جامع السعادات - ج2

- الشيخ محمد مهدي النراقي المزيد...
425 /
203

مندوبة و في المباح مباحة. قال اللّه سبحانه:

وَ فِي ذََلِكَ فَلْيَتَنََافَسِ اَلْمُتَنََافِسُونَ (1) .

و عليها يحمل‏

قول النبي-صلى اللّه عليه و آله-: «لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه اللّه مالا، فسلطه على ملكه في الحق. و رجل آتاه اللّه علما، فهو يعمل به و يعلمه الناس» :

أي لا غبطة إلا في ذلك، سميت الغبطة حسدا كما يسمى الحسد منافسة، اتساعا لمقارنتهما. و سبب الغبطة حب النعمة التي للمغبوط، فإن كانت أمرا دينيا فسببها حب اللّه و حب طاعته، و إن كانت دنيوية فسببها حب مباحات الدنيا و التنعم فيها. و الأول لا كراهة فيه بوجه، بل هو مندوب إليه. و الثاني و إن لم يكن حراما، إلا أنه ينقص درجته في الدين، و يحجب عن المقامات الرفيعة، لمنافاته الزهد و التوكل و الرضا.

ثم الغبطة لو كانت مقصورة على مجرد حب الوصول إلى ما للمغبوط لكونه من مقاصد الدين و الدنيا، من دون حب مساواته له و كراهة نقصانه عنه، فلا حرج فيه بوجه، و إن كان معه حب المساواة و كراهة التخلف و النقصان، فهنا موضع خطر. إذ زوال النقصان إما بوصوله إلى نعمة المغبوط أو بزوالها عنه، فإذا انسدت إحدى الطريقتين تكاد النفس لا تنفك عن شهوة الطريقة الأخرى. إذ يبعد أن يكون إنسان مريدا لمساواة غيره في النعمة فيعجز عنها، ثم لا ينفك عن ميل إلى زوالها، بل الأغلب ميله إليه، حتى إذا زالت النعمة عنه كان ذلك عنده أشهى من بقائها عليه، إذ بزوالها يزول نقصانه و تخلفه عنه. فإن كان بحيث لو ألقى الأمر إليه ورد إلى اختياره لسعي في إزالة النعمة عنه، كان حاسدا حسدا مذموما

____________

(1) المطففين، الآية: 26.

204

و إن منعه مانع العقل من ذلك السعي، و لكنه وجد من طبعه الفرح و الارتياح بزوال النعمة عن المغبوط، من غير كراهة لذلك و مجاهدة لدفعه فهو أيضا من مذموم الحسد، و إن لم يكن في المرتبة الأولى، و إن كره ما يجد في طبعه من السرور و الانبساط بزوال النعمة بقوة عقله و دينه، و كان في مقام المجاهدة لدفع ذلك عن نفسه، فمقتضى الرحمة الواسعة أن يعفى عنه، لأن دفع ذلك ليس في وسعه و قدرته إلا بمشاق الرياضيات.

إذ ما من إنسان إلا و يرى من هو فوقه من معارفه و أقاربه في بعض النعم الإلهية، فإذا لم يصل إلى مقام التسليم و الرضا، كان طالبا لمساواته له فيه و كارها عن ظهور نقصانه عنه. فإذا لم يقدر أن يصل إليه، مال طبعه بلا اختيار إلى زوال النعمة عنه، و اهتز و ارتاح به حتى ينزل هو إلى مساواته. و هذا و إن كان نقصا تنحط به النفس عن درجات المقربين، سواء كان من مقاصد الدنيا أو الدين، إلا أنه لكراهته له بقوة عقله و تقواه، و عدم العمل بمقتضاه، يعفى عنه إن شاء اللّه، و تكون كراهته لذلك من نفسه كفارة له.

و قد ظهر من تضاعيف ما ذكر: أن الحسد المذموم له مراتب أربع:

الأولى-أن يحب زوال النعمة عن المحسود و إن لم تنتقل إليه، و هذا أخبث المراتب و أشدها ذما.

الثانية-أن يحب زوالها لرغبته في عينها، كرغبته في دار حسنة معينة، أو امرأة جميلة بعينها، و يحب زوالها من حيث توقف و صوله إليها عليه، لا من حيث تنعم غيره بها. و يدل على تحريم هذه المرتبة و ذمها قوله تعالى:

وَ لاََ تَتَمَنَّوْا مََا فَضَّلَ اَللََّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ (1) .

الثالثة-ألا يشتهي عينها، بل يشتهي لنفسه مثلها، إلا أنه إن

____________

(1) النساء، الآية: 31.

205

عجز عن مثلها أحب زوالها عنه، كيلا يظهر التفاوت بينهما، و مع ذلك لو خلي و طبعه، اجتهد و سعى في زوالها.

الرابعة-كالثالثة، إلا أنه إن اقتدر على إزالتها منعه قاهر العقل أو غيره من السعي فيه، و لكنه يهتز و يرتاح به من غير كراهة من نفسه لذلك الارتياح.

و الغبطة لها مرتبتان:

الأولى-أن يشتهي الوصول إلى مثل ما للمغبوط، من غير ميل إلى المساواة و كراهة للنقصان، فلا يحب زوالها عنه.

الثانية-أن يشتهي الوصول إليه مع ميله إلى المساواة و كراهته للنقصان، بحيث لو عجز عن نيله، وجد من طبعه حبا خفيا لزوالها عنه و ارتاح من ذلك إدراكا للمساواة و دفعا للنقصان، إلا أنه كان كارها من هذا الحب، و مغضبا على نفسه لذلك الارتياح، و ربما سميت هذه المرتبة بـ (الحسد المعفو عنه) و كأنه المقصود

من قوله-صلى اللّه عليه و آله-: «ثلاث لا ينفك المؤمن عنهن: الحسد، و الظن، و الطيرة... ثم قال: و له منهن مخرج، إذا حسدت فلا تبغ-أي إن وجدت في قلبك شيئا فلا تعمل به، و كن كارها له-و إذا ظننت فلا تحقق، و إذا تطيرت فامض» .

فصل بواعث الحسد

بواعث الحسد سبعة:

الأول-خبث النفس و شحها بالخير لعباد اللّه.
فإنك تجد في زوايا العالم من يسر و يرتاح بابتلاء العباد بالبلايا و المحن، و يحزن من حسن حالهم‏

206

و سعة عيشهم. فمثله إذا وصف له اضطراب أمور الناس و إدبارهم، و فوات مقاصدهم و تنغص عيشهم، يجد من طبعه الخبيث فرحا و انبساطا و إن لم يكن بينه و بينهم عداوة و لا رابطة، و لم يوجب ذلك تفاوتا في حاله من وصوله إلى جاه أو مال أو غير ذلك. و إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد اللّه و انتظام أموره، شق ذلك عليه، و إن لم يوجب ذلك نقصا في شي‏ء مما له. فهو يبخل بنعمة اللّه على عباده من دون قصد و غرض، و لا تصور انتقال النعمة إليه، فيكون ناشئا عن خبث نفسه و رذالة طبعه. و لذا يعسر علاجه، لكونه مقتضى خباثة الجبلة، و ما يقتضيه الطبع و الجبلة تعسر إزالته، بخلاف ما يحدث من الأسباب العارضة.

الثاني-العداوة و البغضاء.
و هي أشد أسبابه، إذ كل أحد-إلا أوحدي من المجاهدين-إذا أصابت عدوه بلية فرح بذلك، إما لظنها مكافأة من اللّه لأجله، أو لحبه طبعا ضعفه و هلاكه. و مهما أصابته نعمة ساءه ذلك، لأنه ضد مراده، و ربما تصور لأجله أنه لا منزلة له عند اللّه حيث لم ينتقم من عدوه و أنعم عليه، فيحزن لذلك.

الثالث-حب الرئاسة و طلب المال و الجاه.
فإن من غلب عليه حب التفرد و الثناء، و استقره الفرح بما يمدح به من أنه وحيد الدهر و فريد العصر في فنه، من شجاعة أو علم أو عبادة أو صناعة أو جمال أو غير ذلك، لو سمع بنظير له في أقصى العالم ساءه ذلك، و ارتاح بموته أو زوال النعمة التي يشاركه فيها، ليكون فائقا على الكل في فنه، و متفردا بالمدح و الثناء في صفته.

الرابع-الخوف من فوت المقاصد.
و ذلك يختص بمتزاحمين على مقصود واحد، فإن كل واحد، منهما يحسد صاحبه في وصوله هذا المقصود طلبا للتفرد به، كتحاسد الضرات في مقاصد الزوجية. و الإخوة في نيل‏

207

المنزلة في قلب الأبوين توصلا إلى مالهما، و التلامذة لأستاذ واحد في نيل المنزلة في قلبه، و ندماء الملك و خواصه في نيل المنزلة و الكرامة عنده، و الوعاظ و الفقهاء المتزاحمين على أهل بلدة واحدة في نيل القبول و المال عندهم، إذا كان غرضهم ذلك.

الخامس-التعزز:
و هو أن يثقل عليه أن يترفع عليه بعض أقرانه و يعلم أنه لو أصاب بعض النعم يستكبر عليه و يستصغره، و هو لا يطيق ذلك لعزة نفسه، فيحسده لو أصاب تلك النعمة تعززا لنفسه. فليس غرضه أن يتكبر، لأنه قد رضي بمساواته، بل غرضه أن يدفع كبره.

السادس-التكبر:
و هو أن يكون في طبعه الترفع على بعض الناس و يتوقع منه الانقياد و المتابعة في مقاصده، فإذا نال بعض النعم خاف ألا يحتمل تكبره و يترفع عن خدمته، و ربما أراد مساواته أو التفوق عليه، فيعود مخدوما بعد إن كان خادما، فيحسده في وصول النعمة لأجل ذلك و قد كان حسد أكثر الكفار لرسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-من هذا القبيل، حيث قالوا: كيف يتقدم علينا غلام فقير يتيم؟ لَوْ لاََ نُزِّلَ هََذَا اَلْقُرْآنُ عَلى‏ََ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (1) .

السابع-التعجب:
و هو أن يكون المحسود في نظر الحاسد حقيرا و النعمة عظيمة، فيعجب من فوز مثله بمثلها، فيحسده و يحب زوالها عنه و من هذا القبيل حسد الأمم لأنبيائهم، حيث قالوا:

____________

(1) الزخرف، الآية: 31.

208

مََا أَنْتُمْ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُنََا (1) . فَقََالُوا: أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنََا (2) . وَ لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخََاسِرُونَ (3) .

فتعجبوا من فوز من هو مثلهم برتبة الوحي و الرسالة، و حسدوه بمجرد ذلك، من دون قصد تكبر أو رئاسة أو عداوة أو غيرها من أسباب الحسد.

و قد تجتمع هذه الأسباب أو أكثرها في شخص واحد، فيعظم لذلك حسده، و تقوى قوة لا يقدر معها على المجاملة، فتظهر العداوة بالمكاشفة.

و ربما قوى الحسد بحيث يتمنى صاحبه أن يزول عن كل أحد ما يراه له من النعمة، و ينتقل إليه. و مثله لا ينفك عن الجهل و الحرص، إذ هو يتمنى استجماع جميع النعم و الخيرات الحاصلة لجميع الناس له، و لا ريب في استحالة ذلك، و لو قدر إمكانه لا يمكنه الاستمتاع بها، فلو لم يكن حريصا لم يتمن ذلك أصلا، و لو كان عالما لدفع هذا التمنى بقوته العاقلة.

(تنبيه)
بعض الأسباب المذكورة، كما يقتضي أن يتمنى زوال النعمة و السرور به كذلك يقتضي تمني حدوث البلية و الارتياح منه. إلا أن المعدود من الحسد هو الأول، و الثاني معدود من العداوة. فالعداوة أعم منه، إذ هي تمني وقوع مطلق الضرر بالعدو، سواء كان زوال نعمة أو حدوث بلية. و الحسد تمني زوال مجرد النعمة.

