جامع السعادات - ج2

- الشيخ محمد مهدي النراقي المزيد...
425 /
103

حب الدنيا و أشهر أنواعه. و لا ريب في كونه ملكة مهلكة و صفة مضلة بل بادية مظلمة الأرجاء و الأطراف، و هاوية غير متناهية الأعماق و الأكناف من وقع فيها ضل و باد، و من سقط فيها هلك و ما عاد. و التجربة و الاعتبار و الأخبار و الآثار متظاهرة على أن الحريص لا ينتهى إلى حد يقف دونه، بل لا يزال يخوض في غمرات الدنيا إلى أن يغرق، و تطرحه أرض إلى أرض حتى يهلك.

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «لو كان لابن آدم واديان من ذهب، لابتغى وراءهما ثالثا، و لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، و يتوب اللّه على من تاب» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «منهومان لا يشبعان: منهوم العلم، و منهوم المال» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «يشيب ابن آدم و تشب فيه خصلتان: الحرص، و طول الأمل»

و قال أبو جعفر الباقر عليه السلام: «مثل الحريص على الدنيا كمثل دودة القز، كلما ازدادت على نفسها لفا كان أبعد لها من الخروج، حتى تموت غما» .

و قال الصادق عليه السلام: «إن فيما نزل به الوحي من السماء لو أن لابن آدم واديين يسيلان ذهبا و فضة لابتغى لهما ثالثا. يا ابن آدم إنما بطنك بحر من البحور و وارد من الأودية، لا يملأه شي‏ء إلا التراب»

و قال بعض الأكابر: «من عجيب أمر الإنسان، أنه لو نودي بدوام البقاء في أيام الدنيا لم يكن في قوى خلقته من الحرص على الجمع أكثر مما قد استعمله مع قصر مدة التمتع و توقع الزوال» . ثم ما ورد من الأخبار في ذمه أكثر من أن تحصى، و لا حاجة إلى إيرادها لاشتهارها.

و قال الباقر-عليه السلام-: «رب حريص على أمر قد شقى به حين أتاه، و رب كاره لأمر قد سعد به حين أتاه» .

و أي خسران أشد من أن يسعى الإنسان في طلب به هلاكه؟و أي تأمل في أن كلما يحرص عليه الإنسان من أموال الدنيا يكون مهلكا له؟!

104
وصل القناعة

ضد الحرص (القناعة) . و هي ملكة للنفس: توجب الاكتفاء بقدر الحاجة و الضرورة من المال، من دون سعي و تعب في طلب الزائد عنه، و هي صفة فاضلة يتوقف عليها كسب سائر الفضائل، و عدمها يؤدي بالعبد إلى مساوئ الأخلاق و الرذائل، و هي المظنة للوصول إلى المقصد و أعظم الوسائل لتحصيل سعادة الأبد، إذ من قنع بقدر الضرورة من المطعم و الملبس، و يقتصر على أقله قدرا أو أخسه نوعا، و يرد أمله إلى يومه أو إلى شهره، و لا يشغل قلبه بالزائد عن ذلك، كان فارغ البال مجتمع الهم، فيتمكن من الاشتغال بأمر الدين و سلوك طريق الآخرة، و من فاتته القناعة، و تدنس بالحرص و الطمع و طول الأمل، و خاض في غمرات الدنيا، تفرق قلبه و تشتت أمره. فكيف يمكنه التشمر لتحصيل أمر الدين و الوصول إلى درجات المتقين؟و لذلك ورد في مدح القناعة ما ورد من الأخبار،

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «طوبى لمن هدى للإسلام، و كان عيشه كفافا به!»

. و قال: «ما من أحد، من غني و لا فقير، إلا ود يوم القيامة أنه كان أوتي قوتا في الدنيا» .

و قال -صلى اللّه عليه و آله-: «أيها الناس، أجملوا في الطلب، فإنه ليس للعبد إلا ما كتب له في الدنيا، و لن يذهب عبد من الدنيا حتى يأتيه ما كتب له في الدنيا و هي راغمة»

و قال صلى اللّه عليه و آله: «نفث روح القدس في روعي: أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها. فاتقوا اللّه و أجملوا في الطلب» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «كن ورعا تكن أعبد الناس‏

105

و كن قانعا تكن أشكر الناس، و أحب للنّاس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا»

و في الخبر القدسي: «يا ابن آدم، لو كانت الدنيا كلها لك لم يكن لك منها إلا القوت، فإذا أنا أعطيتك منها القوت و جعلت حسابها على غيرك فأنا إليك محسن» .

و روى: «أن موسى سأل ربه تعالى، و قال: أي عبادك أغنى؟قال: أقنعهم لما أعطيته» .

و قال أمير المؤمنين عليه السلام «ابن آدم، إن كنت تريد من الدنيا ما يكفيك، فإن أيسر ما فيها يكفيك و إن كنت إنما تريد ما لا يكفيك، فإن كل ما فيها لا يكفيك» .

و قال أبو جعفر الباقر عليه السلام: «إياك أن تطمح بصرك إلى من هو فوقك فكفى بما قال اللّه عز و جل لنبيه-صلى اللّه عليه و آله-:

فَلاََ تُعْجِبْكَ أَمْوََالُهُمْ وَ لاََ أَوْلاََدُهُمْ (1) . و قال:

وَ لاََ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ََ مََا مَتَّعْنََا بِهِ أَزْوََاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا (2) .

فإن دخلك من ذلك شي‏ء، فاذكر عيش رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-فإنما كان قوته الشعير-و حلواه التمر، و وقوده السعف إذا وجده» (3)

و قال: «من قنع بما رزقه اللّه فهو من أغنى الناس.

و قال

____________

(1) التوبة، الآية. 56.

(2) طه، الآية: 131.

(3) صححنا الحديث و ما قبله على ما في (الكافي) : باب القناعة، و كذا الحديثين المذكورين بعده. إلا أن هذا الحديث مروي في (الكافي) عن أبي جعفر -عليه السلام-و روي في (الوسائل) عن كتاب الزهد، في أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد: الباب 61 الحديث 11، ما يقرب من عبارة هذا الحديث عن أبي عبد اللّه-عليه السلام-.

106

الصادق عليه السلام: «من رضي من اللّه باليسير من المعاش رضي اللّه عنه باليسير من العمل» .

و قال: «مكتوب في التوراة: ابن آدم، كن كيف شئت كما تدين تدان، من رضي من اللّه بالقليل من الرزق قبل اللّه منه اليسير من العمل، و من رضي باليسير من الحلال خفت مؤنته و زكت مكسبته و خرج من حد الفجور» .

و قال: «إن اللّه عز و جل يقول:

يحزن عبدي المؤمن إن قترت عليه، و ذلك أقرب له مني، و يفرح عبدي المؤمن إن وسعت عليه، و ذلك أبعد له مني» .

و قال: «كلما ازداد العبد إيمانا ازداد ضيقا في معيشته» .

و الأخبار الواردة في فضيلة القناعة أكثر من أن تحصى، و ما أوردناه كاف لأهل البصيرة.

فصل علاج الحرص‏

طريق المعالجة في إزالة الحرص و تحصيل القناعة: أن يتذكر أولا ما في القناعة من المدح و الشرافة، و عز النفس و فضيلة الحرية، و ما في الحرص من الذم و المهانة، و تحمل الذلة و متابعة الشهوة. و يعرف أن من لا يؤثر عز النفس على شهوة البطن، فهو قليل العقل ناقص الإيمان. ثم يتذكر ما في جمع المال من الآفات الدنيوية و العقوبات الأخروية، و يكثر التأمل فيما مضى عليه عظماء الخلق و أعز أصنافهم، أعني الأنبياء و الأوصياء و من سار بسيرتهم من السلف الأتقياء، من صبرهم على القليل، و قناعتهم باليسير، و فيما يجري عليه الكفار من الهند و و اليهود و النصارى و أراذل‏

107

الناس و أغنيائهم و أمثالهم، من التنعم و جمع المال الكثير. و بعد هذا التأمل لا أظنه يشك في أن الاقتداء بأعز الخلائق أحسن من الاقتداء بأراذلهم، بل المتأمل يعرف أن الحريص المتكالب على لذات الدنيا خارج عن أفق الإنسانية، و داخل في جريدة البهائم، إذ الحرص على شهوات البطن و الفرج من لوازم البهيمية، و أحرص الناس على الشهوات لا يبلغ رتبة البهائم في ذلك. فما من حريص على التنعم في البطن إلا و الحمار أكثر أكلا منه، و ما من حريص على الجماع إلا و الخنزير أشد نزوا منه. فظهر أن الحريص في مرتبة الخنزير و الحمير و اليهود و الهند، و القانع لا يساهمه في الرتبة إلا الأنبياء و الأولياء. و بعد التأمل في جميع ما ذكر، يتم العلاج العلمي، و به تسهل إزالة الحرص و اكتساب القناعة. فليبادر إلى العلاج العملي، و هو العمل بالاقتصاد في أمر المعيشة، ليسد أبواب الخرج ما أمكن و رد النفس إلى ما لا بد منه. فإن من كثر خرجه و اتسع إنفاقه، لم تمكنه القناعة، فإن كان وحده، اكتفى بثوب خشن، و يقنع بأي طعام كان و يقلل من الإدام ما أمكنه، و هكذا الحال في سائر ما يضطر إليه و يوطن نفسه عليه. و إن كان له عيال رد كل واحد منهم إلى هذا القدر. و إذا بنى أمره على الاقتصاد، لم يحتج إلى كثير جهد و إن كان معيلا.

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «ما عال من اقتصد» (1) .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «ثلاث منجيات: خشية اللّه في السر و العلانية، و القصد في الغناء و الفقر، و العدل في الرضا و الغضب» .

و قال: «التدبير نصف المعيشة» .

و قال: «من اقتصد أغناه اللّه، و من بذر أفقره اللّه» .

____________

(1) روي في (سفينة البحار) : 2: 431، عن أمير المؤمنين-عليه السلام- مثل هذا الحديث هكذا: «ما عال امرؤ اقتصد» ، و كذا في (بحار الأنوار) :

2 مج 15-199.

108

و قال «الاقتصاد، و حسن الصمت، و الهدى الصالح، جزء من بضع و عشرين جزءا من النبوة» .

و قال أمير المؤمنين-عليه السلام-: «القصد مثراة و السرف متواة» (1) .

و قال السجاد-عليه السلام-: «لينفق الرجل بالقصد و بلغة الكفاف، و يقدم منه الأفضل لآخرته، فإن ذلك أبقى للنعمة و أقرب إلى المزيد من اللّه تعالى، و أنفع في العافية» .

و قال الصادق -عليه السلام-: «إن القصد أمر يحبه اللّه، و إن السرف أمر يبغضه اللّه، حتى طرحك النواة، فإنها تصلح لشي‏ء، و حتى صبك فضل شرابك‏ (2)

و قال-عليه السلام-: «ضمنت لمن اقتصد ألا يفتقر»

و قال-عليه السلام-: «إن السرف يورث الفقر، و إن القصد يورث الغناء» .

و الأخبار في مدح الاقتصاد أكثر من أن تحصى.

ثم إذا تيسرت له المعيشة في الحال، فلا ينبغي أن يكون مضطربا لأجل الاستقبال، و يعتمد على فضل اللّه و وعده بأن الرزق الذي قدر له يأتيه و إن لم يكن حريصا و لا مضطربا لأجله و لا يعلم لنفسه مدخلا يأتي رزقه منه. و قال اللّه تعالى:

وَ مََا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ إِلاََّ عَلَى اَللََّهِ رِزْقُهََا (3) .

و قال: وَ مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. `وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاََ يَحْتَسِبُ (4) .

____________

(1) صححنا الحديث على ما في (الوافي) : 5-295، و قال فيه: «كلاهما بكسر الميم: اسم آلة من الثروة. و التوى-بالمثناة-بمعنى الهلاك و التلف»

(2) صححنا الحديث على ما في (الوافي) : 5-245.

(3) هود، الآية: 6.

(4) الطلاق، الآية: 2-3.

