بحر الفوائد في شرح الفرائد - ج8

- الشيخ محمد حسن الآشتياني المزيد...
820 /
203

التّخيير بين المتعارضات المذكورة حتّى يلزمه المحظور المذكور (1).

و منها: ما في كتب جماعة من الخاصّة منهم: العلامّة في «النّهاية» (2) و «التّهذيب» (3)، و العامّة: من أنّه لو لم يجب ترجيح الرّاجح يلزم إمّا ترجيح المرجوح أو التّسوية بينهما و هما قبيحان بضرورة العقل. و من هنا ذكر في محكيّ «الإحكام»: أنّه إذا كان أحد الدّليلين راجحا فالعقلاء يقدّمونه و يرجّحونه بعقولهم‏ (4). و في محكيّ «شرح المبادي‏ء»: أنّه لو لم يجب العمل بالرّاجح فإمّا يعمل بالمرجوح أو بهما معا أو لا يعمل بشي‏ء منهما، و الكلّ باطل، فيتعيّن العمل بالرّاجح‏ (5).

و منها: ما تمسّك به في محكيّ «النّهاية» (6) و «غاية البادي» (7): من أنّه إذا وقع التّعارض بين الظّنين و ترجّح أحدهما كان العمل به متعيّنا عرفا فيجب شرعا؛ لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) : ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن. و في محكيّ «الإحكام» (8) الأصل: تنزيل التّصرّفات الشّرعيّة منزلة التّصرّفات العرفيّة، و لهذا

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 53- 54.

(2) انظر مفاتيح الأصول: 687.

(3) نفس المصدر.

(4) المصدر السابق عن الإحكام: ج 4/ 240.

(5) مفاتيح الأصول: 687.

(6) المصدر السابق.

(7) المصدر السابق.

(8) الإحكام للآمدي: ج 3/ 246.

204

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) : ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن) (1).

و منها: أنّه لو وجب التّخيير أو التّوقف لزم ارتكاب تخصيصات كثيرة لا تحصى فيما دلّ من العمومات على حجّيّة الظّنون كآية النّبأ و غيرها (2) و هو مع كونه خلاف الأصل في غاية البعد و الفساد لأدائه إلى سقوط فائدة تلك العمومات.

لا يقال: تلك العمومات كما تدلّ على حجّيّة الرّاجح كذلك تدلّ على حجّيّة المرجوح من غير فرق؛ فإنّ آية النّبأ تدلّ على قبول خبر الأعدل و العادل بدلالة واحدة.

لأنّا نقول: إذا فسد احتمال التّخيير و التّوقّف بما بيّناه لزم التّخصيص في تلك العمومات قطعا و لا يمكن إخراج الرّاجح، إلّا بتعيّن العمل بالمرجوح و هو مع قبحه عقلا مجمع على بطلانه، فتعيّن إخراج المرجوح و إبقاء الرّاجح فيجب العمل به إلى غير ذلك ممّا ذكره في «المفاتيح» (3) ممّا يقرب من تلك الوجوه أو يرجع إليها.

و الإنصاف: تطرّق المناقشة إلى جميعها حتّى قاعدة بطلان ترجيح المرجوح: من حيث قبحه في مقام و امتناعه في مقام آخر، و إن جمع بين القبح و الامتناع بعض فقال بقبحه بل امتناعه مع عدم إمكان اجتماعهما؛ فإنّه في مقام‏

____________

(1) عوالي اللئالي: ج 1/ 381 نقلا عن مسند أحمد بن حنبل ج 1/ 379.

(2) الحجرات: 6- و «آية النفر» التوبة: 122.

(3) مفاتيح الأصول: 687.

205

التّشريع قبيح لا محال، و في مقام التّكوين محال لا قبيح كما هو ظاهر؛ فإنّ المكلّف لا يختار الموهوم، و لا المظنون إلّا لمرجّح و غرض، و إلّا امتنع اختياره و الشّارع لا يحكم بالموهوم إلّا لمرجّح عنده، فالصّغرى ممنوعة على كلّ تقدير فلو قام هناك دليل على كون المظنون راجحا عند الشّارع فهو يغني عن القاعدة جدّا.

و من هنا ورد في الشّرع النّهي عن اتّباع الظّن، و كذا لو قام هناك دليل عقلا عليه كما إذا قلنا بتماميّة مقدّمات الانسداد المنتجة لحجّيّة مطلق الظّن حسبما عرفت شرح القول فيه في الجزء الأوّل من التّعليقة.

و الإنصاف: أنّ صرف الوقت في بيان فساد الوجوه المذكورة ممّا لا ينبغي؛ فإنّ العمدة ما عرفت من الوجوه الثّلاثة، و فيها غنى و كفاية؛ لأنّ الأخبار على ما ستقف عليه واضحة الدّلالة عليه و كذا انعقاد الإجماع عليه قولا و عملا ممّا لا شبهة فيه، و لو لم يكن إلّا الإجماعات المنقولة البالغة حدّ التّواتر كفت في حصول القطع منها بتحقّق الإجماع و لا يقدح مخالفة قليل ممّن لا يعتنى به، كما أنّه لا يقدح عدم تمسّك كثير في المقام بالأخبار مع بلوغها حدّ التّواتر، مع أنّ فيها الأخبار المعتبرة فيشبه المقام من هذه الجهة بالاستصحاب؛ فإنّه مع ورود الأخبار الكثيرة و فيها الصّحاح و غيرها لم يتمسّكوا له بالأخبار، فكأنّهم أرادوا في المقامين النّسج على طريقة العامّة.

ثمّ إنّ كلماتهم و إن كانت مختلفة من حيث مورد الإجماع من جهة أنّه خصوص الأخبار أو مطلق الظّنين، إلّا أنّه لا يقدح فيما نحن بصدده من وجوب‏

206

التّرجيح في الجملة. قال في محكي «المبادي‏ء»: «أنّ إجماع الصّحابة وقع على ترجيح بعض الأخبار على بعض» (1). انتهى.

و في «غاية البادي»: «أجمع الصّحابة على العمل بالتّرجيح عند التّعارض» (2). انتهى كلامه.

و في محكي «النّهاية» في مقام الاستدلال: «لنا: الإجماع على التّرجيح و المصير إلى الرّاجح من الدّليلين» (3). انتهى كلامه رفع مقامه.

و في محكيّ «غاية المأمول»: «أنّ التّرجيح متى حصل وجب العمل به؛ لأنّ المعهود من العلماء كالصّحابة و من خلفهم من التّابعين: أنّه متى تعارضت الأمارات اعتمدوا على الرّاجح و رفضوا المرجوح» (4). انتهى كلامه.

و في محكي «الإحكام»: «أمّا أنّ العمل بالدّليل الرّاجح واجب، فيدلّ عليه:

ما نقل و علم من إجماع الصّحابة و السّلف في الوقائع المختلفة على وجوب تقديم الرّاجح من الظّنين» (5). انتهى.

و في كلام غير واحد قطع الصّحابة و غيرهم به و عملهم عليه في الوقائع المتكرّرة المتكثّرة بحيث لا يقبل الإنكار. و في محكي «النّهاية» و غيرها (6): أنّهم‏

____________

(1) انظر مفاتيح الأصول للسيّد محمّد المجاهد: 686.

(2 و 3 و 4) المصدر السابق.

(5) الاحكام للآمدي: ج 4/ 239 و حكاه عنه السيّد المجاهد في مفاتيحه: 686.

(6) كغاية البادي‏ء و الإحكام.

207

قدّموا خبر «التقاء الختانين» (1) على خبر أبي هريرة: «إنّما الماء من الماء» (2).

و خبر أبي هريرة: «من أصبح جنبا فلا صوم له) (3) على خبر عائشة «أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان يصبح جنبا و هو صائم» (4)، إلى غير ذلك. هذا بعض الكلام فيما تمسّكوا به على وجوب التّرجيح.

فيما يستدلّ به للقول بعدم وجوب الترجيح‏

و أمّا القول بعدم وجوبه فقد يتمسّك له أيضا- مضافا إلى الأصل أي: أصالة عدم اعتبار المزيّة بالتّقريب الّذي عرفته، أو أصالة البراءة بناء عليها في دوران الأمر بين التّخيير و التّعيين حسبما أسمعناك عن قريب و إطلاق أخبار التّخيير، أو التّوقف على القول به- بوجوه:

منها: ما عن «النّهاية» من احتجاج المنكرين بقوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا

____________

(1) انظر صحيح ابن ماجة ج 1/ 199 باب «ما جاء في وجوب الغسل إذا إلتقى الختانان» ح رقم 608- و كذا مسند أحمد بن حنبل ج 6/ 123 حديث عائشة. و السنن الكبرى للبيهقي ج 1/ 259- ح 251 و 252.

(2) لم نجد لهذا الخبر عن أبي هريرة. نعم، رواه الحذري عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) . انظر صحيح مسلم ج 1/ 186 باب «إنّما الماء من الماء». و في سنن الترمذي ج 1/ 74- ح 112 رواه عن ابن عبّاس بزيادة «في الإحتلام».

(3) لاحظ مسند أبي هريرة: ج 2/ 248.

(4) سنن أبي داوود: ج 1/ 534 باب «فيمن أصبح جنبا في شهر رمضان»: حديث 2388.

208

يا أُولِي الْأَبْصارِ (1).

و أجاب عنه: بأنّه دليل ظنّي فلا يعارض الدّليل القطعي القائم على وجوب التّرجيح هذا. مع أنّ الآية لا تنفي التّرجيح فإنّ وجوب النّظر و الاعتبار لا ينافي التّرجيح.

و منها: ما عنها أيضا من الإحتجاج بقوله (عليه السّلام): (نحن نحكم بالظّاهر) (2) فإنّ مقتضاه عدم وجوب الأخذ بالرّاجح؛ فإنّ المرجوح أيضا ظاهر.

و أجاب عنه: بأنّ الخبر يدلّ على وجوب الأخذ بالظّاهر و الظّاهر ما يرجّح أحد طرفيه على الآخر و مع وجود الرّاجح لا يكون المرجوح ظاهرا فهو يدلّ على وجوب التّرجيح.

و منها: ما عنها أيضا فقال: احتجّ المنكرون أيضا: بأنّه لو اعتبر التّرجيح في الأمارات اعتبر في البيّنات المتعارضة في الحكومات و التّالي باطل لعدم تقدّم شهادة الأربعة على الاثنين فالمقدّم مثله. بيان الشّرطيّة: أنّ العلّة و هي ترجيح الأظهر على الظّاهر موجودة هنا.

ثمّ أجاب عنه بمنع نفي التّرجيح في الشّهادات، فإنّه يقدّم عندنا شهادة الأربعة على الاثنين سلّمنا لكن عدم التّرجيح في الشّهادة ربما كان مذهب أكثر الصّحابة و لم يخالفوا في اعتبار التّرجيح في تعارض الأدلّة (3). انتهى‏

____________

(1) الحشر: 2.

(2) لم نعثر على هذا الحديث في المصادر المعتبرة عند الخاصة و العامّة. نعم ذكره الآمدي في الإحكام ج 1/ 281 و كذا أورده الفخر الرّازي في المحصول ج 4/ 407.

(3) مفاتيح الأصول: 687.

209

ما حكي عنه.

و ظاهره كما ترى، أنّه لو لا الاتّفاق على التّرجيح في الأدلّة و كان أمرها أمر البيّنات من وقوع الاختلاف في التّرجيح فيها لحكمنا بعدم التّرجيح في الأدلّة أيضا؛ نظرا إلى الأصل هذا.

و قد استفاد شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) خلاف ما ذكرنا، فقال بعد نقله في «الكتاب»:

(و مرجع الأخير إلى أنّه لو لا الإجماع لحكمنا بالتّرجيح في البيّنات أيضا. و يظهر ما فيه ممّا ذكرنا سابقا فإنا لو بنينا على أنّ حجّيّة البيّنة من باب الطّريقيّة فاللّازم مع التّعارض التّوقّف ... إلى آخر ما أفاده) (1) (2).

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 54.

(2) قال السيّد المجدّد الشيرازي (قدّس سرّه):

«هذا بظاهره لا يستقيم؛ فان الأخير الذي استظهر منه ذلك هي العبارة المحكية عن النهاية [نهاية الوصول، مخطوط، انظر باب الترجيح حسبما أحال اليه نفسه في مبحث بناء العام على الخاص: 156 و نحن لاحظنا النسخة فكانت غير كاملة الى آخر مباحث النسخ‏] و المنية [منية اللبيب، مخطوط] و هي قوله: سلمنا، لكن عدم الترجيح في الشهادة ربما كان مذهب أكثر الصحابة، و الترجيح هنا مذهب الجميع.

