بحر الفوائد في شرح الفرائد - ج8

- الشيخ محمد حسن الآشتياني المزيد...
820 /
153

أبي جمهور (1)؛ لإباء الأخبار عن الجمعين، مضافا إلى منافاة الأخير لمورد بعض أخبار التّخيير.

فتبيّن ممّا ذكرنا كلّه: ما ينبغي سلوكه في الجمع بين الأخبار الواردة في الباب، و عدم صلاحيّة أخبار التّوقّف لمعارضة أخبار التّخيير، كما أنّه تبيّن منه:

وجوه سائر الأقوال في المسألة؛ فإنّها مبنيّة على وجوه الجمع بينها بما عرفت الإشارة إليها فلا حاجة إلى ذكر كلّ واحد و ردّه.

و في «الفصول» بعد اختيار أحد الوجهين الأوّلين المزيّفين عندنا في الجمع بين الأخبار رجّح أخبار التّخيير على تقدير التّكافؤ بالشّهرة من جهة أخبار العلاج حيث قال:

«و لو سلّم تكافئهما من حيث الدّلالة فلا ريب أنّ أخبار التّخيير معتضدة بالشّهرة فيتعيّن بالتّرجيح كما نطقت به الأخبار المذكورة، مضافا إلى قضاء قاعدة انسداد باب العلم بذلك» (2). انتهى كلامه رفع مقامه.

و فيه ما سيجي‏ء: من الكلام في جواز علاج تعارض أخبار العلاج بأنفسها فيما لم يرجع إلى التّرجيح من حيث الدّلالة. مضافا إلى ما سيجي‏ء: من كون المراد من الشّهرة في الأخبار الشّهرة من حيث الرّواية لا الفتوى، و أمّا التّمسك بقاعدة الانسداد في المقام فسيجي‏ء الكلام فيه أيضا هذا بعض الكلام فيما يقتضيه الدّليل في تعادل الخبرين.

____________

(1) غوالي اللالي: ج 4/ 136، و انظر القوانين: ج 1/ 304.

(2) الفصول الغروية: 446.

154

حكم تعادل الخبرين من الأمارات‏

و أمّا تعادل غيرهما سواء كانا قطعيّين من حيث الصّدور بحيث ينحصر التّصرّف في دلالتهما و ظنّيين أو مختلفين أو كان أحدهما خبرا و الآخر غيره فحاصل القول فيه: أنّ حكمه بحسب الأصل الأوّلي حكم تعادل الخبرين.

و أمّا حكمه بحسب الدّليل الوارد فقد اختلفت فيه كلماتهم، فعن غير واحد موافقة شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) في الحكم بمخالفته له و عدم ثبوت التّخيير فيه. و عن جماعة منهم: ثاني الشّهيدين (قدّس سرّه) و صاحب «الوافية» موافقته له فحكم تعارض غير الأخبار ترجيحا و تخييرا حكم تعارض الأخبار عندهم سيّما في تعارض إجماعي المنقول؛ فإنّه ملحق عند القائلين بحجيّته من حيث الخصوص بنقل الخبر في حكم التّعارض كما هو المصرّح به في كلماتهم على ما أسمعناك في محلّه.

و الحقّ ما اختاره شيخنا: من عدم إلحاق تعادل غير الأخبار بتعادلها حتّى في تعادل إجماعي المنقول، بل تعادل نقل الخبر و الإجماع، فضلا عن تعادل سائر الأمارات؛ ضرورة كون الموضوع في الأسئلة و الأجوبة فيما دلّ على التّخيير تعارض الرّوايات و الأحاديث و الأخبار الحسّيّة المرويّة عنهم في بيان الأحكام و لا عموم لها لفظا لغيره جزما.

و تنقيح المناط على وجه القطع بدعوى: كون الموضوع حقيقة تعارض الحجّتين و لو كان من مقولة الظّواهر، أو تعارض النّقلين و إن لم يصدق عليهما أو على أحدهما الحديث و الرّواية مع صدق مطلق النّبأ و الخبر كما في نقل الإجماع‏

155

سيّما على طريقة الدّخول فممنوع، و على وجه الظّن قياس لا نقول به.

و منه يظهر فساد توهّم: شمول الأخبار لتعارض نقلي الإجماع: من كون الموضوع فيها تعارض الأخبار، و صدق النّبأ و الخبر على نقل الإجماع يقينيّ فيشمله الأخبار؛ فإنّ مجرّد صدق الخبر لا يجدي مع كون الموضوع الخبر الخاصّ المعهود عند الرّواة.

فقد تبيّن ممّا ذكرنا: أنّ ما تسالم عليه القائلون بحجّيّة نقل الإجماع: من لحوق تمام أحكام الخبر له من حيث كونه من أفراده لا وجه له.

و أشكل من ذلك كلّه إلحاق القطعيّين من حيث الصّدور و لو كانا من الأخبار؛ لأنّ مصبّ العلاج بالتّخيير و مفاده هو الحكم بصدور أحد المتعارضين دون الآخر تخييرا، و هذا المعنى كيف يتصوّر في القطعيّين؟ فإذا حكم من جهة التّعارض بإجمال الآيتين أو السّنّتين من جهة العلم الإجمالي بإرادة خلاف الظّاهر من أحدهما فكيف يحكم بحجيّة أحدهما مخيّرا؟

بل التّحقيق على ما عرفت الإشارة إليه و ستعرفه: عدم شمول أخبار العلاج للقطعيّين من الأخبار فضلا عن غيرها، و إن تصوّر التّرجيح من غير جهة الصّدور في القطعيّين في الجملة؛ لأنّ مصبّ أخبار العلاج في تعارض الأخبار الظّنيّة فلا يشمل غير الظّنيّة كما لا يشمل تعارض غير الأخبار.

نعم، لو كان هناك دليل على التّرجيح في غيرها يحكم به كالإجماع المدّعى في كلام جماعة على وجوب الأخذ بأقوى الدّليلين و غيره ممّا ستقف عليه.

هذا بعض الكلام في تعادل غير الأخبار من الأدلّة و الأمارات القائمة على الحكم الشّرعي بالمعنى الأعمّ من الماهيّات الشّرعيّة.

156

و أمّا تعادل الأمارات القائمة على الموضوعات- سواء كانت من مقولة الخبر أو غيره- فإن قامت على الموضوعات اللّغوية كتعادل قولي اللّغوي فيما فرض اعتبارهما و تعارضهما، و إلّا فأكثر موارد الاختلاف لا يرجع إلى التّعارض حقيقة بعد ثبوت الاشتراك في اللّغة و وقوعه؛ لأنّه إمّا من قبيل الإثبات و النّفي الرّاجع إلى لا ندري، أو من قبيل الإثباتيّين الرّاجعين إلى الاشتراك و عدم التّعارض حقيقة كالإثبات و النّفي، فلا يحكم بالتّخيير فيه؛ لما عرفت: من خروجه عن مورد أخبار التّخيير. و دعوى التّنقيح فيه أوهن و إن قيل بثبوت التّخيير فيه أيضا.

و إن قامت على الموضوعات الرّجاليّة فيما لو فرض تعارضها، و إلّا فيخرج عن موضوع البحث كما في أكثر موارد الاختلاف في الجرح و التّعديل الرّاجع إلى أدري و لا أدري، فلا يحكم بالتّخيير فيه أيضا؛ لما عرفت و إن كان لها تعلّق بالحكم الشّرعي: من حيث كونها في طريقه كسابقتها. و من هنا نفى شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) التّخيير في المسألتين بقوله: (ثمّ إنّ التّعادل في الأمارات المنصوبة في غير الأحكام ... إلى آخر ما أفاده) (1).

و إن قامت على الموضوعات الخارجيّة الصّرفة كالقبلة، و الوقت، و الهلال، و نحوها فيما تعارضت حقيقة فأولى بعدم الإلحاق، و لم يعهد من القائلين بإلحاق مطلق الأمارات الحكميّة بالأخبار بإلحاق الأمارات الموضوعيّة بها حتّى فيما لو كانت من قبيل الخبر و الشّهادة، هذا كلّه في حقّ المجتهد أو الأعمّ منه و من العامي في الموضوعات الصّرفة من جهة اعتبار الأمارات و الأصول فيها للعامي أيضا.

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 44.

157

و أمّا تعادل المفتيين المختلفين في المسألة فلا إشكال في انعقاد الإجماع على تخيير العامي في الرّجوع إليهما و إن لم يدلّ عليه أخبار الباب.

و أمّا إذا تعادل النّاقلان عن مجتهد فيما إذا رجع اختلافهما إلى التّعارض، و إلّا فقد لا يكون بينهما تعارض من حيث جعل أحدهما رجوعا كاختلاف الفتوى فهل يحكم بالتّخيير أم لا؟ وجهان، أوجههما: الثّاني؛ لعدم الدّليل بعد كون التّخيير الرّاجع إلى حجّيّة أحد المتعارضين على خلاف الأصل.

و قد يوجّه الأوّل: بعموم المنزلة في دليل النّيابة؛ فإنّه كما يحكم بالتّخيير فيما تعادل النّقل المختلف عن المنوب عنه، كذلك يحكم به فيما تعادل النّقلان المختلفان عن النّائب، ذكره بعض أفاضل معاصرينا.

و فيه ما لا يخفى من الضّعف. هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بحكم التّعادل، و لو لم نقل بالتّرجيح في غير تعارض الأخبار فيدخل مورد وجود المزيّة في التّعادل حكما بل موضوعا فيعامل معه معاملة عدمه هذا.

و قد يستظهر من الاستدراك الّذي ذكره شيخنا (قدّس سرّه) في «الكتاب» عقيب نفي التّخيير في تعادل أقوال أهل اللّغة فيما اجتمع شرائط الحجّيّة و أهل الرّجال، و الحكم بالتّوقّف و الرّجوع إلى الأصل بقوله: (إلّا أنّه إن جعلنا الأصل من المرجّحات ... إلى آخره) (1) التّفكيك بين حكم صورتي وجود المزيّة و عدمه و سنوقفك على ما هو الحقّ و الصّواب في باب التّرجيح، و إن كان مقتضى الأصل فيما لم يقم هناك دليل على التّرجيح إجراء حكم التّعادل فافهم.

____________

(1) المصدر السابق: ج 4/ 45.

158

* تنبيهات تعادل الخبرين‏

و ينبغي التّنبيه على أمور:

الأوّل: أنّه قال العلّامة (قدّس سرّه) في محكي «التّهذيب» و غيره في غيره- بل نسب إلى الأكثر بل إلى المشهور-: إذا اتّفق تعادل الخبرين للمجتهد يفتي بما اختاره و لا يفتي بالتّخيير للعامي، و كذا إذا اتّفق التّعادل للقاضي في الشّبهة الحكميّة، أو في طريق فصل الخصومة الرّاجع إلى الحكم الشّرعي حقيقة يقتضي بما اختاره و لا يجوز له تخيير المتخاصمين هذا ما حكي عنه و عن غيره.

أمّا ما أفاده بالنّسبة إلى القاضي فممّا لا إشكال، بل لا خلاف فيه، بل لا يعقل الخلاف؛ لأنّ تخيير المتخاصمين نقض لغرض تشريع القضاء و فصل الخصومة بين النّاس؛ لأنّ كلّا من المتداعيين يختار ما ينفعه و يطابق دعواه فإذا وقع النّزاع في منجّزات المريض، أو الحبوة، أو مقدارها مثلا، و تعادلت الأخبار الواردة في هذه في نظر المجتهد المرجع للمتداعيين و فوّض حكمه باختيارهما، فكلّ يختار ما يطابق دعواه فيبقى الخصومة بحالها، و هو من هذه الجهة نظير تخيير المجتهد في عمل نفسه؛ فإنّه بعد مشروعيّة التّخيير و الفراغ عن ثبوته في الشّرع كان ثبوته في حقّه متيقّنا من دليل الثّبوت فلا يعقل الإنكار؛ لكون عدمه خلفا حقيقة.