109

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «أبى اللّه أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب» .

ثم ينبغي ألا ينظر إلى من هو فوقه، بل ينظر إلى من هو دونه في التنعم و في مال الدنيا، فإن الشيطان يصرف نظره في أمر الدنيا إلى من هو فوقه، و يقول: لم تفتر عن طلب الدنيا و أرباب الأموال يتنعمون في المطاعم و الملابس؟و يصرف نظره في أمر الدين إلى من هو دونه، و يقول:

لم تضيق على نفسك و تخاف اللّه و فلان أعلم منك و لا يخاف اللّه؟

قال أبو ذر (ره) : «أوصاني خليلي رسول اللّه أن أنظر إلى من هو دوني، لا إلى من هو فوقي في الدنيا» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «إذا نظر أحدكم إلى من فضله اللّه عليه في المال و الخلق، فلينظر إلى من هو أسفل منه» .

و منها:

الطمع‏

و هو التوقع من الناس في أموالهم، و هو أيضا من شعب حب الدنيا و من أنواعه، و من الرذائل المهلكة.

و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله «إياك و الطمع، فإنه الفقر الحاضر» .

و قال أمير المؤمنين عليه السلام: «استغن عمن شئت تكن نظيره، و أرغب إلى من شئت تكن أسيره، و أحسن إلى من شئت تكن أميره» .

و قال الباقر عليه السلام: «بئس العبد عبد له طمع يقوده، و بئس العبد عبد له رغبة تذله»

و قيل للصادق عليه السلام: ما الذي يثبت الإيمان في العبد؟قال: «الورع‏

110

و الذي يخرجه منه الطمع» (1)

و الأخبار في ذم الطمع كثيرة، و كفى به ذما أن كل طامع يكون ذليلا مهينا عند الناس، و أن وثوقه بالناس و اعتماده عليهم أكثر من وثوقه باللّه، إذ لو كان اعتماده على اللّه أكثر من اعتماده على الناس لم يكن نظره إليهم، بل لم يطمع من أحد شيئا إلا من اللّه سبحانه.

وصل الاستغناء عن الناس‏

ضد الطمع هو (الاستغناء عن الناس) و هو من الفضائل الموجبة لتقرب العبد إلى اللّه سبحانه، إذ من استغنى باللّه عن غير اللّه أحبه اللّه.

و الأخبار الآمرة بالاتصاف به و المادحة له كثيرة.

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «ليس الغنى عن كثرة العروض، إنما الغنى غنى النفس»

و قال لأعرابي طلب منه موعظة: «اذا صليت فصل صلاة مودع، و لا تحدثن بحديث تعتذر منه غدا، و اجمع اليأس عما في أيدي الناس» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «عليك باليأس عما في أيدي الناس، فإنه الغنى الحاضر» .

و قال أمير المؤمنين-عليه السلام-: «ليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس و الاستغناء عنهم، فيكون افتقارك إليهم في لين كلامك و حسن بشرك، و يكون استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك و بقاء عزك»

____________

(1) صححنا الحديث على (الكافي) في باب الطمع كما اثبتناه، لكن في (سفينة البحار) : 2-93، رواه عن الصادق-عليه السلام-هكذا: «قال: قلت:

ما الذي يثبت الإيمان في قلب العبد؟قال: الذي يثبته فيه الورع، و الذي يخرجه منه الطمع» .

111

و قال سيد الساجدين-عليه السلام-: «رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عما في أيدي الناس، و من لم يرج الناس في شي‏ء، و رد أمره إلى اللّه تعالى في جميع أموره، استجاب اللّه تعالى له في كل شي‏ء» .

و قال الباقر-عليه السلام-: «سخاء المرء عما في أيدي الناس أكثر من سخاء النفس و البذل، و مروة الصبر في حال الفاقة و الحاجة و التعفف و الغنى أكثر من مروة الإعطاء، و خير المال الثقة باللّه و اليأس مما في أيدي الناس»

و قال-عليه السلام-: «اليأس مما في أيدي الناس عز المؤمن في دينه»

و قال الصادق عليه السلام: «شرف المؤمن قيام الليل، و عزه استغناؤه عن الناس» .

و قال-عليه السلام-: «شيعتنا من لا يسأل الناس، و لو مات جوعا» .

و قال-عليه السلام-: «ثلاث هنّ فخر المؤمن و زينته في الدنيا و الآخرة: الصلاة في آخر الليل، و يأسه مما في أيدي الناس، و ولايته للإمام من آل محمد-عليهم السلام-» .

و قال عليه السلام: «إذا أراد أحدكم ألا يسأل ربه شيئا إلا أعطاه، فلييأس من الناس كلهم و لا يكون له رجاء إلا عند اللّه، فإذا علم اللّه ذلك من قلبه، لم يسأل اللّه شيئا إلا أعطاه‏ (1)

ثم طريق العلاج في قطع الطمع و كسب الاستغناء قريب مما ذكر في علاج إزالة الحرص و تحصيل القناعة، فتذكر.

____________

(1) صححنا الأحاديث هنا-ابتداء من الحديث المروي عن علي-عليه السلام- على (الكافي) : باب الاستغناء عن الناس. و (الوسائل) : كتاب الزكاة، أبواب الصدقة، الباب 37.

112

و منها:

البخل‏

و هو الإمساك حيث ينبغي البذل، كما أن الإسراف هو البذل حيث ينبغي الإمساك، و كلاهما مذمومان، و المحمود هو الوسط، و هو الجود و السخاء. إذ لم يؤمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله إلا بالسخاء، و قيل له:

وَ لاََ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ََ عُنُقِكَ وَ لاََ تَبْسُطْهََا كُلَّ اَلْبَسْطِ (1) . و قال تعالى: وَ اَلَّذِينَ إِذََا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كََانَ بَيْنَ ذََلِكَ قَوََاماً (2) .

فالجود وسط بين الإقتار و الإسراف، و بين البسط و القبض، و هو تقدير البذل و الإمساك بقدر الواجب اللائق. و لا يكفي في تحقق الجود و السخاء أن يفعل ذلك بالجوارح ما لم يكن قلبه طيبا غير منازع له فيه.

فإن بذل في محل وجوب البذل و نفسه تنازعه و هو يضايرها فهو متسخ و ليس بسخي، بل ينبغي ألا يكون لقبله علاقة مع المال إلا من حيث يراد المال له، و هو صرفه إلى ما يجب أو ينبغي صرفه إليه.

____________

(1) الإسراء، الآية: 29.

(2) الفرقان، الآية: 67.

113
فصل ذم البخل‏

البخل من ثمرات حب الدنيا و نتائجه، و هو من خبائث الصفات و رذائل الأخلاق. و لذا ورد في ذمه ما ورد من الآيات و الأخبار. قال اللّه سبحانه:

اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ اَلنََّاسَ بِالْبُخْلِ وَ يَكْتُمُونَ مََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ... (1) . و قال تعالى: وَ لاََ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مََا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ (2) .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «إياكم و الشح، فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم و استحلوا محارمهم»

و قال صلى اللّه عليه و آله: «لا يدخل الجنة بخيل و لا خب و لا خائن و لا شي‏ء الملكة» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «البخيل بعيد من اللّه، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار. و جاهل.

سخي أحب إلى اللّه من عابد بخيل، و أدوى الداء البخل» (3)

و قال -صلى اللّه عليه و آله-: «الموبقات ثلاث: شح مطاع، و هوى متبع و إعجاب المرء بنفسه» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إن اللّه يبغض

____________

(1) النساء، الآية: 36.

(2) آل عمران، الآية: 180.

(3) الأحاديث كلها عامية، صححناها على (إحياء العلوم) و (إحياء الأحياء) .

114

الشيخ الزاني، و البخيل المنان، و المعيل المختال» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إياكم و الشح، فإنما هلك من كان قبلكم بالشح، أمرهم بالكذب فكذبوا، و أمرهم بالظلم فظلموا، و أمرهم بالقطيعة فقطعوا» (1)

و قال -صلى اللّه عليه و آله-: «البخل شجرة تنبت في النار، فلا يلج النار إلا بخيل» .

و قال: «خلق البخل من مقته، و جعل رأسه راسخا في أصل شجرة الزقوم، و دلى بعض أغصانها إلى الدنيا، فمن تعلق بغصن منها أدخله النار. ألا إن البخل من الكفر، و الكفر في النار» .

و قتل في الجهاد رجل من أصحاب رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-فبكته باكية و قالت: وا شهيداه!فقال النبي-صلى اللّه عليه و آله-: «ما يدريك أنه شهيد؟فلعله كان يتكلم بما لا يعنيه، أو يبخل بما لا ينقصه» .

و قال -صلى اللّه عليه و آله-: «إن اللّه يبغض البخيل في حياته، و السخي عند موته» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «السخي الجهول أحب إلى اللّه عز و جل من العابد البخيل» .

و قال: «الشح و الإيمان لا يجتمعان في قلب واحد» .

و قال أيضا: «خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل و سوء الخلق» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «لا ينبغي للمؤمن أن يكون بخيلا و لا جبانا» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «يقول قائلكم: الشحيح أعذر من الظالم. و أي ظلم أظلم عند اللّه من الشح؟حلف اللّه بعزته و عظمته و جلاله لا يدخل الجنة شحيح و لا بخيل» .

و قال: «اللهم إني أعوذ بك من البخل!» .

و روى: «أنه-صلى اللّه عليه و آله-كان يطوف بالبيت، فإذا رجل متعلق بأستار الكعبة و هو يقول: بحرمة هذا البيت إلا غفرت لي ذنبي!قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-:

____________

(1) صححنا الحديث (على البحار) : ج 3 من المجلد الخامس عشر ص 143 و كذا الحديث المتقدم.

115

و ما ذنبك؟صفه لي. قال: هو أعظم من أن أصفه لك. قال ويحك! ذنبك أعظم أم الأرضون؟قال: بل ذنبي يا رسول اللّه. قال صلى اللّه عليه و آله ويحك!ذنبك أعظم أم الجبال؟قال: بل ذنبي يا رسول اللّه. قال -صلى اللّه عليه و آله-: فذنبك أعظم أم البحار؟قال: بل ذنبي يا رسول اللّه قال-صلى اللّه عليه و آله-: فذنبك أعظم أم السماوات؟قال: بل ذنبي يا رسول اللّه. قال: ذنبك أعظم أم اللّه؟قال: بل اللّه أعظم و أعلى و أجل. قال: ويحك اتصف لي ذنبك. قال: يا رسول اللّه، إني رجل ذو ثروة من المال، و أن السائل ليأتيني ليسألني فكأنما يستقبلني بشعلة من النار. فقال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: إليك عني!لا تحرقني بنارك!فو الذي بعثني بالهداية و الكرامة، لو قمت بين الركن و المقام، ثم صليت ألفى ألف عام، و بكيت حتى تجري من دموعك الأنهار و تسقي بها الأشجار، ثم مت و أنت لئيم، لأكبك اللّه في النار!ويحك!أ ما علمت أن اللّه يقول:

وَ مَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمََا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ (1) .

وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ ؟! (2) .

و قال أمير المؤمنين-عليه السلام-: «سيأتي على الناس زمان عضوض، يعض المؤمن على ما في يديه، و لم يؤمر بذلك. قال اللّه تعالى:

____________

(1) محمد، الآية: 38.

(2) الحشر، الآية: 9. التغابن، الآية: 16.

116

وَ لاََ تَنْسَوُا اَلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ (1) .

و روى: «أنه ما من صباح إلا و قد وكل اللّه تعالى ملكين يناديان:

اللهم اجعل لكل ممسك تلفا، و لكل منفق خلفا!» .

و الأخبار في ذم البخل أكثر من أن تحصى، مع أن تضمنه للمفاسد الدنيوية و الأخروية مما يحكم به الوجدان و لا يحتاج إلى دليل و برهان، حتى أن النظر إلى البخيل يقسى القلب، و من كان له صفاء سريرة، يكرب قلبه و يظلم من ملاقاته و قد قيل: «أبخل الناس بماله أجودهم بعرضه) .