و لا يخفى أنها ظاهرة، بل صريحة في ابداء الفرق بين المقام و بين البينات، بقيام الاجماع على وجوب الترجيح هنا، و وقوع الخلاف فيه في البينات، حيث أن أكثر الصحابة على عدم الترجيح فيها، لا قيام الاجماع على عدم الترجيح فيها- كما استظهره (قدّس سرّه)- و حاصلها: أن الترجيح في المقام للاجماع، فهو الفارق بينه و بين البينات، لا أن عدم الترجيح في البينات للاجماع فيها على عدمه، كما استظهره (قدّس سرّه)» إنتهى. انظر تقريرات مجدد: ج 4/ 273.-

210

نعم، لو كان مذهب أكثر الصّحابة إجماعا عندهم أو ملحقا به حكما أمكن استظهار ما استظهره من «النّهاية»، لكنّه لم يثبت و إن ذهب إلى اعتباره بعضهم.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ بطلان التّالي لمّا كان موقوفا على قيام الإجماع و التّسالم عليه، و إلّا كان ممنوعا فلا بدّ أن يكون مراد العلّامة (قدّس سرّه) ما استظهره.

و حاصله: أنّ عدم التّرجيح في الشّهادات إذا كان لقيام الدّليل فلا يقاس عليه الأدلّة إذا كان مقتضى الأصل التّرجيح في المقامين، اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ غرض المستدلّ نقض ما تمسّك به المستدلّ ممّا يأبى التّخصيص، فلا يجدي قيام الدّليل عليه بعد اتّحاد المناط، إلّا أنّه كما ترى، مضافا إلى منافاته لظاهر الاستدلال إيراد على الجواب و لا تعلّق له بالمراد.

ثمّ إنّه لا إشكال في توجّه ما أفاده على ما ذكره على تقدير إرادته؛ لأنّ‏

____________

-* و قال المحقق الخراساني (قدّس سرّه):

«لا يخفى ان مرجعه ليس إلى ذلك بل إلى ان الإلتزام بالترجيح هنا إنّما هو لكونه مذهب الجميع، و كونه مجمعا عليه بخلافه في البيّنات لإختلافهم فيه و إن كان الأكثر على عدمه فلا تغفل». أنظر درر الفوائد: 451.

* و قال المحقق آغا رضا الهمداني (قدّس سرّه):

«أقول: سوق الإستدلال و إن اقتضى ذلك و كون تسليمه عدم الترجيح في البيّنات للدليل الذي ذكره فارقا بين المقامين و هو الإجماع، إلّا انّ غرض المستدل بحسب الظاهر إثبات وجوب الترجيح في المقلّد وجوبا لا بعدمه في البيّنة؛ فإنه لم يدّع الإجماع على العدم في البيّنة حتى يستدلّ به، بل احتمل كونه مذهب الأكثر، فكأنه قال: حيث لا إجماع على الترجيح في البيّنة فلا مقتضى له، بخلاف ما نحن فيه حيث ان الترجيح فيه مذهب الكل، فلا يجوز مخالفتهم، فليتأمّل» إنتهى. أنظر حاشية فرائد الأصول: 514.

211

التّرجيح إنّما يكون مطابقا للأصل فيما قام هناك دليل على التّخيير و كانت قضيّة مهملة، و مبنى الشّهادة و إن كان على الطّريقيّة، إلّا أنّه لا يحتمل التّخيير في مورد تعارض البيّنات.

ثمّ لا يخفى عليك أنّ الوجوه المذكورة للقول بعدم التّرجيح حالها من حيث الضّعف و السّقوط حال ما عرفت من الوجوه المذكورة للقول بوجوب التّرجيح كحال ما دعا السيّد الصّدر إلى حمل أخبار التّرجيح على الفضل و الأولويّة على ما عرفت الإشارة إليه.

و إن كان ردّه بإباء عدم الالتفات إلى حكم غير الأفقه و الأعدل في المقبولة عن الحمل المذكور كما في «الكتاب» ربّما يناقش فيه: بأنّ صدر المقبولة على ما أفاده لا تعلّق له بالمقام، و كذا ما أفاده بقوله: (مع أنّ في سياق تلك المرجّحات ... إلى آخره) فإنّه لا فرق فيما يكون موافقة الكتاب و السّنة مرجّحة بينها و بين غيرها من المرجّحات و من هنا أمر بالتّأمّل فيما أفاده‏ (1).

____________

(1) قال المحقق آغا رضا الهمداني (قدّس سرّه):

«أقول: لعله إشارة إلى ان المخالفة التي أريد بهذه الروايات هي المخالفة التي لو لم يكن للخبر المخالف تعارض لكنّا نعمل به؛ لأن السؤال إنّما ورد في مثل هذا الفرض، كما يفصح عن ذلك- مضافا إلى وضوحه- تقديم بعض المرجّحات في المقبولة و غيرها على موافقة الكتاب و من المعلوم أن العمل بالخبر الظني في مقابل النص القطعي غير جائز، فالمراد بالمخالفة ما إذا كان مخالفا لإطلاق الكتاب أو عمومه أو غيرها مما تقتضيه أصالة الحقيقة، و لا ريب في انّ موافقة الكتاب أيضا في مثل هذا الفرض ليس إلّا كسائر المرجّحات التي يمكن الالتزام بكون الترجيح بها على سبيل الفضل و الأولويّة لا الواجب بعد مساعدة-

212

* المقام الثاني: ذكر الأخبار العلاجيّة

(9) قوله (قدّس سرّه): (و هذه الرّواية الشّريفة و إن لم تخل عن الإشكال ... إلى آخره) (1). (ج 4/ 59)

____________

- الدليل عليه» إنتهى. أنظر حاشية فرائد الأصول: 515.

* و قال المحقق الخراساني (قدّس سرّه):

«يمكن أن يقال: انه لو حمل على مطلق الطلب و استفيد كل من الوجوب و الاستحباب من الخارج لا يلزم التفكيك و لعل أمره بالتأمل إشارة إليه فتأمّل» إنتهى. أنظر درر الفوائد: 451.

* و قال السيّد المحقّق اليزدي (قدّس سرّه):

«لعلّه إشارة إلى انّ ما ذكره من مبعّدات حمل الترجيح على الاستحباب ليس بمبعّد أصلا مثلا استحباب الأخذ بالخبر الموافق للكتاب المستلزم لجواز الأخذ بالمخالف غير بعيد؛ إذا المراد بالمخالف ليس هو من المباين بل المراد مخالفته لعموم أو إطلاق و نحوه، كما ان المراد بالموافق أيضا موافقة لظاهر من ظواهر الكتاب فالخبر الموافق غير مقطوع الصدق كما ان الخبر المخالف أيضا غير مقطوع الكذب، بل في كلّ منهما محتمل إلّا أن الموافق أرجح فيناسب أن يكون الأخذ به أولى» إنتهى. أنظر حاشية فرائد الأصول: ج 3/ 516.

(1) قال الشيخ موسى بن جعفر التبريزي (قدّس سرّه):

«لا يخفى أن ما ذكره المصنف (رحمه اللّه) يرجع إلى وجوه ثلاثة:

أحدها: أن مورد الرواية هو التحكيم لأجل فصل الخصومة فلا يناسبها أوّلا: تعدد الحكمين، و ثانيا: غفلة كلّ عن المعارض الواضح المستند حكمه، و ثالثا: اجتهاد المتحاكمين في ترجيح مستند أحدهما على الآخر، و رابعا: جواز حكم أحدهما بعد حكم الآخر لبعد فرض-

213

____________

- وقوع حكمهما دفعة.

و يرد على ما عدا الثاني: أنه إنّما يتم على تقدير كون المراد بالحاكم في مورد الرواية هو المنصوب عموما أو خصوصا من قبل الإمام (عليه السّلام) و أما لو كان المراد به قاضي التحكيم فلا دليل على بطلان ما ذكر من اللوازم.

و منه يندفع اشكال آخر هنا و هو أن اختيار الحاكم إنّما هو بيد المدعي فله أن يختار من أراد من الحكّام و ان كان مفضولا بالنسبة الى من اختاره المنكر، فالأولى حينئذ الجواب بتفويض الأمر إلى المدعي لا إليهما و تحرّيهما في اعمال المرجّحات و وجه الاندفاع واضح مضافا إلى احتمال اختصاص مورد لا رواية بصورة التداعى فتدبر.

و أما الثاني: فهو مجرد استبعاد لا يقدح في العمل بالظواهر، مع أنه لا استبعاد فيه حيث لم تكن الأخبار مجتمعة في زمان صدور الأخبار عند كل أحد مضافا إلى احتمال اعراض كل منهما عن مستند حكم الآخر لأجل اطلاع كل منهما على قدح في مستند حكم الآخر لم يطلع عليه الآخر مثل وروده تقية أو نحوها، لا لأجل الغفلة عنه رأسا.

و يدفع الجميع أيضا: أنه يحتمل أن يكون المراد بالحكمين هو الحاكم على سبيل نقل الرواية في خصوص الواقعة ليعمل بمضمونها المتخاصمان لا الحاكم بالمعنى المصطلح عليه، و يؤيده: أن المتعارف في ذلك الزمان أن كل من كان يفتي بشي‏ء كان على سبيل نقل الرواية و كان غرض المستفتى أيضا استعلام ما عند المسئول من الحديث في الواقعة المجهولة المسئول عنها، و يؤيده أيضا: قوله (عليه السّلام): (كلاهما اختلفا فى حديثكم) لأن ظاهره كون الرجوع اليهما من حيث نقل الرواية و الحديث و جعل الفاصل ذلك لا رأي الحكمين، و يؤيده أيضا كون الشبهة في مورد الرواية حكمية لا موضوعية، و يحتمل أن يكون التحرّي و الاجتهاد في مستند الحكمين قبل تحقق الحكم الاصطلاحي منهما بأن كان المراد الرجوع الى المرجحات عند اختلافهما في مستند الحكم عند مذاكرة الحكم الكلي قبل صدور-

214

____________

- الحكم الاصطلاحي منهما كما يستحب للحاكم الشرعي إحضار جماعة عند المرافعة ليؤمن به من الخطأ في الحكم فتأمل.

و ثانيها: اشتمال الرواية على تقديم الترجيح بصفات الراوي على الترجيح بالشهرة و هو مخالف للسيرة المستمرة قديما و حديثا فيما بينهم و الجواب عنه ما أشار إليه بقوله: (إلّا أن يمنع ذلك) و توضيحه: أن السيرة المذكورة انما تسلم اذا كان المراد بالشهرة هي الشهرة بحسب الفتوى دون الرواية لخروج الخبر غير المشهور حينئذ من الحجية بحسب الفتوى دون الرواية لخروج الخبر غير المشهور حينئذ من الحجية كما لا يخفى بخلاف ما لو كان المراد بها الشهرة بحسب الرواية؛ اذ نمنع حينئذ تحقق الاجماع على تقديم المشهور على ما اشتمل على صفات الراوي من المتعارضين و مما يدل على كون المراد بها في مورد الرواية هي الشهرة بحسب الرواية دون الفتوى أن الفتوى المصطلح عليها لم تكن معروفة بين أصحاب الأئمة (عليهم السّلام) (رحمه اللّه) لأن افتاء أصحابهم كان على سبيل نقل الخبر بالمعنى و كان عمل المستفتين أيضا بأقوالهم لأجل حصول الوثوق بما ينقلونه عن أئمتهم لا لأجل التعبد بما ترجح في نظرهم من الأدلة و الظنون الاجتهادية، مع أن الراوي فرض كون الخبرين مشهورين بعد تساويهما في صفات الراوي و من المعلوم عدم امكان تحقق الشهرة بحسب الفتوى على طرفي المسألة في زمان واحد و في واقعة واحدة و حينئذ فلا غرو في تقديم الترجيح بالصفات على الترجيح بالشهرة و السرّ فيه يظهر مما أوضحه المصنف (رحمه اللّه) من العلة. نعم يبقى في المقام: أن الرواية مطلقة تقتضي تقديم الترجيح بالصفات مطلقا حتى فيما لو كان بين رواة الخبر المشهور من هو أفقه من المتفرد بالشاذ و العلة المذكورة حينئذ لا تقتضي ترجيح الخبر الشاذ الجامع للصفات على مثل هذا الخبر، مع انه قد يكون من عدا المتفرد بالشاذ من طبقات رواته مفضولا بالنسبة الى رواة المشهور و ان كان هو أفقه منهم و لا تتأتى فيه العلة أيضا، اللهم الا أن تنزّل الرواية على غير هاتين الصورتين هذا غاية-

215

____________

- توضيح المقام.

و هو بعد لا يخلو من نظر؛ لأن عدم تقديم الشاذ على المشهور في الصورتين المفروضتين ليس لأجل قصور في الترجيح بالصفات بل لأجل اشتمال المشهور على مزية أخرى سوى الشهرة، و لا ريب أن دلالة الرواية على تقديم الترجيح بالصفات على الترجيح بالشهرة إنّما هي مع ملاحظة الشهرة من حيث هي لا مع اشتمال ذيها على مزية موجودة في معارضه أيضا، فتنزيل الرواية على غير الصورتين المفروضتين حينئذ متعين.

و ثالثها: أن ظاهر الرواية هو الترجيح بمجموع الصفات لا بكل واحدة منها و هو خلاف ما أطبقت عليه كلمة الأصحاب.

