جامع السعادات - ج2

- الشيخ محمد مهدي النراقي المزيد...
425 /
53

و يخوض في المحرمات: من الخيانة، و الظلم، و الغصب، و الرياء، و الكذب و النفاق، و المداهنة، و سائر الأخلاق المهلكة، و الأشغال الردية، لينتظم أمر دنياه و يتيسر له تنعمه. و ما أقل لصاحب الثروة و المال ألا يصير التنعم مألوفا له، إذ متى يقدر أن يقنع بخبز الشعير و لبس الخشن و ترك لذيذ الأطعمة بأسرها، فإنما ذلك شأن نادر من أولي النفوس القوية القدسية كسليمان بن داود عليه السلام و أمثاله. على أن من كثر ماله كثرت حاجته إلى الناس، و من احتاج إلى الناس فلا بد أن ينافقهم و يسخط اللّه في طلب رضاهم، فإن سلم من الآفة الأولى، أعني مباشرة المحرمات، فلا يسلم من هذه أصلا. و من الحاجة إلى الناس تثور العداوة و الصداقة، و يحصل الحقد، و الحسد، و الكبر، و الرياء، و الكذب، و الغيبة، و البهتان و النميمة، و سائر معاصي القلب و اللسان، و كل ذلك يلزم من شؤم المال و الحاجة إلى حفظه و إصلاحه.

{h9~{h9و ثالثها-و هو الذي لا ينفك عنه أحد من أرباب الأموال، h9}~h9}و هو أنه يلهيه إصلاح ماله و حفظه عن ذكر اللّه تعالى، و كل ما يشغل العبد عن اللّه تعالى فهو خسران و وبال.

و لذا قال روح اللّه عليه السلام: «فى المال ثلاث آفات، أن يأخذه من غير حله» ، فقيل: إن أخذه من حله؟ قال: «يضعه في غير حقه» ، فقيل: إن وضعه في حقه؟فقال:

«يشغله إصلاحه عن اللّه» .

و هذا هو الداء العضال، إذ أصل العبادات و روحها و حقيقتها هو الذكر و الفكر في جلال اللّه تعالى، و ذلك يستدعي قلبا فارغا. و صاحب الضيعة يصبح و يمسى متفكرا في خصومة الفلاح و محاسبته و خيانته، و منازعة الشركاء و خصومتهم في الماء و الحدود، و خصومة أعوان السلطان في الخراج، و خصومة الإجراء في التقصير في العمارة و غير ذلك. و صاحب التجارة يكون متفكرا في خيانة الشركاء و انفرادهم بالربح‏

54

و تقصيرهم في العمل و تضييعهم المال، و يكون غالبا في بلاد الغربة متفرق الهم محزون القلب من كساد ما يصحبه من مال التجارة. و كذلك صاحب المواشي و غيره من أرباب أصناف الأموال. و أبعدها عن كثرة الشغل النقد المكنون تحت الأرض، و صاحبه أيضا لا يزال متفكرا مترددا فيما يصرف إليه، و في كيفية حفظه، و في الخوف ممن يعثر عليه، و في دفع طمع الخلق منه. و بالجملة: أودية أفكار أهل الدنيا لا نهاية لها، و الذي ليس معه إلا قوت يومه أو سنته، و لا يطلب أزيد من ذلك، فهو في سلامة من جميع ذلك.

و أما فوائده: فهي أيضا دنيوية و دينية:

أما الدنيوية: فهي ما يتعلق بالحظوظ العاجلة: من الخلاص من ذل السؤال، و حقارة الفقر، و الوصول إلى العز و المجد بين الخلق، و كثرة الإخوان و الأصدقاء و الأعوان، و حصول الوقار و الكرامة في القلوب.

و أما الدينية: فثلاثة أنواع:

{h9~{h9أولها-أن ينفقه على نفسه في عبادة، h9}~h9}كالحج و الجهاد، أو فيما يقوى على العبادة، كالمطعم و الملبس و المسكن.

{h9~{h9و ثانيها-أن يصرفه إلى أشخاص معينة: h9}~h9}كالصدقة، و المروة، و وقاية العرض، و أجرة الاستخدام. و أما الصدقة بأنواعها، فلا يحصى ثوابها، و ربما نشير إلى فضيلتها في موضعها، و أما المروة، و نعني بها صرف المال إلى الأغنياء و الأشراف في ضيافة أو هدية أو إعانة و ما يجري مجراها مما يكتسب به الإخوان و الأصدقاء و يجلب به صفة الجود و السخاء، إذ لا يتصف بالجود إلا من يصطنع المعروف و يسلك سبيل الفتوة و المروة، فلا ريب في كونه مما يعظم ثوابه. فقد وردت أخبار كثيرة في الهدايا و الضيافات و إطعام الطعام، من غير اشتراط الفقر و الفاقة في مصارفها.

55

و أما وقاية العرض، و نعني بها بذل المال لدفع ثلب السفهاء، و هجو الشعراء، و قطع ألسنة الفاحشين و المغتابين، و منع شر الظالمين و أمثال ذلك فهو أيضا من الفوائد الدينية.

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «ما وقى المرء به عرضه فهو له صدقة» ،

و أما أجرة الاستخدام، فلا ريب في إعانته على أمور الدين، إذ الأعمال التي يحتاج إليها الإنسان لتهيئة أسبابه كثيرة، و لو تولاها بنفسه ضاعت أوقاته، و تعذر عليه سلوك سبيل الآخرة بالفكر و الذكر الذي هو أعلى مقامات السالكين، و من لا مال له يحتاج أن يتولى بنفسه جميع الأعمال التي يحتاج إليها في الدنيا، حتى نسخ الكتاب الذي يفتقر إليه، و كلما يتصور أن يقوم به الغير فتضييع الوقت فيه خسران و ندامة.

{h9~{h9و ثالثها-أن يصرفه إلى غير معين يحصل به خير عام، h9}~h9}و هي الخيرات الجارية: من بناء المساجد، و المدارس، و القناطر، و الرباطات، و نصب الخشيات في الطرق، و إجراء القنوات، و نسخ المصاحف و الكتب العلمية و غير ذلك من الأوقاف المرصدة للخيرات المؤبدة، الدائرة بعد الموت، المستجلبة ببركة أدعية الصالحين إلى أوقات متمادية.

فصل (الأمور المنجية من غوائل المال)

من أراد النجاة من غوائل المال، فليحافظ على أمور:

الأول-أن يعرف مقصود المال و باعث خلقه و علة الاحتياج إليه حتى لا يكتسب و لا يحفظ إلا قدر حاجته.

الثاني-أن يراعي جهة دخله، فيجتنب الحرام و المشتبه، و الجهات‏

56

المكروهة القادحة في المروة و الحرية، كالهدايا المشوبة بالرشوة، و السؤال الذي فيه الانكسار و الذلة.

الثالث-أن يراعى جهة الخرج، و يقتصد في الإنفاق، غير مبذر و لا مقتر. قال اللّه تعالى:

وَ اَلَّذِينَ إِذََا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كََانَ بَيْنَ ذََلِكَ قَوََاماً (1) .

و قال النبي صلى اللّه عليه و آله-: «ما عال من اقتصد» .

ثم للاقتصاد في المطعم و الملبس و المسكن درجات ثلاث: أدنى و أوسط و أعلى، و ربما كان الميل إلى الأول أحرى و أولى، ليدخل في زمرة المخفين يوم القيامة.

الرابع-أن يضع ما اكتسبه من حله في حقه، و لا يضعه في غير حقه، فإن الإثم في الأخذ من غير حله و الوضع في غير حقه سواء.

الخامس-أن يصلح نيته في الأخذ و الترك و الإنفاق و الإمساك، فيأخذ ما يأخذ استعانة به على ما خلق لأجله، و يترك ما يترك زهدا فيه و استحقارا له و اجتنابا عن وزره و ثقله، و إذا فعل ذلك لم يضره وجوده

قال أمير المؤمنين عليه السلام: «لو أن رجلا أخذ جميع ما في الأرض و أراد به وجه اللّه فهو زاهد، و لو ترك الجميع و لم يرد به وجه اللّه فليس بزاهد» .

فينبغي لكل مؤمن أن يكون باعث جميع أفعاله التقرب إلى اللّه ليصير الجميع عبادة. فإن أبعد الأفعال عن العبادة الأكل و الوقاع و قضاء الحاجة و يصير بالقصد عبادة. فمن أخذ من المال ما يحتاج إليه في طريق الدين،

____________

(1) الفرقان، الآية: 67.

57

و بذل ما فضل منه على إخوانه المؤمنين، فهو الذي أخذ من حية المال ترياقها، و اتقى سمها، فلا تضره كثرة المال. إلا أنه لا يتأتى ذلك إلا لمن كثر علمه و استحكمت في الدين قدمه. و العامي إذ يشتبه به في الاستكثار من المال، فشأنه شأن الصبي الذي يرى المعزم الحاذق يأخذ بالحية و يتصرف بها ليأخذ ترياقها، فيقتدي به و يأخذها مستحسنا صورتها و شكلها و مستلينا جلدها فتقتله في الحال. إلا أن قتيل الحية يدري أنه قتيل، و قتيل المال قد لا يعرف ذلك. و كما يمتنع أن يتشبه الأعمى بالبصير في التخطي قلل الجبال و أطراف البحار و الطرق المشوكة، فيمتنع أن يتشبه العامي الجاهل بالعالم الكامل في الاستكثار من المال.

وصل (الزهد)

ضد حب الدنيا و الرغبة إليها هو (الزهد) ، و هو ألا يريد الدنيا بقلبه، و يتركها بجوارحه، إلا بقدر ضرورة بدنه. و بعبارة أخرى: هو الإعراض من متاع الدنيا و طيباتها، من الأموال و المناصب و سائر ما يزول بالموت. و بتقرير آخر: هو الرغبة عن الدنيا عدولا إلى الآخرة، أو عن غير اللّه، عدولا إلى اللّه، و هو الدرجة العليا. فمن رغب عن كل ما سوى اللّه حتى الفراديس، و لم يحب إلا اللّه، فهو الزاهد المطلق. و من رغب عن حظوظ الدنيا خوفا من النار أو طمعا في نعيم الجنة، من الحور و القصور و الفواكه و الأنهار، فهو أيضا زاهد، و لكنه دون الأول. و من ترك بعض حظوظ الدنيا دون بعض، كالذي يترك المال دون الجاه، أو يترك التوسع في الأكل دون التجمل في الزينة، لا يستحق اسم الزاهد مطلقا.

58

و بما ذكر يظهر: أن الزهد إنما يتحقق إذا تمكن من نيل الدنيا و تركها، و كان باعث الترك هو حقارة المرغوب عنه و خساسته، أعني الدنيا بالإضافة إلى المرغوب إليه و هو اللّه و الدار الآخرة. فلو كان الترك لعدم قدرته عليها، أو لغرض غير اللّه تعالى غير الدار الآخرة، من حسن الذكر، و استمالة القلوب، أو الاشتهار بالفتوة و السخاء، أو الاستثقال لما في حفظ الأموال من المشقة و العناء، أو أمثال ذلك، لم يكن من الزهد أصلا.

فصل (مدح الزهد)

الزهد أحد منازل الدين و أعلى مقامات السالكين. قال اللّه سبحانه:

فَخَرَجَ عَلى‏ََ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ... وَ قََالَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوََابُ اَللََّهِ خَيْرٌ (1) .

فنسب الزهد إلى العلماء، و وصف أهله بالعلم، و هو غاية المدح.

و قال:

وَ لاََ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ََ مََا مَتَّعْنََا بِهِ أَزْوََاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ََ (2) .

____________

(1) القصص، الآية: 79-80.

(2) طه، الآية: 13.

59

و قال: وَ مَنْ كََانَ يُرِيدُ حَرْثَ اَلدُّنْيََا نُؤْتِهِ مِنْهََا وَ مََا لَهُ فِي اَلْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (1) .

و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «من أصبح و همه الدنيا، شتت اللّه عليه أمره، و فرق عليه ضيعته، و جعل فقره بين عينيه، و لم يؤته من الدنيا إلا ما كتب له. و من أصبح و همه الآخرة، جمع اللّه له همه، و حفظ عليه ضيعته، و جعل غناه في قلبه، و أتته الدنيا و هي راغمة»

و قال صلى اللّه عليه و آله: «إذا رأيتم العبد قد أعطى صمتا و زهدا في الدنيا فاقتربوا منه، فإنه يلقى الحكمة» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «من أراد أن يؤتيه اللّه علما بغير تعلم، و هدى بغير هداية، فليزهد في الدنيا» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «ازهد في الدنيا يحبك اللّه. و ازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس»

و قال-صلى اللّه عليه و آله-لأمير المؤمنين عليه السلام: «يا علي، من عرضت له دنياه و آخرته فاختار الآخرة و ترك الدنيا فله الجنة، و من اختار الدنيا استخفافا بآخرته فله النار»

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «سيكون بعدي قوم لا يستقيم لهم الملك إلا بالقتل و التجبر، و لا الغنى إلا بالفخر و البخل، و لا المحبة إلا باتباع الهوى. ألا فمن أدرك ذلك الزمان منكم، فصبر على الفقر و هو يقدر على الغناء، و صبر للبغضاء و هو يقدر على المحبة، و صبر على الذل و هو يقدر على العز، لا يريد بذلك إلا وجه اللّه، أعطاه اللّه ثواب خمسين صديقا» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: بعد ما سئل على معنى شرح الصدر للإسلام-: «إن النور إذا دخل القلب انشرح له و انفسح

____________

(1) الشورى، الآية: 20.

