جامع السعادات - ج2

- الشيخ محمد مهدي النراقي المزيد...
425 /
153

فينبغي لطالب السعادة أن يراقب نفسه، و يلاحظ حاله و وقته، و يرى أن أي الحالتين من السر و الجهر بالنظر إليه أقرب إلى الخلوص و القربة، و أبعد من الرياء و التلبيس و سائر الآفات، فيختار ذلك، و لا يتدلى بحبل الغرور، و لا ينخدع بتلبيس الطبع و مكر الشيطان. مثلا إذا كان طبعه مائلا إلى الإسرار و رأى أن باعث هذا الميل حفظ الجاه و المنزلة و خوف سقوط القدر من أعين الناس، و نظر الخلق إليه بعين الازدراء، و إلى المعطي كونه منعما محسنا إليه، أو خوف ألا يعطيه الناس بعد ذلك لعلمهم بما أخذه، فلينتقل عن الإسرار و يأخذها علانية، إذ لو أبقى نفسه على ما استكن فيها من الداء الدفين، و عمل بمقتضاها، صار هالكا و إن كان طبعه مائلا إلى الإسرار، و أيقن بأن باعث الميل إليه: إبقاء التعفف، و ستر المروة، و صيانة الناس عن الحسد، و سوء الظن و الغيبة، و لم يكن باعثه شي‏ء من المفاسد المذكورة، فالأولى أن يأخذها سرا.

و يعرف ذلك بأن يكون تألمه بانكشاف أخذه للصدقة كتألمه بانكشاف صدقة أخذها بعض أقرانه و إخوانه المؤمنين، فإنه إن كان طالبا لبقاء السر و إعانة المعطي على الاسرار، و صيانة العلم عن الابتذال، و حفظ الناس عن الحسد و الغيبة و سوء الظن، فينبغي أن يكون طالبا لها في صدقة أخيه أيضا، إذ يحصل ما يحذر منه: من هتك الستر، و ابتذال العلم، و وقوع الناس في الغيبة و الحسد بانكشاف صدقة أخيه أيضا. فإن كان انكشاف صدقته أثقل عليه من انكشاف صدقة غيره، فتقديره الحذر من هذه المعاني تلبيس من النفس و مكر من الشيطان. و إذا كان طبعه مائلا إلى الإظهار، و وجد منه أن باعث هذا الميل هو التطيب لقلب المعطي، و الاستحثاث له على مثله، و الإظهار للغير بأنه من المبالغين في الشكر، حتى يرغبوا في الإحسان إليه، فليتنبه أن هذا الداء من الداء الدفين الذي يهلكه لو لم يعالجه، فليترك‏

154

أخذها جهرا و التحدث بها، و ينتقل إلى الأخذ خفية. و إن تيقن من نفسه بأن الباعث هو إقامة السنة في الشكر، و التحدث بالنعمة، و إسقاط الجاه و المنزلة، و إظهار العبودية و المسكنة، أو غير ذلك من المقاصد الصحيحة من دون تطرق شي‏ء من المفاسد المذكورة، فالإظهار الأفضل، و يعرف ذلك بأن تميل نفسه إلى الشكر، حيث لا ينتهى الخبر إلى المعطي و لا إلى من يرغب في عطائه، و بين يدي جماعة يعلم أنهم يكرهون إظهار العطية و يرغبون في إخفائها، و عادتهم ألا يعطوها إلا من يخفيها و لا يتحدث بها و لا يشكر عليها. ثم إذا جزم بكون الباعث إقامة السنة في الشكر، فينبغي أن يغفل عن قضاء حق المعطي، فينظر أنه إن كان ممن يحب الشكر و النشر فيخفى الأخذ و لا يشكر، لأن قضاء حقه ألا ينصره على الإثم، و إن كان ممن لا يحب الشكر و لا يطلب النشر، فالأولى أن يشكره و يظهر صدقته.

و ينبغي لكل من يراعى قلبه أن يلاحظ هذه الدقائق و لا يهملها، إذ إعمال الجوارح مع إهمالها ضحكة للشيطان و شماتة له، لكثرة التعب فيها مع عدم تصور نفع لها، و العلم بهذه الدقائق و ملاحظتها هو العلم الذي ورد فيه أن تعلم مسألة واحدة منه أفضل من عبادة سنة، إذ بهذا العلم تحيي عبادة العمر، و بالجهل به تموت عبادة العمر.

{h9~{h9و ثانيها:

الهديةh9}~h9}

و هي ما يعطى و يرسل إلى أخيه المسلم، فقيرا كان أم غنيا، طلبا للاستيناس، و تأكيدا للصحبة و التودد. و هو مندوب إليه من الشرع، و مع سلامة القصد و النية يكون عبادة.

قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه‏

155

و آله-: «تحابوا تهادوا، فإنها تذهب بالضغائن.

و قال صلى اللّه عليه و آله-: «لو أهدى الي ذراع لقبلت» .

و قال أمير المؤمنين-عليه السلام-: «لأن أهدى لأخي المسلم هدية أحب إلي من أن أتصدق بمثلها»

و قال-عليه السلام-: «من تكرمة الرجل لأخيه المسلم، أن يقبل تحفته و أن يتحفه بما عنده، و لا يتكلف له شيئا» .

و ثالثها:

الضيافة

و ثوابها جزيل، و أجرها جميل، و فضلها عظيم، و ثمرها جسيم.

قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «لا خير فيمن لا يضيف» .

و مر-صلى اللّه عليه و آله-برجل له إبل و بقر كثير، فلم يضفه، و مر بأمرأة لها شويهات، فذبحت له، فقال-صلى اللّه عليه و آله- «انظروا إليهما، فإنما هذه الأخلاق بيد اللّه عز و جل، فمن شاء أن يمنحه خلقا حسنا فعل» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «الضيف إذا جاء فنزل بالقوم، جاء برزقه معه من السماء، فإذا أكل غفر اللّه لهم بنزوله» .

و قال: «ما من ضيف حل بقوم إلا و رزقه في حجره» .

و قال: «من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فليكرم ضيفه» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «لا تزال أمتي بخير: ما تحابوا، و أدوا، الأمانة، و اجتنبوا الحرام، و أقرءوا الضيف، و أقاموا الصلاة، و آتوا الزكاة، فإذا لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالقحط و السنين» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إذا أراد اللّه بقوم خيرا أهدى لهم هدية. قالوا: و ما تلك الهدية؟قال: الضيف ينزل برزقه، و يرتحل بذنوب أهل البيت» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «كل بيت لا يدخل فيه الضيف لا تدخله الملائكة» .

و قال-صلى اللّه‏

156

عليه و آله-: «الضيف دليل الجنة» .

و قال أمير المؤمنين عليه السلام: «ما من مؤمن يحب الضيف إلا و يقوم من قبره و وجهه كالقمر ليلة البدر فينظر أهل الجمع، فيقولون: ما هذا إلا نبي مرسل!فيقول ملك: هذا مؤمن يحب الضيف و يكرم الضيف، و لا سبيل له إلا أن يدخل الجنة»

و قال-عليه السلام-: «ما من مؤمن يسمع بهمس الضيف و فرح بذلك إلا غفرت له خطاياه، و إن كانت مطبقة بين السماء و الأرض» .

و بكى -عليه السلام-يوما، فقيل له: ما يبكيك؟قال: «لم يأتني ضيف منذ سبعة أيام، أخاف أن يكون اللّه قد أهانني» .

و عن محمد بن قيس عن أبي عبد اللّه-عليه السلام-، قال: «ذكر أصحابنا قوما، فقلت:

و اللّه ما أتغدى و لا أتعشى إلا و معي منهم اثنان أو ثلاثة أو أقل أو أكثر فقال-عليه السلام-: فضلهم عليك أكثر من فضلك عليهم. قلت:

جعلت فداك!كيف ذا و أنا أطعمهم طعامي، و أنفق عليهم من مالي، و يخدمهم خادمي؟فقال: إذا دخلوا عليك دخلوا من اللّه بالرزق الكثير، و إذا خرجوا خرجوا بالمغفرة لك» .

و كان إبراهيم الخليل-عليه السلام- إذا أراد أن يأكل، خرج ميلا أو ميلين يلتمس من يتغدى معه، و كان يكنى (أبا الضيفان) .

و جميع الأخبار الواردة في فضيلة إطعام المؤمن و سعيه تدل على فضيلة الضيافة،

كقوله-صلى اللّه عليه و آله- بعد سؤاله عن الحج المبرور:

«هو إطعام الطعام و طيب الكلام» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من أطعم ثلاثة نفر من المسلمين أطعمه اللّه من ثلاث جنان في ملكوت السماوات: الفردوس، و جنة عدن، و طوبى شجرة تخرج في جنة عدن غرسها ربنا بيده» .

و قول الصادق-عليه السلام-: «من أشبع مؤمنا وجبت له الجنة» .

و قوله-عليه السلام-: «من أطعم مؤمنا حتى يشبعه‏

157

لم يدر أحد من خلق اللّه ما له من الأجر في الآخرة، لا ملك مقرب و لا نبي مرسل، إلا اللّه رب العالمين» .

و سئل-صلى اللّه عليه و آله-:

«ما الإيمان؟فقال: إطعام الطعام» .

و قال: «إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، و باطنها من ظاهرها، يسكنها من أمتي من أطاب الكلام، و أطعم الطعام، و أفشى السلام، و صلى بالليل و الناس نيام» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من أحب الأعمال إلى اللّه تعالى:

إشباع جوعة المؤمن، و تنفيس كربته، و قضاء دينه» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إن اللّه يحب الإطعام في اللّه، و يجب الذي يطعم الطعام في اللّه، و البركة في بيته أسرع من الشفرة في سنام البعير» .

و قال -صلى اللّه عليه و آله-: «خيركم من أطعم الطعام» .

و قال (ص) : «من أطعم الطعام أخاه المؤمن حتى يشبعه، و سقاه حتى يرويه، بعده اللّه من النار سبع خنادق، ما بين كل خندقين مسيرة خمسمائة عام» .

و في الخبر: «أن اللّه تعالى يقول للعبد في القيامة: يا ابن آدم، خفت فلم تطعمني. فيقول: كيف أطعمك و أنت رب العالمين؟فيقول: جاع أخوك فلم تطعمه، و لو أطعمته كنت أطعمتني» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من سقى مؤمنا من ظمإ، سقاه اللّه من الرحيق المختوم»

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من سقى مؤمنا شربة من ماء من حيث يقدر على الماء، أعطاه اللّه بكل شربة سبعين ألف حسنة، و إن سقاه من حيث لا يقدر على الماء، فكأنما أعتق عشر رقاب من ولد إسماعيل» (1) .

____________

(1) صححنا أحاديث هذا الفصل على (البحار) : 4 مج 15-110، باب إطعام المؤمن و 242، 244. باب آداب الضيف. و على (الكافي) : باب إطعام المؤمن. و على (الوسائل) : في آداب المائدة من كتاب الأطعمة و الأشربة.

158

{h9~{h9فصل ما ينبغي أن يقصد بالضيافةh9}~h9}

ينبغي أن يقصد في ضيافته التقرب إلى اللّه، و التسنن بسنة رسول اللّه و استمالة قلوب الإخوان، و إدخال السرور على قلوب المؤمنين، و لا يقصد به الرياء و المفاخرة و المباهاة، و إلا ضاع عمله، و أن يدعو الفقراء و الأتقياء و إن كان في ضيافة الأغنياء و مطلق الناس فضيلة أيضا. و ينبغي ألا يهمل في ضيافتة الأقارب و الجيران، إذ إهمالهم قطع رحم و إيحاش، و ألا يدعو من يعلم أنه تشق عليه الإجابة. و ينبغي أن يعجل في إحضار الطعام لأنه من إكرام الضيف،

و قد ورد: «أن العجلة من الشيطان، إلا في خمسة أشياء، فإنها من سنة رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-:

إطعام الضيف، و تجهيز البيت، و تزويج البكر، و قضاء الدين، و التوبة من الذنوب» .