____________

(1) يس، الآية: 15.

(2) المؤمنون، الآية: 48.

(3) المؤمنون، الآية: 34.

209
فصل لا تحاسد بين علماء الآخرة و العارفين‏

الأسباب المذكورة إنما تكثر بين أقوام تجمعهم روابط يجتمعون لأجلها في مجالس المخاطبات و يتواردون على الأغراض، فإذا خالف بعضهم بعضا في غرض من أغراضه، أبغضه و ثبت فيه الحقد، فعند ذلك يريد استحقاره و التكبر عليه، و يكون في صدد مكافاته على المخالفة لغرضه، و يكره تمكنه من النعمة التي توصله إلى أغراضه، فيتحقق الحسد. و لذا ترى أنه لا تحاسد بين شخصين في بلدتين متباعدتين، لعدم رابطة بينهما، إلا إذا تجاورا في محل واحد، و تواردا على مقاصد تظهر فيها مخالفة بينهما فيحدث منهما التباغض، و تثور منه بقية أسباب الحسد. و ترى كل صنف يحسد مثله دون غيره، لتواردهما على المقاصد، و تزاحمهما على صنعة واحدة فالعالم يحسد العالم دون العابد، و التاجر يحسد التاجر دون غيره، إلا بسبب آخر سوى الاجتماع على الحرفة، و هكذا يغم من اشتد حرصه على حب الجاه و أحب الصيت و الاشتهار في جميع أطراف العالم و شاق التفرد بما هو فيه، فإنه يحسد كل من في العالم ممن يشاركه في الفن الذي يتفاخر به.

ثم منشأ جميع ذلك حب الدنيا، إذ منافعها لضيقها و انحصارها تصير محل التزاحم و التعارك، بحيث لا يمكن وصول منفعة منها، كمنصب أو مال إلى أحد إلا بزوالها عن الآخر. و أما الآخرة، فلا ضيق فيها، فلا تنازع بين أهلها. و مثالها في الدنيا العلم، فإنه منزه عن المزاحمة، فمن يحب العلم باللّه و صفاته و أفعاله و معرفة النظام الجملي من البدو إلى النهاية لم يحسد غيره إذا عرف ذلك أيضا. إذ العلم لا يضيق عن كثرة العالمين،

210

و المعلوم الواحد يعرفه ألف ألف عالم، و يفرح كل واحد منهم بمعرفته و يلتذ به، و لا ينقص ما لديه بمعرفة غيره، بل يحصل بكثرة العارفين زيادة الأنس و ثمرة الإفادة و الاستفادة. إذ معرفة اللّه بحر واسع لا ضيق فيه، و كل علم يزيد بالإنفاق و تشريك غيره من أبناء النوع، يصير منشأ لزيادة اللذة و البهجة، و قس على العلم التقرب و المنزلة عند اللّه و غيرهما من النعم الأخروية. فإن أجل ما عند اللّه من النعم و أعلى مراتب المنزلة و القرب عنده تعالى لذة لقائه، و ليس فيها ممانعة و مزاحمة، و لا يضيق بعض أهل اللقاء على بعض، بل يزيد الأنس بكثرتهم.

و قد ظهر مما ذكر: أنه لا تحاسد بين علماء الآخرة، لأنهم يلتذون و يبتهجون بكثرة المشاركين في معرفة اللّه و حبه و أنسه، و إنما يقع التحاسد بين علماء الدنيا، و هم الذين يقصدون بعلمهم طلب المال و الجاه. إذ المال أعيان و أجسام، إذا وقعت في يد واحد خلت عنها أيدي الآخرين. و الجاه ملك القلوب، و إذا امتلأ قلب شخص بتعظيم عالم، انصرف عن تعظيم الآخر، أو نقص عنه لا محالة، فيكون ذلك سببا للتحاسد. و أما إذا امتلأ قلبه من الابتهاج بمعرفة اللّه، لم يمنع ذلك من أن يمتلئ غيره به.

فلو ملك إنسان جميع ما في الأرض، لم يبق بعده مال يملكه غيره لضيقه و انحصاره. و أما العلم فلا نهاية له، و مع ذلك لو ملك إنسان بعض العلوم لم يمنع ذلك من تملك غيره له.

فظهر أن الحسد إنما هو في التوارد على مقصود مضيق عن الوفاء بالكل، فلا حسد بين العارفين و لا بين أهل العليين، لعدم ضيق و مزاحمة في المعرفة و نعيم الجنة، و لذا قال اللّه سبحانه فيهم:

وَ نَزَعْنََا مََا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوََاناً عَلى‏ََ سُرُرٍ

211

مُتَقََابِلِينَ (1) .

بل الحسد من صفات المسجونين في سجن السجين.

فيا حبيبي، إن كنت مشفقا على نفسك، طالبا لعمارة رمسك، فاطلب نعمة لا مزاحمة فيها، و لذة لا مكدر لها. و ما هي إلا لذة معرفة اللّه و حبه و أنسه، و الانقطاع إلى جناب قدسه، و إن كنت لا تلتذ بذلك، و لا تشتاق إليه، و تنحصر لذاتك بالأمور الحسية و الوهمية، فاعلم أن جوهر ذاتك معيوب، و عن عالم الأنوار محجوب، و عن قريب تحشر مع البهائم و الشياطين، و تكون مغلولا معهم في أسفل السافلين. و مثلك في عدم درك هذه اللذة، مثل الصبي و العنين في عدم درك لذة الوقاع. فكما أن هذه اللذة يختص بإدراكها رجال أصحاء، فكذلك لذة المعرفة يختص بإدراكها:

رِجََالٌ لاََ تُلْهِيهِمْ تِجََارَةٌ وَ لاََ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللََّهِ (2) .

و لا يشتاق غيرهم إليها، إذ الشوق بعد الذوق، فمن لم يذق لم يعرف، و من لم يعرف لم يشتق، و من لم يشتق لم يطلب، و من لم يطلب لم يدرك، و من لم يدرك كان مطرودا عن العليين، ممنوعا عن مجاورة المقربين، محبوسا مع المحرومين في أضيق دركات السجين.

وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ اَلرَّحْمََنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطََاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (3) .

____________

(1) الحجر، الآية: 47.

(2) النور، الآية: 37.

(3) الزخرف، الآية: 36.

212
فصل علاج الحسد

لما علم أن الحسد من الأمراض المهلكة للنفوس، فاعلم أن أمراض النفوس لا تداوى إلا بالعلم و العمل. و العلم النافع لمرض الحسد أن تعرف أنه يضرك في الدين و الدنيا، و لا يضر محسودك فيهما، بل ينتفع به فيهما.

و مهما عرفت ذلك عن بصيرة و تحقيق، و لم تكن عدو نفسك لا صديق عدوك، فارقت الحسد.

و أما أنه يضر بدينك و يؤدى بك إلى عذاب الأبد و عقاب السرمد فلما علمت من الآيات و الأخبار الواردة في ذمه و عقوبة صاحبه، و لما عرفت من كون الحاسد ساخطا لقضاء اللّه تعالى، و كارها لنعمه التي قسمها لعباده، و منكرا لعدله الذي أجراه في ملكه. و مثل هذا السخط و الإنكار لإيجابه الضدية و العناد لخالق العباد، كاد أن يزيل أصل التوحيد و الإيمان فضلا عن الإضرار بهما. على أن الحسد يوجب الغش و العداوة بالمؤمن، و ترك نصيحته و موالاته و تعظيمه و مراعاته و مفارقة أنبياء اللّه و أوليائه في حبهم الخير و النعمة له، و مشاركة الشيطان و أحزابه في فرحهم بوقوع المصائب و البلايا عليه، و زوال النعم عنه. و هذه خبائث في النفس، تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.

و أما أنه يضرك في الدنيا، لأنك تتألم و تتعذب به، و لا تزال في تعب و غم و كد و هم، إذ نعم اللّه لا تنقطع عن عباده و لا عن أعدائك، فأنت تتعذب بكل نعمة تراها لهم، و تتألم بكل بلية تنصرف عنهم، فتبقى دائما مغموما محزونا، ضيق النفس منشعب القلب، فأنت باختيارك‏

213

تجر إلى نفسك ما تريد لأعدائك و يريد أعداؤك لك. و ما أعجب من العاقل أن يتعرض لسخط اللّه و مقته في الآجل، و دوام الضرر و الألم في العاجل فيهلك دينه و دنياه من غير جدوى و فائدة.

و أما أنه لا يضر المحسود في دينه و دنياه فظاهر، لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك. إذ ما قدره اللّه من النعم على عباده لا بد أن يستمر إلى وقته و لا ينفع التدبير و الحيلة في دفعه، لا مانع لما أعطاه و لا راد لما قضاه:

لِكُلِّ أَجَلٍ كِتََابٌ . وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدََارٍ (1) .

و لو كانت النعم تزول بالحسد، لم تبق عليك و على كافة الخلق نعمة، لعدم خلوك و خلوهم عن الحسد، بل لم تبق نعمة الإيمان على المؤمنين، إذ الكفار يحسدونهم، كما قال اللّه سبحانه:

وَدَّتْ طََائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَ مََا يُضِلُّونَ إِلاََّ أَنْفُسَهُمْ وَ مََا يَشْعُرُونَ (2) .

و لو تصورت زوال النعمة عن محسودك بحسدك، و عدم زوالها عنك بحسد حاسدك، لكنت أجهل الناس و أشدهم غباوة. نعم، ربما صار حسدك منشأ لانتشار فضل المحسود، كما قيل:

و إذا أراد اللّه نشر فضيلة # طويت، أتاح لها لسان حسود

فإذا لم تزل نعمته بحسدك، لم يضره في الدنيا، و لا يكون عليه إثم في الآخرة.

و أما أنه ينفعه في الدين، فلذلك ظاهر من حيث كونه مظلوما من

____________

(1) الرعد، الآية: 40، 9.

(2) آل عمران، الآية: 69.

214

جهتك، (لا) سيما إذا أخرجك الحسد إلى ما لا ينبغي من القول و الفعل كالغيبة، و البهتان، و هتك ستره، و إفشاء سره، و القدح فيه، و ذكر مساويه. فتحتمل بهذه الهدايا التي تهديها إليه بعضا من أوزاره و عصيانه و تنقل شطرا من حسناتك إلى ديوانه، فيلقاك يوم القيامة مفلسا محروما عن الرحمة، كما كنت تلقاه في الدنيا محروما عن النعمة. فأضفت له نعمة إلى نعمة، و لنفسك نقمة إلى نقمة.

و أما أنه ينفعه في الدنيا، فهو أن أهم أغراض الناس مساءة الأعداء و سوء حالهم، و كونهم متألمين معذبين. و لا عذاب أشد مما أنت فيه من ألم الحسد. فقد فعلت بنفسك ما هو غاية مراد حسادك في الدنيا. و إذا تأملت هذا، عرفت أن كل حاسد عدو نفسه، و صديق عدوه. فمن تأمل في ذلك، و تذكر ما يأتي من فوائد النصيحة و حب الخير و النعمة للمسلمين، و لم يكن عدو نفسه، فارق الحسد البتة.

و أما العمل النافع فيه، فهو أن يواظب على آثار النصيحة التي هي ضده، بأن يصمم على أن يكلف نفسه بنقيض ما يقتضيه الحسد من قول و فعل، فإن بعثه الحسد على التكبر عليه، ألزم نفسه التواضع له، و إن بعثه على غيبته و القدح فيه، كلف لسانه المدح و الثناء عليه، و إن بعثه على الغش و الخرق بالنسبة إليه، كلف نفسه بحسن البشر و اللين معه، و إن بعثه على كف الإنعام عنه، ألزم نفسه زيادته. و مهما فعل ذلك عن تكلف و كرره و داوم عليه، انقطعت عنه مادة الحسد على التدريج. على أن المحسود إذا عرف منه ذلك طاب قلبه و أحبه، و إذا ظهر حبه للحاسد زال حسده و أحبه أيضا، فتتولد بينهما الموافقة، و ترتفع عنهما مادة المحاسدة و هذا هو المعالجة الكلية لمطلق مرض الحسد. و العلاج النافع لكل نوع منه، أن يقمع سببه، من خبث النفس و حب الرئاسة و الكبر و عزة النفس‏

215

و شدة الحرص و غير ذلك مما ذكر، و علاج كل واحد من هذه الأسباب يأتي في محله.