60

قيل: يا رسول اللّه، و هل لذلك من علامة؟قال: «نعم!التجافي عن دار الغرور، و الإنابة إلى دار الخلود، و الاستعداد للموت قبل نزوله»

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «استحيوا من اللّه حق الحياء» ، قالوا إنا لنستحيي منه تعالى، قال: «فليس كذلك، تبنون ما لا تسكنون، و تجمعون ما لا تأكلون» .

و روى: «أنه قدم عليه بعض الوفود. و قالوا إنا مؤمنون. قال: و ما علامة إيمانكم؟فذكروا الصبر عند البلاء، و الشكر عند الرخاء، و الرضي بمواقع القضاء، و ترك الشماتة بالمصيبة إذا نزلت بالأعداء. فقال-صلى اللّه عليه و آله-: إن كنتم كذلك، فلا تجمعوا ما لا تأكلون، و لا تبنوا ما لا تسكنون، و لا تنافسوا فيما عنه ترحلون» ،

فجعل الزهد من مكملات إيمانهم.

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من جاء بلا إله إلا اللّه، لا يخلط معها غيرها، وجبت له الجنة» ،

و فسر (غيرها) (بحب الدنيا و طلبها.

و قال صلى اللّه عليه و آله: «من زهد في الدنيا، أدخل اللّه الحكمة قلبه، فأنطق بها لسانه، و عرفه داء الدنيا و دواءها، و أخرجه منها سالما إلى دار السلام» .

و روى: «أن بعض زوجاته بكت مما رأت به من الجوع، و قالت له: يا رسول اللّه، ألا تستطعم اللّه فيطعمك؟فقال: و الذي نفسي بيده!لو سألت ربي أن يجري معي جبال الدنيا ذهبا لأجراها حيث شئت من الأرض، و لكني اخترت جوع الدنيا على شبعها، و فقر الدنيا على غنائها، و حزن الدنيا على فرحها. إن الدنيا لا تنبغي لمحمد و لا لآل محمد. إن اللّه لم يرض لأولى العزم من الرسل إلا الصبر على مكروه الدنيا و الصبر عن محبوبها، ثم لم يرض لي إلا أن يكلفني مثل ما كلفهم، فقال:

فَاصْبِرْ كَمََا صَبَرَ أُولُوا اَلْعَزْمِ مِنَ اَلرُّسُلِ (1) .

____________

(1) الاحقاف، الآية: 35.

61

و اللّه ما لي بد من طاعته!و إني و اللّه لأصبرن كما صبروا بجهدي و لا قوة إلا باللّه!» ..

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «لا يستكمل العبد الإيمان حتى يكون ألا يعرف أحب إليه من أن يعرف، و حتى يكون قلة الشي‏ء أحب إليه من كثرته» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله- «إذا أراد اللّه بعبد خيرا، زهده في الدنيا، و رغبه في الآخرة، و بصره بعيوب نفسه»

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات و من خاف من النار لهى عن الشهوات، و من ترقب الموت ترك اللذات، و من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إن ربي عز و جل عرض على أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت:

لا يا رب، و لكن أجوع يوما و أشبع يوما، فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك و أدعوك، و أما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك و أثنى عليك» .

و روى: «أنه-صلى اللّه عليه و آله-: خرج ذات يوم يمشي و معه جبرئيل، فصعد على الصفا، فقال له رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-:

يا جبرئيل، و الذي بعثك بالحق!ما أمسى لآل محمد كف سويق و لا سفة دقيق فلم يتم كلامه بأسرع من أن سمع هدة من السماء أفزعته، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: أمر اللّه القيامة أن تقوم؟قال: لا! و لكن هذا إسرافيل عليه السلام قد نزل إليك حين سمع كلامك. فأتاه إسرافيل، فقال: إن اللّه-عز و جل-سمع ما ذكرت، فبعثني بمفاتيح الأرض، و أمرني أن أعرض عليك إن أحببت أن أسير معك جبال تهامة زمردا و ياقوتا و ذهبا و فضة فعلت، و إن شئت نبيا ملكا، و إن شئت نبيا عبدا. فأومأ إليه جبرئيل أن تواضع للّه. فقال: «نبيا عبدا، ثلاثا»

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «قال اللّه تعالى: إن من أغبط أوليائي عندي رجلا حفيف الحال ذا حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه بالغيب

62

و كان غامضا في الناس، جعل رزقه كفافا فصبر عليه، عجلت منيته فقل تراثه و قل بواكيه»

(1)

و عن علي بن الحسين-صلوات اللّه عليهما- قال: «مر رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: براعي إبل، فبعث يستسقيه، فقال: أما ما في ضروعها فصبوح الحي، و أما في آنيتنا فغبوقهم فقال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: اللهم كثر ماله و ولده. ثم مر براعي غنم، فبعث إليه يستسقيه، فحلب له ما في ضروعها و اكفأ ما في إناءه في إناء رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-، و بعث إليه بشاة، و قال: هذا ما عندنا، و إن أحببت أن نزيدك زدناك، قال: رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: اللهم ارزقه الكفاف. فقال له بعض أصحابه: يا رسول اللّه دعوت للذي ردك بدعاء عامتنا نحبه، و دعوت للذي أسعفك بحاجتك بدعاء كلنا نكرهه. فقال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله: إن ما قل و كفى خير مما كثر و ألهى. اللهم ارزق محمدا و آل محمد الكفاف»

(2)

و قال أمير المؤمنين عليه السلام: «الناس ثلاثة: زاهد، و صابر، و راغب.

فأما الزاهد، فقد خرجت الأحزان و الأفراح من قلبه، فلا يفرح بشي‏ء من الدنيا و لا يأسى على شي‏ء منها فاته، فهو مستريح. و أما الصابر، فإنه يتمناها بقلبه، فإذا نال منها ألجم نفسه عنها بسوء عاقبتها و شناءتها و لو اطلعت على قلبه لعجبت من عفته و تواضعه و حزمه. و أما الراغب، فلا يبالي من أين جاءته، من حلها أو حرامها، و لا يبالي ما دنس فيها عرضه و أهلك نفسه و اذهب مروته، فهم في غمرته يعمهون و يضطربون» .

و قال عليه السلام: «إن من أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا»

____________

(1) صححنا الحديث على (الكافي) : باب الكفاف. قال في (الوافي) :

الحفيف-بالمهملة-: العيش السوء و قلة المال. و الغامض: الخامل الذليل.

(2) صححنا الحديث على ما في (أصول الكافي) : باب الكفاف.

63

و قال عليه السلام: «من جمع ست خصال لم يدع للجنة مطلبا و لا عن النار مهربا: عرف اللّه فأطاعه، و عرف الشيطان فعصاه، و عرف الدنيا فتركها، و عرف الآخرة فطلبها، و عرف الباطل فاتقاه، و عرف الحق فاتبعه» .

و قال-عليه السلام-: «من اشتاق الجنة سارع إلى الخيرات و من خاف النار نهى عن الشهوات، و من ترقب الموت ترك اللذات، و من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات» .

و قال عليه السلام: «إن علامة الراغب في ثواب الآخرة زهده في عاجل زهرة الدنيا، أما إن زهد الزاهد في هذه الدنيا لا ينقصه مما قسم اللّه عز و جل له فيها و إن زهد و إن حرص الحريص على عاجل زهرة الدنيا لا يزيده فيها و إن حرص. فالمغبون من حرم حظه من الآخرة (1)

و قال علي بن الحسين-عليهما السلام-: «ما من عمل بعد معرفة اللّه عز و جل و معرفة رسوله صلى اللّه عليه و آله أفضل من بغض الدنيا... الحديث»

(2)

و قال الباقر عليه السلام: «أكثر ذكر الموت، فإنه لم يكثر إنسان ذكر الموت إلا زهد في الدنيا» .

و قال عليه السلام: «قال اللّه تعالى: و عزتي و جلالي و عظمتي و بهائي و علو ارتفاعي لا يؤثر عبد مؤمن هواي على هواه في شي‏ء من أمر الدنيا، إلا جعلت غناه في نفسه، و همته في آخرته، و ضمنت السماوات و الأرض رزقه، و كنت له من وراء تجارة كل تاجر» .

و قال عليه السلام: «أعظم الناس قدرا من لا يناول الدنيا في يد من كانت، فمن كرمت عليه نفسه صغرت الدنيا في عينيه، و من هانت عليه نفسه كبرت الدنيا في عينيه» .

و قال الصادق-عليه السلام-: «جعل الخير كله في بيت، و جعل

____________

(1) صححنا الحديث على (الكافي) : باب ذم الدنيا.

(2) الحديث مروى في (أصول الكافي) : باب ذم الدنيا و قد مضى ذكره في صفحة 32.

64

مفتاحه الزهد في الدنيا» .

و قال-عليه السلام-: «ما كان شي‏ء أحب إلى رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-من أن يظل خائفا جائعا في اللّه تعالى» .

و قال عليه السلام: «إذا أراد اللّه بعبد خيرا، زهده في الدنيا و فقهه في الدين، و بصره عيوبها. و من أوتيهن فقد أوتي خير الدنيا و الآخرة

و قال عليه السلام: «لم يطلب أحد الحق بباب أفضل من الزهد في الدنيا و هو ضد لما طلب أعداء الحق، قلت: جعلت فداك، مما ذا؟قال:

من الرغبة فيها، و قال: ألا من صبار كريم؟فإنما هي أيام قلائل ألا إنه حرام عليكم أن تجدوا طعم الإيمان حتى تزهدوا في الدنيا (1)

و قال عليه السلام: «الزهد مفتاح باب الآخرة و البراءة من النار، و هو تركك كل شي‏ء يشغلك عن اللّه من غير تأسف على فوتها، و لا إعجاب في تركها، و لا انتظار فرج منها و لا طلب محمدة عليها، و لا عوض منها، بل يرى فوتها راحة و كونها آفة و يكون أبدا هاربا من الآفة معتصما بالراحة و الزاهد الذي يختار الآخرة على الدنيا و الذل على العز و الجهد على الراحة و الجوع على الشبع و عافية الآجل على محبة العاجل و الذكر على الغفلة، و تكون نفسه في الدنيا و قلبه في الآخرة» ،

و قال الرضا عليه السلام: «من أصبح و أمسى معافى في بدنه، آمنا في سربه، عنده قوت يومه فكأنما خيرت له الدنيا» .

و كفى للزهد فضيلة و مدحا أنه أعرف صفات الأنبياء و الأولياء، و لم يبعث نبي إلا به، و لو لم يتوقف التقرب إلى اللّه و النجاة في دار الآخرة عليه، لما ضيق عظماء نوع الإنسان و أعرف الناس بحقيقة الحال على أنفسهم في فطامها عن شهوات الدنيا و لذاتها.

فانظر إلى كليم اللّه موسى-عليه السلام-كيف كان غالب قوته نبت

____________

(1) صححنا الحديث على (الكافي) : باب ذم الدنيا.

65

الأرض و أوراق الأشجار، و كان ضعف بدنه من كثرة رياضته، بحيث ترى الخضرة من صفاق بطنه، كما أخبر به أمير المؤمنين-عليه السلام- في نهج البلاغة.

ثم انظر إلى روح اللّه عليه السلام كيف يلبس الشعر و يأكل الشجر، و لم يكن له ولد يموت و لا بيت يخرب و لا يدخر لغد، أينما يدركه المساء نام، و قال له الحواريون يوما: يا نبي اللّه لو أمرتنا أن نبني بيتا تعبد اللّه فيه» ، قال «اذهبوا فابنوا بيتا على الماء» فقالوا:

كيف يستقيم بنيان على الماء؟قال: «فكيف تستقيم عبادة على حب الدنيا»

و روى: «أنه اشتد به يوما المطر و الرعد و البرق، فجعل يطلب بيتا يلجأ إليه، فرفعت إليه خيمة من بعيد فأتاها فإذا فيها امرأة فحاد عنها فإذا هو بكهف في جبل فأتاه فإذا فيه أسد، فوضع يده عليه و قال:

«إلهي جعلت لكل شي‏ء مأوى و لم تجعل لي مأوى» فأوحى اللّه إليه «مأواك في مستقر من رحمتي، لأزوجنك يوم القيامة ألف حوراء خلقتها بيدي، و لأطعمنك في عرسك أربعة آلاف عام، يوم منها كعمر الدنيا، و لآمرن مناديا ينادي أين الزهاد في الدنيا، زوروا عرس الزاهد عيسى بن مريم» .