و الجواب عنه: ما أشار اليه المصنف (رحمه اللّه) من استظهار كون المراد بيان جواز الترجيح بكل منها لا بمجموعها و لذا لم يسأل الراوى عن صورة وجود بعض الصفات دون بعض أو تعارض بعض الصفات مع بعض.

و أنت خبير بأن عدّ سؤال الراوى من صورة وجود بعض الصفات كما يحتمل أن يكون لأجل فهمه جواز الترجيح بكل منهما كذلك يحتمل أن يكون ذلك لأجل فهمه لعدم جواز الترجيح ببعضها. و يؤيد الثاني كون المذكور في الرواية هو الترجيح بالمجموع كما اعترف به المصنف (رحمه اللّه)، و من هنا يظهر الوجه في عدم السؤال عن صورة التعارض؛ اذ بعد فرض كون المراد هو الترجيح بالمجموع خاصة لا يبقى محل السؤال عن صورة التعارض؛ لعدم امكان اجتماع الصفات في كل من المتعارضين.

نعم، لو كان جواز الترجيح بلك واحد منها مفروغا منه احتيج الى السؤال عن صورة تعارض بعضها مع بعض؛ اذ ليس فليس، فالأولى الاستناد في اثبات كون المراد جواز الترجيح بكل واحد منها الى فهم الأصحاب أو بمنع ظهور الرواية في الترجيح بمجموع الصفات؛ لأن غاية ما يدل عليه العطف بالواو هو الاشتراك في الحكم لا الاجتماع في الوجود لأنك اذا قلت-

216

____________

- جاءنى زيد و عمرو، فغاية ما يستفاد عنه ثبوت المجي‏ء لكل واحد منهما و لو في زمانين لا في زمان واحد، و يقال فيما نحن فيه أيضا: ان غاية ما يدل عليه العطف بالواو ثبوت حكم الترجيح لكل واحدة من الصفات لا لمجموعها من حيث الاجتماع فتدبر.

و بقى في المقام أمر لا بد أن ينبه عليه و هو: أن قوله (عليه السّلام): (و ما يحكم له فانما يأخذه سحتا) و ان كان حقه ثابتا يشمل الدين و العين و الواقعة التي كانت الشبهة فيه حكمية كما اذا اشترى أحدهما من الآخر شيئا بعقد فارسى و اعتقد المشتري صحته و البائع فساده، أو موضوعية، و هي واضحة.

و نفى بعض أواخر المتأخرين الخلاف عنه في الدين و ادعى الشهرة عليه في العين مصرحا بعدم الفرق بين قضاة العامة و غير الجامع لشرائط الاجتهاد من الشيعة فيحرم ما يؤخذ بحكمهم مطلقا و عن «الكفاية»: أنه يستفاد من الخبرين عدم جواز أخذ شي‏ء بحكمهم و ان كان له حقا و هو في الدين ظاهر و في العين لا يخلو عن اشكال لكن مقتضى الخبرين التعميم.

و قال في «الجواهر» و كأنه فرّق بين الدين أو العين باحتياج الأول الى تراض في التشخيص و الفرض جبر المديون بحكمهم بخلاف العين. و فيه: أنّ الجبر و ان كان آثما فيه لكن لا ينافي تشخيص الدين بعد فرض كونه حقا على أن في صدر أحد الخبرين المنازعة في دين أو ميراث فلا بد من حمل الخبر على الأعم من ذلك لكن على معنى: أن أصل ثبوت الاستحقاق أو الدين قد كان بحكمهم الباطل لا أنهما ثابتان بالحكم الحق و أخذهما كما يحكم الطاغوت مع احتمال التزام الحرمة فيهما أيضا في ذلك لكن على معنى حرمة التصرف و ان كانا مملوكين فيكونان بحكم السحت في الإثم و لو باعتبار المقدمة جيدا و الله العالم. انتهى.

و أقول: يمكن القول بالحرمة فيما كان الأخذ بعنوان الاطاعة و الانقياد لهم كما هو المنساق-

217

____________

- من الأخبار دون ما لو كان بعنوان انفاذ الحق كما يجوز له الاستعانة بالظالم في أخذ حقه أو كان بقصد التقاص و اللّه العالم» إنتهى. أنظر اوثق الوسائل: 608- 609.

* و قال السيّد المجدّد الشيرازي (قدّس سرّه):

«أقول: و فيها إشكال آخر لم يذكره المصنّف: و هو أن ظاهر صدرها الرجوع إلى الحاكم عند المعارضة و المنازعة و لا ريب أن الأمر بيد المدعي في اختيار الحاكم في المنازعات و له إختيار من شاء، و إن كان مفضولا بالنسبة إلى من اختاره المنكر؛ فإن الفقيه و إن كان مفضولا ينفذ حكمه في الواقعة الشخصيّة، لا تفويض الأمر بيد المتنازعين و تحرّيهما في إعمال المرجّحات، فكان المناسب أن يجيب (عليه السّلام) بانّ الأمر بيد المدّعي و القول قول من اختاره حكما، هذا.

و لكن الذي يقتضيه التأمّل اندفاع تلك الإشكالات بأسرها على تقدير تماميّتها في أنفسها بأن غاية ما ثبت إنما هي المنع منها في القاضي المنصوب خصوصا أو عموما، و أمّا قاضي التحكيم الذي هو المفروض في صدر الرواية كما يقتضيه قول السائل: (فإن كان كل رجل يختار رجلا) فلم يقم دليل على عدم جواز نقض حكمه، و لا على عدم جواز تعدّده، و لا على عدم جواز إجتهاد المترافعين بعد تعارض حكمها، و لا على عدم جواز اختيار المنكر من شاء أيضا، فالأمور المذكورة على تقدير لزومها لا محذور فيها؛ بل يمكن التمسّك على جوازها بصدر الرواية.

هذا مضافا إلى عدم لزوم بعضها أيضا كتعدّد الحكمين فلأن الظاهر من الرواية فرض السؤال عن تراضي المتخاصمين بكون كلا الشخصين معا حكما فيما شجر بينهما بأن يحكم كلّ منهما باستصواب الأخر، لا كونه حكما مستقلّا مستند برأيه نظرا إلى قول الراوي: (فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما).

و قوله: (فإن كان كل رجل يختار رجلا) و إن كان في نفسه ظاهرا في ما استظهره المصنف (قدّس سرّه)-

218

____________

- من تعدّد الحكمين، لكنه بقرينة ما ذكر محمول على اختيار كلّ منهما رجلا برأسه في أوّل الأمر ثم بنيا على كونهما معا حكما بينهما بالإستصواب.

و بهذا يندفع لزوم حكم أحدهما بعد حكم الآخر أيضا؛ إذ بعد كون كليهما معا حكما لا يجوز أن يحكم واحد منهما مخالفا لما حكم به الآخر، و كذا لزوم تفويض الأمر في اختيار الحاكم إلى المنكر أيضا.

و يمكن منع لزوم ذلك على تقدير تعدّد الحكمين أيضا بحمل الرواية على صورة التداعي؛ فإن كلّا من المتخاصمين في تلك الصورة مدّع و منكر باعتبارين.

و أمّا ما ذكره (قدّس سرّه): من لزوم غفلة الحكمين عن المعارض لمدرك حكمه، ففيه: ان مثل ذلك غير عزيز.

و أيضا يمكن منع اللزوم بان فتوى كلّ منهما على خلاف الآخر لعلّه لإطلاعه على قدح في مستند حكم الآخر لم يطّلع الآخر عليه من صدوره تقيّة أو غيره من القوادح، لا لغفلته عنه رأسا.

فبقي ممّا ذكره لزوم اجتهاد المترافعين، و وجه كونه محذورا: أن القول قول الحاكم في مقام الدعوى لكن لا ضير فيه بعد فرض تعارض الحكمين كما عرفت؛ لعدم قيام دليل على المنع منه.

ثم ان هذا كلّه على تقدير تسليم ظهور صدر الرواية في رجوع المتخاصمين إلى الحكمين لأجل الحكم بينهما بأن يكون الفاصل بينهما هو حكومة الحاكم لا روايته.

لكن يمكن دعوى ظهوره في رجوعها إليهما من حيث الرواية، و ذلك لمقدّمتين:

إحداهما: ما عرفت سابقا: من ظهور الرواية من فرض كون منشأ النزاع بينهما هو الاختلاف في الحكم.

ثانيتهما: ان المتعارف في ذلك الزمان ان كل من يفتي بشي‏ء كان إفتاءه بنقل الحديث الوارد-

219

____________

- في الواقعة المسؤول عنها و كان المستفتي عن شي‏ء إنما يرجع إلى المفتي لأجل استعلام ما عنده من الحديث في الواقعة المجهولة الحكم.

و المستنتج من هاتين المقدمتين: ان فرض السؤال إنما هو في رجوع المتخاصمين إلى الحكمين من حيث كونهما راويين و كون كلّ منهما مجتهدا.

و يدلّ عليه أيضا: قول السائل: (و كلاهما اختلفا في حديثكم) فإنه ظاهر في رجوعهما اليهما من حيث الحديث و الرواية و جعل الفاصل بينهما هي، لا رأي الحاكم، فلا يرد حينئذ شي‏ء من الإشكالات التقدّمة.

إذ الرواية مما يناسبها التعدّد و يجوز نقل رواية متعارضة لما يرويه الغير ايضا و الراوي أيضا لا يجوز له إلزام الغير الذي له ملكة الإستنباط على ما يراه مما رواه، بل العبرة بنظر الغير في أحكام نفسه.

نعم، يقع التعارض على هذا بين هذه الرواية و بين المرفوعة الآتية.

هذا كله مضافا إلى ان إجمال صدر الرواية الشريفة لا يقدح في الاحتجاج بذيلها الصريح بوجوب الأخذ بالمرجحات المذكورة فيه كما اعترف به (قدّس سرّه) أيضا» إنتهى.

أنظر تقريرات المجدد الشيرازي: ج 4/ 275- 277.

* و قال المحقق آغا رضا الهمداني (قدّس سرّه):

«أقول: فيرتفع جلّ هذه الإشكالات بحمل قوله: (فإن كان كلّ رجل يختار رجلا من أصحابنا) على إرادة الرجوع إليه و العمل بما يؤدي إليه نظره في أمرهما من حيث الفتوى، كما ان هذا هو الشأن فيما لو كان المتخاصمان عدلين لا يريد أحدهما الجور على صاحبه؛ فإنهما لا يحتاجان حينئذ في ارتفاع خصومتهما إلى أزيد من شرح حالهما لمن يقلّدانه، و استكشاف رأيه في امرها، فالرواية على هذا تدلّ على عدم جواز تقليد غير الأعلم مع العلم بمخالفته للأعلم.-

220

____________

- اللهم إلّا ان يقال: بانّ هذا لعلّه لخصوصيّة المورد الذي لا بد فيه من موافقة أحدهما للآخر فيمن يرجع إليه حسما للانتزاع، فلا تدلّ عليه في غير مثل المورد.

و يمكن دفعه: بأنّ النّزاع ينحسم بحكم الحاكم الذي يختار المدّعي رفع أمره إليه، لا بموافقة الآخر له في التقليد، فليتأمّل» إنتهى. أنظر حاشية فرائد الأصول: 515.

* و قال السيّد المحقّق اليزدي (قدّس سرّه):

«لا يخفى ان هذه الرواية الشريفة مشتملة على جملة من المرجّحات لم يجمعها خبر مثلها.

منها: صفات الراوي الأربعة، و لم يذكر في رواية من روايات الباب الترجيح بها عدا ما في مرفوعة زرارة من ذكر الأعدليّة و الأوثقيّة، و لا يبعد أن يكون عطف الأوثقيّة، و لا يبعد ان يكون عطف الأوثقيّة على الأعدليّة عطف تفسير، و يحتمل أن يراد منها الأصدقيّة، و يحتمل إرادة ما يشملها.

و منها: الشهرة في الرواية، و المراد كونها معروفا بين غالب أصحاب الرواية و لا يجب أن تكون متّفقا عليها و إن عبّر عنها بالمجمع عليه في موضعين من المقبولة؛ لأنه يصدق عرفا على المشهور الذي في قبال الشاذ النادر.

و منها: موافقة الكتاب، أعمّ من أن يكون الخبر الموافق موافقا لنصّه أو ظاهره من عموم أو إطلاق و يكون الخبر المخالف مخالفا لنصّه أو ظاهره، فإن كان مخالفا لنصّ الكتاب فإنه مطروح و لو مع عدم المعارض، فلا ينبغي عدّ المورد من موارد الترجيح، و إن كان مخالفا لظاهر الكتاب، فالترجيح للموافق سواء كان المخالف مباينا للكتاب أو أخصّ مطلقا أو من وجه.

