جامع السعادات - ج2

- الشيخ محمد مهدي النراقي المزيد...
425 /
253

الشيطان، و لم يدخل في كنف اللّه و أمان عصمته، لا يصلح له الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، لأنه إذا لم يكن بهذه الصفة، فكلما أظهر أمرا كان حجة عليه، و لا ينتفع الناس به. قال اللّه عز و جل:

أَ تَأْمُرُونَ اَلنََّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ (1) .

و يقال له: يا خائن!أ تطالب خلقي بما خنت به نفسك و أرخيت عنه عنانك!» . و كذا يحمل عليه قول الصادق-عليه السلام- (2) :

«صاحب الامر بالمعروف يحتاج إلى أن يكون عالما بالحلال و الحرام، فارغا من خاصة نفسه مما يأمرهم به و ينهاهم عنه، ناصحا للخلق، رحيما لهم، رفيقا بهم، داعيا لهم باللطف و حسن البيان، عارفا بتفاوت اخلاقهم لينزل كلا منزلته، بصيرا بمكر النفس و مكائد الشيطان، صابرا على ما يلحقه لا يكافيهم بها و لا يشكو منهم، و لا يستعمل الحمية و لا يغتلظ لنفسه، مجردا نيته للّه، مستعينا به و مبتغيا لوجهه، فان خالفوه و جفوه صبر، و إن وافقوه و قبلوا منه شكر، مفوضا أمره إلى اللّه، ناظرا إلى عيبه» .

(تنبيه) اعلم أن المحتسب عليه-أعني من يؤمر به أو ينهى عنه- و ان اشترط كونه عاقلا بالغا، إلا أن هذا الشرط إنما هو في غالب الأوامر و النواهي، و بعضها لا يشترط فيه ذلك. إذ من رأى صبيا أو مجنونا يشرب الخمر، وجب عليه أن يمنعه و يريق خمره. و كذا إن رأى مجنونا يزني بمجنونة أو بهيمة، فعليه أن يمنعه منه، و لا يلزم منه أن يكون منع بهيمة عن افساد زرع انسان حسبة و نهيا عن منكر، إذ لا يصدق اسم المحتسب عليه و المنهي إلا على من كان الفعل الممنوع عنه في حقه منكرا و هو لا يكون الا الإنسان دون سائر الحيوانات.

____________

(1) البقرة، الآية: 44.

(2) (مصباح الشريعة) : الباب المتقدم.

254
فصل مراتب الأمر بالمعروف‏

اعلم أن للامر بالمعروف و النهى عن المنكر مراتب:

الأولى-الإنكار بالقلب: بأن يبغضه على ارتكاب المعصية. و هذا مشروط بعلم الناهي و اصرار المنهي، و لا يشترط بالشرطين الأخيرين.

الثانية-التعريف: بأن يعرف المرتكب للمنكر بأنه معصية، فان بعض الناس قد يرتكب بعض المعاصي لجهلهم بأنه معصية، و لو عرف كونه معصية تركه.

الثالثة-إظهار الكراهة و الإعراض و المهاجرة.

الرابعة-الإنكار باللسان: بالوعظ، و النصح، و التخويف، و الزجر، مرتبا الأيسر فالأيسر، الى أن يصل إلى التعنيف بالقول و التغليظ في الكلام، كقوله: يا جاهل!يا أحمق!لا تخالف ربك!و ههنا شبكة عظيمة للشيطان، ربما يصطاد بها أكثر الوعاظ. فينبغي لكل عالم ناصح أن يراها بنور البصيرة، و هي أن يحضره عند الوعظ و الإرشاد، و يلقى في قلبه تعززه و شرافته بالعلم، و ذلة من يعظه بالجهل و الخسة. فربما يقصد بالتعريف و الوعظ الاذلال و التجهيل، و إظهار شرف نفسه بالعلم، و هذه آفة عظيمة تتضمن كبرا و رياء. و ينبغي لكل واعظ دين ألا يغفل عن ذلك، و يعرف بنور بصيرته عيوب نفسه و قبح سريرته. و علامة براءة نفسه من هذه الآفة، أن يكون اتعاظ ذلك العاصي بوعظ غيره أو امتناعه من المعصية بنفسه أحب إليه من اتعاظه بوعظه.

الخامسة-المنع بالقهر مباشرة، ككسر آلات اللهو، و اراقة الخمر و استلاب الثوب المغصوب منه و رده إلى صاحبه، و أمثال ذلك.

255

السادسة-التهديد و التخويف: كقوله: دع عنك هذا، و إلا ضربتك أو كسرت رأسك!أو غير ذلك مما يجوز له أن يفعل لو لم ينته عن معصيته. و لا يجوز أن يهدده بما لا يجوز فعله، كقوله: دع هذا و إلا أضرب عنقك!أو أضرب ولدك، أو استبين زوجتك، و أمثال ذلك.

السابعة-مباشرة الضرب باليد و الرجل و غير ذلك، من دون ان ينتهى إلى شهر سلاح و جراح.

الثامنة-الجرح بشهر بعض الأسلحة. و جوزه سيدنا المرتضى -رضي اللّه عنه-من أصحابنا و جماعة، و الباقون اشترطوا إذن الامام في ذلك، إذ ربما لا يقدر عليه بنفسه، و يحتاج فيه إلى اعوان و أنصار يشهرون السلاح، و ربما يستمد الفاسق أيضا باعوانه، فيؤدى إلى المقاتلة و المحاربة و حدوث فتنة عظيمة.

فصل معنى وجوبهما كفائيا

اذا اجتمعت الشرائط، و كان المطلع منفردا، تعين عليه. و إن كان ثمة غيره، و شرع أحدهما في الأمر و النهى، فان ظن الآخر ان لمشاركته اثرا في تعجيل ترتب الأثر و رسوخ الانزجار، وجب عليه أيضا، و إلا فلا. لأن الغرض وقوع المعروف و ارتفاع المنكر، فمتى حصلا بفعل واحد، كان السعي من الآخر عبثا. و هذا معنى كون وجوبهما كفائيا.

256
فصل ما ينبغي في الآمر بالمعروف و الناهي عن المنكر

ينبغي لكل من الآمر بالمعروف و الناهي عن المنكر أن يكون حسن الخلق، صابرا حليما قويا في نفسه، لئلا ينزعج، و لا يضطرب إذا قيل في حقه ما لا يليق به. فان أكثر الناس اتباع الهوى، فإذا نهوا عما يميلون اليه شق ذلك عليهم، فربما اطلقوا ألسنتهم في حق الناهي، و يقولون فيه ما لا يليق بشأنه، و ربما تجاوزوا إلى سوء الأدب قولا و فعلا بالمشافهة.

و أن يكون رفيقا بالناس، فان الوعظ بالرفق و الملاءمة أوقع و أشد تأثيرا في قلوب أكثر الناس.

و أن يكون قاطعا للطمع عن الناس، فان الطامع من الناس في أموالهم أو إطلاق ألسنتهم بالثناء عليه لا يقدر على الحسبة، و لذا نقل: «أن بعض المشايخ كان له سنور، و كان يأخذ من قصاب في جواره كل يوم شيئا من القد لسنوره، فرأى على القصاب منكرا، فدخل الدار أولا، و اخرج السنور، ثم جاء و وعظ القصاب و شدد عليه القول، فقال القصاب لا يأكل سنورك شيئا بعد ذلك، فقال: ما احتسبت عليك إلا بعد إخراج السنور و قطع الطمع عنك!» .

تتميم أنواع المنكرات‏

اعلم أن المنكرات إما محظورة أو مكروهة، و المألوفة منها في العادات أكثر من أن تحصى.

257

فمنها-ما يكون غالبا في المساجد: كاساءة الصلاة، و الاخلال ببعض أفعالها، و التأخير عن اوقاتها، و إدخال النجاسة فيها، و التكلم فيها بامور الدنيا و البيع و الشراء، و دخول الصبيان و المجانين فيها مع اشتغالهم باللهو و اللعب، و قراءة القرآن فيها باللحن أو الغناء، و دخول النسوان فيها مع ظن تطرق الريبة، و نظر الأجانب إليهن أو نظرهن إليهم، و دخول الجنب أو الحائض فيها، و تغنى المؤذنين بالأذان أو غيره مما يقرؤن، و تقديمهم الأذان على الوقت، و وعظ من لا ينبغي أن يتمكن من الموعظة كمن يكذب في حديثه أو يفتى بالمسائل و ليس أهلا لها، أو يظهر من وعظه كونه مرائيا طالبا للجاه، و أمثال ذلك. فان كل ذلك من المنكرات بعضها محظورة و بعضها مكروهة، ينبغي لكل مطلع ان ينهى عنها.

و منها-ما يكون غالبا في الأسواق: من الكذب في المحاولات و المعاملات و إخفاء العيب، و الايمان الكاذبة، و المنازعة بالضرب و الشتم و الطعن و اللعن و أمثال ذلك، و التبخس في الكيل و الميزان، و المعاملات الفاسدة باقسامها على ما هو مقرر في الفقهيات.

و منها-ما يكون في الشوارع: كوضع الاساطين، و بناء الدكات متصلة بالابنية المملوكة، و تضيق الطرق على المارة بوضع الأطعمة و الاحطاب و ربط الدواب فيها، و سوق الدواب فيها و عليها الاشواك و النجاسات- اذا تأذى الناس منها و امكن العدول بها إلى موضع واسع، و إن لم يمكن فلا منع، اذ حاجة أهل البلد ربما تمس إلى ذلك-و تحميل الدواب ما لا يطيقها من الحمل، و ذبح القصاب على الطريق أو على باب دكانه بحيث تلوث الطريق بالدم، و طرح الكناسة على جواد الطريق، و رش الماء على الطرق بحيث يخشى منه الزلق و السقوط، و إرسال الماء من الميازيب المخرجة من الحائط إلى الطرق الضيقة، و غير ذلك. و قس على ذلك‏

258

منكرات الحمات، و الخانات، و الأسواق، و مجالس العامة، و مجامع القضاة و مدارس الفقهاء، و رباطات الصوفية، و دواوين السلاطين، و غيرها.

فان أمثال ما ذكر من المنكرات يجب أن ينهى عنها، فلو قام بالاحتساب و النهى عنها أحد سقط الحرج على البواقي، و إلا عم الحرج أهل البلد جميعا. و أمثال ما ذكر إنما هو من المنكرات اليسيرة الجزئية.

و أما المنكرات العظيمة: من البدعة في الدين، و القتل، و الظلم، و الزنا، و اللواط، و شرب الخمر، و أنواع الغناء، و النظر إلى غير المحارم و أكل الحرام، و الصلاة في الاماكن المغصوبة، و الوضوء و الغسل من المياه المحرمة، و التصرف في أموال الأوقاف و غصبها، و المعاملة مع الظالمين و الجهل في الأصول الاعتقادية و الفروع الواجبة، و آفات اللسان، فلا يمكن حصرها لكثرتها، لا سيما في أمثال زماننا. فلو امكن لمؤمن دين أن يغير هذه المنكرات كلا أو بعضا بالاحتساب، فليس له أن يقعد في بيته، بل يجب عليه الخروج للنهي و التعليم. بل ينبغي لكل مسلم أن يبدأ بنفسه فيصلحها بالمواظبة على الطاعات و ترك المحرمات، ثم يعلم ذلك أهله و أقاربه ثم يتعدى بعد الفراغ منهم إلى جيرانه، ثم إلى أهل محلته، ثم أهل بلده، ثم أهل السواد المكتنف بلده، ثم إلى غيرهم، و هكذا الاقرب فالأقرب الى اقصى العالم. فان قام به الادنى سقط عن الابعد، و إلا لزم الحرج على كل قادر عليه، قريبا كان أو بعيدا. و لا يسقط الحرج ما دام يبقى على وجه الأرض جاهل يعرض عن فروض دينه و هو قادر على أن يسعى إليه بنفسه أو بغيره فيعلمه فريضة. و هذا شغل شاغل لمن يهمه أمر دينه يشغله عن سائر المشاغل. إلا أن إعراض الناس عن أمور دينهم في عصرنا لم يبلغ حدا يقبل الإصلاح، الى ان تتعلق به مشيئة اللّه، فينهض بعض عباده السعداء الأقوياء، فيدفع هذه الوصمة، و يسد هذه الثلمة، و يتلافى هذه الفترة.