ثم انظر إلى يحيى بن زكريا، حيث يلبس المسوح حتى ثقب جلده تركا للتنعم بلين اللباس و استراحة حس اللمس فسألته أمه أن يلبس مكانها جبة من صوف ففعل، فأوحى اللّه إليه: «يا يحيى آثرت علي الدنيا» ، فبكى و نزع الصوف و عاد إلى ما كان عليه.

ثم افتح بصيرتك و تأمل في سيرة رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله- و زهده في الدنيا، فإنه لبث في النبوة ما لبث، و لم يشبع هو و أهل بيته غدوة إلا جاعوا عشية، و لم يشبعوا عشية إلا جاعوا غدوة، و لم يشبع من التمر هو و أهل بيته حتى فتح اللّه عليهم خيبر،

و قرب إليه يوما طعاما على مائدة فيها ارتفاع، فشق ذلك عليه حتى تغير لونه، فأمر بالمائدة

66

فرفعت و وضع الطعام على الأرض، و كان ينام على عباءة مثنية فثنوها له ليلة أربع طاقات فنام عليها، فلما استيقط قال منعتموني قيام الليلة هذه بهذه العباءة اثنوها باثنتين كما كنتم تثنونها، و كان يضع ثيابه لتغسل فيأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فما يجد ثوبا يخرج به إلى الصلاة حتى تجف ثيابه فيخرج بها إلى الصلاة.

و روى: «أن امرأة من بني ظفر صنعت له صلى اللّه عليه و آله كساءين إزارا و رداء و بعثت إليه بأحدهما قبل أن يبلغ الآخر فخرج إلى الصلاة و هو مشتمل به ليس عليه غيره قد عقد طرفيه إلى عنقه فصلى كذلك» .

و شدة زهد علي عليه السلام و تركه الدنيا أشهر من أن يحتاج إلى بيان، و كذا من بعده من الأئمة الراشدين و الأصحاب و التابعين و غيرهم من أكابر الدين و السلف الصالحين، حتى كان أحدهم يعيش خمسين سنة و ستين لم يطو له ثوب و لم ينصب له قدر و لم يجعل بينه و بين الأرض شيئا و لا أمر من في بيته بصنعة طعام، فعلى أطرافهم يقومون و وجوهم على الأرض يفترشون تجرى دموعهم على خدودهم و يناجون ربهم في فكاك رقابهم من النار.

و قد حكي أن بعض الخلفاء أرسل إلى بعضهم بعشرة آلاف درهم فلم يقبلها فشق ذلك على أهله، فقال أ تدرون؟ما مثلي و مثلكم إلا كمثل قوم كانت لهم بقرة يحرثون عليها فلما هرمت ذبحوها لينتفعوا بجلدها، فكذلك أنتم أردتم ذبحي على كبر سني فموتوا جوعا خير لكم من أن تذبحوني. و قد بلغ بعضهم من الزهد بحيث يطلب لقيام الليل موضعا لا يصيبه نسيم الأسحار خيفة من الاستراحة به. و كان لبعضهم حب مكسور، فيه ماؤه، لا يرفعه من الشمس و يشرب الماء الحار و يقول من وجد لذة الماء البارد يشق عليه مفارقة الدنيا.

67

فيا حبيبي أفق من سكر الهوى و اعرف المضادة التي بين الآخرة و الدنيا، و اقتد بالواقفين على جلية الحال و المطلعين على حقيقة المآل في المواظبة على الزهد و التقوى و فطام النفس عن لذائذ الدنيا، فإن ذلك و إن كان شاقا فمدته قريبة، و الاحتماء مدة يسيرة للتنعم على التأييد لا يثقل على أهل المعرفة القاهرين أنفسهم بسياسة الشرع المبين المعتصمين بعروة اليقين بما وعد اللّه في الآخرة لعباده الزاهدين.

فصل (اعتبارات الزهد و درجاته)

اعلم أن للزهد اعتبارات تتحقق له بكل اعتبار درجات:

{h9~{h9 (الأول) اعتبار نفسه‏h9}~h9}أي من حيث نفس الترك للدنيا و بهذا الاعتبار له درجات ثلاث: (الأولى) أن يزهد في الدنيا مع ميله إليها و حبه لها بأن يكف نفسه عنها بالمجاهدة و المشقة، و هذا هو التزهد. (الثانية) أن يترك الدنيا طوعا و سهولة من دون ميل إليها لاستحقاره إياها بالإضافة إلى ما يطمع فيه من لذات الآخرة، و هذا كالذي يترك درهما لأجل درهمين معاوضة فإنه لا يشق عليه ذلك و إن كان يحتاج إلى قليل انتظار، و مثله ربما أعجب بنفسه و بزهده لاحتمال أن يظن بنفسه أنه ترك شيئا له قدر لما هو أعظم قدرا منه. (الثالثة) و هي أعلى الدرجات أن يترك الدنيا طوعا و شوقا و لا يرى أنه ترك شيئا، إذ عرف أن الدنيا لا شي فيكون كمن ترك خنفساء و أخذ ياقوتة صافية حمراء، فلا يرى ذلك معاوضة و لا يرى نفسه تاركا شيئا و سبب هذا الترك كمال المعرفة، فان العارف على يقين بأن الدنيا بالإضافة إلى اللّه و نعيم الآخرة أخس من خنفساء بالنظر

68

إلى ياقوتة، هذا الزاهد في أمن من خطر الالتفات إلى الدنيا، كما أن تارك الخنفساء بالياقوتة في أمن من طلب الإقالة في البيع.

و قد ذكر أرباب القلوب من أهل المعرفة أن مثل تارك الدنيا بالآخرة مثل من منعه عن باب الملك كلب يكون في بابه فألقى إليه لقمة خبز نالها من موائد الملك فشغله بنفسه و دخل الباب و نال غاية القرب من الملك حتى نفذ أمره في جميع مملكته، أ فترى أنه يرى لنفسه عوضا عند الملك بلقمة خبز ألقاها إلى كلب في مقابلة ما يناله مع كون هذه اللقمة أيضا من الملك. فالشيطان كلب على باب اللّه يمنع الناس من الدخول، مع أن الباب مفتوح و الحجاب مرفوع و الدنيا كلقمة خبز إن أكلها فلذتها في حال المضغ و تنقضي على القرب بالابتلاع ثم يبقى ثقله في المعدة ثم ينتهي إلى النتن و القذر و يحتاج إلى إخراجه، فمن تركها لينال عز الملك كيف يلتفت إليها. و لا ريب في نسبة الدنيا لكل شخص أعني ما يسلم له منها و إن عمر ألف سنة بالإضافة إلى نعيم الآخرة أقل من لقمة بالإضافة إلى ملك الدنيا، إذ لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي، و الدنيا متناهية، و لو كانت تتمادى ألف ألف سنة صافية عن كل كدورة لكان لا نسبة لها إلى الأبد فكيف و مدة العمر قصيرة و لذاتها مكدرة غير صافية فأي نسبة لها أي نعيم الأبد.

{h9~{h9 (الثاني) اعتبار المرغوب عنه‏h9}~h9}أعني ما يترك و بهذا الاعتبار له خمس درجات:

(الأولى) أن يترك المحرمات و هو الزهد في الحرام، و يسمى زهد فرض.

69

(الثانية) أن يترك المشتبهات أيضا و هو الزهد في الشبهة، و يسمى زهد سلامة.

(الثالثة) أن يزهد في الزائد عن قدر الحاجة من الحلال أيضا و لا يزهد في التمتع بالقدر الضروري من المطعم و الملبس و المسكن و أثاثه و المنكح و ما هو وسيلة إليها من المال و الجاه، و إلى هذه الدرجات كلا أو بعضا

أشار مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: «كونوا على قبول العمل أشد عناية منكم على العمل، الزهد في الدنيا قصر الأمل و شكر كل نعمة و الورع عن كل ما حرم اللّه عز و جل»

(1)

و مولانا الصادق عليه السلام بقوله: «الزهد في الدنيا ليس بإضاعة المال و لا تحريم الحلال بل الزهد في الدنيا ألا تكون بما في يدك أوثق بما في يد اللّه عز و جل»

(2) و هذا مع ما يأتي بعده هو الزهد في الحلال، و يسمى زهد ثقل.

(الرابعة) أن يترك جميع ما للنفس فيه تمتع و يزهد فيه و لو في قدر الضرورة، لا بمعنى ترك هذا القدر بالمرة، إذ ذلك متعذر، بل تركه من حيث التمتع به و إن ارتكبه اضطرارا من قبيل أكل الميتة مع الإكراه له باطنا، و هذا يتناول ترك جميع مقتضيات الطبع من الشهوة و الغضب و الكبر و الرئاسة و المال و الجاه و غيرها، و إلى هذه الدرجة

أشار الصادق عليه السلام بقوله: (الزاهد في الدنيا الذي يترك حلالها مخافة حسابه و يترك حرامها مخافة عذابه)

و إليها يرجع‏

قول أمير المؤمنين عليه السلام: (الزهد كله بين كلمتين من القرآن قال اللّه سبحانه:

____________

(1) صححنا الحديث على ما في البحار الجزء الثاني من المجلد الخامس عشر في باب الزهد ص 101.

(2) صححنا الحديث على ما في سفينة البحار ج 1 ص 568.

70

لِكَيْلاََ تَأْسَوْا عَلى‏ََ مََا فََاتَكُمْ وَ لاََ تَفْرَحُوا بِمََا آتََاكُمْ (1) .

فمن لم يأس على الماضي و لم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه‏ (2)

و قوله عليه السلام (الزهد في الدنيا ثلاثة أحرف: زاء و هاء و دال أما الزاء فترك الزينة و أما الهاء فترك الهوى و أما الدال فترك الدنيا» .

(الخامسة) أن يترك جميع ما سوى اللّه و يزهد فيه حتى في بدنه و نفسه أيضا بحيث كان ما يصحبه و يرتكبه في الدنيا إلجاء و إكراها من دون استلذاذ و تمتع به، و إلى هذه الدرجة

أشار مولانا الصادق-عليه السلام-في كلامه المنقول سابقا (ص 62) حيث قال: «الزهد مفتاح باب الآخرة و البراءة من النار و هو تركك كل شي‏ء يشغلك عن اللّه من غير تأسف على فوقها و لا إعجاب في تركها و لا انتظار فرج منها و لا طلب محمدة عليها و لا عوض منها بل يرى فوتها راحة و كونها آفة»

إلى آخر الحديث‏ (3) .

ثم الالتفات إلى بعض ما سوى اللّه و الاشتغال به ضروري كضرورة الأكل و اللبس و مخالطة الناس و مكالمتهم و أمثال ذلك، لا ينافي هذه المرتبة من الزهد، إذ معنى الانصراف من الدنيا إلى اللّه تعالى إنما هو الإقبال بكل القلب إليه

____________

(1) الحديد الآية 23.

(2) هذا الحديث مروي في البحار الجزء الثاني من المجلد الخامس عشر في باب الزهد ص 103.

(3) صححنا الحديث هنا و هناك على ما في البحار الجزء الثاني من المجلد الخامس عشر في باب الزهد ص 100 و الحديث منقول فيه عن مصباح الشريعة الذي تقدم ذكره في الجزء الأول ص 121، 254.

71

تعالى ذكرا و فكرا، و هذا لا يتصور بدون البقاء و لا بقاء إلا بضرورات المعيشة، فمتى اقتصر من الدنيا عليها قصدا لدفع المهلكات عن البدن و الاستعانة بالبدن على العبادة و سائر ما يقربه إلى اللّه لم يكن مشتغلا بغير اللّه، إذ ما لا يتوصل إلى الشي‏ء إلا به فهو منه، فالمشتغل بعلف دابته في طريق الحج ليس معرضا عن الحج، و لكن ينبغي أن يكون البدن في طريق اللّه مثل الدابة في طريق الحج، فكما أن قصدك من تهيئة ما تحتاج إليه دابتك دفع المهلكات عنها حتى تسير بك إلى مقصدك دون تنعمها، فكذلك ينبغي أن يكون قصدك من الأكل و الشرب و اللباس و السكنى صيانة بدنك عما يهلكك من الجوع و العطش و الحر و البرد فتقتصر على قدر الضرورة و تقصد به التقوى على طاعة اللّه دون التلذذ و التنعم، و ذلك لا ينافي الزهد بل هو شرطه، ثم ترتب التلذذ على ذلك لا يضرك إذا لم يكن مقصودا بالذات لك فإن الإنسان قد يستريح في قيام الليل بنسيم الأسحار و صوت الطيور و هذا لا يضر بعبادته إذا لم يقصد طلب موضع خاص لهذه الاستراحة على أنه لا لذة حقيقة في الأكل و الشرب و اللباس و إنما تندفع بها آلام الجوع و العطش و الحر و البرد.

