العمل و إن كان مرتفعا عن كلام المتعارضين- و لو كان الملحوظ في مقام الجعل هو الظّن النّوعي و الكشف الغالبي و غلبة المطابقة للواقع لا الظّن الشّخصي؛ ضرورة ارتفاع المناط المذكور عنهما مع العلم بعدم مطابقة أحدهما للواقع و امتناع قيامه بهما، أو بأحدهما المعيّن في الواقع، أو عندنا، أو بأحدهما المردّد، أي: بهذا المفهوم؛ إذ الصّالح المتوهّم من الوجوه المذكورة ليس إلّا الثّاني بتوهّم: جعل الحجّة ما طابق الواقع من الخبرين في نظر الشّارع و إن تردّد عندنا، كما في موارد اشتباه الحجّة بما ليس بحجّة كالصّحيح المردّد بين الخبرين و هو غير صالح جزما؛ لاستحالة تعلّق الجعل ظاهرا و واقعا بالعنوان المذكور بعد فرض امتناع جعل العلم و لزوم صلاحيّة العنوان المأخوذ في موضوع الحكم؛ لتعلّق الحكم به مع العلم به تفصيلا كما عرفته في الصّحيح المردّد- إلّا أنّ ارتفاعه إنّما هو بالنّسبة إلى ما تعارضا فيه لا بالنّسبة إلى غيره فضلا عمّا تعاضدا على إثباته. فبالنّسبة إلى نفي الثّالث لا مانع من الأخذ بهما لكونهما متعاضدين في الدّلالة عليه، و نتيجته- كما ترى-: الرّجوع إلى الأصل العملي المطابق لأحدهما إن كان، و لو على القول بالتّرجيح بالأصل الفاسد عندنا؛ لأنّ البحث فيما يقتضيه الأصل و القاعدة مع قطع النّظر عمّا يقتضيه الدّليل الوارد.

و منه يظهر: المناقشة فيما أفاده شيخنا في «الكتاب»: من التّقييد بقول: (إن‏

131

لم نرجّح بالأصل) (1) و إن لم يكن هناك أصل على طبق أحدهما فيحكم بالتّخيير و الأخذ بمفادهما، كما لو علم بعدم الثّالث فهو تخيير عقليّ بين الاحتمالين من سنخ التّخيير في دوران الأمر بين الوجوب و التّحريم؛ فإنّ مسألتنا أعمّ من تلك المسألة من جهات و إن كانت تلك المسألة أعمّ من مسألتنا من جهة، فالنّتيجة إذن التّوقف البرزخ بين التّساقط عن رأس و بقول مطلق، و الحجيّة بالنّسبة إلى مورد التّعارض كما هو الثّابت على السّببيّة المحضة على ما عرفت شرح القول فيه، فالعمل بالتّساقط ساقط على كلّ وجه و قول.

فإن قلت: نفي الثّالث على ما ذكرت إنّما هو من باب اللّزوم و دلالة كلّ من المتعارضين على ما ينافيه و ليس مدلولا مستقلّا لهما يراعى مع انتفاء ما يلزمه، و من المعلوم ضرورة قضاء التّبعيّة و اللّزوم انتفاء اللّازم مع انتفاء الملزوم فلا مناص من القول بالتّساقط و الرّجوع إلى الأصل مطلقا، و لو كان هو التّخيير في المسألة الفرعيّة إذا فرض دوران الأمر بين المحذورين.

قلت: ما ذكر: من كون الدّلالة على نفي الثّالث بالدّلالة التّبعيّة و اللّزوم مسلّم لا شبهة فيه، إلّا أنّ الدّلالة التبعيّة تابعة للدّلالة الأصليّة بحسب الوجود لا بحسب الاعتبار، و الحكم من جهتها بثبوت المدلول. و من هنا يحكم بالمسألة الفرعيّة ممّا دلّ على المسألة الأصوليّة الاعتقاديّة أو اللّغويّة على القول بعدم حجيّة خبر الواحد فيهما.

و الحاصل: أنّ التّفكيك بحسب الاعتبار ممّا لا غبار فيه أصلا بعد فرض‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 38.

132

وجود الدّلالتين على ما أسمعناك مرارا في بحث حجيّة أخبار الآحاد، كما أنّه قد ينعكس الأمر و يؤخذ بالدّلالة الأصليّة و يطرح التّبعيّة كالخبر الحاكي عن المسألة الفرعيّة المتفرّعة على المسألة الكلاميّة مثل: ما دلّ على نجاسة المجسّمة (1).

فإن قلت: ما ذكر في المقام من التّفكيك في الاعتبار بين الدّلالتين ينافي ما تقرّر في باب الإجماع المركّب و التّواتر الإجمالي: من اعتبار كون نفي الثّالث، أو إثبات القدر المشترك مقصودا مستقلّا للمجمعين و المخبرين و عدم كفاية لزومهما للإفتاء بالخصوصيّات و الإخبار عنها على ما تقدّم تفصيل القول فيه في الجزء الأوّل من التّعليقة.

قلت: لا تنافي بين ما ذكرنا في المقام و ما ذكر هناك أصلا؛ ضرورة توقّف تحقّق الإجماع و التّواتر على وجود الفتوى و الخبر، و مجرّد اللّزوم لا يوجب تحقّقهما، و ليس ما ذكر في المقام مبنيّا على تعدّد الخبر بالنّسبة إلى الملزوم و اللّازم، بل على مجرّد الكشف و الطّريقيّة المطلقة بناء على ما أسمعناك في بحث حجيّة الأخبار، بل مطلق الطّرق الظّنية: من أنّ مقتضى دليل اعتبارها هو الأخذ بما لها من الكشف بقول مطلق و ترتيب جميع ما يترتّب من اللّوازم الشّرعيّة على تقدير العلم بثبوت مدلولها و لو بوسائط عديدة غير شرعيّة.