و من هنا قد يناقش فيما أفاده شيخنا العلّامة في تحرير حكم المسألة و بيانه بقوله: (ثمّ إنّ المحكي عن جماعة- بل قيل: إنّه ممّا لا خلاف فيه-: أنّ التّعادل إن‏

159

وقع للمجتهد كان مخيّرا في عمل نفسه) (1) فإنّه يوهم كون الحكم نظريّا قابلا للخلاف.

و أمّا ما أفاده بالنّسبة إلى المجتهد في مقام الإفتاء فيوجّه بما في «الكتاب» و غيره: بأنّ التّخيير بين الخبرين تخيير في المسألة الأصوليّة و في طريق الاستنباط فهو يغاير التّخيير في المسألة الفرعيّة كالتّخيير الواقعي بين القصر و التّمام في المواطن الأربعة و الظّاهري كدوران الأمر بين الوجوب و التّحريم، أو خصال الكفارة إذا اقتضى الجمع بين الأخبار: التّخيير بين الكفّارات ظاهرا، و هكذا حيث يفتي بالتّخيير في هذه.

و الفرق: أنّ الخطاب في المسألة الأصوليّة متوجّه بالمستنبط و المجتهد كخطاب الحدود المتوجّه إلى الحكّام، و خطاب الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر المتوجّه إلى النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الإمام (عليه السّلام) في زعم بعض فلا تعلّق لهذا الحكم المستنبط من أخبار العلاج بالعامي، و هذا بخلاف الحكم الفرعي؛ فإنّ موضوعه فعل المكلّف الأعمّ من المجتهد و العامي فالخطاب مشترك بينهما.

فإن شئت قلت: إنّ الخطاب بالتّخيير كالخطاب بالتّرجيح، فكما أنّ الثّاني مختصّ بمن يعالج تعارض الأخبار و لا يشمل غيره، كذلك الأوّل مختصّ به؛ لأنّه نوع من العلاج أيضا. و من هنا يحكم بتقديم نظر المجتهد فيما لو خالفه العامي في التّرجيح فزعم مرجوحيّة ما زعم المجتهد رجحانه كأفضليّة من زعمه المفتي مفضولا من حيث صفات الرّاوي و لو كان المقلّد من أهل الخبرة بالرّجال و هكذا

____________

(1) المصدر السابق: ج 4/ 41.

160

و ليس هذا إلّا من جهة ما ذكر: من اختصاص الخطاب بالتّرجيح بالمجتهد.

لا يقال: إنّ الخطاب الأصولي كالفرعي متعلّق بنوع المكلّفين من غير فرق بين المجتهد و العامي. و من هنا يرجع العوام في إعصار النّبي المختار (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الأئمّة الأطهار (عليهم السّلام) إلى الأخبار المرويّة عنهم (عليهم السّلام) و يعملون بها و يعالجون متعارضاتها بما ورد عنهم (عليهم السّلام)، كما يعمل بها المجتهدون و يعالجون متعارضاتها بما ورد في باب العلاج.

و دعوى: اختصاص ما دلّ على العمل بأخبار الآحاد و ما ورد في علاج ما تعارض منها بالمجتهد، مصادمة للضّرورة، بل المخاطب في كثير منها العوام بحيث لا مجال لإنكاره.

نعم، كان لهم طريق آخر أيضا و هو التّقليد كما هو الحقّ و دلّ عليه الأخبار، و ذلك لا ينفي جواز العمل لهم بالرّواية.

بل قد يقال: بثبوت الطّريقين للمجتهد أيضا؛ فإنّ عمله بالأخبار الواضحة السّليمة ليس من حيث الاستناد إلى رأيه و نظره العلمي و ملكته الرّاسخة، بل من حيث الاستناد إلى حسّه المشترك مع العامي في ذلك، فالخطاب بالعمل بالطّرق عام للعالم و العامي لا فرق بينهما من هذه الجهة أصلا.

غاية ما هناك: أنّ العامي لا يقدر في زماننا هذا و أشباهه على تشخيص مدلول الخبر، و إحراز شرائط العمل به، و دفع معارضاته من جهة عروض السّوانح، و اختفاء وليّ الأمر، و طول غيبته، و كثرة الأفكار، و اختلاف الأنظار، و تشتّت الآراء و غير ذلك، و المجتهد يقدر على ذلك كلّه، فكأنّ المجتهد نائب عن العامي في ذلك، و إلّا فأصل العمل بمضمون الخبر مشترك بين المجتهد و العامي، فهذا

161

الاختصاص و التّعين عرضيّ لا يمنع من الحكم بعموم أصل الحكم بحسب الورود في الشّرع، و هو من هذه الجهة نظير استنباط الحكم الفرعي من الأدلّة؛ فإنّه مختصّ بالمجتهد و إن كان الحكم المستنبط يعمّ المجتهد و العامي.

لأنّا نقول: ما ذكر أخيرا: من عدم كون الاختصاص ذاتيّا بل عرضيّا من جهة طروّ العجز للعامي، و أنّ عوام زمان الحضور يعملون بالأخبار كما يعملون بالفتاوى أمر مسلّم، و يكفي فارقا بين المسألتين هذا الاختصاص العرضي، و أمّا تنظير المقام بالحكم الفرعي المستنبط فهو فاسد جدّا، فإنّه إذا عرض على العامي الحكم الأصولي المستنبط من الأدلّة كوجوب العمل بخبر العادل مثلا، أو لزوم تقديم الرّاجح من المتعارضين، أو التّخيير بين المتعادلين لا يقدر على العمل به و هذا بخلاف الحكم الفرعي المستنبط من الأدلة كالتّخيير بين الحمد و التّسبيحات في الأخيرتين مثلا، أو كفاية تسبيحة واحدة في الرّكوع و السّجود، أو البناء على الأكثر في الشّك في الرّباعيّة و فعل الاحتياط بعد الصّلاة على التّفصيل المذكور في محلّه؛ فإنّ العمل به مشترك بين العالم و العامي.

نعم، بعد تشخيص معنى الخبر الخاصّ و ترجمته للعامي و دفع معارضاته بعد الفحص يجوز للمجتهد أن يأمر العامي بالعمل به، إلّا أنّه في الحقيقة راجع إلى التّقليد في الفروع؛ لأنّ الحكم الأصولي هو الحكم الكلّي المتعلّق بخبر العادل كلّية مثلا.

و الحاصل: أنّه لا بدّ من أن يلاحظ الحكم الشّرعي الكلّي المستنبط من الدّليل؛ فإن انتفع به العامي فهو فرعيّ، و إلّا فأصوليّ مختصّ بالمجتهد بالعرض هذا حاصل ما يقال في توجيه ما ذهب إليه المشهور مع توضيح منّا.

162

و ربّما يقال بلزوم الإفتاء بالتّخيير من حيث انسداد باب الطّريق إلى الحكم الواقعي في مورد تعارض الخبرين مع تعادلهما كما هو المفروض، و الحكم الظّاهري المستنبط من الأدلّة في الفرض ليس إلّا التّخيير فتعيّن الإفتاء به، و اختيار المجتهد إنما هو من جهة الدّواعي النّفسانيّة لا الشّرعيّة، و إلّا خرج الفرض عن التّعادل و لا يجوز للعامي متابعة المجتهد فيما ينبعث عن دواعيه النّفسانيّة.

فإن شئت قلت: إنّ الإفتاء بالحكم المعيّن مع عدم تعيّنه بالفرض إفتاء بغير حكم اللّه فلا يجوز للمجتهد حتّى يقلّده العامي. و منه يظهر: فساد قياس المقام باختلاف العامي مع المجتهد في باب التّرجيح؛ حيث إنّ نظر العامي ملغى في نظر الشّارع، فكيف يمكن الاعتماد عليه فيما خالف نظر المجتهد؟

نعم، لو فرض قطع العامي بخطأ المجتهد فيما استند إليه لا يجوز له تقليده في هذه المسألة، كما لا يجوز له تقليده فيما لو علم بخطأه بالنّسبة إلى الواقع و إن كان مصيبا في طريق الاستنباط، و إن كان بينهما فرق وضوحا و خفاء.

و من هنا قد يقال بجواز تقليد من يعلم بخطأه في مقدّمات الاجتهاد مع احتمال إصابته بالنّسبة إلى الواقع، و إن كان الحقّ ما عرفت: من عدم الفرق فيما تحقّق الاستناد إلى ما يعلم خلافه، و إلّا فمجرّد ذكره في خلال وجوه المسألة في كلامه لا يجدي في ذلك.

و بالجملة: فرق بين ظنّ العامي على خلاف ظنّ المجتهد بالنّسبة إلى الحكم أو طريقه و بين قطعه على خلافه بالنّسبة إلى أحدهما؛ فإنّ الأوّل ملغى في نظر الشّارع، و الثّاني يمنع من تقليد هذا المجتهد المخطي‏ء في نظره فافهم.

163

و قد عرفت: أنّ التّخيير بين المتعادلين من الأخبار المتعارضة الّذي هو حكم أصولي لا يجدي العامي أصلا، و الطّريق إلى الحكم العرفي ما يختاره المجتهد من المتعادلين، فكما أنّ مفاده حكم اللّه في حقّه كذلك يكون حكم اللّه في حقّ مقلّديه سيّما على القول بكون الاختيار معيّنا لا يجوز معه العدول إلى غير ما اختاره.

و منه يظهر فساد قياس المقام بالتّخيير الواقعي بين الفعلين كالقصر و التّمام و العتق و الصّوم و الإطعام؛ فإنّه الحكم الفرعي المستنبط من الأدلّة في حقّه و حقّ مقلّديه فلا يجوز له الإفتاء بغيره، و من هنا لا يتعيّن أحد الفردين باختياره.

التخيير هنا بدويّ أو إستمراري‏

الثّاني: أنّ التّخيير في المقام هل هو ابتدائي فلا يجوز العدول عمّا اختاره إلى الخبر الآخر في الواقعة الأخرى، أو استمراري فيجوز له العدول؟ وجهان، بل قولان. نسب الثّاني إلى المحقّقين بل إلى المشهور، و في «المفاتيح»: التّفصيل بين التّخيير في مقام الحاجة فبدويّ، و إلّا فاستمراريّ‏ (1). و في «التّهذيب» عنوان المسألة في القاضي؛ فإنّه قال: لو اختار القاضي أحد الخبرين في واقعة جاز له العدول إلى الآخر في واقعة أخرى. و استدلّ له في محكي «النّهاية»: بأنّه ليس في العقل ما يدلّ على خلاف ذلك و لا يستبعد وقوعه- كما لو تغيّر اجتهاده- إلّا أن يدل دليل شرعيّ على عدم جوازه، كما روي أنّ النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال لأبي بكر:

____________

(1) مفاتيح الأصول: 382.

164

(لا تقض في الشّي‏ء الواحد بحكمين مختلفين) (1).

و لعلّ مراده (قدّس سرّه)، من هذا الاستدلال بعدم المانع من حكم العقل بعد إحراز المقتضي في حكم الشّارع و لو باستصحاب التّخيير، أو حجيّة الخبر الآخر الرّاجع إلى الاستصحاب الأوّل حقيقة، و إلّا فمجرّد الإمكان و عدم المانع في حكم العقل و عدم استبعاد الوقوع بالنّظر إلى نوع العدول و إن لم يكن من سنخ المقام لا يجدي شيئا، مع كون مقتضى الأصل الثّابت بالأدلّة الأربعة عند الشّك في الحجيّة الحكم بعدمها- حسبما عرفت في مطاوي أجزاء التّعليقة سيّما الجزء الأوّل و ستعرفه- من غير فرق بين الشّك في الحجيّة الشأنيّة أو الفعليّة كما في المقام.

ثمّ إنّ مقتضى الأصل الأوّلي في المسألة على ما عرفت الإشارة إليه هو التّخيير الابتدائي، إنّما الكلام فيما يكون واردا عليه من الأصول أو الأدلّة، فنقول:

قد يقال- بل قيل بل هو المعروف-: أنّ مقتضى الأصل الثّانوي الوارد على الأصل المذكور في وجه أو الحاكم عليه في وجه آخر- عرفتهما عند الكلام في تأسيس الأصل فيما لم يعلم حجيّته في الجزء الأوّل من «الكتاب» و التّعليقة-: هو التّخيير الاستمراري؛ نظرا إلى استصحاب التّخيير الثّابت في أوّل الأمر أو استصحاب حجيّة المطروح فإنه كان حجّة كمعارضة قبل الأخذ قطعا، كما هو مقتضى التّخيير بينهما و الأصل بقاؤها و إن كان الشّك فيها مسبّبا عن الشّك في بقاء التّخيير بل راجعا إليه باعتبار فتأمّل.