ثم لا يخفى أن الفضول من أمور الدنيا من المطعم و المشرب و الملبس و المسكن و أثاثه و المنكح و المال و الجاه ينبغي تركها و الزهد فيها إذ الأخذ بما لا يحتاج إليه ينافي الزهد. (و أما) غير الفضول مما يحتاج إليه الإنسان و يكون مهما له من الأمور الثمانية، فينبغي ألا يترك الزهد فيها، إذ ما هو المهم الضروري يتطرق إليه فضول في مقداره و جنسه و أوقاته فينبغي ألا يترك الزهد فيه أيضا.

و مقتضى غاية الزهد فيه أن يقتصر من القوت على قوت يومه و ليلته فإن كان عنده أزيد من ذلك فليبذله على بعض المستحقين، فإن اقتصر من

72

جنسه على خبز الشعير فهو نهاية الزهد في القوت، إلا أن أكل خبز الحنطة في بعض الأحيان بل أكل أدام واحد في بعض الأوقات إذا لم يكن من اللذائذ الشديدة من أطعمة المتنعمين من أهل الدنيا لا ينافي الزهد، و ربما لم يكن أكل اللحم في بعض الأحيان منافيا له. و يقتصر من (اللباس) بعد كونه من القطن أو الصوف على ما يستر الأعضاء و يحفظها من الحر و البرد و لا بأس بكونه اثنين ليلبس الآخر عند غسل أحدهما. و من (المسكن) على ما يحفظ نفسه و أهله من الحر و البرد. و من (أثاثه) أعني الفرش و الظرف و القدر و الكوز و أمثال ذلك، ما يدفع حاجته من غير تعد إلى ما يمكن زوال ضرورته بدونه. و من (المنكح) على ما تنكسر به سورة شبقة و يحفظه عن النظر و الوساوس الشهوية المانعة عن الحضور في العبادات و من (المال) على ما يقتضي به حاجة يومه بليلته فإن كان كاسبا فإذا اكتسب حاجة يومه فليترك كسبه و يشتغل بأمر الدين، و إن كانت له ضيعة و لم يكن له مدخل آخر يمكن أن يصل إليه كل يوم قدر حاجته فيه فالظاهر عدم خروجه عن الزهد بامساك قدر ما يكفي لسد رمقه بسنة واحدة بشرط أن يتصدق بكل ما يفضل من كفاية نفقته. و ربما قيل إن مثله من ضعفاء الزهاد، بمعنى أن ما وعد للزاهدين في الدار الآخرة من المقامات العالية و الدرجات الرفيعة لا يناله، و إن صدق عليه كونه زاهدا، إذ مثله ليس له قوة اليقين، لأن صاحب اليقين الواقعي إذا كان له قوت يومه لا يدخر شيئا لغده و من شرط التوكل في الزهد، فلا يكون هذا من الزهاد عنده. و هذا غاية الزهد في الأمور المذكورة، و عليه جرت طوائف الأنبياء و زمرة الأوصياء و من بعدهم من السلف الأتقياء. و الحق أن حكم الزهد فيها يختلف باختلاف الأشخاص و الأوقات فإن أمر المتفرد في جميع ذلك أخف من أمر المعيل، و من قصر جميع همه على تحصيل العلم و العمل و لم‏

73

يقدر على كسب، حاله يخالف حال أهل الكسب، و كذا في بعض الأوقات و في بعض الأماكن يمكن تحصيل قدر الحاجة في كل يوم و في بعض آخر منها لا يمكن ذلك، فاللائق لكل أحد أن يلاحظ حاله و وقته و مكانه و يتأمل في أن الأصلح بأمر آخرته و الأعون على تحصيل ما خلق لأجله إمساك أي قدر من المال و صرف أي قدر و جنس من القوت، بحيث لو كان أقل منه لم يتمكن من تحصيل ما يقربه إلى ربه فيأخذ به و يترك الزائد، فإن بعد صحة النية و خلوص القصد في ذلك لا يخرج به عن الزهد الواقعي و إن تصور الاكتفاء بأقل من ذلك مع إيجابه لفقد ما هو أهم في تكميل النفس.

و أما (الجاه) فقد تقدم أن القدر الضروري منه في أمر المعيشة كتحصيل منزلة في قلب خادمه ليخدمه، و في قلب السلطان ليدفع الأشرار عنه، لا بأس به، فالظاهر عدم منافاة هذا القدر للزهد، و قال بعض العلماء: (هذا القدر و إن لم يكن به بأس إلا أنه يتمادى إلى هاوية لا عمق لها و من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه) و إنما يحتاج إلى المحل في القلوب إما لجلب نفع أو لدفع ضرر أو لخلاص من ظلم، أما النفع فيغني عنه المال فإن من يخدم بأجرة يخدم و إن لم يكن لمستأجره عنده قدر، و إنما يحتاج إلى الجاه في قلب من يخدم بغير أجرة، و معلوم أن من أراد أن يخدم بغير أجرة فهو من الظالمين فكيف يكون من الزاهدين. و أما دفع الضرر فيحتاج لأجله إلى الجاه في بلد لا يكمل العدل فيها و أن يكون بين جيران يظلمونه و لا يقدر على دفع شرهم إلا بمحل له في القلوب أو محل له عند السلطان. و قدر الحاجة فيه لا ينضبط لا سيما إذا انضم إليه الخوف و سوء الظن بالعواقب، و الخائض في طلب الجاه سالك طريق الهلاك، بل حق الزاهد ألا يسعى لطلب المحل في القلوب أصلا، فإن اشتغاله بالدين‏

74

و العبادة يمهد له من المحل في القلوب ما يدفع عنه الأذى و لو كان بين الكفار فكيف بين المسلمين. و أما التوهمات و التقديرات التي تخرج إلى الزيادة في الجاه على الحاصل بغير كسب فهي أوهام كاذبة، إذ من طلب الجاه أيضا لم يخل عن أذى في بعض الأوقات فعلاج ذلك بالاحتمال و الصبر أولى من علاجه بطلب الجاه، فإذن طلب المحل في القلوب لا رخصة فيه أصلا و اليسير منه داع إلى الكثير و ضراوته أشد من ضراوة الخمر فليحترز من قليله و كثيره، نعم ما أعطاه اللّه لبعض عبيده من دون سعيه في طلبه لنشر دينه أو لاتصافه ببعض الكمالات المختصة لحصول منزلة له في القلوب فليس به بأس و لا ينافي الزهد، فإن جاه رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله و سلم-كان أوسع الجاه مع كونه أزهد الناس.

و الحق كما تقدم أن الجاه كالمال في نفي البأس من قدر يضطر إليه الإنسان إذا وقع في زمان أو بلد توقف أمر معيشته عليه، فالقدر الضروري منهما غير محذور و غير مناف للزهد، و الزائد على الحاجة سم قاتل، فلا ينبغي أن ينسب المقتصر على الضرورة إلى الدنيا، بل ذلك القدر من الدين لأنه من شرطه و الشرط من جملة المشروط، و يدل عليه‏

ما روي أن إبراهيم عليه السلام أصابته حاجة فذهب إلى صديق له يستقرض شيئا فلم يقرضه فرجع مهموما، فأوحى اللّه تعالى إليه: (لو سألت خليلك لأعطاك) ، فقال يا رب: (عرفت مقتك للدنيا فخفت أن أسألك منها) ، فأوحى اللّه إليه: (ليس الحاجة من الدنيا)

و يدل عليه أيضا كلام الصادق-عليه السلام-مع سفيان الثوري كما أورده بطوله شيخنا الأقدم رحمه اللّه في جامعه الكافي.

فإذن قدر الحاجة من الدين و ما وراءه وبال في الآخرة، بل في الدنيا أيضا، و يعرف ذلك بالتأمل في أحوال الأغنياء و ما عليهم من المحنة

75

في كسب المال و جمعه و حفظه و تحمل الذل فيه، و غاية سعادته أن يتركه لورثته، فيأكلونه و هم أعداؤه، أو يستعينون به على المعصية، فيكون معينا لهم عليها، و لذلك شبه جامع الدنيا و تابع الشهوات بدود القز، لا يزال ينسج على نفسه حتى يقتلها، ثم يروم الخروج فلا يجد مخلصا فيموت و يهلك بسبب العمل الذي عمله بنفسه كما قيل في ذلك:

أ لم تر أن المرء طول حياته # معنى بأمر لا يزال يعالجه

كدود كدود القز ينسج دائما # و يهلك غما وسط ما هو ناسجه‏

فكل مكب على الدنيا متبع للشهوات لا يزال يقيد نفسه بسلاسل و أغلال لا يقدر على قطعها، إلى أن يفرق ملك الموت بينه و بين شهواته دفعة، فتبقى السلاسل من قلبه معلقة بالدنيا التي فاتته و خلفها، و هي تجاذبه إلى الدنيا، و مخالب ملك الموت قد تعلقت بعروق قلبه تجذبه إلى الآخرة فأهون أحواله عند الموت أن يكون مثل شخص ينشر بالمناشير و يفصل أحد جانبه عن الآخر. فهذا أول عذاب يلقاه قبل ما يراه من حسرات نزوله في أسفل السافلين و منعه عن أعلى عليين و جوار رب العالمين. فبالنزوع إلى الدنيا يحجب عن لقاء اللّه، و عند الحجاب تتسلط عليه نار جهنم، إذ النار لكل محجوب معدة، كما قال اللّه تعالى:

كَلاََّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ. `ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصََالُوا اَلْجَحِيمِ (1) .

و لما انكشف لأرباب القلوب أن العبد يهلك نفسه باتباع الهوى و الخوض في الدنيا إهلاك دود القز نفسه، رفضوا الدنيا بالكلية. فنسأل

____________

(1) المطففين، الآية: 15-16.

76

اللّه تعالى أن يقرر في قلوبنا ما نفث في روع حبيبه صلى اللّه عليه و آله، حيث أوحى إليه: «أحبب ما أحببت، فإنك مفارقه» .

{h9~{h9 (الثالث) اعتبار المرغوب فيه: أعني ما يترك لأجله. h9}~h9}و له بهذا الاعتبار ثلاث درجات. الأولى: أن يكون المرغوب فيه النجاة من النار و سائر عذاب الآخرة، و هذا زهد الخائفين. الثانية: أن يكون ثواب اللّه و نعيم الجنة، و هذا زهد الراجين. الثالثة: و هي الدرجة العليا: ألا تكون له رغبة إلا في اللّه و في لقائه، فلا يلتفت إلى الآلام ليقصد منها الخلاص و لا إلى اللذات ليقصد نيلها، بل كان مستغرق الهم باللّه، و هذا زهد العارفين، لأنه لا يحب اللّه خاصة إلا من عرفه بصفاته الكمالية. فكما أن من عرف الدينار و الدرهم، و علم أنه لا يقدر على الجمع بينهما، لم يحب إلا الدينار. كذلك من عرف اللّه، و عرف لذة النظر إلى وجهه الكريم و عرف أن الجمع بين تلك اللذة و لذة التنعم بالحور العين و النظر إلى القصور و خضرة الأشجار غير ممكن، فلا يحب إلا لذة النظر و لا يؤثر غيره.

و قال بعض العرفاء: و لا تظنن أن أهل الجنة عند النظر إلى وجه اللّه تعالى ييقى للذة الحور و القصور متسع في قلوبهم، بل تلك اللذة بالإضافة إلى لذة نعيم الجنة، كلذة ملك الدنيا و الاستيلاء على أطراف الأرض و رقاب الخلق، بالإضافة إلى لذة الاستيلاء على عصفور و اللعب به و الطالبون لنعيم الجنة، عند أهل المعرفة و أرباب القلوب، كالصبي الطالب للعب بالعصفور التارك للذة الملك، و ذلك لقصوره عن إدراك لذة الملك، لا لأن اللعب بالعصفور في نفسه أعلى و ألذ من الاستيلاء بطريق الملك على كافة الخلق.

77
تتميم الزهد الحقيقي‏

لا تظنن أن كل من يترك مال الدنيا أنه زاهد، فإن ترك المال و إظهار التضييق و الخشونة في المأكل و الملبس سهل على من أحب المدح بالزهد.

فكم من الرهبان و المرائين تركوا مال الدنيا و روضوا (1) أنفسهم كل يوم على قدر قليل من القوت، و اكتفوا من المسكن بأي موضع اتفق لهم، و كان غرضهم من ذلك أن يعرفهم الناس بالزهد و يمدحهم عليه، فهم تركوا المال لنيل الجاه. فالزهد الحقيقي ترك المال و الجاه، بل جميع حظوظ النفس من الدنيا. و علامة ذلك استواء الغنى و الفقر و الذم و المدح و الذل و العز لأجل غلبة الأنس باللّه، إذ ما لم يغلب على القلب الأنس باللّه و الحب له لم يخرج عنه حب الدنيا بكليته. إذ محبة اللّه و محبة الدنيا في القلب كالماء و الهواء في القدح، فإذا دخل أحدهما خرج الآخر، فكلاهما لا يجتمعان و لا يرتفعان أيضا. فالقلب المملوء من حب الدنيا يكون خاليا عن حب اللّه، كما أن القلب المشغول بحب اللّه و أنسه فارغ عن حب الدنيا و بقدر ما يقدر ما يخرج أحدهما يدخل الآخر و بالعكس.