و منها: مخالفة العامة، و الظاهر أن المراد منها مخالفة الرواية لفتاوي العامّة كما يظهر من بعض الروايات الأخر، كما ان الظاهر أن المراد بموافقة العامّة موافقة الرواية لفتواهم في الجملة و لو واحدا منهم، و لا يجب كونها موافقة لفتوى الجميع.-

221

جملة من المناقشات في المقبولة و الذبّ عنها

أقول: في ورود الرّواية صدرا في الحكومة ممّا لا ينبغي الإشكال فيه أصلا و من هنا تمسّك بها الفقهاء (رضوان الله عليهم) في كتاب «القضاء» في مسائل:

منها: عدم جواز التّرافع إلى غير الفقيه الإمامي إلّا فيما توقّف أخذ الحقّ بالرّجوع إليه.

و منها: كون المأخوذ بحكمه سحتا و حراما و إن كان الآخذ محقّا.

و منها: عدم جواز التّرافع إلى العامي بل المتجزّي؛ نظرا إلى ظهور قوله:

(نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا) (1) فيمن له الملكة المطلقة بمعرفة جميع الأحكام.

و منها: لزوم تنفيذ حكم الحاكم و كون ردّه كفرا إلى غير ذلك.

____________

- و يحتمل بعيدا أن يراد منها مخالفتها لروايات العامّة على ما صرّح به في روايتي الراوندي.

و ضابط هذا المرجّح ترجيح ما ليس فيه أمارة التقيّة على ما فيه أمارتها من موافقته لفتواهم أو رواياتهم أو كونه شبيها لقولهم مثل ما إذا علّل الحكم في الخبر بقياس أو استحسان أو نحوه ممّا يناسب مذاقهم و إن كان اصل الحكم مخالفا لهم و لرواياتهم و لعلّه المراد من قوله (عليه السّلام): (ما يشبه قول الناس ففيه التقيّة) أو (كونه موافقا لما هو حكّامهم و قضاتهم أميل اليه) إنتهى. أنظر حاشية فرائد الأصول: ج 3/ 517.

(1) التهذيب: ج 6/ 303 باب «من الزيادات في القضايا و الأحكام»- ح 53، عنه الوسائل:

ج 27/ 139 باب «وجوب الرجوع في القضايا و الفتوى الى رواة الحديث»- ح 6.

222

إلا أنّه لا يتوجّه عليه شي‏ء من الإشكالات المذكورة في «الكتاب» و غيرها من الإشكالات؛ حيث إنّ المراد من المنازعة في الدّين و الميراث في السّؤال هو النّزاع و الاختلاف من جهة الجهل في الحكم و الشّبهة الحكميّة، كما قد يتّفق بالنّسبة إلى الدّين و الميراث؛ ضرورة عدم مناسبة لاختلاف الحكمين من جهة الاختلاف في الحديث مع كون النّزاع في الشّبهة الموضوعيّة.

و من المعلوم أنّ رفع الجهل في الشّبهة الحكميّة بالرّجوع إلى الفقيه قد يكون بعنوان التّرافع كما قد يتّفق بالنّسبة إلى العارفين بالحكم أيضا مع الاختلاف؛ فإنّ رفعه منحصر في الرّجوع إلى الفقيه بعنوان التّرافع و إن كان المتداعيان مجتهدين كما هو واضح فلا يناسبه تعدّد المرجع، بل لا معنى له على هذا التّقدير و إن رضي به المتداعيان و إن كانت الحكومة بتراضيهما كما قد يتّفق في زمان الحضور قبل ورود المقبولة؛ فإنّها دليل نصب جميع من اجتمع فيه شرائط الحكومة فلا يفرض بعدها قاضي التّحكيم.

و منه يظهر: تطرّق المناقشة إلى ما قيل في دفع الإيراد المذكور، بل يستفاد ممّا أفاده شيخنا العلّامة في دفع الإشكال المذكور بعد ذلك: من جواز تعدّد المرجع في قاضي التّحكيم، و قد يكون بعنوان الاستفتاء و أخذ المسألة و التّقليد فيجوز التّراضي على الاستفتاء عن فقيهين و تقليدهما في المسألة على ما فصّلنا القول فيه في باب التّقليد: من جواز الاستناد إلى رأي أزيد من فقيه مع الاتّفاق في الرّأي، فإذا رضيا بذلك و اتّفق اختلاف الفقيهين في الرّأي و أرادا رفع الجهل بالتّقليد فالمتعيّن الرّجوع إلى الرّاجح من حيث الصّفات المذكورة، أو بعضها كما فهمه السّائل و قرّره الإمام (عليه السّلام)، و إن تساويا فالحكم التّخيير في غير مورد النّزاع‏

223

في أمثال زماننا من أزمنة عدم التمكّن من العمل بالحديث للعامي.

و أمّا في أعصار الأئمّة (عليهم السّلام) فيمكن رفع الجهل بالعمل بالحديث للعامي كما يمكن له التّقليد، فإذا فرض الاختلاف بين الفقيهين المرجعين من جهة الاختلاف فيما ركنا إليه في المسألة من الحديث كما هو صريح الرّواية انحصر رفع الاختلاف و النّزاع في إرجاع الجاهلين إلى الرّاجح من مدرك الفقيهين، فالتّرجيح بالأوصاف على هذا إنّما هو في باب التّقليد لا الحكومة و الرّواية فيما جعل المستند المقبولة.

نعم، يستفاد منها بعنوان العموم- كما ستقف عليه- التّرجيح بكلّ مزيّة فيستفاد منها التّرجيح بالأوصاف بهذا العنوان، لا بعنوان الخصوص حتّى يدخل التّرجيح بها في التّرجيح بالمرجّحات المنصوصة و إن لم يكن هناك ثمرة على القول بالتّعدّي حسبما ستقف عليه.

نعم، التّرجيح بالأصدقيّة ربّما ينافي ما ذكرنا من حمل التّرجيح بالأوصاف على مسألة التّقليد.

اللّهمّ إلّا أن تدفع المنافاة بما أفاده شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) في «الرّسالة الّتي صنّفها في مسألة التّقليد»: من أنّ ملكة الصّدق في أعصار الأئمّة (عليهم السّلام) لها مدخل كثير في باب الفتوى كالعلم و العدالة من حيث رجوع الاستنباط غالبا إلى الحديث.

ثمّ إنّه إذا بني على إناطة التّرجيح بمطلق المزيّة على ما هو مقتضى العلّة المنصوصة في ترجيح المشهور على الشّاذ، و ترجيح المخالف للعامّة على الموافق لهم كما في المقبولة و غيرها، فلا مناص من حمل ما نصّ على التّرجيح به في أخبار العلاج على التّمثيل، و ذكر بعض الخصوصيّات المتداولة الغالبة للكلّيّة

224

المستفادة من التّعليل.

ضرورة منافاة التّعليل للاقتصار على المزايا الخاصّة في اعتبار اجتماعها و تقديم ما ذكر مقدّما على ما ذكر مؤخّرا، و هكذا اعتبار سائر الخصوصيّات و لم يكن فرق بينها و بين غيرها ممّا لم يذكر. كما لا يقدح ذكر أكثرها بل كلّها في بعض الأخبار و ذكر واحد منها في بعضها الآخر، و العطف بالواو الظّاهر في الجمع، مع أنّ في بعضها التّصريح بكفاية الواحد مع العطف بالواو.

كما لا يقدح الاختلاف بحسب التّقديم و التّأخير بين الأخبار في ذكرها، بل هذه الاختلافات تؤيّد الإناطة على الكلّيّة إن لم يكن من الأدلّة عليها، فلا يدلّ على إرادة الاستصحاب كما زعمه السيّد الصّدر، و لا على حجيّة مطلق الظّن في الأحكام كما زعمه المحقّق القمّي (قدّس سرّه) فيندفع بما ذكر جميع الإشكالات المتطرّقة حتّى على زعم من جعل التّرجيح بالأوصاف في المقبولة من التّرجيح من حيث الرّواية.

مع أنّك قد عرفت: أنّ التّرجيح بها في المقبولة من حيث ترجيح الفتوى لا الرّواية و لا الحكومة المتعارفة كما في «الكتاب» في مقام الجمع بين المقبولة و المرفوعة في موضع آخر؛ إذ لا تعارض بين الأخبار على هذا التّقدير حتّى يتشبّث بذيل ما أفاده مع تطرّق المناقشة إلى تمامه أو أكثره؛ فإنّ تعارض المستندين لا يلازم غفلة الحاكم عن معارض مستنده؛ لإمكان وقوفه عليه و ترجيح مستنده بضرب من التّرجيح، و كذا عدم السّؤال عن صورة وجود بعض الصّفات، أو تعارضها لا يلازم فهم استقلال كلّ صفة بالتّرجيح؛ إذ مع استفادة الاجتماع على ما يقتضيه ظاهر العطف بالواو لا معنى للسّؤال عن صورة وجود بعض الصّفات أو تعارضها، بل الأنسب على تقدير فهم الاستقلال السّؤال عن‏

225

صورة تعارض الصّفات.

نعم، على ما ذكرنا: من استفادة إناطة التّرجيح بكلّ مزيّة ربّما لا يحتاج إلى السّؤال عن حكم تعارضها: فإنّ التّرجيح عند التّعارض منوط بنظر العامل بالحديث كما في تعارض سائر المزايا من المنصوصة و غيرها، و على تقدير التّكافؤ يعامل معهما معاملة المتكافئين؛ لأنّهما على التّقدير المذكور من مصاديقهما حقيقة.

و بالجملة: بعد إناطة التّرجيح بمطلق المزيّة و التّعدّي عن المرجّحات المنصوصة، و حمل قوله في المقبولة (و إن اختار كلّ منهما رجلا ... إلى آخره) (1) و جوابه بالتّرجيح من حيث الصّفات على مسألة الاستفتاء و طلب الحكم اللّغوي- لا على المعنى المعروف عند الفقهاء كما يشهد له استدلالهم بالمقبولة على وجوب تقليد الأفقه و الأعدل و الأوثق عند الاختلاف بالدّلالة الأصليّة المطابقيّة، لا بفحوى دلالتها على تعيين الأفقه و الأعدل في باب القضاء كما زعمه بعض- لا يتوجّه إشكال على المقبولة أصلا، لا ما أفاده قبل قوله: (نعم، يرد عليه بعض الإشكالات في ترتيب المرجّحات ... إلى آخره) (2) المبني على حمل المذكور- سؤالا و جوابا- على الحكومة عند الفقهاء، و لا ما أفاده في ذيل قوله المذكور.

مع أنّ تصديق ورود ما ذكره مع دفعه بما ذكره بعده و عدم قدحه في ظهور

____________

(1) و هي مقبولة عمر بن حنظلة التي رواها المشائخ الثلاثة من أعلام الحديث و قد مرّ تخريجها.

(2) فرائد الأصول: ج 4/ 60.

226

الرّواية بل صراحتها على ما أفاده ربّما ينافي ما أفاده قبل ذلك في بيان الإشكال سيّما مع عدم دفعه و إن جزم بعدم قدحه في ظهور الرّواية بل صراحتها في التّرجيح بما ذكر فيها، إلّا أن يحمل كلاميه على النّظرة الأولى و الثّانية فتأمّل.

و الحاصل: أنّ تحرير المقام بما في «الكتاب» لا يخلو عن تشويش، فكأنّ ما أفاده في تحريره مبني على الاقتصار على المرجّحات المنصوصة على ما رآه الأخباريّون من أصحابنا و بعض الأقدميّين من المجتهدين مع الجمود على ظاهر لفظ الحكومة.

ثمّ إنّ الوجه فيما أفاده من عدم قدح الإشكالات و إن بقيت على حالها و لم تدفع في ظهور الرّواية بل صراحتها في وجوب التّرجيح و لو باجتماع الصّفات و موافقة الكتاب و السّنة و مخالفة العامّة ظاهر لا يخفى؛ ضرورة أنّ المدّعى إذا كان إثبات التّرجيح في الجملة في مقابل السّلب الكلّي لم يقدح إجمال الرّواية و عدم ظهورها في إثبات تمام المدّعى مع أنّ منها التّرجيح بالشّهرة و نحوها المنطبق على المدّعى هذا.

مضافا إلى أنّ التّصريح فيها بكفاية مخالفة العامّة في التّرجيح عقيب السّؤال عن موافقة الخبرين للكتاب و السّنة، مع عطف المخالفة على موافقتهما قبل ذلك شاهد قويّ على عدم إرادة الجمع من العطف بالنّسبة إلى جميع الفقرات؛ ضرورة عدم الفرق، فبملاحظة نفس الرّواية يدفع الإشكال المذكور.

و أمّا الإشكالات المتعلّقة بالحكومة من جهة صدر الرّواية فعدم اندفاعها لا يقدح جزما؛ إذ لا تعلّق لها بما يظهر منه لزوم التّرجيح من فقرات الرّواية أصلا،

227

فالرّواية من هذه الجهة نظير حديثين يكون أحدهما مجملا و الآخر مبيّنا مع عدم تعلّق أحدهما بالآخر أصلا، فلعلّ هذا الفرق بين هذه الإشكالات المتعلّقة بصدر الرّواية و الإشكال المذكور بعد قوله: (نعم ...) (1) أوجب الفرق في التّعبير)، فتأمّل.