____________

(1) نهاية الوصول: 450 و حكاه عنه السيّد المجاهد في مفاتيح الأصول: 682 و لفظ الحديث هكذا: «لا يقضي أحد في أمر بقضاءين»، انظر كنز العمّال: ج 6/ 103- ح 15041.

165

و لا يعارضه استصحاب الحكم المدلول المختار؛ فإنّ الشّك في صيرورته حكما للمكلّف بقول مطلق و على كلّ تقدير مسبّب عن الشّك في جواز العدول و بقاء التّخيير، فلا يعارض الأصل المقتضي لبقائه.

فإن شئت قلت: إنّ المستصحب إن كان تعيين المأخوذ بالأخذ فالشّك في حدوثه لا بقائه، و إن كان الحكم الفرعي الظّاهري المترتّب على الأخذ فالشّك في بقائه مسبّب عن الشّك في بقاء التّخيير و استصحابه حاكم على استصحابه.

نعم، ربّما يناقش في الأصلين برجوع الشّك فيهما إلى الشّك في المقتضي، أو بأنّ الموضوع غير معلوم البقاء فيهما فالمرجع هو الأصل الأوّلي. و من هنا قال في «الكتاب»: (و استصحاب التّخيير غير جار؛ لأنّ الثّابت سابقا ثبوت الاختيار لمن لم يختر ... إلى آخر ما أفاده) (1).

اللّهمّ إلّا أن نقول: بكفاية المسامحة في إحراز موضوع المستصحب و معروضه. و قد تقدّم الكلام و شرح القول فيه في الجزء الثّالث من التّعليقة فراجع إليه هذا حاصل ما قيل في بيان الأصل الثّانوي.

و أمّا الكلام في الدّليل المقتضي لأحدهما فملخّصه:

أنّه قد استدلّ للاستمرار بإطلاق ما دلّ على التّخيير؛ فإنّه يشمل بعد الأخذ، و ناقشه شيخنا الأستاذ العلّامة في «الكتاب»: بكونها مسوقة لبيان وظيفة المتحيّر في ابتداء الأمر فلا إطلاق لها بالنّسبة إلى الأخذ، و بعبارة أخرى: المسؤول عنه في الأخبار: حكم من اتّفق له التّعادل و أنّ وظيفته ما هي؟ فالجواب: بأنّه مخيّر في‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 44.

166

الأخذ بأيّهما شاء لا تعلّق له بصورة بعد الأخذ؛ فإنّه موضوع آخر لا تعلّق له بالموضوع المسئول عنه كما هو ظاهر.

و هذه المناقشة كما ترى، في كمال الجودة و الاستقامة، و المناقشة فيها- بأنّ المناط و الموضوع للتّخيير هو الجهل، و التّحيّر هو باق بعد الأخذ؛ لأنّ الأخذ لا يوجب رفع موضوعة- ناشئة عن الجهل بمراده (دام ظلّه)؛ لأنّ جهل الرّاوي الموجب للسّؤال هو عدم علمه بحكمه الظّاهري عند التّعادل، و أنّه التّخيير أو شي‏ء آخر، فإذا تبيّن له الحكم ارتفع جهله و علم بالحكم الظّاهري لهذا الموضوع. و أمّا أنّه بعد الأخذ بأحدهما ما ذا يكون حكمه من حيث وجوب البقاء أو جواز العدول؟ فهو حكم آخر لموضوع مسكوت عنه.

نعم، ما أفاده في «الكتاب» بعد الإشكال في جواز بقاء التّخيير في مورد كلام العلّامة (قدّس سرّه) من جهة عدم الدّليل، و كون الأصل عدم الحجّيّة، و نفي دلالة أخبار التّخيير بقوله: (و أمّا العقل الحاكم ... إلى آخره) (1) كأنّه خروج عن الفرض؛ لأنّ الكلام بعد البناء على ثبوت التّخيير.

نعم، ما أفاده في الفرق بين التّخيير العقلي في باب التّزاحم و التّخيير الظّاهري الشّرعي بناء على الطّريقيّة في كمال الاستقامة؛ نظرا إلى عدم طروّ الشّك في حكم العقل و عدم الفرق في حكمه بين الحالتين، و إن أمر بالتّأمّل‏ (2) فيه؛ نظرا

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 43.

(2) قال المحقق آغا رضا الهمداني (قدّس سرّه):

«لعلّه إشارة إلى ان عدم قيام احتمال تعيّن الأخذ بما اختاره أوّلا في التخيير الواقعي الناشي‏ء عن تزاحم الواجبين، إنّما هو فيما اذا كان الحاكم به العقل محضا، و إلّا فربّما يقوم-

167

____________

- احتمال تعيّن الأخذ به أو بأحدهما المعيّن تعبّدا، و لكن لا يعتنى بهذا الاحتمال ما لم يتحقق». أنظر حاشية فرائد الأصول: 509.

* و قال السيّد المحقّق اليزدي (قدّس سرّه):

«لعلّ وجهه: أنه بناء على كون التخيير من باب تزاحم الواجبين أيضا يمكن أن يكون التخيير بدويا، لأن التخيير إنّما هو بين مفاد الخبرين و مفاد كل خبر ليس إلّا أن حكم الله كذا أبدا، فان أخذت تارة بمفاد أحدهما و أخرى بمفاد الآخر لم تأخذ بتمام مفاد واحد منهما، لما عرفت من أن الأخذ بالخبر معناه تطبيق العمل عليه دائما.

لكن يرد عليه: أنه لا ارتباط بين الأفعال المستقلة في الوقائع المختلفة المستقلة المتحدة الحكم، فلو عمل بالخبر يوما مثلا و لم يعمل به يوما آخر لا يقال: أنّه ما عمل بالخبر أصلا، بل يقال: انه عمل به في واقعة و لم يعمل به في واقعة، و نظيره ما لو قال: أكرم العلماء، فإن أكرم بعض العلماء و ترك اكرام البعض الآخر، لا يقال: انه ما عمل بالخطاب أصلا، بل يقال: عمله في بعض و تركه في بعض.

و يحتمل أن يكون وجهه: أنه يمكن أن يكون التخيير الظاهري بناء على الطريقية أيضا كالتخيير الواقعى بناء على السببيّة استمراريا، اذ كما أن السببية بحكم العقل تقتضي التخيير مستمرا، لأن ملاك حكم العقل بالتخيير و هو كون كل من الخبرين علة لوجوب العمل موجود في الزمان الثانى بعد الأخذ بأحدهما أيضا، كذلك نقول بمثله على تقدير الطريقية لأنا قد علمنا أن ملاك الطريقية و الحجية في لا خبر هو الظن النوعي اللازم لطبيعة الخبر، و هذا لا معنى باق بعد الأخذ و العمل بأحد الخبرين.

و يمكن أن يكون الأمر بالتأمّل: اشارة الى أنه يمكن أن يقال بناء على كون المقام من باب تزاحم الواجبين أيضا أن المقتضي للعمل يقتضي العمل على وجه الاستمرار بأن تكون المصلحة مقيدة بالعمل بكل واحد منهما دائما، و إذا كان هذا محتملا فلا يمكن الحكم-

168

____________

- بالاستمرارية، فليس المقام من قبيل خصال الكفارة.

و الفرق بين هذا الوجه و الوجه الأوّل: أن التقييد بالدوام في العمل بكل من الخبرين مأخوذ في مفاد الخبر بناء على الوجه الأول، و بحكم العقل بناء على الوجه الأخير.

و ذكر بعض مشايخنا المعاصرين هنا وجهين آخرين للأمر بالتأمل:

حاصل أحدهما: أنه كما أنه بناء على السببية يكون التخيير واقعيا استمراريا كذلك بناء على الطريقية، و ذلك لأن طريقية الخبر انما هي بالنسبة الى مفاده، و أما بالنسبة الى حكم وجوب الأخذ فانه موضوع له، و حينئذ نقول: ان وجود الخبرين المتعارضين موضوع للتخيير و وجوب الأخذ بأحدهما، و كل موضوع علة و سبب لثبوت حكمه، فمرجع الطريقية الى السببية بالنسبة الى حكم التخيير و السببية مقتضية للتخيير الاستمراري بالفرض، فالطريقية و السببية في حكم التخيير سواء.

و حاصل الثاني: أن التخيير الواقعي الثابت في مثل خصال الكفارة أيضا محتاج في الحكم بكونه مستمرا إلى اطلاق دليله و إلّا لم نقل به، و حينئذ نقول فيما نحن فيه لو لم نقل بالاستمرار بناء على الطريقية لعدم اطلاق في أخبار التخيير من هذه الجهة، لا نقول بالاستمرار بناء على السببية أيضا، لأنه لا اطلاق في أخبار التخيير بالفرض، و قد عرفت: أن ثبوته محتاج الى الاطلاق المفقود في المقام.

و يرد على الأول: أنه و ان سلمنا أن الموضوع علة للحكم إلّا أن الاشتباه في أن الحكم في هذا الموضوع ماذا؟ التخيير البدوي أو التخيير الاستمراري؟ و هذا بخلاف السببية المبنية على كون التخيير من باب تزاحم الواجبين؛ فان التخيير هنا بحكم العقل و معلوم أنه يحكم باستمراريّة التخيير لبقاء موضوعه و هو وجود المصلحة التامة في الأخذ بكلّ من الخبرين، و أمّا بناء على الطريقية؛ فانما جاء التخيير بحكم الشرع و إلّا كان الأصل هو التوقف أو التساقط، و يحتمل أن يكون موضوع حكم التخيير عند الشارع مقيدا بعدم أخذ أحدهما-

169

إلى احتمال تعيين المأخوذ في حكم الشّارع كما في التّخيير الشّرعي، فيوجب توقّف العقل عن حكمه فيرجع إلى أصالة عدم الحجّيّة على القول بالتّخيير العقلي أيضا، و إن كان قدحه في حكمه محلّ تأمّل إن لم يكن محلّ منع هذا.

و استدلّ للابتداء: بكون الاستمرار موجبا للمخالفة القطعيّة و لو في واقعتين و هي قبيحة عقلا.

و نوقش: بأنّ المخالفة القطعيّة في واقعتين لا قبح فيها عقلا. و التّحقيق:

التّفصيل في ذلك بما أسمعناك مرارا: من عدم قبحها فيما إذا التزم في كلّ واقعة بحكم ظاهريّ من الشّارع كما في المقام، فكأن ما تقدّم عن «النّهاية»: «من أنّه ليس في العقل ما يدلّ على خلاف ذلك و لا يستبعد وقوعه ... إلى آخره) (1) إشارة إلى ردّ هذا الدّليل.

و التّمسّك بالوقوع على هذا فيما فرضه و إن كان خارجا عن حريم البحث‏

____________

- فيصير بدويا، كما أنه يحتمل أن يكون مطلقا فيكون استمراريا.

و على الثاني أوّلا: أنه يظهر منه أنه حمل كلام المتن على أن التخيير بناء على السببية أيضا من باب أخبار التخيير فأورد عليه بالتسوية بينها و بين الطريقية في الاطلاق و عدمه، و قد عرفت أنه ليس كذلك.

و ثانيا: أنه لا يحتاج الى الاطلاق فيما كان من قبيل الواجبين المتزاحمين، بل لا معنى للاستمرارية فيه حقيقة لأنه يصير مثل الخصال في قوله (عليه السّلام): (من أفطر كفّر باحدى الخصال، فان أفطر يوما يجب عليه الخصال مخيّرا و ان أفطر يوما آخر يجب عليه كفارة اخرى مخيّرا أيضا) و هكذا، و هذا بخلاف الخبرين على الطريقية فان وجوب الظهر أو الجمعة حكم واحد قابل للاستمرار و عدمه فعند عدم الاطلاق ينتفي الاستمرار، فتدبر».

أنظر حاشية فرائد الأصول: ج 3/ 497- 499.