ثمّ إنّ هذا الّذي ذكرنا فيما لم يعلم بثبوت مدلول أحد المتعارضين، و إلّا فلا حاجة إلى الكلفة المذكورة في نفي الثّالث كما هو واضح.

____________

(1) انظر الأحاديث التالية في الباب 10 من أبواب حدّ المرتد من كتاب الحدود و التعزيرات من وسائل الشيعة ج 28/ 339- 348: (1 و 3 و 5 و 16 و 17 و 26 و 30).

133

ثمّ إنّه لو علم حال المتعارضين: من حيث الموضوعيّة و الطّريقيّة و بني على إحداهما كان الحكم على كلّ وجه ما بنى عليه شيخنا الأستاذ العلّامة (دام ظلّه) و بيّن حكمه، و لو جهل الحال من جهة الوجهين لم يكن إشكال في عدم التّساقط أيضا و بني من حيث الحكم على الطّريقيّة؛ لأنّ نفي الثّالث مدلول لهما على كلّ تقدير و رفع اليد عن الأصل المطابق لم يعلم جوازه للشّك في حجيّة المتعارضين بالنّسبة إلى مدلولهما من جهة عدم العلم بالسّببيّة، و مقتضى الأصل المقرّر في مطلق الشّك في الحجيّة الحكم بعدمها بالمعنى الّذي عرفته غير مرّة و ستعرفه أيضا، و كذا البناء على التّخيير العذري فيما لم يكن هناك أصل على طبق أحدهما لا يجوز رفع اليد عنه لما عرفت؛ فإنّه قسم من الأصل أيضا.

ثمّ إنّه (قدّس سرّه) بعد بيان لازم الوجهين بنى على الوجه الثّاني؛ نظرا إلى ظهور أدلّة حجيّة الأمارات سيّما الأخبار فيه، و ظهور ما ورد في علاج المتعارضين من الأخبار بالمرجّحات المذكورة سيّما على القول بالتّسرية و التّعدّي من المرجّحات المنصوصة كما هو المشهور و المختار على ما ستقف عليه، بل يمكن دعوى نصوصيّة أخبار العلاج في ذلك، مضافا إلى الإجماع المدّعى على وجوب الأخذ بأقرب الدّليلين و أقواهما و لا تعارض أخبار التّرجيح بأخبار التّخيير؛ من حيث إنّ مقتضاها لازم السّببيّة فيكشف عنها؛ إذ لو كان مبنى حجيّة الأخبار على الطّريقيّة لوجب الحكم في هذه الأخبار بالتّوقّف و الرّجوع إلى الأصل عند فقد المرجّح كما هو لازم الطّريقيّة.

أمّا أوّلا؛ فلأنّه على السّببيّة لا بدّ من أن يحكم بالتّخيير من أوّل الأمر؛ ضرورة منافات لزوم التّرجيح بها مع السّببيّة؛ إذ التّرجيح عليها لا يجوز إلّا

134

بالأهميّة على ما أسمعناك لا بالأقربيّة.

و أمّا ثانيا: فلاحتمال كون مبنى التّخيير في المقام على التّخيير العذري الّذي بنينا عليه على الطّريقيّة فلا يكشف عن السّببيّة.

فإن قلت: أخبار التّخيير ظاهرة في السّببيّة من وجهين:

أحدهما: أنّها ظاهرة في كون المأخوذ و المستند المختار من المتعارضين فينافي الطّريقيّة و التّخيير العذري الثّابت في الاحتمالين.

ثانيهما: أنّ مدلولها التّخيير على كلّ تقدير سواء كان هناك أصل على طبق أحدهما أولا، و هو ينافي الطّريقيّة أيضا؛ فإنّ الثّابت على الطّريقيّة على ما عرفت:

التّخيير عند عدم أصل على طبق أحدهما لا مطلقا.

فإن شئت قلت: إنّ العلاج بالتّخيير ظاهر في التّخيير بين الحجّتين لا الاحتمالين فيحمل العلاج بالتّرجيح الظّاهر في الطّريقيّة على كون الرّاجح أقوى مصلحة و آكدها في نظر الشارع فيكون أهمّ فينطبق على الموضوعيّة و السّببيّة.

قلت: لو أغمض عمّا ذكرنا: من كون ما دلّ على التّرجيح نصّا في الطّريقيّة سيّما بملاحظة التّعليل الوارد فيها لم يكن إشكال في كونه أظهر و أقوى دلالة على الطّريقيّة فلا بدّ من رفع اليد عن ظهور ما دلّ على التّخيير حملا للظّاهر على الأظهر، فلا بدّ من أن يلتزم بكون هذا التّخيير العذري مقدّما في نظر الشّارع على الأصل.

و إلى ما ذكرنا أشار (قدّس سرّه) بقوله: (ثمّ إنّ حكم الشّارع بالتّخيير في تلك‏

135

الأخبار ... إلى آخره) (1) فالمراد من تعليل عدم الدّلالة المستندة إلى التّوهم المذكور بقوله: (لقوّة احتمال كون التّخيير ... إلى آخره) (2) هي قوّته بملاحظة مجموع أخبار العلاج بعد العلاج بينها بما عرفت لا بملاحظة نفس أخبار التّخيير و إن كانت العبارة ربّما تأبى عن ذلك؛ لأنّ التّرقي بقوله: (بل الأخبار ... إلى آخره) (3) ربّما يشهد: بأنّ المراد الاستشهاد بنفس أخبار التّخيير فتدبّر. هذا ما يستفاد ممّا أفاده شيخنا العلّامة.