تنبيه القدر الواجب في نفي الحسد

اعلم أن مساواة حسن حال العدو و سوء حاله، و عدم وجدان التفرقة بينهما في النفس، ليست مما تدخل تحت الاختيار. فالتكليف به تكليف بالمحال. فالواجب في نفي الحسد و إزالته هو القدر الذي يمكن دفعه، و بيان ذلك-كما أشير إليه-أن الحسد:

(أولا) إما يبعث صاحبه على إظهاره بقول أو فعل، بحيث يعرف حسده من آثاره الاختيارية، و لا ريب في كونه مذموما محرما، و كون صاحبه عاصيا آثما، لا لمجرد آثاره الظاهرة التي هي الغيبة و البهتان مثلا، إذ هي أفعال صادرة عن الحسد، محلها الجوارح، و ليست عين الحسد، إذ هو صفة للقلب لا صفة للفعل، و محله القلب دون الجوارح، قال اللّه سبحانه:

وَ لاََ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حََاجَةً مِمََّا أُوتُوا (1) . و قال:

وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمََا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوََاءً (2) . و قال:

إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ (3) .

____________

(1) الحشر، الآية: 9.

(2) النساء، الآية: 88.

(3) آل عمران، الآية: 120.

216

فلو كان الإثم على مجرد أفعال الجوارح، لم يكن أصل الحسد الذي هو صفة القلب معصية، و الأمر ليس كذلك، فيكون عاصيا لنفس الحسد الذي في قلبه أيضا، أعني ارتياحه بزوال النعمة مع عدم كراهة ذلك من نفسه. و الإثم حقيقة على عدم كراهته و عدم مقته و قهره على نفسه لهذا الارتياح الذي يجده منها، لكونه اختياريا ممكن الزوال، لا على نفس الارتياح و الاهتزاز، لما أشير إليه من أنه طبيعي غير ممكن الدفع لكل أحد فهذا القسم من الحسد أشد أنواعه، لترتب معصيته على أصله، و أخرى على ما يصدر عنه من آثاره المذمومة.

(ثانيا) أولا يبعثه على إظهاره بالآثار القولية و الفعلية، بل يكف ظاهره عنها، إلا أنه بباطنه يحب زوال النعمة من دون كراهة في نفسه لهذه الحالة. و لا ريب في كونه مذموما محرما أيضا، لأنه كسابقه بعينه و لا فرق إلا في أنه لا تصدر منه الآثار الفعلية و القولية الظاهرة، فهو ليس بمظلمة بحسب الاستحلال منها، بل معصية بينه و بين اللّه، لأن الاستحلال إنما هو من الأفعال الظاهرة الصادرة من الجوارح.

(ثالثا) أولا يبعثه على الآثار الذميمة الظاهرة، و مع ذلك يلزم قلبه كراهة ما يترشح منه طبعا من حب زوال النعمة، حتى أنه يمقت نفسه و يقهرها على هذه الحالة التي رسخت فيها. و الظاهر عدم ترتب الإثم عليه إذ تكون كراهته التي من جهة العقل في مقابلة الميل من جهة الطبع، فقد أدى الواجب عليه. و أصل الميل الطبيعي لا يدخل تحت الاختيار غالبا، إذ تغير الطبع بحيث يستوي عنده المحسن و المسي‏ء، و عدم التفرقة بين ما يصل منهما إليه من النعمة و البلية، ليس شريعة لكل وارد. نعم من تنور قلبه بمعرفة ربه، و أشرقت نفسه باضواء حبه و أنسه، و صار مستغرقا بحب اللّه تعالى مثل الشكران الواله، و استشعر بالارتباط الخاص الذي‏

217

بين العلة و المعلول، و الاتحاد الذي بين الخالق و المخلوق، و علم أنه أقوى النسب و الروابط، ثم تيقن بأن الموجودات بأسرها من رشحات وجوده، و الكائنات برمتها صادرة عن فيضه وجوده، و أن الأعيان الممكنة متساوية في ارتضاع لبان الوجود من ثدي واحدة، و الحقائق الكونية غير متفاوتة في شرب ماء الرحمة و الجود من مشرع الوحدة الحقيقية-فقد ينتهى أمره إلى ألا تلتفت نفسه إلى تفاصيل أحوال العباد، بل ينظر إلى الكل بعين واحدة، و هي عين الرحمة، و يرى الكل عبادا للّه و أفعاله، و يراهم مسخرين له، فلا ينظر إلى شي‏ء بعين السخط و المساءة، و إن ورد منه ما ورد من السوء و البلية، لأنه ينظر إليه من حيث هو حتى يظهر التفاوت بل من حيث انتسابه إليه سبحانه، و الكل في الانتساب إليه سواء.

ثم من الناس من ذهب إلى أنه لا إثم على الحسد ما لم تظهر آثاره على الجوارح، و على هذا ينحصر الحسد المحرم في القسم الأول. و احتج على ما ذهب إليه بما ذكرناه‏

من قوله-صلى اللّه عليه و آله-: «ثلاث لا ينفك المؤمن عنهن: الحسد... » ،

و بقوله-صلى اللّه عليه و آله-: ثلاث في المؤمن له منهن مخرج، و مخرجه من الحسد ألا يبغي»

و الصحيح أن تحمل أمثال هذه الأخبار على القسم الثالث، و هو ما يكون فيه ارتياح النفس بزوال النعمة طبعا مع كراهة له من جهة العقل و الدين، حتى تكون هذه الكراهة في مقابلة حب الطبع. إذ أخبار ذم الحسد تدل بظاهرها على أن كل حاسد آثم، و الحسد عبارة عن صفة القلب لا عن الأفعال الظاهرة. و على هذا المذهب، لا يكون إثم على صفة القلب، بل إنما يكون على مجرد الأفعال الظاهرة على الجوارح.

فقد اتضح بما ذكر، أن الأحوال المتصورة لكل أحد بالنسبة إلى أعدائه ثلاثة: الأولى: أن يحب مساعتهم، و يظهر الفرح بمساءتهم بلسانه‏

218

و جوارحه، أو يظهر ما يؤذيهم قولا أو فعلا، و هذا محظور محرم قطعا، و صاحبه عاص آثم جزما. الثانية: أن يحب مساعتهم طبعا، و لكن يكره حبه لذلك بعقله، و يمقت نفسه عليه، و لو كانت له حيلة في إزالة ذلك الميل لأزاله. و هذا معفو عنه وفاقا، و فاعله غير آثم إجماعا. الثالثة: و هي ما بين الأوليين: أن يحسد بالقلب من غير مقته لنفسه على حسده، و من غير إنكار منه على قلبه، و لكن يحفظ جوارحه عن صدور آثار الحسد عنها، و هذا محل الخلاف. و قد عرفت ما هو الحق فيه.

وصل النصيحة

قد عرفت أن ضد الحقد و الحسد (النصيحة) ، و هي إرادة بقاء نعمة اللّه للمسلمين، و كراهة وصول الشر إليهم. و قد تطلق في الأخبار على إرشادهم إلى ما فيه مصلحتهم و غبطتهم، و هو لازم للمعنى الأول.

فينبغي أن نشير إلى فوائدها و ما ورد في مدحها، تحريكا للطالبين على المواظبة عليها ليرتفع بها ضدها.

اعلم أن من أحب الخير و النعمة للمسلمين كان شريكا في الخير، بمعنى أنه في الثواب كالمنعم و فاعل الخير. و قد ثبت من الأخبار، أن من لم يدرك درجة الأخيار بصالحات الأعمال، و لكنه أحبهم، يكون يوم القيامة محشورا معهم،

كما ورد: «إن المرء يحشر مع من أحب» .

و قال أعرابي لرسول اللّه: «الرجل يحب القوم و لما يلحق بهم. فقال صلى اللّه عليه و آله: المرء مع من أحب»

و قال رجل بحضرة النبي-بعد ما ذكرت الساعة-: «ما أعددت لها من كثير صلاة و لا صيام، إلا أني أحب اللّه‏

219

و رسوله. فقال-صلى اللّه عليه و آله-أنت مع من أحببت» ،

قال الراوي: فما فرح المسلمون بعد إسلامهم كفرحهم يومئذ، إذ أكثر ثقتهم كانت بحب اللّه و بحب رسوله.

و روى: «أنه قيل له صلى اللّه عليه و آله: الرجل يحب المصلين و لا يصلي، و يحب الصوام و لا يصوم -حتى عد أشياء-فقال: هو مع من أحب» .

و بهذا المضمون وردت أخبار كثيرة.

و الأخبار الواردة في مدح خصوص النصيحة و ذم تركها، و في ثواب ترك الحسد و عظم فوائده، أكثر من أن تحصى.

عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: إن أعظم الناس منزلة عند اللّه يوم القيامة أمشاهم في أرضه بالنصيحة لخلقه» .

و عن أبي جعفر عليه السلام قال: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: لينصح الرجل منكم أخاه كنصيحته لنفسه» .

و قال الباقر-عليه السلام-: «يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة» .

و قال الصادق عليه السلام: «يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة له في المشهد و المغيب» .

و قال عليه السلام: «عليك بالنصح للّه في خلقه، فلن تلقاه بعمل أفضل منه»

، و بمضمونها أخبار.

و عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: من سعى في حاجة لأخيه فلم ينصحه، فقد خان اللّه و رسوله»

و قال الصادق-عليه السلام-: «من مشى في حاجة أخيه، ثم لم يناصحه فيها، كان كمن خان اللّه و رسوله، و كان اللّه خصمه» (1) .

و الأخبار الأخر بهذا المضمون أيضا كثيرة.

و روى: «أن رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-شهد لرجل من

____________

(1) صححنا الأحاديث في النصيحة كلها على (الكافي) : باب نصيحة المؤمن و باب من لم يناصح أخاه المؤمن.

220

من الأنصار بأنه من أهل الجنة» ،

و كان باعثه-بعد التفتيش-خلوه عن الغش و الحسد على خير أعطى أحدا من المسلمين.

و روى: «أن موسى-عليه السلام-لما تعجل إلى ربه، رأى في ظل العرش رجلا، فغبطه بمكانه، و قال: إن هذا لكريم على ربه. فسأل ربه أن يخبر باسمه فلم يخبره باسمه، و قال: أحدثك عن عمله: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم اللّه من فضله، و كان لا يعق والديه، و لا يمشي بالنميمة» .

و غاية النصيحة، أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه،

قال رسول اللّه -صلى اللّه عليه و آله-: «المؤمن يحب للمؤمن ما يحب لنفسه» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «إن أحدكم مرآة أخيه، فإذا رأى به شيئا فليمط عنه هذا» .

و منها:

الإيذاء و الإهانة و الاحتقار

و لا ريب في كون ذلك في الغالب مترتبا على العداوة و الحسد، و إن ترتب بعض أفرادها في بعض الأحيان على مجرد الطمع أو الحرص ليكون من رداءة القوة الشهوية، أو على مجرد الغضب و سوء الخلق و الكبر، و إن لم يكن حقد و حسد. و على أي تقدير، لا شبهة في أن الإيذاء للمؤمن و احتقاره محرم في الشريعة، موجب للهلاك الأبدي‏

221

قال اللّه سبحانه:

وَ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ بِغَيْرِ مَا اِكْتَسَبُوا فَقَدِ اِحْتَمَلُوا بُهْتََاناً وَ إِثْماً مُبِيناً (1) .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «من آذى مؤمنا فقد آذاني، و من آذاني فقد آذى اللّه، و من آذى اللّه فهو ملعون في التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان» .