(1) نهاية الوصول (مخطوط): 450.

170

في كمال الجودة كما لا يخفى؛ حيث إنّ الدّليل العقلي لا يقبل التّخصيص، و إليه يرجع ما في «المفاتيح»: من الاستدلال بكون العدول موجبا لترك الواجب لا إلى بدل، و هذا بخلاف التّخيير الواقعي في موارده؛ فإنّ جواز العدول فيه لا يلزمه المحذور المذكور، و الجواب عنه ظاهر؛ لمنع الملازمة فهذا الوجه ضعيف كضعف التّوجيه: بأنّ جواز العدول يوجب لغويّة التّخيير؛ ضرورة منع إيجاب العدول لذلك؛ فإنّه لازم التّعيين لا التّخيير كما لا يخفى.

ثمّ إنّ الفرق بين مواضع التّخيير في الحكم المذكور بما حكاه شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) عن بعض معاصريه لا وجه له أصلا.

نعم، لو قيل بالفرق بين التّخيير في المقام، و مسألة العدول على تقدير تسليم الإطلاق لأخبار التّخيير كان صحيحا؛ لما عرفت: من انحصار دليل التّخيير في باب الفتوى بالإجماع، و أمّا التّفصيل الّذي ذكره في «المفاتيح» فمبنيّ على أنّ مجرّد البناء على الأخذ بأحد الخبرين ليس ملزما و هو خروج عن الفرض حقيقة كما ستقف عليه عن قريب إن شاء اللّه تعالى.

الثّالث: أنّه ذكر في «المفاتيح»: «هل معنى التّخيير الأخذ بأحد الخبرين و العمل بجميع مقتضياته و لوازمه- كما لو لم يعارضه خبر آخر- أو التّخيير في الحكم المستفاد منهما؟ و الثّمرة تظهر فيما لو كان لأحدهما دلالة التزاميّة خاصّة بمحلّ التّعارض» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و هو كما ترى، غير محصّل المراد؛ إذ معنى التّخيير ليس إلّا العمل بأحد الخبرين على أنّه حجّة شرعا و طريق إلى الواقع فيترتّب عليه جميع آثار الواقع‏

____________

(1) مفاتيح الأصول: 686.

171

و لوازمه الشّرعيّة، و لو بوسائط غير شرعيّة على ما هو الفرق بين الأصول و الأمارات الشّرعيّة المعتبرة بعنوان الطّريقيّة المطلقة من غير فرق بين مورد التّعارض و غيره، إذ التّعارض لا يوجب الفرق في معنى اعتبار أحد المتعارضين تعيينا أو تخييرا، كما أنّه لا يوجب الفرق في معنى اعتبار الأصل فيما لو فرض تعارض الأصلين مع العمل بأحدهما.

الرّابع: أنّه لا إشكال في كون المراد من الأخذ بأحد الخبرين- كما في أخبار الباب- ليس هو البناء و العزم على العمل به كما ربّما يتوهّم بالنّظر إلى الجمود على لفظ الأخذ، بل العمل عليه و ترتيب الآثار على مقتضاه، و ليس مثل التّقليد حتّى يتوهّم فيه ما توهّم مع كونه فاسدا أيضا على ما حقّقناه في مسألة الاجتهاد و التّقليد: من كون المراد متابعة المجتهد في رأيه لا مجرّد البناء على العمل به بعد تعلّمه، و الثّمرة بين الوجهين يظهر في مسألة العدول عمّا بني على العمل عليه مع عدم العمل.

الخامس: أنّه قد قيل: بأنّ البحث في حكم التّعادل قليل الجدوى بل عادمها؛ لأنّ كلّ ما حكموا فيه بالتّخيير في موارد تعارض الأخبار كما في باب الكفّارات، و ذكر سجود السّهو، و منزوحات البئر، فقد حكموا به من جهة الجمع بصرف ظهور كلّ واحد في التّعيين بنصّ الآخر فهو من التّخيير الواقعي بين الفردين، و لا تعلّق له بالتّخيير الظّاهري هذا.

و أنت خبير بما فيه؛ فإنّ مورد التّعارض قد لا ينافيه الجمع المذكور كالأخبار الواردة في مسألة الجهر بالتّسمية و إخفاتها، بل ظاهرهم في جملة من موارد إمكان الجمع أيضا هو التّخيير الظّاهري؛ فإنّ من قال بالتّخيير بين القصر

172

و التّمام فيما زاد على الأربع و لم يبلغ الثّمانية مع عدم الرّجوع في يومه، أو ليلته إذا لم يقصد الإقامة في المقصد ظاهره التّخيير الظّاهري من جهة الأخبار المتعارضة.

* تنبيه في لابدّيّة الفحص عن المرجّحات في المتعارضين‏

(6) قوله (دام ظلّه) العالي): (بقي هنا ما يجب التّنبيه عليه خاتمة ...

إلى آخره). (ج 4/ 45)

الكلام في أصل وجوب الفحص عن المرجّح ثمّ في مقداره‏

أقول: الكلام في المقام: قد يقع في أصل وجوب الفحص، و قد يقع في مقداره.

أمّا الكلام من الجهة الأولى فحاصله: أنّه بعد تعلّق التّخيير بتعادل الخبرين و تكافؤهما من حيث المزايا المعتبرة في التّرجيح من خصوص المزايا المنصوصة أو مطلق المزايا على الخلاف- لا إشكال في كون مقتضى الأصل الأوّلي- إذا شكّ في التّعادل من الحيثيّة المذكورة-: عدم جواز العمل من جهة الشّك في الحجّيّة.

و هل هنا أصل آخر ثانويّ يقضي بوجود التّعادل أم لا؟ قد يقال بوجوده؛ نظرا إلى كون المزيّة حادثة فتنتفي به مزيّة كلّ واحد منهما على صاحبه و هو معنى تعادلهما.

و لكنّك خبير بعدم اطّراد هذا الأصل في جميع موارد الشّك؛ إذ ربّما تكون المزيّة المحتملة صفة في الخبر لا يوجد إلّا معها، فالحالة السّابقة لعدمها إنّما هي باعتبار عدم وجود الخبر، مع أنّه إذا فرض احتمال وجود المزيّة لكلّ منهما فهو

173

معنى تعادلهما بالوجدان فلا معنى لإجراء الأصل في إثبات التّعادل كما هو الشّأن بعد الفحص أيضا.

نعم، فيما احتمل وجوده في أحدهما خاصّة لم يحكم بالتّعادل فعلى ما ذكر لا بدّ من إقامة الدّليل على وجوب الفحص، اللّهمّ إلّا أن يمنع من جريان الأصل المذكور قبل الفحص من حيث رجوع الشّك إلى الشّك في طريق الحكم الرّاجع إلى الشّك في الحكم حقيقة الّذي قام الدّليل على عدم جريانه إلّا بعد الفحص هذا.

مع أنّه إذا فرض احتمال وجود المزيّة في كلّ منهما الّذي يوهم تحقّق التّعادل معه فيشكّ في حجّيّة كلّ منهما أيضا قبل الفحص و الأصل عدم حجّيّته، أو يمنع ترتّب الحكم على مطلق التّعادل فتدبّر.

و لا يجوز التّمسّك بإطلاقات التّخيير بعد تقييدها بأخبار التّرجيح لرجوع الشّك إلى الشّك في الموضوع من هذه الجهة، كما لا يجوز التّمسّك بأخبار التّرجيح لإثبات وجوب الفحص؛ لأنّ وجوب التّرجيح بشي‏ء لا يقتضي بنفسه وجوب الفحص عنه عند الشّك في وجوده و لو كان المرجّح وجوده الواقعي لا العلمي، فما في ظاهر «الكتاب» من الاستدلال لوجوب الفحص عن المرجّح بوجوب التّرجيح به من حيث توقّف التّرجيح به على الفحص عنه محلّ مناقشة.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ حصول العلم عادة بوجود المرجّح لما توقّف على الفحص عنه، فإيجاب التّرجيح به إذا كان واجبا مطلقا يقتضي الفحص عنه فتأمّل حتّى لا يختلط عليك الأمر و يذهب وهمك إلى قوله (قدّس سرّه) بثبوت الملازمة بين تعلّق الوجوب بالشّي‏ء النّفس الأمري و وجوب الفحص عنه على وجه الموجبة الكلّية.

نعم، تعلّق الوجوب بالشّي‏ء المعلوم يمنع عن وجوب الفحص عنه فمورد وجوب‏

174

الفحص و محلّه على سبيل القضيّة الكلّيّة: ما إذا تعلّق الخطاب بالشّي‏ء الواقعي لا أنّ مجرّد تعلّقه به يقتضي وجوب الفحص عنه.

فقد تبيّن ممّا ذكرنا كلّه: أنّ التّعلّق في المقام بإطلاق أخبار التّخيير لا مساسة له أصلا، و إنّما يجوز التّعلّق به فيما شكّ في أصل وجوب التّرجيح؛ فإنّ الكلام في وجوب الفحص عمّا قيّد به الإطلاق بحسب الخارج فلا يجوز التّمسّك بشي‏ء منهما نفيا و إثباتا إلّا بضميمة ما أشرنا إليه على تقدير تسليمه، كما أنّه لا مساسة للتّعلّق بحكم العقل بالتّخيير في المقام حتّى يجاب عنه بما في «الكتاب» من عدم حكمه به إلّا بعد إحراز التّسوية، فلا جدوى للأصل في المقام، مضافا إلى كونه من الأصل في الشّبهة الحكميّة و إن كان شكّا في الموضوع ابتداء؛ لما أسمعناك: من مغايرة باب التّزاحم لباب التّعارض الّذي يعتبر فيه التّرجيح، مضافا إلى ما عرفت من كون التّخيير في الأوّل راجعا إلى حكم الشّرع حقيقة لا إلى حكم العقل كما في التّخيير بين دوران الأمر بين المحذورين.

نعم، هنا كلام في أنّه إذا شكّ في أهميّة أحد المتزاحمين بخصوصه هل يحكم بالتّخيير أم لا؟ أقواهما الثّاني؛ نظرا إلى عدم العلم بوجود الخطاب المزاحم و سيجي‏ء شرح القول فيه، لكنّه لا دخل له بالشّك في وجود المرجّح لأحد المتعارضين المفروض في محلّ البحث.

و كيف كان: يستدلّ لوجوب الفحص كما في «الكتاب» بعد الأصل بالتّقرير الّذي عرفته بوجوه:

الأوّل: ما دلّ على وجوب التّرجيح بالتّقريب الّذي ذكره شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) في «الكتاب» بانضمام المقدّمة الّتي عرفتها.

175

الثّاني: الإجماع على وجوبه على ما قرّر في «الكتاب».

الثّالث: لزوم الهرج و المرج و اختلال أمر الاجتهاد و الاستنباط من ترك الفحص عنه و الاقتصار في التّرجيح على ما يعلم من دون فحص من جهة العلم الإجمالي بوجود مرجّحات كثيرة لما تعارض من الأخبار بحيث لا يحصل الوقوف عليها عادة إلّا بعد الفحص، نظير العلم بوجود الأدلّة في مجاري الأصول، و المعارض للأدلّة و الصّوارف و القرائن المنفصلة للظّواهر من العمومات و الإطلاقات و غيرهما من الظّواهر هذا بعض الكلام في أصل وجوب الفحص.

و أمّا الكلام في مقداره، فملخّصه:

أن حدّه الفحص عنه بحيث يحصل له اليأس عن الاطّلاع عليه على تقدير زيادة الفحص من جهة اطمئنانه بعدم وجوده فيما بأيدينا من كتاب اللّه و السّنة و كتب الأخبار و الفتاوى من العامّة و الخاصّة و لا يعتبر تحصيل العلم بعدمه، بل ربّما يكون ممنوعا من جهة تأديته إلى سدّ باب استنباط غالب الأحكام كما لا يخفى.

و إن كان الأولى بل الأحوط الاقتصار على العمل بما يحتمل رجحانه بخصوصه، بل لو عمل على هذا الوجه من أوّل الأمر فيما احتمل رجحان أحدهما بالخصوص سقط الفحص عنه؛ لكونه مطلوبا بالعرض لا بالذّات.