إحتمال السببيّة غير متطرّق في باب التعارض‏

لكنّك خبير بأنّ احتمال السّببيّة و إدراج المقام في باب التّزاحم غير متطرّق في باب التّعارض حتّى يقع البحث عن مقتضاه و يتمسّك لنفيه بظهور أدلّة حجيّة الأخبار أو أخبار التّرجيح حتّى يعارض بظهور أخبار التّخيير و يقع من جهة العلاج بينهما في حيص و بيص.

لأنّ السّببيّة المتوهّمة إن لوحظت بالنّسبة إلى الحكم الواقعي حتّى ينطبق على التّصويب الباطل عند الإماميّة كما ربّما يتوهّم من بعض كلمات شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) مثل قوله المتقدّم في مقام دفع توهّم دلالة حكم الشّارع بالتّخيير على السّببيّة لقوّة احتمال أن يكون التّخيير حكما ظاهريّا عمليّا في مورد التّوقّف لا حكما واقعيّا ناشئا عن تزاحم الواجبين.

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 40.

(2) المصدر السابق.

(3) نفس المصدر.

136

فيتوجّه عليه- مضافا إلى بطلان التّصويب عندنا-: بأنّه كيف يتصوّر التزاحم بين الخبر الدّال على وجوب شي‏ء و الخبر الدّالّ على حرمته مثلا مع امتناع اشتمال الشّي‏ء الواحد على جهتي الوجوب و الحرمة و اجتماع الحكمين مع تضادّهما و لو على القول بجواز اجتماع الأمر و النّهي؛ لانتفاء الحيثيّة التّقييديّة المجوّزة على القول بالجواز كما هو واضح. و قد عرفت: أنّ التّخيير بين المتزاحمين راجع إلى التّعيين حقيقة. فإن شئت قلت: إنّ عدم إمكان الاجتماع في مورد التّعارض ليس مستندا إلى قصور المكلّف، بل مستند إلى المتعارضين فلا معنى لإلحاق المقام بالمتزاحمين.

و إن لوحظت بالنّسبة إلى الحكم الظّاهري- كما هو مقتضى قوله (قدّس سرّه): (هذا كلّه على تقدير أن يكون العمل بالخبر من باب السّببيّة، بأن يكون قيام الخبر على وجوب شي‏ء واقعا، سببا شرعيّا لوجوبه ظاهرا على المكلّف ... إلى آخر ما أفاده) (1).

- فيتوجّه عليها: أنّ مرجع السّببيّة بهذا المعنى- كما ترى- إلى القول بحجيّة الأخبار من باب التّعبّد الشّرعي كالأصول العمليّة فيلحقها حكم الأصول، و من المعلوم الّذي قد سبق القول فيه منّا و من شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) في أجزاء «الكتاب» و أجزاء التّعليقة مرارا: أنّه لا مقتضي للسّببيّة بالمعنى المذكور مع العلم الإجمالي بالمخالفة للواقع لشي‏ء من المتعارضين، فلا معنى للتّخيير الّذي عرفته في المتزاحمين كما أنّه لا معنى للتّخيير بين الأصلين المتعارضين فيما يفرض‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 37.

137

تعارضهما على ما أسمعناك في تحقيق محلّ التّعارض.

فإن شئت قلت: إنّ كلّ حكم ثبت لموضوع سواء فرض واقعيّا أو ظاهريّا من لوازم الموضوع و مقتضياته في ظاهر القضيّة، و إنّما الكلام في تحقّق موضوع الدّليل و الأصل مع العلم بالخلاف فلا فرق بين السّببيّة و الطّريقيّة من هذه الجهة.

و هذا بخلاف التّزاحم في الواجبات الواقعيّة المستند إلى قصور المكلّف؛ فإنّه لا يفرض هناك تعارض بين الواجبين و علم بمخالفة أحدهما للواقع هذا بعض الكلام فيما يتوجّه على السّببيّة، مضافا إلى أنّ الالتزام بثبوت الحكمين و لو ظاهرا لشي‏ء واحد و لو من جهتين تقييديّتين فضلا عن تعليليّتين كما في المقام موجب لاجتماع الضّدين و هو محال، و لا ينافي ذلك ما عرفت: من جواز اجتماع النّقيضين بحسب الحكم الظّاهري فضلا عن الضّدين؛ لأنّ الاجتماع هناك بمعنى آخر و هو الحكم ببعض أحكام وجود الشّي‏ء في مرحلة الظّاهر و الحكم ببعض أحكام عدمه كذلك، و هذا هو المراد بالتّفكيك الّذي عرفته. و أين هذا من اجتماع الحكمين المبحوث عنه في المقام؟ كيف! و لو لا ذلك خرج الفرض عن التّعارض كما هو ظاهر.

و أمّا ما أفاده على الطّريقيّة الّتي بنى عليها وفاقا للمشهور في عنوان حجيّة الأخبار و غيرها من الأمارات، فيتوجّه عليه- بعد تسليم عدم انفكاك التّعارض عن العلم الإجمالي بمخالفة أحدهما للواقع و تسليم قدحه في الطّريقيّة و لو بمعنى الظّن النّوعي، و إلّا فقد يمنع عنه؛ لاحتمال صدق المتعارضين و صدورهما من الشّارع غاية ما هناك ثبوت العلم الإجمالي باختلال جهة من جهات أحد المتعارضين من الصّدور، أو وجهه، أو الدّلالة، اللّهمّ إلّا أن يقال بكفاية ذلك في‏

138

القدح أيضا؛ فإنّه من الشّبهة المحصورة مع الابتلاء بجميع أطرافها-: أن حكم الشّارع بالتّرجيح فضلا عن التّخيير ينافي ما ذكر من الطّريقيّة؛ فإنّ لازمها سقوط المتعارضين عن الحجيّة فلا يفرض ترجيح و لا تخيير بين الحجّتين كما هو ظاهر الأخبار، فلا بدّ من الالتزام بأحد شيئين على الطّريقيّة:

أحدهما: رجوع حكم الشّارع بالتّرجيح و التّخيير إلى حكمه الابتدائي التّأسيسي لحجيّة أحد المتعارضين تعيينا أو تخييرا مع سقوطهما عن الحجيّة بالنّظر إلى دليل الحجيّة؛ نظرا إلى عدم قابليّته لشمول مورد التّعارض، فحكم الشّارع بلزوم الأخذ بالرّاجح مثل حكمه بلزوم الأخذ بخبر العادل فلا يحتاج إلى جعل التّخيير حكما عذريّا كالتّخيير بين الاحتمالين حتّى يتوجّه إشكال رفع اليد عن الأصل المطابق لأحدهما على ما عرفت.

ثانيهما: منع بطلان الطّريقيّة النّوعيّة في مورد التّعارض و كون تعيين الأخذ بالرّاجح من جهة قوّة مناط الحجيّة فيه بعد عدم إمكان الأخذ بهما؛ لمكان التّعارض فيكون التّخيير إذن على طبق القاعدة كما في المتزاحمين.

و الوجه الأوّل و إن كان خلاف ظاهر أخبار العلاج، إلّا أنّه لا مناص عنه بعد بطلان الوجه الثّاني، و يظهر الثّمرة بين الوجهين في تعارض غير الأخبار كما ستعرفه.

139

الفرق بين التزاحم و التعارض‏

و حاصل ما ذكرنا: أنّ باب التّزاحم يغاير باب التّعارض و لا دخل لأحدهما بالآخر أصلا.

فإنّ الأوّل: إنّما يتحقّق و يفرض بعد الفراغ عن ثبوت حكمين لموضوعين، و لو بالضّرورة من الدّين بحيث لا إشكال في أصل ثبوتهما، ثمّ اتفق ابتلاء المكلّف بهما و صيرورتهما واقعة له بحيث لا يقدر على الجمع بينهما و امتثالهما بجهة من الجهات فيحكم في حقّ المكلّف بالتّعيين أو التّخيير كلّ في مورد على ما عرفت، و هو قد يكون في الواجبات، و قد يكون في المحرّمات، و قد يكون في المختلفات، و المثال لكلّ واحد كثير.

و الثّاني: إنّما يفرض فيما ورد هناك دليلان مختلفي المفاد على ثبوت الحكم لموضوع واحد بحيث لا يمكن ثبوت مقتضاهما من جهة التّنافي و التّعارض و عدم إمكان قيام مدلولهما بالموضوع من غير مدخليّة لعجز المكلّف و قصوره، و لأجل ذلك أبطلوا القول بالتّصويب بوقوع التّعارض بين الأمارات و الأدلّة؛ فإنّ مبناه على عدم تصوّر التّزاحم بين المتعارضين، و إلّا كان ما ذكروه في غير محلّه كما لا يخفى هذا. و قد أشرنا في مطاوي ما ذكرنا إلى تحقيق ذلك.

فالكلام في باب التّعارض: إنّما هو في أصل ثبوت أحد الحكمين بعد الفراغ عن عدم إمكان ثبوتهما و شتّان بينهما فكيف يمكن اندراج أحدهما في الآخر و اقتباس حكمه منه و الحال هذه؟ و لا يختلف الحكم المذكور كما هو ظاهر من‏

140

جهة الأقوال في وجه حجيّة الأخبار، بل يجري على القول بالتّصويب أيضا.

و من هنا ذكرنا في مسألة اجتماع الأمر و النّهي- في قبال من أدرج المسألة في باب التّعارض مع قوله بجواز الاجتماع كالمحقّق القمّي (قدّس سرّه) قائلا: بأنّه على تقدير تسليم المنع لا نسلّم تعيين التّصرّف في ظهور الأمر لم لا يتصرّف في ظهور النّهي-: بأنّ المسألة لا تعلّق لها بمسألة التّعارض؛ إذ لا شكّ في حرمة الغصب و وجوب الصّلاة و على تقدير التّسليم يتعيّن التّصرّف في الأمر؛ فإنّ الوجوب التّخييري لا يقاوم الحرمة التّعيينيّة الّتي هي مفاد النّهي من حيث إنّ دلالة الأمر بالإطلاق و دلالة النّهي بالعموم فهو أظهر.

نقل كلام المحقّق الرشتي و مناقشته‏

ثمّ إنّ لبعض فضلاء معاصرينا كلاما متعلّقا بالمقام فيما أملاه في المسألة في تعارض الأصلين لا بأس بالإشارة إليه و إلى ما فيه قال (عليهم السّلام)- بعد جملة كلام له في الفرق بين الأدلّة و الأصول و أنّ مقتضى الأصل في الأوّل التّوقّف و في الثّاني التّساقط- ما هذا لفظه:

«فإن قلت: إذا ثبت التّوقف و التّخيير على الطّريقيّة و السّببيّة فهذا يقتضي البناء على التّخيير في الأصلين المتعارضين؛ لأنّ الأصل ليس طريقا إلى الواقع و مرآة له، بل مرجعه إلى الحكم التّعبدي الثابت للشّاك من حيث كونه شاكّا فينبغي أن يكون حالها كحال الأسباب و الواجبات النّفسيّة في الحكم بالتّخيير.

قلت:

أوّلا: لقائل أن يقول بأنّ الأصول أيضا معتبرة من حيث كونها طرقا إلى‏

141

الواقع بناء على علم الشّارع بمطابقة الأصل المبني عليه العمل للواقع غالبا، كعلمه بغلبة مطابقة الظّنون النّوعيّة للواقع فيأتي هنا ما ذكرنا هناك.