وصل السخاء

ضد البخل (السخاء) . و قد عرفت معناه، و هو من ثمرة الزهد كما أن البخل من ثمرة حب الدنيا. فينبغي لكل سالك لطريق الآخرة أن يكون حاله القناعة إن لم يكن له مال، و السخاء و اصطناع المعروف إن كان له مال. و لا ريب في كون الجود و السخاء من شرائف الصفات و معالي الأخلاق، و هو أصل من أصول النجاة، و أشهر أوصاف النبيين و أعرف أخلاق المرسلين. و ما ورد في مدحه خارج عن حد الإحصاء،

قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «السخاء شجرة من شجر الجنة أغصانها متدلية إلى الأرض، فمن أخذ منها غصنا قاده ذلك الغصن إلى الجنة» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إن السخاء من الإيمان في الجنة»

و قال صلى اللّه عليه و آله: «السخاء شجرة تنبت في الجنة، فلا

____________

(1) البقرة، الآية: 237.

117

يلج الجنة إلا سخي» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «قال اللّه سبحانه إن هذا دين ارتضيته لنفسي، و لن يصلحه إلا السخاء و حسن الخلق، فأكرموه بهما ما استطعتم» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «ما جعل اللّه أولياءه إلا على السخاء و حسن الخلق» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إن من موجبات المغفرة: بذل الطعام. و إفشاء السلام، و حسن الكلام» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إن السخي قريب من اللّه، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد من النار» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «تجافوا عن ذنب السخي، فإن اللّه آخذ بيده كلما عثر»

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «طعام الجواد دواء، و طعام البخيل داء»

(1)

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «أفضل الأعمال: الصبر و السماحة» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «خلقان يحبهما اللّه، و هما: حسن الخلق، و السخاء»

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إن اللّه جواد يحب الجود، و يحب معالي الأخلاق، و يكره سفاسفها» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «الرزق إلى مطعم الطعام أسرع من السكين إلى ذروة البعير، و إن اللّه تعالى ليباهي بمطعم الطعام الملائكة-عليهم السلام-: » .

و قال-صلى اللّه عليه و آله- «إن للّه عبادا يخصهم بالنعم لمنافع العباد، فمن بخل بتلك المنافع عن العباد، نقلها اللّه عنه و حولها إلى غيره» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «الجنة دار الأسخياء» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «لشاب سخي مرهق في الذنوب، أحب إلى اللّه من شيخ عابد بخيل‏ (2)

و قال صلى اللّه عليه و آله: «اصنع المعروف إلى من هو أهله و إلى من ليس بأهله، فإن

____________

(1) (البحار) : 2 مج 15-221، باب السخاء و السماحة.

(2) صححنا الحديث على (البحار) فى الموضع المتقدم: (الشحيح) بدل (البخيل) .

118

أصبت أهله فقد أصبت أهله، و إن لم تصب أهله فأنت من أهله» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إن بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بصلاة و لا صيام، و لكن دخلوها بسخاء الأنفس، و سلامة الصدور، و النصح للمسلمين» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «إن اللّه عز و جل جعل للمعروف وجوها من خلقه، حبب إليهم المعروف و حبب إليهم فعاله، و وجه طلاب المعروف إليهم و يسر عليهم إعطاءه، كما ييسر الغيث إلى البلدة الجدبة فيحييها و يحيي بها أهلها» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «السخي محبب في السماوات و محبب في الأرضين، خلق من طينة عذبة، و خلق ماء عينيه من ماء الكوثر، و البخيل مبغض في السماوات مبغض في الأرضين، خلق من طينة سبخة، و خلق ماء عينيه من ماء العوسج» . -

و قال -صلى اللّه عليه و آله-: «إن أفضل الناس إيمانا أبسطهم كفا» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «يؤتى يوم القيامة برجل، فيقال: احتج فيقول: يا رب، خلقتني و هديتني، و أوسعت علي فلم أزل أوسع على خلقك، و أنشر عليهم لكي تنشر علي هذا اليوم رحمتك و تيسره. فيقول الرب-تعالى ذكره-: صدق عبدي، أدخلوه الجنة» .

و روى: «أنه أتى النبي-صلى اللّه عليه و آله-وفد من اليمن، و فيهم رجل كان أعظمهم كلاما و أشدهم استقصاء في محاجة النبي صلى اللّه عليه و آله فغضب النبي حتى التوى عرق الغضب بين عينيه، و تربد وجهه و أطرق إلى الأرض فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال: ربك يقول لك: هذا رجل سخي يطعم الطعام. فسكن عن النبي-صلى اللّه عليه و آله-الغضب، و رفع رأسه و قال: لو لا أن جبرئيل أخبرني عن اللّه عز و جل أنك سخي تطعم الطعام لشردت بك، و جعلتك حديثا لمن خلفك!فقال له الرجل: إن ربك يحب السخاء؟فقال: نعم!فقال: إنى أشهد ألا إله إلاّ اللّه، و أنك‏

119

رسول اللّه، و الذي بعثك بالحق، لا رددت عن مالي أحدا!» (1) ،

و قال صلى اللّه عليه و آله: «كل معروف صدقة، و كل ما أنفق الرجل على نفسه و أهله كتب له صدقة، و ما وقى المرء به عرضه فهو له صدقة و ما وقى المرء به عرضه فهو له صدقة، و ما أنفق الرجل من نفقة فعلى اللّه خلفها» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «كل معروف صدقة، و الدال على الخير كفاعله، و اللّه تعالى يحب إغاثة اللهفان» .

و روى: «أنه أوحى اللّه إلى موسى-عليه السلام-: لا تقتل السامري، فإنه سخي» (2)

و قال عيسى عليه السلام: «استكثروا من شي‏ء لا تأكله النار قيل: و ما هو؟قال: «المعروف» .

و قال أمير المؤمنين عليه السلام «و من يبسط يده بالمعروف إذا وجده، يخلف اللّه له ما أنفق في دنياه، و يضاعف له في آخرته» (3) .

و قال الباقر-عليه السلام-: «إن الشمس لتطلع و معها أربعة أملاك: ملك ينادي: يا صاحب الخير أتم و أبشر و ملك ينادي يا صاحب الشر انزع و اقصر، و ملك ينادي: أعط منفقا خلفا و آت ممسكا تلفا، و ملك ينضج الأرض بالماء، و لو لا ذلك اشتعلت الأرض» .

و قال الصادق عليه السلام لبعض جلسائه: «أ لا أخبرك بشي‏ء تقرب به من اللّه و تقرب من الجنة و تباعد من النار؟» ، فقال: بلى. فقال: «عليك بالسخاء» .

و قال: «خياركم سمحاؤكم، و شراركم بخلاؤكم. و من خالص الإيمان: البر بالإخوان و السعي في حوائجهم، و أن البار بالإخوان

____________

(1) صححنا الحديث على (سفينة البحار) : 1-607، و على (الوافي) :

5-293، في باب الجود و البخل. لكن بينهما اختلاف يسير، فرجحنا تصحيح الحديث على ما في (السفينة) .

(2) الروايات كلها عامية، صححناها على احياء العلوم: 3-210.

(3) صححنا الحديث على (الوافي) : 5-294، باب الجود و البخل.

120

ليحبه الرحمن، و في ذلك مرغمة للشيطان، و تزحزح عن النيران و دخول الجنان» .

و قال الكاظم عليه السلام: «السخي الحسن الخلق في كنف اللّه، لا يستخلى اللّه منه حتى يدخله الجنة. و ما بعث اللّه نبيا و لا وصيا إلا سخيا، و لا كان أحد من الصالحين إلا سخيا، و ما زال أبي يوصيني بالسخاء حتى مضى» .

فصل معرفة ما يجب أن يبذل‏

لعلك تقول: إنك قلت: السخاء هو الوسط بين الاقتار و الإسراف و هو صرف المال إلى ما يجب أو ينبغي صرفه إليه، و هذا غير كاف لمعرفة حد السخاء، لتوقفه على معرفة ما يجب أو ينبغي، و هو عندنا مبهم.

قلنا: ما يجب أو ينبغي يتناول الواجب و اللائق بحسب الشرع و المروة و العادة. فالسخي هو الذي يؤدى واجب الشرع و واجب المروة و العادة جميعا، فإن منع واحدا منها فهو بخيل، و إن كان الذي يمنع واجب الشرع أبخل. ثم ما يجب بذله شرعا مضبوط معين، من الزكاة و الخمس و غيرهما من أطيب ماله أو وسطه دون الخبيث منه، و الإنفاق على أهله و عياله على قدر احتياجهم. فمن أدى جميع ذلك فقد أدى الواجب الشرعي و يستحق اسم السخي شرعا، إذا كان الأداء بطيبة من قلبه، من دون أن يشق عليه، إذ لو شق عليه ذلك كان بخيلا بالطبع و متسخيا بالتكلف و أما ما يجب مروة و عادة، فهو ترك المضايقة في بذل ما يستقبح المضايقة فيه عرفا و عادة، و هو يختلف في الأحوال و الأشخاص، فتستقبح من الغني المضايقة ما لا يستقبح من الفقير، و مع الأهل و الأقارب ما لا يستقبح‏

121

مع الأجانب، و مع الجار ما لا يستقبح من البعيد، و في الضيافة ما لا يستقبح أقل منه في المبايعة و المعاملة، و يستقبح من المضايقة في الأطعمة ما لا يستقبح في غيرها. و بالجملة: يختلف ذلك بما فيه المضايقة من ضيافة أو معاملة و بما فيه المضايقة من طعام أو ثوب أو فرش أو غير ذلك. و بمن معه المضايقة من صديق أو قريب أو جار أو أجنبي أو بعيد، و بمن منه المضايقة من غني أو فقير أو أمير أو رعية أو عالم أو جاهل أو صبي أو كامل.

فالسخي هو الذي لا يمنع حيث ينبغي ألا يمنع شرعا أو مروة أو عادة، و البخيل من يمنع شيئا مما ينبغي ألا يمنع شرعا أو مروة أو عادة. و لا يمكن التنصيص على مقدار ذلك، فلعل حد البخل هو إمساك المال لغرض و ذلك الغرض أهم من حفظ المال، و في مقابله الجود و السخاء.

ثم من يؤدى الواجب و يحفظ العادة و المروة، و لكن له مال كثير قد جمعه، لا يصرفه إلى المحتاجين و لا ينفقه في الصدقات المستحبة ليكون له عدة على نوائب الزمان، و إن لم يكن بخيلا عند عوام الخلق، و لكنه بخيل عند أهل الفطانة و الكياسة، إذ التبري عن البخل و الاتصاف بصفة الجود و السخاء لا يتحقق عندهم ما لم يبذل زيادة على قدر واجب الشرع و واجب المروة و العادة اللائقة به، لطلب الفضيلة و الثواب، و نيل الدرجات في الآخرة. و تختلف هذه الزيادة باختلاف مقدار ماله، و باختلاف حاجة المحتاجين و صلاحهم و ورعهم. فاتصافه بالجود، بقدر ما تتسع له نفسه من قليل أو كثير، و تختلف درجات ذلك. فاصطناع المعروف أمر وراء ما توجبه العادة و المروة، و هو الجود بشرط أن يكون عن طيبة من النفس و لا يكون لأجل غرض، من خدمة أو مدح و ثناء. إذ من يبذل المال بعوض المدح و الثناء أو غيره فليس بجواد، بل هو بياع يشتري المدح بماله، لكون المدح ألذ عنده من المال. ـ

122

فالجود هو بذل الشي‏ء عن طيبة من القلب من غير غرض، و هذا و إن كان حقيقته، إلا أنه لا يتصور في غير حق اللّه، إذ ما من إنسان يبذل الشي‏ء إلا لغرض، لكن إذا لم يكن غرضه إلا الثواب في الآخرة و رفع الدرجات، و اكتساب فضيلة الجود، و تطهير النفس عن رذيلة البخل، سمي جوادا، و إن كان غرضه شيئا من الأمور الدنيوية لم يسم جوادا.