***

176

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

177

أحكام التعارض‏

المقام الثاني‏

في التراجيح‏

و فيه مقامات:

* الأوّل: وجوب الترجيح و الاستدلال عليه‏

* الثاني: ذكر الأخبار العلاجيّة

* الثالث: عدم جواز الإقتصار على المرّجحات المنصوصة

* الرابع: بيان المرجّحات‏

- المرجحات الداخليّة

* المرجحات الدلاليّة

* إنقلاب النسبة

- المرجحات الخارجيّة

178

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

179

المقام الثاني في التراجيح‏

(7) قوله: (الترجيح: تقدّم إحدى الأمارتين على الأخرى ... الى آخره). (ج 4/ 47)

تعريف الترجيح‏

أقول: التّرجيح في اللّغة و العرف جعل الشّي‏ء راجحا و قد اختلفت كلماتهم في المراد منه، فعن الأكثر هو اقتران الأمارة بما يتقوّى على معارضها و عن بعض تبعا لشيخنا البهائي في «الزّبدة» (1) و تلميذه الشّارح‏ (2) في شرحها: أنّه تقديم‏

____________

(1) زبدة الأصول: 169.

(2) العالم الفقيه و الأصولي النّبيه الشيخ جواد بن سعد اللّه بن جواد الكاظمي المعروف على ألسنة القوم بالفاضل الجواد. المتوفّي سنة 1065 ه من أجلّة تلامذة الشيخ البهائي و أعاظمهم و كتابه هذا يسمّى بغاية المأمول في شرح زبدة الأصول كبير جدّا و نفيس للغاية أودعه مهمّات علم الأصول و بسط القول فيها لكنّه لا يزال إلى يومنا هذا مخطوطا في زوايا المكتبات لا يعرف له قدر، و قد ابتلينا في الآونة الأخيرة بالتهاون بالتراث خصوصا و أن ضعفاء الناس يتصوّرون بأن لا قيمة للتّراث السابق من ناحية علميّة- لمكان التطوّر العلمي الجاد في هذا الباب بحيث لا تعود الحاجة للمرور بالمخطوطات و إحياءها من جديد لما أنها تشتمل على أبحاث قد أكل الدّهر عليها و شرب.

و الحقيقة: انه ليس كما يظنّ هؤلاء، و الغاية أبعد من ذلك و إلى اللّه عزّ و جل المشتكى.

180

إحدى الأمارتين على الأخرى لمزيّة من المزايا. و هذا التّعريف كما ترى، أنسب بالنّسبة إلى المعنى اللّغوي و العرفي و لذا اختاره شيخنا العلّامة (قدّس سرّه).

و نوقش في الأوّل- كما عن «شرح الزّبدة» و غيره-: بأنّ مقتضى وضع التّرجيح كونه فعل المجتهد لا صفة الأمارة.

و أجيب عن المناقشة: بأنّ التّعريف مبنيّ على الاصطلاح و لا مشاحة فيه، مضافا إلى مناسبته للتّعارض و التّعادل؛ فإنّهما صفتان للأمارة، و الأمر في ذلك سهل إنّما المهمّ التّكلّم فيما رتّبه من المقامات.

***

181

* المقام الأوّل: الأدلّة على وجوب الترجيح‏

(8) قوله: (و يدلّ على المشهور مضافا إلى الإجماع المحقّق ... إلى آخره). (ج 4/ 48)

الأدلّة على وجوب الترجيح في الجملة

أقول: قيام الإجماع بقسميه على وجوب التّرجيح في الجملة، و كذا دلالة الأخبار المستفيضة بل المتواترة معنى أو إجمالا عليه ممّا لا شبهة تعتريه و لا إشكال فيه أصلا.

أمّا قيام الإجماع: فظاهر بعد عدم الاعتناء بمخالفة من ذهب إلى القول بإيجاب التّرجيح كالسّيّد الصّدر، بل لو ادّعي إجماع المسلمين عليه؛ نظرا إلى عدم قدح مخالفته مثل الجبّائييّن كان في محلّه.

و أمّا دلالة الأخبار: فلأنّ ظهورها غاية الظّهور بنفسها في وجوب التّرجيح ممّا لا يقبل الإنكار، و لا يعارضها أخبار التّخيير بعد تسليم كونها في مقام الإطلاق و البيان، بعد كون التّقييد أولى من المجاز. مضافا إلى شواهد و قرائن فيها من التّعليلات و غيرها يمنع من الجمع بالحمل على الاستصحاب هذا. مضافا إلى أنّ الاستصحاب لا مناسبة له في باب الطّريق كما هو ظاهر.

و أمّا وهن الظّهور بما زعمه السيّد: من تعارض أخبار التّرجيح بعضها مع بعض من وجوه فيحمل على الاستصحاب، فموهون بما سنوقفك عليه (إن شاء اللّه‏

182

تعالى): من عدم التّعارض بينها أصلا، و إن زعمه غير واحد منهم المحقّق القمّي (قدّس سرّه) و جعله دليلا على حجّيّة مطلق الظّنّ في باب التّرجيح، بل مطلقا كما ستقف عليه.

إنّما الإشكال فيما أفاده من اقتضاء الأصل لذلك، مع أنّ الثّابت عنده كما صرّح به مرارا في أجزاء «الكتاب» و يعترف به بعد ذلك و عندهم: اقتضاء الأصل عدم التّرجيح، كما أنّ مقتضاه عدم الحجّيّة. و قد أطال الكلام في تحرير المقام بما لا يخلو عن مناقشات نشير إلى بعضها، مع أنّ تأديته كانت ممكنة بتحرير مختصر مفيد نقيّ عن الإشكال.

فإنّه بعد البناء على الطّريقيّة في حجّيّة الأخبار، و الغضّ عن لزوم تقييد إطلاق أخبار التّخيير، و تسليم دوران الأمر بين التّقييد و تصرّف آخر يبقى معه الإطلاق، كحمل أوامر التّرجيح على الاستصحاب من غير ترجيح بين التّصرفين- كما هو مبنى الرّجوع إلى الأصل- أمكن تحرير المدّعى: بأنّ حجّيّة الرّاجح قطعيّته في الفرض، و إنّما الشّك في حجّيّة المرجوح فعلا و إن كان حجّة شأنا و الأصل المقرّر في هذا الشّك بالأدلّة الأربعة عدم الحجّيّة كما هو الأصل المقرّر عند الشّك في الحجّيّة الشّأنيّة من غير فرق بينهما، إلّا أنّه (قدّس اللّه نفسه الزكيّة) أراد تحرير المقام على كلّ وجه، و بسط الكلام على كلّ قول تشريحا للمطلوب و ترغيبا للطّالب فلا بدّ من اقتفاء أثره.

فنقول: إنّ الدّوران قد يفرض بين موارد التّخيير العقلي في المسألة الفرعيّة كدوران الأمر بين المحذورين كالوجوب و التّحريم مع رجحان أحدهما.

و قد يفرض بين موارد التّخيير العقلي في المسألة الأصوليّة على القول بالطّريقيّة في اعتبار الأمارات المتعارضة مع عدم مطابقة أحد المتعارضين للأصل‏

183

مع فرض مزيّة لأحد المتعارضين مع قطع النّظر عن أخبار التّخيير الواردة في علاج تعارض الأخبار أو فرض الكلام في تعارض سائر الأمارات.

و قد يفرض في موارد تزاحم الواجبين و منه تعارض الأمارتين على القول بالسّببيّة و إن تقدّم فساده بما لا مزيد عليه.

و قد يفرض في موارد التّخيير الشّرعي في الواجبات الشّرعيّة الفرعيّة كالدّوران في خصال الكفّارة مثلا، فالكلام يقع في مواضع أربعة:

الموضع الأوّل: في دوران الأمر في موارد التّخيير العقلي في المسألة الفرعيّة كدوران الأمر بين المحذورين حكما، أو موضوعا كدوران الأمر بين الواجب و الحرام مع رجحان أحدهما فنقول:

إنّ لزوم الأخذ بالرّاجح منهما إذا لم يكن مظنونا بظنّ معتبر من حيث الخصوص مبنيّ على مقدّمات دليل الإنسداد و إن كانت النّتيجة التّبعيض في الاحتياط على ما أسمعناك في الجزء الأوّل من التّعليقة، و إلّا فالرّاجح و المرجوح متساويان في حكم العقل بعد قيام الدّليل القطعي على حرمة العمل بغير العلم؛ فإنّ مرجع الأخذ بالرّاجح في الفرض إلى حجّيّة الظّن مع عدم دليل عليها بالفرض.

و منه يظهر الكلام في الموضع الثّاني و هو: دوران الأمر في التّخيير العقلي في المسألة الأصوليّة على القول بالطّريقيّة في الأمارات، مع عدم أصل على طبق أحد المتعارضين؛ حيث إنّه مع وجوده يتعيّن الرّجوع إليه و لا مورد للتّخيير حينئذ.

و ممّا ذكرنا يظهر ما في «الكتاب» من التّشويش في تحرير المقام بقوله:

184

(و مرجع التّوقّف أيضا إلى التّخيير (1) إذا لم يجعل الأصل من المرجّحات ...

____________

(1) قال السيّد المجدّد الشيرازي (قدّس سرّه):

«مراده من رجوع التوقّف إلى التخيير إنّما هو رجوعه اليه بحسب المورد بمعنى انه اذا كان المورد مما كان الأصل الاوّلي فيه التوقّف مع عدم كون الأصل من المرجّحات يكون من صور التكافؤ التي هي مورد التخيير الثابت باخبار التخيير، و التقييد بعدم كون الأصل من المرجّحات لأجل انه مع كونه منها يكون قاطعا للأصل الأوّلي الذي هو التوقّف و معيّنا للأخذ بموافقه من الخبرين المتعارضين، فيكون مخرجا للمورد عن أخبار التخيير؛ لاختصاصهما بما لم يكن لأحدهما مرجّح و معيّن، الذي يعبّر عنه بصورة التكافؤ.

و ظاهر العبارة يعطي ما لا يخلو من المناقشة و الإيراد مع انه ليس بالمراد فإن ظاهرها رجوع نفس التوقّف إلى نفس التخيير على التقدير المذكور، و هو لا يستقيم؛ فإن التوقّف و التخيير معنيان متباينان لا يعقل صدق أحدهما على الآخر إذ الأوّل: عبارة عن عدم التمسّك بواحد من الخبرين المتعارضين في خصوص مؤدّاه، و الثاني: عبارة عن جواز التمسّك بواحد منهما على البدل في خصوص مؤدّاه و جعله طريقا إليه، فالنسبة بينهما هو التباين الكلّي لتناقضهما» إنتهى. انظر تقريرات المجدّد الشيرازي: ج 4/ 272.

* و قال المحقق آغا رضا الهمداني (قدّس سرّه):

«أقول: يعني بعد أن علم من الخارج- و لو بواسطة الأدلّة السمعيّة- أن الحكم في الخبرين المتعادلين هو التخيير- سواء كان اعتبارهما من باب السّببيّة أو الطريقيّة لا الإحتياط- او الرجوع إلى الأصل المطابق لأحدهما، فالفرق بين التخييرين: انه على الأوّل واقعي، و على الثاني قاعدة عمليّة يرجع إليه المتحيّر بعد تكافؤ الدليلين و تساقطهما من حيث جواز العمل بكلّ منهما في خصوص مؤدّاه» إنتهى. أنظر حاشية فرائد الأصول: 511.

* و قال المحقق الخراساني (قدّس سرّه):

«لا يخفى ان ظاهر العبارة و إن كان لا يخلو عن الإيراد حيث إن إرجاع التوقّف إلى التخيير-

185

إلى آخره) (1).

فإنّ الكلام إنّما هو في تأسيس الأصل في حكم التّرجيح فلا محلّ لهذا التّعليق و الاشتراط.

كما أنّ ما أفاده بقوله: (فالحكم التّخيير على تقدير فقده، أو كونه مرجعا) (2) لا يخلو عن مناقشة ظاهرة؛ إذ على تقدير وجود الأصل و كونه مرجعا لا يبقى مجال للتّخيير، و إن أراد توجيه ما أفاده بإلحاق قوله: (بناء على أنّ الحكم في المتعادلين مطلقا التّخيير) (3) إذ البناء المذكور إنّما هو بملاحظة أخبار التّخيير، و الكلام في المقام مع قطع النّظر عنها.