و ثانيا: أنّ العبرة في الحكم بالتّخيير- بعد البناء على خروج المتعارضين عن تحت الدّليل مطلقا في الأسباب و الطّرق حسبما بيّناه- باستقلال العقل، أو قيام الإجماع على وجود مقتضي الامتثال في كلّ منهما بحيث لو تمكّن المكلّف منه لوجب، و العقل إنّما يستقلّ بذلك في الأسباب و الأحكام الواقعيّة النّفسيّة، و أمّا ما عداها من الأحكام الظّاهريّة العذريّة فلا استقلال فيها بوجود المقتضي عند التّعارض، و ما قام الإجماع أيضا على ذلك، فإذا لم يحكم العقل بوجود المقتضي في كلّ منهما و المفروض عدم شمول الخطاب لهما معا للتّنافي و التّعارض، فالمرجع هو الأصل القاضي بعدم الاعتبار سواء كان ذلك الحكم الظّاهري من الطّرق أو الأصول‏ (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و أنت خبير بتطرّق المناقشة إلى ما ذكره؛ فإنّ ما ذكره أوّلا في الجواب عن السّؤال يتوجّه عليه:

أوّلا: بأنّه ينافي عنوان الأصل المقابل للدّليل و خروج عن الفرض؛ ضرورة أنّ الأصل الملحوظ في اعتباره في نظر الشّارع غلبة مطابقته للواقع يكون من الأدلّة على ما عرفت مرارا و اعترف به الفاضل المعاصر أيضا في مواضع من كلماته، و من هنا ذكرنا: أنّ عدّ الاستصحاب من الأصول إنّما هو على القول به من باب التّعبّد لا الظّن، و إلّا خرج عن الأصول و لو على القول بإناطته بالظّن النّوعي.

____________

(1) بدايع الأفكار: 421.

142

نعم، مجرّد إفادة الظّن من دون ملاحظة الشّارع له لا يوجب الخروج عن عنوان الأصل على ما عرفت شرح القول فيه في الجزء الثّالث من التّعليقة و صرّح به شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) في مواضع من «الكتاب».

و ثانيا: بعدم إمكان ما ذكره بالنّسبة إلى بعض الأصول كأصالة التّخيير عند دوران الأمر بين المحذورين.

و ثالثا: بمنافاته للواقع على تقدير الإمكان؛ فإنّ بعض الأصول يعلم بمخالفته للواقع كثيرا كأصالة الطّهارة في الشّبهات الموضوعيّة، و كذا أصالة الحليّة و نحوهما، إلّا أن يقال: بأنّ المفروض في كلامه خصوص الأصول الحكميّة فتأمّل.

هذا بعض الكلام فيما ذكره أوّلا.

و أمّا ما ذكره ثانيا فيتوجّه عليه:

بأنّ الفرق بين تعارض الأصول و الأدلّة و إن كان ثابتا عندنا- بما عرفت شرح القول فيه في أوّل التّعليقة و أنّ مقتضى القاعدة في تعارض الأدلّة التّوقف، و في تعارض الأصول لو اتّفق التّساقط؛ نظرا إلى عدم دلالة التزاميّة معتبرة للأصل، و أنّ باب التّعارض لا يجامع باب التّزاحم- إلّا أنّ الوجه في التّخيير في التّزاحم فيما يفرض ليس مجرّد إحراز المصلحة لكلّ من المتزاحمين، و حكم العقل بوجوب الامتثال إحراز للمصلحة المقتضية للتّكليف، مع انتفاء التّكليف بل شمول الخطاب و التّكليف لهما على نحو شموله لصورة عدم التّزاحم بحسب الحقيقة، و إن عبّر عن صورة التّزاحم بالتّخيير- حسبما عرفت شرح القول فيه- كما يعبّر عن الواجب المشروط بالمطلق عند وجود الشّرط مع عدم إمكان اختلاف الحقيقة، و عن الواجب المخيّر بالمعيّن عند تعذّر أحد الفردين مع عدم‏

143

اختلاف الحقيقة على ما عرفت سابقا.

ثمّ إنّ مقتضى كلمات شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) و إن كان ظاهرا في ابتداء النّظر في كون التّخيير عنده في المتزاحمين في حكم العقل بوجوب الامتثال، إلّا أنّ المستفاد منه بعد التّأمّل و تعميق النّظر سيّما بملاحظة كلماته الأخر ما عرفت شرح القول فيه. هذا بعض الكلام فيما يقتضيه الأصل الأوّلي في تعارض الدّليلين من غير فرق بين الأخبار و غيرها كعدم الفرق بين وجود مزيّة لأحد المتعارضين على صاحبه و عدمه، و مرجعه إلى التّساقط في الجملة و الأخذ بهما كذلك.

***

144

* المقام الثاني مقتضى الدليل الوارد

و أمّا الكلام فيما يقتضيه الدّليل الوارد و هو المقام الثّاني، فيقع أوّلا: في تعادل المتعارضين من الأخبار، ثمّ يتبعه الكلام في تعادل المتعارضين من سائر الأمارات، أو منها و من غيرها.

فنقول: المشهور فتوى و عملا هو التّخيير بين المتعارضين بحسب الدّليل الوارد و لو فيما أمكن التّوقّف و الاحتياط، أو كان أحدهما موافقا للاحتياط، بل في «المعالم»: أنّه لا يعلم خلاف فيه كما صرّح به بعض و هو المشهور بين أهل الخلاف أيضا (1)، فلعلّ المراد من نفي الخلاف نفيه بين المجتهدين، فما عن «المنية»: من نسبة القول بالتّخيير إلى الجبّائيّين خاصّة كما ترى.

