بحر الفوائد في شرح الفرائد - ج8

- الشيخ محمد حسن الآشتياني المزيد...
820 /
253

المنصوصة؛ حيث إنّ ظاهرهم الاقتصار على الظّن و لو نوعا إلّا أنّه يساعده التّعليل، فالمدار عليه في الترجيح.

ثمّ إنّ المقتصر على المرجّحات المنصوصة لا بدّ أن يجعل مقتضى الأصل عدم التّرجيح- بالتّقريب الّذي عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا السّابقة- و يذهب إلى عدم تماميّة الأدلّة المذكورة بالمنع بالنّسبة إلى بعضها كالإجماع، و المناقشة بالنّسبة إلى بعضها الآخر كغيره بما عرفت الإشارة إليه، و يزعم عدم كون ما يستفاد منه التّعليل في مقام ذكر العلّة، بل في مقام بيان حكمة الحكم و مجرّد التّقريب؛ فإنّ حمل كلامه على ما زعمه السيّد علم الهدى (قدّس سرّه): من عدم التّعدّي عن العلّة المنصوصة كما ترى.

***

254

تنبيه: الأقوى إعتبار الظن بوجود المرجّح‏

تنبيه: لا إشكال في اعتبار الظّن بوجود المرجّحات، بل احتماله في أحد المتعارضين بناء على ما بنينا عليه في مناط التّرجيح، و أمّا بناء على القول بالاقتصار على المرجّحات المنصوصة، فهل يكون الظّن المطلق بوجودها بعد الفحص معتبرا أم لا؟ وجهان: أقواهما الأوّل، إذا علم بوجودها فيما بأيدينا و لم يتمكّن من تحصيلها بالعلم التّفصيلي و لا بالظّن الخاصّ القائم مقامه؛ لعدم جواز نفيها بالأصل لمكان العلم الإجمالي و قيام الإجماع ظاهرا على عدم وجوب الاحتياط في موارد احتمال وجودها في أحد المتعارضين.

نعم، لو منع من قيام الإجماع تعيّن المصير إلى الاحتياط؛ لأنّه مقتضى القاعدة الأوّليّة في موارد العلم الإجمالي، فيحكم: بأنّ مجرّد احتمال وجود المرجّح كاف في التّرجيح على هذا القول أيضا و إن افترق ما ذكرنا بحسب عنوان التّرجيح؛ فإنّ الاحتمال على ما ذكره مرجّح بدلالة نفس الأخبار العلاجيّة. و على القول المذكور مرجّح من جهة حكم العقل لكنّهما لا يفترقان بحسب الثّمرة العمليّة في المقام و أشباهه كما هو ظاهر. و قد مرّت الإشارة إلى بعض ما ذكرنا هنا في مطاوي كلماتنا السّابقة.

255

إيقاظ

تقديم المشهور على الشّاذّ فيما كانا متكافئين من سائر الوجوه و الجهات- على ما هو المفروض في جميع وجوه التّراجيح- إنّما يكون من باب التّرجيح فيما لم يبلغ الشّذوذ مرتبة توجب سقوط الشّاذّ عن الحجّيّة، و إلّا فيخرج عن عنوان التّرجيح و التّعارض كما هو ظاهر، و إن لم يكن هناك ثمرة عمليّة بين الأمرين فيما كانا متكافئين من سائر الجهات.

نعم، تثمر فيما وجد هناك مرجّح آخر غير الشّهرة و الشّذوذ؛ فإنّه فيما كان التّقديم بعنوان التّرجيح لا بدّ من ملاحظة النّسبة بين ذلك المرجّح و الشّهرة من حيث القوّة و الضّعف. و أمّا إذا كان من حيث الخروج عن عنوان الحجّيّة فلا معنى لملاحظة النّسبة.

256

* المقام الرابع: بيان المرجّحات تقسيم المرجّحات إلى داخلي و خارجي‏

(19) قوله (قدّس سرّه): (أحدهما: ما يكون داخليّا ... إلى آخره) (1). (ج 4/ 79)

____________

(1) قال السيّد المجدّد الشيرازي (قدّس سرّه):

«يعني من حيث الدليلية، فالمراد أن المرجح الداخلى إنّما هي المزية التي لا يستقل في نفسه من حيث الدليلية على حكم على تقدير اعتبارها شرعا، بمعنى أنها ليست صالحة للطريقية الى حكم من الأحكام، لعدم كشفها عن حكم حتى تصلح لجعلها حجة و طريقا اليه، كصفات الراوي من العدالة أو الأعدلية أو الضبط و غيرها، و صفات الراوية من الفصاحة و نحوها، فان شيئا منها لا يكشف عن حكم بنفسه، بل الكاشف عنه كذلك إنّما هو مواردها، و هي متون الروايات.

و من هنا علم معنى المرجح الخارجي أيضا؛ فانه خلاف الداخلي، فهو المزية التي تكشف بذاتها عن حكم بحيث لو اعتبرها الشارع لكانت بنفسها مبينة لحكم من الأحكام الشرعية، كالكتاب و الأصل.

هذا خلاصة توضيح ما أراده المصنف (قدّس سرّه) بالمرجح الداخلي و الخارجي.

أقول: فيما ذكره (قدّس سرّه) ما لا يخفى على المتأمل، اذ ما من مزية من المزايا إلّا و هي غير مستقلة في نفسها من حيث الدليلية، فلم يبق منها مصداق للمرجّح الخارجي أصلا، فان ذات الأصل-

257

أقول: قد يناقش فيما أفاده في بيان المراد من الدّاخلي و الخارجي بجعل مخالفة العامّة أو عمل سلطانهم: من المرجّح الدّاخلي الرّاجع إلى مرجّح وجه الصّدور، كما صنعه بعد ذلك في تقسيم المرجّح الدّاخلي بناء على كشفهما عن صدور الموافق لهما بعنوان التّقيّة- كما هو أحد الوجوه في التّرجيح بهما على ما

____________

- أو الكتاب ليس مرجّحا، و انما المرجح هو موافقة الرواية من حيث مضمونها لهما، و من البديهي أن موافقة الرواية لهما مع قطع النظر عن ذات الرواية لا تفيد حكما، بل هي كصفات الراوي و مخالفة العامة، فلا وجه للتمثيل للمرجح الخارجي بهما، و أما الشهرة فهي و إن كانت نفسها مرجحة إلّا أنها أيضا كصفات الراوي من حيث عدم افادتها شيئا، كما لا يخفى.

فالحري أن يقال: ان المرجح الداخلي هي المزية الراجعة إمّا إلى صفات الراوي أو إلى صفات لفظ الرواية، و الخارجي بخلافه، فيصدق على موافقة الكتاب و الأصل و الشهرة الفتوائية، فان كلّا من الثلاثة من صفات معنى الرواية، هذا» إنتهى.

أنظر تقريرات المجدد الشيرازي: ج 4/ 300.

* و قال المحقق الخراساني (قدّس سرّه):

«لا يخفى ان جميع المرجحات كذلك غير مستقلة بنفسها متقومة بما فيها، و لا يكون منها ما لم يكن كذلك، اذ الأصل و الكتاب و غيرهما مما جعله مستقلا و ان كان كذلك، إلّا انه ليس بمرجح، بل المرجح هو موافقة الخبر لكل منهما و هي غير مستقلة بل متقومة بما هي قائمة به.

نعم منشأ الانتزاع فيما جعله من المرجحات الغير المستقلة إنّما هو نفس ما هي قائمة به، بخلافه في المستقل فانه مركب منه و من الخارج، و هذا كما لا يخفى غير موجب لذلك، فالأولى أن يعرف المرجح الداخلي بما كان منشأ انتزاعه نفس الأمور المتعلقة بالرواية من صفات الراوي أو متنها أو وجه صدورها، و الخارجى بخلافه، هذا» إنتهى.

أنظر درر الفوائد: 459.

258

ستقف عليه- فإنّه إن جعل المرجّح عنوان الموافقة و المخالفة الّذي يتقوّم بالخبر لا محالة و لا يوجد بدونه فهو صفة في الخبر لا يتصوّر له وجود بدونه.

فيتوجّه عليه: النّقض بجميع المرجّحات الخارجيّة؛ فإنّ المرجّح فيها موافقة الخبر لها لا أنفسها كموافقة الكتاب و السّنة و الأصل و نحوها. و إن جعل المرجّح نفس فتوى العامّة لا ما ذكر من العنوان المتقوّم بالخبر. فيتوجّه عليه: عدم استقامة ما ذكره بعد ذلك: من عدّهما من المرجّحات الدّاخليّة هذا.

و لكنّك خبير بعدم توجّه المناقشة المذكورة؛ فإنّ وجود الأمور الخارجيّة لا تعلّق له بالخبر و إن كان عنوان التّرجيح بملاحظة موافقة الخبر لها، و هذا بخلاف الأمور الدّاخليّة كصفات الرّاوي و قوّة الدّلالة و الفصاحة و نحوها؛ فإنّ وجودها لا يتصوّر بدون الخبر. و الأمر في التّرجيح بمخالفة العامّة من هذا القبيل؛ فإنّ فتوى العامّة لا تعلّق لها بالخبر أصلا، إلّا أنّها ليست من المرجّحات، بل من الموهنات.

و إنّما المرجّح مخالفتهم المتقوّمة بالخبر لا محالة، و هذا بخلاف الكتاب و الأصل و الشّهرة بحسب الفتوى مثلا؛ فإنّها أمارات للحقّ و كواشف عنه فافهم.

***

259

المرجّحات الداخليّة

(20) قوله (قدّس سرّه): (و أمّا الدّاخلي، فهو على أقسام ... إلى آخره). (ج 4/ 80)

أقسام المرجّح الداخلي و الكلام فيها

أقول: تقسيم الدّاخلي إلى الأقسام المذكورة ظاهر في عدم جريان التّقسيم المذكور بالنّسبة إلى الخارجي و الأمر كذلك؛ فإنّ التّرجيح بالمرجّح الخارجي يرجع إلى تقوية المضمون دائما.

ثمّ إنّ الكلام في الأقسام المذكورة للمرجّح يعني: المرجّح بحسب الصّدور وجهته و المضمون و الدّلالة، قد يقع: في بيان موردها؛ فإنّها تختلف بحسب المورد في الجملة، كما أشار إليه في «الكتاب». و قد يقع: في بيان مرتبة بعضها مع بعض.

أمّا الكلام من الجهة الأولى، فحاصله:

أنّ المرجّح من حيث الصّدور سواء كان مورده السّند، أي: رجال الحديث، أو المتن لا يتحقّق إلّا في الأخبار الظّنيّة و إن كانت نبويّة. و المرجّح من حيث وجه الصّدور يتحقّق في الأخبار القطعيّة أيضا إن كانت من الأخبار الإماميّة، و لا يتحقّق في الأحاديث النّبويّة؛ ضرورة عدم تصوّر التّقيّة في حقّ النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في بيان الأحكام و إن وجب عليه حفظ نفسه الشّريفة المباركة. و المرجّح من حيث المضمون و الدّلالة يوجد في مطلق الأحاديث و إن كانت قطعيّة و من الأحاديث‏

260

النّبويّة كما هو ظاهر.

نعم، يعتبر في المرجّح المضموني- سواء كان داخليّا أو خارجيّا بناء على ما أفاده شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) كما ستقف عليه: من رجوعه إلى تقوية إحدى جهات الخبر أعني: الصّدور وجهته و دلالته إجمالا- ظنّيّة الرّاجح في الجملة كما هو واضح، بل التّحقيق: اعتبار ذلك مطلقا و لو لم نقل بهذه المقالة، لعدم تصوّر التّعارض مع قطعيّة جميع الجهات الثّلاثة.

و أمّا الكلام من الجهة الثّانية، فحاصله:

أنّه لا إشكال في اختلاف مرتبة المرجّحات من حيث التّقديم و التّأخير عند اجتماعها و اختلافها: من حيث وجود بعضها في أحد المتعارضين و بعضها في الآخر إذا اختلفا جنسا؛ فإنّ تقديم بعضها على بعض مع الاتّحاد جنسا كما إذا كانا من المرجّحات الصّدوريّة مثلا موكول إلى نظر الفقيه، إلّا أنّ شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) يتكلّم في تعارض المرجّحات من حيث الدّلالة كما ستقف عليه بحسب المرجّحات النّوعيّة من جهة انضباطها بخلاف غيرها من المرجّحات كما ستقف عليه.