و في خبر آخر: «فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين» (2) .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «المسلم من سلم المسلمون من يده و لسانه» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «لا يحل للمسلم أن يشير إلى أخيه بنظرة تؤذيه» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله- «أ لا أنبئكم بالمؤمن!من ائتمنه المؤمنون على أنفسهم و أموالهم. أ لا أنبئكم بالمسلم! من سلم المسلمون من لسانه و يده. و المؤمن حرام على المؤمن أن يظلمه أو يخذله أو يغتابه أو يدفعه دفعة» .

و قال الصادق عليه السلام: «قال اللّه عز و جل: «ليأذن بحرب مني من آذى عبدي المؤمن» .

و قال عليه السلام: «إذا كان يوم القيامة، نادى مناد: أين المؤذون لأوليائي؟ فيقوم قوم ليس على وجوههم لحم، فيقال: هؤلاء الذين آذوا المؤمنين و نصبوا لهم و عاندوهم و عنفوهم في دينهم. ثم يؤمر بهم إلى جهنم» .

و قال-عليه السلام-: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: قال اللّه تبارك و تعالى. من أهان لي وليا فقد ارصد لمحاربتي»

و قال-عليه السلام-: «إن اللّه تبارك و تعالى يقول: من أهان لي وليا فقد أرصد

____________

(1) الأحزاب، الآية: 58.

(2) صححنا الحديثين على (جامع الأخبار) : الباب 7، الفصل 4.

222

لمحاربتي، و أنا أسرع شي‏ء إلى نصرة أوليائي» .

و قال عليه السلام:

«قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: قال اللّه عز و جل: قد نابذني من أذل عبدي المؤمن» .

و قال عليه السلام: «من حقر مؤمنا مسكينا أو غير مسكين، لم يزل اللّه عز و جل حاقرا له ماقتا، حتى يرجع عن محقرته إياه» (1) .

و في معناها أخبار كثيرة آخر.

و من عرف النسبة التي بين العلة و المعلول، و الربط الخاص الذي بين الخالق و المخلوق، يعلم أن إيذاء العباد و إهانتهم يرجع في الحقيقة إلى إيذاء اللّه و إهانته، و كفاه بذلك ذما. فيجب على كل عاقل أن يكون دائما متذكرا لذم إيذاء المسلمين و احتقارهم، و لمدح ضدهما، من رفع الأذية عنهم و إكرامهم-كما يأتي-، و يحافظ نفسه عن ارتكابهما، لئلا يفتضح فى الدنيا و يعذب في الآخرة.

وصل كفّ الأذى عن المسلمين‏

لا ريب في فضيلة أضداد ما ذكر و فوائدها، من كفّ الأذى عن المؤمنين و المسلمين و إكرامهم و تعظيمهم. و الظواهر الواردة في مدح دفع الضرر و كف الأذى عن الناس كثيرة،

كقول النبي-صلى اللّه عليه و آله-: «من رد عن قوم من المسلمين عادية ماء أو نار وجبت له الجنة» (2)

____________

(1) صححنا الأحاديث هنا على (أصول الكافي) : باب من آذى المسلمين و احتقرهم و على. (إحياء العلوم) : 2-171، 172.

(2) صححناه على (فروع الكافي) : كتاب الجهاد، في ملحق باب فضل الشهادة. و على (أصوله) : في باب الاهتمام بأمور المسلمين.

223

و قوله-صلى اللّه عليه و آله-: «أفضل المسلمين من سلم المسلمون من لسانه و يده» .

و قوله-صلى اللّه عليه و آله-في حديث طويل أمر فيه بالفضائل: «... فإن لم تقدر فدع الناس من الشر، فإنها صدقة تصدقت بها على نفسك» .

و قوله-صلى اللّه عليه و آله- «رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها عن ظهر الطريق كانت تؤذى المسلمين» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «من زحزح من طريق المسلمين شيئا يؤذيهم، كتب اللّه له به حسنة أوجب له بها الجنة» (1) .

و كذا الأخبار التي وردت في مدح إكرام المؤمن و تعظيمه كثيرة.

قال الصادق-عليه السلام-: «قال اللّه سبحانه: ليأمن غضبي من أكرم عبدي المؤمن» .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «من أكرم أخاه المسلم بكلمة يلطفه بها، و فرج عنه كربته، لم يزل في ظل اللّه الممدود، و عليه الرحمة ما كان في ذلك» .

و قال صلى اللّه عليه و آله «ما في أمتي عبد ألطف أخاه في اللّه بشي‏ء من لطف، إلا أخدمه اللّه من خدم الجنة» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «أيما مسلم خدم قوما من المسلمين إلا أعطاه اللّه مثل عددهم خداما في الجنة» .

و قال الصادق -عليه السلام-: «من أخذ من وجه أخيه المؤمن قذاة، كتب اللّه عز و جل له عشرة حسنات، و من تبسم في وجه أخيه كانت له حسنة»

و قال-عليه السلام-: «من قال لأخيه: مرحبا، كتب اللّه له مرحبا إلى يوم القيامة» .

و قال عليه السلام: «من أتاه أخوه المؤمن فأكرمه، فإنما أكرم اللّه عز و جل» .

و قال عليه السلام لإسحاق بن عمار: «أحسن يا إسحاق إلى أوليائي ما استطعت، فما أحسن مؤمن إلى مؤمن و لا أعانه

____________

(1) صححنا هذه الأحاديث الأربعة الأخيرة على (إحياء العلوم) : 2-171 172.

224

إلا خمش وجه إبليس و قرح قلبه» (1) .

ثم ينبغي تخصيص بعض طبقات الناس بزيادة التعظيم و الإكرام، كأهل العلم و الورع، لما ورد من الحث الأكيد في الأخبار على إكرامهم و الإحسان إليهم، و كذا ينبغي تخصيص ذي الشيبة المسلم بزيادة التوقير و التكريم، و قد ورد ذلك في الأخبار الكثيرة،

قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «من عرف فضل كبير لسنه فوقره، آمنه اللّه من فزع يوم القيامة» .

و قال الصادق-عليه السلام-: «إن من إجلال اللّه عز و جل إجلال الشيخ الكبير» .

و قال عليه السلام-: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا و يرحم صغيرنا» .

و الأخبار في هذا المضمون كثيرة.

و كذا ينبغي تخصيص كريم القوم بزيادة الإكرام،

لقول النبي-صلى اللّه عليه و آله- «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» (2) .

و كذا تخصيص الذرية العلوية بزيادة الإكرام و التعظيم.

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «حقت شفاعتي لمن أعان ذريتي بيده و لسانه و ماله» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «أربعة أنالهم شفيع يوم القيامة:

المكرم لذريتي، و القاضي لهم حوائجهم، و الساعي لهم في أمورهم عند ما اضطروا إليه، و المحب لهم بقلبه و لسانه» (3) .

و قال صلى اللّه عليه و آله «أكرموا أولادي، و حسنوا آدابي» .

و قال صلى اللّه عليه و آله «أكرموا

____________

(1) صححنا الأحاديث هنا على (أصول الكافي) : باب إلطاف المؤمن و إكرامه، و باب من آذى المسلمين و احتقرهم.

(2) صححنا هذه الأحاديث على (أصول الكافي) : باب أجلال الكبير، و باب وجوب أجلال ذي الشيبة، و باب إكرام الكريم و على (الوسائل) : كتاب الحج، أبواب أحكام العشرة، الباب 67.

(3) تقدم هذان الحديثان في ص 139 من هذا الجزء.

225

أولادي، الصالحون للّه و الصالحون لي» .

و الأخبار في فضل السادات و ثواب من يكرمهم و يعينهم أكثر من أن تحصى.

و إضرار المسلم قريب من معنى إيذائه، و ربما كان الإضرار أخص منه، فما يدل على ذمه يدل على ذمه،

كقول النبي-صلى اللّه عليه و آله- «خصلتان ليس فوقهما شي‏ء من الشر: الشرك باللّه تعالى، و الضر بعباد اللّه» .

و كذا ضده، أعني إيصال النفع إليه، قريب من معنى ضده و أخص منه. فما يدل على مدحه يدل على مدحه. و لا ريب في أن إيصال النفع إلى المؤمنين من شرائف الصفات و الأفعال. و الأخبار الواردة في فضيلته كثيرة،

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «الخلق عيال اللّه، فأحب الخلق إلى اللّه من نفع عيال اللّه و أدخل على أهل بيته سرورا» .

و سئل صلى اللّه عليه و آله: «من أحب الناس إلى اللّه؟قال: أنفع الناس للناس» (1)

و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «خصلتان من الخير ليس فوقهما شي‏ء من البر: الإيمان باللّه، و النفع لعباد اللّه» .

تنبيه ذم الظلم بالمعنى الأخص‏

اعلم أن الظلم قد يراد به ما هو ضد العدالة، و هو التعدي عن الوسط في أي شي‏ء كان، و هو جامع للرذائل بأسرها-كما أشير إليه-و هذا هو الظلم بالمعنى الأعم، و قد يطلق عليه الجور أيضا، و قد يراد به ما يرادف الإضرار و الإيذاء بالغير، و هو يتناول قتله و ضربه و شتمه و قذفه و غيبته

____________

(1) هذان الحديثان صححناهما على (أصول الكافي) : باب الاهتمام بأمور المسلمين.

226

و أخذ ماله قهرا و نهبا و غصبا و سرقة و غير ذلك من الأقوال و الأفعال المؤذية. و هذا هو الظلم بالمعنى الأخص، و هو المراد إذا أطلق في الآيات و الأخبار و في عرف الناس. و باعثه إن كانت العداوة و الحسد، يكون من رذائل قوة الغضب، و إن كان الحرص و الطمع في المال، يكون من رذائل قوة الشهوة. و هو أعظم المعاصي و أشدها عذابا باتفاق جميع الطوائف و يدل على ذمه-بعد ما ورد في ذم كل واحد من الأمور المندرجة تحته كما يأتي بعضها-ما تكرر في القرآن من اللعن على الظالمين، و كفاه ذما أنه تعالى قال في مقام ذم الشرك:

إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (1) . و قال: إِنَّمَا اَلسَّبِيلُ عَلَى اَلَّذِينَ يَظْلِمُونَ اَلنََّاسَ وَ يَبْغُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ أُولََئِكَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ (2) . و قال: وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَللََّهَ غََافِلاً عَمََّا يَعْمَلُ اَلظََّالِمُونَ (3) . و قال: وَ سَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (4) .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «إن أهون الخلق على اللّه، من ولي أمر المسلمين فلم يعدل لهم» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-

____________

(1) لقمان، الآية: 13.

(2) الشورى، الآية: 42.

(3) إبراهيم، الآية: 42.

(4) الشعراء، الآية: 227.

227

«جور ساعة في حكم، أشد و أعظم عند اللّه من معاصي تسعين سنة» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «اتقوا الظلم، فإنه ظلمات يوم القيامة»

و قال صلى اللّه عليه و آله: «من خاف القصاص، كف عن ظلم الناس»

و روى: «أنه تعالى أوحى إلى داود: قل للظالمين لا تذكروني، فإن حقا علي أن أذكر من ذكرني، و إن ذكري إياهم أن ألعنهم» .

و قال علي ابن الحسين-عليهما السلام لابنه أبي جعفر-عليه السلام-حين حضرته الوفاة : «يا بني، إياك و ظلم من لا يجد عليك ناصرا إلا اللّه» .

و قال أبو جعفر-عليه السلام-: «ما من أحد يظلم بمظلمة إلا أخذه اللّه تعالى بها في نفسه أو ماله» .

و قال رجل له-عليه السلام-: «إني كنت من الولاة، فهل لي من توبة؟فقال: لا!حتى تؤدي إلى كل ذي حق حقه» .