و إلّا فحقّ التّحرير أن يقال بدل ما حرّره: أنّ حكم المتعارضين التّخيير مطلقا غاية ما هناك كون التّخيير عقليّا على السّببيّة و شرعيّا على الطّريقيّة و إن كان مقتضى القاعدة على الطّريقيّة الحكم بالتّوقّف و الرّجوع إلى الأصل إن كان على طبق أحدهما، و إلّا فالتّخيير العقلي نظير التّخيير بين المحذورين في المسألة

____________

- واضح الفساد لكمال البينونة بينهما مفهوما و عملا، إلّا انه ليس بالمراد و إنّما الإرجاع إنّما يكون بحسب المورد، يعني ما كان بحسب الأصل الأوّلي موردا للتوقّف يكون من صورة التكافؤ التي هي مورد للتخيير لو لم يكن الأصل عن المرجّحات أو لم يكن موافقا لأحدهما، هذا». أنظر درر الفوائد: 449.

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 48.

(2) المصدر السابق.

(3) نفس المصدر.

186

الفرعيّة و إن كان قوله بعد النّقل المذكور (و التّخيير أمّا بالنّقل ... إلى آخره) (1) ربّما يشهد على الإلحاق المذكور، إلّا أنّ فيه أيضا نوع تشويش، و إلّا فحقّ التّعبير أن يقال: (فالتّخيير أمّا بالنّقل ... إلى آخره).

فإن قلت: حكم العقل بالتّخيير في الموضعين مبنيّ على تسوية الاحتمالين و عدم ترجيح أحدهما على الآخر؛ ضرورة كونه مبنيّا على قاعدة بطلان التّرجيح بلا مرجّح، و مقتضى ذلك كما ترى، الحكم بلزوم الأخذ بالرّاجح و ترك المرجوح و لو من جهة كونه متيقّنا على كلّ تقدير كما يقتضيه ما أفاده في «الكتاب» في طيّ الجواب عن السّؤال بقوله: (نظير الاحتياط بالتزام ما دلّ أمارة غير معتبرة على وجوبه‏ (2) مع احتمال الحرمة أو العكس) (3).

قلت: قد عرفت: أنّ مرجع لزوم الأخذ بالرّاجح في الموضعين حقيقة إلى حجّيّة الظّن فإذا قام البرهان القاطع على عدم حجّيّته في حكم الشّرع، بل العقل أيضا كان الرّاجح و المرجوح متساويين في نظر العقل، فيحكم بالتّخيير بينهما هذا بعض الكلام في حكم الموضعين الأوّلين.

و أمّا الموضع الثّالث: فقد أسمعناك أنّ المانع عن الحكم بالتّخيير فيه ليس إلّا أهميّة أحد المتزاحمين و أقوائيتهما بحسب المصلحة الملزمة في نظر الشّارع، فإذا فرضنا اعتبار المتعارضين من باب السّببيّة الموجبة لدخولهما في عنوان المتزاحمين و إن كان هذا مجرّد فرض يمنع تحقّقه عندنا على ما أسمعناك شرح‏

____________

(1) نفس المصدر.

(2) في بعض نسخ الفرائد: (مع عدم احتمال الحرمة ... الى آخره).

(3) نفس المصدر: ج 4/ 50.

187

القول فيه، و أنّ التّعارض لا يجامع التّزاحم و كان أحدهما مشتملا على ما يوجب أقربيّته إلى الواقع لم يكن إشكال في عدم تأثيره في رفع الحكم بالتّخيير بالمعنى الّذي عرفته سابقا بعد مساواتهما من حيث المصلحة و عدم أهميّة أحدهما كما هو المفروض؛ لأنّ القرب إلى الواقع غير ملحوظ في الأمر بالعمل بالمتعارضين، فكيف يصلح القرب إلى الواقع الحاصل من المزيّة لتعيين ذيها و ترجيحه على غيره؟ فلا دوران هنا من جهة المزيّة المزبورة أصلا كما لا يخفى.

نعم، هنا كلام في ثبوت التّخيير مع الظّن بأهميّة أحد المتزاحمين أو احتمالها. صريح شيخنا العلّامة في «الكتاب» و في مجلس المذاكرة: عدم ثبوته في صورة احتمال الأهميّة فعدم ثبوته في صورة الظّن بها أولى كما لا يخفى؛ حيث إنّ التّخيير عنده مترتّب على موضوع العلم بالمساواة فإذا لم يعلم بها و احتمل الأهميّة فيحكم بلزوم اختيار ما يحتملها من الواجبين، و لا يجدي الحكم بعدمها من جهة الأصل على تقدير تسليم جريانه. مع أنّه ممنوع لعدم الحالة السّابقة المعلومة حتّى يحكم ببقائها؛ لأنّ التّرتّب عقليّ فلا يجدي حكم الشّارع بعدمه أصلا، مضافا إلى كونه من الأصول المثبتة الّتي لا اعتبار بها عندنا هذا.

و لكنّك خبير بإمكان التّفصيل في المقام بين كون التّخيير في موارد التّزاحم بحكم الشّرع على ما عرفت شرح القول في بيانه، أو بحكم العقل بجعل احتمال الأهميّة على الأوّل مانعا عن التّخيير؛ نظرا إلى عدم العلم بوجود المزاحم لما احتملت أهميّته، فلا يجوز رفع اليد عنه. و على الثّاني غير مانع عنه؛ نظرا إلى حصر المانع في حكم العقل بعد ملاحظة وجود المصلحة الملزمة في الواجبين في علمه بوجود الأهميّة لا الأهميّة الواقعيّة فلا ينفع احتمالها فتأمّل.

188

و أمّا الموضع الرّابع: فالدّوران فيه من حيث التّخيير و التّعيين لا تعلّق له برجحان أحدهما و مرجوحيّة الآخر من حيث الأمارات الدّاخليّة و الخارجيّة، بل مستند في الشّبهة الحكميّة إلى أحد أسباب اشتباه الحكم. و قد تقدّم الكلام فيه في الجزء الثّاني من «الكتاب» (1) و التّعليقة (2)، و أنّ المختار بل المشهور عدم جواز الرّجوع إلى البراءة فيه، بل المتعيّن الرّجوع إلى قاعدة الاشتغال فراجع، و إن كان كلام شيخنا العلّامة في الجزء الثّاني من «الكتاب» لا يخلو عن ميل إلى البراءة على خلاف ما صرّح به في المقام بقوله: (ففيه: أنّه لا ينفع بعد ما اخترنا في تلك المسألة وجوب الاحتياط و عدم جريان قاعدة البراءة) (3).

نعم، ربّما يجعل المقام من جزئيّاته؛ نظرا إلى أنّ احتمال التّرجيح بالمزيّة في معنى احتمال تعيين الأخذ بذيها، فإذا فرض الإهمال في قضيّة دليل التّخيير، فيدور الأمر بين التّخيير و التّعيين في المسألة الأصوليّة. و من هنا قد يبتني الأصل في المسألة على الأصل في تلك المسألة.

و من هنا أورد في «الكتاب» على ما أفاده: من لزوم الأخذ بالرّاجح بمقتضى الأصل، بقوله: (و ثانيا: أنّه إذا دار الأمر بين وجوب أحدهما على التّعيين ... إلى آخره) (4).

و هو كما ترى، صريح فيما ذكرنا: من جعل مسألتنا هذه من جزئيّات تلك‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 2/ 357.

(2) بحر الفوائد: ج 2/ 174.

(3) فرائد الأصول: ج 4/ 50.

(4) نفس المصدر: ج 4/ 49.

189

المسألة زعما من السّائل: أنّه يوجب انقلاب الأصل و فساد ما بنى عليه شيخنا العلّامة، لكنّه في كمال الوضوح من الفساد.

و من هنا أجاب عنه في «الكتاب»: بعدم تعلّق المقام بتلك المسألة أصلا بعد الجواب عنه: بأنّ الاعتراض المذكور لا يفيد بعد البناء في تلك المسألة على الاشتغال على ما عرفت بقوله: (و الأولى منع اندراجها في تلك المسألة؛ لأنّ مرجع الشّك في المقام إلى الشّك في جواز العمل بالمرجوح ... إلى آخره) (1).

و مراده من الأولويّة ليس ما يتراءى من ظاهرها في بادي‏ء النّظر، بل المتعيّن كما يشهد له قوله بعد ذلك: (و التّحقيق: أنّا إن قلنا بأنّ العمل بأحد المتعارضين ... إلى آخره) (2) (3) من حيث إنّ الشّك في المسألة يرجع إلى الشّك‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 50.

(2) نفس المصدر.

(3) قال المحقق آغا رضا الهمداني (قدّس سرّه):

«أقول ملخص مرامه: انه ان بنينا على قصور ما دل على حجية الخبر، عن افادة وجوب العمل بشى‏ء من المتعارضين، و عدم جواز طرحهما رأسا، و إنّما استفيد ذلك من حكم الشارع به بدليل الاجماع و الأخبار العلاجية، و الا لكان مقتضى الأصل فيهما التساقط، و فرض وجودهما كأن لم يكونا، وجب حينئذ الالتزام بالراجح، و طرح المرجوح، كما تبين وجهه فيما سبق.

و ان قلنا بأنه يستفاد ذلك من نفس أدلة العمل بالأخبار:

فإمّا أن نقول بأن مفاد تلك الأدلة اعتبار الأخبار من باب السببيّة و الموضوعية، فهى تدل على هذا لا تقدير على وجوب العمل بكل خبر مع الامكان، و المتعارضان- حيث لا يمكن-

190

في الطّريق و من المعلوم؛ ضرورة لزوم الاقتصار في حكم العقل على ما علم طريقيّته؛ لعدم تجويزه سلوك المشكوك في مقام الإطاعة و الامتثال، و ليس الشّك في أصل متعلّق حكم الشّارع من حيث دورانه بين شي‏ء معيّن، أو أحد الشّيئين حتّى يجوز في حكمه نفي التّعيين من حيث إنّه كلفة زائدة فيتوقّف على البيان.

ثمّ إنّ ما أفاده من تقرير الأصل في المسألة لمّا كان نظريّا توجّه عليه السّؤال بقوله: (فإن قلت: أوّلا إنّ كون الشّي‏ء مرجّحا مثل كون الشّي‏ء دليلا ...

إلى آخره) (1).

و التّرقّي بقوله: (بل العمل به مع الشّك يكون تشريعا، كالتّعبّد بما لم يعلم‏

____________

- العمل بهما معا- يجب الأخذ بأحدهما، لأنه هو القدر الممكن، فيستنتج العقل من هذا الحكم، بالتخيير، كما تقدم توضيحه آنفا.

و إمّا أن نقول بدلالتها على اعتبار الأخبار من باب الطريقية، و أن عمومها لا يقصر عن شمول أحد المتعارضين الغير المعلوم مخالفته للواقع، فيستفاد منها عدم جواز طرح المتعارضين رأسا و فرضهما كالعدم، بل وجوب تصديق أحدهما على سبيل الاجمال و الابهام، أي:

الالتزام بعدم خروج الواقع عن مؤدى كلا الخبرين، لا التعبد بصدق أحدهما عينا أو تخييرا كما عرفته بحقيقته فيما سبق، و علمت أن هذا هو الحق، و لذا التزمنا بأن الأصل في الخبرين المتعارضين هو التوقف، و الرجوع الى الأصل الموافق لأحدهما، لا التساقط أو التخيير.

فالذى يقتضيه التحقيق، بناء على ما اخترناه: من أن الأصل فيهما التوقف و الرجوع الى الاصول الموجودة في تلك المسألة، عدم الاعتناء بميزة لم يثبت اعتبارها، اذ لا يجوز رفع اليد عما يقتضيه الاصول بمزية غير ثابتة الأعتبار» إنتهى. انظر حاشية فرائد الأصول: 512.

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 49.