(10) قوله (قدّس سرّه): (هذا ما وقفنا عليه من الأخبار ... إلى آخره). (ج 4/ 68)

أقول: ذكر غير واحد في عداد ما ورد في العلاج بالتّرجيح ما عرفت نقله في الجزء الأوّل من «الكتاب» ممّا ورد في باب عرض مطلق الأخبار على الكتاب بعد حمله على مورد تعارض الأخبار جمعا بينه و بين ما دلّ على حجّيّة أخبار الآحاد على ما عرفت ثمّة: من أنّه أحد وجوه الجمع بينها و بين الأخبار الغير المذكورة هناك، و في المقام ما عن «البحار» عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) : «إذا حدّثتم عنّي الحديث فانحلوا في أهنأه و أسهله و أرشده فإن وافق كتاب اللّه فأنا قلته و إن لم يوافق كتاب اللّه فلم أقله» (2).

و قد اختلفوا في تفسير هذا الحديث، و أقرب احتمالاته: جعل ميزان أسماء التّفضيل فيه موافقة الكتاب كسائر الأخبار الواردة في هذا الباب.

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 60.

(2) بحار الأنوار ج 2/ 242 عن المحاسن ج 1/ 221 باب «الاحتياط في الدين و الأخذ بالسنة»- ح 131.

228

(11) قوله (قدّس سرّه): (فلا يخفى عليك أنّ ظواهرها متعارضة ... إلى آخره). (ج 4/ 68)

مناقشة العلاج المذكور للمقبولة و المرفوعة

أقول: قد عرفت: أنّ المتعارض بين أخبار العلاج في ابتداء النّظر إنّما هو على القول بلزوم الاقتصار على المرجّحات الخاصّة المنصوصة و عدم التّعدّي إلى مطلق المزيّة، و إلّا فلا تعارض بينها أصلا.

ثمّ إنّ العلاج بين المقبولة و المرفوعة بما أفاده من الوجوه لا يخلو عن مناقشة؛ فإنّ تقديم المقبولة على المرفوعة بمقتضى المرفوعة على تقدير تسليم شمول ما ورد في باب علاج تعارض الأخبار لعلاج تعارض أنفسها و لو بتنقيح المناط- مع أنّه في حيّز المنع- كما ترى؛ فإنّها من حيث اقتضائها تقديم المشهور على الشّاذّ يقتضي عدم العمل بها رأسا بالنّسبة إلى هذه الفقرة.

و هو كما ترى، لا يصدر عمّن دون الإمام (عليه السّلام) فإنّ التّعبير عن المقصود بما يقتضي ضدّه مستهجن جدّا و قبيح إلى النّهاية، و لو قيل بعدم قبح استغراق التّخصيص أو التّخصيص إلى الواحد. و هذا نظير الاعتراض على من استدلّ بآية النّبأ على حجّيّة خبر العدل: بأنّها تشمل نقل السيّد علم الهدى (رحمه اللّه)(1) الإجماع على عدم حجّيّة خبر الواحد، و قد تقدّم نقله في الجزء الأوّل من «الكتاب» (2) مع الجواب عنه بما عرفت في العلاج المذكور.

____________

(1) السيّد الشريف المرتضى المتوفّى سنة 436 ه.

(2) فرائد الأصول: ج 1/ 246.

229

ثمّ إنّ هذا على تقدير اعتبار المرفوعة و عدم قدح انعقاد الشّهرة على خلاف المقبولة في اعتبارها، و إلّا فلا يقع التّعارض بينهما كما لا يخفى.

نعم، ما أفاده من عدم شمولهما للشّهرة العمليّة ممّا لا إشكال فيه على ما عرفت في الجزء الأوّل من «الكتاب» (1) و «التّعليقة» (2).

و أمّا منع كون العمل على طبق المرفوعة بقوله: (مع أنّا نمنع أنّ عمل المشهور ... إلى آخره) (3) فيتوجّه عليه: بأنّ ذلك على تقدير تسليمه إنّما هو على تقدير اعتبار اجتماع الصّفات في التّرجيح و قد منعه (قدّس سرّه) قبل ذلك، فكيف يبنى في المقام عليه؟

فما أفاده لا يخلو عن مناقشة، مثل الوجه الأخير الّذي ذكره في الجمع بين الحديثين بقوله: (و يمكن أن يقال: إنّ السّؤال ... إلى آخره) (4) فإنّك قد عرفت: أنّ التّرجيح بالأوصاف في المقبولة و إن لم يكن من حيث ترجيح الرّواية إلّا أنّه لا تعلّق له بالتّرجيح: من حيث الحكومة المتعارفة، بل من حيث ترجيح الفتوى.

و منه يظهر المناقشة فيما أفاده في تقريب ما ذكره بقوله: (و من هنا اتّفق الفقهاء ... إلى آخره) (5) لأنّ لازم ما أفاده من الحمل التّرجيح بتمام الأوصاف‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 1/ 234.

(2) بحر الفوائد: ج 1/ 141.

(3) فرائد الأصول: ج 4/ 69.

(4) فرائد الأصول: ج 4/ 69.

(5) المصدر السابق.

230

المذكورة في المقبولة في باب الحكومة و لم يعهد منهم، كالمناقشة في التّفصّي عن الإيراد الّذي ذكره بقوله: (نعم، يرد على هذا الوجه: أنّ اللّازم ... إلى آخره) (1) بقوله: (و يمكن التّفصي ... إلى آخره) (2)؛ لأنّك قد عرفت: أنّ الرّواية لا تعلّق لها بقاضي التّحكيم، بل لا معنى له بعد دلالتها على نصب جميع من اجتمع فيه شرائط الحكومة: من الإيمان، و معرفة الأحكام، و غيرهما. و ليس فيها ما يشعر بذلك إلّا قول السّائل: قلت: فإن كان كلّ رجل يختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا ناظرين في حقّهما ... إلى آخره) (3) و قد عرفت المراد منه بحيث لا تعلّق له بالحكومة المتعارفة و قاضي التّحكيم أصلا.

نعم، فيما يفرض فيه قاضي التّحكيم لا معنى لجريان ما تسالم عليه المشهور فيه: من وكول أمر تعيين محضر الحاكمين المتساويين إلى المدّعي، و عدم اعتبار رضا المنكر أصلا؛ ضرورة منافاة جريانه في قاضي التّحكيم لمعناه؛ فإنّ المراد من قاضي التّحكيم: ما تراضى الخصمان على الرّجوع إليه مع عدم نصبه للقضاء من جانب الولي للقضاء لا خصوصا و لا عموما بشرط أهليّته لذلك، و اجتماع جميع الشّروط عدا النّصب فيه.

____________

(1) نفس المصدر: ج 4/ 70.

(2) المصدر السابق بالذات.

(3) الكافي الشريف: ج 1/ 67 باب «اختلاف الحديث»- ح 10، الفقيه: ج 3/ 8 رقم الحديث: 3233، التهذيب: ج 6/ 301 باب «من الزيادات في القضايا و الأحكام- ح 52، عنهما الوسائل: ج 27/ 13 «الباب الأوّل من أبواب صفات القاضي»- ح 4 و باب «وجوب الرجوع في القضاء و الفتوى الى رواة الحديث» ص 136- ح 1.

231

ثمّ إنّ المقبولة و المرفوعة على تقدير اعتبارها و إن كانتا متعارضتين من جهات أخر أيضا في ظاهر النّظر، إلّا أنّ تعارضهما من جهتها لما ترجع إلى الإطلاق و التّقييد، فقد تعرّض (قدّس سرّه) لحكمه في طيّ الموضع الثّالث بالعنوان الكلّي بقوله: (الثّالث: أنّ مقتضى القاعدة ... إلى آخره) (1).

نعم، ذيلاهما متعارضان لا بالعنوان المذكور.

فقد زعم بعض- على ما عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا السّابقة- الجمع بينهما بحمل ذيل المقبولة على ما أمكن فيه الاحتياط، و حمل ذيل المرفوعة على ما لا يمكن فيه الاحتياط، فلا تعارض بينهما أصلا.

و قد عرفت فساده، و أنّ عدم موافقة أحد المتعارضين للاحتياط لا يلازم عدم إمكان الاحتياط في المسألة؛ فإنّه إذا تعارض الخبران في القصر و التّمام مثلا في بعض المسائل فليس شي‏ء منهما موافقا للاحتياط مع إمكان الاحتياط بالجمع بينهما. و هكذا الأمر في جميع موارد تعارض الخبرين في الشّك في المكلّف به في صور المتباينين، فالمتعيّن الجمع بينهما بما أسمعناك سابقا: من حمل الأمر بالتّوقّف على الأولويّة و الإرشاد كما يرشد إليه التّعليل المذكور بعده.

(12) قوله (قدّس سرّه): (أنّ الحديث الثّامن ... إلى آخره). (ج 4/ 70)

أقول: ظهور الحديث الثّامن فيما أفاده بضميمة عدم القول بالفصل- مضافا إلى وحدة السّياق- ممّا لا ينبغي إنكاره، إلّا أنّه لا يتعيّن طرحه بعد إمكان حمله على الأولويّة و الإرشاد العقلي؛ حيث إنّ العقل مستقلّ بأولويّة تحصيل الواقع علما

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 71.

232

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

233

عليه، و إن لم يبعد ما أفاده أخيرا بقوله: (إلّا أنّه قد يستبعد ذلك ... إلى آخره) (1).

(14) قوله: (الرّابع: أنّ الحديث الثّاني عشر ... إلى آخره). (ج 4/ 71)

أقول: لا يبعد شمول الحديث للرّوايات الإماميّة بعد حمل قوله: (فيجي‏ء منكم خلافه) (2) على مجي‏ء الخلاف من الأئمّة (عليهم السّلام) لا بعنوان النّقل و الرّواية من النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) . مضافا إلى أنّ نسخ حديث النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بحديثه كان أمرا شائعا معهودا فلا يحتاج إلى التّنبيه و البيان فتأمّل.

و إن كان هذا النّحو من النّسخ، أي: كشف الحديث عن نسخ النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و إيداعه عند الإمام (عليه السّلام) كإيداع القرائن للظّواهر عنده (عليه السّلام) مع عدم بيانها في زمانه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أصلا نادرا، إلّا أنّه لا بأس به بعد ظهور الرّواية فيه و لا إشكال، بل و لا كلام في تقديم سائر التّصرّفات في الدّلالة على النّسخ عند الدّوران كما تبيّن في محلّه، و يبيّن في «الكتاب» عن قريب.

إنّما الكلام في تقديم الطّرح من حيث الصّدور أو جهته لمكان التّرجيح على النّسخ و لو فيما روى المتعارضان عن النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ، أو تقديم النّسخ عليه، و قد أشار إلى وجهي المسألة في «الكتاب»، و ظاهر عنوانه و إن كان مقتضيا لتخصيص محلّ الكلام بما يرد عن الأئمّة (عليهم السّلام) على خلاف حديث النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ، إلّا أنّ وجهي المسألة كما ترى، جاريان في مطلق دوران الأمر بين التّرجيح و النّسخ.

____________

(1) نفس المصدر.

(2) الكافي الشريف: ج 1/ 64 باب «اختلاف الحديث»- ح 2، عنه الوسائل ج 27/ 108 باب «وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة»- ح 4.

234

و أولى بالكلام و الإشكال ما دار الأمر فيه بين النّسخ و التّخيير. اللّهمّ إلّا أن يلتزم بتقييد الحديث بما دلّ على التّرجيح و تقييد إطلاق التّخيير بالحديث بناء على عدم التّلازم بين التّرجيح و التّخيير بحسب المورد فيجوز التّفكيك بينهما فتأمّل.

ثمّ إنّ هنا أمرا ينبغي التّنبيه عليه و هو: أنّ الحديث العاشر و الحادي عشر دلّا على التّرجيح بالأحدثيّة: من جهة كشف اللّاحق عن ورود السّابق بعنوان التّقيّة كما هو صريح الأخير، و قد استشكل شيخنا (قدّس سرّه) فيه في مجلس البحث من وجهين:

أحدهما: من جهة طرح الأصحاب لهما حتّى في مقابل التخيير و فقد جميع المرجّحات، إلّا ما حكي عن بعض القدماء.

ثانيهما: من جهة المناقشة في الكشف المذكور؛ إذ التّقيّة لا يلزم أن يكون في زمان ورود المتقدّم.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ مورد الحديثين خصوص الأحاديث المسموعة عنهم (عليهم السّلام) فلعلّ عند معاصريهم (عليهم السّلام) ما يدلّهم على ذلك، كما يكشف عن ذلك ملاحظة الحديثين؛ لأنّ الأخذ بالأحدث كان مركوزا عندهم بمقتضى الحديثين، و قد قرّرهم الإمام (عليه السّلام) على ذلك فلا يعمّان الأخبار المرويّة عنهم (عليهم السّلام) فتدبّر.