259

و منها:

الهجرة و التباعد

و لا ريب في كونه من نتائج العداوة و الحقد، أو الحسد أو البخل فيكون من رذائل قوة الغضب أو الشهوة. و هو من ذمائم الأفعال. قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «أيما مسلمين تهاجرا، فمكثا ثلاثا لا يصطلحان، إلا كانا خارجين من الإسلام، و لم يكن بينهما ولاية. فأيهما سبق الكلام لأخيه، كان السابق إلى الجنة يوم الحساب» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث.. » و قال الصادق-عليه السلام-: «لا يفترق رجلان على الهجران، إلا استوجب أحدهما البراءة و اللعنة، و ربما استحق ذلك كلاهما» ، فقال له معتب:

جعلني اللّه فداك!هذا للظالم، فما بال المظلوم؟!قال: «لأنه لا يدعو أخاه إلى صلته، و لا يتعامس له عن كلامه. سمعت أبي-عليه السلام- يقول: اذا تنازع اثنان، فعاد أحدهما الآخر، فليرجع المظلوم إلى صاحبه حتى يقول لصاحبه: أى أخي، انا الظالم، حتى يقطع الهجران بينه و بين صاحبه، فان اللّه تبارك و تعالى حكم عدل، يأخذ للمظلوم من الظالم» .

و قال عليه السلام: «لا يزال ابليس فرحا ما اهتجر المسلمان، فإذا التقيا اصطكت ركبتاه و تخلعت أوصاله، و نادى: يا ويله!ما لقى من الثبور» و قال الباقر عليه السلام: «إن الشيطان يغرى بين المؤمنين ما لم يرجع أحدهم عن دينه، فإذا فعلوا ذلك استلقى على قفاه و تمدد، ثم قال:

فزت. فرحم اللّه امرأ الف بين وليين لنا. يا معشر المؤمنين، تآلفوا

260

و تعاطفوا» (1) . و الأخبار الواردة في ذم الهجرة و التباعد كثيرة.

فيجب على كل طالب لنجاة الآخرة أن يتأمل في أمثال هذه الأخبار ثم يتذكر ثواب ضد ذلك و فوائده، أعنى التآلف و التزاور بين الاخوان بنفسه، فيحافظ نفسه من حصول الانقطاع و التباعد مع أحد اخوانه، و لو حصل ذلك كلف نفسه المبادرة إلى زيارته و تألفه، حتى يغلب على الشيطان و نفسه الامارة، و يفوز بما يرجوه المتقون من عظيم الأجر و جزيل الثواب.

فصل التزاور و التآلف‏

قد أشير إلى أن ضد التباعد و الهجران هو التزاور و التآلف، و هو من ثمرات النصيحة و المحبة، و ثوابه أكثر من أن يحصى. عن أبي جعفر -عليه السلام-قال: «قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: حدثني جبرئيل-عليه السلام-: أن اللّه عز و جل أهبط إلى الأرض ملكا، فاقبل ذلك الملك يمشي حتى وقع إلى باب عليه رجل يستأذن على رب الدار، فقال له الملك: ما حاجتك إلى رب هذه الدار؟قال: أخ لي مسلم زرته في اللّه تبارك و تعالى. فقال له الملك: ما جاء بك إلا ذاك؟فقال: ما جاء بي إلا ذاك. قال: فاني رسول اللّه إليك، و هو يقرئك السلام، و يقول وجبت لك الجنة. و قال الملك: إن اللّه عز و جل يقول: أيما مسلم زار مسلما فليس إياه زار، بل إياي زار، و ثوابه علي الجنة» . و قال أمير المؤمنين-عليه السلام-: «لقاء الاخوان مغنم جسيم، و إن قلوا» .

____________

(1) صححنا الاخبار كلها على (الكافي) : باب الهجران.

261

و قال أبو جعفر الباقر عليه السلام: «إن للّه عز و جل جنة لا يدخلها إلا ثلاثة: رجل حكم على نفسه بالحق، و رجل زار أخاه المؤمن في اللّه و رجل آثر أخاه المؤمن في اللّه» . و قال-عليه السلام-: «إن المؤمن ليخرج إلى أخيه يزوره، فيوكل اللّه عز و جل به ملكا، فيضع جناحا في الأرض و جناحا في السماء يظله، فإذا دخل إلى منزله، ناداه الجبار تبارك و تعالى: أيها العبد المعظم لحقى، المتبع لآثار نبيي، حق علي إعظامك، سلنى اعطك، ادعني اجبك، اسكت ابتدئك. فإذا انصرف شيعه الملك يظله بجناحه حتى يدخل إلى منزله، ثم يناديه تبارك و تعالى:

أيها العبد المعظم لحقى، حق علي إكرامك، قد أوجبت لك جنتى، و شفعتك في عبادي» . و قال-عليه السلام-: «أيما مؤمن خرج إلى أخيه يزوره عارفا بحقه و كتب اللّه له بكل خطوة حسنة، و محيت عنه سيئة، و رفعت له درجة، فإذا طرق الباب فتحت له ابواب السماء، فإذا التقيا و تصافحا و تعانقا، أقبل اللّه عليهما بوجهه، ثم باهى بهما الملائكة فيقول: انظروا إلى عبدي تزاورا و تحابا في، حق علي ألا أعذبهما بالنار بعد ذا الموقف. فإذا انصرف شيعه ملائكة عدد نفسه و خطاه و كلامه، يحفظونه عن بلاء الدنيا و بوائق الآخرة إلى مثل تلك الليلة من قابل، فان مات فيما بينهما اعفى من الحساب، و ان كان المزور يعرف من حق الزائر ما عرفه الزائر من حق المزور كان له مثل أجره» .

و قال الصادق-عليه السلام-: «من زار أخاه للّه لا لغيره، التماس موعد اللّه و تنجز ما عند اللّه، و كل اللّه به سبعين الف ملك ينادونه ألا طبت و طابت لك الجنة!» . و قال-عليه السلام-: «من زار أخاه في اللّه، قال اللّه عز و جل: إياي زرت، و ثوابك على، و لست أرضى لك ثوابا دون الجنة، و قال-عليه السلام-: «من زار أخاه

262

في اللّه في مرض أو صحة، لا يأتيه خداعا و لا استبدالا، و كل اللّه به سبعين الف ملك، ينادون في قفاه: أن طبت و طابت لك الجنة!فانتم زوار اللّه، و أنتم وفد الرحمن، حتى يأتي منزله» ، فقال له بشير: جعلت فداك!فان كان المكان بعيدا؟قال: «نعم يا بشير!و إن كان المكان مسيرة سنة، فان اللّه جواد، و الملائكة كثير، يشيعونه حتى يرجع إلى منزله» . و قال-عليه السلام-: «من زار أخاه في اللّه تعالى و للّه، جاء يوم القيامة يخطر بين قباطى من نور (1) ، لا يمر بشي‏ء الا أضاء له حتى يقف بين يدي اللّه عز و جل، فيقول اللّه له: مرحبا!و إذا قال مرحبا، اجزل اللّه عز و جل له العطية» . و قال-عليه السلام-: «لزيارة مؤمن في اللّه خير من عتق عشر رقاب مؤمنات، و من أعتق رقبة مؤمنة وقى بكل عضو عضوا من النار، حتى أن الفرج بقى الفرج» . و قال -عليه السلام-لأبي خديجة: «كم بينك و بين البصرة؟» قال: في الماء خمس إذا طابت الريح، و على الظهر ثمان و نحو ذلك، فقال:

«ما أقرب هذا، تزاوروا و تعاهدوا بعضكم بعضا، فانه لا بد يوم القيامة يأتي كل انسان بشاهد شهد له على دينه» . و قال: «إن المسلم إذا رأى أخاه، كان حياة لدينه إذا ذكر اللّه» و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «مثل الأخوين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى، ما لقى المؤمنان قط إلا أفاد اللّه أحدهما من صاحبه خيرا» .

و الأخبار الواردة بهذه المضامين كثيرة. و السر في هذا الترغيب الشديد على تزاور المؤمنين و ملاقاتهم، كونه دافعا للحسد و العداوة، جالبا للتأليف و المحبة. و هو أعظم ما يصلح به أمر دنياهم و عقباهم. و لذا ورد

____________

(1) القبط-بالكسر-: أهل مصر الاصليون و إليهم تنسب الثياب البيض القبطية.

و الجمع (قباطى) .

263

الثناء و المدح في الآيات و الأخبار على نفس الألفة و انقطاع الوحشة، لا سيما اذا كانت الرابطة هي التقوى و الدين. و ورد الذم في التفرقة و التوحش، قال اللّه سبحانه في مقام الامتنان على المؤمنين بنعمة الألفة:

لَوْ أَنْفَقْتَ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً مََا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ (1) . و قال: فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوََاناً : أَي بنعمة الألفة. و قال سبحانه: وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللََّهِ جَمِيعاً وَ لاََ تَفَرَّقُوا (2) .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «المؤمن إلف مألوف و لا خير في من لا يألف و لا يؤلف» . و هذا هو السر في الترغيب على التسليم و المصافحة و المعانقة. قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-:

«أولى الناس باللّه و برسوله من بدأ بالسلام» . و قال أمير المؤمنين-عليه السلام-: «لا تغضبوا و لا تقبضوا، افشوا السلام، و اطيبوا الكلام، و صلوا بالليل و الناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» . و قال الباقر-عليه السلام-: «إن اللّه يحب إفشاء السلام» . و قال-عليه السلام-:

«من التواضع أن تسلم على من لقيت» . و قال الصادق-عليه السلام- «تصافحوا، فانها تذهب بالسخيمة» . و قال: «مصافحة المؤمن أفضل من مصافحة الملائكة» . و قال الباقر عليه السلام: «إن المؤمنين إذا

____________

(1) الانفال، الآية: 63.

(2) آل عمران، الآية: 103.

264

التقيا فتصافحا. ادخل اللّه تعالى يده بين أيديهما، و أقبل بوجهه على أشدهما حبا لصاحبه. فإذا أقبل اللّه تعالى بوجهه عليهما، تحاتت عنهما الذنوب كما تتحاتت الورق من الشجر» . و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «اذا لقى أحدكم أخاه فليسلم و ليصافحه، فان اللّه تعالى أكرم بذلك الملائكة فاصنعوا صنع الملائكة» . و قال الصادق-عليه السلام-: «إن المؤمنين اذا اعتنقا غمرتهما الرحمة، فإذا التزما لا يريد ان بذلك إلا وجه اللّه و لا يريد ان غرضا من اغراض الدنيا، قيل لهما: مغفورا لكما فاستأنفا، فإذا اقبلا على الماء، قالت الملائكة بعضها لبعض: تنحوا عنهما، فان لهما سرا و قد ستر اللّه عليهما» (1)

و منها:

قطع الرحم‏

و هو إيذاء ذوي اللحمة و القرابة، أو عدم مواساتهم بما ناله من الرفاهية و الثروة و الخيرات الدنيوية، مع احتياجهم إليه. و باعثة إما العداوة أو البخل و الخسة، فهو من رذائل القوة الغضبية أو الشهوية، و لا ريب في كونه من أعم المهلكات المفسدة للدنيا و الدين، قال اللّه سبحانه.