191

حجّيّته) (1) مبنيّ على ما أفاده مرارا سيّما في الجزء الأوّل من «الكتاب» عند الكلام في تأسيس الأصل في الظّن: من أنّ حرمة العمل بغير العلم تشريعيّة مترتّبة واقعا على مجرّد عدم العلم و الشّك في الحجّيّة، فلا معنى لإجراء أصل العدم المختصّ كسائر الاستصحابات الوجوديّة و العدميّة بما إذا ترتّب الحكم الشّرعي على مجراه واقعا و إن تقدّم منّا كلام في ذلك في الجزء الأوّل من التّعليقة من جهة الكلام في موضوع التّشريع‏ (2) فراجع إليه.

الأصل عدم الترجيح بالظنّ كما أن مقتضاه عدم حجّيّة الظنّ‏

ثمّ إنّ حاصل ما أفاده في السّؤال الأوّل يرجع إلى أنّ نتيجة الأصل المذكور يرجع إلى الحكم بمرجّحيّة المزيّة مع الشّكّ فيها، مع أنّ مقتضى نفس الأصل المذكور بعد تعميمه بالنّسبة إلى الشّك في الحجّيّة و المرجّحيّة البناء على عدم مرجّحيّتها.

و حاصل الجواب عنه بقوله: (قلت: كون التّرجيح كالحجّيّة أمرا يجب ورود التّعبّد به من الشّارع ... إلى آخره) (3) يرجع إلى أنّ الأخذ بالرّاجح ليس من حيث إنّ رجحانه أوجب الأخذ به و بعنوان كونه راجحا حتّى يدخل في مسألة التّشريع و التّديّن بغير العلم، بل من حيث كونه متيقّن الاعتبار و الحجّيّة على كلّ تقدير

____________

(1) نفس المصدر.

(2) بحر الفوائد: ج 1/ 79.

(3) فرائد الأصول: ج 4/ 49.

192

و غيره مشكوك الحجّيّة فالأخذ بالرّاجح و طرح المرجوح إنّما هو من حيث الاحتياط.

و من المعلوم ضرورة عدم صدق التّشريع على الأخذ بعنوان الاحتياط و عدم اجتماعهما موضوعا، فإذا اقتضى الدّليل وجوب الاحتياط من جهة حكم العقل في مورد تردّد الطّريق بين المتيقّن و المشكوك لم يكن معنى لمنعه، تمسّكا بما دلّ على حرمة التّشريع من العقل و النّقل، فهو نظير حكم العقل بلزوم الاقتصار على الرّاجح من المحتملين في مسألة دوران الأمر بين الوجوب و التّحريم في المسألة الفرعيّة احتياطا؛ فإنّه لا يمنع منه ما دلّ على حرمة التّشريع و التّديّن بغير العلم، هذا حال ما دلّ على حرمة العمل بالظّن من باب التّشريع.

و أمّا ما دلّ على حرمته من حيث إيجابه طرح العمل بالأصل المعتبر الجاري في المسألة و إن لم يكن بعنوان التّشريع على ما عرفته في الجزء الأوّل من التّعليقة (1): من كونه جهة مستقلّة لتحريم العمل بغير العلم فلا يمنع من العمل المذكور قطعا؛ لأنّ المفروض عدم جريان الأصل في المسألة الّتي تعارض فيها الخبران بعد وجود الدّليل في المسألة، و إن كان مردّدا بين الرّاجح و المرجوح و إن كان على طبق أحدهما كما هو ظاهر. و المفروض أنّ قضيّة التّخيير أيضا قضيّة مهملة فلا يتوهّم: أنّ الأخذ بالرّاجح موجب لطرح دليل التّخيير و إن لم يوجب طرح الأصل في المسألة الفرعيّة.

لا يقال: الشّك في حجّيّة المرجوح فعلا الموجب للرّجوع إلى الأصل‏

____________

(1) بحر الفوائد: ج 1/ 79.

193

بالنّسبة إليه مسبّب عن الشّك في اعتبار المزيّة عند الشّارع، فإذا حكم الشّارع في طيّ ما دلّ على عدم الاعتناء بغير العلم بجعله حجّة، أو مرجّحا ارتفع الشّك عن الحجّيّة الفعليّة للمرجوح، فيحكم بتسوية الرّاجح و المرجوح في نظر الشّارع فالتّرجيح يتوقّف على قيام دليل عليه؛ إذ الأصل على هذا يقتضيه، ألا ترى أنّ الدّليل القائم على حرمة القياس يمنع من جعله مرجّحا كما يمنع من جعله حجّة- على ما تقدّم القول فيه في الجزء الأوّل و ستقف عليه أيضا-؟ مع أنّ مفاده ليس إلّا حرمة العمل بالقياس بعنوان التّشريع، و لا فرق عند التّحقيق بين مفاده و مفاد دليل حرمة العمل بغير العلم إلّا بالخصوص و العموم.

لأنّا نقول: دليل حرمة العمل بغير العلم إنّما يمنع من الحكم بمرجحيّة الظّن و التّديّن بمقتضاه لا من الاحتياط في مورد قيام الظّن، و العمل بالرّاجح مستند إلى تيقّن اعتباره، و ترك العمل بالمرجوح مستند إلى الاحتياط في الطّريق لا إلى رجحان الرّاجح.

لا يقال: دليل حرمة العمل بغير العلم و إن لم يرفع حسن الاحتياط، إلّا أنّه يمنع من وجوبه قطعا؛ لأنّ وجوبه مبنيّ على احتمال الضّرر و العقاب المرتفع بدليل الحرمة جزما فهو وارد على الاحتياط اللّازم من حيث ارتفاع موضوعه به فهو من هذه الجهة نظير دليل حرمة القياس و أشباهه؛ فإنّه أيضا لا يمنع من حسن الاحتياط في مورده، إلّا أنّه يمنع من وجوب الاحتياط في مورده فيما جعل المقتضي له نفس قيام القياس في المسألة الفقهيّة، و المدّعى هو وجوب الاحتياط في المسألة لا مجرّد رجحانه.

لأنّا نقول: دليل حرمة العمل بغير العلم لا يمنع إلّا من الاستناد إليه، و قد

194

عرفت: أنّ الاستناد في المسألة إلى العلم، أي: ما يعلم اعتباره على كلّ تقدير، و المنع عن العمل بالمرجوح بعد إهمال قضيّة التّخيير كما هو المفروض من جهة الشّك في اعتباره، و دليل حرمة العمل بالمشكوك لا يوجب اعتبار المشكوك.

و منه يظهر فساد قياس المقام بموارد وجود القياس و أشباهه؛ فإنّه بعد قيام الدّليل الخاص على عدم حجّيّته لا يمكن الحكم بوجوب الاحتياط لأجله، و هذا بخلاف المقام؛ فإنّ المفروض فيه وجود ما تيقّن اعتباره، فإذا حكم بحرمة العمل بالمرجوح من جهة الأصل فيؤخذ بالرّاجح من حيث كونه متيقّن الحجّيّة، فلزوم الأخذ به إنّما هو من هذه الجهة لا من جهة المزيّة الغير المعتبرة و الأصل الجاري فيها لا ينفي حكم الاحتمال و إنّما ينفي حكم المحتمل. و بعبارة أخرى: ينفي البناء على كونه مرجّحا لا ما يترتّب عقلا على احتمال كونه مرجّحا.

لا يقال: إذا كان الشّك في اعتبار المرجوح مسبّبا عن الشّك في اعتبار المزيّة كان أصالة عدم اعتبار المزيّة حاكمة على أصالة عدم اعتبار المرجوح؛ إذ المفروض عدم الشّك فيه، إلّا من الجهة المسطورة فالمستند للحكم باعتباره ليس دليل حرمة العمل بغير العلم حتّى يتوجّه عليه ما ذكر، بل نفس حكم الشّارع بحجّيّة المتعارضين.

لأنّا نقول: إن كان المراد من حكم الشّارع مدلول أدلّة حجّيّة الأخبار فيتوجّه عليه ما عرفت مرارا: من أنّه على الطّريقيّة لا اقتضاء لها إلّا بالنّسبة إلى نفي الثّالث.

و إن كان مدلول ما قضى بالتّخيير بين المتعارضين، فيتوجّه عليه ما عرفت:

من فرض الإهمال في قضيّة التّخيير، و إلّا لم يكن مورد للرّجوع إلى الأصل.

195

و إثبات إطلاق الأخبار و بيانها بالأصل المذكور كما ترى، فالحجّة الفعليّة مستندة إلى نفس الأصل المذكور فيلزمه المحذور المزبور.

نعم، لو بني على الموضوعيّة و السّببيّة في اعتبار الأدلّة لم يكن معنى للأصل المذكور؛ لعدم الإهمال في حكم الشّارع، أو العقل و عدم مدخليّة رجحان أحدهما فيما أوجب مزاحمة المتعارضين، فالكلام في تأسيس الأصل مبنيّ على الطّريقيّة و قيام الدّليل على التّخيير، و إهمال ما دلّ عليه، أو فرض إهماله كما يفصح عنه ما أفاده شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) في طيّ التّحقيق الّذي ذكره في حكم المقام.

نعم، ما أفاده من تنظير المقام بدوران الأمر بين المحذورين في المسألة الفقهيّة مع رجحان أحد الاحتمالين.

ربّما يناقش فيه: بأنّ التّخيير فيه إذا كان بحكم العقل، فلا معنى لتردّده في موضوع حكمه حتّى يرجع إلى الاحتياط، اللّهمّ إلّا أن يكون المراد المقايسة من حيث الحكم بوجوب الأخذ بالرّاجح لا في عنوان الحكم وجهته، لكنّه ينافي تصريحه بالعنوان، مضافا إلى عدم ارتباطه بالمقام إذا كان الحكم فيه بعنوان آخر كما هو ظاهر، هذا كلّه فيما أوجب رجحان أحد المتعارضين من المزايا سواء ظنّ التّرجيح به أو شكّ فيه أو احتمل ذلك موهوما. و أمّا ما لا يوجب رجحان أحدهما مع احتمال التّرجيح به- كالأصل مثلا- فحكمه من حيث الأصل حكم القسم الأوّل.

و من هنا ذكر في «الكتاب»: بل الأصل فيما يحتمل كونه مرجّحا التّرجيح به، و يمكن حمله بعيدا على ما يوجب قلّة الاحتمال في أحد المتعارضين أو بعده بالإضافة و إن لم يبلغ مرتبة الظّن على ما ستقف عليه: من كونه مرجّحا أيضا

196

حسبما يستفاد من التّعليل الوارد في أخبار التّرجيح، كما يقع الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.

و ممّا ذكرنا في شرح كلامه يظهر: صحّة ما أفاده من الاستدراك بقوله: (إلّا أن يرد عليه إطلاقات التّخيير) (1) و فساد ما أورد عليه: من عدم إمكان اجتماع الإهمال و الإطلاق؛ فإنّ الغرض منه ليس التّفكيك بحسب الأصل و فرض الإهمال و الإطلاق، بل الغرض منه كما هو صريح العبارة عند التّأمّل التّفكيك من حيث الأخبار المقيّدة المفيدة لعموم التّرجيح بكلّ مزيّة مع الالتزام بإطلاق أخبار التّخيير بقول مطلق، فحاصله: أنّه لا فرق بين القسمين بحسب الأصل، و إن أمكن الفرق بينهما بحسب دليل التّرجيح مع الالتزام بإطلاق قضيّة التّخيير بقول مطلق كما يشهد له قوله: (بناء على الاقتصار ... إلى آخره) (2) و المراد من قوله: (على ما علم كونه مرجّحا) (3) العلم بالرّجحان الوجداني لا العلم بالحكم عند الشّارع؛ فإنّه في كمال الوضوح من الفساد بحيث لا يحتمل صدوره في حقّ من دونه بمراتب كما هو ظاهر.

نعم، التّعرض للفرق بين القسمين بحسب الأدلّة بالعبارة المذكورة ربّما يوجب اشتباه الأمر على النّاظر.

هذا حاصل ما استفدناه من «الكتاب» مع ما فيه من الاضطراب، و من إفاداته في مجلس البحث مع ما فيه من التّأمّل؛ لأنّ الجمع بين كون مقتضى الأصل‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 53.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر.