و عن الأخباريّين كما في «المفاتيح» و غيره التّوقف‏ (2).

و عن الأسترآبادي: التّفصيل بين حقّ اللّه فالتّخيير و حقّ النّاس فالتّوقّف‏ (3)، و نسبه إلى الشّيخ في «الوسائل» أيضا.

و عن الشّيخ ابن أبي جمهور: التّفصيل بين ما لا بدّ فيه من العمل فالتّخيير، و بين غيره فالتّوقف‏ (4). و عن بعض التّفصيل بين المحذورين فالتّخيير، و بين غيره‏

____________

(1) معالم الدين و ملاذ المجتهدين: 250.

(2) مفاتيح الأصول: 683.

(3) الفوائد المدنيّة: 390.

(4) غوالي اللئالي: ج 4/ 137.

145

فالتّوقف. و هو راجع كما ترى إلى القول بالتّوقف مطلقا؛ فإنّ القائل به لا يقول به إلّا فيما أمكن الاحتياط؛ فإنّه راجع إلى الاحتياط حقيقة، اللّهمّ إلّا أن يكون المراد منه التّوقّف في الفتوى كما قيل. و عليه: لا بدّ من أن يجعل القول بالاحتياط قولا آخر في المسألة.

ثمّ إنّ جريان الأقوال المذكورة على القول بالظّن الخاصّ ممّا لا شبهة فيه، و أمّا على القول بالظّن المطلق فقد صرّح بجريانها على هذا القول في «القوانين» و «الفصول» و هو كما ترى، في كمال الوجاهة في ظاهر النّظر على القول بحجيّة الظّن بالطّريق و إن قيل بحجّيّته في الفروع أيضا.

نعم، على القول بالتّخصيص بالفروع مع كون النّتيجة الظّن الشّخصي لا يجري الأقوال المذكورة؛ لأنّ التّخيير بين المتعارضين فرع التّعارض و حجيّة المتعارضين و هو غير معقول على هذا القول على ما عرفت توضيحه في أوّل التّعليقة.

و قال الفاضل المعاصر- بعد الحكم بابتناء الأقوال على الظّن الخاصّ و نفي الوجه لما ذكره في «القوانين» و «الفصول» من حيث ارتفاع الظّن منهما بالتّعارض، فيتعيّن الرّجوع إلى الأصل في المسألة- ما هذا لفظه:

«نعم، بناء على مذاق صاحب «القوانين» (قدّس سرّه): من عدم وجوب الاحتياط عند العلم الإجمالي بالتّكليف و إعمال الأصل إلى أن يلزم المخالفة القطعيّة يتّجه القول بالتّخيير؛ لأنّ المتعارضين يفيدان الظّن بنفي الثّالث فيجب العمل به و البناء عليه عملا بالظّن المطلق، و لكن الظّن لا يزيد على العلم في مقتضاه، فكما لا يجب الاحتياط مع العلم بل له التّخيير في اختيار أحدهما، فكذلك مع الظّن. و هذا مع‏

146

كون كلّ منهما مخالفا للأصل و لو كان أحدهما موافقا للأصل فالتّخيير أوضح، فينتفي المؤاخذة على الآخر حيث نقول بوجوب الاحتياط، فكيف يقول قضيّة دليل الانسداد التّخيير حتّى جعله مؤيّدا لما استدلّ به عليه من الأخبار (1)»؟ انتهى كلامه رفع مقامه.

و هو كما ترى؛ حيث إنّ نفي الثّالث بالظّن حتّى في مخالفي الأصل لا يوجب التّخيير بين الخبرين بمعنى البناء على حجيّة المتعارضين تخييرا فضلا عمّا وافق أحدهما الأصل الّذي جعل التّخيير فيه أولا؛ لأنّ عدم وجوب الاحتياط لا يقتضي التّخيير بين الخبرين بالمعنى المبحوث عنه.

نعم، لو كان المراد من التّخيير مجرّد البناء على مفاد أحد الخبرين من دون استناد إليه استقام الحكم بالتّخيير في مخالفي الأصل خاصّة، لكنّه خلاف مفاد الأخبار و الأقوال، هذا ما يقتضيه النّظر الجليّ.

و الّذي يقتضيه النّظر الدّقيق على تقدير الاستناد في التّخيير إلى الأخبار تطرّق المناقشة إلى ما ذكرنا: من التّعميم في الجملة على القول بالظّن المطلق؛ لأنّ مفاد أخبار العلاج ترجيحا و تخييرا إثبات الحكم لخصوص الأخبار من حيث كونها حجّة في نظر الشّارع، و من هنا جعلت دليلا على حجيّة الأخبار من حيث الخصوص.

نعم، على القول بعدم حجيّة أخبار العلاج من حيث الخصوص و ابتناء

____________

(1) بدايع الأفكار: 422.

147

حجيّتها على الظّن المطلق استقام الحكم بالتّخيير كالتّرجيح لأجلها بناء على تعميم نتيجة دليل الانسداد للمسألة الأصوليّة، فيصير حال أخبار العلاج حينئذ حال المتعارضين، بل الاستناد إليها لا معنى له إلّا على هذا القول كما لا يخفى.

ثمّ إنّ العمدة في وجوه الأقوال و مستندها- غير القول بالتّساقط المحكي عن غير واحد مستندا إلى ما عرفت: من الأصل؛ لعدم شمول دليل الحجيّة للمتعارضين- الأخبار الواردة في العلاج، أو مطلقا. فنذكر أوّلا: ما يدلّ على التّخيير ثمّ نشير إلى مدرك سائر الأقوال.