وَ اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اَللََّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثََاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مََا أَمَرَ اَللََّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ أُولََئِكَ

____________

(1) صححنا الأحاديث كلها على (الكافي) : باب زيارة الإخوان، و باب المصافحة، و باب المعانقة و على (سفينة البحار) : 1-567.

265

لَهُمُ اَللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ اَلدََّارِ (1) .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «أبغض الأعمال إلى اللّه الشرك باللّه، ثم قطيعة الرحم، ثم الأمر بالمنكر و النهي عن المعروف» و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «لا تقطع رحمك و إن قطعتك» . و قال -صلى اللّه عليه و آله-: «لا تقطع رحمك و إن قطعتك» . و قال تعالى:

«أنا الرحمن، و هذه الرحم شققت لها اسما من اسمى، فمن وصلها وصلته و من قطعها قطعته» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «حافتا الصراط يوم القيامة الرحم و الأمانة، فإذا مر الوصول للرحم المؤدى للامانة نفذ الى الجنة، و إذا مر الخائن للامانة القطوع للرحم لم ينفعهما معه عمل‏ (2)

و تكفأ به الصراط في النار» . و قال أمير المؤمنين-عليه السلام-في خطبة «أعوذ باللّه من الذنوب التي تعجل الفناء» ، فقام إليه عبد اللّه بن الكوى اليشكرى، فقال: يا أمير المؤمنين، أو تكون ذنوب تعجل الفناء؟فقال «نعم، ويلك !قطيعة الرحم. إن أهل البيت ليجتمعون و يتواسون و هم فجرة فيرزقهم اللّه، و إن أهل البيت ليتفرقون و يقطع بعضهم بعضا فيحرمهم اللّه و هم اتقياء» . و قال-عليه السلام-: «إذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار» . و قال الباقر عليه السلام-: «في كتاب علي-صلوات اللّه عليه-: ثلاث خصال لا يموت صاحبهن ابدا حتى يرى و بالهن: البغي، و قطيعة الرحم، و اليمين الكاذبة يبارز اللّه بها. و إن اعجل الطاعات ثوابا لصلة الرحم. و ان القوم ليكونون فجارا فيتواصلون

____________

(1) الرعد الآية 27.

(2) قال في (الوافي) : لم ينفعهما معه عمل، أي لم ينفع الخائن و لا القطوع مع الخيانة أو القطع عمل و في نسخة من (الكافي) : لم ينفعه معهما.

266

فتنمي أموالهم و يثرون. و إن اليمين الكاذبة و قطيعة الرحم لتذران الديار بلاقع من أهلها. و تنقل الرحم، و إن نقل الرحم انقطاع النسل» . و قال -عليه السلام-: «اتقوا الحالقة (1) ، فانها تميت الرجال» ، قيل:

و ما الحالقة؟قال: «قطيعة الرحم» . و جاء رجل إليه، فشكى أقاربه فقال له: «اكظم و افعل» ، فقال: انهم يفعلون و يفعلون، فقال:

«أ تريد أن تكون مثلهم فلا ينظر اللّه إليكم؟» (2) . و كتب أمير المؤمنين -عليه السلام-الى بعض عماله: «مروا الأقارب أن يتزاوروا و لا يتجاوروا» (3) ، و ذلك لأن التجاور يورث التزاحم على الحقوق، و ذلك ربما يورث التحاسد و التباغض و قطيعة الرحم، كما هو مشاهد في أكثر أبناء عصرنا، و ليس الخبر كالمعاينة، و إذا لم يتجاوروا و تزاحمت‏ (4) ديارهم كان أقرب إلى التحابب، كما قيل بالفارسية: «دورى و دوستي» (5) .

وصل ضد قطيعة الرحم: صلة الرحم‏

و هو تشريك ذوي اللحمة و القرابات بما ناله من المال و الجاه و سائر

____________

(1) قال في (مجمع البحرين) -مادة حلق-: «و في الحديث: اتقوا الحالقة قال بعض الشارحين: الحالقة هي الخصلة التي من شأنها ان تحلق، أي تهلك و تستأصل الدين كما يستأصل الموسى الشعر» .

(2) صححنا الأحاديث كلها على (أصول الكافي) : باب قطيعة الرحم، و باب صلة الرحم.

(3) لم نعثر على مصدر لهذا الحديث.

(4) كذا في النسخ، و الظاهر ان الصحيح «و تباعدت» .

(5) يعني: التباعد معه التحابب.

267

خيرات الدنيا، و هو أعظم القربات و أفضل الطاعات، قال اللّه سبحانه:

وَ اُعْبُدُوا اَللََّهَ وَ لاََ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً وَ بِذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ اَلْيَتََامى‏ََ... (1) . و قال: وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ اَلَّذِي تَسََائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحََامَ إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (2) . و قال:

اَلَّذِينَ يَصِلُونَ مََا أَمَرَ اَللََّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخََافُونَ سُوءَ اَلْحِسََابِ -الى قوله- أُولََئِكَ لَهُمْ عُقْبَى اَلدََّارِ (3) .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «اوصى الشاهد من أمتي و الغائب، و من في أصلاب الرجال و ارحام النساء، الى يوم القيامة: أن يصل الرحم و إن كانت منه على مسيرة سنة، فان ذلك من الدين» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إن اعجل الخير ثوابا صلة الرحم» .

و قال: «من سره النساء في الأجل، و الزيادة في الرزق، فليصل رحمه» و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إن القوم ليكونون فجرة و لا يكونون بررة، فيصلون أرحامهم، فتنمى أعمالهم و تطول أعمارهم، فكيف إذا كانوا أبرارا بررة» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «الصدقة بعشرة» و القرض بثمانية عشر، و صلة الاخوان بعشرين، و صلة الرحم بأربعة و عشرين»

____________

(1) النساء، الآية: 36.

(2) النساء، الآية: 1.

(3) الرعد الآية 21، 22.

268

و قيل له-صلى اللّه عليه و آله-: «أى الناس أفضل؟فقال: اتقاهم للّه، و أوصلهم للرحم، و آمرهم بالمعروف، و انهاهم عن المنكر» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إن أهل البيت ليكونون فجارا، تنمى أموالهم و يكثر عددهم إذا وصلوا ارحامهم» و قال-صلى اللّه عليه و آله- «أفضل الفضائل: أن تصل من قطعك، و تعطى من حرمك، و تعفو عمن ظلمك» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من سره أن يمد اللّه في عمره، و أن يبسط في رزقه، فليصل رحمه، فان الرحم لها لسان يوم القيامة ذلق، تقول: يا رب، صل من وصلني، و اقطع من قطعنى.

فالرجل ليرى بسبيل خير حتى إذا أتته الرحم التي قطعها، فتهوى به إلى أسفل قعر في النار» .

و قال أمير المؤمنين-عليه السلام-: «صلوا أرحامكم و لو بالتسليم يقول اللّه تعالى: وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ اَلَّذِي تَسََائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحََامَ، إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً » . و قال الباقر-عليه السلام-: «إن الرحم متعلقة يوم القيامة بالعرش، تقول: اللهم صل من وصلني و اقطع من قطعني» .

هذا تمثيل للمعقول بالمحسوس، و إثبات لحق الرحم على أبلغ وجه، و تعلقها بالعرش كناية عن مطالبة حقها بمشهد من اللّه. و قال عليه السلام: «صلة الأرحام تحسن الخلق، و تسمح الكف، و تطيب النفس، و تزيد في الرزق و تنسئ في الأجل» . و قال: «صلة الأرحام تزكى الأعمال، و تنمى الأموال، و تدفع البلوى، و تيسر الحساب، و تنسئ في الأجل» . و قال الصادق عليه السلام: «صلة الرحم و البر ليهونان الحساب و يعصمان من الذنوب، فصلوا ارحامكم و بروا باخوانكم، و لو بحسن السلام و رد الجواب» و قال-عليه السلام-: «صلة الرحم تهون الحساب يوم القيامة، و هي منسأة في العمر، و تقي مصارع السوء» . و قال-عليه السلام-: «صلة

269

الرحم و حسن الجوار يعمران الديار و يزيدان في الأعمار» . و قال-عليه السلام-: «ما نعلم شيئا يزيد في العمر إلا صلة الرحم، حتى أن الرجل يكون أجله ثلاث سنين، فيكون وصولا للرحم، فيزيد اللّه في عمره ثلاثين سنة، فيجعلها ثلاثا و ثلاثين سنة. و يكون أجله ثلاثا و ثلاثين سنة فيكون قاطعا للرحم، فينقصه اللّه تعالى ثلاثين سنة، و يجعل أجله ثلاث سنين» (1) . و الأخبار الواردة في فضيلة صلة الرحم و عظم مثوباته أكثر من أن تحصى، و ما ذكرناه كاف لتنبيه الغافل.

تنبيه المراد بالرحم‏

المراد بالرحم الذي يحرم قطعه و تجب صلته، و لو وهب له شي‏ء لا يجوز الرجوع عنه، هو مطلق القريب المعروف بالنسب، و إن بعدت النسبة و جاز النكاح. و المراد بقطعه أن يؤذيه بالقول أو الفعل، أو كان له شدة احتياج إلى ما يقدر عليه زيادة على قدر حاجته، من سكنى و ملبوس و مأكول فيمنعه، أو أمكنه أن يدفع عنه ظلم ظالم و لم يفعله، أو هاجره غيظا و حقدا من دون أن يعوده إذا مرض، أو يزوره إذا قدم من سفر و أمثال ذلك. فان جميع ذلك و أمثالها قطع للرحم. و اضدادها من دفع الأذية، و مواساته بماله، و زيارته، و اعانته باللسان و اليد و الرجل و الجاه و غير ذلك: صلة.

____________

(1) صححنا الأخبار هنا كلها على (أصول الكافي) : باب صلة الرحم.

و على (سفينة البحار) : 1-514.

270

ثم الظاهر تحقق الواسطة بين القطع و الصلة، إذ كل إحسان، و لو كان مما لا يحتاج إليه قريبه و هو محتاج إليه، يسمى صلة، و عدمه لا يسمى قطعا.

و منها:

عقوق الوالدين‏

و هو أشد أنواع قطيعة الرحم، إذ أخص الأرحام و أمسها ما كان بالولادة، فيتضاعف تأكد الحق فيهما، فهو كقطيعة الرحم، إما يكون ناشئا من الحقد و الغيظ، أو من البخل و حب الدنيا، فيكون من رذائل إحدى قوتي الغضب و الشهوة. ثم جميع ما يدل على ذم قطيعة الرحم يدل على ذم العقوق، و لكونه أشد أنواع القطيعة و أفظعها، وردت في خصوص ذمه آيات و أخبار أخر كثيرة، كقوله تعالى:

وَ قَضى‏ََ رَبُّكَ أَلاََّ تَعْبُدُوا إِلاََّ إِيََّاهُ وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً، إِمََّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ اَلْكِبَرَ أَحَدُهُمََا أَوْ كِلاََهُمََا فَلاََ تَقُلْ لَهُمََا أُفٍّ وَ لاََ تَنْهَرْهُمََا وَ قُلْ لَهُمََا قَوْلاً كَرِيماً (1) .

و قول رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «كن بارا و اقصر على الجنة، و إن كنت عاقا فاقصر على النار» . و عن أبي جعفر-عليه السلام- قال: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في كلام له: إياكم و عقوق

____________

(1) الاسراء، الآية: 23.