و منها: الغنى‏

____________

(1) في بعض النسخ (ردوا) ، و في بعض آخر (رودوا) . و الظاهر أن الصحيح ما أثبتناه.

78

و هو وجود كل ما يحتاج إليه من الأموال، و هذا أقل مراتبه، و فوق ذلك مراتب لا تحصى، حتى ينتهي إلى جمع أكثر أموال الدنيا، كما اتفق لبعض الملوك.

ثم‏ (الغنيّ) إما أن يكون بحيث يسعى في طلب المال و جمعه و يتعب في تحصيله و يكره خروجه عن يده و يتأذى به، و هذا غني حريص. أو يكون بحيث لا يتعب و لا يسعى في تحصيله، إلا أنه لما أتاه أخذه و فرح به، مع تأذيه بفقده و كراهته له، و هذا أيضا لا يخلو عن الحرص لحزنه بفقده أو يكون بحيث لا يتعب في طلبه و لا يرغب فيه رغبة يفرح بحصوله و يتأذى بفقده، و لكن لما أتاه رضى به: إما مع تساوى وجوده و عدمه أو مع كون وجوده أحب إليه من عدمه، و مثله الغني الراضي و القانع.

و أيضا الغنى إما أن يكون جميع ماله حلالا، أو يكون بعضه أو كله حراما.

و أيضا إما يمسكه غاية الإمساك، بحيث لا يؤدى شيئا من حقوقه الواجبة و المستحبة، أو ينفقه في مصارفه اللائقة. و للإنفاق مراتب شتى:

أدناها أن يؤدى الحقوق الواجبة، و أعلاها أن يبذل كلما يزيد عن أقل مراتب الغنى، بحيث لو تعدى عنه يسيرا صار فقيرا.

79
فصل ذم الغنى‏

الغنى الحاصل من الحلال، مع بذل ما يفضل عن أقل مرتبته في المصارف اللائقة و مساواة وجوده و عدمه عند صاحبه، سالم من الآفات و الأخطار. و غير ذلك من أقسامه لا يخلو عن آفة أو خطر، و حبه بعض أفراد حب الدنيا، بل هو راجع إلى حب المال بعينه، فيدل على ذمه ما ورد في ذمهما. و قد ورد في ذمه بخصوصه بعض الآيات و الأخبار، قال اللّه سبحانه:

إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَيَطْغى‏ََ `أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى‏ََ (1) .

و قيل لرسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: أيّ أمتك أشر؟قال:

«الأغنياء» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله لبلال: «ألق اللّه فقيرا، و لا تلقه غنيا» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «اطلعت على الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء. و اطلعت على النار، فرأيت أكثر أهلها الأغنياء» . و في طريق: «فقلت: أين الأغنياء؟فقال: حسبهم الجد» .

و أوحى اللّه تعالى إلى موسى «يا موسى، إذا رأيت الفقر مقبلا، فقل:

مرحبا بشعار الصالحين، و إذا رأيت الغنى مقبلا، فقل: ذنب عجلت عقوبته» .

و روى: «أنه ما من يوم إلا و ملك ينادي من تحت العرش:

يا ابن آدم، قليل يكفيك خير من كثير يطغيك» .

و قال عيسى-عليه السلام-: «بشدة يدخل الغنى الجنة» .

____________

(1) العلق، الآية: 6-7.

80
وصل الفقر

ضد الغنى (الفقر) . و هو فقد ما يحتاج إليه. و لا يسمى فقد ما لا حاجة إليه فقرا. فإن عمم ما يحتاج إليه و لم يخص بالمال، لكان كل موجود ممكن محتاجا، لاحتياجه إلى دوام الوجود و غيره من الحاجات المستفادة من اللّه سبحانه، و انحصر الغنى بواحد واجب لذاته و مفيد لوجود غيره من الموجودات، أعني اللّه سبحانه. فهو الغنى المطلق، و سائر الأشياء الموجودة فقراء محتاجون. و قد أشير إلى هذا الحصر في الكتاب الآلهي بقوله تعالى:

وَ اَللََّهُ اَلْغَنِيُّ وَ أَنْتُمُ اَلْفُقَرََاءُ (1) .

و إن خص بالمال لم يكن كل الناس فقراء، بل من فقد المال الذي هو محتاج إليه كان فقيرا بالإضافة إليه، و الفقر بهذا المعنى هو الذي نريد بيانه هنا.

فصل اختلاف أحوال الفقراء

(الفقير) إما أن يكون راغبا في المال محبا له، بحيث لو وجد إليه سبيلا لطلبه، و لو بالتعب و المشقة، و إنما ترك طلبه لعجزه منه، و يسمى هذا فقيرا (حريصا) .

____________

(1) محمد-صلى اللّه عليه و آله-، الآية: 37.

81

أو يكون وجود المال أحب إليه من عدمه، و لكن لم يبلغ حبه له حدا يبعثه على طلبه، بل إن أتاه بلا طلب أخذه و فرح به، و إن افتقر إلى سعي في طلبه لم يشتغل به، و يسمى هذا فقيرا (قانعا) .

أو يكون بحيث لا يحبه و لا يرغب فيه، و يكره وجوده و يتأذى به، و لو أتاه هرب منه، مبغضا له و محترزا عن شره، و يسمى هذا فقيرا (زاهدا) . فإعراضه عنه و عدم سعيه في محافظته و ضبطه لو وجده، إن كان لخوف العقاب فهو (فقر الخائفين) . و إن كان لشوق الثواب فهو (فقر الراجين) . و إن كان لعدم التفاته اللازم لإقباله على اللّه تعالى بشراشره من دون غرض دنيوي أو أخروي فهو (فقر العارفين) .

أو يكون بحيث لا يحبه حبا يفرح بحصوله و لا يكرهه كراهة يتأذى بها و يزهد فيه، بل يستوي عنده وجوده و عدمه، فلا يفرح بحصوله و لا يتأذى بفقده، بل كان راضيا بالحالتين على السواء، و غنيا عن دخوله و بقائه و خروجه من يده، من غير خوف من الاحتياج إذ فقد، كالحريص و القانع، و لا حذار من شره و إضراره إذا وجد كالزاهد. فمثله لو كانت أموال الدنيا بأسرها في يده لم تضره، إذ هو يرى الأموال في خزانة اللّه لا في يد نفسه، فلا تفريق بين أن تكون في يده أو في يد غيره، فيكون بحيث يستوي عنده المال و الهواء المخلوق في الجو، فكما أن كثرة الهواء في جواره لا يؤذيه، و لا يكون قلبه مشغولا بالفرار عنه و لا يبغضه، بل يستنشق منه بقدر الضرورة، و لا يبخل به على أحد، فكذلك كثرة المال لا يؤذيه و لا يشغل قلبه، و يرى نفسه و غيره فيه على السواء في المالكية.

و مثله ينبغي أن يسمى (مستغنيا راضيا) ، لاستغنائه عنه وجودا و عدما، و رضائه بالحالتين من دون تفاوت، و مرتبته فوق الزاهد، إذ غاية درجة الزهد كمال الأبرار، و صاحب هذه المرتبة من المقربين، فالزهد

82

في حقه نقصان، إذ حسنات الأبرار سيئات المقربين. و السر فيه: أن الزاهد كاره للدنيا، فهو مشغول بالدنيا، كما أن الراغب فيها مشغول بها و الشغل بما سوى اللّه حجاب عن اللّه، سواء كان بالحب أو بالبغض.

فكل ما سوى اللّه، كالرقيب الحاضر في مجلس جمع العاشق و المعشوق.

فكما أن التفات قلب العاشق إلى الرقيب و بغضه و كراهته حضوره نقص في العشق، فكذلك التفات قلب العبد إلى غير اللّه تعالى و بغضه و كراهته نقصان في الحب و الأنس، كما أن التفاته بالحب نقص فيهما. إذ كما لا يجتمع في قلب واحد حبان في حالة واحدة، فكذلك لا يجتمع فيه حب و بغض في حالة واحدة، فالمشغول ببغض الدنيا غافل عن اللّه كالمشغول بحبها، و إن كان الثاني أسوأ حالا من الآخر. إذ المشغول بحبها غافل في غفلته، سالك في طريق البعد، و المشغول ببغضها غافل، و هو في غفلته سالك في طريق القرب، فيحتمل زوال غفلته و تبدلها بالشهود، فالكمال مرتقب له، إذ بغض الدنيا مظنة توصل العبد إلى اللّه.

و هرب الأنبياء و الأولياء من المال، و فرارهم عنه، و ترجيحهم فقده على وجوده-كما أشير إليه في بعض الأخبار و الآثار-: إما نزول منهم إلى درجة الضعفاء ليقتدوا بهم في الترك، إذ الكمال في حقهم حب الترك و بغض الوجود، لأن مع وجوده يتعذر في حقهم استواء وجوده و فقده و كونه عندهم كماء البحر، فلو لم يظهر الأنبياء النفار و الكراهة من المال و يقتدى الضعفاء بهم في الأخذ لهلكوا. فمثل النبي كمثل المعزم الحاذق، يفر بين يدي أولاده من الحية، لا لضعفه عن أخذها، بل لعلمه بأنه لو أخذها لأخذها أولاده أيضا إذا رأوها، و هلكوا. فالسير بسيرة الضعفاء صفة الأنبياء و الأوصياء. أو غير الهرب و النفار اللازمين للبغض و الكراهة و خوف الاشتغال به، بل كان نفارهم منه كنفارهم من الماء، على معنى‏

83

أنهم شربوا منه بقدر حاجتهم، و تركوا الباقي في الشطوط و الأنهار للمحتاجين، من غير اشتغال قلوبهم بحبه و بغضه. أ لا ترى أنه قد حملت خزائن الأرض إلى رسول اللّه و خلفائه، فأخذوها و وضعوها في مواضعها، من غير هرب منه و بغض له، و ذلك لاستواء المال و الماء و الحجر و الذهب عندهم.

ثم تسمية صاحب هذه المرتبة بالفقير و المستغنى لا يوجب التنافي، إذ إطلاق الفقير عليه لمعرفته بكونه محتاجا إليه تعالى في جميع أموره عامة و في بقاء استغنائه عن المال خاصة، فيكون اسم الفقير له كاسم العبد لمن عرف نفسه بالعبودية و أقر بها، فإنه أحق باسم العبد من الغافلين، و إن كان عاما للخلق، ثم كل مرتبة من المراتب المذكورة للفقر، ما عدا الأخيرة، أعم من أن يكون بالغا حد الاضطرار، بأن يكون ما فقده من المال مضطرا إليه، كالجائع الفاقد للخبز و العاري الفاقد للثوب، أم لا.

و أنت، بعد ما فهمت اشتراك الفقر بين المعاني المذكورة، لم يشكل عليك الجمع بين ما ورد في مدح الفقر-كما يأتي-و بين ما ورد في ذمه،

كقوله صلى اللّه عليه و آله: «كاد الفقر أن يكون كفرا» ،

و قوله صلى اللّه عليه و آله: «الفقر الموت الأكبر» .

و قول أمير المؤمنين عليه السلام: «من ابتلى بالفقر فقد ابتلى بأربع خصال: بالضعف في يقينه، و النقصان في عقله، و الرقة في دينه، و قلة الحياء في وجهه. فنعوذ باللّه من الفقر!» .

فصل مراتب الفقر و مدحه‏

قد عرفت أن بعض مراتب الفقر راجع إلى الزهد، و بعضها إلى‏

84

ما هو فوقه، أعني الرضي و الاستغناء، و بعضها إلى القناعة، ففضيلة هذه المراتب ظاهرة، و الأخبار الواردة في فضيلة الزهد و الرضي و القناعة تدل على فضيلة المراتب المذكورة من الفقر. و أما المرتبة الأولى المتضمنة للحرص، فهو أيضا لا يخلو عن فضيلة بالنظر إلى الغنى المتضمن له و الأخبار الواردة في مدح الفقر تتناول بعمومها جميع مراتبه، قال اللّه سبحانه:

لِلْفُقَرََاءِ اَلْمُهََاجِرِينَ اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ وَ أَمْوََالِهِمْ (1) .

و قال: لِلْفُقَرََاءِ اَلَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ... الآية (2) .

ساق اللّه سبحانه الكلام في معرض المدح، و قدم وصفهم بالفقر على وصفهم بالهجرة و الإحصار، و فيه دلالة جلية على مدح الفقر (3) .

و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «خير هذه الأمه فقراؤها، و أسرعها تصعدا في الجنة ضعفاؤها» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله: «اللهم أحيني مسكينا و أمتني مسكينا، و احشرني في زمرة المساكين) .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «إن لي حرفتين اثنتين، فمن أحبهما فقد أحبني، و من أبغضهما فقد أبغضني: الفقر و الجهاد» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «الفقر أزين للمؤمنين من العذار الحسن على خد الفرس» .