مدرك التخيير من الأخبار

فنقول: إنّ ما دلّ على التّخيير على ضربين:

أحدهما: ما دلّ عليه بعنوان الإطلاق مثل ما في رواية الحسن بن الجهم عن الرّضا (عليه السّلام) فقلت: (يجيئنا الرّجلان و كلاهما ثقة بحديثين منافيين فلا نعلم أيّهما الحقّ؟ فقال (عليه السّلام): إذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت) (1).

و مثل ما عن «الكافي» في الموثق عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: (سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في خبر أمر كلاهما يرويه: أحدهما يأمره و الآخر ينهاه، كيف يصنع؟ قال: يرجئه حتّى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتّى‏

____________

(1) الاحتجاج: ج 2/ 108 عنه الوسائل: ج 27/ 121 باب «وجوه الجمع بين الاحاديث المختلفة و كيفية العمل بها»- ح 40.

148

يلقاه. ثمّ قال فيه: و في رواية: بأيّهما أخذت من باب التّسليم وسعك) (1).

و مثل ما في «الإحتجاج» في مكاتبة الحميري المعروفة إلى صاحب الزّمان «(عجّل اللّه فرجه)» بعد ذكر السّؤال عن التّكبير بعد القيام عن التّشهّد الأوّل، و اختلاف الأصحاب في ذلك: (الجواب في ذلك حديثان: أمّا أحدهما: فإنّه إذا انتقل من حالة إلى أخرى فعليه التّكبير، و أمّا الحديث الآخر: فإنّه روي إذا رفع رأسه من السّجدة الثّانية و كبّر ثمّ جلس فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير، و التّشهّد الأوّل يجري هذا المجرى، و بأيّهما أخذت من باب التّسليم كان صوابا) (2).

و قد تقدّم في الجزء الثّاني من التّعليقة ما يتوجّه عليه من الإشكال و دفعه فراجع إلى غير ذلك.

ثانيهما: ما دلّ عليه بعنوان التّقييد مثل ما في ذيل مرفوعة زرارة (3) و سيمرّ عليك في باب التّرجيح؛ فإنّه خصّ التّخيير بما لا يكون أحدهما موافقا للاحتياط.

و مثل ما في «الإحتجاج» عن الصّادق (عليه السّلام) قال: (إذا سمعت من أصحابك‏

____________

(1) الكافي الشريف: ج 1/ 66 باب «اختلاف الحديث»- ح 7، عنه الوسائل: ج 27/ 108 باب «وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة و كيفيّة العمل بها»- ح 5.

(2) الاحتجاج: ج 2/ 304، عنه الوسائل: ج 6/ 362 باب «انه يستحب ان يقال عند القيام من السجود و من التشهد»- ح 8.

(3) غوالي اللئالي: ج 4/ 133- ح 229، عنه المستدرك: ج 17/ 303 الباب «9 من أبواب صفات القاضي»- ح 2.

149

الحديث و كلّهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم فرد إليه) (1) فإنّه خصّ التّخيير بزمان عدم لقاء القائم (عجّل اللّه فرجه) و هو زمان غيبته كما هو الظّاهر، أو مطلق الإمام (عليه السّلام) على أضعف الوجهين و الاحتمالين؛ لأنّ جميع الأئمّة (عليهم السّلام) قائمون بالحقّ.

و مثل ما في «العيون» عن الرّضا (عليه السّلام) أنّه قال (عليه السّلام) في حديث طويل: (فما ورد عليكم من حديثين مختلفين فأعرضوهما على كتاب اللّه فما كان في كتاب اللّه موجودا حلالا أو حراما فاتّبعوا ما وافق الكتاب و ما لم يكن في الكتاب فأعرضوهما على بيان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فما كان في السّنة موجودا منهيّا عنه نهي حرام، أو مأمورا به عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أمر إلزام فاتّبعوا ما وافق نهي النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أمره و ما كان في السّنة نهي إعافة و كراهة و كان الخبر الآخر خلافه فذلك رخصة فيما عافه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و كرهه و لم يحرمه فذلك الّذي يسع الأخذ بهما جميعا، أو بأيّهما شئت وسعك الاختيار من باب التّسليم و الإتّباع و الرّد إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الحديث.

هذا ما وقفت عليه من الأخبار الدّالّة على التّخيير و مقتضى العلاج بعد حمل الطّائفتين على صورة فقد المرجّحات المنصوصة الخاصّة أو مطلق التّرجيح- على ما ستقف عليه من القولين- إمّا بالتّخصيص أو التّقييد أو بحملهما على فرض الرّاوي تعادل الخبرين على الوجهين اللّذين ستقف عليهما، و إن كان الوجه‏

____________

(1) الاحتجاج: ج 2/ 109- ح 41، عنه الوسائل: ج 27/ 122 باب «وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة»- ح 41.

150

الثّاني؛ نظرا إلى ورودهما في مقام العمل هذا.

مضافا إلى التّنصيص في بعضها بتأخّر مرتبة التّخيير عن التّرجيح و إن أمكن حمل الطّائفة الأولى على الثّانية في بادي‏ء النّظر، فيؤخذ بمجمع القيود فيحمل جميعها عليه، إلّا أنّ المتعيّن بعد التّأمّل إبقاء المطلقات على حالها؛ فإنّ المرفوعة مضافا إلى ضعفها معارضة بالنّصوصيّة و التّباين لرواية الحميري؛ لورودها مورد موافقة أحد الخبرين للاحتياط، فلا بدّ من حمل الأمر في المرفوعة على الاستحباب و إن كان خلاف الظّاهر لفظا و سياقا؛ لما عرفت: من ورود المكاتبة في مورد موافقة أحد الخبرين للاحتياط.