271

الوالدين، فان ريح الجنة توجد من مسيرة الف عام، و لا يجدها عاق، و لا قاطع رحم، و لا شيخ زان، و لا جار إزاره خيلاء. إنما الكبرياء للّه رب العالمين» . و قوله صلى اللّه عليه و آله: «من أصبح مسخطا لابويه، أصبح له بابان مفتوحان إلى النار» . و عن أبي جعفر-عليه السلام- قال: «إن أبي-عليه السلام-نظر إلى رجل و معه ابنه يمشى و الابن متكئ على ذراع الأب، فما كلمه أبي مقتا له حتى فارق الدنيا» . و قال الصادق عليه السلام: «من نظر إلى أبويه نظر ماقت، و هما ظالمان له لم يقبل اللّه له صلاة» . و قال الصادق-عليه السلام-: «إذا كان يوم القيامة، كشف غطاء من أغطية الجنة، فوجد ريحها من كانت له روح من مسيرة خمسمائة عام، إلا صنفا واحدا» ، فقيل له: من هم؟قال:

«العاق لوالديه» . و قال-عليه السلام-: «لو علم اللّه شيئا هو أدنى من اف لنهى عنه، و هو أدنى العقوق. و من العقوق أن ينظر الرجل إلى والديه فيحد النظر إليهما» (1) و سئل الكاظم عليه السلام عن الرجل يقول لبعض ولده: بأبي أنت و أمي!أو بأبوى أنت!أ ترى بذلك بأسا؟ فقال: «إن كان أبواه حيين فأرى ذلك عقوقا، و ان كانا قد ماتا فلا بأس» .

و الأخبار في ذم العقوق أكثر من تحصى، و ورد في بعض الأخبار القدسية: «بعزتى و جلالي و ارتفاع مكاني!لو أن العاق لوالديه يعمل باعمال الأنبياء جميعا لم أقبلها منه» . و روى أيضا: «أن أول ما كتب اللّه في اللوح المحفوظ: إنى أنا اللّه لا إله إلا أنا، من رضى عنه والده فانا منه راض، و من سخط عليه والداه فأنا عليه ساخط» . و قد ورد

____________

(1) صححنا الأحاديث كلها على (أصول الكافي) : باب العقوق، و على (مستدرك الوسائل) : 2-631 كتاب النكاح. و على (الوسائل) : كتاب النكاح.

272

عن رسول اللّه انه قال: «كل المسلمين يروني يوم القيامة، إلا عاق الوالدين، و شارب الخمر، و من سمع اسمى و لم يصل علي» . و قد ثبت من الأخبار و التجربة، أن دعاء الوالد على ولده لا يرد و يستجاب البتة.

و دلت الأخبار على أن من لا ترضى عنه أمه تشتد عليه سكرات الموت و عذاب القبر. و كفى للعقوق ذما أنه ورد في الإسرائيليات: «أنه تعالى أوحى إلى موسى: أن من بر والديه و عقنى كتبته برا، و من برنى و عق والديه كتبته عاقا» .

وصل بر الوالدين‏

ضد العقوق (بر الوالدين) و الإحسان إليهما، و هو أفضل القربات و أشرف السعادات. و لذلك ورد ما ورد من الحث عليه، و الترغيب إليه قال اللّه سبحانه:

وَ اِخْفِضْ لَهُمََا جَنََاحَ اَلذُّلِّ مِنَ اَلرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ اِرْحَمْهُمََا كَمََا رَبَّيََانِي صَغِيراً (1) . و قال: وَ اُعْبُدُوا اَللََّهَ وَ لاََ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً (2) .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: بر الوالدين أفضل

____________

(1) بنى أسرائيل، الآية: 24.

(2) النساء، الآية: 36.

273

من الصلاة و الصوم و الحج و العمرة و الجهاد في سبيل اللّه» . و قال صلى عليه و آله: «من أصبح مرضيا لابويه، أصبح له بابان مفتوحان إلى الجنة» . و عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «إن رجلا أتى إلى النبي -صلى اللّه عليه و آله-فقال: يا رسول اللّه أوصني. فقال: لا تشرك باللّه شيئا و إن حرقت بالنار و عذبت إلا و قلبك مطمئن بالايمان، و والديك فأطعهما و برهما حيين كانا أو ميتين و إن أمراك، أن تخرج من أهلك فافعل فان ذلك من الايمان» . و عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «جاء رجل و سأل النبي صلى اللّه عليه و آله عن الوالدين. فقال: ابرر أمك، ابرر أمك ابرر أمك ابرر أباك ابرر أباك ابرر أباك و بدأ بالام قبل الأب» . و عن أبي عبد اللّه-عليه السلام-قال: «جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه و آله فقال: يا رسول اللّه، من أبر؟قال: امك. قال ثم من؟قال: امك. قال: ثم من؟قال: امك. قال: ثم من؟ قال: أباك» و أتاه رجل آخر و قال: «إني رجل شاب نشيط، و أحب الجهاد، ولي والدة تكره ذلك. فقال له النبي-صلى اللّه عليه و آله- ارجع فكن مع والدتك، فو الذي بعثني بالحق!لأنسها بك ليلة خير من جهاد في سبيل اللّه سنة» . و قال أبو عبد اللّه عليه السلام: «ان رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-أتته اخت له من الرضاعة، فلما نظر اليها سربها، و بسط ملحفته لها، فاجلسها عليها، ثم أقبل يحدثها و يضحك في وجهها، ثم قامت فذهبت و جاء أخوها، فلم يصنع به ما صنع بها، فقيل له: يا رسول اللّه، صنعت باخته ما لم تصنع به و هو رجل، فقال:

لأنها كانت أبر بوالديها منه» .

و قيل للصادق-عليه السلام-: «أي الأعمال أفضل؟قال: الصلاة لوقتها، و بر الوالدين، و الجهاد في سبيل اللّه» . و قال له عليه السلام‏

274

رجل: «إن أبي قد كبر جدا و ضعف، فنحن نحمله إذا أراد الحاجة فقال: إن استطعت أن تلي ذلك منه فافعل، و لقمه بيدك، فانه جنة لك غدا» . و قال له عليه السلام رجل: «إن لي أبوين مخالفين. فقال برهما كما تبر المسلمين ممن يتولانا» . و قال رجل للرضا-عليه السلام- «أدعو لوالدى إذا كانا لا يعرفان الحق؟قال: ادع لهما و تصدق عنهما، و ان كانا حيين لا يعرفان الحق فدارهما، فان رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-قال: إن اللّه بعثني بالرحمة لا بالعقوق» . و قد وردت أخبار أخر في الأمر بالبر و الإحسان إلى الوالدين، و إن كانا على خلاف الحق و قال-عليه السلام-: «ما يمنع الرجل منكم أن يبر والديه حيين و ميتين و يصلى عنهما، و يتصدق عنهما، و يحج عنهما، و يصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما و له مثل ذلك، فيزيده اللّه عز و جل ببره و صلاته خيرا كثيرا» (1) .

و الأخبار في ثواب بر الوالدين غير محصورة. فينبغي لكل مؤمن أن يكون شديد الاهتمام في تكريمهما و تعظيمهما و احترامهما، و لا يقصر في خدمتهما، و يحسن صحبتهما، و ألا يتركهما حتى يسألاه شيئا مما يحتاجان إليه بل يبادر إلى الإعطاء قبل أن يفتقرا إلى السؤال، كما ورد في الأخبار، و إن أضجراه فلا يقل لهما أف، و ان ضرباه لا يعبس وجهه، و قال: غفر اللّه لكما، و لا يملأ عينيه من النظر إليهما إلا برحمة ورقة، و لا يرفع صوته فوق صوتهما، و لا يده فوق ايديهما، و لا يتقدم قدامهما، بل مهما أمكن

____________

(1) صححنا الأحاديث كلها على (أصول الكافي) : باب بر الوالدين و على (الوسائل) : كتاب النكاح ابواب احكام العشرة، باب وجوب بر الوالدين، و باب وجوب بر الوالدين برين كانا او فاجرين، و باب جملة من حقوق الوالدين و على (المستدرك) 2-628 كتاب النكاح.

275

له لا يجلس عندهما، و كلما بالغ في التذلل و التخضع كان أجره أزيد و ثوابه أعظم.

و بالجملة: اطاعتهما واجبة و طلب رضاهما حتم، فليس للولد أن يرتكب شيئا من المباحات و المستحبات بدون إذنهما، و لذا أفتى العلماء بأنه لا تجوز المسافرة في طلب العلم إلا باذنهما، إلا إذا كان في طلب علم الفرائض من الصلاة و الصوم و أصول العقائد، و لم يكن في بلده من يعلمه، و لو كان في بلده من يعلمه لم تجز المسافرة. و قد روى: «أن رجلا هاجر من اليمن إلى رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-و أراد الجهاد، فقال له ارجع إلى أبويك فاستأذنهما، فان إذنا فجاهد، و إلا فبرهما ما استطعت، فان ذلك خير مما كلف به بعد التوحيد» و جاء آخر إليه للجهاد، فقال «أ لك والدة؟» قال: نعم!قال: «فالزمها، فان الجنة تحت قدمها» و جاء آخر، و طلب البيعة على الهجرة إلى الجهاد، و قال: ما جئتك حتى أبكيت والديّ. قال: «ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما» . و لو وقعت بين الوالدين مخالفة، بحيث توقف رضى أحدهما على سخط الآخر فينبغي أن يجتهد في الإصلاح بينهما بأي طريق امكن، و لو بالعرض إلى فقيه البلد حتى يطلبهما و يعظهما و يقيمهما على الوفاق، لئلا ينكسر خاطر أحدهما منه.

و اعلم أن حق كبير الأخوة على صغيرهم عظيم، فينبغي محافظته.

قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «حق كبير الأخوة على صغيرهم كحق الوالد على ولده» .

276
تذنيب حق الجوار

حق الجوار قريب من حق الرحم، إذ الجوار يقتضي حقا وراء ما تقتضيه اخوة الإسلام، فيستحق الجار المسلم ما يستحقه كل مسلم و زيادة فمن قصر في حقه عداوة أو بخلا فهو آثم. قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «الجيران ثلاثة: فمنهم من له ثلاثة حقوق: حق الجوار و حق الإسلام، و حق القرابة. و منهم من له حقان: حق الإسلام، و حق الجوار. و منهم من له حق واحد: الكافر له حق الجوار» . فانظر كيف اثبت للكافر حق الجوار. و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «أحسن مجاورة من جاورك تكن مؤمنا» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر، فلا يؤذ جاره» . و قال صلى اللّه عليه و آله: «لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه» . و قيل له-صلى اللّه عليه و آله-: «فلانة تصوم النهار و تقوم الليل و تتصدق، و تؤذى جارها بلسانها. فقال صلى اللّه عليه و آله: لا خير فيها، هي من أهل النار» .

و عن علي عليه السلام: «إن رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-كتب بين المهاجرين و الأنصار و من لحق بهم من أهل يثرب: أن الجار كالنفس غير مضار و لا آثم، و حرمة الجار على الجار كحرمة أمه» و قال الصادق عليه السلام-: «حسن الجوار زيادة في الأعمار و عمارة في الديار» . و قال -عليه السلام-: «ليس منا من لم يحسن مجاورة من جاوره» . و قال -عليه السلام-: «قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: ما آمن بي من بات شبعانا و جاره جائع» . و قال: «إن يعقوب عليه السلام‏

277

لما ذهب عنه بنيامين، نادى: يا رب أ ما ترحمنى، اذهبت عيني و أذهبت ابني؟فأوحى اللّه تبارك و تعالى إليه: لو كنت امتهما لأحييتهما لك، اجمع بينك و بينهما، و لكن تذكر الشاة التي ذبحتها و شويتها و أكلت، و فلان إلى جانبك صائم لم تنله منها شيئا» . و في رواية أخرى: «فكان بعد ذلك يعقوب ينادى مناديه كل غداة و مساء من منزله على فرسخ: ألا من أراد الغداء أو العشاء فليأت إلى يعقوب!» (1) . و في بعض الأخبار (2) : «أن الجار الفقير يتعلق بجاره الغنى يوم القيامة، و يقول: سل يا رب هذا لم منعني معروفه و سد بابه دوني؟» .