و الكلام من الجهة المزبورة قد يقع: في نسبة المرجّح من حيث الدّلالة مع غيره من المرجّحات الثّلاثة. و قد يقع: في نسبة سائر المرجّحات بعضها مع آخر.

فالكلام يقع في موضعين:

261

في بيان تقديم الترجيح من حيث الدّلالة على سائر وجوه التّرجيح‏

أمّا الموضع الأوّل: فملخّص القول فيه: أنّه لا إشكال بل لا خلاف عند بعض، بل الإجماع عليه عند آخر: في تقديم المرجّح من حيث الدّلالة على سائر المرجّحات على ما هو مقتضى الأخبار أيضا كما عرفت الإشارة إليه؛ فإنّ مصبّ التّرجيح بها في الأخبار العلاجيّة المذكورة في «الكتاب» سؤالا و جوابا- كما لا يخفى على من أعطى حقّ النّظر فيها- فيما لم يمكن رفع التّعارض بين الخبرين بجعل أحدهما بالخصوص قرينة على المراد من الآخر بحكم العرف حتّى يتحقّق هناك التّحيّر المحوج إلى السّؤال بلفظة «أيّ» هذا.

مضافا إلى قوله (عليه السّلام)- فيما مرّ عليك من الأخبار-: (أنتم أفقه النّاس إذا عرفتم معاني كلامنا) (1) الحديث، بالتّقريب الّذي عرفت الإشارة إليه.

و قوله (عليه السّلام): (إنّ أمر النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كأمر القرآن فيه عام و خاصّ و محكم و متشابه و ناسخ و منسوخ) (2) الحديث.

____________

(1) بصائر الدرجات: 349 الباب التاسع «في الأئمة انّهم يتكلّمون على سبعين وجها في كلّها المخرج و يفتون بذلك»- ح 6، معاني الأخبار: 1- ح 1، عنه الوسائل: ج 27/ 117 باب «وجوه الجمع بين الاحاديث المختلفة»- ح 27.

(2) الكافي الشريف: ج 1/ 62 باب «اختلاف الحديث»- ح 1 و كتاب الغيبة للنعماني: 80

262

و قوله (عليه السّلام): (إنّ في كلامنا محكما و متشابها فردّوا متشابهها إلى محكمها) (1) الحديث، بناء على إرادة المؤوّل من المتشابه. و هذا كما ترى، من إقرار الجمع الّذي عرفت تقديمه على الطّرح مطلقا و إن كان من التّرجيح بحسب الدّلالة حقيقة لعدم التّنافي بينهما أصلا على ما أسمعناك شرح القول فيه في المراد من القاعدة.

و إن شئت قلت: في تقريب المدّعى: إنّ وجوه التّراجيح لا يجعل الرّاجح أعلى ممّا يقطع بصدوره إذا عارضه ما كان أقوى منه دلالة كالخبر المتواتر اللّفظي و الكتاب إذا كانا عامّين أو مطلقين، و كان هناك ما يوجب تخصيصهما أو تقييدهما و إن كان موافقا للعامّة إذا كان طريقه من الآحاد الغير المحفوف بالقرينة القطعيّة على ما بنينا عليه الأمر في مسألة حمل العام على الخاصّ: من جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، و إلّا فيخرج عن مسألة التّعارض كما هو ظاهر.

ثمّ إنّ المخالف في المسألة كالشّيخ (قدّس سرّه)(2) في «الإستبصار» (3) و «العدّة» (4) لمّا كانت كلماته مختلفة في باب التّعارض و بناء العام على الخاصّ، ككلام المحقّق القمّي (قدّس سرّه) لم ينظر إلى مخالفته، فلا يوهن الإجماع المدّعى في كلام غير واحد على‏

____________

- الباب الرابع:- ح 10 عن كتاب سليم بن قيس الهلالي: 103- 108، و عنه المستدرك: ج 17/ 339 باب «حكم استنباط الأحكام النظرية من ظواهر كلام النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) »- ح 9.

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السّلام): ج 2/ 261- ح 39، عنه الوسائل: ج 27/ 115 باب «وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة»- ح 22.

(2) أقول: لاحظ تعليقة المحقق الخراساني (قدّس سرّه) في درر الفوائد/ 460 فإنّها لا تخلو من فائدة.

(3) الإستبصار: ج 1/ 4.

(4) عدّة الأصول: ج 1/ 147- 148 ط ستارة قم سنة 1417 ه.

263

تقديم التّرجيح من حيث الدّلالة على سائر وجوه التّراجيح بملاحظته، كيف؟

و كلام الشّيخ (قدّس سرّه) يشمل تعارض النّص و الظّاهر، مع أنّك قد عرفت خروجه عن مسألة التّعارض حقيقة.

و لك أن تقول في تقريب المدّعى مرّة أخرى: أنّ الأخذ بدليل التّعبّد بالصّدور مثلا بالنّسبة إلى الظّاهر و الأظهر ليس هناك ما يزاحمه أصلا؛ فإنّ رفع اليد عن أصالة الظّهور في الظّاهر إذا كان مستندا إلى ما هو القرينة الصّارفة عن الظّهور بحكم العرف و هو الأظهر، فليس هناك طرح لأصالة الظّهور؛ ضرورة كونها تعليقية بالنّسبة إلى القرينة فلا دوران حقيقة بين طرح الظّهور في الظّاهر و طرح دليل الصّدور في الأظهر كما هو الشّأن في الظّاهرين، فحال الأظهر حال النّص الظّني بحسب الصّدور: من حيث رجوع معنى دليل التّعبّد بصدوره إلى جعله قرينة للظّاهر و إن افترقا من حيث إمكان التّصرّف في الأظهر بخلاف النّص.

و من هنا حكمنا فيما أسمعناك في شرح قاعدة «أولويّة الجمع على الطّرح» بثبوت الأولويّة فيما كان أحد الدّليلين صالحا لصيرورته قرينة للآخر بحكم العرف و أهل اللّسان و منعها في غيره كما في الظّاهرين، و إن حكمنا بعدم أولويّة للطّرح على الجمع أيضا بالنّظر إلى دليلي التّعبّد بالصّدور و الدّلالة من غير فرق بين صور تعارض الظّاهرين حتّى فيما يحصل الجمع بالتّصرف في أحدهما، و لو فيما كان لكلّ من المتعارضين مادّة سليمة كما في العامّين من وجه؛ حيث إنّ الطّرح فيه يوجب التّبعيض الظّاهري في الصّدور.

و من هنا توهّم تقديم الجمع فيه على الطّرح، بل لم يستبعد أولويّة الطّرح في الظّاهرين مطلقا فيما آل الجمع إلى الحكم بالإجمال و الرّجوع إلى الأصل؛ من‏

264

حيث إنّه يؤول إلى طرح دليل التّعبّد بالصّدور و الدّلالة معا، فراجع إلى ما ذكرنا ثمّة حتّى تقف على حقيقة الأمر.

و ممّا ذكرنا كلّه في المقام و فيما تقدّم في شرح «قاعدة الجمع» يظهر: تطرّق المناقشة إلى ما أفاده شيخنا (قدّس سرّه): من الإشكال فيما يحصل الجمع بالتّصرّف في أحدهما بقوله: (نعم، يبقى الإشكال في الظّاهرين اللّذين ... إلى آخره) (1)؛ فإنّه يظهر منه كون جريان قاعدة الجمع فيه مطلقا أولى من جريانها فيما يتوقّف الجمع على التّصرف في المتعارضين. مع أنّك قد عرفت مساواتهما من حيث جريانها هذا.

كلام المحقّق الرّشتي و ما يرد عليه‏

و قد وقفت- بعد ما أسمعناك في تحقيق المقام تبعا للقوم- على كلام لبعض أفاضل العصر فيما أملاه في المسألة يخالف فيه كلام القوم: من تقديم المرجّح من حيث الدّلالة على غيره من المرجّحات مطلقا في خصوص المرجّح من حيث جهة الصّدور، فحكم بتقدّمه على المرجّح من حيث الدّلالة بحسب المرتبة، بل زعم ذهاب الأكثر بل المعظم إلى ذلك في الفروع في موارد تعارض الأخبار و علاجه، بل صرّح في طيّ كلامه على المعاملة المذكورة بين النّص و الظّاهر أيضا، فضلا عن الأظهر و الظّاهر، لا بأس بنقله و الإشارة إلى ما يتوجّه عليه.

قال (رحمه اللّه)- بعد الإشارة إلى ما اختاره سابقا في طيّ بيان «قاعدة الجمع»: من‏

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 86.

265

تقديم المرجّح من حيث الدّلالة على المرجّح من حيث الجهة- ما هذا لفظه:

«و لكن في النّفس الآن منه شي‏ء و التّحقيق: هو أنّهما إمّا قطعيّان، أو ظنّيان، أو مختلفان، فإن كانا قطعيّين قدّم ترجيح الدّلالة، فلو تعارض العام و الخاصّ و كان الثّاني موافقا للعامّة عمل بالخاصّ كأخبار بطلان الصّلاة بزيادة الرّكعة، و أخبار صحّتها إذا جلس بعد الرّابعة بقدر التّشهّد؛ فإنّها موافقة لمذهب العامّة؛ لأنّ المدار في التّرجيح على الظّن. و لا شكّ أنّ التّخصيص أغلب و أظهر من التّقيّة في الأخبار، هذا إذا قطعنا النّظر عن النّص و مشينا على موجب القاعدة.

و أمّا بعد ملاحظة كون موافقة العامّة أمارة تعبّديّة على التّقيّة، أو جاريا مجرى القرينة العامّة- حسبما شرحنا مفصّلا فيما سبق- فمقتضى القاعدة: أن يكون الأمر بالعكس، فيجب حمل الخاصّ على التقيّة و لو كان قطعيّ السّند و الدّلالة؛ لأنّ الشّك في التّخصيص بعد قطعيّة الخاص مسبّب عن الشّك في صدوره تقيّة، و بعد قيام الدّليل على صدور الخاصّ تقيّة كان حاكما على أصالة العموم. و هذا التّسبّب و إن كان موجودا مع قطع النّظر عن الأخبار، إلّا أنّ أصالة عدم التقيّة لا مانع من العمل به حينئذ، و لا يعارضه أصالة العموم للتسبّب القاضي بالتّقديم. و الحاصل: أنّ قضيّة التّسبّب العمل بما يقتضيه الأصل السّببي، فإن كان الأصل عدم التقيّة عمل بالخاصّ. و إن كان هي التقيّة عمل بالعام. ففي المثال المذكور ينبغي حمل أخبار الصّحة بعد الجلوس على التّقيّة، كما فعله صاحب «الرّياض» (1) و هذا هو الأصحّ و عليه عمل غير واحد في الكتب الفقهيّة كما لا

____________

(1) رياض المسائل في تحقيق الأحكام بالدلائل: ج 4/ 209.

266

يخفى على أهل الخبرة.

فإن قلت: ما ذكرت من القاعدة من تقديم الأصل الجاري في السّبب على الأصل الجاري في المسبّب لا يتمّ على ما أنت عليه: من إنكار هذه القاعدة في بابها.

قلت: بناؤنا على معارضة الأصلين دون التّحكيم إنّما هو في الأصول التّعبّدية، و أمّا الأصول الجارية في الألفاظ فهي طرق عقلائيّة أمضاها الشّارع و ليست من الأصول الظّاهريّة التّعبديّة كأصالة الطّهارة مثلا. و قد نبّهنا في محلّه:

على أنّه لا بدّ من إجراء قاعدة التّسبّب و العمل بالأصل الجاري في السّبب المسمّى بالمزيل في ألسنة المتقاربين لعصرنا في الأصول اللّفظيّة و ما يجري مجراها من الأصول العقلائيّة المعتبرة طريقا إلى الواقع و تمام الكلام في محلّه هذا.

و لو تعارض الأصل اللّفظي مع الأصل المعمول في الجهة غير التّقيّة كأصالة عدم السّهو، و عدم المزاح، و عدم الإكراه، و عدم الكناية، و عدم التّعريض، و عدم القصد و التّصوّر، و أشباهها من الأصول الجارية في الألفاظ من غير أن يرجع إلى حقيقة أو مجاز في غير أدلّة الأحكام، قدّم الأصل اللّفظي. فلو توقّف رفع التّناقض و التّنافي في كلام متكلّم على ارتكاب أحد الأمرين: إمّا التّخصيص، أو حمل الخاصّ على المزاح مثلا، تعيّن التّخصيص؛ لأنّه أغلب و أظهر.