و أن يحضر من الطعام قدر الكفاية، إذ التقليل عنه نقص في المروة، و الزيادة عليه تضييع، و أن يسعى في إكرام الضيف: من طلاقة الوجه، و طيب الكلام معه عند دخوله و خروجه و على المائدة، و الخروج معه إلى باب الدار إذا خرج،

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «إن من سنة الضيف أن يشيعه إلى باب الدار» .

و مما ينبغي له ألا يستخدم الضيف،

قال الباقر-عليه السلام-: «من الجفاء استخدام الضيف» .

و كان عند الرضا-عليه السلام-ضيف، فكان يوما في بعض الحوائج، فنهاه عن ذلك، و قام بنفسه إلى تلك الحاجة، و قال:

«نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله عن أن يستخدم الضيف» .

159

{h9~{h9فصل آداب الضيافةh9}~h9}

ينبغي لكل مؤمن أن يجيب دعوة أخيه إلى الضيافة، من غير أن يفرق بين الغني و الفقير، بل يكون أسرع إجابة إلى دعوة الفقير، و ألا يمنعه بعد المسافة عن الإجابة إذا أمكن احتمالها عادة.

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله «أوصى الشاهد من أمتي و الغائب، أن يجيب دعوة المسلم و لو على خمسة أميال، و لا يمنعه صوم التطوع عن الإجابة، بل يحضر، فإن علم سرور أخيه بالإفطار فليفطر، و يحتسب في إفطاره أفضل ما يحتسب في صومه»

و قال الصادق-عليه السلام-: «من دخل على أخيه و هو صائم، فأفطر عنده و لم يعلمه بصومه فيمن عليه، كتب اللّه له صوم سنة، و إن علم أنه متكلف و لا يسر بإفطاره فليتعلل» .

و ينبغي ألا يقصد بالإجابة قضاء شهوة البطن، ليدخل عمله في أمور الدنيا، بل ينوى الاقتداء بسنة رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله- و إكرام أخيه المؤمن، ليكون في عمله مطيعا للّه مثابا في الآخرة، و أن يحترز عن الإجابة إذا كان الداعي من الظلمة أو الفساق، أو كانت ضيافته للفخر و المباهاة، و من كان طعامه حراما أو شبهة، أو لم يكن موضعه أو بساطه المفروش حلالا، أو كان في الموضع شي‏ء من المنكرات كاناء فضة، أو تصوير حيوان على سقف أو حائط، أو أحد آلات اللهو من المزامير و أمثالها، أو التشاغل بشي‏ء من اللهو و اللعب و الهزل، فكل ذلك مما يمنع الإجابة، و يوجب تحريمها أو كراهيتها.

قال الصادق -عليه السلام-: «لا ينبغي للمؤمن أن يجلس مجلسا يعصى اللّه تعالى‏

160

فيه و لا يقدر على تغييره. و من ابتلى بحضور طعام ظالم إكراها و تقية، فليقلل الأكل، و لا يأكل أطايب الأطعمة.

و ينبغي للضيف-أيضا-إذا دخل الدار ألا يصدر، و لا يقصد أحسن الأماكن، بل يتواضع و يرضى بالدون من المجلس، و إن أشار إليه صاحب الدار بموضع فلا يخالفه و يجلس فيه، و إن أشار إليه بعض الضيفان بالارتفاع أو الانحطاط، و ألا يجلس في مقابلة باب حجرة النسوان، و لا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام، فإنه دليل الشره و خسة النفس، و أن يخص بالتحية و السلام أولا من يقرب منه.

و ينبغي لمن دعي إلى الضيافة ألا يطول الانتظار عليهم، و لا يعجل بحيث يفاجئهم قيل تمام الاستعداد.

و رابعها:

الحق المعلوم و حق الحصاد و الجذاذ

و المراد من الأول: ما يعرضه الرجل و يقدره في ماله، من قليل أو كثير، غير الصدقات الواجبة، يعطيه محتاجا أو يصل به رحمه. و المراد بالثاني: ما يعطى به إلى الفقراء من الضغث بعد الضغث: أي القبضة بعد القبضة من الزرع يوم حصاده، و من الحفنة بعد الحفنة: أي مل‏ء الكف من التمر أو الحنطة أو غيرهما من الثمار و الفواكه و الحبوبات عند قطعها و تصفيتها. و هذان النوعان من الإنفاق معدودان في صدقة التطوع، و قد وردت بخصوصهما أخبار كثيرة لشدة استحبابهما.

قال الصادق عليه السلام: «إن اللّه فرض للفقراء في أموال الأغنياء فريضة لا يحمدون إلا بأدائها و هي الزكاة، بها حقنوا دماءهم، و بها سموا مسلمين، و لكن اللّه تعالى فرض في أموال الأغنياء حقوقا غير الزكاة، فقال اللّه تعالى:

161

وَ اَلَّذِينَ فِي أَمْوََالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (1) .

و الحق المعلوم غير الزكاة، و هو شي‏ء يفرضه الرجل على نفسه في ماله، يجب عليه أن يفرضه على قدر طاقته و سعة ماله، فيؤدى الذي فرض على نفسه إن شاء كل يوم جمعة، و إن شاء في كل شهر» (2) .

و قال-عليه السلام-: «الحق المعلوم ليس من الزكاة، هو الشي‏ء تخرجه من مالك، إن شئت كل جمعة، و إن شئت كل شهر، و لكل ذي فضل فضله، و قول اللّه تعالى: (وَ إِنْ تُخْفُوهََا وَ تُؤْتُوهَا اَلْفُقَرََاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) ، فليس من الزكاة، و الماعون ليس من الزكاة، و هو المعروف تصنعه و القرض تقرضه و متاع البيت تعيره، و صلة قرابتك ليس من الزكاة و قال اللّه تعالى: وَ اَلَّذِينَ فِي أَمْوََالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ، فالحق المعلوم غير الزكاة، و هو شي‏ء يفرضه الرجل على نفسه أنه في ماله و نفسه، و يجب له أن يفرضه على قدر طاقته و وسعه» (3) .

و قال-عليه السلام-: «و إن عليكم في أموالكم غير الزكاة. فقلت: أصلحك اللّه، و ما علينا في أموالنا غير الزكاة؟فقال: سبحان اللّه!أ ما تسمع قول اللّه تعالى؟ يقول في كتابه:

وَ اَلَّذِينَ فِي أَمْوََالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ `لِلسََّائِلِ وَ اَلْمَحْرُومِ (4)

____________

(1) المعارج، الآية: 24.

(2) صححنا الحديث على (الوافي) : 6-281، باب جملة ما يجب في المال من الحقوق.

(3) نفس المصدر: باب جملة ما يجب فيه الزكاة (الوسائل) : 2-7، باب الحقوق في المال سوى الزكاة.

(4) المعارج، الآية: 24، 25.

162

قال: قلت: فما ذا الحق المعلوم الذي علينا؟قال: هو و اللّه الشي‏ء يعلمه الرجل في ماله، يعطيه في اليوم أو في الجمعة أو الشهر، قل أو كثر غير أنه يدوم عليه» (1) .

و قال-عليه السلام -في قول اللّه تعالى:

فِي أَمْوََالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، `لِلسََّائِلِ وَ اَلْمَحْرُومِ ) : «هو الرجل يؤتيه اللّه الثروة من المال، فيخرج منه الألف و الألفين و الثلاثة آلاف و الأقل و الأكثر، فيصل به رحمه، و يحمل به الكل عن قومه» .

و قال (ع) «في الزرع حقان: حق تؤخذ به، و حق تعطيه. قلت: و ما الذي أؤخذ به و ما الذي أعطيه؟قال: أما الذي تؤخذ به، فالعشر و نصف العشر، و أما الذي تعطيه، فقول اللّه:

وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصََادِهِ (2) .

يعني من حصدك الشي‏ء ثم الشي‏ء-و لا أعلمه إلا قال الضغث ثم الضغث-حتى تفرغ» (3) .

و قال-عليه السلام-: «لا تصرم بالليل و لا تحصد بالليل، و لا تضح بالليل، و لا تهذر بالليل. فإنك إن فعلت ذلك لم يأتك القانع و المعتر. فقلت: و ما القانع و المعتر؟فقال: القانع الذي يقنع بما أعطيته، و المعتر: الذي يمر بك فيسألك. و إن حصدت بالليل لم يأتك السؤال، و هو قول اللّه تعالى: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصََادِهِ عند الحصاد، يعني القبضة بعد القبضة إذا حصدته، فإذا خرج فالحفنة

____________

(1) صححنا الحديث على (الوافي) : 6-281، باب جملة ما يجب في المال من الحقوق و على (الوسائل) : 2-7، باب جملة ما يجب فيه الزكاة.

(2) الأنعام، الآية: 141.

(3) صححنا الحديث على (الوافي) : 6-282. و على (فروع الكافي) :

كتاب الزكاة، باب الحصاد و الجذاذ. و كذا ما بعده.

163

بعد الحفنة، و كذلك عند الصرام، و كذلك عند البذر. و لا تبذر باليل لأنك تعطي من البذر كما تعطي من الحصاد» .

و قال الباقر-عليه السلام- في قول اللّه تعالى‏ وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصََادِهِ : «هذا من الصدقة، يعطي المسكين القبضة بعد القبضة، و من الجذاذ الحفنة بعد الحفنة، حتى يفرغ»

و في مضمون هذه الأخبار أخبار كثيرة أخر.

و خامسها:

القرض‏

و هو أيضا من ثمرات السخاء، لأن السخي تسمح نفسه بأن يقرض أخاه المحتاج بعض أمواله إلى حين استطاعته، كما تسمح نفسه بأن يبذل عليه أصل ماله، و البخيل يشق عليه ذلك. و ثواب القرض عظيم، و فضله جسيم.

قال الباقر-عليه السلام-: «من أقرض رجلا قرضا إلى ميسرة كان ماله في زكاة، و كان هو في الصلاة مع الملائكة حتى يقبضه» .

و قال الصادق-عليه السلام-: «مكتوب على باب الجنة: الصدقة بعشرة، و القرض بثمانية عشر» .

و قال عليه السلام: «ما من مؤمن أقرض مؤمنا يلتمس به وجه اللّه، إلا حسب اللّه له أجره بحساب الصدقة، حتى يرجع ماله إليه، يعنى أعطاه اللّه في كل آن أجر صدقة، ذلك لأن له قضاءه في كل آن، فلما لم يفعل فكأنما أعطاه ثانيا و ثالثا و هلم جرا، إلى أن يقبضه»

و قال عليه السلام: «لا تمانعوا قرض الخمير و الخبز و اقتباس النار، فإنه يجلب الرزق على أهل البيت مع ما فيه من مكارم الأخلاق» .

و قال: «لا تمانعوا قرض الخمير و الخبز، فإن منعهما يورث الفقر» (1)

____________

(1) صححنا الأحاديث الواردة في هذا المقام على (الوافي) : 6-292، باب القرض.

164

و سادسها:

إنظار المعسر و التحليل‏

و هو أيضا من أفراد البذل المترتب على السخاء، و قد ورد في فضله أخبار كثيرة،

قال الصادق-عليه السلام-: «من أراد أن يظله اللّه يوم لا ظل إلا ظله، فلينظر معسرا، أو يدع له من حقه» .