(15) قوله (قدّس سرّه): (و المراد بالمتشابه بقرينة قوله ... إلى آخره) (1). (ج 4/ 72)

____________

(1) قال المحقق آغا رضا الهمداني (قدّس سرّه):-

235

أقول: لا بأس باستظهار ما استفاده من الحديثين، إلّا أنّ تعليله بما أفاده بقوله: (و لا معنى لاتّباع المجمل) (1) (2) قد يناقش فيه: بأنّه قد يختار التّشخّص أحد المعاني للمجمل من جهة موافقته لأغراضه النّفسانيّة كما يدلّ عليه قوله‏

____________

- «أقول: اتباع المتشابه قد يتحقق بابتغاء تأويله، و صرفه الى بعض محتملاته، ببعض القياسات و المناسبات الذوقية، من غير قرينة عقلية و نقلية مرشدة اليه، فلا ينافى ذلك كونه في حد ذاته مجملا، فيمكن أن يكون المراد بالنهي عن اتباع المتشابه، النهي عن حمل الكلمة التي تنصرف على وجوه، على بعض جهاته ببعض المناسبات أو الدواعي النفسانية، من غير قرينة عقلية أو نقلية دالة عليه، كما أن هذه لعله هو المراد باتّباع المتشابه في قوله تعالى [آل عمران: 7]: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ- و لكن الظاهر أن المقصود بالروايتين التنبيه على أن الأخبار الصادرة منهم ربما اريد منها خلاف ظاهرها، فلا يجوز المبادرة الى اتباع ما يترائى من شي‏ء منها في بادي‏ء الرأى، قبل الفحص و بذل الجهد في استكشاف مرادهم، بالتدبر و الالتفات الى سائر كلماتهم، و غيرها من القرائن و الشواهد العقلية أو النقلية الكاشفة عما أرادوه بهذا الظاهر، كما نبه عليه المصنف (رحمه اللّه) في ذيل العبارة، فالمقصود في مثل هذه الروايات الحث على استفراغ الوسع في فهم معانى الروايات الصادرة عنهم، لا الحث على عدم المبادرة الى طرح بعض الروايات، كي يختص موردها بغير معلوم الصدور، فلا حظ و تدبر» إنتهى. أنظر حاشية فرائد الأصول: 517.

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 72 و فيه سقط و تحريف و الصحيح كما في الأصل: (و لا معنى للنّهي عن إتّباع المجمل).

(2) قال المحقق الخراساني (قدّس سرّه):

«لا يخفى أن الظاهر مساوقة المتشابه مع المجمل و معنى النهي عن إتّباعه النهي عن تعيين معناه الإنسان برأيه من عند نفسه و متابعته، من دون شاهد و برهان، كما هو ديدن بعض أهالي المذاهب الفاسدة في زماننا، بل في كلّ زمان» إنتهى. أنظر درر الفوائد: 456.

236

تبارك و تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ‏ (1) الآية.

كما أنّه قد يناقش فيما أفاده بقوله: (و هذا المعنى لمّا كان مركوزا في أذهان أهل اللّسان ... إلى آخره) (2): بأنّ ظاهر قوله (عليه السّلام) في الحديث: (أنتم أفقه النّاس إذا عرفتم معاني كلامنا) (3) يشمل كلامهم القطعي يقينا مع أنّه بعد لزوم البناء على صدور الظّني عنهم (عليهم السّلام) يعامل معه معاملة القطعي عند العقلاء جدّا.

فالغرض من الحديثين الحثّ و التّأكيد على التّأمّل في أطراف ما صدر عنهم و لو بنقل الثّقات، و الرّدع عمّا جرت عليه طريقة أهل الخلاف: من الأخذ بالظّواهر من دون تأمّل و نظر إلى ما يصرفها عن ظاهرها. فالحديثان يعمّان المتعارضين و غيرهما فتدبّر.

***

____________

(1) آل عمران: 7.

(2) فرائد الأصول: ج 4/ 72.

(3) بصائر الدرجات: 349 الباب التاسع «في الائمة انّهم يتكلّمون على سبعين وجها في كلّها المخرج و يفتون بذلك»- ح 6، معاني الأخبار: 1- ح 1، عنه الوسائل: ج 27/ 117 باب «وجوه الجمع بين الاحاديث المختلفة»- ح 27.

237

* المقام الثالث: التعدي عن المرجّحات المنصوصة

(16) قوله (قدّس سرّه): (فنقول: اعلم أنّ [حاصل‏] ما يستفاد ... إلى آخره) (1). (ج 4/ 73)

____________

(1) قال السيّد المحقّق اليزدي (قدّس سرّه):

«اختلفوا في ترتيب المرجّحات غاية الإختلاف و أطالوا الكلام فيه بما لا ثمرة في نقل كلماتهم و النقض و الإبرام فيها بعد ما عرفت: أنّ أخبار التراجيح ليست إلّا بصدد المرجّحات لا الترتيب، سيّما على التحقيق المحقّق عند المصنّف أيضا من التعدّي عن المرجّحات المنصوصة إلى كلّ مزيّة توجب أقربيّة أحد الخبرين إلى الصدور، أو إلى الواقع.

نعم، لو قيل باعتبار المرجّحات المنصوصة تعبدا لا من حيث كونها موجبة للأقربيّة كما ينسب إلى الأخباريّين، و قيل بظهور المقبولة و المرفوعة في اعتبار الترتيب كان ما ذكره المصنّف من الترتيب قريبا في الجملة؛ حيث انه أخرج موافقة الكتاب عن المرجّحات و جعلها من باب التعاضد.

و فيه أوّلا: أنّ جعل موافقة الكتاب و السنّة من باب التعاضد دون الترجيح لا وجه له؛ فإنّ كلّ معاضد مرجّح في نفسه، مضافا إلى ذكرها في عداد المرجّحات في عدّة أخبار.

و ثانيا: انّه لا مزيّة لها من بين المرجّحات حتى ينفي الإشكال في اعتبارها وجوب الأخذ بها؛ لأنّ الكتاب و إن كان قطعي السند لكنه ظنّي الدلالة فلا يخرج عن كونه ظنّيا و لذا نخصّص عموم الكتاب بالخبر الخاص المخالف لو لم يكن مبتلى بالمعارض.

نعم، لو كان الخبر المخالف مخالفا لنص الكتاب كان الأخذ به و طرح الخبر المخالف ممّا لا-

238

____________

- إشكال فيه، لكن هذا الفرض خارج عن مسألتنا؛ لأنّ الخبر المخالف حينئذ معلوم الكذب أو ممّا يقطع بعدم حجّيّته» إنتهى. أنظر حاشية فرائد الأصول: ج 3/ 522- 523.

* و قال المحقق آغا رضا الهمداني (قدّس سرّه):

«أقول: اما الترجيح بالأعلمية و الأوثقية، فلا يستفاد من شي‏ء منها، عدا مرفوعة زرارة، و هي قاصرة سندا كما نبه عليه المصنف (رحمه اللّه) مرارا، و الّا لوجب الترجيح بالأحوطية أيضا، فالحق أن المدار في تعارض الخبرين كون رواتهما من الثقات الغير المتهمين بالكذب، كما في بعض الأخبار المتقدمة أيضا الاشارة اليه.

نعم، لو بنينا على التعدي عن المرجحات المنصوصة- كما هو الأظهر- اتجه الأخذ بأوثق الخبرين، سواء نشأ ذلك من أوثقية راويه و أضبطيته، أو أضبطية كتابه، أو غير ذلك من الأسباب المورثة للأوثقية، بخلاف ما اذا لم يكن أحدهما أوثق من الآخر، فلا ترجيح حينئذ و ان كان راوي أحدهما في حد ذاته أعدل و أصدق، اذ المدار حينئذ على أوثقية الرواية.

بل الذي يقوى في النظر، أن بناء العرف و الشرع في باب التراجيح على هذا، و ما ذكر في الروايات من المرجحات المنصوصة من باب التنبيه على الامور المورثة للأوثقية، بكون مضمون أحد الخبرين هو الحكم الشرعي الواقعي.

ثم، انا لو قلنا بوجوب الترجيح بالأعدلية و نحوها من صفات الراوي، فلا يكاد يمكننا الترجيح بهذا المرجح في شي‏ء من الأخبار، فانه موقوف على احراز هذه الصفة في مجموع سلسلة الرواية، بالمقايسة الى ما يقابله كما لا يخفى وجهه، و هذا مما لا طريق لنا اليه كما هو واضح.

و كيف كان: ففى جملة من الأخبار جعل أحدثية أحد الخبرين من المرجحات، و لم يتعرض له المصنف (رحمه اللّه)، كما أن الأصحاب أيضا لم يلتفتوا اليه في مقام الترجيح، و سره: أن هذا مخصوص بمن ألقى اليه الخبر المتأخر، حيث أن تكليفه العمل به كيفما كان، كما أن في بعض تلك الأخبار اشارة الى ذلك، حيث قال (عليه السّلام): «انا و الله لا ندخلنكم الا فيما-

239

أقول: قد يناقش فيما أفاده؛ نظرا إلى أنّ الاستدلال للتّعدّي عن المرجّحات المنصوصة بالأصدقيّة في المقبولة فيما يأتي من كلامه ينافيه جدّا. اللّهمّ إلّا أن يحمل كلامه في إثبات التّعدي على ملاحظة المقبولة بنفسها مع قطع النّظر عن الجمع بينها و بين المرفوعة فتأمّل.

كما أنّه قد يناقش فيما أفاده بقوله: (و أمّا التّرجيح بموافقة الكتاب و السّنة ... إلى آخره) (1)- المبنيّ على كون الاعتضاد عنوانا آخر غير التّرجيح و أنّ التّقديم من جهته ممّا لا ينبغي التّأمّل فيه-:

أوّلا: بأنّ الأخذ بما يوافق عمومات الكتاب و السّنة يحتاج إلى دليل كالأخذ بما يوافق غيرهما من المزايا الغير المعتبرة.

نعم، الرّجوع إلى تلك العمومات على تقدير التّوقف، أو التّساقط ممّا لا كلام فيه، و شتّان بين المقامين.

و ثانيا: بأنّ عطف التّرجيح بالأصل ينافي تصريحه في مواضع من كلامه بعدم كونه مرجّحا، اللّهمّ إلّا أن يحمل على القول بكونه من باب الظّن، أو على‏

____________

- يسعكم» فمتى أمرنا بشي‏ء يجب علينا اتباع أمره من غير اعتراض بمناقضته لكلامه السابق، فانه أعرف بحكم الله، و ما يقتضيه تكليفه و تكليفنا بحسب مصلحة الوقت، و لكن سائر المكلفين الذين يجب عليهم استفراغ الوسع في تمييز ما كان منهما مسوقا لبيان الحكم الواقعى عما عداه، فليس عليهم الأخذ بالأحدث، بل عليهم التحرّي و الأخذ بما هو الأقرب الى الواقع باستعمال سائر المرجحات، و كيف لا! و الا لم يبق موقع للتراجيح المنصوصة في سائر الروايات، كما لا يخفى» إنتهى. أنظر حاشية فرائد الأصول: 518- 519.

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 73.

240

التّعبّد على القول بكون الأمر التّعبّدي مرجّحا، أو على مقتضى الأصل بناء على كون مقتضاه التّرجيح بكلّ ما يحتمل كونه مرجّحا على ما صرّح به فيما تقدّم فتأمّل. أو على المعنى الأعمّ من المرجعيّة على تقدير التّوقّف، أو التّساقط على ما عرفت في التّرجيح بموافقة الكتاب و السّنة فتأمّل.

(17) قوله (قدّس سرّه): (و لأجل ما ذكر لم يذكر ... إلى آخره). (ج 4/ 73)

أقول: الوجه في عدم ذكر ثقة الإسلام‏ (1) التّرجيح بالأوصاف إنّما هو من جهة ما عرفت تحقيقه: من كون التّرجيح بها في المقبولة في مسألة الفتوى لا الرّواية. و أمّا المرفوعة فهي و إن كانت صريحة في التّرجيح بها من حيث الرّواية إلّا أنّها غير معتبرة عنده.

و أمّا ما أفاده في وجهه: من عدم الحاجة؛ نظرا إلى كون التّرجيح بها مركوزا في الأذهان فلا يتوقّف على التّوقيف من الشّرع.

فربّما يناقش فيه- بعد منعه و من هنا ورد التّرجيح بها في الأخبار و لو في باب الحكومة و الفتوى؛ ضرورة عدم الفرق-: بأنّه بناء عليه كان عدم ذكر موافقة الكتاب و السّنة على ما أفاده (قدّس سرّه): من كون التّرجيح بها من الأمور المركوزة في الأذهان بحيث لا يحتاج إلى التّوقيف أولى.

ثمّ إنّه بناء على الاقتصار على المرجّحات المنصوصة كما هو مبنى كلام ثقة

____________

(1) هو الفقيه الجليل سلطان المحدّثين محمّد بن يعقوب الكليني الرّازي صاحب الجامع الشريف «الكافي» المتوفى في بغداد سنة تناثر النجوم 329 ه ق في أوان بداية الغيبة التّامة أعلى اللّه تعالى مقامه.