{h9~{h9تنبيه الإيثارh9}~h9}

أرفع درجات الجود و السخاء (الإيثار) ، و هو أن يجود بالمال مع الحاجة إليه. قال اللّه سبحانه في معرض الثناء على أهل الإيثار:

وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كََانَ بِهِمْ خَصََاصَةٌ (1) .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: أيما امرؤ اشتهى شهوة، فرد شهوته و آثر على نفسه، غفر له» .

و كان الإيثار من شعار رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-،

و لقد قالت بعض زوجاته: «إنه-صلى اللّه عليه و آله-ما شبع ثلاثة أيام متوالية حتى فارق الدنيا، و لو شئنا لشبعنا، و لكنا كنا نؤثر على أنفسنا»

و روى: «أن موسى بن عمران قال: يا رب، أرني بعض درجات محمد و أمته. قال: يا موسى، إنك لن تطيق ذلك، لكني أريك منزلة من منازله، جليلة عظيمة، فضلته بها عليك و على جميع خلقي. قال‏ (2) :

____________

(1) الحشر، الآية: 9.

(2) أي الراوي.

123

فكشف له عن ملكوت السماوات، فنظر إلى منزلة كادت أن تتلف نفسه من أنوارها و قربها من اللّه، فقال: يا رب، بما ذا بلغ إلى هذه الكرامة؟قال تعالى: بخلق اختصصته به من بينهم، و هو الإيثار يا موسى لا يأتيني أحد منهم قد عمل به وقتا من عمره إلا استحييت من محاسبته، و بوأته من جنتي حيث يشاء»

و سئل الصادق-عليه السلام-: «أي الصدقة أفضل؟قال عليه السلام: جهد المقل. أ ما سمعت قول اللّه عز و جل: وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كََانَ بِهِمْ خَصََاصَةٌ؟

و إيثار علي -عليه السلام-غيره في جميع أوقات عمره مشهور، و في الكتب مسطور و لقد آثر حياة رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-على حياته ليلة المبيت فباهى اللّه به الملائكة، و أنزل فيه:

وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغََاءَ مَرْضََاتِ اَللََّهِ (1) .

و لقد كان الخواص من شيعته و المقتدون به في سنته و سيرته، يجتهدون في المحافظة على هذه الفضيلة مهما أمكن.

فصل علاج مرض البخل‏

علاج مرض البخل يتم بعلم و عمل. و العلم يرجع إلى معرفة آفة البخل و فائدة الجود، و العمل يرجع إلى البذل على سبيل التكلف إلى أن يصير طبعا له. فكل طالب لإزالة البخل و كسب الجود ينبغي أن يكثر التأمل في أخبار ذم البخل و مدح السخاء، و ما توعد اللّه به على البخل من العذاب

____________

(1) البقرة، الآية: 207.

124

العظيم، و يكثر التأمل في أحوال البخلاء و في نفرة الطبع عنهم، حتى يعرف بنور المعرفة أن البذل خير له من الإمساك في الدنيا و الآخرة. ثم يكلف نفسه على البذل و مفارقة المال، و لا يزال يفعل ذلك إلى أن يهيج رغبته في البذل، و كلما تحركت الرغبة ينبغي أن يجتنب الخاطر الأول و لا يتوقف لأن الشيطان يعده الفقر و يخوفه و يوسوسه بأنواع الوساوس الصادة عن البذل.

و لو كان مرض البخل مزمنا غير مندفع بما مر، فمن معالجاته أن يخدع نفسه بحسن الاسم و الاشتهار بالجود، فيبذل على قصد الرياء، حتى تسمح نفسه بالبذل طمعا في الاشتهار بصفة الجود، فيكون قد زال عن نفسه رذيلة البخل و اكتسب خبث الرياء، و لكن يتعطف بعد ذلك على الرياء و يزيله بعلاجه، و يكون طلب الشهرة و الاسم كالتسلية للنفس عند فطامها عن المال، كما يسلى الصبي عند فطامه عن الثدي باللعب بالعصافير و غيرها لا لكون اللعب مطلوبا بذاته، بل لينتقل من الثدى إليه ثم ينتقل عنه إلى غيره. فكذلك هذه الصفات الخبيثة ينبغي أن يسلط بعضها على بعض حتى يندفع الجميع، فتسلط الشهوة على الغضب حتى تكسر سورته بها، و يسلط الغضب على الشهوة حتى تكسر رعونتها به. و قد جرت سنة اللّه بدفع المؤذيات و المهلكات بعضها ببعض، إلى أن يندفع الجميع، سواء كانت من الصفات المؤذية أو من الأشخاص المؤذية من الظلمة و الأشرار، أ لا ترى أنه يسلط الظالمين و الأشرار بعضهم على بعض إلى أن يهلك الجميع؟ و مثال ذلك-كما قيل-: إن الميت تستحيل جميع أجزائه دودا، ثم يأكل بعض الديدان بعضا، إلى أن يرجع إلى اثنين قويين، ثم لا يزالان يتقابلان و يتعارضان، إلى أن يغلب أحدهما الآخر فيأكله و يسمن به، ثم لا يزال يبقى وحده جائعا إلى أن يموت. فكذلك هذه الصفات الخبيثة

125

يمكن أن يسلط بعض على بعضها حتى يقمعها، فيجعل الأضعف قوتا للأقوى، إلى أن لا تبقى إلا واحدة. ثم تقع العناية بمحوها و إذابتها بالمجاهدة، و هو منع القوت منها، أي عدم العمل بمقتضاها، فإنها تقتضي لا محالة آثارا، فإذا خولفت خمدت و ماتت. مثلا البخل يقتضى إمساك المال، فإذا منع مقتضاه و بذل المال مع الجهد و المشقة مرة بعد أخرى، ماتت صفة البخل و صارت صفة البذل طبعا، و سقط التعب و المشقة فيه.

ثم العمدة في علاجه أن يقطع سببه، و سببه حب المال، و سبب حب المال إما حب الشهوات التي يتوقف الوصول إليها على المال مع طول الأمل، إذ لو لم يكن له طول أمل و علم أنه يموت بعد أيام قلائل ربما لم يبخل بماله، أو ادخاره و إبقاؤه لأولاده، فإنه يقدر بقاءهم كبقاء نفسه، فيمسك المال لأجلهم، أو حبه عين المال من حيث إنه مال فيحب فإن بعض الناس من المشايخ و المعمرين يكون له من المال ما يكفيه لغاية ما يتصور من بقية عمره، و تزيد معه أموال كثيرة، و لا ولد له ليحتاط لأجله، مع ذلك لا نسمح نفسه بإخراج مثل الزكاة و مداواة نفسه عند المرض، بل هو محب للدنانير، عاشق لها، يتلذذ بوجودها في يده، مع علمه بأنه عن قريب يموت، فتضيع أو تأخذها أعداؤه، و مع ذلك لا تسمح نفسه بأن يأكل منها أو يتصدق ببعضها. و هذا مرض عسر العلاج، لا سيما في كبر السن، إذ حينئذ يكون المرض مزمنا و الطبيعة المدافعة له قاصرة و البدن ضعيفا. و مثله مثل من عشق شخصا فأحب رسوله، ثم نسى محبوبه و اشتغل برسوله. فإن الدنانير رسول مبلغ إلى الحاجات، و هي محبوبة من هذه الحيثية، لا من حيث أنها دنانير، فمن نسي الحاجات و صارت الدنانير محبوبة عنده في نفسها، فهو في غاية الضلالة و الخسران بل من رأى بين الفاضل منها عن قدر الحاجة و بين الحجر فرقا، فهو

126

في غاية الجهل.

ثم لما كان الطريق في قطع سبب كل علة أن يواظب على ضد هذا السبب، فيعالج حب الشهوات بالقناعة باليسير و بالصبر، و يعالج طول الأمل بكثرة ذكر الموت و النظر في موت الأقران و طول تعبهم في جمع المال و ضياعه بعدهم، و يعالج التفات القلب إلى الأولاد بأن الذي خلقهم خلق أرزاقهم، و كم من ولد لم يرث مالا من أبيه و حاله أحسن ممن ورث، و بأن يعلم أن ولده إن كان تقيا صالحا فيكفيه اللّه، و إن كان فاسقا فيستعين بماله على المعصية و ترجع مظلمته عليه، و يعالج حب المال من حيث إنه مال، بأن يتفكر في مقاصد المال و إنه لما ذا خلق، فلا يحفظ منه إلا بقدر حاجته، و يبذل الباقي على المستحقين ليبقى له ثوابه في الآخرة.

تذنيب‏

اعلم أن بذل الأموال و إنفاقها المترتب على صفة الجود و السخاء يتناول أمورا: بعضها واجب، و بعضها مندوب. و قد ورد في فضيلة كل منها بخصوصه أخبار، فلا بد لنا أن نشير إلى ذلك تأكيدا لبيان فضل السخاء، و إلى بعض ما لها من الآداب و الدقائق الباطنة، و نحيل ما لها من الأحكام و الشروط الظاهرة إلى كتب الفقه، فنقول:

أما الأمور الواجبة،
127
فأولها: الزكاة

و الآيات و الأخبار الواردة في ذم تاركها و مدح فاعلها كثيرة.

قال اللّه سبحانه:

فَأَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ (1) . و قال تعالى:

وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لاََ يُنْفِقُونَهََا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذََابٍ أَلِيمٍ (2) .

و معنى الإنفاق في سبيل اللّه إخراج الزكاة، كما ورد عن أهل البيت -عليهم السلام-، و أجمع عليه المفسرون.

و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «إذا منعت الزكاة منعت الأرض بركاتها» .

و قال الباقر -عليه السلام-: «إن اللّه عزّ و جل قرن الزكاة بالصلاة، قال:

فَأَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ (3) .

فمن أقام الصلاة و لم يؤت الزكاة، فلم يقم الصلاة» .

و قال الصادق -عليه السلام-: «ما من ذي مال ذهب أو فضة يمنع زكاة ماله، إلا حبسه اللّه يوم القيامة بقاع قرقر، و سلط عليه شجاعا أقرع يريده و هو يحيد عنه، فإذا رأى أنه لا يتخلص منه، أمكنه من يده، فقضمها كما يقضم الفحل، ثم يصير طوقا في عنقه، و ذلك قول اللّه تعالى:

____________

(1) و

(3) الحج، الآية: 78. المجادلة، الآية: 13.

(2) التوبة، الآية: 35.

128

سَيُطَوَّقُونَ مََا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ (1) .

و ما من ذي مال إبل أو غنم أو بقر يمنع زكاة ماله، إلا حبسه اللّه يوم القيامة بقاع قرقر، تطأه كل ذات ظلف بظلفها، و تنهشه كل ذات ناب بنابها، و ما من ذي مال نخل أو كرم أو زرع يمنع زكاتها، إلا طوقه اللّه تعالى ريعة أرضه إلى سبع أرضين إلى يوم القيامة» (2) .

و قال عليه السلام: «ما فرض اللّه على هذه الأمة شيئا أشد عليهم من الزكاة، و فيها تهلك عامتهم» .

و قال: «من منع قيراطا من الزكاة، فليس بمؤمن و لا مسلم، و هو قوله تعالى:

قََالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ، `لَعَلِّي أَعْمَلُ صََالِحاً فِيمََا تَرَكْتُ (3)

و قال عليه السلام: «إنما وضعت الزكاة اختبارا للأغنياء، و معونة للفقراء. و لو أن الناس أدوا زكاة أموالهم، ما بقي مسلم فقيرا محتاجا، و لاستغنى بما فرض اللّه له. و إن الناس ما افتقروا و لا احتاجوا و لا جاعوا و لا عروا إلا بذنوب الأغنياء، و حقيق على اللّه أن يمنع رحمته ممن منع حق اللّه في ماله. و أقسم بالذي خلق الخلق و بسط الرزق: أنه ما ضاع

____________

(1) آل عمران، الآية: 180.

(2) قال في (الوافي) : 6-241، باب الزكاة: «بيان (القاع) : الأرض السهلة المطمئنة. و (القرقر) : الأرض المستوية اللينة. و (الشجاع) -بالضم و الكسر-: الحية، أو الذكر منها، أو ضرب منها. و (الفحل) -بالمهملة-:

الذكر من كل حيوان، و من الإبل خاصة، و هو المراد هنا. (الريع) -بكسر الراء و فتحها-المرتفع من الأرض» .