و قال عليه السلام: «إن رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-قال في يوم حار -و حنا كفه-: من أحب أن يستظل من فور جهنم؟-قالها ثلاث مرات-فقال الناس في كل مرة: نحن يا رسول اللّه. فقال: من أنظر غريما أو ترك المعسر» .

و قال عليه السلام-: «صعد رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-المنبر ذات يوم، فحمد اللّه و أثنى عليه، و صلى على أنبيائه ثم قال: أيها الناس، ليبلغ الشاهد الغائب منكم، ألا و من أنظر معسرا كان له على اللّه في كل يوم ثواب صدقة بمثل ماله، حتى يستوفيه» .

و قيل له-عليه السلام-: «إن لعبد الرحمن بن سبابة دينا على رجل قد مات، و قد كلمناه أن يحلله فأبى، فقال: ويحه!أ ما يعلم أن له بكل درهم عشرة إذا حلله، و إن لم يحلله فإنما هو درهم بدرهم؟» (1)

و في معناها أخبار كثيرة آخر.

____________

(1) صححنا جميع الأحاديث الواردة في هذا المقام على (الوافي) : 6-292 باب إنظار المعسر و التحليل، و على (فروع الكافي) : باب إنظار المعسر، كتاب الزكاة.

165

و سابعها:

بذل الكسوة و السكنى و نحوهما

غير ما ذكر من وجوه الإعانة بالمسلم، كبذل الكسوة و السكنى، و حمله على الدابة، و إعطائه الماعون، و إعارته المتاع و سائر ما يحتاج إليه، و اطراق الفحل و غير ذلك، فإن جميع ذلك من ثمرات السخاء، و منعهما من نتايج البخل. و في كل واحد منها فضيلة و ثواب، و ورد في فضيلة كل منها أخبار.

و مما يدل على مدح كسوة المؤمن،

قول الباقر-عليه السلام-: «لإن أحج حجة أحب إلي من أعتق رقبة و رقبة و رقبة (حتى انتهى إلى عشرة) ، و مثلها و مثلها (حتى انتهى إلى سبعين) . و لإن أعول أهل بيت من المسلمين، أشبع جوعتهم، و أكسو عورتهم، و أكف وجوههم عن الناس، أحب إلي من أن أحج حجة و حجة (حتى انتهى إلى عشر) و عشر مثلها و مثلها (حتى انتهى إلى سبعين) » (1) .

و قال الصادق عليه السلام: «من كسا أخاه كسوة شتاء أو صيف، كان حقا على اللّه أن يكسوه من ثياب الجنة، و أن يهون عليه من سكرات الموت، و أن يوسع عليه في قبره، و أن يلقى الملائكة إذا خرج من قبره بالبشرى، و هو قول اللّه عز و جل في كتابه:

وَ تَتَلَقََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ هََذََا يَوْمُكُمُ اَلَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (2)

و قال: «من كسا أحدا من فقراء المسلمين ثوبا من عرى، أو أعانه

____________

(1) صححنا الحديث على (الوافي) : 6-282، باب فضل الصدقة.

(2) الأنبياء، الآية: 103.

166

بشي‏ء مما يقويه على معيشته، وكل اللّه عز و جل به سبعة آلاف ملك من الملائكة، يستغفرون لكل ذنب عمله، إلى أن ينفخ في الصور» (1) .

و ثامنها:

ما يبذل لوقاية العرض و النفس‏

ما يبذل لوقاية العرض، و حفظ الحرمة، و رفع شر الأشرار و ظلم الظلمة. فإن السخي لا يقصر في شي‏ء من ذلك، و البخيل ربما منع بخله عن ذلك، فيهتك عرضه و يذهب حرمته. و في بعض الأخبار دلالة على أن البذل لذلك صدقة. و تقدم أن ما وقى المرء به عرضه فهو له صدقة و كذا بذل ما نقتضيه المروة و العادة من ثمرات الجود و السخاء، و من منعه كان بخيلا.

و تاسعها:

ما ينفق في المنافع العامة

و الخيرات الجارية، من بناء المساجد و المدارس و الربط و القناطير، و إجراء القنوات، و أمثال ذلك مما يبقى أثره على مر الدهور، و يصل نفعه و ثوابه إلى صاحبه في كل وقت إلى يوم النشور. و لا يخفى ثواب ذلك. و الأخبار الواردة في مدحه و فضيلته أكثر من أن تحصى، و لا حاجة إلى ذكرها لاشتهارها بين الناس.

____________

(1) صححنا الأحاديث الواردة في هذا المقام على (الكافي) : باب من كسا مؤمنا.

167
تنبيه الفرق بين الإنفاق و البر و المعروف‏

اعلم أن لفظ الإنفاق و المعروف و البر يتناول جميع ما تقدم من الإنفاقات الواجبة و المستحبة. و الفرق بينها: أن الإنفاق خاص بالمال، و المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة اللّه و التقرب إليه و الإحسان إلى الناس، و كل ما ندب إليه الشرع من فعل و ترك، و هو من الصفات الغالبة، أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه، و الغالب في الأخبار إرادة ما يتعلق بالمال من معانيه. و البر كالمعروف في شموله لجميع أعمال الخير في الأصل، و انصراف إطلاقه غالبا في الأخبار إلى ما يتعلق بالمال من وجوه الإنفاقات المتقدمة بأسرها، و ربما خص بما سوى الصدقة منها، لما ورد أن البر و الصدقة ينفيان الفقر و يزيدان في العمر. و الظاهر أن مبنى الخبر على ذكر الخاص بعد العام، فلا وجه للتخصيص. ثم الصدقة تتناول جميع ما تقدم من وجوه الإنفاق، سوى المروة. و على أي تقدير، لا ريب في أن ما ورد من الآيات و الأخبار في فضيلة مطلق الإنفاق و المعروف و البر يدل على فضيلة كل واحد مما تقدم من وجوه الإنفاق، كقوله سبحانه:

أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا كَسَبْتُمْ وَ مِمََّا أَخْرَجْنََا لَكُمْ (1) .

و قوله: وَ مََا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَ مََا تُنْفِقُونَ إِلاَّ اِبْتِغََاءَ وَجْهِ اَللََّهِ وَ مََا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ

____________

(1) البقرة، الآية: 267.

168

لاََ تُظْلَمُونَ (1) . و قوله: وَ آتَى اَلْمََالَ عَلى‏ََ حُبِّهِ ذَوِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ اَلْيَتََامى‏ََ... الآية (2) . و قوله: قُلْ مََا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوََالِدَيْنِ وَ اَلْأَقْرَبِينَ... (3) . و قوله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمََّا رَزَقْنََاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاََ بَيْعٌ فِيهِ وَ لاََ خُلَّةٌ وَ لاََ شَفََاعَةٌ (4) . و قوله: مَثَلُ اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنََابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ... الآية (5) . و قوله: اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ ثُمَّ لاََ يُتْبِعُونَ مََا أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لاََ أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ (6) .

و قول رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «أول من يدخل الجنة المعروف و أهله، و أول من يرد علي الحوض» .

و قوله-صلى اللّه عليه و آله-: «إن البركة أسرع إلى البيت الذي يمتار فيه المعروف من الشفرة في سنام الجزور، أو من السيل إلى منتهاه» .

و قول الباقر-عليه السلام-:

____________

(1) البقرة، الآية: 272.

(2) البقرة، الآية: 176.

(3) البقرة، الآية: 215.

(4) البقرة، الآية: 254.

(5) البقرة، الآية: 261.

(6) البقرة، الآية: 262.

169

«إن من أحب عباد اللّه إلى اللّه، لمن حبب إليه المعروف و حبب إليه فعاله»

و قول الصادق عليه السلام: «إن من بقاء المسلمين و بقاء الإسلام أن تصير الأموال عند من يعرف فيها الحق و يصنع المعروف، و إن من فناء الإسلام و فناء المسلمين أن تصير الأموال في أيدي من لا يعرف فيها الحق و لا يصنع فيها المعروف»

و قوله-عليه السلام-: «رأيت المعروف كاسمه، و ليس شي‏ء أفضل من المعروف إلا ثوابه» .

و قوله عليه السلام مخاطبا لزرارة «ثلاثة إن تعلمهن المؤمن كانت زيادة في عمره و بقاء لنعمه عليه. فقلت و ما هن؟فقال: تطويله في ركوعه و سجوده في صلاته، و تطويله لجلوسه على طعامه إذا أطعم على مائدته، و اصطناعه المعروف إلى أهله» .

و قوله عليه السلام: «أقيلوا لأهل المعروف عثراتهم، و اغفروا لهم، فإن كف اللّه عليهم هكذا-و أومأ بيده كأنه يظلل بها شيئا» .

و قوله-عليه السلام-: «صنائع المعروف تقى مصارع السوء» .

و قال عليه السلام: «إن للجنة بابا يقال له المعروف، لا يدخله إلا أهل المعروف. و أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة» :

يعني كما أنهم يصنعون المعروف في الدنيا كذلك يصنعونه في الآخرة، يهبون حسناتكم لمن شاؤا،

كما قال الصادق عليه السلام في خبر آخر: «يقال لهم في الآخرة: إن ذنوبكم قد غفرت لكم، فهبوا حسناتكم لمن شئتم و ادخلوا الجنة» .

و قال عليه السلام: «قال أصحاب رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: يا رسول اللّه فداك آباؤنا و أمهاتنا!إن أصحاب المعروف في الدنيا عرفوا بمعروفهم، فبم يعرفون في الآخرة؟فقال-صلى اللّه عليه و آله-: إن اللّه إذا أدخل أهل الجنة الجنة، أمر ريحا عبقة طيبة فلصقت بأهل المعروف، فلا يمر أحد منهم بملإ من أهل الجنة إلا وجدوا ريحه، فقالوا: هذا من أهل‏

170

المعروف» (1) .

و منها-أي من رذائل القوة الشهوية-:

طلب الحرام‏

و عدم الاجتناب عنه. و لا ريب في كونه مترتبا على حب الدنيا و الحرص عليها، و هو أعظم المهلكات، به هلك أكثر من هلك، و جل الناس حرموا عن السعادة لأجله، و منعوا عن توفيق الوصول إلى اللّه بسببه. و من تأمل يعلم أن أكل الحرام أعظم الحجب للعبد من نيل درجة الأبرار، و أقوى الموانع له عن الوصول إلى عالم الأنوار، و هو موجب لظلمة القلب و كدرته، و هو الباعث لخبثه و غفلته، و هو العلة العظمى لخسران النفس و هلاكها، و هو السبب الأقوى لضلالتها و خباثتها، هو الذي أنساها عهود الحمى، و هو الذي أ هواها في مهاوي الضلالة و الردى و ما للقلب المتكون من الحرام و الاستعداد لفيوضات عالم القدس!و أنى للنطفة الحاصلة منه و الوصول إلى مراتب الأنس!و كيف يدخل النور و الضياء في قلب أظلمته أدخنة المحرمات؟!و كيف تحصل الطهارة و الصفاء لنفس اخبثتها قذرات المشتبهات؟! و لأمر ما حذر عنه أصحاب الشرع و أمناء الوحي غاية التحذير، و زجروا منه أشد الزجر،

قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «إن للّه ملكا على بيت المقدس، ينادي كل ليلة: من أكل حراما لم يقبل منه صرف و لا عدل» :

أي لا نافلة و لا فريضة.

و قال-صلى اللّه

____________

(1) صححنا الأحاديث الواردة هنا على (الوافي) : 6-289-290. و على (الوسائل) : كتاب الأمر بالمعروف، أبواب فعل المعروف، الباب 1-6.