و قال-عليه السلام-: «الظلم ثلاثة: ظلم يغفره اللّه تعالى، و ظلم لا يغفره اللّه تعالى، و ظلم لا يدعه اللّه. فأما الظلم الذي لا يغفره اللّه عز و جل فالشرك، و أما الظلم الذي يغفره اللّه عز و جل فظلم الرجل نفسه فيما بينه و بين اللّه عز و جل، و أما الظلم الذي لا يدعه فالمداينة بين العباد»

و قال الصادق-عليه السلام -في قوله تعالى:

إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصََادِ (1) .

«قنطرة على الصراط، لا يجوزها عبد بمظلمة» .

و قال عليه السلام «ما من مظلمة أشد من مظلمة لا يجد صاحبها عليها عونا إلا اللّه تعالى»

و قال: «من أكل مال أخيه ظلما، و لم يرده إليه، أكل جذوة من النار يوم القيامة» .

و قال-عليه السلام-: «إن اللّه عز و جل أوحى إلى نبي من أنبيائه في مملكة جبار من الجبارين: أن ائت هذا الجبار، فقل

____________

(1) الفجر، الآية 14.

228

له: إني لم استعملك على سفك الدماء و اتخاذ الأموال، و إنما استعملتك لتكف عني أصوات المظلومين، فإني لن أدع ظلامتهم و إن كانوا كفارا»

و قال عليه السلام: «أما إن المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من مال المظلوم... ثم قال: من يفعل الشر بالناس فلا ينكر الشر إذا فعل به. أما إنه يحصد ابن آدم ما يزرع. و ليس يحصد أحد من المر حلوا، و لا من الحلو مرا» .

و قال عليه السلام: «من ظلم، سلط اللّه عليه من يظلمه، أو على عقبه أو على عقب عقبه» قال الراوي: «قلت هو يظلم، فيسلط اللّه على عقبه أو على عقب عقبه؟!قال: فإن اللّه تعالى يقول:

وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعََافاً خََافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اَللََّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (1) .

و الظاهر أن مؤاخذة الأولاد بظلم آبائهم إنما هو في الأولاد الذين كانوا راضين بفعل آبائهم، أو وصل إليهم أثر ظلمهم، أي انتقل إليهم منهم بعض أموال المظلومين. و قال بعض العلماء: الوجه في ذلك: أن الدنيا دار مكافاة و انتقام، و إن كان بعض ذلك مما يؤخر إلى الآخرة.

و فائدة ذلك أما بالنسبة إلى الظالم فإنه يردعه عن الظلم إذا سمع، و أما بالنسبة إلى المظلوم فإنه يستبشر بنيل الانتقام في الدنيا مع نيله ثواب الظلم الواقع عليه في الآخرة، فإنه ما ظفر أحد بخير مما ظفر به المظلوم، لأنه يأخذ من دين الظالم أكثر مما أخذ الظالم من ماله، كما تقدم، و هذا مما

____________

(1) صححنا أحاديث الباب على (أصول الكافي) : باب الظلم. و الآية من الحديث الأخير: سورة النساء، الآية: 8.

229

يصحح الانتقام من عقب الظلم أو عقب عقبه، فإنه و إن كان في صورة الظلم، لأنه انتقام من غير أهله، مع أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، إلا أنه نعمة من اللّه عليه في المعنى من جهة ثوابه في الدارين، فإن ثواب المظلوم في الآخرة أكثر مما جرى عليه من الظلم في الدنيا.

ثم إن معين الظالم، و الراضي بفعله، و الساعي له في قضاء حوائجه و حصول مقاصده، كالظالم بعينه في الإثم و العقوبة.

قال الصادق عليه السلام: «العالم بالظلم، و المعين له، و الراضي به، شركاء ثلاثتهم» .

و قال عليه السلام: «من عذر ظالما بظلمه، سلط اللّه عليه من يظلمه، فإن دعا لم يستجب له، و لم يأجره اللّه على ظلامته» .

و قال رسول اللّه -صلى اللّه عليه و آله-: «شر الناس المثلث؟» ، قيل: و ما المثلث قال: «الذي يسعى بأخيه إلى السلطان، فيهلك نفسه، و يهلك أخاه، و يهلك السلطان» .

و قال صلى اللّه عليه و آله-: «من مشى مع ظالم فقد أجرم» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إذا كان يوم القيامة، نادى مناد: أين الظلمة و أعوان الظلمة و من لاق لهم دواة أو ربط لهم كيسا أو مدهم بمدة قلم؟فاحشروهم معهم» .

وصل العدل بالمعنى الأخص‏

ضد الظلم بالمعنى الأخص هو العدل بالمعنى الأخص، و هو الكف عنه، و رفعه، و الاستقامة، و إقامة كل أحد على حقه. و العدل بهذا المعنى هو المراد عند إطلاقه في الآيات و الأخبار، و فضيلته أكثر من أن‏

230

تحصى. قال اللّه سبحانه:

إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسََانِ... (1) . و قال:

إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمََانََاتِ إِلى‏ََ أَهْلِهََا وَ إِذََا حَكَمْتُمْ بَيْنَ اَلنََّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (2) .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة قيام ليلها و صيام نهارها»

و قال الصادق عليه السلام: «من أصبح و لا يهم بظلم أحد، غفر له ما اجترم» .

و قال عليه السلام «من أصبح لا ينوى ظلم أحد، غفر اللّه تعالى له ذنب ذلك اليوم، ما لم يسفك دما أو يأكل مال يتيم حراما»

و قال-عليه السلام-: «العدل أحلى من الماء يصيبه الظمآن. ما أوسع العدل إذا عدل فيه، و إن قل» .

و قال عليه السلام: «العدل أحلى من الشهد، و ألين من الزبد، و أطيب ريحا من المسك» .

و قال-عليه السلام-: «اتقوا اللّه و اعدلوا، فإنكم تعيبون على قوم لا يعدلون» (3) .

و مما يدل على فضيلة العدل بهذا المعنى ما ورد في ثواب رد المظالم.

قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «درهم يرده العبد إلى الخصماء خير له من عبادة ألف سنة، و خير له من عتق ألف رقبة، و خير له من

____________

(1) النحل، الآية: 90.

(2) النساء، الآية: 57.

(3) صححنا الأحاديث هنا على (أصول الكافي) : باب الظلم و باب الإنصاف و العدل.

231

ألف حجة و عمرة» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من رد درهما إلى الخصماء، أعتق اللّه رقبته من النار، و أعطاه بكل دانق ثواب نبي، و بكل درهم ثواب مدينة في الجنة من درة حمراء» .

و قال صلى اللّه عليه و آله «من رد أدنى شي‏ء إلى الخصماء، جعل اللّه بينه و بين النار سترا كما بين السماء و الأرض، و يكون في عداد الشهداء» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «من أرضى الخصماء من نفسه، وجبت له الجنة بغير حساب، و يكون في الجنة رفيق إسماعيل بن إبراهيم» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إن في الجنة مدائن من نور، و على المدائن أبواب من ذهب مكللة بالدر و الياقوت، و في جوف المدائن قباب من مسك و زعفران، من نظر إلى تلك المدائن يتمني أن تكون له مدينة منها» . قالوا: يا نبي اللّه، لمن هذه المدائن؟قال: «للتائبين النادمين، المرضين الخصماء من أنفسهم.

فإن العبد إذا رد درهما إلى الخصماء، أكرمه اللّه كرامة سبعين شهيدا.

فإن درهما يرده العبد إلى الخصماء خير له من صيام النهار و قيام الليل.

و من رد درهما ناداه ملك من تحت العرش: استأنف العمل، فقد غفر لك ما تقدم من ذنبك» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من مات غير تائب، زفرت جهنم في وجهه ثلاث زفرات، فأولاها لا تبقى دمعة إلا جرت من عينيه، و الزفرة الثانية لا يبقى دم إلا خرج من منخريه، و الزفرة الثالثة لا يبقى قيح إلا خرج من فمه. فرحم اللّه من تاب، ثم أرضى الخصماء، فمن فعل فأنا كفيله بالجنة» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله- «لرد دانق من حرام يعدل عند اللّه سبعين ألف حجة مبرورة» (1) .

____________

(1) صححنا الأحاديث النبوية هذه كلها على (جامع الأخبار) : الباب 7 الفصل 7 و لم نعثر لها على أثر في الكتب المعتبرة.

232

و منها:

إخافة المؤمن‏

و إدخال الكرب في قلبه. و هما شعبتان من الإيذاء و الإضرار، فيترتبان غالبا على العداوة و الحسد، و قد يترتبان على مجرد الغضب أو سوء الخلق أو الطمع، و هما من رذائل الأفعال، و الأخبار الواردة في ذمهما كثيرة،

كقول النبي-صلى اللّه عليه و آله-: «من نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها، أخافه اللّه تعالى يوم لا ظل إلا ظله» .

و قول الصادق عليه السلام: «من روع مؤمنا بسلطان ليصيبه منه مكروه فأصابه فهو مع فرعون و آل فرعون في النار» .

و قوله-عليه السلام-: «من أدخل السرور على مؤمن فقد أدخله على رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-و من أدخله على رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-فقد وصل ذلك إلى اللّه، و كذلك من أدخل عليه كربا» (1) .

و الأخبار الواردة في هذا المعنى كثيرة
وصل إدخال السرور في قلب المؤمن‏

و ضد ذلك إزالة الخوف عنه، و تفريج كربه. و إدخال السرور في

____________

(1) صححنا الأحاديث هنا على (أصول الكافي) باب إدخال السرور على للمؤمن، و باب من أخاف مؤمنا.

233

قلبه. و هي من أعظم شعب النصيحة، و لا حد للثواب المترتب عليها، كما نطقت به الأخبار.

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «من حمى مؤمنا من ظالم، بعث اللّه له ملكا يوم القيامة يحمى لحمه من نار جهنم» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «من فرج عن مغموم أو أعان مظلوما، غفر اللّه له ثلاثا و سبعين مغفرة» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» ، فقيل: كيف ينصره ظالما؟قال: «تمنعه من الظلم» .

و قال الإمام أبو عبد اللّه الصادق-عليه السلام-: «من أغاث أخاه المؤمن اللهفان اللهثان عند جهده، فنفس كربته و أعانه على نجاح حاجته، كتب اللّه تعالى له بذلك اثنتين و سبعين رحمة من اللّه، يعجل له منها واحدة يصلح بها أمر معيشته، و يدخر له إحدى و سبعين رحمة لأفزاع يوم القيامة و أ هواله» .

و قال-عليه السلام-: «من نفس عن مؤمن كربة، نفس اللّه عنه كرب الآخرة، و خرج من قبره و هو ثلج الفؤاد»

و قال الرضا عليه السلام: «من فرج عن مؤمن، فرج اللّه قلبه يوم القيامة» .

و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «من سر مؤمنا فقد سرني، و من سرني فقد سر اللّه» .

و عن أبي عبد اللّه عليه السلام-قال:

«قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: إن أحب الأعمال إلى اللّه عز و جل إدخال السرور على المؤمنين» .

و قال الباقر-عليه السلام-: «تبسم الرجل في وجه أخيه حسنة، و صرفه القذى عنه حسنة، و ما عبد اللّه بشي‏ء أحب إلى اللّه من إدخال السرور على المؤمن» .

و قال-عليه السلام- «إن فيما ناجى اللّه عز و جل به عبده موسى عليه السلام: قال: إن لي عبادا أبيحهم جنتي و أحكمهم فيها، قال: يا رب، و من هؤلاء الذين تبيحهم جنتك و تحكمهم فيها؟قال: من أدخل على مؤمن سرورا...

ثم قال: إن مؤمنا كان في مملكة جبار، فولع به، فهرب منه إلى دار

234

الشرك، فنزل برجل من أهل الشرك فأظله و أرفقه و أضافه، فلما حضره الموت، أوحى اللّه إليه: و عزتي و جلالي!لو كان لك في جنتي مسكن لأسكنتك فيها، و لكنها محرمة على من مات مشركا بي، و لكن يا نار هيديه و لا تؤذيه، و يؤتى برزقه طرفي النهار» ، قلت‏ (1) : من الجنة؟ قال: «من حيثما شاء اللّه» . و قال عليه: «لا يرى أحدكم إذا أدخل على مؤمن سرورا أنه عليه أدخله فقط، بل و اللّه علينا، بل و اللّه على رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله!-.

