جامع السعادات - ج2

- الشيخ محمد مهدي النراقي المزيد...
425 /
303

-عليهم السلام-و أكثرها منقولة مع النسوان و الصبيان، و كان ذلك معالجة لضعف قلوبهم، من غير ميل إلى هزل و لا كذب و لا باطل، و كان صدور ذلك عنهم أحيانا و على الندرة، و مثلهم كانوا يقدرون على المزاح مع عدم خروجهم عن الحق و الاعتدال، و أما غيرهم فإذا فتح باب المزاح فربما وقع في الإفراط و الباطل. فالأولى لأمثالنا تركه مطلقا.

و منها:

الغيبة

و هي أن يذكر الغير بما يكرهه لو بلغه. سواء كان ذلك ينقص في بدنه أو في أخلاقه أو في أقواله، أو في أفعاله المتعلقه بدينه أو دنياه، بل و إن كان بنقص في ثوبه أو داره أو دابته.

و الدليل على هذا التعميم-بعد إجماع الأمة على أن من ذكر غيره بما يكره إذا سمعه فهو مغتاب-ما روى عن رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله- أنه قال: «هل تدري ما الغيبة؟» قالوا: اللّه و رسوله أعلم. قال:

«ذكرك أخاك بما يكره» ، قيل له: أ رأيت ان كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، و إن لم يكن فيه فقد بهته» .

و ما روى: «انه ذكر رجل عنده، فقالوا: ما أعجزه!فقال-صلى اللّه عليه و آله-: اغتبتم أخاكم، قالوا: يا رسول اللّه، قلنا ما فيه. قال: إن قلتم ما ليس فيه فقد بهتموه» . و ما روى عن عائشة قالت: «دخلت علينا امرأة، فلما ولت، أومأت بيدي انها قصيرة، فقال صلى اللّه عليه و آله:

اغتبتيها» . و ما روى انها قالت: «إني قلت لامرأة مرة و أنا عند النبي -صلى اللّه عليه و آله-: إن هذه لطويلة الذيل. فقال لي: الفظي الفظي! فلفظت مضغة لحم» . و قد روي: «ان أحد الشيخين قال للاخر: إن‏

304

فلانا لنؤم، ثم طلبا أدما من رسول اللّه ليأكلا به الخبز. فقال: صلى اللّه عليه و آله-: قد ائتدمتما. فقالا: ما نعلمه، فقال: بلى!إنكما أكلتما من لحم صاحبكما» .

و أما ما روى عن الصادق عليه السلام انه قال: «صفة الغيبة أن تذكر أحدا بما ليس هو عند اللّه بعيب و يذم ما يحمده أهل العلم فيه. و أما الخوض في ذكر الغائب بما هو عند اللّه مذموم و صاحبه فيه ملوم، فليس بغيبة، و إن كره صاحبه إذا سمع به و كنت أنت معافى عنه و خاليا منه.

و تكون في ذلك مبينا للحق من الباطل ببيان اللّه و رسوله، و لكن على شرط ألا يكون للقائل بذلك مراد غير بيان الحق و الباطل في دين اللّه عز و جل، و أما إذا أراد به نقص المذكور بغير ذلك المعنى، فهو مأخوذ بفساد مراده و ان كان صوابا» (1) فهو مخصوص بما إذا لم يكن صاحبه عالما بقبحه، أو كان ساترا على نفسه كارها لظهوره. و يدل على ذلك ما روي عنه عليه السلام أيضا، أنه سئل عن الغيبة، فقال: «هو أن تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل، و ثبت عليه أمرا قد ستره اللّه عليه لم يقم فيه حد» .

و قال عليه السلام: «الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره اللّه عليه، و أما الأمر الظاهر فيه، مثل الحدة و العجلة، فلا» . و قال الكاظم عليه السلام «من ذكر رجلا من خلفه بما هو فيه مما عرفه الناس، لم يغتبه، و من ذكره من خلفه بما هو فيه مما لا يعرفه الناس، اغتابه، و من ذكره بما ليس فيه فقد بهته» (2) . و يأتي ان المجاهر بمعصيته غير ساتر لها، لا غيبة له فيها.