فإن قلت: مقتضى القاعدة التّوقف و الإجمال؛ لأنّ التّرجيح على خلاف الأصل؛ إذ الأصل في الطّرق و الأصول المتعارضة التّوقف دون الأخذ بالرّاجح‏

267

و القدر الخارج منه العمل بالأقوى و الأرجح في أدلّة الأحكام دون غيرها.

قلت: الظّاهر أنّه لا إشكال بل لا خلاف: في أنّ تقديم النّص على الظّاهر، أو تقديم الأظهر على الظّاهر في الأصول اللّفظيّة المتعارضة بعضها مع بعض الرّاجعة إلى تعارض الأحوال في كلام أو كلامين لا اختصاص له بأدلّة الأحكام، و الظّاهر:

أنّ حكم تعارض بعض الأصول اللّفظيّة مع الأصل في جهات الكلام حكم تعارض الأصول اللّفظيّة بعضها مع بعض، فكما ثبت التّرجيح و وجوب العمل بالأرجح هناك فكذلك هنا» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و يتوجّه عليه:

أوّلا: النّقض بالمرجّح من حيث الصّدور؛ فإنّه إذا فرض تسبّب الشّك في التّخصيص مع صلاحيّة الخاصّ له عن الشّك في صدوره و حكمنا بمقتضى دليل التّرجيح فيما كان الخاصّ مرجوحا كما هو المفروض بعدم صدوره، فيرتفع الشّك بحكم الشّارع.

و ثانيا: بالحلّ حيث إنّ مصبّ التّرجيح بالمرجّحات على ما أسمعناك مرارا فيما لم يمكن الجمع بين الدّليلين بصرف أحدهما عن ظاهره بحكم العرف حتّى يتحقّق هناك التّحيّر المحوج إلى السّؤال بلفظة «أي» فإذا كان الخاصّ نصّا بحسب الدّلالة، أو أظهر فلا يتحقّق هناك تحيّر أصلا، فلا يدخل الفرض في مورد الأخبار العلاجيّة لكي يجري فيه ما ذكره من «قاعدة التّسبّب»، فأمارة التّقيّة إنّما تجدي فيما دار الأمر بين الحكم بصدور الموافق تقيّة أو المخالف لا فيما لم يكن هناك‏

____________

(1) بدايع الأفكار: 458.

268

دوران بحكم العرف أصلا كما لا يخفى.

فالفرق بين أصالة عدم التّقيّة و الحكم بها من جهة الأخبار العلاجيّة لا يجدي في الفرض أصلا.

نعم، يستثنى ممّا ذكرنا الخاصّ الّذي فهم من الخارج كون وروده للتّقيّة كالخبر الوارد في عدم قدح زيادة الرّكعة إذا جلس في الرّابعة بقدر التّشهّد؛ فإنّ حملهم له على التّقيّة ليس من جهة مجرّد موافقته للعامّة و إلّا لسلكوا هذا المسلك في جميع موارد تعارض العامّ و الخاصّ.

و ثالثا: أنّ ما ذكره من الفرق في «قاعدة التّحكيم» بين الأصل اللّفظي و شبهه و بين الأصل التّعبدي لا محصّل له أصلا على ما عرفت شرح القول فيه مرارا.

و رابعا: أنّ ما ذكره أخيرا: من تقديم التّرجيح من حيث الدّلالة على سائر الأصول الجارية في الجهة و إن كان مسلّما في الجملة، إلّا أنّه غير مسلّم على إطلاقه؛ فإنّه إذا كان العام و الخاصّ في كلام غير المعصوم و لم يكن الخاص متّصلا بالعام حمل على كونه رجوعا، كما في الفتاوي و الوصايا إلى غير ذلك ممّا يتوجّه عليه.

ثمّ إنّ المدار على قوّة الدّلالة و ضعفها في التّقديم من غير فرق بين أن يكونا بالخصوص و العموم أو التّقييد و الإطلاق أو غيرهما، كما أنّ المدار في تقديم النّص على النّصوصيّة في ضمن أي شي‏ء حصلت؛ ضرورة عدم اعتبار خصوصيّة في التّقديم و دورانه مدار النّصوصيّة و قوّة الدّلالة.

269

و منه يظهر جودة ما أفاده شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) في تضعيف ما تخيّله بعض المحدّثين من الفرق و التّفصيل، و يحتمل أن يكون مبنى تخيّله على اشتباه الأمر عليه في تشخيص الصّغرى.

القوّة و الضّعف و الضابطة فيهما

ثمّ إنّ القوّة و الضّعف- كما ذكر في «الكتاب»- قد يكونان بحسب خصوصيّات المقامات. و هذا القسم لا يدخل تحت ضابطة بل موكول إلى نظر الفقيه؛ لعدم إمكان جعل ضابطة له قطعا. و من هنا قد يقدّم العام على الخاصّ، و المطلق على المقيّد، و المفهوم على المنطوق. و هكذا الأمر في كلّ ما يكون بحسب النّوع أو الصّنف أقوى من غيره بحسب الدّلالة مع كونه أضعف منه في خصوص المقام بنظر الفقيه، بل ربّما لا يكون للّفظ ظهور نوعا أصلا في معنى، و يكون له الظّهور فيه في خصوص المقام بنظره.

ألا ترى إلى ما أفاده المحقّق القمّي (قدّس سرّه) في دلالة آية النّبأ باعتبار التّعليق على الوصف على المفهوم في خصوص الآية؟ مع قوله بعدم دلالة التّعليق المذكور نوعا على المفهوم، عكس ما ذكره غير واحد: من أنّه على تقدير القول بدلالته على المفهوم نوعا لا دلالة له في خصوص المقام على ما أسمعناك في الجزء الأوّل من التّعليقة.

و قد يكون بحسب الصّنف كألفاظ العموم و التّعليقات الدّالة على المفهوم؛ فإنّ لفظة «كلّ» و نحوه أقوى دلالة على العموم من النّكرة في سياق النّفي، و هي‏

270

أقوى دلالة عليه من الجمع المحلّى، و هو أقوى دلالة عليه من الجمع المضاف، و هو أقوى دلالة عليه من المفرد المحلّى، و هو أقوى دلالة عليه من المفرد المضاف. و من هنا وقع الاختلاف في غير لفظة «كلّ» شدّة و ضعفا بحسب ما عرفت. و هكذا الأمر فيما دلّ على المفهوم؛ فإنّ ألفاظ الحصر أقوى دلالة من جميع ما دلّ عليه.

و من هنا قيل بكون دلالتها بالمنطوق و التّعليق بالغاية أقوى دلالة على المفهوم من التّعليق على الشّرط، و كذا أدوات الشّرط بعضها بالنّسبة إلى بعض ك «إن» بالنّسبة إلى «إذا» و هكذا. و الحروف بالنّسبة إلى الأسماء المتضمّنة لمعنى الشّرط. و التّعليق بالشّرط أقوى دلالة عليه من التّعليق بالوصف، و هو أقوى دلالة من العدد، و هو أقوى دلالة من اللّقب على القول بثبوت المفهوم لها، و هكذا الأمر في المجازات قربا و بعدا، و كذا الأمر في الألفاظ الدّالّة على التّأبيد و العموم الزّماني هذا كلّه في الصّنفين المختلفين.

و قد يوجد الاختلاف في الصّنف الواحد بحسب جزئياته الكلّية كالعام الغير المخصّص بالنّسبة إلى المخصّص مع وحدة اللّفظ الدّال على الجمع كالجمع المحلّى مثلا، و العام الّذي ما يكون أقلّ أفرادا بالنّسبة إلى ما يكون أكثر أفرادا و إن كان الدّال واحدا، و العام الّذي ورد عليه التّخصيص كثيرا بالنّسبة إلى ما ورد عليه قليلا و هكذا.

و قد يكون بحسب النّوع و قد عقدوا لذلك بابا و سمّوه بتعارض الأحوال، و هذا العنوان و إن لم يكن من خصائص تعارض الأدلّة؛ فإنّه قد يتحقّق بالنّسبة إلى دليل واحد كما هو ظاهر، إلّا أنّ تحقّقه بالنّسبة إلى الدّليلين المتعارضين أوجب‏

271

عنوانه و البحث عنه في المقام و لو على سبيل الإجمال، و من هنا تعرّض له شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) في «الكتاب».

ثمّ إنّ قوّة الدّلالة قد تستند إلى الوضع كالألفاظ الموضوعة للعموم بالنّسبة إلى الألفاظ المطلقة على مذهب السّلطان‏ (1) القائل: بكون لفظ المطلق موضوعا للماهيّة المهملة، و من هنا ذهب: إلى كون التّقييد حقيقة إذا لم ترد الخصوصيّة من اللّفظ؛ حيث إنّ ظهوره في الإطلاق و الانتشار مستند إلى الحكمة، نظير دلالة المفرد المحلّى على العموم على مذهب الشّيخ (قدّس سرّه).

و قد تستند إلى الظّهور الوضعي مع كون دلالة المقابل بالوضع أيضا كألفاظ العموم بالنّسبة إلى لفظ المطلق على ما ذهب إليه المشهور من كونه موضوعا للحصّة المنتشرة بحيث يكون الانتشار قيدا للموضوع له. و من هنا ذهبوا: إلى كون التّقييد مجازا.

و قد تستند إلى المطابقة بالنّسبة إلى ما كانت دلالته بحسب الالتزام كالمنطوق بالنّسبة إلى المفهوم مع كون الدّلالة في كلّ منهما وضعيّة.

و قد تستند إلى قلّة إرادة خلاف الظّاهر كاللّفظ الدّال على دوام الحكم بدوام الشّرع بالنّسبة إلى ما دلّ على العموم الأفرادي. و من هنا قالوا: بكون التّخصيص أولى من ارتكاب النّسخ عند الدّوران؛ حيث إنّ النّسخ بالنّسبة إلى كلّ شريعة قليل في الغاية و إن ورد النّسخ على جميع الشّرائع إلّا شريعة واحدة و اللّفظ

____________

(1) سلطان العلماء في حاشيته على المعالم في مباحث المطلق و المقيّد، انظر معالم الأصول (الطبعة الحجريّة) الصفحة: 155، الحاشية المبدّوة بقوله: «الجمع بين الدليلين ... الى آخره).

272

الدّال بالوضع على معنى مع ألفاظ العموم و إن كانت الدّلالة في كلّ منهما مستندة إلى الوضع.

و من هنا قالوا: بأنّ التّخصيص أولى من المجاز، و لو لم نقل بكون التّخصيص مجازا؛ حيث إنّ إرادة خلاف الظّاهر من اللّفظ كثيرا يوجب و هن الظّهور، بل قد يوجب الإجمال في بعض مراتبه. و من هنا ذهب المشهور: إلى التّوقف في المجاز المشهور. كيف؟ و قد تبلغ كثرة إرادة المعنى المجازي إلى حدّ الوضع كما في الوضع التّعيّني.

ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا: من الالتزام بالتّخصيص عند دوران الأمر بينه و بين النّسخ كما يلتزم بارتكاب خلاف جميع الظّواهر عند الدّوران بينه و بين النّسخ بين أن يكون احتمال النّاسخيّة في الخاصّ كما إذا تأخّر عن العام أو في العام كما إذا تأخّر عن الخاص لاتّحاد الوجه.

نعم، لو كان هناك مانع عن الالتزام بالتّخصيص مثل لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة كما إذا ورد الخاصّ بعد العمل بالعام في مدّة تعيّن فيه الالتزام بالنّسخ لو لم يحتمل ورود الخاصّ وقت الحاجة و اختفائه و لم نقل بجواز تأخير البيان عن وقت الحاجة فيما كانت هناك مصلحة مجوّزة، و إلّا لم يتعيّن ارتكاب النّسخ أيضا هذا في المخصّصات الواردة في كلام النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بعد العمل بالعمومات.

***

273

بيان حال المخصّصات الواردة بعد العمومات النّبويّة أو الولويّة في كلام الأئمة المتأخرين (عليهم السّلام)

و أمّا المخصّصات الواردة في كلام بعض الأئمّة (عليهم السّلام) بعد العمومات الواردة في كلام النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أو بعض الأئمّة المتقدّمة (عليه السّلام) أو الإمام الوارد في كلامه الخاصّ بعد مضي زمان العمل بالعام، ففيها وجوه و احتمالات مذكورة في «الكتاب».

أحدها: جعلها ناسخة بالتزام إيداع النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) النّاسخ عند الإمام (عليه السّلام) حتّى لا ينافي تكميل الدّين في زمان النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الّذي قضى به العقل و النّقل ح حيث إنّ الوصيّ حافظ لما بلغه الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من اللّه تعالى إلى الخلق.