241

الإسلام و انسداد باب العلم التّفصيلي بها لم يجز التّمسك بشي‏ء من أخبار التّرجيح و التّخيير فيكون الشّبهة بالنّسبة إلى كليهما من الشّبهة الموضوعيّة، فلو تمّ التّمسك بدليل الانسداد لإثبات حجّيّة الظّن بها في أحد الخبرين فهو، و إلّا كان الظّن بها كالشّك في الحكم.

نعم، يمكن أن يقال: فيما لم يكن هناك ظنّ أو كان و لم يقم دليل على حجّيّته يتعيّن الحكم بالتّخيير بعد العلم بعدم جواز الرّجوع إلى الأصل مطلقا من حيث العلم بوجود الحجّة و الدّليل في المسألة و عدم المعيّن لأحد المتعارضين كما هو المفروض. و المفروض أنّ احتماله بل ظنّه لا يجدي من حيث كونه متعلّقا بالموضوع الخارجي، فيتخيّر بين الخبرين كما يتخيّر بين الوجوب و التّحريم في المسألة الفرعيّة، فليس هذا التّخيير مدلولا لأخبار التّخيير.

كما أنّه يمكن أن يقال في الصّورتين- فيما إذا كان احتمال وجود المرجّح في أحد الخبرين بخصوصه-: بالتّعيين من جهة دوران الحجّة الإجماليّة بينه على سبيل التّعيين و صاحبه تخييرا فيكون متيقّن الحجّيّة على كلّ تقدير و صاحبه مشكوك الحجّيّة، إلّا أنّه كما ترى، لا تعلّق له بالتّمسك بأخبار التّرجيح.

كما أنّه لا تعلّق لما ذكرنا كلّه في المقام بكلام ثقة الإسلام و لا بكلام الأخباري، بل و لا بكلام شيخنا العلّامة عند التّأمّل؛ لأنّ المستفاد من كلام ثقة الإسلام غير ما فهمه الأخباري و شيخنا العلّامة. اللّهمّ إلّا أن يكون كلام شيخنا في مقام الاعتراض على الأخباري إغماضا عمّا أراده ثقة الإسلام (قدّس سرّه) بزعمه (قدّس سرّه) فتأمّل.

242

(18) قوله (قدّس سرّه): (فلا بدّ للمتعدّي من المرجّحات الخاصّة المنصوصة ... إلى آخره) (1). (ج 4/ 75)

____________

(1) قال السيّد المجدّد الشيرازي (قدّس سرّه):

«إعلم أنّ ما ذكره (قدّس سرّه) من الترديد إنّما هو من مقولة المنفصلة باعتبار منع الخلوّ فقط؛ ضرورة عدم التنافي بين طرفيه، بل كلّ منها يؤكّد الآخر و يقوّيه.

ثم اعلم ان الشواهد للأمر الأوّل مضافا إلى فتوى الأكثرين هي الفقرات التي أشار إليها (قدّس سرّه) فيما بعد.

و أمّا الأمر الثاني: فيمكن الإستشهاد له بظهور الأسئلة فإن قول السائل: (يأتي عنكم الخبران أحدهما يأمرنا و الآخر ينهانا كيف نصنع؟) ظاهر في انّ مورد السؤال إنّما نهو مقام التحيّر في مقام التحيّر في مقام العمل، و من المعلوم انّه لا تحيّر مع اعتبار الشارع لذي المزيّة من الخبرين لتعيّن الأخذ به حينئذ.

و بعبارة أخرى: ان الداعي للسؤال عن حكم الخبرين المتعارضين إنّما هو تحيّر السائل في مقام العمل، فيكون سؤاله ظاهرا في انّ مورده مورد المحيّر لا سيّما بملاحظة قوله: (كيف نصنع؟) الذي هو كالصّريح في ذلك، فيكون الحكم المذكور في الجواب مختصّا بذلك المورد أعني التحيّر؛ نظرا إلى انّ ظاهر الجواب انّما هو كونه جوابا عن مورد السؤال، هكذا أفاد (دام ظلّه).

أقول: إختصاص أخبار التخيير بصورة التحيّر ممّا لا شبهو فيه و لا نزاع، لن هذا المقدار لا يجدي فيما نحن بصددعه؛ إذ الذي يجدينا إنّما [هو] ظهور إختصاصهما بصورة عدم مزيّة لأحد الخبرين المتعارضين أصلا؛ إذ معه يقال: إنّ المزايا غير المنصوصة قد قرضنا كونها مزايا على الوجه المتقدّم و إنّما الكلام في اعتبارها و بعد فرض ظهور إختصاص أدلّة التخيير بغير صورة مطلق المزيّة لا حاجة لنا إلى ظهور أخبار الترجيح في الأخذ بمطلق المرجّح لما قد أشرنا إليه غير مرّة: من انّ مقتضى الأصل الأوّلي في الخبرين المتارضين هو التوقّفل-

243

الاستدلال على التعدّي من المرجّحات المنصوصة

أقول: يستدلّ للتّعدي عن المرجّحات المنصوصة على ما هو

____________

- و تساقطهما في مؤدّاهما، إلّا أنّ الإجماع قام على عدم سقوط كليهما عن الحجّيّة حينئذ، بل أحدهما حجّة في مؤدّاه فيدور الأمر حينئذ بين كون أحدهما حجّة على التعيين أو كونه حجّة على التخيير، و بعد ما فرضنا إنتفاء احتمال كونه حجّة على التخيير بمقتضى ظهور إختصاص تلك الأخبار بغير مورد الفرض يتعيّن كونه حجّة على التخيير، و بعد ما فرضنا إنتفاء احتمال كونه حجّة على التخيير بمقتضى ظهور إختصاص تلك الأخبار بغير مورد الفرض يتعيّن كونه حجّة على التعيين و هو المطلوب.

و أمّا ظهور إختصاصها بصورة التحيّر فلا يجد ينافي المقام في شي‏ء أصلا؛ ضرورة أنّ التحيّر لا يرتفع بمجرّد وجود مزيّة في المورد لأحد المتعارضين و إنّما يرتفع بثبوت إعتبارها شرعا عند المكلّف و مع الشك فيه كما هو المفروض فالتحيّر متحقّق و إن فرض كونه ثابتا في الواقع؛ لأن مجرّد إعتبار مزيّة في الواقع مع عدم العلم باعتبارها لا يرفع التحيّر، فيتوقّف رفعه في مورد الشك على ظهور أدلّة الترجيح على اعتبار مطلق المزيّة» إنتهى.

أنظر تقريرات المجدّد: ج 4/ 288- 289.

* و قال السيّد المحقق اليزدي (قدّس سرّه):

«و قد يستدلّ على التعدي مضافا إلى مال في المتن ببناء العقلاء على الترجيح بكل ما يوجب أقوائية أحد الطريقين من الآخر مع عدم ثبوت ردع الشارع لهم في ذلك، ألا ترى انه عند تعارض المقوّمين يقدّمون قول من هو أعرف و أبصر و أوثق و كذا يقدّمون الأكثر عددانننن، بل يقدّمون قول من أوجب الظن بمطابقة الواقع و هذه عادتهم و دأبهم عند المعارضة في سائر الطرق المعتبرة عندهم» إنتهى. أنظر حاشية فرائد الأصول: 3/ 523.

244

المشهور بوجوه:

الأوّل: الأصل، بالتّقرير الّذي عرفت الكلام فيه بعد البناء على وجوب العمل بأحد المتعارضين و إهمال أخبار التّخيير.

الثّاني: كون أخبار التّخيير مسوقة لبيان حكم علاج المتعارضين المتكافئين من جميع الوجوه المتساويين من حيث تمام المزايا من المنصوصة و غيرها.

و الفرق بين الوجهين لا يكاد أن يخفى؛ لأنّ الثّاني نظر إلى دلالة أخبار التّخيير على لزوم التّرجيح بكلّ مزيّة و هو الظّاهر ممّا أفاده بقوله: (و إمّا أن يستظهر من إطلاقات التّخيير الاختصاص ... إلى آخره) (1) و إن كان محلّ مناقشة إن لم يكن محلّ منع؛ لأنّ غاية ما يظهر منها الاختصاص بصورة التّكافؤ من جهة جميع المزايا الّتي قد حكم الشّارع بلزوم التّرجيح بها. و أمّا أنّه حكم به على سبيل القضيّة الكليّة أو الجزئيّة فلا يستفاد منها جدّا.

الثّالث: الإجماع عليه بقسميه قولا و عملا من الصّحابة، و التّابعين، و غيرهم من العامّة و الخاصّة كما يظهر لمن راجع إلى كلماتهم في الأصول و الفروع في موارد الاستدلال و التّرجيح، و لو لم يكن إلّا نقله المتواتر سيّما من العلّامة في كتبه الأصوليّة و أضرابه (قدّس اللّه أسرارهم) كفى في حصول القطع به، و يرشد إليه كلامهم سيّما المحقّق في باب التّرجيح بالقياس‏ (2).

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 75.

(2) انظر معارج الأصول للمحقّق الحلّي: 187.

245

و الحاصل: أنّ تسالم الفريقين عليه ممّا لا يكاد أن يخفى و قد مضى شطر من الكلام في ذلك فيما أسمعناك في مسألة وجوب التّرجيح و لا يقدح فيه مخالفة الأخباريّين، بل بعض المجتهدين كثقة الإسلام سيّما على طريق الحدس في باب الإجماع‏ (1)، و المسألة و إن كانت أصوليّة إلّا أنّها لمّا كانت عمليّة لا يتوهّم عدم كفاية الإجماع فيها.

ثمّ إنّ المتيقّن من هذا الإجماع و إن كان تعارض الأخبار، إلّا أنّه يكفي دليلا في المقام؛ لأنّ كلامنا ليس في التّعدّي من الأخبار، بل في التّعدي عن المرجّحات المنصوصة.

الرّابع: دلالة الأخبار العلاجيّة عليه و هي من وجوه:

منها: التّرجيح بالأصدقيّة في المقبولة و الأوثقيّة في المرفوعة على ما في «الكتاب» من جهة عدم احتمال الموضوعيّة في التّرجيح بالأقربيّة الحاصلة منهما سيّما الأوّل كما يحتمل في التّرجيح بالأفقهيّة و الأعدليّة؛ حيث إنّه كما يحتمل الموضوعيّة للعدالة و الفقاهة كذلك يحتمل الموضوعيّة للأعدليّة و الأفقهيّة، فلا يمكن استفادة الكبرى الكلّية من التّرجيح بهما.

و هذا بخلاف التّرجيح بالأصدقيّة و الأوثقيّة، فيستفاد من التّرجيح بهما

____________

(1) إلى هنا ينتهي ما في النسخة المصوّرة من حاشية الفرائد (الصغيرة) بتعبير بعضهم، او البحر القديم بتعبيرنا، إلّا ان الموجود هاهنا فيه زيادة و تغيير في العبارات و هو مقتضى تجديد نظر الميرزا الآشتياني (قدّس سرّه) في كتابه.

و النسخة غير مؤرّخة هنا، نعم في موضع منها: 11 شعبان 1306 ه بخط محمود، أنظر هامش ص 417 من النسخة المصوّرة من مكتبه الفاضلي بخوانسار.

246

التّرجيح بكلّ ما يوجب الأقربيّة، و هذا الاحتمال و إن كان راجحا في التّرجيح بالأفقهيّة و الأعدليّة إلّا أنّه لمّا لم يكن من مداليل اللّفظ لم يحكم بمقتضاه و إن كان صالحا للتّأييد، و أيّد ما أفاده في «الكتاب» من استفادة الكبرى الكلّيّة من التّرجيح بالوصفين بقوله: (و يؤيّد ما ذكرنا: أنّ الرّاوي بعد سماع التّرجيح ...

إلى آخره) (1).

و لا يتوجّه على ما استفاده: أنّه بناء على استفادة الكلّيّة من التّرجيح بهما كما فهمه الرّاوي أيضا و قرّره الإمام (عليه السّلام)، كما ذكره في التّأييد لا يبقى وجه لسؤال الرّاوي عن صورة مساواتهما من حيث الصّفات، كما أنّه لا يبقى وجه لإرجاع الإمام (عليه السّلام) إلى التّرجيح بغيرها من المرجّحات؛ لأنّه يمكن أن يكون الوجه في السّؤال: استعلام الصّغريات مع احتمال كون الوجه حصول الاطمئنان بالكلّيّة، و تأكيدا لاستفادتها سؤالا و جوابا كما هو الوجه في السّؤال و الجواب بعد التّرجيح بالشّهرة، و الشّذوذ، و مخالفة العامّة مع التّعليل في التّرجيح بهما الّذي لا إشكال في دلالته على الكبرى الكلّيّة على ما ستقف عليه. هذا ملخّص ما يستفاد من إفادته (قدّس سرّه) في «الكتاب» و في مجلس البحث في وجه دلالة التّرجيح بالوصفين على الكلّيّة.