171

عليه و آله-: «من لم يبال من أين اكتسب المال، لم يبال اللّه من أين أدخله النار» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله- «من أصاب ما لا من مأثم، فوصل به رحما أو تصدق به أو أنفقه في سبيل اللّه، جمع اللّه ذلك جمعا، ثم أدخله في النار» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله: «إن أخوف ما أخاف على أمتي من بعدي هذه المكاسب الحرام، و الشهوة الخفية، و الربا» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من اكتسب مالا من الحرام فإن تصدق به لم يقبل منه، و إن تركه وراءه كان زاده إلى النار» (1) .

و قال الصادق-عليه السلام-: «إذا اكتسب الرجل مالا من غير حله ثم حج فلبى، نودي: لا لبيك و لا سعديك!و إن كان من حله، نودي لبيك و سعديك!» (2) .

و قال-عليه السلام-: «كسب الحرام يبين في الذرية» .

و قال-عليه السلام- في قوله تعالى:

وَ قَدِمْنََا إِلى‏ََ مََا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنََاهُ هَبََاءً مَنْثُوراً (3)

«إن كانت أعمالهم أشد بياضا من القباطي، فيقول اللّه عز و جل

____________

(1) هذه النبويات-عدا الخامس-مذكورة في (إحياء العلوم) : 2-81، و صححناها عليه. أما الخامس، فقد رواه في (الوسائل) عن (الكافي) : كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب منه، الباب 1، الحديث 1.

(2) صححنا الحديث على (الوسائل) : كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، باب عدم جواز الإنفاق من الكسب الحرام، الحديث 3. و في نسخ (جامع السعادات) : «إذا كسب» .

(3) الفرقان، الآية: 23.

172

لها: كوني هباء. و ذلك أنهم كانوا إذا شرع لهم الحرام أخذوه» (1)

و قال الكاظم-عليه السلام-: «إن الحرام لا ينمي، و إن نمى لم يبارك فيه، و إن أنفقه لم يؤجر عليه، و ما خلفه كان زاده إلى النار» .

و في بعض الأخبار: «أن العبد ليوقف عند الميزان، و له من الحسنات أمثال الجبال، فيسأل عن رعاية عياله و القيام بهم، و عن ماله من أين اكتسبه و فيم أنفقه، حتى تفنى تلك المطالبات كل أعماله، فلا تبقى له حسنة.

فتنادي الملائكة: هذا الذي أكل عياله حسناته في الدنيا، و ارتهن اليوم بأعماله»

و ورد: «أن أهل الرجل و أولاده يتعلقون به يوم القيامة، فيوقفونه بين يدي اللّه تعالى، و يقولون: يا ربنا، خذ لنا، بحقنا منه، فإنه ما علمنا ما نجهل، و كان يطعمنا من الحرام و نحن لا نعلم. فيقتص لهم منه» (2) .

فصل عزة تحصيل الحلال‏

ينبغي لطالب النجاة أن يفر من الحرام فراره من الأسد، و يحترز منه احترازه من الحية السوداء، بل أشد. و أنى يمكنه ذلك في أمثال زماننا الذي لم يبق فيه من الحلال إلا الماء الفرات و الحشيش النابت في أرض الموات، و ما عداه قد أخبثته الأيدي العادية، و أفسدته المعاملات الفاسدة

____________

(1) صححنا الحديث على (الوسائل) : كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به الباب 1، الحديث 6. و كذا ما قبله في هذا الباب، الحديث 3.

(2) هذان الخبران الأخيران لم نعثر لهما على مستند. و قد ذكرهما في (إحياء العلوم) : 3-30، فقال عن الأول: «و في الخبر» ، و عن الثاني: «و يقال» .

173

ما من درهم إلا و قد غصب من أهله مرة بعد أولى، و ما من دينار إلا و قد خرج من أيدي من أخذه قهرا كرة غب أولى، جل المياه و الأراضي من أهلها مغصوبة، و أنى يمكن القطع بحلية الأقوات و أكثر المواشي و الحيوانات من أهلها منهوبة، فأنى يتأتى الجزم بحلية اللحوم و الألبان و الدسوم. فهيهات ذلك هيهات!ما من تاجر إلا و معاملته مع الظالمين، و ما من ذي عمل إلا و هو مخالط للجائرين من عمال السلاطين.

و بالجملة: الحلال في أمثال زماننا مفقود، و السبيل دون الوصول إليه مسدود. و لعمري!أن فقده آفة عم في الدين ضررها، و نار استطار في الخلق شررها. و الظاهر أن أكثر الأعصار كان حالها كذلك،

و لذلك قال الإمام جعفر بن محمد الصادق-عليهما السلام-: «المؤمن يأكل في الدنيا بمنزلة المضطر» .

و قال رجل للكاظم-عليه السلام-: «ادع اللّه جل و عز أن يرزقني الحلال، فقال: أ تدري ما الحلال؟قال: الكسب الطيب. فقال: كان علي بن الحسين-عليهما السلام-يقول: الحلال قوت المصطفين. و لكن قل: أسألك من رزقك الواسع» .

و مع ذلك كله، لا ينبغي للمؤمن أن ييأس من تحصيل الحلال، و يترك الفرق و الفصل بين الأموال، فإن اللّه سبحانه أجل و أعظم من أن يكلف عباده بأكل الحلال و يسد عنهم طريق تحصيله.

فصل أنواع الأموال‏

اعلم أن الأموال على أقسام ثلاثة: حلال بين، و حرام بين، و شبهات بينهما. و لكل منها درجات، فإن الحرام و إن كان كله خبيثا،

174

إلا أن بعضه أخبث من بعض، فإن ما يؤخذ بالمعاملة الفاسدة مع التراضي ليس في الحرمة كمال اليتيم الذي يؤخذ قهرا. و كذا الحلال و إن كان كله طيبا، إلا أن بعضه أطيب من بعض. و الشبهة كلها مكروهة، و لكن بعضها أشد كراهة من بعض. و كما أن الطبيب يحكم على كل حلو بالحرارة و لكن يقول بعضه حار في الدرجة الأولى، و بعضه في الثانية، و بعضه في الثالثة، و بعضه في الرابعة، فكذلك الحرام بعضه خبيث في الدرجة الأولى و بعضه في الثانية، و بعضه في الثالثة، و بعضه في الرابعة، و كذلك درجات الحلال في الصفاء و الطيبة، و درجات الشبهة في الكراهة.

ثم الحرام إما يحرم لعينه، كالكلب و الخنزير و التراب و غيرها من المحرمات العينية، أو لصفة حادثة فيه، كالخمر لإسكاره، و الطعام المسموم لسميته، أو لخلل في جهة إثبات اليد عليه. و له أقسام غير محصورة، كالمأخوذ بالظلم و القهر و الغصب و السرقة و الخيانة في الأمانة و غيرها، و الغش و التلبيس و الرشوة، و بالبخس في الوزن و الكيل، و بإحدى المعاملات الفاسدة من الربا و الصرف و الاحتكار، و غير ذلك مما هو مذكور في كتب الفقه و قد نهى اللّه سبحانه عن جميع ذلك في آيات كثيرة، كقوله تعالى:

وَ لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبََاطِلِ (1) . و قوله:

إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلْيَتََامى‏ََ ظُلْماً... (2) . و عن خصوص الربا بقوله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ ذَرُوا

____________

(1) البقرة، الآية: 188.

(2) النساء، الآية: 9.

175

مََا بَقِيَ مِنَ اَلرِّبََا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، ثم قال: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ ، ثم قال: وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوََالِكُمْ (1) ، ثم قال: وَ مَنْ عََادَ فَأُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ (2) .

جعل أكل الربا في أول الأمر مؤديا إلى محاربة اللّه، و في آخره متعرضا للنار. و قد ورد الذم الشديد على كل واحد منها بخصوصه في أخبار كثيرة، و هي في كتب الأخبار و الفقه مذكورة، و تفصيل جميع المحرمات موكول إلى كتب الفقه، و ليس هنا موضع بيانه، فليرجع فيه إلى كتب الفقهاء.

الفرق بين الرشوة و الهدية

و ربما يتوهم الاشتباه في بعض الموارد بين الرشوة و الهدية، فلنشر إلى جلية الحال فيهما، فنقول: ههنا صور:

الأولى-أن يسلم أو يرسل مالا إلى بعض الإخوان طلبا للاستئناس و تأكيدا للصحبة و التودد. و قد عرفت كونه هدية و حلالا، سواء قصد به الثواب في الآخرة و التقرب إلى اللّه تعالى أيضا، أ و لم يقصد به الثواب بل قصد مجرد الاستئناس و التودد.

الثانية-أن يقصد بالبذل عوض مالي معين في العاجل، كأن يهدى

____________

(1) البقرة، الآية: 278-279.

(2) البقرة، الآية: 275.

176

الفقير إلى الغني أو الغني إلى الغني شيئا طمعا في عوض أكثر أو مساو من ماله.

و هذا أيضا نوع هدية، و حقيقته ترجع إلى هبة بشرط العوض، و إذا و في بما (يطمع فيه) (1) من العوض فلا ريب في حليته.

قال الصادق عليه السلام: «الربا رباءان: ربا يؤكل، و ربا لا يؤكل فأما الذي يؤكل فهديتك إلى الرجل تطلب منه الثواب أفضل منها، فذلك الربا الذي يؤكل و هو قول اللّه تعالى:

وَ مََا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوََالِ اَلنََّاسِ فَلاََ يَرْبُوا عِنْدَ اَللََّهِ (2) .

و أما الذي لا يؤكل، فهو الذي نهى اللّه عز و جل عنه، و أوعد عليه النار»

(3)

و عنه-عليه السلام-: «قال: قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله- الهدية على ثلاثة وجوه: هدية مكافأة، و هدية مصانعة، و هدية للّه عز و جل»

(4) . و في بعض الأخبار نوع إشعار بالحل، و إن لم يتحقق الوفاء بما (بطمع فيه) (5) من العوض،

كخبر إسحاق بن عمار عن الصادق-عليه السلام-: «قال: قلت له عليه السلام: الرجل

____________

(1) في النسخ: «يطعمه» ، فرجحنا ما أثبتناه.

(2) الروم، الآية: 39.

(3) صححناه على (الوسائل) : كتاب التجارة، أبواب الربا، الباب 3، الحديث 1.

(4) صححناه على (الوسائل) : كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 119، الحديث 2.

(5) في النسخ: (يطعمه) .

177

الفقير يهدى الي الهدية، يتعرض لما عندي، فآخذها و لا أعطيه شيئا أ يحل لي؟قال نعم!هي لك حلال، و لكن لا تدع أن تعطيه» (1)

و هل يحل مع إعطائه العوض المطموع فيه إذا لم يكن من ماله، بل كان من الأموال التي أعطته الناس ليصرف إلى الفقراء من الزكوات و الأخماس و سائر وجوه البر، و الظاهر الحل إذا كان المهدي من أهل الاستحقاق و المهدي له معطيا إياه، و إن لم يكن ليهدى له شيئا. و فيه تأمل، كما يظهر بعد ذلك.