(3) المؤمنون، الآية: 99-100.

129

مال في بر و لا بحر إلا بترك الزكاة، و ما صيد صيد في بر و لا بحر إلا بتركه التسبيح في ذلك اليوم، و إن أحب الناس إلى اللّه تعالى أسخاهم كفا و أسخى الناس من أدى زكاة ماله، و لم يبخل على المؤمنين بما افترض اللّه لهم في ماله» .

و قال عليه السلام «إن الزكاة ليس يحمد بها صاحبها و إنما هو شي‏ء ظاهر حقن بها دمه و سمى بها مسلما، و لو لم يؤدها لم تقبل له صلاة» (1) .

و الأخبار في فضل الزكاة و ذم تاركها أكثر من أن تحصى، و ما ذكرناه كاف لإيقاظ الطالبين.

{h9~{h9فصل سر وجوب الزكاة، و فضيلة سائر الإنفاقات‏h9}~h9}

السر في إيجاب الزكاة، بل فضيلة مطلق إنفاق المال، ثلاثة أمور:

{h10~{h10الأول-أن التوحيد العام ألا يبقى للموحد محبوب سوى الواحد الفرد، h10}~h10}إذ المحبة لا تقبل الشركة، و التوحيد باللسان قليل الجدوى، و إنما تمتحن درجة الحب بمفارقة سائر المحاب، و الأموال محبوبة عند الناس، لأنها آلة تمتعهم بالدنيا، و لأجلها يأنسون بهذا العالم، و يخافون من الموت و يتوحشون منه، مع أن فيه لقاء المحبوب، فامتحنوا في صدق دعواهم الحب التام للّه تعالى بمفارقتهم عن بعض محابهم، أعني المال، و لذلك قال اللّه سبحانه:

إِنَّ اَللََّهَ اِشْتَرى‏ََ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوََالَهُمْ بِأَنَّ

____________

(1) صححنا الأحاديث كلها على (الوافي) : 6-241-242، باب الزكاة

130

لَهُمُ اَلْجَنَّةَ (1) .

و لفهم هذا السر في بذل الأموال، انقسم الناس بحسب درجاتهم في التوحيد و المحبة ثلاثة أقسام: (قسم) صدقوا التوحيد و وفوا بعهده، و لم يجعلوا قلوبهم إلا محلا لحب واحد. فنزلوا عن جميع أموالهم، و لم يدخروا شيئا من الدرهم و الدينار و غيرهما من أنواع المال، و لم يتعرضوا لوجوب الزكاة عليهم، حتى قيل لبعضهم: كم يجب من الزكاة في مائتي درهم؟فقال: أما على العوام-بحكم الشرع-فخمسة دراهم، و أما نحن، فيجب علينا بذل الجميع.

و سئل الصادق-عليه السلام- «في كم تجب الزكاة من المال؟فقال: أما الزكاة الظاهرة، ففي كل ألف خمسة و عشرون، و أما الباطنة، فلا تستأثر على أخيك بما هو أحوج إليه منك» .

و (قسم) درجتهم دون هذا، و هم الذين أمسكوا أموالهم، و لكنهم راقبوا مواقيت الحاجات و مراسم الخيرات، و يكون قصدهم من الإمساك الإنفاق على قدر الحاجة، دون التنعم، و صرف الفاضل عن قدر الحاجة إلى وجوه البر. و هؤلاء لا يقتصرون على إعطاء مجرد ما يجب عليهم من الزكاة و الخمس، بل يؤدون جميع أنواع البر و المعروف أو أكثرها و (قسم) اقتصروا على أداء الواجب، فلا يزيدون عليه و لا ينقصون منه. و هو أدون الدرجات و أقل المراتب، و هو درجة العوام الراغبين إلى المال، لجهلهم بحقيقته و فائدته، و ضعف حبهم للآخرة.

{h10~{h10الثاني-تطهير النفس عن رذيلة البخل، h10}~h10}فإنه من المهلكات-كما تقدم-، و إنما تزول هذه الرذيلة ببذل المال مرة بعد أخرى حتى يتعود إذ حب الشي‏ء لا ينقطع إلا بقهر النفس على مفارقته، حتى يصير ذلك

____________

(1) التوبة. الآية: 111.

131

اعتيادا. و على هذا، فالإنفاق يطهر صاحبه من خبث البخل المهلك، و إنما طهارته بقدر بذله، و بقدر فرحه بإخراجه و استبشاره بصرفه إلى اللّه تعالى‏

{h10~{h10الثالث-شكر النعمة، h10}~h10}فإن للّه سبحانه على عبده نعمة في نفسه و نعمة في ماله. فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن، و المالية شكر لنعمة المال. و ما أقبح بالغني المسلم أن ينظر إلى فقير مسلم، و قد ضيق الرزق عليه و أحوج إليه، ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدى شكر اللّه تعالى على إغنائه عن السؤال، و إحواج غيره إليه، بإعطاء عشر أو ربع عشر من ماله.

{h9~{h9فصل الحث على التعجيل في الإعطاءh9}~h9}

ينبغي للمعطي المنفق، عند ظهور داعية الخير من باطنه، أن يغتنم الفرصة، و يسارع إلى الامتثال، تعجيلا لإدخال السرور في قلوب الفقراء و حذرا عن عوائق الزمان المانعة عن الخيرات، و علما بأن في التأخير آفات و تنبها بأن انبعاث داعية الخير لمة الملك، و قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، فما أسرع تقلبه، و الشيطان يعد الفقر و يأمر بالفحشاء و المنكر، و له لمة عقيب لمة الملك، و صونا للفقراء عن الاضطرار إلى السؤال، إذ

ورد: أن الإعطاء معه مكافاة لوجهه المبذول و ثمن لما أخذ منه، و ليس بمعروف.

و روى: «أن أمير المؤمنين عليه السلام بعث إلى رجل بخمسة أوساق من تمر البغيبغة، و كان الرجل ممن ترجى نوافله، و يؤمل نائله و رفده، و كان لا يسأل عليا و لا غيره شيئا، فقال رجل لأمير المؤمنين عليه السلام و اللّه ما سألك فلان شيئا!و لقد كان يجزيه من الخمسة أوساق وسق واحد. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: لا كثر

132

اللّه في المؤمنين ضربك!أعطى أنا، و تبخل أنت!للّه أنت!إذا أنا لم أعط الذي يرجوني إلا من بعد المسألة، ثم أعطيه بعد المسألة، فلم أعطه إلا ثمن ما أخذت منه، و ذلك لأني عرضته أن يبذل لي وجهه الذي يعفره في التراب لربي و ربه عز و جل عند تعبده له و طلب حوائجه إليه. فمن فعل هذا بأخيه المسلم، و قد عرف أنه موضع لصلته و معروفه، فلم يصدق اللّه في دعائه، حيث يتمنى له الجنة بلسانه، و يبخل عليه بالحطام من ماله»

(1) . ثم ينبغي أن يعين لأداء صدقته وقتا فاضلا، كيوم الغدير و شهر ذي الحجة، (لا) سيما العشرة الأولى، أو شهر رمضان، (لا) سيما العشرة الأخيرة،

و قد ورد أن رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله- كان أجود الخلق، و كان في رمضان كالريح المرسلة، لا يمسك فيه شيئا.

{h9~{h9فصل فضيلة إعلان الصدقة الواجبةh9}~h9}

الصدقة الواجبة، أعني الزكاة، إعلانها أفضل من إسرارها-إن كان في إظهارها ترغيب للناس في الاقتداء، و أمن من تطرق الرياء، و لم يكن الفقير بحيث يستحيي من أخذها علانية.

قال الصادق عليه السلام: «كلما فرض اللّه عليك فإعلانه أفضل من إسراره، و كلما كان تطوعا فإسراره أفضل من إعلانه، و لو أن رجلا حمل زكاة ماله على عاتقه علانية كان ذلك حسنا جميلا. و قال في قوله تعالى:

وَ إِنْ تُخْفُوهََا وَ تُؤْتُوهَا اَلْفُقَرََاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (2) :

____________

(1) صححنا الحديث على (الوافي) : 6-286، باب آداب الإعطاء. قال (البغيبغة) ضيعة بالمدينة، و (النوافل) : العطايا، و (للّه أنت!) : أي كن للّه و أنصفني في القول.

(2) البقرة، الآية: 271.

133

هي ما سوى الزكاة علانية غير سرّ» .

فلو دخل في نفسه الرياء مع الإظهار، أو كان الفقير يستحيي من أخذها علانية، كان الأسرار بها أفضل: أما الأول: فظاهر، و أما الثاني:

فلما روى: «أنه قيل لأبي جعفر الباقر عليه السلام: الرجل من أصحابنا يستحي من أن يأخذ من الزكاة، فأعطيه من الزكاة و لا أسمى له أنها من الزكاة. فقال:

أعطه و لا تسم له، و لا تذل المؤمن» .

و بالجملة: الإعلان كما يتصور فيه فائدة الترغيب، يتطرق إليه محذور الرياء و المن و الأذى، و ذلك يختلف بالأحوال و الأشخاص. فبالنظر إلى بعض الأحوال و الأشخاص، يكون الإعلان أفضل، و بالنظر إلى بعض آخر، يكون الأسرار أفضل. فلا بد لكل منفق أن يلاحظ حاله و وقته و يقابل الفائدة بالمحذور، و يختار ما هو الأفضل. و من عرف الفوائد و الغوائل و لم ينظر بعين الشهوة، اتضح له ما هو الأولى و الأليق،

{h9~{h9فصل ذم المن و الأذى في الصدقةh9}~h9}

ينبغي للمتصدق أن يجتنب عن المن و الأذى. قال اللّه سبحانه:

لاََ تُبْطِلُوا صَدَقََاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ اَلْأَذى‏ََ (1) . و قال: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَ مَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهََا أَذىً (2) .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «إن اللّه تبارك و تعالى كره لي ست خصال، و كرهتهن للأوصياء من ولدي و أتباعهم من بعدي:

____________

(1) البقرة، الآية: 264.

(2) البقرة، الآية: 263.

134

العبث في الصلاة، و الرفث في الصوم، و المن بعد الصدقة، و إتيان المساجد جنبا، و التطلع في الوفد، و الضحك بين القبور» .

و (المن) : أن يرى نفسه محسنا. و من ثمراتها الظاهرة: الإظهار بالإنفاق، و التحدث به، و طلب المكافاة منه، بالشكر و الخدمة و التعظيم و المتابعة في الأمور. و (الأذى) : التعبير، و التوبيخ، و الاستخفاف و الاستخدام، و القول السي‏ء، و تقطيب الوجه، و هتك الستر. ثم معرفة الأذى ظاهرة، و كذا معرفة الثمرات الظاهرة للمن. و أما المن الباطني، أي رؤية نفسه محسنا، فيعرف بأن يكون استبعاده من خيانة القابض بعد العطاء أكثر من استبعاده منه قبله.

و علاج المن: أن يعرف أن المحسن هو الفقير القابض لإيصاله الثواب و الإنجاء من العذاب، و كونه نائبا عن اللّه تعالى، و كون ما يعطيه حقا من اللّه سبحانه، أحال عليه الفقير انجازا لما وعده من الرزق. و علاج الأذى: أن يعرف أن سببه استكثار العطاء و كراهية إنفاق المال و التكبر على الفقير القابض برؤية نفسه خيرا منه، لغنائه و احتياجه، و جميع ذلك جهل و حماقة. أما استكثاره العطاء، فلأن ما أعطاه بالنظر إلى ما يطلبه لأجله من رضا اللّه و ثواب الآخرة في غاية القلة و الخسة، و كيف يستعظم العاقل بذل خسيس فان إذا أخذ في مقابله خطيرا باقيا. و أما استحقاره الفقير، فلما تقدم من فضل الفقير على الغنى، فكيف يرى نفسه خيرا منه؟و كفى للفقير فضلا: أن اللّه سبحانه جعل الغنى مسخرا له، بأن يكتسب المال بالجهد و التعب، و يسعى في حفظه، و يسلمه إلى الفقير بقدر حاجته، و يكف عنه الفاضل الذي يضره لو سلمه إليه. فالغني يخدم الفقير في طلب المال، مع كون ما يحمد منه للفقير، و كون ما يذم منه من تحمل المشاق و تقلد المظالم و حراسة الفضلات إلى أن يموت فتأكله‏

135

الأعداء، على الغني.