ثانيها: الالتزام بكونها مخصّصة، بمعنى كونها كاشفة عن المخصّصات المتّصلة المختفية من جهة العوارض.

ثالثها: جعلها مخصّصة من دون التزام بالاختفاء.

و هكذا الكلام في المقيّدات الواردة في كلام بعض الأئمّة (عليهم السّلام) بعد العمل بالمطلقات الواردة في كلام النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أو الأئمّة (عليهم السّلام) فإنّه يجري فيها الوجوه المذكورة. و خير هذه الوجوه الأخير منها.

فإنّ الوجه الأوّل، و إن كان متصوّرا معقولا من حيث الكشف عن نسخ النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و إيداعه عند الوصيّ (عليه السّلام) على ما عرفت، إلّا أنّه يبعّده منتهى البعد كثرة هذه التّخصيصات و التّقييدات غاية الكثرة، مع كون أصل النّسخ قليلا غاية القلّة،

274

فلا معنى لحملها عليه.

و الوجه الثّاني، يبعّده أيضا بل يحيله العادة بعد ملاحظة عموم الابتلاء بها علما و عملا، و كثرتها و انتفاء دواعي الاختفاء و مقتضياته.

و أمّا الوجه الأخير، فهو و إن كان منافيا لقاعدة قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة في ظاهر النّظر، إلّا أنّه بعد التّأمّل يعلم بعدم التّنافي بينهما أصلا؛ لأنّ القاعدة كما برهن عليها في محلّه إنّما يقتضي البيان فيما لم يقتض المصلحة تأخيره، و إلّا فلا قبح في تأخيره أصلا، فيكون تكليف المخاطبين بتلك الخطابات المشتملة على الظّواهر أو المطّلعين عليها ما يقتضيه ظواهرها ظاهرا اتّكالا على الأصول اللّفظيّة المعتبرة عند العقلاء و أهل اللّسان و لا بعد فيه أصلا.

فإنّه كما إذا اقتضت المصلحة بيان الأحكام تدريجا و الرّجوع إلى الأصول العقليّة قبل البيان- حتّى أنّه ورد عدم تكليف المكلّفين في أوائل البعثة في مدّة عشر سنين إلّا بالتّوحيد و الاعتقاد بالرّسالة- كذلك اقتضت تأخير بيان الصّوارف عن زمان العمل بالظّواهر.

بل التّأمّل في الآثار و الأخبار الواردة عن النّبي المختار و الأئمّة الأبرار (سلام اللّه عليهم) يوجب القطع بكون مبنى البيانات المتأخّرة على ما ذكرنا سيّما ما ورد في بيان معاملة الحجّة المنتظر (عجّل اللّه فرجه، و سلامه عليه و على آبائه الطّاهرين) في زمان ظهوره و أنّه يحكم ببطون كلام اللّه تعالى و ما انطوت عليه الصّحيفة الفاطميّة (1) (سلام اللّه عليها) كما يظهر من رواية

____________

(1) أقول: الظاهر انه يقصد بها مصحف فاطمة (صلوات اللّه تعالى عليها) و الروايات الواردة في‏

275

____________

- بيان ما فيه خالية عن ذكر ما أفاده الميرزا الآشتياني (قدّس سرّه)؛ إذ ليس في مصحف السيّدة سلام اللّه تعالى عليها شي‏ء من الأحكام و إنّما هو مشتمل على المغيّبات و ذكر ما يجري على أولادها و ذريّتها إلى يوم القيامة و من يملك منهم و من لا يملك.

اللهم إلّا أن يكون قد خلط بين الجامعة التي هي من إملاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و خطّ علي (عليه السّلام) و فيها كل شي‏ء حتى أرش الخدش.

وجه الخلط: انه وردت رواية في «البصائر» تصف الجامعة بالوصف الذي أشرنا إليه من دون ذكر لفظ الجامعة، و وردت رواية أخرى فيه تذكر مصحف السيّدة فاطمة سلام اللّه تعالى عليها و تقول: إنها من املاء رسول اللّه و خطّ علي (عليه السّلام).

و ربّما يتوهّم من ذلك ان المراد برسول اللّه في الروايتين شخص واحد و هو الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كما يظهر من صاحب كتاب «بهجة قلب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) » حيث قال: ان لفاطمة مصحفا أملاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) على علي (عليه السّلام) أيام حياته.

و الحق انه ليس كذلك؛ إذ المراد بالأوّل أي الذي أملى الجامعة على أمير المؤمنين (عليه السّلام) هو رسول اللّه الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ، كما ان المراد بالثاني أي: الذي أملى المصحف على أمير المؤمنين (عليه السّلام) هو جبرئيل (عليه السّلام) و هو رسول اللّه بلا إشكال. أنظر بصائر الدرجات: 1/ 304- 325- الباب 14 منه.

و من الغريب: ان صاحب الكتاب المزبور صوّر للسيّدة (سلام اللّه عليها) مصحفا آخر أوحاه اللّه جل جلاله إليها غير المصحف الذي أملاه جبرئيل (عليه السّلام) و خطّه عليّ عليه الصلاة و السلام إستنادا إلى الرواية الثالثة من الباب الرابع عشر من «البصائر» للصفّار المعقود في الأئمة (عليهم السّلام) أنهم أعطوا الجفر و الجامعة و مصحف فاطمة (عليها السّلام).

و لم يلتفت (رحمه اللّه) إلى ان روايات الباب جميعا تشير إلى مصحف واحد لفاطمة (صلوات اللّه تعالى عليها) و هو ما ذكرناه لا غير، و اختلاف الرّوايات في التعبير عنه ليس إلّا لمجرّد بيان-

276

جابر (1) و غيرها، و ما ورد في بيان إخفاء الأمير (سلام اللّه عليه) ما جمعه من‏

____________

- شأن السيّدة (سلام اللّه عليها) و عظمة ما أوحى اللّه تعالى إليها بواسطة جبرئيل (عليه السّلام) و أنّها بالمكان الرفيع لدى الرحمن عز و جل في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

نعم، وردت رواية في «دلائل الإمامة» للطبري منفردا بمسند ضعيف عند المشهور عن أبي بصير تذكر مصحفا للسيّدة (صلوات اللّه تعالى عليها) نزل به جبرئيل و ميكائيل و هو من درّ أبيض ... إلى آخر الخبر المزبور، و علمه مردود إلى أهله.

بقي شي‏ء:

ورد في الخبر الأوّل من الباب 14 من الجزء الثالث من المجلّد الأوّل من «بصائر الدرجات» للشيخ محمد بن الحسن الصفّار (رحمه اللّه):

«عن الحسين بن أبي العلاء قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: عندي الجفر الأبيض.

قال: قلنا: و أيّ شي‏ء فيه؟

قال: فقال لي: زبور داود و توراة موسى و إنجيل عيسى و صحف إبراهيم و الحلال و الحرام و مصحف فاطمة، ما أزعم أنّ فيه قرآنا، و فيه ما يحتاج الناس إلينا و لا نحتاج إلى أحد شي‏ء حتى أنّ فيه الحدّ بالجلدة و نصف الجلدة و ثلث الجلدة و ربع الجلدة و أرش الخدش» الحديث.

و أورده الكافي في الأصول: ج 1/ 298 باب 40 الحديث 3.

و ظاهره أن مصحف السيّدة مشتمل على الأحكام الفرعيّة، إلّا انه لا بد من رفع اليد عن ذلك و إرجاع الضمير إلى الجفر المشتمل على ذلك كلّه.

و يؤيّده خبر حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في وصف مصحف السيّدة (عليها السّلام) حيث يقول: أمّا إنّه ليس فيه شي‏ء من الحلال و الحرام و لكن فيه علم ما يكون.

و كيف كان: فإن خبر الحسين بن أبي العلاء يمكن أن يكون مستمسكا للميرزا الآشتياني (قدّس سرّه) فيما أفاد إلّا انه لا يصلح للإعتماد لما عرفته.

(1) لم نجد لجابر رواية بهذا المضمون، لا الجعفي و لا الأنصاري اللهم إلّا أن يريد حديث-

277

آيات الكتاب‏ (1) بعد رحلة النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ؛ ضرورة عدم نسخ الدّين في زمان ظهور الحجّة، فليس الوجه إلّا أنّ الأئمّة (عليهم السّلام) كانوا مكلّفين بإظهار ما أمروا بإظهاره في أزمنتهم كلّ بحسب ما يقتضيه تكليفه حسب المصلحة.

لا يقال: ما ذكر ينافي شأن النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) سيّما بملاحظة ما ثبت عنه في حجّة الوداع كما في «الكتاب» و غيره: من بيانه جميع ما يحتاج إليه الأمّة، و أنّه أكمل الدّين، و بلّغ جميع ما أمر بتبليغه.

لأنّا نقول: ما ذكرنا لا ينافي كونه رسولا مبلّغا تمام الدّين إلى الأمّة؛ فإنّ بيانه جميع الأحكام لا ينافي إيداعه جملة من الأحكام عند الأوصياء يبيّنونها للأمّة حسب اقتضاء المصلحة في مرور الأعصار.

فإن قلت: ما ذكر يوجب سدّ باب التّمسك بالظّواهر للمخاطبين و غيرهم؛ إذ بعد تجويز تأخير البيان عن وقت الحاجة ليس هنا ما يقضي بإرادة المتكلّم ظاهر كلامه، فيوجب ذلك إجمال جميع الخطابات بل الألفاظ؛ إذ غاية ما يدفع بالأصول العقلائية هو احتمال السّهو و الخطأ و الاشتباه و نحوها، و أمّا احتمال التّعمّد في ترك‏

____________

- اللّوح الذي رواه جابر الأنصاري و هو أجنبي عن محل البحث كما هو واضح، و اللّه العالم.

نعم، وردت روايات كثيرة في انه روحي و أرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء يحكم بحكم داود و ما هو مدّخر عنده من مواريث آبائه (صلوات اللّه تعالى عليهم) كالجامعة و كتاب علي (عليه السّلام) و الجفر الأبيض المشتمل على مواريث الانبياء.

(1) أنظر الحديث الثالث من الباب السادس (في الأئمة: ان عندهم جميع القرآن الذي أنزل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ) من الجزء الرّابع من المجلّد الأوّل من «بصائر الدرجات» للشيخ محمد بن الحسن الصفّار القمّي.

278

نصب القرينة و الصّارف فليس هناك ما يدفعه، و ليس مرجوحا أيضا بعد كثرة وقوعه، و هذا ما ذكرنا من إداء ذلك إلى إجمال الألفاظ بأسرها.

قلت: إيجاب ما ذكرنا لسدّ باب التّمسك بالظّواهر توهّم فاسد؛ إذ التّعمّد في ترك نصب القرينة لرعاية المصلحة في اختفاء المراد على خلاف ما يقتضيه الأصول، و وضع التّخاطب و المحاورات، فلا يعتنى باحتماله عند أهل اللّسان، فهو نظير التّورية فيما كان هناك ما يقتضي إخفاء المراد. مع أنّ تجويزها لا يوجب التّوقّف و الإجمال و سدّ باب التّمسّك بالظّواهر عند احتمالها. و هذا هو المراد بما أفاده شيخنا العلّامة في الجواب عن السّؤال المذكور بقوله: (قلت: المستند في إثبات أصالة الحقيقة ... إلى آخره) (1).

ثمّ إنّ ما ذكرنا لا يختصّ بالمخصّصات و المقيّدات المتأخّرة الواردة بعد العمل بالعمومات و المطلقات، بل يجري في جميع الصّوارف المتأخّرة عن أزمنة العمل بالظّواهر؛ فإنّه و إن احتمل كونها كاشفة عن القرينة المختفية عن أهل زمان الاطّلاع على الصّوارف، إلّا أنّ المتعيّن على ما عرفت جعلها قرينة بأنفسها مختفية عن أهالي أزمنة ورود الظّواهر في حقّهم أو مخاطبتهم بها و كون تكليفهم ظاهرا العمل بتلك الظّواهر.

ثمّ إنّا و إن أشرنا إلى جملة من المرجّحات الصّنفيّة و النّوعيّة بحسب الدّلالة في مطاوي كلماتنا إلّا أنّه لا بأس في شرح القول في بعضها اقتفاء لأثر شيخنا الأستاذ العلّامة.

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 97.