و لكنّك خبير بعدم خلوّه عن المناقشة؛ إذ كما يحتمل الموضوعيّة في التّرجيح بالأفقهيّة و الأعدليّة كذلك يحتمل في التّرجيح بالوصفين أيضا؛ لأنّ التّرجيح بخصوص القرب الحاصل من شدّة ملكة الوصفين محتمل جدّا. و من هنا لا يستفاد كلّيّة حجّيّة الظّن ممّا دلّ على حجّيّة خبر الثّقة و الصّادق هذا.

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 76.

247

مضافا إلى أنّه (قدّس سرّه) جعل التّرجيح بالأوصاف في المقبولة راجعا إلى ترجيح الحكمين لا الرّوايتين، فكيف يمكن جعله دليلا على كلّيّة الكبرى في باب ترجيح الرّوايات مع إلقاء الكلّيّة في المورد كما هو ظاهر؟ فتأمّل‏ (1).

و أمّا ما أفاده تأييدا لما استفاده، فيتوجّه عليه: أنّ استفادة الكلّية لا تغني عن السّؤال عن حكم صورة تعارض الصّفات كما هو ظاهر.

نعم، بعد استفادة استقلال كلّ واحد من الصّفات في التّرجيح لا يحتاج إلى السّؤال عن صورة وجود بعضها و لو لم نقل بالكلّية هذا مع قرب احتمال كون مراد السّائل من قوله لا يفضل أحدهما على صاحبه عدم المزيّة من جهة خصوص الصّفات المذكورة.

و منها: تعليل التّرجيح بالشّهرة بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) : (فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه) (2) فإنّ المراد من الرّيب المنفي في المشهور رواية هو الرّيب المثبت في الشّاذّ من حيث تفرّد بعض بروايته و عدم معروفيّته عند الرّواة لا نفي الرّيب في صدوره من جهة قطعيّته، فضلا عن نفي الرّيب في جميع جهاته حتّى يلزم كونه قطعيّا من جميع الجهات؛ لأنّ شهرة الرّواية لا تصلح للأوّل فضلا عن الثّاني، فكيف‏

____________

(1) الوجه في التأمّل: كون ما أفاده في المقام مبنيّا على الإغماض عمّا أفاده في الجمع بين المقبولة و المرفوعة فتدبّر. منه (دام ظلّه) العالي.

(2) الكافي الشريف: ج 1/ 67 باب «اختلاف الحديث»- ح 10، و الفقيه: ج 3/ 8 الحديث رقم 3233، و التهذيب: ج 6/ 301 باب «من الزيادات في القضايا و الأحكام»- ح 52، و الوسائل [عن الكافي و التهذيب:] ج 27/ 12- الباب الأوّل من أبواب صفات القاضي- ح 4 و أيضا الباب 11- الحديث الأوّل.

248

يمكن التّعليل به؟ ضرورة كون مقتضاه وجود العلّة بحسب الوجدان في موردها.

و الوجه في عدم صلاحيّتها ظاهر بعد الاطّلاع على المراد من الشّهرة من حيث الرّواية هذا.

مضافا إلى أنّ إرادة غير ما ذكرنا ينافي الإرجاع إلى سائر المرجّحات قبل التّرجيح بالشّهرة في المقبولة فتأمّل‏ (1). و بعد التّرجيح بها و تثليث الأمور و الاستشهاد بتثليث النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ؛ ضرورة كون الغرض منه بيان حكم الشّاذّ من حيث كونه داخلا في المشكل و المشتبه لا بيان الغيّ و الحرام البيّن؛ فإنّ المكلّف مجبول على عدم الأخذ بما كان هذا شأنه، فلا يحتاج إلى ترتيب ما رتّبه (عليه السّلام) في الحديث لعدم الأخذ به.

و التّعليل بعدم الرّيب في تقديم المشهور إنّما هو من التّعليل بالصّغرى، و لازمه كما ترى، كون الكبرى و هي لزوم تقديم كلّ ما انتفى فيه الرّيب المثبت في معارضة من المتعارضين أمرا مسلّما مفروغا عنه، و إلّا لم يكن معنى للتّعليل بالصّغرى كما هو ظاهر. و هذا معنى دلالة التّعليل بنفي الرّيب الإضافي على الكبرى الكلّيّة. بل مقتضاه كما ترى، عدم لزوم الظّن الشّخصي بخلل في الشّاذّ على ما ستقف على شرح القول فيه: من عدم اعتبار إناطة التّرجيح بالظّن و كفاية مجرّد الأبعديّة عن الباطل.

____________

(1) الوجه في التأمّل: كون الترجيح بالصفات في المقبولة قبل الترجيح بالشهرة راجعا إلى الترجيح من حيث الفتوى أو الحكومة على ما في الكتاب فلا شهادة له، و منه يظهر النّظر فيما أفاده شيخنا العلّامة في المقام فتدبّر. منه (دام ظلّه).

249

و دعوى: احتمال كون العلّة عدم الرّيب الحاصل من خصوص شهرة الرّواية، هدم لما تسالموا عليه: من عدم جواز الاقتصار على مورد العلّة المنصوصة في قبال السيّد (قدّس سرّه): كما أنّ توهين ما ذكر: بأنّه بناء عليه لا معنى لسؤال الرّاوي بعد الاطلاع على التّعليل المذكور ضعيف بما نبّهناك عليه، كضعف توهينه:

باقتصار غير واحد على المرجّحات المنصوصة مع كون الدّلالة على ما ذكر من الأمور الواضحة الظّاهرة في أوّل النّظر إلى التّعليل.

و منها: تعليل تقديم المخالف للقوم بكون الرّشد في خلافهم و التّقريب- كما في التّعليل السّابق- لعدم إمكان حمل القضيّة على الدّوام و إن كانت ظاهرة فيه في ابتداء النّظر؛ حيث إنّ ما خالفهم ليس قطعيّا من جميع الجهات، كما أنّ ما وافقهم ليس قطعيّ البطلان، و إلّا خرج الفرض عن التّعارض مع كونه خلاف الإجماع؛ حيث إنّه لم يقل أحد بعدم حجّيّة الخبر الموافق للعامة.

مضافا إلى كونه خلاف الواقع؛ إذ كثير من أحكامهم موافق للواقع غاية ما يسلم غلبة الباطل في أحكامهم، و هذا التّعليل لمّا كان نظريّا بيّن وجهه في بعض الأخبار (1): بكون مبنى دينهم على مخالفة أمير المؤمنين (عليه السّلام) فيما يسألونه إذا جهلوا بحكم المسألة، و لا يمكن حمل القضيّة على خصوص مورد التّعارض كما هو ظاهر لمن له أدنى دراية، فمخالفتهم أمارة نوعيّة للحقّ. كما أنّ موافقتهم أمارة نوعيّة للباطل على تقدير تسليم الغلبة المذكورة، فهذا التّعليل أخصّ من التّعليل‏

____________

(1) علل الشرائع: ج 2/ 531، عنه الوسائل ج 27/ 116 باب «وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة»- ح 24.

250

السّابق لكنّه لا ينافيه جدّا كما هو ظاهر.

نعم، على تقدير منع الغلبة و كون القضيّة كثيريّة لا غالبيّة ينطبق على التّعليل المذكور من حيث الصّغرى و الكبرى إلّا من حيث مورد العلّة فيكون مدار التّرجيح على الوجهين على مجرّد الأبعديّة، بل يمكن الحكم بالانطباق على تقدير تسليم الغلبة أيضا؛ إذ ما خالفهم ليس منحصرا في الغالب بما دلّ عليه الخبر الغير الموافق فيكون من محتملات الأقرب إلى الواقع. و لازمه كما ترى، ما ذكرنا:

من كون المخالف أبعد عن الباطل هذا.

و قد يجعل من قبيل ما اشتمل على التّعليل في الدّلالة على الكلّيّة كما في ظاهر الكتاب قوله (عليه السّلام): (ما سمعت عنّي يشبه قول النّاس ففيه التّقيّة) (1) بناء على حمله على مورد التّعارض و كون المشابه محمولا على التّقيّة: من جهة كون المشابهة أمارة عليها، أو كون غير المشابه أبعد عن التقيّة. و قوله (عليه السّلام): (ما جاءكم عنّا من حديثين مختلفين فأعرضوهما على كتاب اللّه) (2) الحديث، كما في «الكتاب» أيضا.

لكنّه كما ترى، لا يخلو عن مناقشة؛ فإنّ المراد من الشّباهة في الحديث‏

____________

(1) التهذيب: ج 8/ 98 باب «الخلع و المبارات»- ح 9، الإستبصار: ج 3/ 318 باب «الخلع»- ح 10، عنهما الوسائل: ج 22/ 285 باب «ان المختلعة لا تبين حتى تتبع بالطلاق»- ح 7.

(2) عيون أخبار الرضا: ج 1/ 23 ما جاء في الحديثين المختلفين. رقم الحديث: 45- قريبا منه في الاستبصار ج 1/ 190 باب «الخمر يصيب الثوب و النبيذ المسكر»- ح 9، و التهذيب: ج 7/ 274 باب «من أحلّ اللّه نكاحه من النساء و حرم منهن في شرع الإسلام»- ح 5. و الوسائل: ج 27/ 113 باب «وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة»- ح 21.

251

الأوّل: هو التّفريع على قواعدهم الباطلة و أصولهم السّخيفة، فلا داعي لحمله على صورة تعارض الخبرين الّتي يأبى عنها الحديث جدّا، مضافا إلى ما في العمل على ما يقتضيه التّعليل من التّكلّف الرّكيك. و منه يظهر المراد من الحديث الثّاني أيضا؛ فإنّ المراد من المشابهة فيه أيضا: هو التّفرع على الأصول المسلّمة المدلول عليها بالكتاب و الأحاديث الصّادرة عن الأئمّة (عليهم السّلام) هذا.

مضافا إلى ما يتوجّه عليهما: من منع الدّلالة على الكلّيّة. اللّهمّ إلّا أن يكون الغرض من الاستدلال بهما مجرّد إناطة التّرجيح بالأبعديّة؛ نظرا إلى دلالة لفظ المشابهة و لو بالنّسبة إلى المورد الخاصّ لا الكلّيّة فتأمّل.

نعم، أخبار الباب لا تخلو عن الإيماء إلى إناطة التّرجيح بمطلق القرب و البعد سيّما بملاحظة اختلافها في بيان المرجّحات و تعدادها؛ فإنّ أقرب الوجوه في محمل الاختلاف هو رجوعها بأسرها إلى بيان الصّغرى للكبرى المفروغ عنها و إعطاء القاعدة بالمثال على ما حكي عن المحدّث الجزائري‏ (*) فتدبّر.

الخامس: قوله (عليه السّلام) في بعض الأخبار: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) (1) حيث إنّ المستفاد منه: أنّه عند الدّوران بين الأمرين سواء كانا الخبرين المتعارضين، أو الاحتمالين يلزم الأخذ بما انتفى فيه الرّيب الموجود في صاحبه فينطبق على ما استفيد من تعليل تقديم المشهور على ما عرفت، بل دلالته من‏

____________

(*) المحدّث الجليل السيّد نعمة اللّه الجزائري (قدّس سرّه) المتوفى سنة 1112 ه.

(1) تفسير جوامع الجامع: 5، و البحار: ج 2/ 259 الوسائل عن التفسير: ج 27/ 167 باب «وجوب التوقف و الاحتياط في القضاء و الفتوى»- ح 43.

252

وجه أوضح؛ حيث إنّ الكلّيّة مصرّح بها في الحديث.

نعم، الفرق بينهما: كونه أعمّ من الحديثين المتعارضين. هذا حاصل ما يستفاد من «الكتاب» و استفدناه ممّا أفاده في مجلس المذاكرة في تقريب دلالة الحديث.

و لكنّك خبير بما يتطرّق إلى ما أفاده من المناقشة؛ فإنّ حمل الرّيب المنفيّ في الحديث على الرّيب الإضافي لا داعي له أصلا مع كونه خلاف الظّاهر جدّا هذا. مضافا إلى عدم كون العموم المذكور معمولا به قطعا حتّى على المعنى الظّاهر منه، غاية الأمر رجحان ذلك على ما أسمعناك في الجزء الثّاني من التّعليقة في «مسألة وجوب الاحتياط في الشّبهة التّحريميّة الحكميّة» (1) فلعلّ ذكره في «الكتاب» من باب مجرّد التّأييد و تكثير الوجوه و الاعتضاد لا الاعتماد عليه مستقلّا فتدبّر.

هذا ما قيل أو يقال في وجه التّعدّي عمّا نصّ عليه من المرجّحات في أخبار العلاج، و العمدة على ما أسمعناك ك هو التّعليل المنصوص عليه فيها سيّما التّعليل المذكور في ترجيح المشهور رواية.

و قد عرفت: أنّ مقتضاه إناطة التّرجيح بمطلق عدم الرّيب الإضافي الشّامل لبعد أحد الاحتمالين بالنّسبة إلى الآخر، فشموله لقلّة الاحتمال فضلا عن الظّن الشّخصي بطريق أولى.

و هذا التّعميم و إن لم يساعد عليه كلمات أكثر من تعدّى عن المرجّحات‏

____________

(1) بحر الفوائد: ج 2/ 40.