و بالجملة: العاقل، بعد التأمل، يعلم أن ما يعطيه قليل في مقابلة ما يأخذه، و أن الفقير محسن إليه.

قال أمير المؤمنين (ع) : «و من علم أن ما صنع إنما صنع إلى نفسه، لم يستبطئ الناس في شكرهم، و لم يستزدهم في مودتهم، فلا تلتمس من غيرك شكر ما أتيت إلى نفسك و وقيت به عرضك، و أعلم أن الطالب إليك لحاجة لم يكرم وجهه عن وجهك، فأكرم وجهك عن رده»

(1) . و ينبغي للمحترز عن المن و الأذى أن يتواضع و يتخضع للفقير عند إعطائه، بأن يضع الصدقة لديه و يمثل قائما بين يديه، أو يبسط كفه ليأخذ الفقير، و تكون يد الفقير هي العليا.

{h9~{h9فصل ما ينبغي للمعطي‏h9}~h9}

و مما ينبغي للمعطي أن يستصغر العطية ليعظم عند اللّه، و إن استعظمها صغرت عند اللّه،

قال الصادق-عليه السلام-: «رأيت المعروف لا يصلح إلا بثلاث خصال: تصغيره، و تستيره، و تعجيله. فأنت إذا صغرته عظمته عند من تصنعه إليه، و إذا سترته تممته، و إذا عجلته هنأته و إن كان غير ذلك محقته و نكدته» (2) .

و استعظام العطاء غير المن و الأذى، إذ الصرف إلى عمارة المسجد و مثله يتأتى فيه الاستعطاء، و لا يتأتى فيه المن و الأذى، و أن يعطى الأجود و الأحب و الأبعد عن الشبهة

____________

(1) صححنا الحديث على (الوافي) : 6-290، كتاب الزكاة باب 57 المعروف و فضله.

(2) صححنا الحديث على (الوافي) : 6-290، كتاب الزكاة باب 57 المعروف و فضله.

136

لأن اللّه طيب لا يقبل إلا طيبا، و إخراج غير الجيد سوء أدب بالنسبة إلى اللّه، إذ إمساك الجيد لنفسه و أهله، و إنفاق الردي‏ء في سبيل اللّه يوجب إيثار غير اللّه و ترجيحه عليه، و لو فعل هذا لضيف و قدم إليه أردأ طعام في البيت لانكسر قلبه و وغر به صدره.

هذا إذا كان نظره إلى اللّه بأن يتصدق لوجه اللّه، من غير ملاحظة عوض لنفسه في دار الآخرة، و إن كان نظره إلى نفسه و ثوابه في الآخرة فلا ريب في أن العاقل لا يؤثر غيره على نفسه، و ليس له من ماله إلا ما تصدق فأبقى، و أكل فأفنى. و لعظم فائدة إنفاق الأجود الأحب، و قبح إنفاق الردي‏ء الأخس، قال اللّه تعالى:

أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا كَسَبْتُمْ وَ مِمََّا أَخْرَجْنََا لَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ وَ لاََ تَيَمَّمُوا اَلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاََّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ (1) :

أي لا تأخذونه إلا مع كراهية و حياء، و هو معنى الإغماض، و ما هذا شأنه عندكم فلا تؤثروا به ربكم. و قال سبحانه:

لَنْ تَنََالُوا اَلْبِرَّ حَتََّى تُنْفِقُوا مِمََّا تُحِبُّونَ! (2) . و قال:

وَ يَجْعَلُونَ لِلََّهِ مََا يَكْرَهُونَ (3) .

____________

(1) البقرة، الآية: 267.

(2) آل عمران، الآية: 92.

(3) النحل، الآية: 62.

137

و في الخبر: «سبق درهم مائة ألف درهم» .

و ذلك بأن يخرجه الإنسان و هو من أحل ماله و أجوده، فيصدر ذلك عن الرضا و الفرح بالبذل، و قد يخرج مائة ألف درهم مما يكره من ماله، فيدل على أنه ليس يؤثر اللّه بشي‏ء مما يحبه.

و مما ينبغي له أن يغنى الفقير إذا قدر،

ففي الخبر إذا أعطيته فأغنه و أن يقبل يده بعد الإعطاء، لأنه يقع في يد اللّه تعالى أولا.

قال أمير المؤمنين-عليه السلام-: «إذا ناولتم السائل فليرد الذي ناوله يده إلى فيه فيقبلها، فإن اللّه عز و جل يأخذ الصدقات» .

و قال النبي (ص) «ما تقع صدقة المؤمن في يد السائل حتى تقع في يد اللّه، ثم تلا هذه الآية.

أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ هُوَ يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبََادِهِ وَ يَأْخُذُ اَلصَّدَقََاتِ؟ (1) .

و قال الصادق-عليه السلام-: «إن اللّه تعالى يقول: ما من شي‏ء إلا و قد وكلت به من يقبضه غيري، إلا الصدقة، فإني أتلقفها بيدي تلقفا، حتى أن الرجل ليتصدق بالتمر أو بشق تمرة، فأربيها له كما يربي الرجل فلوه و فصيله، فتأتي يوم القيامة و هي مثل أحد و أعظم من أحد» (2) .

و أن يلتمس الدعاء من الفقير، لأن دعاءه يستجاب فيه

كما روى: «أن علي بن الحسين-عليه السلام-كان يقول للخادم:

أمسك قليلا حتى يدعو، فإن دعوة السائل الفقير لا ترد» .

و أنه (ع)

____________

(1) التوبة، الآية: 105.

(2) صححنا الحديث على (الوافي) : 6-262، باب فضل الصدقة.

138

كان يأمر الخادم إذا أعطى السائل، أن يأمره أن يدعو بالخير.

و عن أحدهما -عليهما السلام-: «إذا أعطيتموهم فلقنوهم الدعاء، فإنه يستجاب لهم فيكم، و لا يستجاب لهم في أنفسهم» .

و ما قيل من أن أرباب القلوب لا يتوقعون الدعاء من القابض، لأنه شبيه المكافاة، و كانوا يقابلون الدعاء بمثله، و لو أرسلوا معروفا إلى فقير، قالوا للرسول أحفظ ما يدعو به ليردوا عليه مثل قوله، خلاف طريقة أئمتنا الراشدين عليهم السلام فلا اعتبار به عندنا.

و مما ينبغي له أيضا أن يصرف الصدقات إلى من يكثر بإعطائه الأجر كأهل الورع و العلم، و أرباب التقوى و الصدق، و الكاملين في الإيمان و التشيع.

قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: لا يأكل طعامك إلا تقي» ،

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «اطعموا طعامكم الأتقياء»

و قال صلى اللّه عليه و آله: «أضف بطعامك من تحبه في اللّه» .

و لكن يرفعهم من الزكاة الواجبة و الصدقات، لأنها أوساخ الأموال، و يوسع عليهم بالهدايا و الصلاة،

ففي الخبر: «مستحقوا الزكاة المستضعفون من شيعة محمد و آله: الذين لم تقو بصائرهم، و أما من قويت بصيرته و حسنت بالولاية لأوليائهم و البراءة من أعدائهم معرفته، فذاك أخوكم في الدين، أمس بكم رحما من الآباء و الأمهات المخالفين، فلا تعطوه زكاة و لا صدقة فإن موالينا و شيعتنا منا كالجسد الواحد، تحرم على جماعتنا الزكاة و الصدقة و ليكن ما تعطونه إخوانكم المستبصرين البر، و ارفعوهم عن الزكاة و الصدقات و نزهوهم عن أن تصبوا عليهم أوساخكم. أ يحب أحدكم أن يغسل وسخ بدنه ثم يصبه على أخيه المؤمن؟إن وسخ الذنوب أعظم من وسخ البدن فلا توسخوا إخوانكم... » الحديث.

و لا ينبغي أن يصرف إلى من نظره إلى الوسائط، بل ينبغي الصرف‏

139

إلى من بلغ مقام التوحيد، و يرى النعمة من اللّه، و لا ينظر إلى الوسائط إذ من لم يصف باطنه عن رؤية الوسائط إلا من حيث أنهم وسائط، فغير خال من نوع من الشرك الخفي.

قال الصادق-عليه السلام- في قول اللّه تعالى:

وَ مََا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللََّهِ إِلاََّ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ (1) .

«هو قول الرجل: لو لا فلان لهلكت أو لو لا فلان لما أصبت كذا و لو لا فلان لضاع عيالي!أ لا ترى أنه قد جعل اللّه شريكا في ملكه، يرزقه أو يدفع عنه؟» . فقال الراوي يجوز أن يقال: لو لا أن اللّه من علي بفلان لهلكت؟قال «نعم!لا بأس بهذا» .

و من أهل المزية و الاختصاص بالبذل إليه، من كان مستترا ساترا للحاجة، كائنا من أهل المروة، متغشيا في جلباب التجمل، محصورا في سبيل اللّه، محبوسا في طريق الآخرة بعيلة أو مرض أو ضيق معيشة أو إصلاح قلب أو سبب آخر من الأسباب، و الأولى من الكل الأقارب و أولو الأرحام من أهل الاحتياج، فإن الإنفاق عليهم صدقة و صلة. و في صلة الرحم من الثواب ما لا يخفى،

قال أمير المؤمنين-عليه السلام-: «لأن أصل أخا من إخواني بدرهم، أحب إلي من أتصدق بعشرين درهما، و لأن أصله بعشرين درهما أحب إلي من أن أتصدق بمائة درهم، و لأن أصله بمائة درهم أحب إلي من أعتق رقبة» .

و في خبر آخر: «لا صدقة و ذو رحم محتاج، الصدقة بعشرة و القرض بثمانية عشر، و صلة الإخوان بعشرين، و صلة الرحم بأربعة و عشرين» .

و في الخبر: «إن أفضل الصدقات و الصلاة الإنفاق على ذي الرحم الكاشح» :

يعني المبغض،

____________

(1) يوسف، الآية: 106.

140

و كأنه لمخالفة الهوى و صدوره عن الخلوص و التقوى.

{h9~{h9فصل ما ينبغي للفقراء في أخذ الصدقةh9}~h9}

ينبغي للفقير الآخذ أن يعلم أن اللّه تعالى أوجب صرف المال إليه ليكفي مهمته، فيتجرد للعبادة و الاستعداد للموت، فينبغي أن يتأهب لذلك و لا يصرفه عنه فضول الدنيا، و يشكر اللّه على ذلك، و يشكر المعطي، فيدعو له و يثنى عليه مع رؤية النعمة من اللّه سبحانه،

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «من لم يشكر الناس لم يشكر اللّه» .

و قال الصادق -عليه السلام-: «لعن اللّه قاطعي سبيل المعروف قيل: و ما قاطعوا سبل المعروف؟قال: الرجل يصنع إليه المعروف فيكفره فيمنع صاحبه من أن يصنع ذلك إلى غيره» (1)

و قال أمير المؤمنين-عليه السلام-: «من صنع بمثل ما صنع إليه فإنما كافاه، و من ضعفه كان شكورا، و من شكر كان كريما» .

و ينبغي له أيضا أن يستر عيوب صاحب العطاء، و لا يذمه و لا يحقره و لا يغيره بالمنع إذا منع، و يفخم عند نفسه و عند الناس إعطاءه، بحيث لا يخرجه عن كونه واسطة، لئلا يكون مشركا، و أن يتوقى مواقع الحرمة و الريهة و الشبهة في أصله و مقداره، فلا يأخذ ممن لا يحل ماله أو يشتبه، كعمال السلاطين و الجنود و من أكثر كسبه من الحرام، و لا الزيادة على قدر الحاجة، و لا يسأل على رءوس الملأ ممن يستحى الرد، و أن يتورع العالم

____________

(1) صححنا الحديث على (الكافي) : 4-33، كتاب الزكاة، باب من كفر المعروف. ط طهران 1377 هـ.