تتميم حدود الجوار و حقه‏

معرفة الجوار موكولة إلى العرف، فأي دار يطلق عليها الجار عرفا يلزم مراعاة حقوق أهلها. و المستفاد من بعض الأخبار: أن كل أربعين دارا من كل واحد من الجوانب الأربعة جيران. ثم لا ينحصر حق الجار في مجرد كف الأذى، اذ ذلك يستحقه كل أحد، بل لا بد من الرفق و إهداء الخير و المعروف، و تشريكه فيما يملكه و يحتاج إليه من المطاعم، كما ظهر من بعض الأخبار المتقدمة. و ينبغي أن يبدأه بالسلام، و لا يطيل

____________

(1) صححنا الأحاديث هنا على (أصول الكافي) : باب حسن الجوار و على (المستدرك) : 2-78 و 79 و على (الوسائل) : كتاب الحج، ابواب احكام العشرة، الباب 85-88.

(2) هذا كلام ذكره في (احياء العلوم) : 2-189 بعد قوله: «إذ يقال» .

278

معه الكلام، و لا يكثر عن حاله السؤال، و يعوده في المرض، و يعزيه في المصيبة، و يقوم معه في العزاء، و يهنئه في الفرح، و يصفح عن زلاته، و يستر ما اطلع عليه من عوراته، و لا يضايقه في وضع الجذع على جداره و لا في صب الماء في ميزابه، و لا في مطرح التراب في فنائه، و لا في المرور عن طريقه، و لا يمنعه ما يحتاج إليه من الماعون، و يغض بصره عن حرمه، و لا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته، و يتلطف لأولاده في كلمته، و يرشده إلى ما يصلحه من أمر دينه و دنياه، و إن استعان به في أمر أعانه، و إن استقرضه أقرضه، و لا يستطيل عليه بالبناء فيحجب عنه الريح إلا باذنه، و إذا اشترى شيئا من لذائذ المطاعم و ظرفها فليهد له، و إن لم يفعل فليدخلها بيته سرا، و لا يخرج بها أولاده حتى يطلع عليها بعض أولاد جاره، فيشتهيه و ينكسر لذلك خاطره.

و منها:

طلب العثرات‏

و تجسس العيوب و العورات و إظهارها. و لا ريب في كونه من نتائج العداوة و الحسد، و ربما حدث في القوة الشهوية رداءة توجب الاهتزاز و الانبساط، من ظهور عيب بعض المسلمين، و إن لم يكن عداوة و حقدا كما قيل:

و عين الرضا عن كل عيب كليلة # و لكن عين السخط تبدى المساويا

و من تصفح الآيات و الأخبار، يعلم أن من يتبع عيوب المسلمين‏

279

و يظهرهما بين الناس اسوأ الناس و اخبثهم، قال اللّه تعالى:

وَ لاََ تَجَسَّسُوا (1) . و قال: إِنَّ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اَلْفََاحِشَةُ فِي اَلَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ (2) .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «من أذاع فاحشة كان كمبتدئها، و من عير مؤمنا بشي‏ء، لم يمت حتى يرتكبه» . و قال صلى اللّه عليه و آله: «كل أمتي معافى، إلا المجاهرين» ، و المجاهرة أن يعمل الرجل سوأ فيخبر به. و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من استمع خبر قوم و هم له كارهون، صبت في أذنيه الآنك يوم القيامة» . و عن أبي جعفر-عليه السلام-قال: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يا معشر من أسلم بلسانه و لم يسلم بقلبه!لا تتبعوا عثرات المسلمين، فانه من يتبع عثرات المسلمين يتبع اللّه عثراته، و من تتبع اللّه عثراته يفضحه» .

و قال الباقر عليه السلام-: «من أقرب ما يكون العبد إلى الكفر ان يؤاخي الرجل الرجل على الدين، فيحصى عليه زلاته ليعيره بها يوما ما» . و قال الصادق-عليه السلام-: «من أنب مؤمنا أنبه اللّه عز و جل في الدنيا و الآخرة» . و قيل للصادق-عليه السلام-: «شي‏ء يقوله الناس، عورة المؤمن على المؤمن حرام؟فقال: ليس حيث تذهب، إنما عورة المؤمن أن يراه يتكلم بكلام يعاب عليه فيحفظه عليه ليعيره به يوما إذا غضب» و قال الباقر-عليه السلام-: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله إن أسرع الخير ثوابا البر، و أسرع الشر عقوبة البغي، و كفى بالمرء عيبا

____________

(1) الحجرات، الآية: 12.

(2) النور، الآية: 19.

280

أن يبصر من الناس ما يعمى عنه، و أن يعير الناس بما لا يستطيع تركه، و أن يؤذى جليسه بما لا يعينه» (1) . و الأخبار الواردة بأمثال هذه المضامين كثيرة.

وصل ستر العيوب‏

ضد كشف العيوب: سترها و اخفاؤها، و هو من أعظم شعب النصيحة و لا حد لثوابه، كما يستفاد من الأخبار الكثيرة. قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «من ستر على مسلم ستره اللّه في الدنيا و الآخرة» . و قال صلى اللّه عليه و آله: «لا يستر عبد عيب عبد إلا ستره اللّه يوم القيامة» و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «لا يرى امرؤ من أخيه عورة فيسترها عليه، إلا دخل الجنة» . و كفى بستر العيوب فضلا أنه من أوصاف اللّه سبحانه، و من شدة اعتنائه بستر الفواحش اناط ثبوت الزنا-و هو افحشها- بما لا يمكن اتفاقه إلا نادرا، و هو مشاهدة أربعة عدول كالميل في المكحلة فانظر إلى أنه تعالى كيف أسبل الستر على العصاة من خلقه في الدنيا، بتضييق الطرق المؤدية إلى كشفه. و لا تظنن أنك تحرم هذا الستر يوم تبلى السرائر، فقد ورد في الحديث: «أن اللّه تعالى إذا ستر على عبد عورته في الدنيا فهو أكرم من يكشفها في الآخرة، و إن كشفها في الدنيا فهو

____________

(1) صححنا الأحاديث كلها على (أصول الكافي) : باب من طلب عثرات المؤمنين و عوراتهم و على (الوسائل) : ابواب احكام العشرة، الباب 150. و على (المستدرك) : 2-104. و على (البحار) : 4 مج 15-175، باب تتبع عيوب الناس و افشائها.

281

أكرم من أن يكشفها أخرى» . و ورد أيضا: «أنه يؤتى يوم القيامة بعبد يبكي، فيقول اللّه سبحانه له: لم تبكي؟فيقول: أبكى على ما سينكشف عنى من عوراتى و عيوبي عند الناس و الملائكة. فيقول اللّه: عبدي ما افتضحتك في الدنيا بكشف عيوبك و فواحشك، و أنت تعصيني و تضحك!فكيف أفضحك اليوم بكشفها و أنت تعصيني و تبكي!» . و في خبر آخر: «أن رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-يطلب يوم القيامة من اللّه سبحانه ألا يحاسب أمته بحضرة من الملائكة و الرسل و سائر الأمم، لئلا تظهر عيوبهم عندهم، بل يحاسبهم بحيث لا يطلع على معاصيهم غيره سبحانه، و سواه -صلى اللّه عليه و آله-، فيقول اللّه سبحانه: يا حبيبي، أنا أرأف بعبادى منك، فإذا كرهت كشف عيوبهم عند غيرك، فأنا أكره كشفها عندك أيضا، فاحاسبهم وحدى بحيث لا يطلع على عثراتهم غيري» .

فإذا كانت عناية اللّه سبحانه في ستر عيوب العباد بهذه المثابة، فأنى لك أيها المسكين المبتلى بأنواع العيوب و المعاصي، تسعى في كشف عيوب عباد اللّه، مع أنك مثلهم في الاتصاف بأنواع العيوب و العثرات!و تأمل أنه لو أظهر أحد بعض فواحشك عند الناس كيف يكون حالك، فقس عليه حال غيرك ممن تكشف أنت بعض فواحشه. و قد ثبت و وضح من الأخبار و التجربة: أن من يفضح يفتضح، فيا حبيبي، ترحم على نفسك و تأس بربك، فاسبل الستر على عيوب غيرك.

و منها:

إفشاء السر

و إذاعته. و هو أعم من كشف العيب. إذ السر قد يكون عيبا و قد لا يكون بعيب، و لكن في افشائه إيذاء و إهانة بحق الأصدقاء أو غيرهم

282

من المسلمين، و هو من رذائل قوة الغضب إن كان منشأه العداوة، و من رذائل قوة الشهوة إن كان منشأه تصور نفع مالي، أو مجرد اهتزاز النفس بذلك لخباثتها، و هو مذموم منهي عنه. قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله-: «إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت، فهي أمانة» . و قال -صلى اللّه عليه و آله-: «الحديث بينكم أمانة» . و ورد: «أن من الخيانة أن تحدث بسر أخيك» . و قال عبد اللّه بن سنان للصادق-عليه السلام-: «عورة المؤمن على المؤمن حرام؟فقال: نعم!قلت:

يعنى سفلته؟قال: ليس حيث تذهب، إنما هو إذاعة سره» (1) .

فصل كتمان السر

ضد إفشاء السر: كتمانه، و هو من الأفعال المحمودة، و قد أمر به في الأخبار. قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «طوبى لعبد نومة، عرفه اللّه و لم يعرفه الناس، أولئك مصابيح الهدى و ينابيع العلم، تتجلى عنهم كل فتنة مظلمة، ليسوا بالمذاييع البذر، و لا الجفاة المرائين» . و قال أمير المؤمنين-عليه السّلام-: «طوبى لعبد نومة، لا يؤبه له، يعرف الناس و لا يعرفه الناس، يعرفه اللّه منه برضوان، أولئك مصابيح الهدى، تنجلى عنهم كل فتنة، و يفتح لهم باب كل رحمة، ليسوا بالبذر المذاييع، و لا الجفاة المرائين» . و قال أمير المؤمنين-عليه السّلام- «قولوا الخير تعرفوا به، و اعملوا الخير تكونوا من أهله، و لا تكونوا عجلا مذاييع. فان خياركم الذين إذا نظر إليهم ذكر اللّه، و شراركم المشاؤن

____________

(1) صححنا الأحاديث على البحار: 4-175 مج 15، باب تتبع عيوب الناس.

283

بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، المبتغون للبراء المعايب» (1) .

تنبيه النميمة

النميمة تطلق في الأكثر على أن ينم قول الغير إلى المقول فيه، كأن يقال: فلان تكلم فيك بكذا و كذا، أو فعل فيك كذا و كذا. و على هذا تكون نوعا خاصا من إفشاء السر و هتك الستر، و هو الذي يتضمن فسادا أو سعاية. و قد تطلق على ما لا يختص بالمقول فيه، بل على كشف ما يكره كشفه، سواء كره المنقول عنه أو المنقول إليه أو كرهه ثالث، و سواء كان الكشف بالقول أو الكتابة أو بالرمز و الايماء، و سواء كان المنقول من الأعمال أو من الأقوال، و سواء كان ذلك عيبا و نقصانا على المنقول عنه أو لم يكن. و على هذا يكون مساوية الافشاء السر و هتك الستر و حينئذ فكل ما يرى من أحوال الناس و لم يرضوا بافشائه، فإذاعته نميمة فاللازم على كل مسلم أن يسكت عما يطلع عليه من أحوال غيره، إلا إذا كان في حكايته نفع لمسلم أو دفع لمعصية. كما إذا رأى أحدا يتناول مال غيره، فعليه أن يشهد به مراعاة لحق المشهود له، و أما إذا رآه يخفى ما لا لنفسه، فحكايته نميمة و إفشاء للسر.