279

فمنها: ما إذا ورد هناك عام و مطلق تعارضا في بعض مصاديقهما كقوله يجب إكرام العلماء، و يستحبّ إكرام الشّاعر، بناء على القول بظهور الجمع المحلّى في العموم، و المفرد المحلّى في الإطلاق، و قوله أكرم عالما و لا تكرم شاعرا؛ فإنّهما كما ترى يتعارضان في مادّة الاجتماع منهما و هو العالم الشّاعر بالعموم و الإطلاق. و لا إشكال في ترجيح العموم على الإطلاق نوعا و جعله صارفا عن الإطلاق و قرينة للتّقييد. و هذا معنى قولهم: إنّ التّقييد أولى من التّخصيص، فيحكم في المثال الأوّل بوجوب إكرام العالم الشّاعر، و في الثّاني بحرمته.

أمّا على ما اختاره سلطان العلماء في حقيقة المطلق: من كونه موضوعا للماهيّة المهملة، و كون التّقييد حقيقة إذا لم يكن باستعمال المطلق فيه فواضح؛ لأنّ ظهوره على هذا القول في الإطلاق بعد اجتماع الشّرائط ليس مستندا إلى الوضع بل إلى الحكمة و عدم بيان القيد فيما كان المقام مقام البيان، فأصالة الإطلاق أصل تعليقي بالنّسبة إلى ما يدلّ على التّقييد و لا تكون في مرتبته، و هذا بخلاف العموم فإنّه مستند إلى الوضع فيكون الدّال عليه نفس اللّفظ، فيكون دليلا على التّقييد و بيانا له بحكم العرف و الشّرع من حيث كونه دليلا تنجيزيّا بالنّسبة إلى أصل الإطلاق، و إن كان تعليقيّا بالنّسبة إلى الخاصّ أيضا.

فلو جعل نفس الإطلاق مانعا عن العمل بالعموم و الحال هذه لزم الدّور جزما؛ حيث إنّ ظهور اللّفظ في الإطلاق المعلّق على عدم العموم موقوف على عدم العموم المستندة إلى الإطلاق بالفرض، فيلزمه ما ذكر من الدّور. نظير جعل قاعدة لزوم دفع الضّرر المحتمل مانعا عن العمل بقاعدة «قبح العقاب بلا بيان» في موارد البراءة العقليّة على ما نبّهناك عليه في الجزء الثّاني من التّعليقة.

280

فإن قلت: كما أنّ الحكم بمقتضى الإطلاق موقوف على نفي ما يصلح للتّقييد كذلك الحكم بالعموم موقوف على نفي التّخصيص و لو بالأصل، ضرورة أنّ الوضع ليس علّة تامّة للظّهور و إنّما هو مقتض له، فيتوقّف ظهور اللّفظ على نفي القرينة الصّارفة، فكما أنّ الإطلاق يتوقّف على نفي التّقييد و لو بالأصل، كذلك العموم يتوقّف على نفي المخصّص و لو بالأصل، فظهور اللّفظ في المراد في كلّ منهما يتوقف على الإطلاق، غاية ما هناك: كون عدم القيد جزءا للمقتضي على مذهب السّلطان و عدم التّخصيص معتبرا في ظهور العام من حيث عدم المانع و هذا المقدار لا يؤثّر في التّوقف قطعا.

فإذا أريد التّمسّك بالعموم فيما كان هناك مطلق لا يجامع إطلاقه مع إرادة العموم، فلا بدّ من رفع إطلاقه فإذا استند إلى نفس العموم فيتوجّه عليه- لا محالة-: لزوم الدّور من حيث توقّف رفع الإطلاق على العموم المتوقّف على رفعه. و هذا معنى ما يقال: من تعاكس الدّور في المقام، فلا بدّ من الحكم بكونهما في مرتبة واحدة، فلا ترجيح للعموم على الإطلاق و لا للإطلاق ترجيح عليه.

قلت: ما ذكر من لزوم الدّور في جانب العكس توهّم فاسد؛ فإنّ التمسّك بالعموم في الفرض لا يتوقّف على رفع الإطلاق؛ حيث إنّه لا مقتضى لوجوده حتّى يتشبّث في رفعه إلى العموم، لما عرفت: من كون التّمسّك به دوريّا كما هو الشّأن في التّمسّك بكلّ تعليقي في مقابل التّنجيزي، فالإطلاق و إن كان من الظّواهر المعتبرة إلّا أنّه بمنزلة الأصل بالنّسبة إلى العموم، و هو بمنزلة الدّليل بالنّسبة إليه.

هذا كلّه على ما اختاره سلطان العلماء في حقيقة المطلق.

و أمّا على ما ذهب إليه المعظم في حقيقته: من كون الانتشار و العموم البدلي‏

281

جزءا من مدلوله و مدلولا عليه بالدّلالة اللّفظيّة الوضعيّة. و من هنا التزموا بكون التّقييد مجازا كالتّخصيص و إن لم يستعمل لفظ المطلق في المقيّد، بل أريد من الخارج؛ فلأنّ دلالة لفظ العام على العموم أقوى من دلالة لفظ المطلق على المعنى الإطلاقي، و إن كان كلّ من الدّلالتين مستندا إلى الوضع.

و من هنا ذكرنا: أنّ ألفاظ العموم مختلفة في الدّلالة عليه قوّة و ضعفا مع استناد الدّلالة في الجميع إلى الوضع، و كذا دلالة اللّفظ بالمنطوق أقوى من دلالته بالمفهوم مع كونهما بالدّلالة الوضعيّة، و كذا الحال في اختلاف مراتب المفاهيم من حيث القوّة و الضّعف مع استناد الدّلالة في الجميع إلى الوضع و هكذا.

نعم، لو كان العموم مستندا إلى الحكمة كالمفرد المحلّى على ما ذهب إليه الشّيخ (رحمه اللّه) كان الإطلاق على مذهب المشهور أقوى من العموم المذكور، كما أنّهما على مذهب السّلطان في مرتبة واحدة هذا.

و قد يستدلّ لتقديم العموم على مذهب المشهور في المطلق: بكون التّقييد أغلب من التّخصيص و إن بلغ ما بلغ حتّى قيل فيه: ما من عام إلّا و قد خصّ.

و يضعّف بمنع كون التّقييد بالمقيّدات المنفصلة كما هو محلّ الكلام أغلب و أكثر من التّخصيص. و من هنا تأمّل فيه في «الكتاب» و جعل الوجه فيه في حاشيته ما عرفته من منع الأغلبيّة (1).

____________

(1) قال المحقق الخراساني (قدّس سرّه):

«و فيه تأمّل: فإنّ أقوائيّة الدلالة لا بد لها من موجب غير الوضع، إمّا من ضعف دلالة الآخر-

282

و منها: تعارض العموم مع غير الإطلاق من الظّواهر المعتبرة، و المعروف بينهم تقديمها هي العموم من جهة قوّتها، و ضعفه من جهة كثرة التّخصيص نوعا فيوجب ضعف دلالة العام جدّا؛ ضرورة تطرّق الوهن إلى الدّلالة الوضعيّة إذا أريد خلافها كثيرا هذا.

و قد يتأمّل في بعضها كظهور صيغة افعل في الوجوب؛ فإنّ استعمالها في الاستحباب أيضا شائع كما ذكره في «المعالم» (1)، بل ذكر كون استعمالها في الاستحباب من المجازات المشهورة، و لم يقل بذلك بالنّسبة إلى استعمال العام في الخاصّ و إن أمر بالتّأمّل فيه في «الكتاب» (2) (3)؛ نظرا إلى ما أفاده في مجلس‏

____________

- بسبب غلبة إستعماله في المعنى المجازي أو إزدياد قوّتها المستندة إلى الوضع بكثرة استعماله فيما وضع له بحيث حصل له من أجله مزيد اختصاص، فيوجب أقوائيّة دلالته بالنسبة إلى لفظ لم يكثر استعماله بعد فيما له وضع هذه الكثرة فلعلّ وجه الأقوائيّة اكثريّة إستعمال العام في العموم من استعمال المطلق في الإطلاق و إن لم يكن التقييد أكثر من التخصيص و فيه أيضا تأمّل» إنتهى. أنظر درر الفوائد: 462.

(1) معالم الدين و ملاذ المجتهدين: 151.

(2) فرائد الأصول: ج 4/ 99.

(3) قال السيّد المجدّد الشيرازي (قدّس سرّه):

«كأنّ وجه التأمل: أن كثرة التخصيص في العام أيضا على وجه قيل أنه ما من عام إلّا و قد خص.

أقول: لا يخفى أن ما قيل معناه أنه لا يوجد شي‏ء من العمومات أريد منه العموم بل كل واحد منها وقع التخصيص عليه و لو بمخصص عقلي لا أن كل واحد منها غلب فيه التخصيص.-

283

____________

- هذا مع أنا لو سلمنا غلبته في كل واحد منها فانما هي بملاحظة مجموع مراتب التخصيص، لا بالنسبة الى كل واحدة منها مع عدم امكانه في نفسه و لا بالنسبة الى مرتبة خاصة، بخلاف صيغة الأمر؛ فان غلبة الاستعمال المجازي فيها إنّما تحققت بالنسبة الى خصوص بعض معانيها المجازية، و هو الاستحباب، و من المعلوم أنه يتعين الأخذ بالغلبة في مقام الترجيح.

لكن الانصاف اندفاع ذلك: بأن الغلبة الشخصية إنّما تجدي في تعيين المراد من بين المجازات من لفظ واحد بعد ثبوت عدم إرادة الحقيقة منه كما إذا ورد (إكرام العالم مثلا) و علم أنه ليس المراد اكرام مطلق طبيعة العالم بل شخص خاص منها و تردد هو بين زيد- الذي هو من النحويين- و بين عمرو- الذي هو من الفقهاء- و فرضنا ان استعمال العالم في خصوص زيد أكثر منه في خصوص عمرو مع تحقق كثرة استعماله- أيضا- في مجموع آحاد الفقهاء بحيث تساوى كثرة استعماله في زيد، فيكون حمله على عمرو مقتضى الغلبة في نوع الفقهاء، و حمله على زيد مقتضى الغلبة الشخصية المختصة به، فيقدم الثانى لما مر.

لكن المفروض في المقام عدم ثبوت المجازية في خصوص شي‏ء من العام و الأمر، مع العلم بارادة مخالف الظاهر من أحدهما اجمالا الداعي الى الالتزام بالتأويل في أحدهما، و الأمر دائر بين الأخذ من أحدهما إجمالا الداعي الى الالتزام بالتأويل في أحدهما، و الأمر دائر بين الأخذ بظهور العام و التأويل في الأمر و بين العكس، و من المعلوم أن المرجح في هذا المقام إنّما هو ما يوجب أظهرية دلالة العام على العموم من دلالة الأمر على الوجوب أو العكس، و من المعلوم أن الأظهرية إنّما هي بواسطة قلّة تصدم جهة الوضع بالاستعمال المجازى، فكل ما قلّ استعماله في خلاف ما وضع له بالاضافة الى الآخر فهو أظهر، من غير فرق بين أن يكون كثرة الاستعمال المجازي- المصادمة لجهة وضع الظاهر- متحققة في معنى خاص من المعانى المجازية أو في ضمن مجموعها، فان ضعف دلالته على ارادة الموضوع له إنّما هو ناشي‏ء عن كثرة ارادة خلاف الموضوع [له‏] لا عن كثرة ارادة معنى-

284

____________

- خاص من المعانى المخالفة له، فلا يقدح كثرة استعمال الأمر في الندب في أضعفية ظهوره من ظهور العام إلّا اذا كانت أقوى من كثرة التخصيص في ذلك العام المتحققة في جميع موارد استعماله المجازي من مراتب الخصوص.

و الحاصل: أن الكلام في تشخيص الأظهر من اللفظين لتعيين مورد التأويل المعلوم اجمالا في غيره لا في تشخيص ارادة المعنى المجازي، و المرجّح إنّما هو قلّة تصدّم مقتضى الوضع بكثرة الاستعمال المجازي من غير فرق بين تحققها في معنى خاص و بين تحققها في مجموع معان مجازية، فالحكم بأظهرية العام في العموم متوقف على احراز أكثرية استعمال الأمر في خلاف معناه الموضوع له من استعمال العام في خلاف ما وضع له و هو الخصوص، فلا يجدي أكثريّة استعماله في خصوص الاستحباب من استعمال العام في خصوص مرتبة من مراتب الخصوص.