و سئل عن الفقر، فقال: «خزانة من خزائن اللّه» ، و سئل عنه ثانيا، فقال:

____________

(1) الحشر، الآية: 8.

(2) البقرة، الآية: 273.

(3) قال المحقق (الفيض) في (إحياء الأحياء) : «لا دلالة في الآيتين على مدح الفقر، و إنما سيقتا لبيان أن مصرف المال إنما هم الفقراء المتصفون بهذه الصفات» .

85

«كرامة من اللّه» . و سئل عنه ثالثا، فقال: «شي‏ء لا يعطيه إلا نبيا مرسلا أو مؤمنا كريما على اللّه» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «إن في الجنة غرفة من ياقوتة حمراء، ينظر إليها أهل الجنة كما ينظر أهل الأرض إلى نجوم السماء، لا يدخل فيها إلا نبي فقير أو مؤمن فقير» .

و قال: «يوم فقراء أمتي يوم القيامة و ثيابهم خضر، و شعورهم منسوجة بالدر و الياقوت، و بأيديهم قضبان من نور يخطبون على المنابر، فيمر عليهم الأنبياء، فيقولون: هؤلاء من الملائكة، و تقول الملائكة: هؤلاء من الأنبياء. فيقولون: نحن لا ملائكة و لا أنبياء!بل من فقراء أمة محمد-صلى اللّه عليه و آله-، فيقولون: بم نلتم هذه الكرامة؟فيقولون:

لم تكن أعمالنا شديدة، و لم نصم الدهر، و لم نقم الليل، و لكن أقمنا على الصلوات الخمس، و إذا سمعنا ذكر محمد فاضت دموعنا على خدودنا»

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «كلمني ربي فقال: يا محمد، إذا أحببت عبدا، اجعل له ثلاثة أشياء: قلبه حزينا، و بدنه سقيما، و يده خالية من حطام الدنيا. و إذا أبغضت عبدا، اجعل له ثلاثة أشياء: قلبه مسرورا و بدله صحيحا، و يده مملوة من حطام الدنيا» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله- «الناس كلهم مشتاقون إلى الجنة، و الجنة مشتاقة إلى الفقراء» .

و قال -صلى اللّه عليه و آله-: «الفقر فخري» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «تحفة المؤمن في الدنيا الفقر»

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيعتذر اللّه تعالى إليه كما يعتذر الأخ إلى أخيه في الدنيا، فيقول: و عزتي و جلالي!ما زويت الدنيا عنك لهوانك علي، و لكن لما أعددت لك من الكرامة و الفضيلة. اخرج يا عبدي إلى هذه الصفوف، فمن أطعمك في أو كساك في يريد بذلك وجهي، فخذ بيده فهو لك و الناس يومئذ قد ألجمهم العرق. فيتخلل الصفوف. و ينظر من فعل ذلك‏

86

به، و يدخله الجنة» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «أكثروا معرفة الفقراء و اتخذوا عندهم الأيادي، فإن لهم دولة» ، قالوا: يا رسول اللّه، و ما دولتهم؟قال: «إذا كان يوم القيامة، قيل لهم: انظروا إلى من أطعمكم كسرة أو سقاكم شربة أو كساكم ثوبا، فخذوا بيده ثم امضوا به إلى الجنة» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «أ لا أخبركم بملوك أهل الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه!قال: كل ضعيف مستضعف أغبر أشعث ذى طمرين لا يؤبه به لو أقسم على اللّه لأبره» .

و دخل-صلى اللّه عليه و آله-على رجل فقير، و لم ير له شيئا، فقال: «لو قسم نور هذا على أهل الأرض لوسعهم» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إذا أبغض الناس فقراءهم، و أظهروا عمارة الدنيا، و تكالبوا على جمع الدراهم و الدنانير، رماهم اللّه بأربع خصال: بالقحط من الزمان، و الجور من السلطان، و الجناية من ولاة الحكام، و الشوكه من الأعداء» (1) .

و ورد من طريق أهل البيت عليهم السلام: «إن اللّه تعالى إذا أحب عبدا ابتلاه، فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه. قيل: و ما اقتناه؟قال:

لم يترك له أهلا و لا مالا» .

و قال أمير المؤمنين عليه السلام: «وكل الرزق بالحمق، و وكل الحرمان بالعقل، و وكل البلاء بالصبر»

و قال الباقر عليه السلام: «إذا كان يوم القيامة، أمر اللّه تعالى مناديا ينادي بين يديه: أين الفقراء؟فيقوم عنق من الناس كثير، فيقول: عبادي! فيقولون: لبيك ربنا!فيقول: إني لم أفقركم لهون بكم علي، و لكن إنما اخترتكم لمثل هذا اليوم. تصفحوا وجوه الناس، فمن صنع إليكم معروفا

____________

(1) هذه الأخبار كلها عامية، فصححناها على (إحياء العلوم) ، و (إحياء الأحياء) .

87

لم يصنعه إلا في فكافوه عني بالجنة» .

و قال الصادق عليه السلام: «لو لا إلحاح المؤمنين على اللّه في طلب الرزق، لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى حال أضيق منها» .

و قال عليه السلام: «ليس لمصاص‏ (1) شيعتنا في دولة الباطل إلا القوت، شرقوا إن شئتم أو غربوا، لن ترزقوا إلا القوت» .

و قال عليه السلام: «ما كان من ولد آدم مؤمن إلا فقيرا و لا كافر إلا غنيا، حتى جاء إبراهيم عليه السلام، فقال:

رَبَّنََا لاََ تَجْعَلْنََا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا (2) .

فصير اللّه في هؤلاء أموالا و حاجة» .

و قال-عليه السلام-: «إن فقراء المؤمنين يتقلبون في رياض الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا» ، ثم قال: «سأضرب لك مثل ذلك: إنما مثل ذلك مثل سفينتين مر بهما على عاشر، فنظر في أحداهما فلم ير فيها شيئا، فقال: اسربوها. و نظر في الأخرى، فإذا هي موقرة، فقال: احبسوها» .

و في بعض الأخبار فسر الخريف بألف عام، و العام بألف سنة. و على هذا، فيكون المراد من أربعين خريفا أربعين ألف ألف عام.

و قال الصادق عليه السلام: «المصائب منح من اللّه، و الفقر مخزون عند اللّه» :

أي المصائب عطايا من اللّه يعطيها عباده، و الفقر من جملتها مخزون عنده عزيز لا يعطيه إلا من خصه بمزيد العناية.

و قال عليه السلام: «إن اللّه عزّ و جل يلتفت يوم القيامة إلى فقراء المؤمنين شبيها بالمعتذر إليهم، فيقول: و عزتي و جلالي! ما أفقرتكم في الدنيا من هوان بكم علي، و لترون ما أصنع بكم اليوم، فمن زود منكم في دار الدنيا معروفا فخذوا بيده فأدخلوه الجنة» ، قال

____________

(1) المصاص: خالص كل شي‏ء. قاله الجوهري.

(2) الممتحنة، الآية: 5.

88

«فيقول رجل منهم: يا رب، إن أهل الدنيا تنافسوا في دنياهم، فنكحوا النساء، و لبسوا الثياب اللينة، و أكلوا الطعام، و سكنوا الدور، و ركبوا المشهور من الدواب. فأعطني مثل ما أعطيتهم. فيقول تبارك و تعالى:

لك و لكل عبد منكم مثل ما أعطيت أهل الدنيا منذ كانت الدنيا إلى أن انقضت الدنيا سبعون ضعفا» .

و قال-عليه السلام-: «إن اللّه جل ثناؤه ليعتذر إلى عبده المؤمن المحوج في الدنيا كما يعتذر الأخ إلى أخيه، فيقول: و عزتي و جلالي!ما أحوجتك في الدنيا من هوان كان بك علي فارفع هذا السجف، فانظر إلى ما عوضتك من الدنيا. قال: فيرفع، فيقول: ما ضرني ما منعتني ما عوضتني» .

و قال عليه السلام: «إذا كان يوم القيامة قام عنق من الناس حتى يأتوا باب الجنة، فيضربوا باب الجنة فيقال لهم: من أنتم؟فيقولون: نحن الفقراء، فيقال لهم: أقبلوا الحساب فيقولون: ما أعطيتمونا شيئا تحاسبونا عليه، فيقول اللّه عز و جل:

صدقوا، ادخلوا الجنة» .

و قال-لبعض أصحابه: «أ ما تدخل للسوق؟ أ ما ترى الفاكهة تباع و الشي‏ء مما تشتهيه؟فقلت: بلى!فقال: أما إن لك بكل ما تراه فلا تقدر على شراه حسنة» .

و قال الكاظم عليه السلام: «إن اللّه عز و جل يقول: إني لم أغن الغني لكرامة به علي، و لم أفقر الفقير لهوان به علي، و هو مما ابتليت به الأغنياء بالفقراء، و لو لا الفقراء لم يستوجب الأغنياء الجنة» (1) .

و قال-عليه السلام-: «إن الأنبياء و أولاد الأنبياء و أتباع الأنبياء خصوا بثلاث خصال: السقم في الأبدان و خوف السلطان، و الفقر» .

و قال الرضا-عليه السلام-: «من لقى

____________

(1) صححنا أغلب الأحاديث المروية عن أهل البيت-عليهم السلام-في هذا الفصل على (الكافي) : باب الفقر. و على (سفينة البحار) 2-377. و على (إحياء الأحياء) : كتاب الفقر.

89

فقيرا مسلما و سلم عليه خلاف سلامه على الغني، لقى اللّه يوم القيامة و هو عليه غضبان» .

و قال عليه السلام: «الفقر شين عند الناس و زين عند اللّه يوم القيامة»

و قال موسى-عليه السلام-في بعض مناجاته: «إلهي من أحباؤك من خلقك حتى أحبهم لأجلك؟فقال: كل فقير»

و قال عيسى-عليه السلام-: «إن أحب الأسامي إلى أن يقال: يا مسكين»

و قال بعض الصحابة: «ملعون من أكرم الغني و أهان الفقير» .

و قال لقمان لابنه: «لا تحقرن أحدا لخلقان ثيابه، فإن ربك و ربه واحد» .

و مما يدل على فضيلة الفقر، إذا كان مع الرضي أو القناعة أو الصبر أو الصدق أو الستر،

قوله صلى اللّه عليه و آله : «يا معشر الفقراء:

أعطوا اللّه الرضي من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم، فإن لم تفعلوا فلا ثواب لكم» .

و قوله-صلى اللّه عليه و آله-: «إن أحب العباد إلى اللّه الفقير القانع برزقه الراضي عن اللّه تعالى» .

و قوله-صلى اللّه عليه و آله-: «لا أحد أفضل من الفقير إذا كان راضيا» ،

و قوله صلى اللّه عليه و آله: «يقول اللّه تعالى يوم القيامة: أين صفوتي من خلقي؟ فتقول الملائكة: من هم يا ربنا؟فيقول: فقراء المسلمين القانعين بعطائي الراضين بقدري، أدخلوهم الجنة. فيدخلونها، و يأكلون و يشربون، و الناس في الحساب يترددون» .

و قوله صلى اللّه عليه و آله: «ما من أحد، غني و لا فقير، إلا ود يوم القيامة أنه كان أوتي قوتا في الدنيا»

و قوله صلى اللّه عليه و آله: «طوبى للمساكين بالصبر!و هم الذين يرون ملكوت السماوات و الأرض» .

و قوله-صلى اللّه عليه و آله-: «من جاع أو احتاج، فكتمه عن الناس و أفشاه إلى اللّه تعالى، كان حقا على اللّه أن يرزقه رزق السنة من الحلال» .

و قوله-صلى اللّه عليه و آله-: «إن لكل شي‏ء مفتاحا، و مفتاح الجنة حب المساكين و الفقراء الصابرين‏

90

و هم جلساء اللّه يوم القيامة» .

و ما روى: «أن اللّه أوحى إلى إسماعيل -عليه السلام-: اطلبني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي. قال: و من هم؟قال: الفقراء الصادقون» .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله- لأمير المؤمنين عليه السلام: «يا علي، إن اللّه جعل الفقر أمانة عند خلقه، فمن ستره أعطاه اللّه تعالى مثل أجر الصائم القائم، و من أفشاه إلى من يقدر على قضاء حاجته فلم يفعل فقد قتله أما إنه ما قتله بسيف و لا رمح و لكنه قتله بما نكأ من قلبه» .

ثم لا ريب في أن كل من لم يجد القوت من التعفف و ستر احتياجه هذا و صبر و رضى يكون داخلا تحت هذه الأخبار و تثبت له الفضيلة التي وردت فيها، و لا ريب في أن هذه صفة لا توجد في ألف ألف واحد.