الثالثة-أن يقصد به الإعانة بعمل معين، كالمحتاج إلى السلطان أو ذي شوكة يهدي إلى وكيلهما، أو من له مكانة عندهما، فينظر إلى ذلك العمل، فإن كان حراما، كالسعي في تنجز إدرار حرام أو ظلم إنسان أو غير ذلك، أو واجبا، كدفع ظلم أو استخلاص حق ينحصر الدفع و الاستخلاص به، أو شهادة معينة، أو حكم شرعي يجب عليه، أو أمثال ذلك، فهو رشوة محرمة يحرم أخذها، و إن كان العمل مباحا لا حراما و لا واجبا. فإن كان فيه تعب، بحيث جاز الاستئجار عليه، فما يأخذه حلال و جار مجرى الجعالة، كأن يقول: أوصل هذه الفضة إلى السلطان و لك دينار. أو اقترح على فلان أن يعينني على كذا أو يعطيني كذا، و توقف تنجز غرضه على تعب أو كلام طويل، فما يأخذه في جميع ذلك مباح، إذا كان الغرض مشروعا مباحا، و هو مثل ما يأخذه وكيل القاضي للخصومة بين يديه، بشرط ألا يتعدى من الحق. و إن لم يكن العمل مما فيه تعب بل كان مثل كلمة أو فعلة لا تعب فيها أصلا، و لكن كانت تلك الكلمة أو تلك الفعلة من مثله مفيدة، لكونه ذا منزلة، كقوله للبواب لا تغلق دونه باب السلطان، فقال بعض العلماء: الآخذ على هذا حرام، إذ لم

____________

(1) صححناه على (الوسائل) : كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 119، الحديث 2.

178

يثبت في الشرع جواز ذلك. و يقرب من هذا أخذ الطبيب العوض على كلمة واحدة ينبه بها على دواء يتفرد بمعرفته. و فيه نظر، إذ الظاهر جواز هذا الأخذ مع مشروعية الغرض و عدم كونه واجبا عليه.

الرابعة-أن يطلب به حصول التودد و المحبة، و لكن لا من حيث إنه تودد فقط، بل ليتوصل بجاهه إلى أغراض ينحصر جنسها و إن لم ينحصر عينها، و كان بحيث لو لا جاهه لكان لا يهدى إليه، فإن كان جاهه لأجل علم أورع أو نسب فالأمر فيه أخف، و الظاهر كون الأخذ حينئذ مكروها، لأنه هدية في الظاهر مع كونه مشابها للرشوة. و إن كان لأجل ولاية تولاها، من قضاء أو حكومة أو ولاية صدقة أو وقف أو جباية مال أو غير ذلك من الإعمال السلطانية، فالظاهر كون ما يأخذه حراما لو كان بحيث لا يهدى إليه لو لا تلك الولاية، لأنه رشوة عرضت في معرض الهدية، إذ القصد بها في الحال طلب التقرب و المحبة، و لكن لأمر ينحصر في جنسه، لظهور أن ما يمكن التوصل إليه بالولايات ما ذا،

قال رسول اللّه -صلى اللّه عليه و آله-: «يأتي على الناس زمان يستحل فيه السحت بالهدية، و القتل بالموعظة، يقتل البري‏ء لتوعظ به العامة» .

و روى: «أنه صلى اللّه عليه و آله بعث واليا على صدقات الأزد، فلما جاء أمسك بعض ما معه، و قال: هذا لكم و هذا لي هدية. فقال-صلى اللّه عليه و آله-: ألا جلست في بيت أبيك و بيت أمك حتى تأتيك هدية إن كنت صادقا!ثم قال: ما لي استعمل الرجل منكم، فيقول: هذه لكم و هذه هدية لي، ألا جلس في بيت أمه ليهدى له!و الذي نفسي بيده! لا يأخذ منكم أحد شيئا بغير حقه إلا أتى اللّه بحمله، و لا يأتين أحدكم يوم القيامة ببعير له رغاء، أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر... ثم رفع يديه‏

179

حتى رأوا بياض إبطيه، و قال: اللهم هل بلغت؟» (1) .

و على هذا، فينبغي لكل وال أو حاكم و قاض و غيرهم من عمال السلاطين، أن يقدر نفسه في بيت أبيه و أمه معزولا بلا شغل، فما كان يعطى حينئذ يجوز له أن يأخذه في ولايته أيضا، و ما لا يعطى مع عزله و يعطى لولايته يحرم أخذه، و ما أشكل عليه من عطايا أصدقائه فهو شبهة و طريق الاحتياط فيها واضح.

وصل الورع عن الحرام‏

ضد عدم الاجتناب عن الحرام التنزه و الاحتياط عنه، و هو الورع بأحد إطلاقيه، فإن الورع قد يفسر بملكة التنزه و الاجتناب عن مال الحرام أكلا و طلبا و أخذا و استعمالا، و قد يفسر بكف النفس عن مطلق المعاصي و منعها عما لا ينبغي. فعلى الأول يكون ضدا لعدم الاجتناب عن المال الحرام، و يكون من رذائل قوة الشهوة، و على الثاني يكون ضدا للملكة الولوع على مطلق المعصية، و يكون من رذائل القوة الغضبية و الشهوية جميعا.

ثم الظاهر أن التقوى مرادفة للورع، فإن لها أيضا تفسيرين: أحدهما الاتقاء عن الأموال المحرمة، و قد أطلقت التقوى في بعض الأخبار على هذا المعنى. و ثانيهما: ملكة الاتقاء عن مطلق المعاصي، خوفا من سخط اللّه و طلبا لرضاه. فعلى الأول يكون ضدا لعدم التنزه عن المال الحرام و رذيلة

____________

(1) صححنا هذين النبويين على ما في (إحياء العلوم) : 2-137.

180

لقوة الشهوة، و على الثاني يكون ضدا لملكة ارتكاب المعاصي و رذيلة للقوتين معا.

ثم اللازم على طريقتنا أن يذكر الورع و التقوى بالتفسير الأول هنا و بالتفسير الثاني في المقام الرابع الذي نذكر فيه ما يتعلق بالقوتين أو بالثلاث من الرذائل و الفضائل. إلا أنا نذكر ما ورد في فضيلتهما هنا، لدلالة ما ورد في فضيلتهما بالتفسير الثاني على فضيلتهما بالتفسير الأول أيضا، و لعدم فائدة في استئناف عنوان على حدة لمطلق المعصية و ذكر ما ورد في ذمها، ثم تذييلها بضدها الذي هو الورع و التقوى بتفسيريهما العام. إذ بعد ذكر جميع الأجناس و الأنواع و الأصناف من المعاصي و الطاعات، بأحكامها و لوازمها و ذمها و مدحها، لا فائدة لاستئناف ذكر مطلق المعصية أو الطاعة إذ لا يتعلق بهما غرض سوى ذكر ما ورد في ذم مطلق المعصية، و ما ورد في مدح مطلق الطاعة، و هذا أمر ظاهر لا حاجة إليه في كتب الأخلاق.

نعم، نشير إلى مطلق العصيان و ضده، أعني الورع و التقوى بالمعنى الأعم إجمالا، ضبطا للأنواع و الأقسام.

فصل مدح الورع‏

الورع و التقوى عن الحرام أعظم المنجيات، و عمدة ما ينال به إلى السعادات و رفع الدرجات.

قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «خير دينكم الورع» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من لقى اللّه سبحانه ورعا، أعطاه اللّه ثواب الإسلام كله» .

و في بعض الكتب السماوية «و أما الورعون، فإني أستحيي أن أحاسبهم» .

و قال الباقر-عليه السلام-:

181

«إن أشد العبادة الورع» .

و قال-عليه السلام-: «ما شيعتنا إلا من أتقى اللّه و أطاعه، فاتقوا اللّه و اعملوا لما عند اللّه، ليس بين اللّه و بين أحد قرابة. أحب العباد إلى اللّه تعالى و أكرمهم عليه أبقاهم و أعملهم بطاعته»

و قال الصادق-عليه السلام-: «أوصيك بتقوى اللّه و الورع و الاجتهاد و اعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه» .

و قال: «اتقوا اللّه و صونوا دينكم بالورع» .

و قال عليه السلام-: «عليكم بالورع، فإنه لا ينال ما عند اللّه إلا بالورع» .

و قال-عليه السلام-: «إن اللّه ضمن لمن اتقاه، أن يحوله عما يكره إلى ما يحب، و يرزقه من حيث لا يحتسب» .

و قال-عليه السلام-: «إن قليل العمل مع التقوى خير من كثير بلا تقوى» .

و قال عليه السلام: «ما نقل اللّه عبدا من ذل المعاصي إلى عز التقوى، إلا أغناه من غير مال، و أعزه من غير عشيرة، و آنسه من غير بشر» .

و قال -عليه السلام-: «إنما أصحابي من اشتد ورعه، و عمل لخالقه، و رجا ثوابه، هؤلاء أصحابي» .

و قال عليه السلام-: «ألا و إن من اتباع أمرنا و إرادته الورع، فتزينوا به يرحمكم اللّه، و كيدوا أعداءنا ينعشكم اللّه» .

و قال-عليه السلام-: «أعينونا بالورع، فإن من لقى اللّه تعالى منكم بالورع، كان له عند اللّه فرجا. إن اللّه عز و جل يقول:

وَ مَنْ يُطِعِ اَللََّهَ وَ اَلرَّسُولَ فَأُولََئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ وَ اَلشُّهَدََاءِ وَ اَلصََّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولََئِكَ رَفِيقاً (1) .

____________

(1) النساء، الآية: 68.

182

فمنا النبي، و منا الصديق و الشهداء و الصالحون»

و قال أبو جعفر -عليه السلام-: «قال اللّه عز و جل. يا بن آدم، اجتنب ما حرم عليك تكن من أورع الناس» .

و سئل الصادق-عليه السلام-عن الورع من الناس، فقال: «الذي يتورع عن محارم اللّه عز و جل» (1) .

و لكون طلب الحرام و عدم الاجتناب عنه باعثا للهلاك، و توقف النجاة و السعادة في الآخرة على الورع عن المحرمات، مع افتقار الناس في الدنيا إلى المطاعم و الملابس، ورد في فضيلة كسب الحلال و مدحه‏

ما ورد قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «طلب الحلال فريضة على كل مسلم و مسلمة» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من بات كالا من طلب الحلال، بات مغفورا له» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «العبادة سبعون جزءا، أفضلها طلب الحلال» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: العبادة عشرة أجزائه في طلب الحلال» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من أكل من كد يده، مر على الصراط كالبرق الخاطف» ،

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من أكل من كد يده، نظر اللّه إليه بالرحمة، ثم لا يعذبه أبدا» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من أكل من كد يده حلالا، فتح اللّه له أبواب الجنة، يدخل من أيها شاء»

و قال صلى اللّه عليه و آله: «من أكل من كد يده، كان يوم القيامة في عداد الأنبياء، و يأخذ ثواب الأنبياء» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من طلب الدنيا استعفافا عن الناس و سعيا على أهله و تعطفا على جاره

____________

(1) صححنا الأحاديث الواردة في هذا الفصل على الكافي باب الطاعة و التقوى و باب الورع. و على (البحار) : 2 مج 15-96-89 باب الطاعة و التقوى، و باب الورع و اجتناب الشبهات.

183

لقى اللّه عز و جل يوم القيامة و وجهه كالقمر ليلة البدر» (1)

و كان -صلى اللّه عليه و آله-إذا نظر إلى الرجل و أعجبه، قال: «هل له حرفة؟فان قال: لا، قال: سقط من عيني. قيل: و كيف ذاك يا رسول اللّه؟قال: لأن المؤمن إذا لم تكن له حرفة يعيش بدينه» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من سعى على عياله من حله، فهو كالمجاهد في سبيل اللّه» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من طلب الدنيا حلالا في عفاف، كان في درجة الشهداء»

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من أكل الحلال أربعين يوما، نور اللّه قلبه، و أجرى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه» .

و طلب منه-صلى اللّه عليه و آله-بعض الصحابة أن يجعله اللّه تعالى مستجاب الدعوة، فقال له: «أطب طعمتك تستجب دعوتك» .