ثم الباعث على النيمة يكون غالبا إرادة السوء بالمحكي عنه، فيكون داخلا تحت الإيذاء، و ربما كان باعثه إظهار المحبة للمحكى له، أو التفريح بالحديث، أو الخوض في الفضول. و على أي تقدير، لا ريب في أن

____________

(1) صححنا الأحاديث كلها على (البحار) : ج 4 مج 15: باب فضل كتمان السر و على (أصول الكافي) : باب كتمان السر، و باب الرواية على المؤمن.

284

النميمة أرذل الافعال القبيحة و اشنعها. و ما ورد في ذمها من الآيات و الأخبار لا يحصى كثرة، قال اللّه سبحانه:

هَمََّازٍ مَشََّاءٍ بِنَمِيمٍ. `مَنََّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ. `عُتُلٍّ بَعْدَ ذََلِكَ زَنِيمٍ (1) .

و الزنيم: هو ولد الزنا. فيستفاد من الآية: أن كل من يمشي بالنميمة فهو ولد الزنا. و قال سبحانه:

وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (2) . أي النمام المغتاب.

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «لا يدخل الجنة نمام» و في خبر آخر: «لا يدخل الجنة قتات» : أى النمام. و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «احبكم إلى اللّه أحسنكم أخلاقا، الموطئون اكنافا، الذين يألفون و يؤلفون، و إن أبغضكم إلى اللّه المشاؤن بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الملتمسون للبراء العثرات» (3) . و قال-صلى اللّه عليه و آله- «ألا انبئكم بشراركم؟قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: المشاؤن بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبراء المعايب» (4) . و قال صلى اللّه عليه

____________

(1) القلم، الآية: 11-13.

(2) الهمزة، الآية: 1.

(3) صححنا الحديث على (المستدرك) : 111 كتاب الحج.

(4) صححنا الحديث على الوسائل: كتاب الحج، ابواب احكام العشرة، الباب 164. و على (المستدرك) : 110 كتاب الحج. و على (أصول الكافي) :

باب النميمة.

285

و آله: «من أشار على مسلم كلمة ليشينه بها في الدنيا بغير حق، شانه اللّه في النار يوم القيامة» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «أيما رجل أشاع على رجل كلمة و هو منها بري‏ء ليشينه بها في الدنيا، كان حقا على اللّه أن يدينه بها يوم القيامة في النار» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-:

«إن اللّه لما خلق الجنة قال لها: تكلمى، قالت: سعد من دخلني.

قال الجبار جل جلاله: و عزتي و جلالي!لا يسكن فيك ثمانية نفر من الناس لا يسكنك مدمن خمر، و لا مصر على الزنا، و لا قتات-و هو النمام-، و لا ديوث، و لا شرطي، و لا مخنث، و لا قاطع رحم، و لا الذي يقول علي عهد اللّه أن أفعل كذا و كذا ثم لم يف به» . و قال الباقر-عليه السلام-: «الجنة محرمة على المغتابين المشائين بالنميمة» . و قال-عليه السلام-: «يحشر العبد يوم القيامة و ما ندا دما (1) ، فيدفع إليه شبه المحجمة أو فوق ذلك، فيقال له: هذا سهمك من دم فلان، فيقول:

يا رب، انك لتعلم أنك قبضتني و ما سفكت دما، فيقول: بلى، سمعت من فلان رواية كذا و كذا فرويتها عليه، فنقلت حتى صارت إلى فلان الجبار فقتله عليها، و هذا سهمك من دمه» . و قال الصادق-عليه السلام-:

«من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه و هدم مروته ليسقط من أعين

____________

(1) قال في مجمع البحرين-مادة (ندا) -: «فلان ماندا دما و لا قتل قتلا: أى ما سفك دما» . و قد كتبت كلمة (ندا) في جميع ما وجدناه من الكتب بالالف، و عسى أن تكون بالياء هكذا (ندى) كرضى. و احتمل في الوافي أن تكون (ندى) بتشديد الدال، و ذكر احتمالات كثيرة، فراجعه و قد روي في (الوسائل) -كتاب الحج، ابواب احكام العشرة، الباب 163-مثل هذا الحديث عن (الشيخ الطوسي) ، و قد جاء فيه: «و ما ادمى دما» . أما الحديث المذكور هنا، فقد صححناه على (أصول الكافي) باب الاذاعة.

286

الناس، أخرجه اللّه تعالى من ولايته إلى ولايته إلى ولاية الشيطان، و لا يقبله الشيطان» (1) . و روى: «انه أصاب بني أسرائيل قحط، فاستسقى موسى مرات، فما أجيب. فأوحى اللّه تعالى إليه: إنى لا استجيب لك و لمن معك و فيكم نمام قد أصر على النميمة. فقال موسى: يا رب، من هو حتى نخرجه من بيننا؟فقال: يا موسى، انهاكم عن النميمة و أكون نماما؟!فتابوا باجمعهم، فسقوا» و روى: «أن ثلث عذاب القبر من النميمة» .

و من عرف حقيقة النميمة، يعلم أن النمام شر الناس و اخبثهم، كيف و هو لا ينفك من الكذب، و الغيبة، و الغدر، و الخيانة، و الغل، و الحسد و النفاق، و الإفساد بين الناس، و الخديعة. و قد قال اللّه سبحانه:

وَ يَقْطَعُونَ مََا أَمَرَ اَللََّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ (2) .

و النمام يسعى في قطع ما أمر اللّه به أن يوصل و يفسد في الأرض.

و قال اللّه:

إِنَّمَا اَلسَّبِيلُ عَلَى اَلَّذِينَ يَظْلِمُونَ اَلنََّاسَ وَ يَبْغُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ (3) . و النمام منهم.

____________

(1) صححنا الحديث على (الوسائل) : كتاب الحج، أبواب احكام العشرة الباب 157. و على (أصول الكافي) : باب الرواية على المؤمن.

(2) البقرة، الآية: 27.

(3) الشورى، الآية: 40.

287

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «لا يدخل الجنة قاطع» :

أى قاطع بين الناس، و النمام قاطع بينهم. و قال صلى اللّه عليه و آله:

«شر الناس من اتقاه الناس لشره» . و النمام منهم، و النمام أعظم شرا من كل أحد.

نقل: أن رجلا باع عبدا، فقال للمشترى: ما فيه عيب إلا النميمة قال رضيت. فاشتراه، فمكث الغلام أياما، ثم قال لزوجة مولاه: إن زوجك لا يحبك، و هو يريد أن يتسرى عليك، و انا اسحره لك في شعره فقالت: كيف اقدر على أخذ شعره؟فقال: اذا نام فخذى الموسى و احلقى من قفاه عند نومه شعرات. ثم قال للزوج: إن امرأتك اتخذت خليلا و تريد أن تقتلك، فتناوم لها حتى تعرف. فتناوم فجاءته المرأة بالموسى، فظن أنها تقتله، فقام و قتلها، فجاء أهلها و قتلوا الزوج، فوقع القتال بين القبيلتين، و طال الأمر بينهم.

ثم يلزم على من تحمل إليه النميمة ألا يصدق النمام، لأنه فاسق، و الفاسق مردود الشهادة بقوله تعالى:

إِنْ جََاءَكُمْ فََاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (1) .

و ان ينهاه عن ذلك، و ينصحه و يقبح له فعله، لقوله تعالى:

وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ اِنْهَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ (2) .

و ان يبغضه في اللّه، لكونه مبغوضا عنده تعالى، و ألا يظن بأخيه سوأ بمجرد قوله، لقوله تعالى:

____________

(1) الحجرات، الآية: 6.

(2) لقمان، الآية: 17.

288

اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ اَلظَّنِّ (1) .

و ألا يحمل عمله على التجسس و البحث لتحقيق ما حكى له، لقوله تعالى: «و لا تجسسوا» . و ألا يرضى لنفسه ما نهى عنه النمام، فلا يحكى نميمته، فيقول: فلان قد حكى كذا و كذا، فيكون به نماما و مغتابا.

و روى محمد بن فضيل عن الكاظم-عليه السلام-: «أنه قال له -عليه السلام-: جعلت فداك!الرجل من اخوانى يبلغني عنه الشي‏ء الذي اكرهه، فاسأله عنه فينكر ذلك، و قد أخبرني عنه قوم ثقات. فقال لي: يا محمد، كذب سمعك و بصرك عن أخيك، فان شهد عندك خمسون قسامة، فقال لك قولا، فصدقه و كذبهم، و لا تذيعن عليه شيئا تشينه به و تهدم مروته، فتكون من الذين قال اللّه:

إِنَّ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اَلْفََاحِشَةُ فِي اَلَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذََابٌ شَدِيْدٌ (2) .

و قد روى عن أمير المؤمنين-عليه السلام-: «أن رجلا أتاه يسعى إليه برجل، فقال: يا هذا، نحن نسأل عمن قلت، فان كنت صادقا مقتناك، و إن كنت كاذبا عاقبناك، و إن شئت أن نقيلك أقلناك قال: اقلني يا أمير المؤمنين» . و نقل: «أن رجلا زار بعض الحكماء و أخبره بخبر عن غيره، فقال: قد أبطأت عنى الزيارة، و بغضت إلي أخي، و شغلت قلبي الفارغ، و اتهمت نفسك الأمينة» .

____________

(1) الحجرات، الآية: 12.

(2) صححنا الحديث على (الوسائل) : كتاب الحج، ابواب احكام العشرة الباب 157. و الآية من سورة النور: 19.

289
تتمة السعاية

السعاية هي النميمة، بشرط كون المحكي له من يخاف جانبه، كالسلاطين و الأمراء و الحكماء و الرؤساء و أمثالهم، فهي أشد أنواع النميمة إثما و معصية و هي أيضا تكون من العداوة و من حب المال و طمعه، فتكون من رداءة القوتين و خباثتهما. قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «الساعي بالناس إلى الناس لغير رشده» . يعني ليس ولد حلال. و ذكرت السعاة عند بعض الأكابر، فقال: ما ظنك بقوم يحمد الصدق من كل طبقة إلا منهم!

و منها:

الافساد بين الناس‏

و هو في الأكثر يحصل بالنميمة، و إن لم يوجب كل نميمة افسادا.

و لا ريب في كونه من المهلكات المؤدية إلى النار، قال اللّه سبحانه:

اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اَللََّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثََاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مََا أَمَرَ اَللََّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ أُولََئِكَ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ (1) .

و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «إن فساد ذات البين هي الحالقة» .

____________

(1) البقرة، الآية: 27.

290
وصل الإصلاح‏

و ضده: الإصلاح بين الناس، و هو أعظم أفراد النصيحة، و لا غاية لمثوبته عند اللّه. قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «أفضل الصدقة إصلاح ذات البين» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: اتقوا اللّه و اصلحوا ذات بينكم، فان اللّه تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «ليس بكذاب من اصلح بين اثنين فقال خيرا» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «كل الكذب مكتوب، إلا أن يكذب الرجل في الحرب، فان الحرب خدعة، أو يكذب بين اثنين ليصلح بينهما» ... و قال الصادق-عليه السلام-: «صدقة يحبها اللّه تعالى: إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا، و تقارب بينهم إذا تباعدوا» .

و قال-عليه السلام-للمفضل: «إذا رأيت بين اثنين من شيعتنا منازعة فافتدها من مالي» . و قال-عليه السلام-لابن عمار: «ابلغ عنى كذا و كذا في أشياء أمر بها. فقال له ابن عمار: فابلغهم عنك، و أقول عنى ما قلت لي و غير الذي قلت؟قال: نعم!إن المصلح ليس بكذاب» .

و قال-عليه السلام-: «المصلح ليس بكاذب» (1) : يعني إذا تكلم بما لا يطابق الواقع فيما يتوقف عليه الإصلاح لم يعد كلامه كذبا. و هذا يدل على وجوب الإصلاح بين الناس، لأن ترك الكذب واجب، و لا يسقط الواجب إلا بواجب آكد منه.