عن أبان بن تغلب، قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن حق المؤمن على المؤمن. فقال: حق المؤمن على المؤمن أعظم من ذلك، لو حدثتكم لكفرتم. إن المؤمن إذا خرج من قبره خرج معه مثال من قبره يقول له: ابشر بالكرامة من اللّه و السرور فيقول له: بشرك اللّه بخير. قال: ثم يمضي معه يبشره بمثل ما قال، و إذا مر بهول قال: ليس هذا لك، و إذا مر بخير قال: هذا لك. فلا يزال معه، يؤمنه مما يخاف و يبشره بما يحب، حتى يقف معه بين يدي اللّه عز و جل. فإذا أمر به إلى الجنة، قال له المثال: ابشر فإن اللّه عز و جل قد أمر بك إلى الجنة. قال: فيقول: من أنت رحمك اللّه؟تبشرنى من حين خرجت من قبري، و آنستني في طريقي، و خبرتني عن ربي!قال فيقول: أنا السرور الذي كنت تدخله على إخوانك في الدنيا، خلقت منه لأبشرك و أونس وحشتك» .

و روى ابن سنان، قال: «كان رجل عند أبي عبد اللّه عليه السلام، فقرأ هذه الآية:

وَ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ بِغَيْرِ مَا اِكْتَسَبُوا

____________

(1) القائل الراوي، و المجيب أبو جعفر-عليه السلام-.

235

فَقَدِ اِحْتَمَلُوا بُهْتََاناً وَ إِثْماً مُبِيناً (1) .

فقال أبو عبد اللّه-عليه السلام-: فما ثواب من أدخل عليه السرور فقلت: جعلت فداك!عشر حسنات. قال: أي و اللّه و ألف ألف حسنة!» (2) .

و منها:

ترك إعانة المسلمين‏

و عدم الاهتمام بأمورهم. فإن من يعادى غيره أو يحاسده يترك إعانته و لا يهتم بأموره، و ربما كان ذلك من نتائج الكسالة بها، أو ضعف النفس أو البخل. و بالجملة: لا ريب في كونه من رذائل الصفات، و دليلا على ضعف الإيمان. و ما ورد في ذمه من الأخبار كثير،

قال الباقر عليه السلام: «من بخل بمعونة أخيه المسلم و القيام له في حاجة، إلا ابتلي بالقيام بمعونة من يأثم عليه و لا يؤجر» .

و قال الصادق-عليه السلام-: «أيما رجل من شيعتنا أتاه رجل من إخوانه، فاستعان به في حاجة فلم يعنه، و هو يقدر، إلا ابتلاه اللّه تعالى بأن يقضي حوائج عدة من أعدائنا، يعذبه اللّه عليها يوم القيامة» .

و قال-عليه السلام-: «أيما مؤمن منع مؤمنا شيئا مما يحتاج إليه و هو يقدر عليه من عنده أو من عند غيره، أقامه اللّه عز و جل يوم القيامة مسودا وجهه، مزرقة عيناه، مغلولة يداه إلى عنقه فيقال: هذا الخائن الذي خان اللّه و رسوله، ثم يؤمر به إلى النار»

و قال

____________

(1) الأحزاب، الآية: 58.

(2) صححنا الأحاديث كلها هنا على (أصول الكافي) : باب إدخال السرور على المؤمن، باب تفريج كرب المؤمن.

236

-عليه السلام-: «من كانت له دار، فاحتاج مؤمن إلى سكناها، فمنعه إياها، قال اللّه تعالى: يا ملائكتي، أبخل عبدي على عبدي بسكنى الدنيا؟و عزتي و جلالي!لا يسكن جناتي أبدا» .

و قال-عليه السلام-لنفر عنده: «ما لكم تستخفون بنا؟» ، فقام إليه رجل من أهل خراسان، فقال: معاذ لوجه اللّه أن نستخف بك أو بشي‏ء من أمرك!فقال:

«إنك أحد من استخف بي» ، فقال: معاذ لوجه اللّه أن استخف بك فقال له: «ويحك!أ لم تسمع فلانا، و نحن بقرب الجحفة، و هو يقول لك: احملني قدر ميل، فقد و اللّه أعبيت. و اللّه ما رفعت به رأسا، لقد استخففت به. و من استخف بمؤمن فبنا استخف، و ضيع حرمة اللّه عز و جل‏ (1) .

و قال عليه السلام: «من أتاه أخوه في حاجة يقدر على قضائها فلم يقضها له، سلط اللّه عليه شجاعا ينهش إبهامه في قبره إلى يوم القيامة مغفورا له أو معذبا» .

و قال أبو الحسن عليه السلام: «من قصد إليه رجل من إخوانه مستجيرا به في بعض أحواله، فلم يجره بعد أن يقدر عليه، فقد قطع ولاية اللّه عز و جل» .

و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم» .

و قال صلى اللّه عليه و آله: «من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم و من سمع رجلا ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم» (2) .

____________

(1) صححنا هذا الحديث بالخصوص على (الوسائل) : كتاب الحج، باب تحريم الاستخفاف و هو يرويه عن (الكافي) .

(2) صححنا الأحاديث هنا على (أصول الكافي) : باب من استعان أخوه به فلم يعنه، و باب قضاء حاجة المؤمن، و باب من منع مؤمنا شيئا من عنده، و باب الاهتمام بامور المسلمين.

237
وصل قضاء حوائج المسلمين‏

ضد هذه الرذيلة: قضاء حوائج المسلمين و السعي في إنجاح مقاصدهم و هو من أعظم أفراد النصيحة، و لا حد لمثوبته عند اللّه‏

قال رسول اللّه -صلى اللّه عليه و آله-: «من قضى لأخيه المؤمن حاجة، فكأنما عبد اللّه دهره» (1)

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من مشى في حاجة أخيه ساعة من ليل أو نهار، قضاها أو لم يقضها، كان خيرا له من اعتكاف شهرين» .

و قال أبو جعفر-عليه السلام-: «أوحى اللّه عز و جل إلى موسى عليه السلام: إن من عبادي من يتقرب إلي بالحسنة فأحكمه في الجنة فقال موسى: يا رب، و ما تلك الحسنة؟قال يمشي مع أخيه المؤمن في قضاء حاجته، قضيت أم لم تقض» .

و قال-عليه السلام-: «من مشى في حاجة أخيه المسلم، أظله اللّه بخمسة و سبعين ألف ملك، و لم يرفع قدما إلا كتب اللّه له حسنة، و حط عنه بها سيئة، و يرفع له بها درجة، فإذا فرغ من حاجته كتب اللّه عز و جل له بها أجر حاج و معتمر»

و قال-عليه السلام-: «إن المؤمن لترد عليه الحاجة لأخيه فلا تكون عنده فيهتم بها قلبه، فيدخله اللّه تبارك و تعالى بهمه الجنة» .

و قال الصادق -عليه السلام-: «من قضى لأخيه المؤمن حاجة، قضى اللّه تعالى له يوم القيامة مائة ألف حاجة، من ذلك أولها الجنة، و من ذلك أن يدخل قرابته و معارفه و إخوانه الجنة، بعد أن لا يكونوا نصابا» .

و قال-عليه السلام-: «إن اللّه تعالى خلق خلقا من خلقه، انتجبهم لقضاء حوائج

____________

(1) صححناه على (الوسائل) . كتاب الأمر بالمعروف، باب استحباب قضاء حاجة المؤمن، رواه عن (مجالس الطوسي) . و لم نعثر على مصدر للنبوى الثاني.

238

فقراء شيعتنا، ليثيبهم على ذلك الجنة. فإن استطعت أن تكون منهم فكن»

و قال-عليه السلام-: «قضاء حاجة المؤمن خير من عتق ألف رقبة، و خير من حملان ألف فرس في سبيل اللّه» .

و قال-عليه السلام-: «لقضاء حاجة امرئ مؤمن أحب إلى اللّه تعالى من عشرين حجة، كل حجة ينفق فيها صاحبها مائة ألف» .

و قال-عليه السلام-: «من طاف بالبيت طوافا واحدا كتب اللّه له ستة آلاف حسنة، و محى عنه ستة آلاف سيئة، و رفع له ستة آلاف درجة- و في رواية: و قضى له ستة آلاف حاجة-حتى إذا كان عند الملتزم، فتح له سبعة أبواب من الجنة» ، قلت له: جعلت فداك!هذا الفضل كله في الطواف؟قال: «نعم!و أخبرك بأفضل من ذلك:

قضاء حاجة المؤمن المسلم أفضل من طواف و طواف و طواف... حتى بلغ عشرا» .

و قال-عليه السّلام-: «تنافسوا في المعروف لإخوانكم و كونوا من أهله، فإن للجنة بابا يقال له المعروف، لا يدخله إلا من اصطنع المعروف في الحياة الدنيا، فإن العبد ليمشي في حاجة أخيه المؤمن فيوكل اللّه عز و جل به ملكين، واحدا عن يمينه و آخر عن شماله، يستغفران له ربه، و يدعوان بقضاء حاجته» ... ثم قال: «و اللّه لرسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-أسر بقضاء حاجة المؤمن إذا وصلت إليه من صاحب الحاجة» .

و قال-عليه السلام-: «ما قضى مسلم لمسلم حاجة إلا ناداه اللّه تعالى: علي ثوابك، و لا أرضى لك بدون الجنة» .

و قال-عليه السلام-: «أيما مؤمن أتى أخاه في حاجة فإنما ذلك رحمة من اللّه ساقها إليه و سببها له، فإن قضى حاجته كان قد قبل الرحمة بقبولها و إن رده عن حاجته و هو يقدر على قضائها فإنها رد عن نفسه رحمة من اللّه عز و جل، ساقها إليه و سببها له، و ذخر اللّه تلك الرحمة إلى يوم القيامة، حتى يكون المردود عن حاجته هو الحاكم فيها، إن شاء صرفها

239

إلى نفسه، و إن شاء صرفها إلى غيره» ... ثم قال عليه السلام للراوي:

«فإذا كان يوم القيامة، و هو الحاكم في رحمة من اللّه تعالى قد شرعت له، فإلى من ترى يصرفها؟» ، لا أظن يصرفها عن نفسه، قال:

لا تظن!و لكن استيقن، فإنه لن يردها عن نفسه»

و قال-عليه السلام-: «من مشى في حاجة أخيه المؤمن يطلب بذلك ما عند اللّه حتى تقضى له، كتب اللّه عز و جل له بذلك مثل أجر حجة و عمرة مبرورتين، و صوم شهرين من أشهر الحرم و اعتكافهما في المسجد الحرام، و من مشى فيها بنية و لم تقض، كتب اللّه له بذلك مثل حجة مبرورة، فارغبوا في الخير» .

و قال عليه السلام: «لئن أمشي في حاجة أخ لي مسلم، أحب إلي من أن أعتق ألف نسمة، و أحمل في سبيل اللّه على ألف فرس مسرجة ملجمة»

و قال-عليه السلام-: «من سعى في حاجة أخيه المسلم، و طلب وجه اللّه، كتب اللّه عز و جل له ألف ألف حسنة، يغفر فيها لأقاربه و جيرانه و إخوانه و معارفه، و من صنع إليه معروفا في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قيل له: ادخل النار، فمن وجدته فيها صنع إليك معروفا في الدنيا فأخرجه بإذن اللّه عز و جل، إلا أن يكون ناصبيا» .

و قال أبو الحسن -عليه السلام-: «إن للّه عبادا في الأرض يسعون في حوائج الناس، هم الآمنون يوم القيامة. و من أدخل على مؤمن سرورا، فرح اللّه قلبه يوم القيامة» (1) .