141

و المتقي من أخذ الزكاة و الصدقات ما لم يضطر إليها، تنزيها لنفسه عن الأوساخ، و أن يستر الأخذ بنية أنه أبقى لستر المروة و التعفف، و أصون لنفسه عن الإهانة و الإذلال، و أعون للمعطي على الإخفاء و الإسرار، و أسلم لقلوب الناس من الحسد و سوء الظن، أو يظهره بنية الإخلاص و الصدق و إظهار المسكنة و العبودية، و التبري عن الكبر، و تلبيس الحال و إقامة سيئة الشكر أو غير ذلك. فإنه يختلف باختلاف النيات و الأشخاص و الأحوال، و لكل امرئ ما نوى، و كل مراقب للأحوال عارف بالفوائد و المفاسد، يمكنه الأخذ بالأنفع الأرجح.

{h9~{h9تتميم زكاة الأبدان‏h9}~h9}

اعلم أنه كما في المال زكاة فكذلك للبدن زكاة، و هو نقصه ليزيد الخير و البركة لصاحبه. و هذا النقص إما أن يكون اختيارا، بأن يصرف في الطاعة و يمنع عن المعصية، أو اضطرارا، بأن يصاب بمرض و آفة.

قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-يوما لأصحابه: «ملعون كل مال لا يزكى، ملعون كل جسد لا يزكى، و لو في كل أربعين يوما مرة. قيل له: يا رسول اللّه، أما زكاة المال فقد عرفناها، فما زكاة الأجساد؟قال -صلى اللّه عليه و آله-: أن يصاب بآفة» . فتغيرت وجوه الذين سمعوا منه ذلك، فلما رآهم قد تغيرت ألوانهم، قال: «هل تدرون ما عنيت بقولي؟فقالوا: لا يا رسول اللّه!قال: إن الرجل يخدش الخدشة، و ينكب النكبة، و يعثر العثرة، و يمرض المرضة، و يشاك الشوكة، و ما أشبه هذا... » ، حتى ذكر في حديثه اختلاج العين.

و قال-صلى اللّه عليه

142

و آله- «لكل شي‏ء زكاة، و زكاة الأبدان الصيام» .

و قال الصادق -عليه السلام-: «على كل جزء من أجزائك زكاة واجبة للّه عز و جل بل على كل منبت شعر من شعرك، بل على كل لحظة من لحاظك زكاة.

فزكاة العين: النظرة بالعبرة (1) و الغض عن الشهوات و ما يضاهيها.

و زكاة الأذن: استماع العلم و الحكمة و القرآن، و فوائد الدين من الموعظة و النصيحة، و ما فيه نجاتك، و بالإعراض عما هو ضده من الكذب و الغيبة و أشباههما، و زكاة اللسان: النصح للمسلمين، و التيقظ للغافلين، و كثرة التسبيح و الذكر و غيرها. و زكاة اليد: البذل و العطاء و السخاء بما أنعم اللّه عليك به، و تحريكها بكتابة العلم و منافع ينتفع بها المسلمون في طاعة اللّه تعالى، و القبض عن الشر. و زكاة الرجل: السعي في حقوق اللّه، من زيارة الصالحين، و مجالس الذكر، و إصلاح الناس، و صلة الأرحام، و الجهاد و ما فيه صلاح قلبك و سلامة دينك» (2) .

و ثانيها:

الخمس‏

و قد فرضه اللّه تعالى على عباده صونا لذرية نبيه-صلى اللّه عليه و آله- عن الافتقار، و تنزيها لهم عن الصدقات التي هي أوساخ الناس، فقال سبحانه:

وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ

____________

(1) فى نسخ (جامع السعادات) : «النظر بالعبر» ، و لعله الأولى.

(2) صححنا الحديث على (مصباح الشريعة) : الباب 22، و فيه اختلاف كثير عن نسخ (جامع السعادات) بما لم يخرج عن المعنى.

143

وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ اَلْيَتََامى‏ََ وَ اَلْمَسََاكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ، إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللََّهِ وَ مََا أَنْزَلْنََا عَلى‏ََ عَبْدِنََا يَوْمَ اَلْفُرْقََانِ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعََانِ، وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (1) .

و المستفاد من الآية: أن مانع الخمس لا إيمان له.

و قال أمير المؤمنين -عليه السلام-: «هلك الناس في بطونهم و فروجهم، لأنهم لا يؤدون إلينا حقنا» .

و لا ريب في عظم الثواب و الأجر في أدائه و إيصاله إلى أهله، و كيف لا و هو إعانة ذرية الرسول-صلى اللّه عليه و آله-و قضاء حوائجهم،

و قد قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «حقت شفاعتي لمن أعان ذريتي بيده و لسانه و ماله» (2) .

و قال-صلى اللّه عليه و آله- «أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة: المكرم لذريتي، و القاضي لهم حوائجهم و الساعي لهم في أمورهم عند ما اضطروا إليه، و المحب لهم بقلبه و لسانه»

و قال صلى اللّه عليه و آله: «من اصطنع إلى أحد من أهل بيتي يدا، كافيته يوم القيامة» .

و عن الصادق-عليه السلام-قال: «إذا كان يوم القيامة، نادى مناد: أيها الخلائق، انصتوا، فإن محمدا يكلمكم.

فتنصت الخلائق، فيقوم النبي صلى اللّه عليه و آله فيقول: يا معشر الخلائق من كانت له عندي يد أو منة أو معروف فليقم حتى أكافيه. فيقولون:

بآبائنا و أمهاننا!و أي منة و أي معروف لنا؟!بل اليد و المنة و المعروف للّه و لرسوله على جميع الخلائق. فيقول لهم: بلى!من آوى أحدا من أهل بيتي، أو برهم، أو كساهم من عرى، أو أشبع جائعهم، فليقم حتى أكافيه. فيقوم أناس قد فعلوا ذلك، فيأتي النداء من عند اللّه:

____________

(1) الأنفال، الآية: 41.

(2) صححنا هذا الحديث على (جامع الإخبار) : الباب 2، الفصل 6.

144

يا محمد، يا حبيبي، قد جعلت مكافاتهم إليك، فأسكنهم من الجنة حيث شئت. قال: فيسكنهم في الوسيلة حيث لا يحجبون عن محمد و أهل بيته -صلوات اللّه عليهم» (1) .

و قد ظهر مما تقدم بعض ما تعلق به من الأسرار و الآداب و الشرائط الباطنة.

و ينبغي أن يكون معطيه في غاية الحذر عن استعظامه و عن المن و الأذى و أن يكون في غاية التخضع و التواضع للذريه العلوية عند إعطائه إياهم، و يعلم أنه عبد من عباد اللّه، أعطاه مولاه نبذا من أمواله، ثم أمره بأن يوصل قليلا منها إلى ذرية نبيه-صلى اللّه عليه و آله-، و جعل له أيضا في مقابلة هذا الإيصال زيادة المال في الدنيا و عظيم الأجر و الثواب في العقبى فما أقبح بالعاقل-مع ذلك-أن يستعظم ما يعطيه، و يمن على أولاد نبيه -صلى اللّه عليه و آله-.

و ثالثها:

الإنفاق على الأهل و العيال‏

و التوسع عليهم. و هو أيضا من الواجبات، على النحو المقرر في كتب الفقه. و ما ورد في مدحه و عظم أجره أكثر من أن يحصى،

قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل اللّه» (2)

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «خيركم خيركم لأهله» .

____________

(1) صححنا الأحاديث الثلاثة الأخيرة على (الوسائل) : كتاب الأمر بالمعروف أبواب الأمر بالمعروف، الباب 17.

(2) صححنا الحديث على (الوسائل) : كتاب التجارة، أبواب مقدماتها، الباب 22. و روى الحديث في (المستدرك) عن (غوالي اللئالي) .

145

و قال صلى اللّه عليه و آله: «المؤمن يأكل بشهوة أهله، و المنافق يأكل أهله بشهوته» (1)

و قال: «أفضل الصدقة صدقة عن ظهر غنى، و ابدأ بمن تعول، و اليد العليا خير من اليد السفلى، و لا يلوم اللّه على الكفاف» (2)

و قال صلى اللّه عليه و آله: «دينار أنفقته على أهلك، و دينار أنفقته في سبيل اللّه، و دينار أنفقته في رقبة، و دينار تصدقت به على مسكين، و أعظمها أجرا الدينار الذي أنفقته على أهلك» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «ما أنفق الرجل على أهله فهو صدقة، و أن الرجل ليؤجر في رفع اللقمة إلى فم امرأته» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهّم بطلب المعيشة» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «من كانت له ثلاث بنات، فأنفق عليهن و أحسن إليهن حتى يغنيهن اللّه عنه أوجب اللّه تعالى له الجنة، إلا أن يعمل عملا لا يغفر اللّه له» .

و قال -صلى اللّه عليه و آله-يوما لأصحابه: «تصدقوا. فقال رجل: إن عندي دينارا. قال: أنفقه على نفسك، فقال: إن عندي آخر قال:

أنفقه على زوجتك. قال: إن عندي آخر. قال: أنفقه على ولدك.

قال: إن عندي آخر، قال: أنفقه على خادمك. قال: إن عندي آخر. قال-صلى اللّه عليه و آله-: أنت أبصر به» (3)

و قال صلى اللّه عليه و آله: «ملعون ملعون من ألقى كله على الناس!ملعون ملعون من ضيع من يعوله!» ،

و قال-صلى اللّه عليه و آله-لأمير المؤمنين

____________

(1) صححنا الحديث على (الوسائل) : كتاب النكاح، أبواب النفقات، الباب 21. و كذا الحديث الآتي: «ملعون ملعون... » .

(2) صححنا الحديث على (الوافي) : 6-289، و هو بمضمونه من المشهورات التي يرويها العامة و الخاصة.

(3) صححنا الحديث على (احياء العلوم) : 1-203.

146

عليه السلام-بعد ما رآه في البيت ينقي العدس، و فاطمة عليها السلام جالسة عند القدر: «اسمع مني يا أبا الحسن، و ما أقول إلا من أمر ربي: ما من رجل يعين امرأته في بيتها، إلا كان له بكل شعرة على بدنه عبادة سنة صيام نهارها و قيام ليلها، و أعطاه اللّه من الثواب مثل ما أعطاه الصابرين و داود النبي و يعقوب و عيسى-عليهم السلام-يا علي، من كان في خدمة العيال في البيت و لم يأنف، كتب اللّه اسمه في ديوان الشهداء، و كتب له بكل يوم و ليلة ثواب ألف شهيد، و كتب له بكل قدم ثواب حجة و عمرة و أعطاه اللّه بكل عرق في جسده مدينة في الجنة. يا علي، ساعة في خدمة البيت خير من عبادة ألف سنة، و ألف حجة، و ألف عمرة، و خير من عتق ألف رقبة، و ألف غزوة، و ألف مريض عاده، و ألف جمعة، و ألف جنازة، و ألف جائع يشبعهم، و ألف عار يكسوهم، و ألف فرس يوجهه في سبيل اللّه، و خير له من ألف دينار يتصدق على المساكين، و خير له من أن يقرأ التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان، و من ألف أسيرة اشتراها فأعتقها، و خير له من ألف بدنة يعطى للمساكين، و لا يخرج من الدنيا حتى يرى مكانه في الجنة. يا علي، من لم يأنف من خدمة العيال دخل الجنة بغير حساب. يا علي، خدمة العيال كفارة للكبائر، و تطفئ غضب الرب، و مهور حور العين، و تزيد في الحسنات و الدرجات. يا علي، لا يخدم العيال إلا صديق أو شهيد، أو رجل يريد اللّه به خير الدنيا و الآخرة» (1) .