____________

(1) صححنا الأحاديث عن الصادق-عليه السلام-على (أصول الكافي) :

باب الإصلاح بين الناس و صححنا النبويات على (كنز العمال) : 2-14، 128.

291

و منها:

الشماتة

و هو إظهار أن ما حدث بغيره من البلية و المصيبة إنما هو من سوء فعله و اساءته، و الغالب صدوره عن العداوة أو الحسد. و علامته أن يكون مع فرح و مسرة، و ربما صدر عن رداءة القوة الشهوية، بأن يهتز به و يميل إليه، مع جهله بمواقع القضاء و القدر، و إن لم يكن معه حقد و حسد. و التجربة و الأخبار شاهدان على أن كل من شمت بمسلم في مصيبة لم يخرج من الدنيا حتى يبتلى بمثلها و يشمت به غيره فيها. قال الصادق -عليه السلام-: «لا تبدى الشماتة لأخيك، فيرحمه اللّه و يحلها بك» .

و قال-عليه السلام-: «من شمت بمصيبة نزلت بأخيه لم يخرج من الدنيا حتى يفتتن» (1) على أن كل بلية و مصيبة ترد على مسلم يمكن أن تكون كفارة لذنوبه باعثار لرفع درجاته و اعلاء مرتبته في دار الآخرة.

و الدليل على ذلك: أن أعظم البلايا و المصائب موكلة بالأنبياء، ثم بالأولياء، ثم بالأمثل فالأمثل في درجات الاعتلاء. و لا ريب في أن ورود المصائب و المحن عليهم ليس من سوء فعلهم و إساءتهم. فينبغي لكل عاقل أن يتأمل (أولا) أن الشماتة بمسلم بمصيبة لا ينفك في الدنيا من ابتلائه بمثلها، (و ثانيا) أنها إيذاء لأخيه المسلم، فلا ينفك عن العذاب في الآخرة (و ثالثا) ان نزول هذه المصيبة به لا يدل على سوء حاله عند اللّه، بل الأرجح دلالته على حسن حاله و تقربه عند اللّه سبحانه. فليحافظ على نفسه عن إبداء الشمانة لأحد من المسلمين، و يخوف من يراه من الشامتين عن عقوبة العاجل و عذاب الآجل.

____________

(1) صححنا الحديثين على (أصول الكافي) : باب الشماتة.

292

و منها:

المراء و الجدال و الخصومة

اعلم ان المراء طعن في كلام الغير لإظهار خلل فيه، من غير غرض سوى تحقيره و اهانته، و إظهار تفوقه و كياسته. و الجدال: مراء يتعلق بإظهار المسائل الاعتقادية و تقريرها. و الخصومة: لجاج في الكلام لاستيفاء مال أو حق و مقصود، و هذه تكون تارة ابتداء و تارة اعتراضا، و المراء لا يكون إلا اعتراضا على كلام سبق، فالمراء داخل تحت الإيذاء، و يكون ناشئا من العداوة أو الحسد. و أما الجدال و الخصومة، فربما صدرا من من أحدهما أيضا، و ربما لم يصدرا منه.

و حينئذ، فالجدال إن كان بالحق-أى تعلق باثبات إحدى العقائد الحقة-و كان الغرض منه الإرشاد و الهداية، و لم يكن الخصم لدودا عنودا فهو الجدال بالأحسن، و ليس مذموما، بل ممدوح معدود من الثبات في الايمان الذي هو من نتائج قوة المعرفة و كبر النفس، قال اللّه سبحانه:

وَ لاََ تُجََادِلُوا أَهْلَ اَلْكِتََابِ إِلاََّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (1) .

و إن لم يكن بالحق، فهو مذموم اقتضته العصبية أو حب الغلبة أو الطمع، فيكون من رذائل القوة الغضبية أو الشهوية، و ربما أورث شكوكا و شبهات تضعف العقيدة الحقة، و لذا نهى اللّه سبحانه عنه و ذم عليه، فقال:

وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يُجََادِلُ فِي اَللََّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لاََ هُدىً وَ لاََ

____________

(1) العنكبوت، الآية: 46.

293

كِتََابٍ مُنِيرٍ (1) . و قال: وَ إِذََا رَأَيْتَ اَلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيََاتِنََا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتََّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ (2) .

و الخصومة أيضا إن كانت بحق، أى كانت مما يتوقف عليه استيفاء مال أو حق ثابت، فهي ممدوحة معدودة من فضائل القوة الشهوية، و إن كانت بباطل، أى تعلقت بما يدعيه كذبا أو بلا علم و يقين، فهي مذمومة معدودة من رذائلها. فالخصومة المذمومة تتناول المخاصمة فيما يعلم قطعا عدم استحقاقه، و فيما لا علم له بالاستحقاق، كخصومة وكيل القاضي، فانه قبل أن يعرف أن الحق في أي جانب، يتوكل في الخصومة من أي جانب كان، و يخاصم من غير علم و ايقان، فمثله خبّاط العثرات و ركاب الشبهات، يضر بالمسلمين بلا غرض، و يتحمل أوزار الغير بلا عوض، فهو أخسر الناس اعمالا و اعظمهم في الآخرة أوزارا و نكالا. و تتناول أيضا مخاصمة من يطلب حقه و لكنه لا يقتصر على قدر الحاجة، بل يظهر اللدد و العناد في الخصومة قصدا للتسلط و الإيذاء، و من يمزج بخصومته كلمة مؤذية لا يحتاج إليها في إظهار الحق و بيان الحجة، و من يحمله على الخصومة محض العناد بقهر الخصم و كسره مع استحقاره لذلك القدر من المال، و ربما صرح بأن قصدى العناد و الغلبة عليه و كسر عرضه، و إذا أخذت منه هذا المال رميته، و لا أبالي، فمثله غرضه اللدد و اللجاج.

فتنحصر الخصومة الجائزة بمخاصمة المظلوم الذي يطلب حقه و ينصر حجته بطريق الشرع من غير قصد عناد و إيذاء، مع الاقتصار على قدر

____________

(1) الحج، الآية: 8.

(2) الانعام، الآية: 68.

294

الحاجة في الخصومة من دون أن يتكلم بالزائد و لا بكلمات مؤذية، ففعله ليس بحرام و إن كان الأولى تركه ما وجد إليه سبيلا، إذ ضبط اللسان في الخصومة على حد الاعتدال متعذر أو متعسر، لأنها توغر الصدر، و تهيج الغضب، و إذا هاج الغضب ذهب المتنازع فيه من البين، و اشتد الحقد بين المتخاصمين حتى يحزن كل واحد بمسرة صاحبه و يفرح بمساءته.

فالخصومة مبدأ كل شر، فينبغي ألا يفتح بابها إلا عند الضرورة على قدر الضرورة، و لا يتعدى عن الواجب، إذ أقل درجاتها تشوش الخاطر، حتى أنه في الصلاة ليشتغل بمخاصمة الخصم، و يتضمن الطعن و الاعتراض أى التجهل و التكذيب، إذ من يخاصم غيره إما يجهله أو يكذبه، فيكون آتيا بسوء الكلام، و يفوت به ضده، اعني طيب الكلام، مع ما ورد فيه من الثواب. و كذا الحال في المراء و الجدال.

و بالجملة: المراء و الجدال و الخصومة، سوى ما استثنى، من ذمائم الأفعال و مبادئ أكثر الشرور و الفتن، و لذا ورد بها الذم الشديد في الأخبار قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «من جادل في خصومة بغير علم، لم يزل في سخط حتى ينزع» . و قال-صلى اللّه عليه و آله- «إن أبغض الرجال إلى اللّه الأبد الخصم» . و قال-صلى اللّه عليه و آله- «ما أتاني جبرئيل قط إلا وعظني، فآخر قوله لي: إياك و مشادة الناس فانها تكشف العورة و تذهب بالعز» . و قال أمير المؤمنين عليه السلام:

«إياكم و المراء و الخصومة، فانهما يمرضان القلوب على الاخوان، و ينبت عليهما النفاق» . و قال علي بن الحسين-عليهما السلام-: «ويل أمة فاسقا من لا يزال مماريا!ويل أمة فاجرا من لا يزال مخاصما!ويل أمة آثما من كثر كلامه في غير ذات اللّه!» . و قال الصادق-عليه السلام- «لا تمارين حليما و لا سفيها، فان الحليم يغلبك و السفيه يؤذيك» . و قال‏

295

«إياك و المشادة، فانها تورث المعرّة و تظهر العورة» . و قال عليه السلام «إياكم و الخصومة، فانها تشغل القلب، و تورث النفاق، و تكسب الضغائن» (1) فمن تأمل في ما يدل على ذمها و سوء عاقبتها عقلا و نقلا -فمع عدم ترتب فائدة عليها، و تذكر ما ورد في مدح تركها و فوائد ضدها، اعني طيب الكلام-يسهل عليه ان يتركها و لا يحوم حولها.

تذنيب علاج المراء

طريق المعالجة في إزالة المراء و الجدال و الخصومة: أن يعلم انها توجب التباغض و المباينة، و تزيل الألفة و المحبة، و تقطع الالتيام و الوحدة و لا ريب في أن قوام النظام الأصلح بالالتيام و الوحدة، كما اقتضته العناية الإلهية و الحكمة الازلية، و المباينة الراجعة إلى الكثرة ينافيهما، و لا ينبغي للعاقل أن يرتكب ما يضاد فعل اللّه و حكمته. و هذا هو العلاج العلمي، و أما العملي، فليواظب على ضده هذه الثلاثة، أعنى طيب الكلام، و يكلف نفسه عليه، حتى يصير ملكة له و ترتفع اضدادها عنه بالمرة.

____________

(1) صححنا الأحاديث على (الكافي) : باب المراء و الخصومة. و على (الوسائل) : كتاب الحج، ابواب احكام العشرة، الباب 135 و 136. و على (احياء العلوم) : 2-102.

296
وصل طيب الكلام‏

قد أشير إلى أن ضد الرذائل الثلاث: طيب الكلام، و ما ورد في مدحه و في ثواب تركها أكثر من أن يحصى. قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «ثلاث من لقى اللّه تعالى بهن دخل الجنة من أي باب شاء:

من حسن خلقه، و خشى اللّه في المغيب و المحضر، و ترك المراء و إن كان محقا» . و قال صلى اللّه عليه و آله: «يمكنكم من الجنة طيب الكلام و إطعام الطعام» . و قال صلى اللّه عليه و آله: «إن في الجنة لغرفا يرى ظاهرها من باطنها و باطنها من ظاهرها، أعدها اللّه لمن اطعم الطعام و أطاب الكلام» . و قال صلى اللّه عليه و آله: «الكلمة الطيبة صدقة» . و روى «أن عيسى-عليه السلام-مر به خنزير. فقال: مر بسلامة. فقيل له: يا روح اللّه، تقول هذا للخنزير!فقال: اكره أن اعود لساني الشر» و قال بعض الحكماء: «الكلام اللين يغسل الضغائن المستكنّة في الجوارح»

و منها:

السخرية و الاستهزاء

و هو محاكاة أقوال الناس أو أفعالهم أو صفاتهم و خلقهم، قولا و فعلا، أو ايماء و إشارة، على وجه يضحك منه. و هو لا ينفك عن الإيذاء و التحقير و التنبيه على العيوب و النقائص. و إن لم يكن ذلك بحضرة المستهزأ به، فيتضمن الغيبة أيضا. و باعثه إما العداوة أو التكبر و استصغار المستهزأ به، فيكون من رذائل القوة الغضبية، أو قصد ضحك الأغنياء

297

و تنشيط قلوبهم، طمعا في بعض أوساخهم الملوثة، و أخذ النبذ من حطامهم المحرمة، و لا ريب في انه صفة من لا حظّ له في الدين، و شيمة اراذل احزاب الشياطين، لأنهم يظهرون أكاذيب الأقوال و يرتكبون أعاجيب الأفعال، يخلعون قلائد الحرية عن الرقاب، و يهتكون استار الحياء بمرأى من أولى الألباب، يبتغون عيوب المؤمنين و عوراتهم، و يظهرون نقائص المسلمين و عثراتهم، يقلدون أفعال الأخيار على وجه يضحك الاشرار، و يحاكون صفات الأبرار على أفضح الوجوه في الانظار. و لا ريب في أن المرتكب لهذه الأفعال بعيد عن الإنسانية بمراحل، و مستوجب لعقوبة العاجل و عذاب الآجل، و لا يخلو ساعة عن الصغار و الهوان، و لا وقع له في قلوب أهل الايمان، و كفاه ذما انه جعل تلك المعاصي الخبيثة وسيلة لتحصيل المال أو الواقع في قلوب أبناء الدنيا، و يلزمه عدم اعتقاده بأن اللّه سبحانه هو المتكفل لأرزاق العباد.