نعم اذا كان استعماله في خصوص الاستحباب أكثر من استعمال العام بالنسبة الى جميع مراتب الخصوص فيجدي من جهة كون تلك الأكثرية محققة لعنوان أكثريّة تصدم جهة الوضع الذي هو المناط في أضعفية الظهور و لا يبعد أكثرية استعمال أيّ من ألفاظ العموم في غير العموم بالنسبة الى جميع مراتب التخصيص من استعمال الأمر في غير الوجوب مطلقا، فكيف باستعماله في خصوص الاستحباب؟ هذا فافهم جيدا» إنتهى. أنظر تقريرات المجدّد الشيرازي: ج 4/ 323- 325.

* و قال المحقّق آغا رضا الهمداني (قدّس سرّه):

«أقول: لعلّه إشارة إلى ان استعمال الخاص أشيع حتى قيل: «ما من عام إلّا و قد خصّ».

و أمّا عدم اتصافه بكونه مجازا مشهورا، فلعدم تعيّن إرادة مرتبة خاصة منه كالنصف و الثلث مثلا، حتى يدّعى أن إرادته من العام مجاز مشهور، و هذا بخلاف الإستحباب؛ فإن إرادته بالخصوص من الأمر شائعة، فليس لما يراه من العام في استعمالاته المجازيّة- و لو بحسب-

285

المذاكرة: من أنّ شيوع استعمال الأمر في النّدب نوعا لا يجدي بالنّسبة إلى الأمر الّذي وقع في حيّز العام على ما هو محلّ الكلام فتدبّر.

ثمّ إنّ تحصيل القوّة و التّرجيح بحسب الدّلالة فيما كان التّعارض بين الدليلين بحسب المرجّحات الشّخصيّة الموكولة بنظر الفقيه أو النّوعيّة أو الصّنفيّة ممّا يسهل للفقيه و لا يحتاج إلى إتعاب النّظر و إن كان بعض صغرياته نظريّة بل محلّا للاختلاف.

***

____________

- الغالب- حدّ مضبوط، بل يختلف بحسب الموارد، و ليس شي‏ء منه بخصوصه مشهورا بخلاف الإستحباب الذي يراه من الأمر، فلاحظ و تدبّر» إنتهى.

أنظر حاشية فرائد الاصول: 528.

286

* «بيان انقلاب النّسبة»

تحقيق الكلام في حكم تعارض أزيد من دليلين‏

و أمّا إذا كان التّعارض بين أزيد من الدّليلين فقد يصعب تحصيلها للفقيه؛ إذ قد يختلف النّسبة بين دليلين منهما بملاحظة العلاج مع الثّالث، فلا بدّ من التّعرض له و بسط القول في قسم منه و هو: التّعارض الثّلاثي منه لكي يعرف منه حكم سائر الأقسام و الصّور.

و المراد من التّعارض الثّلاثي: أعمّ من أن يكون بين كلّ واحد مع غيره، أو يكون بين اثنين مع واحد منها و إن لم يكن بينهما تعارض أصلا. كما إذا كان هناك عامّ و خاصّان لا تعارض بينهما، أو كان هناك عامّ و خاصان متعارضان.

ثمّ إنّ الكلام في حكم التّعارض الثّلاثي من الجهة المبحوث عنها في المقام لا في حكمه بقول مطلق، فإنّه واضح لا خفاء فيه؛ فإنّ الحكم مع عدم التّرجيح أصلا هو التّخيير بين الأخذ بكلّ واحد من الثّلاثة و طرح الآخرين رأسا، أو في مادّة التّعارض إن كانت لهما مادّة سليمة. كما في نسبة العموم من وجه و مع ترجيح بعضها على الباقي مع مساواته تقديمه عليه و طرحهما، و مع ترجيح الاثنين على الواحد مع مساواتهما. كما إذا كان موافقا للعامّة و كانا مخالفين لهم مع مساواتهما من سائر الجهات هو طرحه و التّخيير بينهما و إن كان الحكم نظريّا في بعض صوره على ما سنوقفك عليه.

287

فنقول: إنّ النّسبة بين المتعارضات: إمّا أن يكون نسبة واحدة، أو مختلفة.

فإن كانت واحدة فلا يخلو: إمّا أن يكون بالتّباين، أو بالعموم و الخصوص، أو بالعموم من وجه.

فإن كانت بالتّباين:

فإن لم يكن بين الألفاظ الدّالة على المحمول تفاوت من حيث القوّة و الضّعف بحيث يمكن الجمع، فلا إشكال في لزوم الرّجوع إلى سائر المرجّحات، أو التّخيير بين الأخذ بكلّ واحد إن لم يكن على ما عرفت الإشارة إليه. كما إذا ورد: «يجب إكرام العلماء»، و «يستحبّ إكرامهم»، و «يحرم إكرامهم».

و إن كان بينها تفاوت لزم الأخذ بالأقوى دلالة و جعله صارفا لغيره، كما إذا ورد: «أكرم العلماء» و «يستحبّ إكرامهم»، و «يجوز إكرامهم»؛ فإنّ مادّة الاستحباب أقوى من ظهور الصّيغة في الوجوب، و ظهور الجواز في الإباحة الخاصّة- على تقدير تسليم ظهوره فيها- فيجعل صارفا عن الظّهورين و يحكم باستحباب إكرامهم.

و إن كانت بالعموم و الخصوص و لم يكن بين الخاصّين تعارض أصلا:

فإن لم يلزم من العمل بالخاصّين محذور، و لا من ملاحظة تقديم علاج أحدهما انقلاب النّسبة، فيخصّص العام بهما، كما إذا ورد: «أكرم العلماء»، و ورد:

«لا تكرم زيدا»، و «لا تكرم عمروا» و فيما كانا عالمين‏

و إن لزم محذور من العمل بالخاصّين و هو طرح العام رأسا و بقاؤه بلا مورد من العمل بهما، فلا يجوز العلاج بالتّخصيص؛ لأنّ التّخصيص بهما معا موجب‏

288

للطّرح السّندي، و بأحدهما موجب للتّرجيح بلا مرجّح، كما إذا ورد: «أكرم العلماء»، و ورد أيضا: «لا تكرم فسّاق العلماء»، و «لا تكرم عدول العلماء»، فلا بدّ من العلاج بالتّرجيح بسائر المرجّحات إن وجدت، أو التّخيير إن لم يوجد. فإن كان العام راجحا عليهما فلا بدّ من العمل به و طرحهما، و إن كانا راجحين عليه فلا إشكال أيضا؛ فإنّه يجب الأخذ بهما و طرحه، و إن كان راجحا على أحدهما و مرجوحا بالنّسبة إلى الآخر أو كانا متكافئين، فربّما يشكل الأمر في الصّورتين، لكنّ الّذي يظهر في النّظر عاجلا طرح المرجوح من الخاصّين و المعاملة مع الخاصّ الرّاجح أو المتكافئ معاملة العام و الخاص بارتكاب التّخصيص في العام و العمل بالخاصّ في الصّورتين، و إن كانت متكافئة فيحكم بالتّخيير بين الأخذ بالعامّ و طرح الخاصّتين و بين العكس.

و إن لم يلزم محذور من تخصيص العام بهما و لكن لو خصّص العام بأحدهما أوّلا ثمّ لوحظت النّسبة بين العام بعد التّخصيص به مع الآخر انقلبت النّسبة بينهما بالعموم من وجه، كما إذا كان أحد الخاصّين أخصّ من الآخر، مثل:

ما إذا ورد: «أمر بإكرام العلماء»، ثمّ ورد نهي مثلا عن إكرام فسّاق النّحويّين، و ورد نهي آخر عن إكرام مطلق فسّاق العلماء؛ فإنّه إذا خصّص العام بالخاصّ الأوّل أوّلا، ثمّ لوحظت النّسبة بينه بعد ملاحظة تخصيصه به مع الخاصّ الآخر، فلا محالة ينقلب النّسبة إلى العموم من وجه؛ ضرورة صيرورة المخرج بالخاص الأوّل مادّة الافتراق للخاصّ الآخر الأعمّ كما هو ظاهر، فإن كان الخاصّ الأخصّ من المخصّصات المتّصلة كالوصف و الغاية و الشّرط و نحوها، فلا إشكال في لزوم رعاية ما ذكر: من تقديم العلاج؛ من حيث كون الخاصّ المتّصل جزء للكلام و من‏

289

متعلّقاته، فيكون للمجموع من العام و الخاصّ ظهور ثانويّ في كون الباقي بعد التّخصيص مرادا سواء قلنا بكون العام المخصّص بالمخصّص المتّصل حقيقة كما هو الأقوى- على ما حقّقناه في مسألة «التّخصيص»- أو مجازا، و يعارضه الخاص الأعمّ، فلا محالة يكون النّسبة هي العموم من وجه و إن كان من المخصّصات المنفصلة.

و لو كان قطعيّا كالإجماع و العقل فلا إشكال عندنا في عدم جواز رعاية ما ذكر، و لزوم تخصيص العامّ بالخاصّ الأعمّ كتخصيصه بالخاصّ الأخصّ؛ فإنّ الخاصّ المنفصل إنّما هو قرينة محضة لصرف العامّ عن العموم، و ليس معيّنة لإرادة تمام الباقي كالخاصّ المتّصل. فالمراد من العام بعد التّخصيص مردّد بين بعض الباقي و تمامه، و إنّما يحكم بإرادة التّمام بضميمة أصالة عدم تخصيص غير المخرج بعد ملاحظة جميع ما ورد على العام من المخصّصات، فإذا وجد هناك خاصّ آخر و لو كان أعمّ من الخاصّ الّذي خصّص به العام، فلا معنى للرّجوع إلى الأصل المذكور؛ فإنّه تعليقي بالنّسبة إلى دليل التّخصيص و إن كان مبناه على الظّهور النّوعي العرفي، كما هو شأن مطلق أصالة الحقيقة و لعموم بالنّسبة إلى القرينة و الخاصّ.

فإن شئت قلت: إن العامّ إمّا أن يلاحظ بحسب وضعه مع الخاصّ الأعمّ، و إمّا أن يلاحظ بحسب ظاهره، و ما أريد منه بعد التّخصيص بالخاصّ الأخصّ.

فعلى الأوّل، لا إشكال في عدم مكافأته مع الخاصّ، و على الثّاني، لا ظهور له بعد التّخصيص إلّا بضميمة أصالة عدم تخصيص آخر، و من المعلوم أنّها لا يقاوم دليل التّخصيص.

290

ثمّ إنّ ما ذكرنا مع كمال وضوحه قد أشبعنا الكلام فيه في بحث العام و الخاصّ، بل أثبتنا فيه كون التّخصيص بالمتّصل حقيقة.

ثمّ إنّ ما ذكرنا فيما يتحقّق كون التّخصيص به من التّخصيص بالمتّصل ممّا لا إشكال فيه، و قد يستشكل في بعض الموارد: من جهة الإشكال في تميز المخصّص من حيث الاتّصال و الانفصال فتحقيقه موكول بنظر الفقيه، كما في التّخصيص بالاستثناء سيّما بالأفعال، و إن كان الظّاهر كون التّخصيص به من المتّصل مطلقا سواء كان بالحروف، أو الأسماء، أو الأفعال؛ فإنّ الاتّصال و الانفصال إنّما يلاحظان بحسب المعنى لا بحسب اللّفظ. كما في «أكرم العلماء»، و «لا تكرم زيدا»، إذا ذكر عقيبه بلا فصل؛ فإنّه من المنفصل. و هذا بخلاف الاستثناء؛ فإنّه إذا لوحظ بعنوان الاستثناء يكون مربوطا بالمستثنى منه لا محالة، فلا يستقلّ بالتّصوّر.

و من هنا ذكر شيخنا الأستاذ العلّامة (قدّس سرّه) في «الكتاب»: أنّه يصحّ أن يقال النّسبة بين قوله: (ليس في العارية ضمان إلّا الدّينار و الدّرهم) (1) و (ما دلّ على ضمان الذّهب و الفضّة) (2) عموم من وجه، كما قوّاه غير واحد من متأخّري‏

____________

(1) الكافي الشريف: ج 5/ 238 باب «ضمان العارية و الوديعة»- ح 2، و التهذيب: ج 7/ 183 باب «العارية»- ح 7، عنهما الوسائل: ج 19/ 96 باب «ثبوت الضمان في عارية الذهب و الفضة من غير تفريط»- ح 1.

(2) الكافي الشريف: ج 5/ 238 باب «ضمان العارة و الوديعة»- ح 3 و التهذيب: ج 7/ 183 باب «العارية»- ح 9، عنهما الوسائل: ج 19/ 96 باب «ثبوت الضمان في عارية الذهب و الفضة من غير تفريط»- ح 2.