و قال الصادق عليه السلام-: «اقرؤا من لقيتم من أصحابكم السلام، و قولوا لهم: إن فلان بن فلان يقرؤكم السلام، و قولوا لهم: عليكم بتقوى اللّه عز و جل، و ما ينال به ما عند اللّه، إني و اللّه ما آمركم إلا بما نأمر به أنفسنا، فعليكم بالجد و الاجتهاد، و إذا صليتم الصبح و انصرفتم، فبكروا في طلب الرزق، و اطلبوا الحلال، فإن اللّه عز و جل سيرزقكم و يعينكم عليه» (2)

____________

(1) صححنا أكثر الأحاديث المذكورة هنا على الوسائل: كتاب التجارة، أبواب مقدماتها، الباب 4. و على فروع الكافي: كتاب المعيشة، باب الحث على الطلب و التعرض للرزق.

(2) صححنا الحديث على الوسائل: كتاب التجارة، في الباب المتقدم،

184
فصل مداخل الحلال‏

اعلم أن مداخل الحلال خمسة:

الأول-ما لا يؤخذ من مالك، كنيل المعادن، و إحياء الموات، و الاصطياد، و الاحتطاب، و الاحتشاش، و الاستقاء من الشطوط و الأنهار و هذا حلال بشرط عدم صيرورته مختصا بذي حرمة من الناس، و تفصيل ذلك موكول إلى كتاب إحياء الموات.

الثاني-ما يؤخذ قهرا ممن لا حرمة له، و هو الفي‏ء، و الغنيمة، و سائر أموال الكفار المحاربين. و ذلك حلال للمسلمين بالشروط المقررة في كتاب الغنائم و الجزية.

الثالث-ما ينتقل إليه بالرضى من غير عوض، من حي أو ميت، كالهبة، و الميراث، و الوصية، و الصدقات. و هذا حلال بشرط أن يكون المنقول منه اكتسبه من مداخل الحلال، و يضمن سائر الشروط المقررة في كتاب الهبات و الفرائض و الوصايا و الصدقات.

الرابع-ما يؤخذ تراضيا بمعاوضة، و ذلك حلال بالشرائط و الآداب المقررة في فن المعاملات من الفقه، من البيع، و السلم، و الإجارة، و الصلح و الشركة، و المضاربة، و المزارعة، و المساقاة، و الحوالة، و الضمان، و الكتابة، و الخلع، و الصداق، و غير ذلك من المعاوضات.

الخامس-ما يحصل من الزراعة و منافع الحيوانات. و هو حلال إذا كان الأرض و البذر و الماء و الحيوانات حلالا بأحد الوجوه المتقدمة.

فهذه مداخل الحلال، فينبغي لطالب النجاة أن يكون ما يكتسبه‏

185

من المال من أحد هذه المداخل، بعد فتوى الفقيه العدل بحصول شرائط الحلية.

فصل درجات الورع‏

قسم بعض العلماء الورع و التقوى عن الحرام على أربع درجات:

الأولى-ورع العدول: و هو الاجتناب عن كل ما يلزم الفسق باقتحامه، و تسقط به العدالة، و يثبت به العصيان و التعرض للنار، و هو الورع عن كل ما يحرمه فتوى المجتهدين.

الثانية-ورع الصالحين: و هو الاجتناب من الشبهات أيضا.

الثالثة-الورع عما يخاف أداؤه إلى محرم أو شبهة أيضا، و إن لم يكن في نفسه حراما و لا شبهة، فهو ترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس.

الرابعة-ورع الصديقين: و هو الاجتناب عن كل ما ليس للّه، و يتناول لغير اللّه، و غير نيته التقوى على عبادته و إن كان حلالا صرفا لا يخاف أداؤه إلى حرام أو شبهة. و الصديقون الذين هذه درجتهم هم الموحدون المتجردون عن حظوظ أنفسهم، المتفردون للّه تعالى بالقصد، الراؤن كل ما ليس للّه تعالى حراما، العاملون بقوله سبحانه:

قُلِ اَللََّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (1) .

____________

(1) الإنعام، الآية: 91.

186
تتميم‏

قال الصادق-عليه السلام-: «التقوى على ثلاثة أوجه: تقوى من خوف النار و العقاب، و هو ترك الحرام، و هو تقوى العام. و تقوى من اللّه، و هو ترك الشبهات فضلا عن الحرام، و هو تقوى الخاص.

و تقوى في اللّه، و هو ترك الحلال فضلا عن الشبهة» (1)

و إلى هذه المراتب الثلاث أشير في الكتاب الإلهي بقوله:

لَيْسَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ جُنََاحٌ فِيمََا طَعِمُوا إِذََا مَا اِتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ ثُمَّ اِتَّقَوْا وَ آمَنُوا ثُمَّ اِتَّقَوْا وَ أَحْسَنُوا وَ اَللََّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ (2) .

الغدر و الخيانة

في المال أو العرض أو الجاه. و يدخل تحته الذهاب بحقوق الناس خفية، و حبسها من غير عسر، و بالبخس في الوزن و الكيل، و بالغش بما يخفى، و غير ذلك من التدليسات المموهة و التلبيسات المحرمة. و جميع

____________

(1) هذا مقتبس من (مصباح الشريعة) : الباب 83 و فيه تقديم و تأخير في مراتب التقوى عما هنا و لم يتبين لنا وجه صحة التعبير: تقوى العام و تقوى الخاص فأثبتناه كما وجدناه.

(2) المائدة، الآية: 96.

187

ذلك من خباثة القوة الشهوية، و رذائلها، و من الرذائل المهلكة و خبائثها.

و قد وردت في ذم الخيانة و بأقسامها أخبار كثيرة، و جميع ما يدل على ذم الذهاب بحقوق الناس و أخذ أموالهم بدون رضاهم يدل على ذمها.

و ضد الخيانة (الأمانة) ، و قد وردت في مدحها و عظم فوائدها أخبار كثيرة،

كقول الصادق-عليه السلام-: «إن اللّه عز و جل لم يبعث نبيا إلا بصدق الحديث و أداء الأمانة إلى البر و الفاجر»

و قوله-عليه السلام-: «لا تغتروا بصلاتهم و لا بصيامهم، فإن الرجل ربما لهج بالصلاة و الصوم حتى لو تركه استوحش، و لكن اختبروهم بصدق الحديث و أداء الأمانة» (1)

و قوله-عليه السلام-: «انظر ما بلغ به علي عليه السلام عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فالزمه، فإن عليا-عليه السلام-إنما بلغ ما بلغ به عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بصدق الحديث و أداء الأمانة» (2)

و قوله-عليه السلام-: «ثلاث لا عذر فيها لأحد: أداء الأمانة إلى البر و الفاجر، و الوفاء بالعهد إلى البر و الفاجر، و بر الوالدين، برين كانا أو فاجرين» (3) .

____________

(1) في نسخ جامع السعادات و البحار و الوسائل: «عند صدق الحديث... » و رجحنا نسخة الكافي.

(2) صححنا هذه الأحاديث الثلاثة على البحار: 2 مج 15-123-124 باب الصدق و لزوم أداء الأمانة، و على الكافي: باب الصدق و أداء الأمانة، و على الوسائل: كتاب الوديعة الباب 1.

(3) روى في الكافي باب بر الوالدين-: هذا الحديث عن أبي جعفر -عليه السلام-و جاء فيه: «ثلاث لم يجعل اللّه عز و جل لأحد فيهن رخصة... » و لكن في الوسائل-كتاب الوديعة الباب 2 الطبعة الحجرية-رواه عن الكافي كما في المتن.

188

و قوله-عليه السلام-: «كان أبي يقول أربع من كن فيه كمل إيمانه، و إن كان من قرنه إلى قدمه ذنوبا لم ينقصه ذلك، و هي: الصدق، و أداء الأمانة، و الحياء، و حسن الخلق» (1) .

و قوله-عليه السلام-: «أهل الأرض مرحومون ما يخافون و أدوا الأمانة و عملوا بالحق» .

و قيل له عليه السلام: «إن امرأة بالمدينة كان الناس يضعون عندها الجواري فيصلحن، و مع ذلك ما رأينا مثل ما صب عليها من الرزق. فقال: إنها صدقت الحديث و أدت الأمانة، و ذلك يجلب الرزق» (2)

و الأخبار في فضيلة الأمانة كثيرة.

و لقد قال لقمان: «ما بلغت إلى ما بلغت إليه من الحكمة، إلا بصدق الحديث و أداء الأمانة» .

فمن تأمل في ذم الخيانة و إيجابها الفضيحة و العار في الدنيا و العذاب و النار في الآخرة، و في فضيلة الأمانة و أدائها إلى خير الدنيا و سعادة الآخرة، سهل عليه ترك الخيانة و الاتصاف بالأمانة.

أنواع الفجور

من الزنا، و اللواط، و شرب الخمر، و الاشتغال بالملاهي، و استعمال آلاتها، من العود، و المزمار، و الرباب، و الدف، و أمثالها. فإن كل ذلك من رذائل القوة الشهوية. و كذا لبس الذهب و الحرير للرجال. و قد وردت في ذم كل واحد منهما بخصوصه أخبار كثيرة، و لا حاجة إلى ذكرها، لشيوعها و اشتهارها.

____________

(1) روى في الكافي باب حسن الخلق-هذا الحديث عن الصادق-عليه السلام-، و ليس فيه: «كان أبي يقول» .

(2) صححنا الحديث على الوسائل: كتاب الوديعة، الباب 1 و هو يرويه عن الكافي.

189

و منها:

الخوض في الباطل‏

و هو التكلم في المعاصي و الفجور و حكايتها، كحكايات أحوال النساء و مجالس الخمر، و مقامات الفساق، و تنعم الأغنياء، و تجبر الملوك و مراسمهم المذمومة و أحوالهم المكروهة، و أمثال ذلك. فكل ذلك من رداءة القوة الشهوية و خباثتها.

ثم لما كانت أنواع الباطل غير محصورة لكثرتها، فالخوض فيه أيضا كذلك، و تكون له أنواع غير متناهية، و لا يفتح باب كلام إلا و ينتهي إلى واحد منها، فلا خلاص منه إلا باقتصار الكلام على قدر الحاجة من مهمات الدين و الدنيا. و ربما وقعت من الرجل من أنواع الخوض في الباطل كلمة تهلكه و هو مستحقر لها، فإن أكثر الخوض في الباطل حرام،

و لذا قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «أعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل» .

و إليه الإشارة بقوله تعالى.

وَ كُنََّا نَخُوضُ مَعَ اَلْخََائِضِينَ (1) . و قوله تعالى: فَلاََ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتََّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ (2) .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من

____________

(1) المدثر، الآية: 45.

(2) النساء، الآية: 139.

190

رضوان اللّه، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب اللّه له بها رضوانه إلى يوم القيامة. و إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط اللّه ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب اللّه عليه بها سخطه إلى يوم القيامة» (1)

و قال سلمان الفارسي-رضي اللّه عنه-: «أكثر الناس ذنوبا يوم القيامة، أكثرهم كلاما في معصية اللّه» .