و أما الفقير الحريص الذي يظهر فقره و يجزع معه، فظاهر بعض الأخبار و إن تناوله، إلا أن الظاهر خروجه منها كما أومأت إليه بعض الأخبار المذكورة و إن كان أحسن حالا من الغني الذي مثله في الحرص.

فصل (الموازنة بين الفقر و الغنى)

لا ريب في أن الفقر مع الصبر و القناعة و قصد الفراغ أفضل من الغنى مع الحرص و الإمساك، كما لا ريب في أن الغنى مع الإنفاق و قصد الاستعانة على العبادة أفضل من الفقر مع الحرص و الجزع، {h9~{h9و إنما وقع الشك في الترجيح بين الفقر و الغنى في مواضع: h9}~h9}

{h10~{h10 (الأول) في الترجيح بين الفقر مع الصبر و القناعة، و الغنى مع الإنفاق، و قصد الاستعانة على العبادة، h10}~h10}فقال قوم إن الأول أفضل،

لما

91

روي: «أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال لأصحابه: أي الناس خير؟فقالوا: موسر من المال يعطي حق اللّه تعالى من نفسه و ماله، فقال نعم الرجل هذا و ليس به المراد، قالوا فمن خير الناس يا رسول اللّه؟ فقال: فقير يعطى جهده» ،

و ما روى: «أن الفقراء بعثوا رسولا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فقال: إني رسول الفقراء إليك، فقال:

مرحبا بك و بمن جئت من عندهم، جئت من عند قوم أحبهم، فقال:

قالوا إن الأغنياء ذهبوا بالجنة يحجون و لا نقدر عليه، و يعتمرون و لا نقدر عليه، و إذا مرضوا بعثوا بفضل أموالهم ذخيرة لهم، فقال النبي صلى اللّه عليه و آله: بلغ عني الفقراء أن لمن صبر و احتسب منكم ثلاث خصال ليست للأغنياء: أما (الأولى) فإن في الجنة غرفا ينظر إليها أهل الجنة كما ينظر أهل الأرض إلى نجوم السماء، لا يدخلها الا نبي فقير، أو شهيد فقير، أو مؤمن فقير، (و الثانية) يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم و هو خمسمائة عام. (و الثالثة) إذا قال الغني: سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر، و قال الفقير مثل ذلك، لم يلحق الغني بالفقير و إن انفق فيها عشرة آلاف درهم، و كذلك أعمال البر كلها، فرجع إليهم، فقالوا رضينا» .

و قال آخرون: الثاني أفضل، لأن الغنى من صفات الربوبية، و الفقر من لوازم العبودية، و وصف الحق أفضل من وصف العبد.

(و أجيب عنه) بأن غنى الواجب سبحانه ليس بالأسباب و الأغراض و غنى العبد بهما، إذ هو غني بوجود المال و مفتقر إلى بقائه، فأنى يكون الغني الذي يتصف العبد به من أوصاف الربوبية، نعم الغنى الاستغناء من وجود المال و عدمه جميعا بأن يستوي كلاهما عنده يشبه أوصاف الحق، إلا أنك قد عرفت أنه نوع من الفقر، و بأن التكبر من أوصاف الربوبية، ـ

92

فينبغي أن يكون أفضل من التواضع، مع أن الأمر ليس كذلك، بل الحق أن الأفضل للعبد إنما هو صفات العبودية كالخوف و الرجاء، إذ صفات الربوبية لا ينبغي أن ينازع فيها،

و لذلك قال اللّه سبحانه: «و العظمة إزاري، و الكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما قصمته» .

و على هذا فالفقر أفضل من الغنى.

و الحق أن ترجيح واحد من صفات الربوبية و صفات العبودية على الآخر للعبد على الإطلاق غير صحيح، إذ كما ينتقض ترجيح الأولى على الثانية بالتكبير ينتقض العكس بالعلم و المعرفة و الجهل و الغفلة، فإن العلم من صفات الربوبية، و الجهل من صفات العبودية، مع أن الأول أفضل من الثاني ضرورة.

و الحق أن الأفضل من الفقر و الغنى ما لا يشغل العبد عن اللّه، فإن كان الفقر يشغله فالغنى أولى به، و إن كان الغنى يشغله عن اللّه فالفقر أولى به، و ذلك لأن الغني ليس محذورا بعينه، بل لكونه عائقا عن الوصول إلى اللّه، و الفقر ليس مطلوبا لذاته، بل لعدم كونه عائقا عن اللّه، و ليس مانعية الأول و عدم مانعية الثاني كليا، إذ رب فقير يشغله الفقر عن المقصد و كم من غني لا يصرفه الغنى عنه، إذ الشاغل ليس إلا حب الدنيا لمضادته حب اللّه تعالى، و المحب للشي‏ء مشغول به، سواء كان في وصاله أو في فراقه. فإذن فضل الفقير و الغنى بحسب تعلق قلبهما بالمال وجودا و عدما، فإن تساويا فيه تساوت درجتهما. و إن تفاوتا فيه فأيهما أقل تعلقا درجته أعلى و أفضل، بل مع وجود تعلق لهما و تساويهما فيه يكون وجود قدر الحاجة من المال أفضل من فقده، إذ الجائع يسلك سبيل الموت لا سبيل المعرفة و الطاعة، و مع عدم تعلق قلبهما أصلا بحيث يستوي عندهما وجود المال و عدمه كان المال عندهما كهواء الجو و ماء البحر-و بالجملة حصلت‏

93

لهما المرتبة الأخيرة من الفقر، أعني الاستغناء و الرضا-كان الواجد أفضل من الفاقد، لاستوائهما في عدم الالتفات إليه، و مزية الواجد باستفادة أدعية الفقراء و المساكين.

ثم الحكم بانقطاع القلب رأسا عن المال وجودا و عدما إنما يتصور في الشاذ النادر الذي لا يسمح الدهر بمثله إلا بعد أزمنة متطاولة، و قلوب جل الناس غير خالية عن حب المال و التعلق به. فتفصيل القول بأفضلية من هو أقل تعلقا بالمال، و استواء درجتهما مع استوائهما في التعلق، و مزية الواجد على الفاقد مع انقطاع قلبهما بالكلية عنه مزلة الأقدام و موضع الغرور، إذ الغني ربما يظن أنه منقطع القلب عن المال و يكون حبه دفينا في باطنه و هو لا يشعر به، و إنما يشعر به إذا فقده، فما عدا الأنبياء و الأولياء و شرذمة قليلة من أكابر الأتقياء لو ظنوا انقطاعهم عن الدنيا إذا جربوا أنفسهم بإخراج المال من أيديهم يظهر لهم أنهم مغرورون و ليس لهم تمام الانقطاع عن الدنيا، و إذا كان ذلك محالا أو بعيدا فليطلق القول بأن الفقر أصلح لكافة الناس و أفضل، لأنه عن الخطر أبعد، إذ فتنة السراء من فتنة الضراء أشد، و علاقة الفقير و أنسه بالدنيا غالبا أضعف، و بقدر ضعف علاقته يتضاعف ثواب أذكاره و عبادته، إذ حركات اللسان و الجوارح ليست مرادة لأعيانها بل ليتأكد بها الأنس بالمذكور و تأثيرها في إثارة الأنس في قلب فارغ عن غير المذكور أشد من تأثيرها في قلب مشغول، و لهذا وردت الأخبار مطلقة في فضل الفقر على الغنى، و في فضل الفقراء على الأغنياء.

{h10~{h10 (الثاني) في الترجيح بين الفقر مع الحرص و الجزع، و الغنى مع الحرص و الإمساك. h10}~h10}و التحقيق فيه أن مطلوب الفقير إن كان ما لا بد منه في المعيشة و كان حرصه في تحصيل هذا القدر دون الزائد منه و كان قصده‏

94

الاستعانة به على الدين، و كذا كان حرص الغني و إمساكه في هذا القدر بهذا القصد، فحال الوجود أفضل لأن الفقد يصده عن أمور الدين لاضطراره في طلب القوت، و هو أولى بالتفضيل إذا كان قصد الغني ذلك و كان مطلوب الفقير فوق الحاجة، أو قدر الحاجة، أو قدر الحاجة بدون قصد الاستعانة به إلى أمر الدين. و إن كان مطلوب كل منها فوق الحاجة أو لم يكن قصدهما الاستعانة به على أمر الدين، فالفقد أصلح و أفضل، لأنهما استويا في الحرص و حب المال، و في عدم قصد الاستعانة به على الدين، لكنهما افترقا في أن الواجد يتأكد حب الدنيا في قلبه، و يطمئن إليها لأنسه بها، و الفاقد يتجافى قلبه عنها اضطرارا، أو تكون الدنيا عنده كالسجن الذي يطلب الخلاص منه. و هو أولى و أحرى بالتفضيل، إذا كان قصد الفقير ذلك و كان قصد الغني فوق الحاجة، أو قدر الحاجة بدون الاستعانة به على أمر الدين.

{h10~{h10 (الثالث) في الترجيح بين فقير حريص متكالب على الدنيا ليس له هم سواه، و غني هو دونه في الحرص‏h10}~h10}على حفظ المال، و تفجعه بفقد المال لو فقده أقل من تفجع الفقير بفقده، و الظاهر حينئذ كون الفقير أسوأ حالا، إذ البعد عن اللّه بقدر قوة التفجع بفقد المال، و القرب بقدر ضعف التفجع به.

فصل ما ينبغي للفقير

ينبغي للفقير ألا يكون كارها للفقر من حيث إنه فعل اللّه و من حيث إنه فقر، بل يكون راضيا به طالبا له فرحانا به لعلمه بغوائل الغنى، و أن‏

95

يكون متوكلا في باطنه على اللّه، واثقا به في إتيان قدر ضرورته، و يكون قانعا به، كارها للزيادة عليه، منقطع الطمع عن الخلق، غير ملتفت إلى ما في أيديهم، و غير حريص على اكتساب المال كيف كان، و أن يكون صابرا شاكرا على فقره،

قال أمير المؤمنين عليه السلام: «إن اللّه عقوبات بالفقر، و مثوبات بالفقر، فمن علامات الفقر إذا كان مثوبة أن يحسن عليه خلقه، و يطيع به ربه، و لا يشكو حاله، و يشكر اللّه تعالى على فقره و من علاماته إذا كان عقوبة أن يسوء عليه خلقه، و يعصى ربه بترك طاعته و يكثر الشكاية، و يتسخط بالقضاء» ،

و هذا يدل على أن كل فقير ليس مثابا على فقره، بل من يرضى بفقره، و يفرح به، و يقنع بالكفاف، و يقصر الأمل، و إن لم يرض به و تشوف إلى الكثرة و طول الأمل، و فاته عز القناعة، و تدنس بذل الحرص و الطمع، و جره الحرص و الطمع إلى مساوى الأخلاق، و ارتكاب المنكرات الخارقة للمروات حبط أجره و كان آثما قلبه.

و ينبغي أن يظهر التعفف و يستر الفقر و يستر، أنّه يستر و ألا يخالط الأغنياء، و لا يرغب في مجالستهم، و لا يتواضع لهم لأجل غناهم بل يتكبر عليهم.

قال أمير المؤمنين عليه السلام: «ما أحسن تواضع الغني للفقير رغبة في ثواب اللّه، و أحسن منه تيه الفقير على الغني ثقة باللّه»

، و ألا يسكت عن ذكر الحق مداهنة للأغنياء، و طمعا بما في أيديهم، و لا يفتر بسبب فقره عن عبادة اللّه، و يبذل قليل ما يفضل عنه، فإن ذلك جهد المقل، و فضله أكثر من أموال كثيرة يبذلها الغني،

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «درهم من الصدقة أفضل عند اللّه من مائة ألف دينار، قيل و كيف ذلك يا رسول اللّه؟قال: أخرج رجل من عرض ماله مائة ألف دينار يتصدق بها، و أخرج رجل درهما من درهمين لا يملك غيرهما

96

طيبة به نفسه فصار صاحب الدرهم أفضل من صاحب مائة ألف دينار»

و ينبغي ألا يدخر أزيد من قدر الحاجة، فإن لم يدخر أكثر من قوت يومه و ليلته فهو من الصديقين، و إن لم يدخر أكثر من قوت أربعين يوما كان من المتقين، و إن لم يدخر أكثر من قوت سنة-و هو الفضل المشترك بين الفقر و الغنى-كان من الصالحين، و لو زاد عليه خرج عن زمرة الفقراء.