و الأخبار الواردة بهذه المضامين كثيرة، و ما ذكرناه كاف لتحريك الطالبين على قضاء حوائج المؤمنين. و مما يدل على مدحه و شرافته، ما ورد في ثواب إطعام المؤمن و سقيه و كسوته، كما يأتي.

____________

(1) صححنا الأحاديث-ابتداء من الحديث عن أبي جعفر عليه السلام- على (أصول الكافي) : باب قضاء حاجة المؤمن، و باب السعي في حاجة المؤمن.

240

و منها:

التهاون و المداهنة

في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و هو ناش إما من ضعف النفس و صغرها، أو من الطمع المالي ممن يسامحه، فيكون من رذائل القوة الغضبية من جانب التفريط، أو من رذائل القوة الشهوية من جانب الإفراط و هو من المهلكات التي يعم فسادها و ضرها، و يسرى إلى معظم الناس أثرها و شرها. كيف و لو طوى بساط الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر اضمحلت الديانة، و تعطلت النبوة، و عمت الفترة، و فشت الضلالة، و شاعت الجهالة، و ضاعت أحكام الدين، و اندرست آثار شريعة رب العالمين، و هلك العباد، و خرجت البلاد. و لذا ترى و تسمع أن في كل عصر نهض بإقامة هذه السنة بعض المؤيدين، من غير أن تأخذهم في اللّه لومة لائمين، من أقوياء العلماء المتكفلين لعلمها و إلقائها، و من سعداء الأمراء الساعين في إجرائها و إمضائها، رغب الناس إلى ضروب الطاعات و الخيرات، و فتحت عليهم بركات الأرض و السماوات، و في كل قرن لم يقم بإحيائها عالم عامل و لا سلطان عادل، استشرى الفساد، و اتسع الخرق و خرجت البلاد، و استرسل الناس في اتباع الشهوات و الهوى، و انمحت أعلام الهداية و التقوى.

و لذا ترى في عصرنا-لما اندرس من هذا القطب الأعظم عمله و علمه و انمحت بالكلية حقيقته و اسمه، و عز على بسيط الأرض دين يحرس الشريعة و استولت على القلوب مداهنة الخليقة-أن الناس في بيداء الضلالة حيارى‏

241

و في أيدي جنود الأبالسة أسارى، و لم يبق من الإسلام إلا اسمه و من الشرع إلا رسمه.

و لأجل ذلك ورد الذم الشديد في الآيات و الأخبار على ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و المداهنة فيهما، قال اللّه سبحانه:

لَوْ لاََ يَنْهََاهُمُ اَلرَّبََّانِيُّونَ وَ اَلْأَحْبََارُ عَنْ قَوْلِهِمُ اَلْإِثْمَ وَ أَكْلِهِمُ اَلسُّحْتَ لَبِئْسَ مََا كََانُوا يَصْنَعُونَ (1) .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «ما من قوم عملوا بالمعاصي، و فيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل، إلا يوشك أن يعمهم اللّه بعذاب من عنده» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إن اللّه تعالى ليبغض المؤمن الضعيف الذي لا دين له» ، فقيل له: و ما المؤمن الذي لا دين له؟قال: «الذي لا ينهى عن المنكر» . و قيل له-صلى اللّه عليه و آله-: «أ تهلك القرية و فيها الصالحون؟قال: نعم!قيل: بم يا رسول اللّه؟قال: بتهاونهم و سكوتهم عن معاصي اللّه» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «لتأمرن بالمعروف و لتنهن عن المنكر، أو ليستعملن عليكم شراركم، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم» (2) .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إن اللّه تعالى ليسأل العبد: ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكر؟» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «ان اللّه لا يعذب الخاصة

____________

(1) المائدة، الآية: 66.

(2) روى في (فروع الكافي) -باب الأمر بالمعروف-هذا الحديث عن أبي الحسن الرضا-عليه السلام-. و صححنا الحديث الذي قبل الأخير على (فروع الكافي) في الموضع المذكور أيضا.

242

بذنوب العامة، حتى يظهر المنكر بين أظهرهم، و هم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه» .

و قال أمير المؤمنين-عليه السلام-في بعض خطبه: «إنما هلك من كان قبلكم، حيث عملوا بالمعاصي و لم ينههم الربانيون و الأحبار عن ذلك، و أنهم لما تمادوا في المعاصي و لم ينههم الربانيون و الأحبار عن ذلك نزلت بهم العقوبات، فأمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر... » .

و قال عليه السلام: «من ترك إنكار المنكر بقلبه و يده و لسانه، فهو ميت بين الأحياء» .

و قال-عليه السلام- «أمرنا رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة» .

و قال-عليه السلام- «إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم ثم بألسنتكم، ثم بقلوبكم فمن لم يعرف بقلبه معروفا و لم ينكر منكرا قلب فجعل أعلاه أسفله»

و قال الباقر-عليه السلام-: «أوحى اللّه عز و جل إلى شعيب النبي -عليه السلام-: إني معذب من قومك مائة ألف: أربعين ألفا من شرارهم، و ستين ألفا من خيارهم. فقال-عليه السلام-: يا رب، هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟فأوحى اللّه عز و جل إليه: داهنوا أهل المعاصي، و لم يغضبوا لغضبي» .

و قال الصادق-عليه السلام-: «ما قدست أمة لم يؤخذ لضعيفها من قويها بحقه غير متعتع» .

و قال-عليه السلام-: «ويل لقوم لا يدينون اللّه بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر»

و قال-عليه السلام-: «إن اللّه تعالى بعث ملكين إلى أهل مدينة ليقلبها على أهلها، فلما انتهيا إلى المدينة وجدا رجلا يدعو اللّه و يتضرع إليه، فقال أحد الملكين لصاحبه: أ ما ترى هذا الداعي؟فقال: قد رأيته، و لكن أمضى ما أمر به ربي. فقال: لا، و لكن لا أحدث شيئا حتى أراجع ربي. فعاد إلى اللّه تبارك و تعالى، فقال: يا رب إني انتهيت إلى‏

243

المدينة، فوجدت عبدك فلانا يدعوك و يتضرع إليك. فقال: امض ما أمرتك به، فإن ذا رجل لم يتمعر وجهه غيظا لي قط» .

و قال -عليه السلام-لقوم من أصحابه: حق لي أن آخذ البري‏ء منكم بالسقيم و كيف لا يحق لي ذلك و أنتم يبلغكم عن الرجل منكم القبيح فلا تنكرون عليه و لا تهجرونه و لا تؤذونه حتى يتركه» .

و قال-عليه السلام-: «لأحملن ذنوب سفهائكم على علمائكم... إلى أن قال: ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهون و ما يدخل علينا به الأذى، أن تأنوه فتؤنبوه و تعذلوه، و تقولوا له قولا بليغا!» ، قيل له: إذن لا يقبلون منا، قال: «اهجروهم و اجتنبوا مجالستهم» .

و في بعض الأخبار النبوية: «إن أمتي إذا تهاونوا في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فليأذنوا بحرب من اللّه» .

و قد وردت أخبار بالمنع عن حضور مجالس المنكر إذا لم يمكنه دفعه و النهي عنه، و لو حضر نزلت عليه اللعنة. و على هذا لا يجوز دخول بيت الظلمة و الفسقة، و لا حضور المشاهد التي يشاهد فيها المنكر و لا يقدر على تغييره، إذ لا يجوز مشاهدة المنكر من غير حاجة، اعتذارا بأنه عاجز. و لهذا اختار جماعة من السلف العزلة، حذرا من مشاهدة المنكر في الأسواق و المجامع و الأعياد، مع عجزهم عن التغيير.

ثم إذا كان الأمر في المداهنة في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بهذه المثابة، فيعلم أن الأمر بالمنكر و النهي عن المعروف كيف حاله.

قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «كيف بكم إذا فسدت نساؤكم و فسق شبابكم و لم تأمروا بالمعروف و لم تنهوا عن المنكر؟» فقيل له-صلى اللّه عليه و آله-: و يكون ذلك يا رسول اللّه؟!قال: «نعم! كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر و نهيتم عن المعروف؟!» ، فقيل له:

244

يا رسول اللّه، و يكون ذلك؟!قال: «نعم!و شر من ذلك!كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا و المنكر معروفا؟!» ، و في رواية:

«و عند ذلك يبتلى الناس بفتنة، يصير الحليم فيها حيران» (1) .

و من تأمل في الأخبار و الآثار، و اطلع على التواريخ و السير و قصص الأمم السالفة و القرون الماضية، و ما حدثت لهم من العقوبات، و ضم ذلك إلى التجربة و المشاهدة في عصره، من ابتلاء الناس ببعض البلايا السماوية و الأرضية، يعلم أن كل عقوبة سماوية و أرضية، من الطاعون و الوباء، و القحط و الغلاء، و حبس المياه و الأمطار، و تسلط الظالمين و الأشرار، و وقوع القتل و الغارات، و حدوث الصواعق و الزلازل، و أمثال ذلك، تكون مسبوقة بترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بين الناس.

وصل السعي في الأمر بالمعروف‏

ضد المداهنة في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، هي السعي فيهما و التشمير لهما. و هو أعظم مراسم الدين، و المهم الذي بعث اللّه لأجله النبيين، و نصب من بعدهم الخلفاء و الأوصياء، و جعل نوابهم أولى النفوس القدسية من العلماء. بل هو القطب الذي تدور عليه أرحية الملل و الأديان و تطرق الاختلال فيه يؤدي إلى سقوطها عن الدوران. و لهذا ورد في

____________

(1) صححنا الأحاديث هنا على (فروع الكافي) : باب الأمر بالمعروف و على (الوسائل) : كتاب الأمر بالمعروف و على (المستدرك) : 2-360-361 كتاب الأمر بالمعروف.

245

مدحه و الترغيب عليه مما لا يمكن إحصاؤه من الآيات و الأخبار، قال اللّه سبحانه:

وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ .

و قال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ، تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ (1) . و قال: فَلَمََّا نَسُوا مََا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا اَلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلسُّوءِ وَ أَخَذْنَا اَلَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذََابٍ بَئِيسٍ بِمََا كََانُوا يَفْسُقُونَ (2) . و قال: لاََ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوََاهُمْ، إِلاََّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاََحٍ بَيْنَ اَلنََّاسِ، وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ اِبْتِغََاءَ مَرْضََاتِ اَللََّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً . و قال: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوََّامِينَ بِالْقِسْطِ (3) .

و القيام بالقسط هو: الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «ما أعمال البر عند

____________

(1) آل عمران، الآية: 104، 110.

(2) الأعراف، الآية: 164.

(3) النساء، الآية: 113، 135.

246

الجهاد في سبيل اللّه إلا كنفثة في بحر لجي، و ما جميع أعمال البر و الجهاد في سبيل اللّه عند الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلا كنفثة في بحر لجي»

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إياكم و الجلوس على الطرقات!» قالوا ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: «فإذا أبيتم إلا ذلك، فاعطوا الطريق حقه» ، قالوا: و ما حق الطريق؟قال: «غض البصر و كف الأذى، و رد السلام، و الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «ما بعث اللّه نبيا إلا و له حواري، فيمكث النبي بين أظهرهم ما شاء اللّه، يعمل فيهم بكتاب اللّه و بأمره، حتى إذا قبض اللّه نبيه، مكث الحواريون يعملون بكتاب اللّه و بأمره و سنة نبيهم، فإذا انقرضوا، كان من بعدهم قوم يركبون رءوس المنابر يقولون ما يعرفون و يعملون ما ينكرون. فإذا رأيتم ذلك، فحق على كل مؤمن جهادهم بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. و ليس وراء ذلك إسلام» (1) .

و قال أمير المؤمنين-عليه السلام-: «إن من رأى عدوانا يعمل به و منكرا يدعى إليه فأنكره بقلبه، فقد سلم و بري‏ء و من أنكره بلسانه فقد أجر، و هو أفضل من صاحبه، و من أنكره بالسيف لتكون كلمة اللّه العليا و كلمة الظالمين السفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى و قام على الطريق، و نور في قلبه اليقين» (2) .