و رواية «الإحتجاج» ظاهرة بعد التّأمّل فيما لا ينافي الأخبار المطلقة؛ فإنّها ظاهرة في أنّ الحكم في زمان الفرج الأعظم على نسق آخر؛ من حيث ارتفاع الحكم الظّاهري المبنيّ على التّحيّر، و من هنا ورد: أنّه (عليه السّلام) يحكم بالواقع و ببطون القرآن، فحال التّخيير حال التّرجيح من حيث الاختصاص بزمان النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الأئمّة (عليهم السّلام) و غيبة الحجّة (عجل اللّه فرجه) و هذا المقدار من التّقييد ممّا لا بدّ منه بالنّظر إلى الأخبار الكثيرة الواردة في هذا الباب و التّعبير بالقائم لا يخلو عن إشارة إلى هذا المعنى.

و جعل المراد الاحتمال الثّاني ينافيه أخبار العلاج ترجيحا و تخييرا؛ إذ حملها على صورة عدم التّمكّن من الوصول إلى خدمتهم (صلوات اللّه عليهم) كما ترى، بل بعضها بل كلّها ورد في زمان التّمكن من الوصول.

نعم، التّحديد بعدم وضوح الحقّ و العلم به ممّا لا بدّ منه؛ فإنّه قيد لجميع الأحكام الظّاهريّة من غير فرق بين مفاد الأصول و الأدلّة الظّنّية و عليه يحمل ما

151

في «الكافي» و رواية «العيون» ممّا لم يلتزم به أحد، فتعيّن الأخذ بالمطلقات.

و لا يقاومها ما دلّ على التّوقّف و الإرجاء و الاحتياط؛ فإنّ ما ورد منه في مطلق الشّبهة قد عرفت حاله في الجزء الثّاني من التّعليقة، مضافا إلى أخصيّة أخبار التّخيير، بل حكومتها عليه إن لم نقل بورودها عليه من حيث اختصاصه بمورد الشّبهة و عدم وجود الدّليل الزّائل حكما أو حقيقة بأخبار التّخيير الدّالة على حجيّة أحد المتعارضين كأخبار التّرجيح من غير فرق بينهما.

و ما ورد في المتعارضين كالمقبولة و نحوها فلا مناص من حمل الطّلب فيه على ما يحمل عليه الأخبار العامّة؛ فإنّه و إن كان مختصّا بصورة التّمكّن من إزالة الشّبهة و أخبار التّخيير أعمّ منها، إلّا أنّ تخصيصها بصورة عدم التّمكّن و اليأس عن الوصول ممّا لا يتحمّله لورودها في حقّ المتمكّنين، فهذا التّخصيص أشبه شي‏ء بإخراج المورد عن العموم فهذا الحمل و إن كان خلاف الظاهر لفظا و سياقا أيضا من حيث ورود الأمر بالتّوقّف فيه مساق الأمر بالتّرجيح المحمول على الوجوب عند المشهور، إلّا أنّه متعيّن بالملاحظة المذكورة و إليه يرجع ما عن المجلسي (رحمه اللّه):

من حمل أخبار التّوقّف على الاستحباب و أخبار التّخيير على الجواز.

ثمّ إنّ هنا جمعين آخرين:

أحدهما: ما في «الكتاب» و غيره من كتب المتأخّرين من حمل أخبار التّخيير على صورة عدم التّمكن من إزالة الشّبهة؛ نظرا إلى اختصاص المقبولة و غيرها بصورة التّمكن. و قد عرفت ضعفه، و أنّ هذا الجمع ممّا لا يتحمّله أخبار التّخيير.

ثانيهما: ما ذكره غير واحد أيضا: من حمل التّوقّف فيها على التّوقّف من حيث الإفتاء بالحكم الواقعي لا التّوقّف من حيث الحكم الظّاهري و العمل بأحد

152

الخبرين في مقام الحيرة و الجهالة.

و يتوجّه عليه: أنّ المقبولة و أشباهها نصّ في ترك العمل بالخبرين من حيث عدم وجود التّرجيح لأحدهما، فالمراد من المقبولة و نحوها اختصاص الحجيّة و العمل بصورة وجود المرجّح هذا. مع أنّ العامل بأحد الخبرين يفتي بمضمونه كالعامل بأحدهما من جهة التّرجيح من غير فرق بينهما؛ إذ ليس التّخيير في المسألة الأصوليّة كالتّخيير في المسألة الفرعيّة و سائر الأصول.

و بالجملة: هذا الجمع أيضا لا يساعده الأخبار، مضافا إلى ما عرفت في الجزء الثّاني من التّعليقة: من أنّ لازم التّوقف الاحتياط بحسب العمل فيما أمكن.

نعم، ظاهر المقبولة و نحوها ترك العمل بالخبرين و الإرجاء إلى السؤال، لكنّه محمول على ما عرفت من رجحان ذلك لا لزومه.

ثمّ إنّ هنا جمعا رابعا و هو: حمل أخبار التّخيير على ما لا يمكن فيه الاحتياط كدوران الأمر بين المحذورين، و ما دلّ على التّوقّف على صورة إمكان الاحتياط من حيث كونه نصّا فيها ذكره غير واحد. و هو ضعيف؛ لورود بعض أخبار التّخيير فيما أمكن فيه الاحتياط، كضعف حمل أخبار التّوقّف على حقوق النّاس و أخبار التّخيير على حقوق اللّه كما عن الأسترآبادي في «الفوائد المدنيّة» (1) و غيره؛ من جهة توهّم ورود المقبولة في حقوق النّاس أو حملها على ما لا يضطرّ إلى العمل، و حمل أخبار التّخيير على ما يضطرّ إلى العمل كما عن ابن‏

____________

(1) الفوائد المدنيّة: (الفائدة الرابعة من الفصل التاسع)- 390