و قال السجاد عليه السلام: «أرضاكم عند اللّه أسبغكم على عياله»

____________

(1) صححنا الحديث على (جامع الأخبار) : الباب 8، الفصل 3، طبع بمبئي سنة 1338، و لم نعثر على الحديث في الكتب المعتبرة. إلا أنه في (مستدرك الوسائل) نقله عن (جامع الأخبار) نفسه في أبواب مقدمات التجارة: الباب 17.

147

و قال-عليه السلام-: «لئن ادخل السوق، و معي دراهم أبتاع لعيالي لحما، و قد قرموا (1) إليه، أحب إلي من أن أعتق نسمة» .

و قال الصادق عليه السلام: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعوله» .

و قال عليه السلام: «من سعادة الرجل أن يكون القيم على عياله» .

و قال الكاظم عليه السلام: «إن عيال الرجل أسراؤه، فمن أنعم اللّه عليه نعمة فليوسع على أسرائه، فإن لم يفعل أوشك أن تزول النعمة» .

و قال أبو الحسن الرضا عليه السلام: «ينبغي للرجل أن يوسع على عياله لئلا يتمنوا موته» .

و قال عليه السلام: «صاحب النعمة يجب عليه التوسعة على عياله» (2) .

و الأخبار الواردة في ثواب الإنفاق على العيال و خدمتهم و التوسع عليهم مما لا تعد كثرة. و ما ذكرناه كاف لإيقاظ أهل الاستبصار {h9~{h9فصل ما ينبغي في الإنفاق على العيال‏h9}~h9}

ينبغي لطالب الأجر و الثواب في إنفاق العيال: أن يقصد في كده و سعيه في تحصيل النفقة و في إنفاقه وجه اللّه و ثواب الآخرة، إذ لا ثواب بدون القربة، و أن يجتنب عن تحصيل الحرام و الشبهة، و لا يدخل على عياله إلا الحلال، إذ أخذ الحرام، و إنفاقه أعظم الذنوب و أشد المعاصي، و أن يقصد في التحصيل و الإنفاق، فليحترز عن الإقتار لئلا يضيع عياله

____________

(1) قال في (الوافي) : 6-288، باب التوسع على العيال، في شرح هذا الحديث: «القرم: شدة شهوة لللحم» .

(2) صححنا الأحاديث، ابتداء من الرواية عن السجاد، على (الوسائل) :

كتاب النكاح، أبواب النفقات، الباب 20 و 21.

148

و عن الإسراف لئلا يضيع عمره في طلب المال، فيكون من الخاسرين الهالكين. قال اللّه سبحانه:

وَ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا وَ لاََ تُسْرِفُوا (1) . و قال: وَ لاََ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ََ عُنُقِكَ وَ لاََ تَبْسُطْهََا كُلَّ اَلْبَسْطِ (2) .

و قال: وَ اَلَّذِينَ إِذََا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كََانَ بَيْنَ ذََلِكَ قَوََاماً (3) .

و عن الصادق-عليه السلام-: «أنه تلا هذه الآية: (وَ اَلَّذِينَ إِذََا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كََانَ بَيْنَ ذََلِكَ قَوََاماً) ، فأخذ قبضة من حصى و قبضها بيده، فقال: هذا الإقتار الذي ذكره اللّه في كتابه. ثم أخذ قبضة أخرى، فأرخى كفه كلها، ثم قال: هذا الإسراف. ثم أخذ قبضة أخرى، فأرخى بعضها و أمسك بعضها، و قال: هذا القوام» (4)

و ينبغي ألا يستأثر نفسه أو بعض عياله بمأكول طيب، و لا يطعم سائرهم منه، فإن ذلك يوغر الصدر و يبعد عن المعاشرة بالمعروف، إلا أن يضطر إليه، لمرض أو ضعف أو غير ذلك. و ينبغي ألا يصف عندهم طعاما ليس يريد إطعامهم إياه، و أن يقعد عياله كلهم على مائدة عند الأكل

____________

(1) الأعراف، الآية: 30.

(2) الإسراء، الآية: 29.

(3) الفرقان، الآية: 67.

(4) صححنا الحديث على (الوافي) : 6-296. باب فضل القصد بين الإسراف و التقتير.

149

فقد روى: «أن اللّه و ملائكته يصلون على أهل بيت يأكلون في جماعة» .

و أما الأمور المستحبة من الإنفاق، الداخلة تحت السخاء، فأولها:

صدقة التطوع‏

و فضلها عظيم، و فوائدها الدنيوية و الأخروية كثيرة.

قال رسول اللّه -صلى اللّه عليه و آله-: «تصدقوا و لو بتمرة، فإنها تسد من الجائع و تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «اتقوا النار و لو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة»

و قال صلى اللّه عليه و آله: «ما من عبد مسلم يتصدق بصدقة من كسب طيب، و لا يقبل اللّه إلا طيبا، إلا كان اللّه آخذها بيمينه، فيربيها له كما يربى أحدكم فصيله، حتى تبلغ التمرة مثل أحد» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «ما أحسن عبد الصدقة إلا أحسن اللّه عز و جل الخلافة على تركته» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «كل امرئ في ظل صدقته، حتى يقضي بين الناس»

و قال صلى اللّه عليه و آله: «أرض القيامة نار، ما خلا ظل المؤمن، فإن صدقته تظله» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «إن اللّه لا إله إلاّ هو، ليدفع بالصدقة الداء و الدبيلة، و الحرق و الغرق، و الهدم و الجنون ... »

و عد سبعين بابا من الشر.

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «صدقة السر تطفئ غضب الرب عز و جل» (1) .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إذا أطرقكم سائل ذكر بالليل فلا تردوه» .

و فائدة التخصيص بالذكر و الليل: أن من يسألك ليلا في صورة

____________

(1) الأخبار النبوية المذكورة في هذا الفصل أغلبها عامية صححناها على (إحياء العلوم) : ج 1 بيان فضيلة الصدقة.

150

الإنسان، يحتمل أن يكون ملكا أتاك للامتحان،

كما روى: «أنه سبحانه أوحى إلى موسى بن عمران عليه السلام، و قال: يا موسى، أكرم السائل ببذل يسير أو يرد جميل، إنه يأتيك من ليس بإنس و لا جان، بل ملائكة من ملائكة الرحمن، يبلونك فيما خولتك، و يسألونك فيما نولتك، فانظر كيف أنت صانع يا ابن عمران» .

و لذلك حث رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-على عدم رد السائل،

و قال: «أعط السائل و لو على ظهر فرس» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «لا تقطعوا على السائل مسألته فلو لا أن المساكين يكذبون ما أفلح من ردهم»

و قال الباقر-عليه السلام- «البر و الصدقة ينفيان الفقر، و يزيدان في العمر، و يدفعان عن صاحبهما سبعين ميتة سوء»

و قال الصادق-عليه السلام-: «داووا مرضاكم بالصدقة و ادفعوا البلاء بالدعاء، و استنزلوا الرزق بالصدقة، فإنها تفك من بين لحى سبعمائة شيطان، و ليس شي‏ء أثقل على الشيطان من الصدقة على المؤمن و هي تقع في يد الرب تعالى قبل أن تقع في يد العبد»

و قال-عليه السلام- «الصدقة باليد تقي ميتة السوء، و تدفع سبعين نوعا من البلاء، و تفك عن لحى سبعين شيطانا كلهم يأمره ألا يفعل» .

و قال-عليه السلام- «يستحب للمريض أن يعطى السائل بيده، و يأمره أن يدعو له» .

و قال عليه السلام: «باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطاها، و من تصدق بصدقة أول النهار دفع اللّه عنه شر ما ينزل من السماء في ذلك اليوم، فإن تصدق أول الليل دفع اللّه شر ما ينزل من السماء في تلك الليلة» .

و كان -عليه السلام-إذا أعتم-أي صلى العتمة-و ذهب من الليل شطره، أخذ جرابا فيه خبز و لحم و دراهم، فحمله على عنقه، ثم ذهب به إلى أهل الحاجة من أهل المدينة، فقسمه فيهم و لا يعرفونه، فلما مضى أبو عبد اللّه عليه السلام، فقدوا ذلك، فعلموا أنه كان أبا عبد اللّه-عليه‏

151

و سئل عليه السلام عن السائل يسأل و لا يدرى ما هو، فقال: «أعط من أوقع في قلبك الرحمة» .

و قال-عليه السلام- في السؤال: «أطعموا ثلاثة، و إن شئتم أن تزدادوا فازدادوا، و إلا فقد أديتم حق يومكم»

و قال-عليه السلام -في الرجل يعطى غيره الدراهم يقسمها، قال: «يجري له من الأجر مثل ما يجرى للمعطي، و لا ينقص من أجره شيئا. و لو أن المعروف جرى على سبعين يد، لأوجروا كلهم من غير أن ينقص من أجر صاحبه شي‏ء» .

و قد وردت أخبار كثيرة في فضل تصدق الماء و ثوابه،

قال أمير المؤمنين-عليه السلام-: «أول ما يبدأ به في الآخرة صدقة الماء يعنى في الأجر» .

و قال أبو جعفر-عليه السلام-: «إن اللّه تعالى يحب إيراد الكبد الحراء، و من سقى الماء كبدا حراء، من بهيمة و غيرها أظله اللّه في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله» .

و قال الصادق-عليه السلام- «من سقى الماء في موضع لا يوجد فيه الماء، كان كمن أعتق رقبة، و من سقى الماء في موضع لا يوجد فيه الماء، كان كمن أحيى نفسا، و من أحيى نفسا فكأنما أحيى الناس جميعا» .

(تنبيه) :

سئل رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «أي الصدقة أفضل؟قال: أن تتصدق و أنت صحيح، تأمل البقاء و تخشى الفاقة، و لا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا و لفلان كذا» .

{h9~{h9فصل فضيلة الإسرار في الصدقة المندوبةh9}~h9}

لا كلام في أن الإسرار في الصدقة المندوبة أفضل من إظهارها للمعطي في إعطائها، و يدل عليه‏

قول الصادق عليه السلام: «الصدقة في السر

152

و اللّه أفضل من الصدقة في العلانية» (1) .

و قوله-عليه السلام-: كلما فرض اللّه عليك فإعلانه أفضل من إسراره، و كلما كان تطوعا، فإسراره أفضل من إعلانه» .

و إنما الكلام في أن الأفضل للآخذ في أخذها أن يأخذها سرا أو علانية. فقيل الأفضل له أخذها سرا، لأنه أبقى للتعفف و ستر المروة، و أسلم لقلوب الناس و ألسنتهم من الحسد و سوء الظن و الغيبة. و عون للمعطي على العمل، و قد علمت أفضلية السر على الجهر في الإعطاء، و أصون لنفسه عن الإذلال و الإهانة، و أخلص من شوب شركة الحضار، فإن المستفاد من الأخبار:

أن الحضار شركاء من أهدى له في الهدية. و الظاهر أن الصدقة مثلها إذا كان الحضار من أهلها.

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «من أهدى له هدية و عنده قوم، فهم شركاؤه فيها» .

و قال الباقر عليه السلام «جلساء الرجل شركاؤه في الهدية» .

و قال-عليه السلام-: «إذا أهدى للرجل هدية من طعام، و عنده قوم، فهم شركاؤه في الهدية: الفاكهة أو غيرها» .

و قيل: الأفضل أخذها علانية، و التحدث بها، لتنقية الكبر و الرياء، و تلبيس الحال، و إيجابه الإخلاص و الصدق، و إقامة منة الشكر، و إسقاط الجاه و المنزلة، و إظهار العبودية و المسكنة، مع أن العارف ينبغي ألا ينظر إلا إلى اللّه، و السر و العلانية في حقه واحد، فاختلاف الحال شرك في التوحيد.

و الحق أن الحكم بأفضلية أحدهما على الإطلاق غير صحيح، إذ تختلف فضيلة كل منها باختلاف النيات، و تختلف النيات باختلاف الأحوال و الأشخاص

____________

(1) صححنا أغلب هذه الأخبار المروية عن أهل البيت-عليهم السلام-في هذا المقام على (الوافي) : 6-282، 284 باب فضل الصدقة و باب فضل صدقة السر.