و قال-عليه السلام- «فمنهم المنكر للمنكر بقلبه و لسانه و يده، فذلك المستكمل لخصال الخير و منهم المنكر بلسانه و قلبه، التارك بيده، فذلك متمسك بخصلتين من

____________

(1) صححنا هذه النبويات الثلاثة على (إحياء العلوم) : 2-271، 272.

(2) صححنا الحديث على (المستدرك) : كتاب الأمر بالمعروف، الباب 3 و على (الوسائل) : كتاب الأمر بالمعروف، الباب 3. و كذا الحديث بعده، صححناه على (الوسائل) في الموضع المذكور.

247

خصال الخير و مضيع خصلة. و منهم المنكر بقلبه، و التارك بيده و لسانه، فذلك الذي ضيع أشرف الخصلتين من الثلاث و تمسك بواحدة. و منهم تارك لإنكار المنكر بلسانه و قلبه و يده، فذلك ميت الأحياء. و ما أعمال البر كلها و الجهاد في سبيل اللّه عند الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلا كنفثة في بحر لجي، و إن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لا يقربان من أجل و لا ينقصان من رزق، و أفضل من ذلك كلمة عدل عند إمام جائر»

و في خبر جابر عن الباقر-عليه السلام-: «إن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر سبيل الأنبياء و منهاج الصلحاء، فريضة عظيمة، بها تقام الفرائض و تأمن المذاهب، و تحل المكاسب، و ترد المظالم، و تعمر الأرض و ينتصف من الأعداء، و يستقيم الأمر. فأنكروا بقلوبكم، و ألفظوا بألسنتكم، و صكوا بها جباههم، و لا تخافوا في اللّه لومة لائم. فإن اتعظوا و إلى الحق رجعوا فلا سبيل عليهم:

إِنَّمَا اَلسَّبِيلُ عَلَى اَلَّذِينَ يَظْلِمُونَ اَلنََّاسَ وَ يَبْغُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ أُولََئِكَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ (1) .

هنالك فجاهدوهم بأبدانكم، و أبغضوهم بقلوبكم، غير طالبين سلطانا و لا باغين مالا، و لا مريدين لظلم ظفرا، حتى يفيئوا إلى أمر اللّه و يمضوا على طاعته» (2) .

____________

(1) الشورى، الآية: 42.

(2) صححنا الحديث على (فروع الكافي) : كتاب الجهاد، باب الأمر بالمعروف.

248
فصل وجوب الأمر بالمعروف و شروطه‏

مقتضى الآيات و الأخبار المذكورة، وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و لا خلاف فيه أيضا، إنما الخلاف في كون وجوبهما كفائيا أو عينيا. و الحق الأول، كما يأتي.

ثم الواجب إنما هو الأمر بالواجب و النهي عن الحرام. و أما الأمر بالمندوب و النهي عن المكروه فمندوب، و إنما يجب بشروط أربعة:

الأول-العلم بكونهما معروفا و منكرا، ليأمن من الغلط، فلا يجبان في المتشابه، فمن علم بالقطع الوجوب أو الحرمة، و عدم جواز الاختلاف فيه من ضرورة الدين أو المذهب أو الإجماع القطعي النظري أو الكتاب و السنة أو من قول العلماء، فله أن يأمر و ينهى و يحتسب به على كل أحد و من لم يعلمها بالقطع، بل علمها بالظن الحاصل من الاجتهاد أو التقليد و جوز الاختلاف فيه، فليس له الأمر و النهي و الحسبة، إلا على من كان على هذا الاعتقاد من مجتهد أو مقلد، أو لزم عليه أن يكون هذا الاعتقاد و إن لم يكن عليه بالفعل للجهل، كالمقلد المطلق لمجتهد إذا لم يعلم بعض العقائد الاجتهادية لمجتهده، فيتأتى لغيره إن يحتسب به عليه. و حاصل ما ذكر: أن القطعيات الوفاقية تأتي لكل أحد أن يحتسب بها على كل أحد بعد علمها و غير القطعيات الجائز فيها الاختلاف و المرجح أحد طرفيها لاجتهاد لا يتأتى لمجتهدها و مقلده فيها الاحتساب، أي الأمر و النهي، إلا على من كان موافقا في الاعتقاد أو يلزم أن يكون موافقا.

الثاني-تجويز التأثير. فلو علم أو غلب على ظنه أنه لا يؤثر فيه، لم يجب، لعدم الفائدة.

249

الثالث-القدرة و التمكن منه، و عدم تضمنه مفسدة. فلو ظن توجه الضرر إليه أو إلى أحد من المسلمين بسببه سقط، إذ لا ضرر و لا ضرار في الدين.

الرابع-أن يكون المأمور أو المنهي مصرا على الاستمرار. فلو ظهر منهما أمارة الإقلاع سقط، للزوم العبث.

ثم هذه الشروط يختلف اشتراطها بسبب اختلاف درجات الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، كما يأتي. و يدل على اشتراط الثلاثة الأول

ما روى: «أنه سئل مولانا الصادق-عليه السلام-: أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أ واجب على الأمة جميعا؟فقال: لا. فقيل له: و لم؟ قال: إنما هو على القوى المطاع، العالم بالمعروف من المنكر، لا على الضعيف الذي لا يهتدى سبيلا إلى أي من أي يقول من الحق إلى الباطل.

و الدليل على ذلك من كتاب اللّه عز و جل، قوله:

وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ (1) .

فهذا خاص غير عام، كما قال اللّه عز و جل:

وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏ََ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ (2) .

و لم يقل على أمة موسى، و لا على كل قوم، و هم يومئذ أمم مختلفة و الأمة واحد فصاعدا، كما قال اللّه عز و جل: إِنَّ إِبْرََاهِيمَ كََانَ أُمَّةً قََانِتاً لِلََّهِ يقول مطيعا للّه عز و جل. و ليس على من يعلم ذلك في هذه

____________

(1) آل عمران، الآية: 104.

(2) الأعراف، الآية: 158.

250

الهدنة من حرج، إذا كان لا قوة له و لا عذر و لا طاقة» .

قال مسعدة «سمعت أبا عبد اللّه-عليه السلام- و سئل عن الحديث الذي جاء عن النبي صلى اللّه عليه و آله: (إن أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر) ما معناه-قال: هذا على أن يأمره بعد معرفته، و هو مع ذلك يقبل منه و إلا فلا» . و في خبر آخر: «إنما يؤمر بالمعروف و ينهى عن المنكر مؤمن فيتعظ أو جاهل فيتعلم. فأما صاحب سوط أو سيف فلا» .

و في خبر آخر: «من تعرض لسلطان جائر و أصابته بلية، لم يؤجر عليها و لم يرزق الصبر عليها» (1) .

و من الشرائط أن يظهر المنكر على المحتسب من غير تجسس، فلا يجب، بل لا يجوز التجسس، كفتح الباب المغلق، و وضع الأذن و الأنف لاحتباس الصوت و الريح، و طلب إرائة ما تحت الثوب و أمثال ذلك، لنص الكتاب و السنة.

فصل عدم اشتراط العدالة فيه‏

لا تشترط فيه العدالة و ائتمار الآمر بما يأمر به و انتهاء الناهي عما ينهى عنه، لإطلاق الأدلة، و لأن الواجب على فاعل الحرام المشاهد فعله من غيره أمران: تركه و إنكاره، و لا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر، كيف و لو شرط ذلك لاقتضى عدم وجوب ذلك إلا على المعصوم، فينسد باب الحسبة بالكلية.

____________

(1) صححنا الأحاديث على (فروع الكافي) : باب الأمر بالمعروف، و باب إنكار المنكر بالقلب. اسقط المؤلف من الحديث الأول قسما فأكملناه.

251

و أما الإنكار في قوله تعالى:

أَ تَأْمُرُونَ اَلنََّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ (1) . و قوله تعالى: لِمَ تَقُولُونَ مََا لاََ تَفْعَلُونَ؟`كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللََّهِ أَنْ تَقُولُوا مََا لاََ تَفْعَلُونَ (2) .

و ما في حديث الأسرى من قرض مقاريضهم بالنار، فانما هو على عدم العمل بما يأمر به و يقوله، لا على الأمر و القول. و كذلك ما روي:

«أن اللّه تعالى أوحى إلى عيسى: عظ نفسك، فان اتعظت فعظ الناس و إلا فاستحى مني» (3) . و قس على ذلك جميع ما ورد من هذا القبيل.

و ما قيل إن هداية الغير فرع الاهتداء، و تقويم الغير فرع الاستقامة ففيه أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر تارة يكون بالوعظ و تارة بالقهر و من لم يكن مهتديا مستقيما، تسقط عنه الحسبة بالوعظ، لعلم الناس بفسقه فلا يتضمن وعظه و كلامه فائدة، و لا يؤثر في العالم بفسقه، و لا يخرج ذلك وعظه و قوله عن الجواز، كما لا تخرج حسبته القهرية عن التأثير و الفائدة أيضا. إذ الفاسق إذا منع غيره قهرا عن الزنا و اللواط و شرب الخمر، و اراق الخمور، و كسر آلات الملاهي، حصل التأثير و الفائدة بلا شبهة

____________

(1) البقرة، الآية: 44.

(2) الصف، الآية: 2-3.

(3) صححنا الأحاديث كلها على (فروع الكافي) : باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و على (الوسائل) : كتاب الأمر بالمعروف. و على (المستدرك) 2-360، كتاب الامر بالمعروف و النهى عن المنكر.

252

و الحاصل: أن أحد نوعى الاحتساب-اعنى الوعظى-يتوقف تأثيره على العدالة، و أما نوعه الآخر-أعنى القهرى-فلا يتوقف عليه مطلقا.

فان قيل: اذا أتى رجل امرأة إكراها، و هي مستورة الوجه، فكشف وجهها باختيارها، فما اشنع و أقبح أن ينهاها الرجل في أثناء الزنا عن كشف وجهها، و يقول لها: أنت مكرهة في الزنا و مختارة في كشف الوجه لغير المحرم، و ما أنا بمحرم لك، فاسترى وجهك.

قلنا: القبح و الاستنكار إنما هو لأجل أنه ترك الاهم و اشتغل بما هو الاهون، كما إذا ترك المشتبه و أكل الحرام، أو ترك الغيبة و شهد بالزور لا لأن هذا النهي هو حرام في نفسه، أو خرج عن الوجوب إلى الاباحة أو الكراهة. و لأن نهيه هذا خرج بفسقه عن التأثير و الفائدة، فالاستنكار عليه و تقبيح نهيه عن هذا من حيث إنه نزل نفسه مقام من يؤثر قوله، مع أنه لا يؤثر، كما تقدم آنفا.

ثم ما ذكرناه من عدم اشتراط العدالة في العمل بما يأمر به و ينهى عنه إنما هو في آحاد الحسبة الصادرة من أفراد الرعية المطلعين على المنكر. و أما من نصب نفسه لا صلاح الناس و نصحهم، و بيان الاحكام الإلهية نيابة عن رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-و الأئمة المعصومين-عليهم السلام- فلا بد فيه من العدالة و التقوى و العلم بالكتاب و السنة، و غير ذلك من شرائط الاجتهاد. و على هذا يحصل جواب آخر عن الآيات و الاخبار الواردة في الإنكار على الواعظ غير المتعظ بتخصيصها به دون افراد الرعية. و عليه يحمل قول الصادق-عليه السلام-في (مصباح الشريعة) (1) : «من لم ينسلخ عن هواجسه، و لم يتخلص من آفات نفسه و شهواتها، و لم يهزم

____________

(1) الباب 64 و قد صححنا الحديث عليه و على (بحار الأنوار) : 21-114 باب الأمر المعروف. و على (مستدرك الوسائل) : 2-363-365.