و الطريق في دفعه-بعد التأمل في سوء عاقبته، و وخامة خاتمته، و فيما يلزمه من الذلة و الهوان في الدنيا-أن يبادر إلى إزالة العداوة و التكبر إن كان باعثه ذلك، و إن كان باعثه تنشيط قلوب أهل الدنيا طمعا في مالهم، فليعلم أن لكل نفس ما قدر لها من الأموال و الأرزاق، و يصل إليها من اللّه سبحانه البتة، فان من يتق اللّه و يتوكل عليه يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب، و يكون في الآخرة سعيدا، و ان أغواه الشيطان و حثه على تحصيلها من المداخل الخبيثة، لم يصل إليه أكثر مما قدر له، و كان في الآخرة شقيا.

و ليعلم أيضا أن المتوكل على اللّه و المتصف بالحرية، لا يبدل التوكل و الحرية بهذه الأفعال لأجل الوصول إلى بعض خبائث الأموال، فليعاتب نفسه و يزجرها بالمواعظ و النصائح، و يتذكر ما ورد في الشريعة من ذم‏

298

المستهزئين و تعذيبهم يوم القيامة بصورة الاستهزاء، قال اللّه جل شأنه:

لاََ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى‏ََ أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ (1) .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إن المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم باب من الجنة، فيقال: هلم هلم!فيجي‏ء بكربه و غمه، فإذا أتى اغلق دونه ثم يفتح له باب آخر، فيقال: هلم هلم!فيجي‏ء بكربه و غمه، فإذا أتى أغلق دونه. فما يزال كذلك، حتى يفتح له الباب، فيقال له: هلم هلم فما يأتيه» . و قال ابن عباس في قوله تعالى:

يََا وَيْلَتَنََا مََا لِهََذَا اَلْكِتََابِ لاََ يُغََادِرُ صَغِيرَةً وَ لاََ كَبِيرَةً إِلاََّ أَحْصََاهََا (2) .

«الصغيرة: التبسم بالاستهزاء بالمؤمن، و الكبيرة: القهقهة بذلك» و فيه إشارة إلى أن الضحك على الناس من الجرائم العظيمة.

ثم جميع ما ذكر إنما هو في حق من يؤذي الناس و يهينهم باستهزائه و سخريته، و أما من جعل نفسه سسخرة و يسر بأن يهزل و يسخر به، و إن كان هو ظالما لنفسه خارجا عن شعار المؤمنين، حيث أهان نفسه و أذلها، إلا أن سخرية الغير به من جملة المزاح، و يأتي ما يذم منه و ما يحمد، و إنما المحرم منه ما يؤدي إلى ايذائه و تحقيره: بأن يضحك على كلامه إذا يخبط

____________

(1) الحجرات، الآية: 11.

(2) الكهف، الآية: 50.

299

و لم ينتظم، أو على أفعاله إذا كانت مشوشة، أو على صورته و خلقته إذا كان قصيرا أو طويلا أو ناقصا بعيب من العيوب. فالضحك على جملة ذلك داخل في السخرية المنهي عنها.

و طريق علاجه-بعد تذكر ما تقدم-أن استهزاءه يوجب خزي نفسه يوم القيامة عند اللّه و عند الملائكة و النبيين و عند الناس أجمعين، فلو تفكر في حسرته و حيائه و خجله و خزيه يوم يحمل سيئات من استهزأ به و يساق إلى النار، لأدهشه ذلك عن إخزاء غيره، و لو عرف حقيقة حاله يوم القيامة، لكان الأولى له أن يضحك على نفسه تارة و يبكي عليها أخرى، لأنه باستهزائه به عند بعض أراذل الناس عرض نفسه لأن يأخذ بيده ذلك الغير يوم القيامة على ملأ من الناس و يسوقه تحت السياط، كما يساق الحمار، الى النار مستهزئا به، مسرورا بخزيه و تمكين اللّه تعالى إياه على الانتقام منه. فمن تأمل في ذلك، و لم يكن عدوا لنفسه، اجتنب عن السخرية و الاستهزاء كل الاجتناب.

و منها:

المزاح‏

و أصله مذموم منهي عنه، و سببه إما خفة في النفس، فيكون من رذائل القوة الغضبية، أو ميل النفس و شهوتها إليه، أو تطييب خاطر بعض أهل الدنيا طمعا في مالهم، فيكون من رذائل القوة الشهوية. و سبب الذم فيه. أنه يسقط المهابة و الوقار، و ربما أدى إلى التباغض و الوحشة و الضغينة، و ربما انجر إلى الهزل و الاستهزاء، و أدخل صاحبه في جملة المستهزأ بهم، و ربما صار باعثا لظهور العداوة-كما قيل-و ربما جرّ إلى اللعب،

300

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «لا تمار أخاك و لا تمازحه» ، و قال بعض الأكابر لابنه: «يا بني، لا تمازح الشريف فيحقد عليك، و لا الدني‏ء فيجترئ عليك» ، و قال آخر: «إياكم و الممازحة، فانها تورث الضغينة و تجر إلى القطيعة» . و قال آخر: «المزاح مسلبة للبهاء، و مقطعة للاصدقاء» و قيل: «لكل شي‏ء بذر، و بذر العداوة المزاح» . و من مفاسد المزاح:

أنه سبب للضحك، و هو منهي عنه. قال اللّه تعالى:

فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً (1) .

و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة فيضحك بها جلساءه، يهوي بها أبعد من الثريا» ، و قال: «لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا و لضحكتم قليلا» ، و هو يدل على أن الضحك علامة الغفلة عن الآخرة، و قال بعض: «من كثر ضحكه قلت هيبته، و من مزح استخف به، و من أكثر من شي‏ء عرف به، و من كثر كلامه كثر سقطه، و من كثر سقطه قلّ حياؤه، و من قل حياؤه قل ورعه، و من قل ورعه مات قلبه» . و خاطب عارف نفسه و قال: «أ تضحك و لعل أكفانك قد خرجت من عند القصار؟!» و قال رجل لأخيه: يا أخي، هل أتاك أنك وارد النار؟قال: نعم!قال: و هل أتاك أنك خارج منها؟فقال: لا، قال: ففيم الضحك؟فما رئي بعد ذلك ضاحكا حتى مات» . و نظر بعضهم إلى قوم يضحكون في يوم الفطر، فقال: «إن كان هؤلاء قد غفر لهم فما هذا فعل الشاكرين، و إن كان لم يغفر لهم فما هذا فعل الخائفين» .

ثم المذموم من الضحك هو القهقهة، و التبسم الذي ينكشف فيه

____________

(1) التوبة، الآية: 83.

301

السن و لا يسمع الصوت ليس مذموما، بل محمود لفعل النبي صلى اللّه عليه و آله‏ (1) .

تذنيب المذموم من المزاح‏

الحق أن المذموم من المزاح هو الإفراط فيه و المداومة عليه، أو ما يؤدي إلى الكذب و الغيبة و أمثالهما، و يخرج صاحبه عن الحق. و أما القليل الذي يوجب انبساط خاطر و طيبة قلب، و لا يتضمن إيذاء و لا كذبا و لا باطلا، فليس مذموما، لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «إني لأمزح و لا أقول إلا حقا» . و لما روي: «أنهم قالوا له صلى اللّه عليه و آله: يا رسول اللّه، انك تداعبنا!فقال: إني و إن داعبتكم، فلا أقول إلا حقا» . و لما روت العامة: «أنه صلى اللّه عليه و آله كان كثير التبسم، و كان أفكه الناس» و ورد: «أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله كسا ذات يوم واحدة من نسائه ثوبا واسعا، و قال لها: البسيه و أحمدي، و جرى منه ذيلا كذيل العروس» . و قال صلى اللّه عليه و آله: «لا تدخل الجنة عجوز. فبكت العجوز. فقال: إنك لست يومئذ بعجوز» و جاءت امرأة اليه، و قالت: «إن زوجي يدعوك. فقال صلى اللّه عليه و آله: زوجك هو الذي بعينه بياض؟قالت: و اللّه ما بعينه بياض؟فقال: بلى، إن بعينه بياضا. فقالت: لا و اللّه؟فقال: ما من أحد إلا بعينه بياض» .

____________

(1) راجع أخبار المزاح و الضحك و التبسم: كتاب (الوسائل) : الباب 80-84 من أبواب أحكام العشرة، و الظاهر ان المؤلف لم يرجع إلى أخبارنا التي فيها غنى عن النقل عن أناس مجهولين.

302

و أراد به البياض المحيط بالحدقة. و جاءته امرأة أخرى، و قالت: «احملني يا رسول اللّه على بعير، فقال: بل نحملك على ابن البعير. فقالت:

ما أصنع به، انه لا يحملني، فقال صلى اللّه عليه و آله: هل من بعير إلا و هو ابن بعير؟» . و كان صلى اللّه عليه و آله يدلع لسانه للحسين عليه السلام فيرى لسانه فيهش له، و قال لصهيب-و به رمد و هو يأكل التمر-:

«أتأكل التمر و أنت أرمد؟فقال: إنما آكل بالشق الآخر. فتبسم رسول اللّه حتى بدت نواجذه» . و روي: «أن خوات ابن جبير كان جالسا إلى نسوة من بني كعب بطريق مكة، و كان ذلك قبل اسلامه. فطلع عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله-فقال له: مالك مع النسوة؟قال: يفتلن ضفيرا لجمل لي شرود. فمضى رسول اللّه لحاجته ثم عاد، فقال: يا أبا عبد اللّه أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد؟قال: فسكت و استحييت، و كنت بعد ذلك استخفى منه حياء، حتى أسلمت و قدمت المدينة، فاطلع علي يوما و أنا أصلي في المسجد، فجلس إلي، فطولت الصلاة، فقال: لا تطول فاني انتظرك، فلما فرغت قال: يا أبا عبد اللّه، أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد؟قلت: و الذي بعثك بالحق نبيا؟ما شرد منذ أسلمت!فقال: اللّه أكبر اللّه أكبر، اللهم اهد أبا عبد اللّه. فحسن اسلامه» . و كان نعيمان الأنصاري، رجلا مزّاحا، فإذا دخل المدينة شي‏ء نفيس من اللباس أو المطاعم اشترى منه، و جاء به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و يقول:

هذا أهديته لك. فإذا جاء صاحبه يطالبه بثمنه، جاء به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و قال: يا رسول اللّه، أعطه ثمن متاعه، فيقول له النبي-صلى اللّه عليه و آله-: «أ و لم تهده لنا؟» فيقول: لم يكن عندي و اللّه ثمنه، و أحببت أن تأكل منه، فيتبسم رسول اللّه و يأمر لصاحبه بثمنه و أمثال هذه المطايبات مروية عن رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-و عن الأئمة