291

المتأخّرين‏ (1)، فيرجّح الأوّل؛ لأنّ دلالته بالعموم و دلالة الثّاني بالإطلاق، أو يرجع إلى عمومات نفي الضّمان.

توضيح ما أفاده (قدّس سرّه): هو أنّ التّعارض بين ما دلّ على نفي الضّمان في العارية بعد ملاحظة إخراج الدّرهم و الدّينار عنه و ما أثبته في مطلق الجنسين، أي: الذّهب و الفضّة مع نفيه عن غيره، إنّما يلاحظ بين العقد السّلبي من الأوّل و الإيجابي من الثّاني. و من المعلوم كون نسبة عارية غير الدّرهم و الدّينار مع عارية الذّهب و الفضّة هي العموم من وجه: من حيث افتراق الأوّل في غير الجنسين، و الثّاني في الدّرهم و الدّينار، و تعارضهما في غير المسكوك من الجنسين. فربّما قيل بكون الأوّل أقوى دلالة: من حيث إنّ دلالته بالعموم المستفاد من النّفي فلا يقاومه ظهور الثّاني و إن كان بالعموم أيضا من جهة الحكمة، أو القول بظهور المفرد المحلّى في العموم وضعا فضلا عمّا إذا كان بالإطلاق هذا.

مضافا إلى اعتضاده بما دلّ على نفي الضّمان في العارية مطلقا، بل في مطلق اليد المأذونة فتأمّل‏ (2). و يكون الثّاني أقوى دلالة من حيث قلّة أفراده فيكون بمنزلة الخاص المطلق هذا. مضافا إلى أنّ التّخصيص بالنّقدين يوجب‏

____________

(1) مثل المحقق السبزواري في كفاية الأحكام: 135 و تبعه صاحب الرياض في الرياض: ج 9/ 181 ط جماعة المدرسين و ج 9/ 449 ط آل البيت (عليهم السّلام).

(2) وجه التأمّل: كون الترجيح بالإعتضاد المذكور من الترجيح بالأمر الخارجي و لا دخل له بقوّة الدلالة هذا، مضافا إلى أن الترجيح بالإعتضاد إنّما هو إذا بنى على الترجيح في المقامين من وجه، و إلّا تعيّن الرجوع إلى عمومات نفي الضمان و جعلها مرجعا كما ذكر في الكتاب على ما عرفت فتدبّر. منه (دام ظلّه) العالي.

292

التّخصيص أو التّقييد بالفرد النّادر هذا. مضافا إلى وهن الأوّل: بإخراج الدّرهم عن أحد الحديثين و الدّينار عن الآخر؛ حيث إنّ استثناءهما وقع في حديثين؛ فإنّه يوجب الوهن في العموم المستفاد من الحصر جدّا، و إن لم يوجبه بالنّسبة إلى تخصيص سائر العمومات هذا. مضافا إلى اقتضاء اليد الضّمان مطلقا و إن كان منفيّا بالنّظر إلى الأصل الأوّلي هذا بعض ما وقع في كلماتهم.

و إن شئت شرح القول في ذلك فاستمع لما يتلى عليك فنقول:

لا إشكال في أنّ مقتضى أصالة البراءة عدم الضّمان مطلقا، كما أنّه لا إشكال في أنّ مقتضى قوله: (على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي) (1)- بناء على شموله لليد المأذونة- الضّمان مطلقا، غاية ما هناك منافاة الضّمان للوديعة، و مقتضى جملة من الصّحاح- كصحيحة الحلبي عن الصّادق (عليه السّلام): (ليس على مستعير عارية ضمان، و صاحب العارية و الوديعة مؤتمن) (2) و صحيحة محمّد بن مسلم‏ (3) هي الّتي‏

____________

(1) عوالي اللئالي: ج 1/ 224 نقلا عن السنن الكبرى للبيهقي: ج 6/ 95 كتاب الغصب، باب رد المغصوب إذا كان باقيا. و رواه في المستدرك: ج 14/ 7- أبواب كتاب الوديعة «الباب الأوّل»- ح 12 نقلا عن العوالي.

(2) التهذيب: ج 7/ 182 باب «العارية»- ح 1، و الإستبصار: ج 3/ 124- باب «ان العارية غير مضمونة»- ح 1، عنهما الوسائل ج 19/ 93 كتاب العارية، باب «عدم ثبوت الضمان على المستعير في غير الذهب و الفضة»- ح 6.

(3) الكافي الشريف: ج 5/ 238 باب «ضمان العارية و الوديعة»- ح 4 و الفقيه: ج 3/ 302 رقم الحديث 4084، و التهذيب: ج 7/ 182 باب «العارية»- ح 2، و الاستبصار: ج 3/ 124 باب «انّ العارية غير مضمونة»- ح 2، و الوسائل: ج 19/ 93 باب «عدم ثبوت الضمان على المستعير في غير الذهب و الفضة»- ح 7.

293

قريبة من صحيحة الحلبي- عدم الضّمان في العارية مطلقا، و من المعلوم ارتفاع الأصل بالدّليل، كلزوم رفع اليد عن قاعدة اليد بالصّحيحتين، و هذا معنى قولهم: إنّ الأصل في الأمانات عدم الضّمان، فمرادهم به القاعدة المستفادة من الأخبار.

لكن ورد في باب العارية ما هو أخصّ من القاعدة فيقتضي تخصيصها و الحكم بالضّمان، فلا بدّ من الخروج عنها كما خرجنا عنها مع شرط الضّمان بما دلّ عليه. و النّصوص الواردة في هذا الباب على أربعة أضرب و وجوه:

أحدها: ما نفى الضّمان عن العارية من دون استثناء.

ثانيها: ما نفي الضّمان عن العارية مع استثناء الذّهب و الفضّة.

ثالثها: ما نفى الضّمان عنها مع استثناء الدّرهم.

رابعها: ما نفى الضّمان عنها مع استثناء الدّينار.

و هذه كما ترى، غير القسم الأوّل مشتملة على عقد سلبيّ و إيجابي، و من المعلوم ضرورة عدم التّعارض بين العقود السّلبيّة فيها كعدم التّعارض بين العقود الإيجابيّة فيها، و إنّما التّعارض بين العقد السّلبي من الأوّل و الإيجابي من الأخيرين، كالتّعارض بين العقد السّلبي من كلّ من الأخيرين مع الإيجابي من صاحبه.

و الضّرب الأوّل: جملة من الرّوايات، منها: ما عن ابن أبي عمير عن حمّاد عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «صاحب الوديعة و البضاعة مؤتمنان».

294

و قال: «ليس على مستعير عارية ضمان، و صاحب العارية و الوديعة مؤتمن» (1).

و الثّاني: أيضا جملة من الرّوايات، منها: ما عن ابن أبي عمير عن جميل عن زرارة قال: «قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): العارية مضمونة؟ فقال: جميع ما استعرته فتوى فلا يلزمك تواه إلّا الذّهب و الفضّة فإنّهما يلزمان إلّا أن تشرط عليه أنّه متى توى لم يلزمك تواه و كذلك جميع ما استعرت فاشترط عليك لرحمك و الذّهب و الفضّة لازم لك و إن لم يشترط عليك» (2).

و الثّالث: ما رواه محمّد بن أبي عمير أيضا عن جميل بن صالح عن عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «ليس على صاحب العارية ضمان إلّا أن يشترط صاحبها، إلّا الدّراهم؛ فإنّها مضمونة اشترط صاحبها أو لم يشترط» (3).

و الرّابع: ما عن محمّد بن يعقوب بسنده عن عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «لا يضمن العارية إلّا أن يكون قد اشترط فيها ضمان، إلّا الدّنانير فإنّها مضمونة و إن لم يشترط فيها ضمانا» (4).

____________

(1) مرّ تخريجه.

(2) مرّ تخريجه.

(3) التهذيب: ج 7/ 184 باب «العارية» ح/ 11، عنه الوسائل: ج 19/ 96 باب «ان من استعار من غير المالك بغير اذنه فهو ضامن»- ح 3.

(4) الكافي الشريف: ج 5/ 238 باب «ضمان العارية و الوديعة»- ح 2، و التهذيب: ج 7/ 183 باب «العارية» ح/ 7، و الاستبصار: ج 3/ 126 باب ان المضارب يكون له الربح بحسب ما يشترط و ليس له من الخسران شي‏ء»- ح 8، و الوسائل: ج 19/ 96 باب «ثبوت الضمان في عارية الذهب و الفضة من غير تفريط»- ح 1 نقلا عن الكليني (رحمه اللّه).

295

و النّسبة بين هذه الأخبار المتصلة كما ترى، بعد جعل الاستثناء من المخصّص المتّصل و إن كانت عموما من وجه، إلّا أنّ ما ذكرنا من الموهنات لارتكاب التّخصيص في الذّهب و الفضّة يوجب التّصرف في العقد السّلبي، و جعل الحصر إضافيّا بالنّسبة إلى غير الذّهب و الفضّة، كما يجعل إضافيّا بالنّسبة إلى حديثي الدّرهم و الدّينار.

و ثاني الشّهيدين (قدس أسرارهما) في «المسالك» (1) و إن أجاد في شرح المقام كما يظهر من كلامه المحكيّ في «الكتاب» (2)، إلّا أنّه ما أجاده في جعل النّسبة العموم و الخصوص و معاملة الخاصّ المنفصل مع الاستثناء، مضافا إلى بعض مناقشات أخر يتطرّق إليه كما يظهر للمتأمّل فيه.

هذا كلّه فيما لو كان التّعارض بين المتعارضات بنسبة واحدة بالعموم و الخصوص.

و إن كانت النّسبة بينها بالعموم من وجه كما إذا ورد مثلا: «أكرم العلماء»، و «لا تكرم الفسّاق»، و «يستحبّ إكرام الشّعراء»، فيتعارض الكلّ في العالم الفاسق الشّاعر، كما يتعارض الأوّلان في العالم الفاسق الغير الشّاعر، و الأوّل مع الأخير في العالم العادل الشّاعر، و الثّاني معه في الفاسق الشّاعر الغير العالم.

فإن لم يكن هناك مرجّح أصلا بوجه من الوجوه فيحكم بالتّخيير في مادّة التّعارض مطلقا- من غير فرق بين التّعارض الثّلاثي، أو الثّنائي على ما اخترناه‏

____________

(1) مسالك الأفهام: ج 5/ 155- 158.

(2) فرائد الأصول: ج 4/ 110.

296

وفاقا للمشهور- أو إجمال المتعارضات، أو المتعارضين فيها في وجه- قد عرفت ضعفه في مطاوي كلماتنا- و الرّجوع إلى القواعد إن كانت، و الأصول العمليّة إن لم يكن.

فإن كان هناك مرجّح من غير جهة الدّلالة فيؤخذ بالرّاجح فقط في مادّة التّعارض من غير فرق بين التّعارض الثّلاثي أو الثّنائي، و إن كان هناك مرجّح من حيث الدّلالة بقول مطلق كما إذا كان العلماء في المثال المتقدّم أقلّ أفرادا من الفسّاق و الشّعراء فيجب تخصيص دليلهما بدليله؛ لأنّه بمنزلة الخاص المطلق بالنّسبة إليهما فيحكم بوجوب إكرام العالم الفاسق الشّاعر، كما يحكم بوجوب إكرام العالم الفاسق و العالم الشّاعر.

و إن كان هناك مرجّح بحسب الدّلالة لبعض العمومات على غيره في الجملة لا مطلقا كما إذا كان العلماء في المثال أقلّ أفرادا من الفسّاق، فيجب تخصيص ما دلّ على حكم الفسّاق بدليله، فيحكم بعدم حرمة إكرام مادّة اجتماع الكلّ و إن تردّد بين الوجوب و الاستحباب، كما يحكم بوجوب إكرام العالم الفاسق الغير الشّاعر.

نعم، لو فرض كون الفسّاق أقلّ فردا من الشّعراء بعد إخراج العلماء منه، و الشّعراء أقلّ فردا من العلماء بعد إخراج الشّاعر الفاسق منه، حكم بأنّ مادّة اجتماع الكلّ أعني: العالم الفاسق الشّاعر مستحبّ الإكرام؛ نظرا إلى لزوم إعمال قوانين العلاج و إن لزم منه انقلاب النّسبة.