و كان رجل من الأنصار يمر على مجلس الخائضين في الباطل، فيقول لهم: «توضئوا، فإن بعض ما تقولون شر من الحدث» ثم الخوض في الباطل هو ذكر محظورات سبق وجودها بمجرد شهوة النفس، من دون حاجة داعية إليه، فلا مدخلية له بمثل الغيبة و النميمة و الفحش و المراء و الجدال و أمثالها، و يدخل فيه الخوض في حكايات البدع و المذاهب الفاسدة، فإن الحديث عنها خوض في الباطل، و ورد النهي عنه‏

و منها:

التكلم بما لا يعني أو بالفضول‏

و المراد بالأول: التكلم بما لا فائدة فيه أصلا، لا في الدين و لا في الدنيا، و الثاني-أعني فضول الكلام-: أعم منه، إذ يتناول الخوض في ما لا يعني و الزيادة في ما يعني على قدر الحاجة. فإن من يعنيه أمر و يتمكن من تقريره و تأديته و تأدية مقصوده بكلمة واحدة، و مع ذلك ذكر كلمتين فالثانية فضول، أي فضل على الحاجة، و لا ريب في أن التكلم بما لا يعني و بالفضول مذموم، و إن لم يكن فيه إثم، و هو ناش عن رداءة القوة الشهوية، إذ الباعث عليه ليس إلا مجرد تشهى النفس و هواها.

____________

(1) صححناه على كنز العمال: 2-112.

191

و السر في ذمه: أنه يوجب تضييع الوقت، و المنع من الذكر و الفكر و ربما يبني لأجل تهليله أو تسبيحه قصر في الجنة، و ربما ينفح من نفحات رحمة اللّه عند الفكرة ما يعظم جدواه، فمن قدر على أن يأخذ كنزا من الكنوز، فأخذ بدله مدرة لا ينتفع بها، كان خاسرا. فمن ترك ذكر اللّه و الفكر في عجائب قدرته، و اشتغل بمباح لا يعنيه، و إن لم يأثم، إلا أنه قد خسر، حيث فاته الربح العظيم بذكر اللّه و فكره. فإن رأس مال العبد أوقاته، و مهما صرفها إلى ما لا يعنيه، و لم يدخر بها ثوابا في الآخرة، فقد ضيع رأس ماله. على أن الغالب تأدية الخوض في ما لا يعني و في الفضول إلى الخوض في الباطل، و ربما أدى إلى الكذب بالزيادة و النقصان. و لذا ورد في ذمه ما ورد،

و قد روى: «أنه استشهد يوم أحد غلام من أصحاب النبي-صلى اللّه عليه و آله-، و وجد على بطنه حجر مربوط من الجوع فمسحت أمه التراب عن وجهه، و قالت: هنيئا لك الجنة يا بني!فقال النبي-صلى اللّه عليه و آله-: و ما يدريك؟لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه و يمنع ما لا يضره؟» .

و ورد أيضا: «أن رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-قال لبعض أصحابه-و هو مريض-: ابشر. فقالت أمه: هنيئا لك الجنة!فقال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: و ما يدريك؟لعله قال ما لا يعنيه أو منع ما يعنيه؟» : يعني إنما تتهنأ الجنة لمن لا يحاسب و من يتكلم فيما لا يعنيه حوسب عليه، و إن كان كلامه مباحا، فلا تتهنأ له الجنة مع المناقشة في الحساب، فإنه نوع من العذاب.

و روى: «أنه تكلم رجل عند النبي-صلى اللّه عليه و آله و سلم-: فأكثر، فقال له النبي كم دون لسانك من حجاب؟فقال: شفتاي و أسناني. فقال: أ فما كان في ذلك ما يرد كلامك؟» .

و في رواية أخرى: «أنه قال ذلك في رجل أثنى عليه، فاستهتر في الكلام، ثم قال: ما أوتي رجل شرا من

192

فضل في لسانه» .

و روي: «أنه قدم رهط من بني عامر على رسول اللّه -صلى اللّه عليه و آله-، فشرعوا بالمدح و الثناء عليه. فقال-صلى اللّه عليه و آله-: قولوا قولكم، و لا يستهوينكم الشيطان! (1) .

و مراده -صلى اللّه عليه و آله-: أن اللسان إذا أطلق الثناء، و لو بالصدق، فيخشى أن يستهويه الشيطان إلى الزيادة المستغنى عنها. و قال بعض الصحابة «إن الرجل ليكلمني بالكلام و جوابه أشهى الي من الماء البارد على الظمآن فاتركه خيفة أن يكون فضولا» . و قال بعض الأكابر: «من كثر كلامه كثر كذبه» . و قال بعضهم: «يهلك الناس في خصلتين: فضول المال و فضول الكلام» .

فصل حد التكلم بما لا يعنى‏

التكلم بما لا يعني و بالفضول لا تنحصر أنواعه و أقسامه، لعدم تناهيها، و إنما حده أن تتكلم بما لو سكتّ عنه لم تأثم، و لم تتضرر في شي‏ء مما يتعلق بك، و لم يعطل شي‏ء من أمورك. مثاله: أن تحكى مع قوم أسفارك و ما رأيت فيها من جبال و أنهار، و ما وقع لك من الوقايع، و ما استحسنته من الأطعمة و الثياب، و ما تعجبت منه من مشايخ البلاد و وقائعهم. فهذه أمور لو سكت عنها لم تأثم و لم تتضرر، و لا يتصور فيها فائدة دينية و لا دنيوية لأحد، فإذا بالغت في الاجتهاد حتى لا تمتزج بحكايتك زيادة و نقصان و لا تزكية نفس من حيث التفاخر بمشاهدة الأحوال العظيمة، و لا اغتياب

____________

(1) صححنا أحاديث الباب كلها على (احياء العلوم) : 3-93-99، و على (كنز العمال) : 2-130، 184.

193

شخص و لا مذمة شي‏ء مما خلقه اللّه، فإنك مع ذلك كله مضيع وقتك.

ثم كما أن التكلم بما لا يعنيك مذموم، كذلك سؤالك غيرك عما لا يعنيك مذموم، بل هو أشد ذما، لأنك بالسؤال مضيع وقتك، و قد ألجأت أيضا صاحبك بالجواب إلى تضييع وقته. و هذا إذا كان الشي‏ء مما لا يتطرق إلى السؤال عنه آفة، و لو كان في جوابه آفة-كما هو الشأن في أكثر الأسئلة عما لا يعنيك-كنت آثما عاصيا. مثلا: لو سألت غيرك عن عبادته، فتقول: هل أنت صائم؟فان قال: نعم، كان مظهرا عبادته فيدخل عليه الرياء، و إن لم يدخل الرياء سقطت عبادته-على الأقل- من دون عبادة السر، و عبادة السر تفضل عبادة الجهر بدرجات، و إن قال: لا، كان كاذبا، و إن سكت، كان مستحقرا إياك و تأذيت به، و إن احتال لمدافعة الجواب افتقر إلى تعب و جهد فيه. فقد عرضته بالسؤال إما للرياء و الكذب، أو للاستحقار، أو التعب في حيلة الدفع.

و كذلك سؤالك عن كل ما يخفى و يستحيي من إظهاره، أو عما يحتمل أن يكون في إظهاره مانع، كان يحدث به أحد غيرك، فتسأله و تقول:

ما ذا تقول؟و فيم أنتم؟و كأن ترى إنسانا في الطريق فتقول: من أين إذ ربما يمنع مانع من إظهار مقصوده. و من هذا القبيل سؤالك غيرك:

لم أنت ضعيف؟أو ما هذا الضعف أو الهزال الذي حدث بك؟أو أي مرض فيك؟و أمثال ذلك. و أشد من ذلك أن تخوف مريضا بشدة مرضه و تقول: ما أشد مرضك و ما أسوأ حالك!فإن جميع ذلك و أمثالها، مع كونها من فضول الكلام و الخوض في ما لا يعني، يتضمن إثما و إيذاء. و ليس من مجرد التكلم بما لا يعني و الفضول، و إنما مجرد ما لا يعني ما لا يتصور فيه إيذاء و كسر خاطر و استحياء من الجواب،

كما روى: «أن لقمان دخل على داود عليه السلام و هو يسرد الدرع، و لم يكن يراها قبل ذلك‏

194

فجعل يتعجب مما يرى. فأراد أن يسأله عن ذلك فمنعته الحكمة، فأمسك نفسه و لم يسأله. فلما فرغ داود، قام و لبسها، و قال: نعم الدرع للحرب فقال لقمان: الصمت حكم و قليل فاعله» .

و هذا و أمثاله من الأسئلة إذا لم يكن فيه ضرر و هتك ستر و إيقاع في رياء أو كذب، فهو مما لا يعنى، و تركه من حسن الإسلام.

فصل علاج الخوض فيما لا يعني‏

سبب الخوض في ما لا يعني و في فضول الكلام: إما الحرص على معرفة ما لا حاجة إليه، أو المباسطة بالكلام على سبيل التودد، أو ترجية الوقت بحكايات أحوال لا فائدة فيها، و كل ذلك من رداءة قوة الشهوة.

و علاج ذلك من حيث العلم: أن يتذكر ذمه كما مر، و مدح ضده، أعني الصمت، و تركه-كما يأتي-و يعلم أن الموت بين يديه، و أنه مسئول عن كل كلمة، و أن أنفاسه رأس ماله، و أن لسانه شبكة يقدر على أن يقتنص بها الحور العين، فإهماله و تضييعه خسران، و من حيث العمل أن يعتزل عن الناس مهما أمكن، و يلزم نفسه السكوت عن بعض ما يعنيه ليتعود لسانه ترك ما لا يعنيه، و أن يقدم التأمل و التروي على كل كلام يريد أن يتكلم به فإن كان فيه فائدة دينية أو دنيوية تكلم به و إلا تركه. و كان بعضهم يضع في فمه حجرا، خوفا من التكلم بالفضول و ما لا يعنيه.

195
وصل الصمت‏

ضد التكلم بما لا يعنيه و بالفضول تركها، إما بالصمت أو بالتكلم فيما يعنيه مما يتعلق بدينه أو دنياه. و فوائد الصمت و مدحه يأتي في موضعه.

و قد وردت أخبار في المدح على خصوص ترك ما لا يعني و فضول الكلام

كقول النبي صلى اللّه عليه و آله-: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»

و قوله-صلى اللّه عليه و آله-: «طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه، و أنفق الفضل من ماله!» .

و انظر كيف قلب الناس الأمر في ذلك، فأمسكوا فضل المال و أطلقوا فضل اللسان.

و روى: «أنه-صلى اللّه عليه و آله-قال ذات يوم: إن أول من يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة. فلما دخل هذا الرجل، قالوا له: أخبرنا بأوثق عملك في نفسك ترجو به. فقال: إني رجل ضعيف العمل، و أوثق ما أرجو اللّه به سلامة الصدر و ترك ما لا يعنيني»

و قال-صلى اللّه عليه و آله-لأبي ذر «ألا أعلمك بعمل خفيف على البدن ثقيل في الميزان. قال: بلى يا رسول اللّه قال: هو الصمت، و حسن الخلق، و ترك ما لا يعنيك» .

قال ابن عباس: «خمس هن أحسن من الدراهم المونقة: لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنه فضل و لا آمن عليك الوزر. و لا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعا، فإنه رب متكلم في أمر يعنيه قد وضعه في غير موضعه فعنت. و لا تمار حليما و لا سفيها، فإن الحليم يغلبك بصمته، و إن السفيه يؤذيك بمنطقه. و اذكر أخاك إذا تغيب عنك بما تحب أن يذكرك به، و اعفه مما تحب أن يعفيك‏

196

منه. و اعمل عمل رجل يرى أنه مجازى بالإحسان مأخوذ بالاحترام» (1)

و قيل للقمان: ما حكمتك؟قال: «لا أسأل عما كفيت، و لا أتكلف ما لا يعنيني»

و ما ورد في فضيلة ترك الفضول و ما لا يعني في أخبار الحجج-عليهم السلام-و كلمات الأكابر من الحكماء و العرفاء أكثر من أن تحصى، و ما ذكرناه كاف لأهل الاستبصار.