197

عدم التّرجيح، و أن مقتضاه مساواة المرجّحيّة للحجّيّة و كون مقتضى الأصل لزوم التّرجيح و تسميته بالأصل الثّانوي و الأوّل بالأصل الأوّلي كما يفصح عنه قوله:

(فصار الأصل وجوب العمل بالمرجّح، و هو أصل ثانوي) (1) مع كون المراد من الأصلين أصالة حرمة العمل بغير العلم. كما ترى، لا يخلو عن مناقشة.

كلام المحقّق الرّشتي في المقام‏

ثمّ إنّ لبعض فضلاء المعاصرين كلاما في المقام فيما أملاه في المسألة لا بأس بنقله و الإشارة إلى ما فيه قال (رحمه اللّه) في الجواب عن السّؤال- بأنّ الشّك في حجّيّة المرجوح مسبّب عن الشّك في اعتبار الرّجحان في نظر الشّارع و الأصل فيه حاكم على الأصل في المرجوح- ما هذا لفظه:

«قلت: أوّلا: أنّا لا نقول بالحكومة في أفراد أصل واحد و لو مع التّسبّب‏ (2) فلا يقدّم الأصل الجاري في السّبب على الأصل الجاري في المسبّب بل نحكم بتعارضهما.

إلى أن قال:

و ثانيا: أنّ التّسبب‏ (3) لا بدّ من أن يكون بين المشكوكين لا الشّكين، و الأمر هنا ليس كذلك؛ لأنّ سبب عدم جواز العمل بالمرجوح عند الشّارع ليس هو وجوب العمل بالرّاجح بل هما في مرتبة واحدة، و إلّا لكان عدم اعتبار الظّنون‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 53.

(2 و 3) كذا و في الأصل: التسبيب.

198

الغير المعتبرة مسبّبا و معلولا لحجّيّة الظّنون المعتبرة.

و هو كما ترى، بل الرّاجح و المرجوح ظنّان تعارضا و نحن جازمون بحجّيّة الرّاجح و شاكّون في حجّيّة المرجوح، فإن لم يكن حجّة فإنّما هو لعدم وجود المقتضي لها لا لوجود المانع و هو حجّيّة الرّاجح؛ فإنّ الشّك في وجوب العمل بالرّاجح عينا ليس شكّا في أمر زائد على جواز العمل به بعد إحرازه كما قلنا في المتزاحمين حتّى يدفع بالأصل، بل العينيّة على فرض ثبوتها إنّما نشأت من عدم حجّيّة معارضه، فالشّك في وجوب العمل بالرّاجح عينا و جواز العمل بالمرجوح كلاهما نشئا من الشّك في أنّ الحكم الشّرعي في المرجوح هل هو الحجّيّة أيضا مثل الرّاجح أم لا؟ فلا سببيّة و لا حكومة و لو قلنا بها في تعارض الأصلين».

و ساق الكلام إلى أن قال:

«إذا تحقّق ذلك فنقول: إنّ الأدلّة إن كان اعتبارها من باب السّببيّة و الموضوعيّة كان الحكم في المتعارضين منهما مثل ما في المتزاحمين، فالأصل فيه قاض بعدم اعتبار المرجّح حسبما مرّ تفصيلا، إلّا إذا قلنا بأنّ احتمال الأهميّة مانع عن التّخيير و قاض بالتّرجيح في باب التّزاحم كما هو ظاهر الرّسالة؛ فإنّ قضيّة الأصل حينئذ وجوب العمل بمعلوم الرّجحان، بل و محتمله خلافا للرّسالة:

حيث صرّح بعدم وجوب العمل بذي المزيّة بناء على أنّ المزيّة إنّما توجب الأقربيّة إلى الواقع و لا مدخليّة لها في مطلوبيّة العمل بالطّريق على تقدير السّببيّة قطعا، فلا يحتمل الأهميّة حتّى يجب مراعاتها و لو كان أقرب إلى الواقع.

و فيه: أنّ القطع بذلك من العجائب؛ فإنّ الأقرب إلى الواقع لو لم ندّع الظّن بتأكّد مطلوبيّته و كون العمل به أهمّ عند الشّارع فلا أقلّ من الاحتمال.

199

نعم، على التّصويب الباطل: من دوران الأحكام الواقعيّة مدار الطّرق و الأمارات الشّرعيّة، و أنّه ليس للواقع حكم شرعيّ عند اللّه يكشف عنه الأمارة، بل يحدث بحدوثها و ينتفي بانتفائها أمكن القطع بعدم الأهميّة».

إلى أن قال:

«و أمّا بناء على ثبوت الأحكام الواقعيّة و كون الأمارات كاشفة عنها فإن خالفت يتداركها بالأمارة، و إن صادفت يتأكّد مصلحة الواقع بمصلحة الأمارة كما هو المراد بالسّببيّة الدّائرة على السّنة العلماء في الأصول و الفقه دون الأوّل الّذي تطابق العقل و النّقل على فساده، فلا وجه لإنكار احتمال الأهميّة في ذي المزيّة» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و فيه ما لا يخفى من وجوه المناقشة و النّظر.

أمّا أوّلا: فلأنّ منع جريان الحكومة في أفراد أصل واحد بظاهر معنى الحكومة لا بأس به إلّا أنّك قد عرفت جريانها حكما فيها كيف؟ و أخبار الاستصحاب بحسب المورد- على ما عرفت شرح القول فيه في تعارض الاستصحابين- ناطقة بتقديم الاستصحاب في الشّك السّببي على الاستصحاب في الشّك المسبّب، مضافا إلى ما عرفت هناك من سائر الوجوه المقتضية لذلك فراجع إليه حتّى تقف على حقيقة الأمر.

و أمّا ثانيا: فلأنّ ما ذكره: من كون المدار في التّحكيم على السّببيّة و المسبّبيّة بالنّسبة إلى المشكوك لا الشّك و إن كان مستقيما و قد اعتبرهما شيخنا العلّامة (قدّس سرّه)

____________

(1) بدايع الأفكار: 429- 430.

200

بالنّسبة إليه أيضا في الجزء الثّالث من «الكتاب» و صرّح بذلك فيه، و إنّما اعتبر بالنّسبة إلى الشّك من جهة انطباق موارد سببيّة الشّك غالبا في الشّرعيّات على سببيّة المشكوك، لا أن يكون المدار عليها من حيث هي، إلّا أن منع تحقّق الضّابط المذكور في المقام؛ نظرا إلى ما ذكره في غير محلّه؛ لأنّ الجزم بحجّيّة الرّاجح المردّدة بين التّعيين و التّخيير و الشّك في حجّيّة المرجوح إنّما هما من جهة وصفي الرّجحان و المرجوحيّة لا من جهة ذاتي الرّاجح و المرجوح، و إلّا لم يعقل تردّد الحجّيّة في الرّاجح بين التّعيين و التّخيير، بل كان الرّاجح معلوم الحجّيّة على التّعيين. و على كلّ تقدير سواء كان المرجوح معتبرا أم لا كما هو الشّأن بالنّسبة إلى الظّنون المعتبرة و الظّنون الغير المعتبرة كما ذكره و لم يكن معنى للتّعارض على التّقدير المزبور كما هو الشّأن بالنّسبة إلى الظّنون المعتبرة و الظّنون الغير المعتبرة.

و منه يظهر فساد قياس المقام بهما و عدم ارتباط بينهما أصلا، فعدم حجّيّة المرجوح في الفرض لو كان ثابتا في نفس الأمر معلول لحجّيّة الرّاجح على سبيل التّعيين على تقدير الثّبوت في نفس الأمر؛ إذ المفروض مساواتهما بحسب الحجّيّة الشّأنيّة، و إلّا لما تعارضا و هو خلف. و ليس المؤثّر في هذا التّعيين إلّا رجحان الرّاجح جزما فينتهي الأمر بالأخرة إليه.

و يدلّ على ما ذكرنا- مضافا إلى وضوحه-: كلماتهم في باب التّراجيح و الأخبار الواردة فيه سيّما التّعليلات المذكورة فيها؛ فإنّها صريحة في أنّ تقديم الرّاجح على المرجوح إنّما هو من جهة رجحانه.

و أمّا ثالثا: فلأنّ ما ذكره: من كون الأقربيّة إلى الواقع الحاصلة من رجحان إحدى الأمارتين موجبا للأهميّة جزما أو ظنّا أو احتمالا على السّببيّة و التّزاحم‏

201

بالتّقريب المذكور في كلامه الّذي يرجع عند التّأمّل إلى أنّ الظّن الحاصل بمطابقة الأمارة للواقع يوجب الظّن بتدارك مصلحة سلوك الطّريق و الواقع الملحوظ في جعل الطّريق، فيكون الرّاجح في نظر العقل بهذه الملاحظة أهمّ لا محصّل له أصلا، كما لا يخفى؛ فإنّه كما ترى، راجع إلى الالتزام بجعل الأمارات من باب الطّريقية لا السّببيّة المحضة؛ فإنّ مبنى الطّريقيّة كما عرفته غير مرّة على ملاحظة الواقع في جعل الأمارة في نظر الشّارع سواء كان هناك مصلحة في الأمر بالعمل بها أم لا، فملاحظة الكشف و الطّريقيّة موجب لتساقط الأمارتين بالمعنى الّذي عرفته لا الطّريقيّة المحضة كما هو ظاهر. و التّصويب و إن كان باطلا عندنا إلّا أنّ فرض كونه حقّا لا يجدي في المقام شيئا؛ لأنّ التّعارض لا يجامع التّزاحم على كلّ قول إلّا على فرض جواز الاجتماع الأمري الّذي اتّفقت كلمتهم على بطلانه.

و من هنا يتوجّه على ما ذكره مناقشة أخرى؛ فإنّه مسلّم التّزاحم بمعنى:

عدم ملاحظة مصلحة الواقع أصلا، على القول بالتّصويب إلى غير ذلك ممّا يتوجّه عليه. هذا بعض الكلام فيما يقتضيه الأصل في المسألة.

وجوه أخر للقول بوجوب الترجيح‏

ثمّ إنّ في كلماتهم جملة من الوجوه للقول بوجوب التّرجيح غير الأخبار و الإجماع و الأصل، لا بأس بالتّعرض لها و الإشارة إلى ما يتوجّه عليها.

فمنها: ما عن «النّهاية» و «الإحكام»: من تقرير النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) معاذا لمّا بعثه‏

202

قاضيا إلى اليمن في ترتيب الأدلّة و تقديم بعضها على بعض‏ (1).

و منها: دلالة الكتاب على ذلك فإنّ لازم ترك التّرجيح التّخيير و التّسوية بين خبر الفاسق، و العادل، و العالم، و الجاهل و هو منفيّ بقوله تعالى: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً (2) و قوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏ (3).

و منها: أنّه لو لم يجب العمل بالرّاجح و جاز التّخيير لم يجب تخصيص عامّ بخاصّ و لا تقييد مطلق بمقيّد و لا تأويل ظاهر بالأظهر، و ذلك هدم للدّين و تضييع لشريعة سيّد المرسلين (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و إبطال لمنهاج الأئمّة المعصومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين) لأنّ معظم الأدلّة الشّرعيّة متعارضة فيلزم من ترك التّرجيح المحظور المذكور و بطلان التّالي من جهة وضوحه لا يحتاج إلى البيان.

و هذا هو المراد ممّا ذكره جماعة من لزوم الهرج و المرج و الفقه الجديد من ترك التّرجيح كما في «الكتاب» و إلّا فالقائل بعدم وجوب التّرجيح لا يعترف بثبوت التّرجيح في الشّرع حتّى يلزم من تركه بطلان الدّين. نعم، لمّا كان التّرجيح بالمرجّحات المذكورة ممّا لا يقبل الإنكار استدلّ به على لزومه.

و من هنا أجاب شيخنا العلّامة عن هذا الوجه في «الكتاب»: بأنّ الظّاهر خروج هذا النّحو من المتعارضات عن محلّ الكلام؛ فإنّ التّرجيح بينها من الجمع الّذي تقدّم تقديمه على الطّرح ترجيحا و تخييرا عندهم فلا يلزم من ترك التّرجيح‏

____________

(1) الإحكام للآمدي: ج 4/ 140.

(2) السجدة: 18.

(3) الزمر: 9.