فصل وظيفة الفقراء

ما يعطي الفقير بغير سؤاله: إن كان (حراما أو شبهة) وجب عليه رده و الاجتناب عنه، و إن كان (حلالا) ، فإن كان (هدية) استحب قبوله تأسيا برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله إن لم تكن فيه منة، و لو كانت فيه منة فالأولى تركه. و كان بعضهم إذا أعطاه صديقه شيئا يقول له اتركه عندك، و انظر إن كنت أنا بعد قبوله في قلبك أفضل مني قبل القبول فأخبرني حتى آخذه و إلا فلا، و علامة ذلك أن يشق على المعطي رده، و يفرح بالقبول، و يرى المنة على نفسه في قبوله، و إن كان (صدقة أو زكاة) أو غير ذلك مما يكون للثواب المحض، فينبغي أن ينظر في استحقاقه لذلك، فإن كان من أهله قبله و إلا رده، و إن كان المعطي أعطاه لوصف يعلمه فيه كعلم أو ورع أو كونه علويا، و لو لم يكن له هذا الاختصاص لنفر طبعه، و لما تقرب إلى اللّه بإعطائه، و لم يكن هو باطنا كذلك فأخذه حرام، و إن لم يكن هدية و لا صدقة بل أعطاه للشهرة و الرياء و السمعة فينبغي أن يرد عليه و لا يقبله، و إلا كان معينا له على غرضه الفاسد، و الإعانة على الإثم إثم.

97
فصل موارد قبول العطاء و ردها

ما يعطي الفقير إن كان محتاجا إليه و لم يكن أزيد من حاجته فالأفضل له الأخذ إذا سلم من الآفات المذكورة،

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «ما المعطي من سعة بأعظم أجرا من الآخذ إذا كان محتاجا» ،

و قال صلى اللّه عليه و آله: «من أتاه شي‏ء من هذا المال من غير مسألة و لا استشراف فإنما هو رزق ساقه اللّه إليه فلا يرده» ،

و إن كان زائدا على قدر حاجته فليرد الزائد إن كان طالبا طريق الآخرة، إذ الزيادة على قدر الحاجة إنما يأتيك ابتلاء و فتنة لينظر اللّه إليك ما ذا تعمل فيه، و قدر الحاجة يأتيك رفقا بك، فأنت في أخذ قدر الحاجة مثاب، و فيما زاد عليه إما عاص أو متعرض للحساب،

قال رسول اللّه -صلى اللّه عليه و آله-: «لا حق لابن آدم إلا في ثلاث: طعام يقيم صلبه، و ثوب يوارى عورته، و بيت يسكنه، فما زاد فهو حساب» ،

فلا ينبغي لطالب السعادة أن يأخذ الأزيد من قدر الحاجة، إذ النفس إذا رخصت في نقض العزم و العهد ألفت به، و ردها بعد الألف و العادة مشكل.

و الحاصل أن أخذ قدر الحاجة راجع لكونه مما لا بد منه، و إيجابه ثواب المعطي، و لذلك‏

لما أمر موسى بن عمران عليه السلام بأن يفطر عند بني إسرائيل قال: إلهي ما بالي فرقت رزقي على أيدي بني إسرائيل يغديني هذا يوما و يعشيني هذا ليلة، فأوحى اللّه إليه: «هكذا أصنع بأوليائي أجرى أرزاقهم على أيدي البطالين من عبادي ليؤجروا فيهم» .

فلا ينبغي أن يرى المعطي إلا من حيث إنه مسخر مأجور.

98

و أما أخذ الزيادة على قدر الحاجة فليس مما ينبغي، من كان حاله التكفل بأمور الفقراء و الإنفاق عليهم، لما في طبعه من البذل و السخاء، و الرفق و العطاء، فيجوز له أخذ الزيادة ليبذلها على المستحقين، و لكن يلزم أن يبادر إلى الصرف إليهم و لا ينبغي أن يدخر، إذ في إمساكه و لو في يوم واحد أو ليلة واحدة فتنة و اختبار، فربما مالت النفس إلى الإمساك و يصير وبالا عليها، و قد نقل أن جماعة تصدوا لخدمة الفقراء و التكفل لأحوالهم فخدعتهم النفس الأمارة بإعانة الشيطان فاتخذوها وسيلة إلى التوسع في المال، و التنعم في المطعم و المشرب، و انجر أمرهم إلى الهلاك.

فصل لا يجوز السؤال من غير حاجة

ينبغي للمؤمن ألا يسأل الناس من غير حاجة اضطر إليها، بل يستعف عن السؤال ما استطاع، لأنه فقر معجل، و حساب طويل يوم القيامة و الأصل فيه التحريم لتضمنه الشكوى من اللّه، و إذلال السائل نفسه عند غير اللّه، و إيذاء المسئول غالبا، إذ ربما لم تسمح نفسه بالبذل عن طيب القلب، و بعد السؤال ألجأه الحياء أو الرياء إليه، و معلوم أن الإعطاء استحياء أو رياء لئلا ينقص جاهه عند الناس بنسبتهم إياه إلى البخل لا يكون له حلية شرعا.

و لتضمنه هذه المفاسد ورد في الشريعة المنع منه،

قال رسول اللّه -صلى اللّه عليه و آله-: «مسألة الناس من الفواحش» ،

و قال صلى اللّه عليه و آله: «من سأل عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم، و من سأل و له ما يغنيه جاء يوم القيامة و وجهه عظم يتقعقع ليس عليه لحم»

99

و قال صلى اللّه عليه و آله: «من سأل الناس و عنده قوت ثلاثة أيام لقي اللّه يوم يلقاه و ليس على وجهه لحم»

(1)

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «ما من عبد فتح على نفسه بابا من المسألة إلا فتح اللّه عليه سبعين بابا من الفقر» .

و قال: «إن المسألة لا تحل إلا لفقر مدقع أو غرم مفظع»

و قال: «السؤال عن ظهر غنى صداع في الرأس، و داء في البطن» .

و قال: «من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما هي جمرة فليستقل منه أو ليستكثر» .

و روى: «أنه جاءت فخذ من الأنصار إلى رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله و سلم-فسلموا عليه فرد عليهم السلام، فقالوا يا رسول اللّه إن لنا إليك حاجة فقال: (هاتوا حاجتكم) فقالوا إنها حاجة عظيمة فقال:

(هاتوها ما هي) قالوا: تضمن لنا على ربك الجنة، فنكس رأسه، ثم نكت‏ (2)

في الأرض، ثم رفع رأسه فقال: (أفعل ذلك بكم على ألا تسألوا أحدا شيئا) ، فكان الرجل منهم يكون في السفر فيسقط سوطه، فيكره أن يقول لإنسان ناولنيه فرارا من المسألة و ينزل فيأخذه، و يكون على المائدة و يكون بعض الجلساء أقرب إلى الماء منه فلا يقول ناولني حتى يقوم فيشرب» (3)

و بايع صلى اللّه عليه و آله قوما على الإسلام فاشترط عليهم السمع و الطاعة، ثم قال لهم خفية: «لا تسألوا الناس شيئا» ، فكان بعد ذلك تقع المحفرة من يد أحدهم فينزل لها و لا يقول لأحد ناولنيها. و كان

____________

(1) روى هذا الحديث عينه عن الصادق-عليه السلام- (الوسائل كتاب الزكاة أبواب الصدقة الباب 32 الحديث 5) .

(2) نكت الأرض بقضيب أو بإصبعه: ضربها به حال التفكر فأكثر فيها.

(3) صححنا الحديث على الوسائل (كتاب الزكاة ابواب الصدقة الباب 33 الحديث 4) و هو يرويه عن الكافي.

100

صلى اللّه عليه و آله يأمر غالبا بالتعفف عن السؤال، و يقول: «من سألنا أعطيناه، و من استغنى أغناه اللّه، و من لم يسألنا فهو أحب إلينا»

و قال: «و ما قل من السؤال فهو خير» قالوا: و منك يا رسول اللّه؟قال:

«و مني» : «لو أن أحدكم أخذ حبلا فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها و يكف بها وجهه، خير من أن يسأل» .

و قال سيد الساجدين عليه السلام: «ضمنت على ربي أنه لا يسأل أحد أحدا من غير حاجة إلا اضطرته المسألة يوما إلى أن يسأل من حاجة»

و نظر عليه السلام يوم عرفة إلى رجال و نساء يسألون، فقال «هؤلاء شرار خلق اللّه، الناس مقبلون على اللّه و هم مقبلون على الناس» .

و قال الباقر عليه السلام: «أقسم باللّه و هو حق ما فتح رجل على نفسه باب مسألة إلا فتح اللّه عليه باب فقر» ،

و قال الصادق عليه السلام: «طلب الحوائج إلى الناس استلاب‏ (1) للعز و مذهبة للحياء، و اليأس مما في أيدي الناس عز للمؤمن في دينه، و الطمع هو الفقر الحاضر» .

و قال الصادق عليه السلام: «لو يعلم السائل ما عليه من الوزر ما سأل أحد أحدا، و لو يعلم المسئول ما عليه إذا منع ما منع أحد أحدا» .

و قال: «من سأل من غير حاجة فكأنما يأكل الجمر» .

ثم المنع و التحريم إنما هو في السؤال بدون الاضطرار، و أما مع الحاجة و الاضطرار فلا ريب في جوازه، و قد وردت به الرخصة، قال اللّه سبحانه:

وَ أَمَّا اَلسََّائِلَ فَلاََ تَنْهَرْ (2) .

____________

(1) الاستلاب بمعنى السلب، و هو من باب الافتعال.

(2) الضحى، الآية: 10.

101

و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «لا تردوا السائل و لو بشق تمرة»

و قال صلى اللّه عليه و آله: «لو لا أن السائل يكذب ما قدس من رده»

و قال صلى اللّه عليه و آله: «للسائل حق و إن جاء على الفرس»

و قال صلى اللّه عليه و آله: «لا تردوا السائل و لو بظلف محترق»

(1) . و لو كان السؤال مطلقا حراما لما أجاز اللّه و رسوله إعانة العاصي على معصيته.

ثم الحاجة المجوزة للسؤال: ما بلغت حد الاضطرار، كسؤال الجائع الخائف على نفسه بالموت أو المرض لو لم يصل إليه قوت، و سؤال العاري الذي بدنه مكشوف و يخاف من الحر و البرد-أو لم تبلغ إليه، و هي إما حاجة (مهمة) كالاحتياج إلى الجبة في الشتاء بحيث لولاها لتأذى بالبرد تأذيا لا ينتهي إلى حد الضرورة، و الاحتياج إلى الكرى مع القدرة على المشي مع المشقة، أو حاجة (خفيفة) كالاحتياج إلى الإدام مع وجود الخبز-فالظاهر جواز السؤال في جميع ذلك (مع رجحانه في الأول، و إباحته في الثاني، و مرجوحيته في الثالث) ، بشرط إخلائه عن المحذورات المذكورة، أعني الشكوى و الذل و الإيذاء، و تندفع هذه المحذورات بأن يظهر حاجته تعريضا بعد تقديم الشكر للّه، و إظهار الاستغناء عن الخلق عند بعض الأصدقاء أو الأسخياء، إذ السؤال من الصديق لا يوجب الإذلال و السخي لا يتأذى بالسؤال بل يفرح به.

ثم ما ذكر إنما هو في السؤال للاحتياج إليه بعد النسبة لما يحتاج إليه في الحال، و أما السؤال لما يحتاج إليه في الاستقبال، فإن كان يحتاج إليه بعد السنة فهو حرام قطعا، و إن كان يحتاج إليه قبلها، سواء كان بعد

____________

(1) صححنا أكثر الأحاديث هنا على ما في سفينة البحار الجزء الأول ص 585 و كتاب الزكاة من الوسائل أبواب الصدقة باب 33-37 و إحياء الأحياء في كتاب الفقر.

102

أربعين يوما من يومه أو خمسين أو أقل أو أكثر، فإن أمكنه السؤال عند بلوغ وقت الحاجة فلا يحل له السؤال، و إن علم بأنه لا يتمكن من السؤال عنده فهو جائز مع الكراهة و المرجوحية، و كلما كان تراخى الحاجة عن يومه أكثر كانت الكراهة أشد. ثم معرفة درجات الحاجة و ضعفها و شدتها و الوقت الذي يحتاج فيه موكول إلى العبد و منوط باجتهاده و نظره لنفسه بينه و بين اللّه، فليعمل به بعد استغناء قلبه على ما يقتضيه سلوك طريق الآخرة، و كلما كان يقينه أقوى، و ثقته بمجي‏ء الرزق أتم، و قناعته بقوت الوقت أظهر، فدرجته عند اللّه أعلى.

فيا حبيبي، لا تهبط نفسك من أوج التوكل و الاعتماد على اللّه إلى حضيض الخوف و الاضطراب في مجي‏ء رزقك، و لا تصغ إلى تخويف الشيطان، فإنه يعدكم الفقر و يأمركم بالفحشاء، و كن مطمئنا بوعد ربك إذ قال:

وَ اَللََّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلاً (1) .

و اسمع‏

قول نبيك-صلى اللّه عليه و آله-حيث قال: «لو توكلتم على اللّه حق توكله، لرزقتم كما ترزق الطيور، تغدوا خماصا و تروح بطانا» .

و منها:

الحرص‏

و هو معنى راتب في النفس، باعث على جميع ما لا يحتاج إليه و لا يفيده من الأموال، من دون أن ينتهي إلى حد يكتفى به، و هو أقوى شعب

____________

(1) البقرة، الآية: 268.