____________

(1) ذكر هذه الرواية عن ابن عباس في (إحياء العلماء) : 3-97. و فيه اختلاف كثير عما هنا، و لم يحصل لنا تحققها على مصدر آخر. و الأحاديث النبوية هنا رواها في (إحياء العلوم) أيضا في الموقع المذكور.

197

المقام الرابع (فيما يتعلق بالقوي الثلاث من العاقلة و قوتي الغضب و الشهوة، أو باثنتين منها من الرذائل و الفضائل) .

الحسد و ذمه-الغبطة-بواعث الحسد-لا تحاسد بين علماء الآخرة و العارفين-علاج الحسد-القدر الواجب في نفى الحسد-النصيحة-الإيذاء و الإهانة-كف الأذى-ذم الظلم-العدل-إخافة المؤمن-إدخال السرور على المؤمن-ترك إعانة المسلمين-قضاء حوائج المسلمين-المداهنة في الأمر بالمعروف-السعي فيه-وجوبه و شروطه-لا تشترط العدالة فيه-مراتبه- ما ينبغي في الآمر و الناهي-أنواع المنكرات-الهجران-التآلف-قطع الرحم-صلة الرحم-المراد منه-عقوق الوالدين-برهما-حق الجوار- حدود الجوار و حقه-طلب العثرات-ستر العيوب-إفشاء السر-كتمان السر-النميمة-السعاية-الإفساد بين الناس-الإصلاح-الشماتة-المراء علاجه-طيب الكلام-السخرية-المزاح-المذموم منه-الغيبة-لا تنحصر الغيبة باللسان-بواعثها-ذمها-مسوغاتها-كفارتها-البهتان-المدح الكذب-ذمه-مسوغاته-التورية-المبالغة-شهادة الزور-علاج الكذب-الصدق و مدحه-أنواعه-اللسان أضر الجوارح-الصمت-حب الجاه-ذمه-الجاه أحب من المال-لا بد للإنسان من جاه-دفع إشكال- الكمال الحقيقي في العلم و القدرة و الجاه و المال-علاج حب الجاه-الخمول- مراتب حب المدح-أسبابه-علاجه-ضد حب المدح-الرياء-ذمه -أقسامه-تأثير الرياء على العبادة السرور بالاطلاع على العبادة-متعلقات الرياء- بواعثه-الرياء الجلي و الخفي-كيف يفسد الرياء العمل-شوائب الرياء المبطلة للعمل-علاجه-الوسوسة بالرياء-الإخلاص-مدحه-آفاته-النفاق.

198

فمنها:

الحسد

و هو تمني زوال نعم اللّه تعالى عن أخيك المسلم مما له فيه صلاح، فإن لم ترد زوالها عنه و لكن تريد لنفسك مثلها فهو (غبطة) و منافسة، فإن لم يكن له فيها صلاح و أردت زوالها عنه فهو (غيرة) . ثم إن كان باعث حسدك مجرد الحرص على وصول النعمة إلى نفسك، فهو من رداءة القوة الشهوية، و إن كان باعثه محض وصول المكروه إلى المحسود فهو من رذائل القوة الغضبية، و يكون من نتائج الحقد الذي هو من نتائج الغضب، و إن كان باعثه مركبا منهما، فهو من رداءة القوتين. و ضده (النصيحة) ، و هي إرادة بقاء نعمة اللّه على أخيك المسلم مما له فيه صلاح.

و لا ريب في أنه لا يمكن الحكم على القطع بكون هذه النعمة صلاحا أو فسادا. فربما كانت وبالا على صاحبه و فسادا له، مع كونها نعمة و صلاحا في بادى النظر. فالمناط في ذلك غلبة الظن، فما ظن كونه صلاحا فإرادة زواله حسد و إرادة بقائه نصيحة، و ما ظن كونه فاسدا فإرادة زواله غيرة. ثم إن اشتبه عليك الصلاح و الفساد، فلا ترد زال نعمة أخيك و لا بقاءها إلا مقيدا بالتفويض و شرط الصلاح، لتخلص من حكم الحسد و يحصل لك حكم النصيحة. و المعيار في كونك ناصحا: أن تريد لأخيك ما تريد لنفسك، و تكره له ما تكره لنفسك. و في كونك حاسدا:

أن تريد له ما تكره لنفسك، و تكره له ما تريد لنفسك.

199
فصل ذم الحسد

الحسد أشد الأمراض و أصعبها، و أسوأ الرذائل و أخبثها، و يؤدي بصاحبه إلى عقوبة الدنيا و عذاب الآخرة، لأنه في الدنيا لا يخلو لحظة عن الحزن و الألم، إذ هو يتألم بكل نعمة يرى لغيره، و نعم اللّه تعالى غير متناهية لا تنقطع عن عباده، فيدوم حزنه و تألمه. فوبال حسده يرجع إلى نفسه، و لا يضر المحسود أصلا، بل يوجب ازدياد حسناته و رفع درجاته من حيث إنه يعيبه، و يقول فيه ما لا يجوز في الشريعة، فيكون ظالما عليه، فيحمل بعضا من أوزاره و عصيانه، و تنقل صالحات أعماله إلى ديوانه، فحسده لا يؤثر فيه إلا خيرا و نفعا، و مع ذلك يكون في مقام التعاند و التضاد مع رب الأرباب و خالق العباد، إذ هو الذي أفاض النعم و الخيرات على البرايا كما شاء و أراد بمقتضى حكمته و مصلحته، فحكمته الحقة الكاملة أوجبت بقاء هذه النعمة على هذا العبد، و الحاسد المسكين يريد زوالها، و هل هو إلا سخط قضاء اللّه في تفضيل بعض عباده على بعض و تمنى انقطاع فيوضات اللّه التي صدرت عنه بحسب حكمته و إرادة خلاف ما أراد اللّه على مقتضى مصلحته؟!بل هو يريد نقصه سبحانه، و عدم اتصافه بصفاته الكمالية. إذ إفاضة النعم منه سبحانه في أوقاتها اللائقة على محالها المستعدة من صفاته الكمالية التي عدمها نقص عليه تعالى، و إلا لم يصدر عنه، و هو يريد ثبوت هذا النقص، ثم لتمنيه زوال النعم الإلهية التي هي الوجودات و رجوع الشرور إلى الأعدام يكون طالبا للشر و محبا له، و قد صرح الحكماء بأن من رضي بالشر، و لو بوصوله إلى العدو،

200

فهو شرير فالحسد أشد الرذائل، و الحاسد شر الناس. و أي معصية أشد من كراهة راحة مسلم من غير أن يكون له فيها مضرة؟و لذا ورد به الذم الشديد في الآيات و الأخبار، قال اللّه سبحانه في معرض الإنكار:

أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنََّاسَ عَلى‏ََ مََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ (1) .

و قال: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمََانِكُمْ كُفََّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ (2) . و قال: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهََا (3) .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «قال اللّه عز و جل لموسى بن عمران: يا بن عمران، لا تحسدن الناس على ما آتيتهم من فضلي، و لا تمدن عينيك إلى ذلك، و لا تتبعه نفسك، فإن الحاسد ساخط لنعمي، صاد لقسمي الذي قسمت بين عبادي. و من يك كذلك فلست منه و ليس مني» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله- «لا تحاسدوا و لا تقاطعوا و لا تدابروا و لا تباغضوا، و كونوا عباد اللّه إخوانا» .

و قال -صلى اللّه عليه و آله-: «دب إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد و البغضاء، و البغضة هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر، و لكن حالقة الدين. و الذي نفس محمد بيده!لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، و لن

____________

(1) النساء، الآية: 53.

(2) البقرة، الآية: 109.

(3) آل عمران، الآية: 130.

201

تؤمنوا حتى تحابوا. أ لا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم؟افشوا السلام بينكم!»

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «كاد الفقر أن يكون كفرا، و كاد الحسد أن يغلب القدر» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «سيصيب أمتي داء الأمم. قالوا: و ما داء الأمم؟قال: الأشر، و البطر، و التكاثر، و التنافس في الدنيا، و التباعد و التحاسد، حتى يكون البغي ثم الهرج» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «أخوف ما أخاف على أمتي أن يكثر فيهم المال فيتحاسدون و يقتتلون» .

و قال صلى اللّه عليه و آله «إن لنعم اللّه أعداء. فقيل: و من هم؟قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم اللّه من فضله» .

و ورد في بعض الأحاديث القدسية: «أن الحاسد عدو لنعمتي، متسخط لقضائي، غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي» .

و قال الإمام أبو جعفر الباقر-عليهما السلام-: «إن الرجل ليأتي بأدنى بادرة فيكفر (1) ، و إن الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب» .

و قال أبو عبد اللّه عليه السلام: «آفة الدين: الحسد و العجب و الفخر» .

و قال عليه السلام: «إن المؤمن يغبط و لا يحسد، و المنافق يحسد و لا يغبط» (2) .

و قال: «الحاسد مضر بنفسه قبل أن يضر بالمحسود، كإبليس أورث بحسده لنفسه اللعنة، و لآدم الاجتباء و الهدى و الرفع إلى محل حقائق العهد و الاصطفاء. فكن محسودا و لا تكن حاسدا

____________

(1) في بعض نسخ (الكافي) : «ليتأذى» و في نسخ (جامع السعادات) :

«ليأتي بأي» و رجحنا نسخة (الوسائل) و (البحار) كما في المتن.

(2) صححنا أحاديث هذا الفصل على (البحار) : 3 مج 15-131-132 باب الحسد. و على (الكافي) : باب الحسد. و على (سفينة البحار) : 1-250-251 و على (احياء العلوم) : 3-162-164 و على (الوسائل) : أبواب جهاد النفس الباب 54.

202

فإن ميزان الحاسد أبدا خفيف بثقل ميزان المحسود، و الرزق مقسوم، فما ذا ينفع الحسد الحاسد، و ما ذا يضر المحسود الحسد. و الحسد أصله من عمى القلب و الجحود بفضل اللّه تعالى، و هما جناحان للكفر، و بالحسد وقع ابن آدم في حسرة الأبد، و هلك مهلكا لا ينجو منه أبدا، و لا توبة للحاسد لأنه مصر عليه معتقد به مطبوع فيه، يبدو بلا معارض به و لا سبب، و الطبع لا يتغير عن الأصل، و إن عولج» (1) .

و قال بعض الحكماء:

«الحسد جرح لا يبرأ» . و قال بعض العقلاء: «ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد، إنه يرى النعمة عليك نقمة عليه» . و قال بعض الأكابر:

«الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة و ذلا، و لا من الملائكة إلا لعنة و بغضا، و لا ينال من الخلق إلا جزعا و غما، و لا ينال عند النزع إلا شدة و هولا، و لا ينال عند الموقف إلا فضيحة و نكالا» . و الأخبار و الآثار في ذم الحسد أكثر من أن تحصى، و ما ذكرناه يكفي لطالب الحق ثم ينبغي أن يعلم أنه إذا أصاب النعمة كافر أو فاجر و هو يستعين بها على تهيج الفتنة و إيذاء الخلق و إفساد ذات البين، فلا مانع من كراهتها عليه و حب زوالها منه، من حيث أنها آلة للفساد، لا من حيث أنها نعمة.

فصل المنافسة و الغبطة

قد علمت أن المنافسة هي تمنى مثل ما للمغبوط، من غير أن يريد زواله عنه، و ليست مذمومة، بل هي في الواجب واجبة، و في المندوب

____________

(1) هذا الخبر في (مصباح الشريعة) : الباب 51، و صححناه عليه.