و هذا هو المراد ممّا أفاده شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) في «الكتاب» بقوله: (و قد ينقلب‏

297

النّسبة فيحدث التّرجيح في المتعارضات بنسبة واحدة ... إلى آخره) (1) لا ما ذكرناه أوّلا: من ترجيح البعض على الباقي بقول مطلق كما لا يخفى. هذا كلّه فيما إذا كانت النّسبة بين المتعارضات متّحدة.

و أمّا إذا كانت مختلفة فلا بدّ من تقديم ما هو حقّه التّقديم لمكان النّصوصيّة، أو الأظهريّة، أو مرجّح آخر. و إن ترتّب عليه انقلاب النّسبة بين الباقي و حدوث التّرجيح على ما عرفته في المتعارضات بنسبة واحدة عن قريب، كما إذا ورد:

«أكرم العلماء»، و «لا تكرم فسّاق العلماء»، و «يستحبّ إكرام العدول»؛ فإنّه يجب تخصيص الأوّل بالثّاني حملا للعام على الخاصّ، و الثّالث بالأوّل؛ من حيث صيرورته أخصّ بالنّسبة إليه بعد إخراج الفسّاق منه كما هو ظاهر. أو ورد: «يجب إكرام الشّعراء»، و «يحرم إكرامهم»، و «يستحبّ إكرام العدول»، إذا فرض العدول أقلّ فردا من الشّعراء؛ فإنّه يجب تخصيص الأوّلين بالأخير، فيتعارضان في الشّاعر الفاسق.

و إن انعكس الحال من حيث القلّة و الكثرة انعكس الحكم أيضا فيجب تخصيص العدول بغير الشّعراء و إن تردّد حكم العادل الشّاعر بين الوجوب و الحرمة كالشّاعر الفاسق من حيث كون كلّ منهما بمنزلة الخاصّ بالنّسبة إليه، و إن كانت النّسبة بينه و بينهما العموم من وجه. و لا ينافي ما ذكر تعارض الأوّلين بالنّظر إلى أنفسهما فإنّهما متوافقان على نفي الأخير فتأمّل. هذا كلّه فيما إذا كان هناك مرجّح بحسب الدّلالة.

____________

(1) المصدر السابق: ج 4/ 111.

298

و أمّا إذا تكافأت بحسبها فيقدّم الرّاجح من سائر الجهات على غيره إن كان هناك راجح فيحكم بمقتضاه ففي المثال الأخير: يحكم باستحباب مادّة التّعارض بين الكلّ إن كان الأخير راجحا عليهما سندا مثلا عملا عليه، و في الشّاعر الفاسق يحكم بالتّخيير على تقدير تكافئهما، أو تقديم أحد الحديثين على تقدير رجحانه، و بمقتضى أحد الأوّلين في مورد تعارضهما و مورد تعارض الثّلاثة إن كان راجحا، فيحكم بالوجوب، أو التّحريم فيهما، و إلّا فيحكم بالتّخيير في مادّة تعارض الكلّ و الأوّلين فقط كما هو ظاهر.

و ممّا ذكرنا كلّه- في حكم تعارض الزّائد على الدّليلين- يعلم: علاج ما ورد من الأخبار في حكم الخلل الواقع سهوا في أجزاء الصّلاة زيادة و نقيصة كقوله (عليه السّلام): (تسجد سجدتي السّهو لكلّ زيادة و نقيصة تدخل عليك) (1) و قوله (عليه السّلام):

(إذا استيقن أنّه زاد في صلاته فليستقبل) (2) و قوله (عليه السّلام): (لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة) (3) فإنّه بعد تخصيص الأوّل بالأخير من حيث كونه أخصّ منه بناء على‏

____________

(1) التهذيب: ج 2/ 155 باب «تفصيل ما تقدّم ذكره في الصلاة من المفروض و المسنون و ما يجوز فيها و ما لا يجوز»- ح 66، و الإستبصار: ج 2/ 361 باب «من شك فلم يدر واحدة سجد أم اثنين»- ح 2، عنهما الوسائل: ج 8/ 251 باب: «جواز حفظ الغير لعدد الركعات و العمل بقوله»- ح 3.

(2) الكافي الشريف: ج 3/ 354 باب: «من سها في الأربع و الخميس و لم يدر زادا أو نقص أو استيقن انه زاد»- ح 2، عنه التهذيب: ج 2/ 194 باب «أحكام السهو في الصلاة و ما يجب منه اعادة الصلاة»- ح 64، و الوسائل: ج 8/ 231- باب بطلان الفريضة بزيادة ركعة فصاعدا و لو سهوا»- ح 1 نقلا عن الكليني (رحمه اللّه).

(3) الفقيه: ج 1/ 279، حديث رقم: 857 و التهذيب: ج 2/ 152 باب تفصيل ما تقدّم ذكره في‏

299

عدم ظهوره بالنّسبة إلى الزّيادة السّهوية يجب تخصيص الثّاني به أيضا، بناء على ثبوت الملازمة بين النّقص السّهوي و الزّيادة السّهويّة حكما في أجزاء الصّلاة هذا.

و قد أسمعناك شرح القول في ذلك في الجزء الثّاني من التّعليقة عند الكلام في فروع دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر فراجع إليه‏ (1). و مثل ذلك كثير في الأخبار المتعارضة في المسائل الفقهيّة فلا بدّ للفقيه من سلوك ما ذكرنا على سبيل الضّابطة في علاجها.

ثمّ إنّ ما ذكرنا في مرتبة المرجّح من حيث الدّلالة بالنّسبة إلى سائر المرجّحات و تقديمه عليها بالنّسبة إلى غير المرجّح المضموني ممّا لا إشكال فيه، و أمّا بالنّسبة إليه فالأمر كذلك عند التّحقيق و إن قلنا بتقديمه على المرجّح الصّدوري و جهته- على ما ستقف عليه- حتّى على ما بنى عليه الأمر شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) و يقتضيه التّحقيق: من رجوع المرجّح المضموني إلى تقوية إحدى جهات الموافق له، أعني: الصّدور و جهته و دلالته على سبيل الإجمال؛ فإنّ القوّة الاحتماليّة من حيث الدّلالة لا تزاحم القوّة المحقّقة.

نعم، لو أثّر المرجّح الخارجي وهنا في المرجوح الأظهر دلالة بحيث أوجب سقوطه عن الحجّيّة لو لا المعارض- كالخاصّ الّذي أعرض المشهور عنه‏

____________

- الصلاة من المفروض و المسنون و ما يجوز فيها و ما لا يجوز»- ح 55، عنهما الوسائل: ج 1/ 371 باب «وجوب الطهارة عند دخول وقت الصلاة»- ح 8 و كذلك في باب «بطلان الصلاة الى غير القبلة عمدا و وجوب الإعادة»- ح 1 و موارد أخرى.

(1) بحر الفوائد: ج 2/ 185.

300

مثلا بناء على عدم شمول دليل حجّيّة الخبر لمثله كما هو المشهور- خرج عن عنوان التّعارض حقيقة، فلا تعلّق له بالمقام. أعني: التّرجيح أصلا؛ لأنّه يدخل في الموهن و لو لم يكن هناك معارض. هذا بعض الكلام في بيان حكم المرجّح من حيث الدّلالة و مرتبته بالنّسبة إلى المرجّحات الثّلاثة.

في بيان نسبة سائر المرجّحات غير الدّلالة

و أمّا الكلام في الموضع الثّاني أعني: بيان نسبة سائر المرجّحات من حيث التّقدّم و التّأخّر فيما وجد بعضها في أحد الخبرين و الآخر في الآخر فيقع في مقامات. و الكلام ليس في تعارض بعضها مع بعض إذا اتّحدا نوعا كما إذا وجد في أحد المتعارضين بعض المرجّحات الصّدوريّة و في الآخر بعض الآخر منها، بل في بيان مرتبة بعض الثّلاثة مع غيره المغاير له؛ فإنّ التّرجيح في الأوّل موكول إلى نظر الفقيه بعد حمل الأخبار العلاجيّة على ما عرفت، و ليس كالتّرجيح بحسب الدّلالة من حيث وجود نوع أو صنف مضبوط له حتّى يقع الكلام فيه.

الأوّل: في بيان مرتبة المرجّح الصّدوري بالنّسبة إلى المرجّح من حيث جهة الصّدور.

الثّاني: في بيان مرتبته بالنّسبة إلى المرجّح المضموني سواء كان داخليّا أو خارجيّا.

الثّالث: في بيان مرتبة المرجّح من جهة الصّدور بالنّسبة إلى المرجّح المضموني.

301

أمّا الكلام في المقام الأوّل فحاصله:

أنّ قضيّة صريح «الكتاب» بعد ذلك استظهار تقديمه على المرجّح من حيث الجهة؛ نظرا إلى تأخّر عنوان صدور الخبر عن صدوره مرتبة. فإذا حكم بعدم صدور المرجوح صدورا و بنى عليه بمقتضى دليل التّرجيح من حيث الصّدور، فليس هناك خبر صادر عن الحجّة حتّى يحكم بأنّ صدوره لبيان الحكم الواقعي من جهة الأمارة القائمة عليه في قبال الآخر المرجوح من حيث جهة الصّدور.

و مرجع هذا كما ترى، إلى تحكيم التّرجيح الصّدوري على التّرجيح الجهتي. و إليه يرجع ما أفاده في «الكتاب» بعد ذلك في تقريبه بقوله: (لأنّ هذا التّرجيح ملحوظ في الخبرين بعد فرض صدورهما قطعا ... إلى آخره) (1) هذا. مضافا إلى دلالة المقبولة على ذلك فتأمّل‏ (2).

لا يقال: مقتضى دليل التّعبد بصدور الخبرين مهما أمكن هو الحكم بصدورهما و إن أوجب حمل أحدهما على التّقيّة و التّصرّف في جهة صدوره لمكان المرجّح، كما يلتزم بذلك في تعارض الظّاهر و الأظهر سيّما على القول بلزوم التّورية على الإمام (عليه السّلام) في مقام التّقيّة و إرادة خلاف الظّاهر و إن لم نقل بلزومها على غيره و جواز الكذب له كما سيصرّح به في «الكتاب».

لأنّا نقول: معنى التّعبّد بالصّدور هو العمل بالخبر و ترتيب الآثار عليه، و هذا

____________

(1) فرائد الأصول: ج 4/ 137.

(2) وجه التأمّل: أن الإستدلال بالمقبولة على المدّعى إنّما يستقيم على تقدير الإقتصار على المرجّحات المنصوصة و الأخذ بالترتيب الملحوظ فيها و إلّا فلا معنى له جدّا. منه (دام ظلّه) العالي.

302

المعنى لا يمكن تحقّقه مع حمل الخبر على التّقيّة حتّى على القول بلزوم التّورية على الإمام (عليه السّلام)؛ فإنّ مجرّد الحكم بإرادة خلاف الظّاهر من الخبر مع عدم تبيّن المراد منه لا يجدي في التّصديق، بمعنى: ترتيب الأثر.

و من هنا لا يحكم بشمول دليل التّصديق لما يتعيّن حمله على التّقيّة من الأخبار الظّنية الغير المتعارضة.

نعم، فيما يعلم بصدوره يتعيّن حمله على التّقيّة إذا لم يمكن التّصرف في دلالته من جهة كونه نصّا من غير فرق بين الأخبار المتعارضة أو السّليمة، لكنّه لا تعلّق له بالمقام؛ من حيث إنّ الحكم بالصّدور في الفرض من جهة العلم لا من جهة حكم الشّارع حتّى يحمل على ما ذكرنا. و ليس معنى التّعبّد بالصّدور، ترتيب آثار القطع بالصّدور بل و ترتيب آثار الواقع هذا. مع أنّ الأثر المذكور من اللّوازم العقليّة للعلم بالصّدور، فلا يقبل لتنزيل الشّارع كما هو ظاهر.

و ممّا ذكرنا يظهر: فساد قياس المقام بالظّاهر و الأظهر؛ حيث إنّه يبنى فيهما على الأخذ بصدورهما و جعل الأظهر قرينة للظّاهر؛ فإنّ مرجع التّصديق فيهما إلى العمل بكلّ منهما في الجملة، و هذا بخلاف الخبر الّذي يتعيّن حمله على التّقيّة على تقدير تصديقه؛ فإنّ الحمل على التّقيّة ينافي دليل التّصديق حقيقة، فكيف يجعل موجبا له؟

و إلى ما ذكرنا يرجع ما أفاده في الفرق بينهما فيما سيجي‏ء من كلامه بقوله:

(و الفرق بين هذا و التّرجيح في الدّلالة المتقدّم على التّرجيح بالسّند ... إلى‏