____________

(1) صححنا الحديث على (مصباح الشريعة) : الباب 49. و قد تقدم الشك في صحة (مصباح الشريعة) في الجزء الأول.

(2) صححنا الأحاديث الثلاثة على (الوسائل) : كتاب الحج، أبواب احكام العشرة، الباب 154، و على (أصول الكافي) : باب الغيبة و البهت. و على (البحار) 4 مج 15-184 باب الغيبة، و قال في الموضع المذكور عن الحديث الأول: «الغيبة هو أن تقول» : الضمير للغيبة، و تذكيره بتأويل الاغتياب أو باعتبار الخبر.

305

و الحاصل: ان الإجماع و الأخبار متطابقان على أن حقيقة الغيبة هو أن يذكر الغير بما يكرهه إذا سمعه، سواء كان ذلك بنقص في نفسه أو بدنه.

أو في دينه أو دنياه، أو فيما يتعلق به من الأشياء، و ربما قيل إنه لا غيبة فيما يتعلق بالدين، لأنه ذم من ذمه اللّه و رسوله، فذكره بالمعاصي و ذمه جائز. و أيد ذلك بما روى: «أنه ذكر عند رسول اللّه امرأة و كثرة صومها و صلاتها و لكنها تؤذي جيرانها. فقال: هي في النار» . و ذكرت امرأة أخرى بأنها بخيلة، فقال: «فما خيرها إذن؟» . و لا ريب في بطلان هذا القول: لما عرفت من عموم الأدلة. و ما ورد من ذم الأشخاص المعينة في كلام اللّه و كلام حججه إنما هو لتعريف الأحكام و تبيينها، و سؤال الأصحاب عنهم و ذكرهم بالمعاصي، إنما كان لحاجتهم إلى معرفة الأحكام لا للذم و إظهار العيب، و لذا لم يكن ذلك إلا في مجلس الرسول-صلى اللّه عليه و آله. أو الأئمة-عليهم السلام-.

فصل لا تنحصر الغيبة باللسان‏

اعلم أن الغيبة لا تنحصر باللسان، بل كل ما يفهم نقصان الغير، و يعرف ما يكرهه فهو غيبة، سواء كان بالقول أو الفعل، أو التصريح أو التعريض أو بالاشارة و الإيماء، أو بالغمز و الرمز، أو بالكتابة و الحركة، و لا ريب في أن الذكر باللسان غيبة محرمة. لتفهيمه الغير نقصان أخيك و تعريفه بما يكرهه، لا لكون المفهم و المعرف لسانا، فكل ما كان مفهما و معرفا فهو مثله.

306

فالغيبة تتحقق بإظهار النقص بالفعل و المحاكاة، كمشية الأعرج، بل هو أشد من الغيبة باللسان، لأنه أعظم في التصوير و التفهيم منه، و بالإيماء و الإشارة، و قد روي: «أنه دخلت امرأة على عائشة، فلما ولت، أومأت بيدها أنها قصيرة. فقال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-قد اغتبتها» .

و بالكتابة، إذ القلم أحد اللسانين، و بالتعريض، كأن يقول: الحمد للّه الذي لم يبتلنا بالدخول على الظلمة، و التبذل في طلب الجاه و المال، أو يقول: «نعوذ باللّه من قلة الحياء، و نسأله أن يعصمنا منه، معرضا في كل ذلك بمن ارتكب ذلك، فيذكره بصيغة الدعاء، و ربما قدم مدح من يريد غيبته، ثم اتبعه بإظهار عيبه، كأن يقول: لقد كان فلان حسن الحال، و لكنه ابتلى بما ابتلى به كلنا من سوء الحال، و هو جمع بين الرياء و الغيبة، و مدح نفسه بالتشبه بالصلحاء في ذم أنفسهم.

و من المغتابين المنافقين من يظهر في مقام غيبة مسلم الاغتمام و الحزن من سوء حاله، كأن يقول: لقد ساءني ما جرى على صديقنا فلان من الاهانة و الاستخفاف، أو ارتكابه معصية كذا، فنسأل اللّه أن يجعله مكرما أو يصلح حاله، أو يقول: قد ابتلى ذلك المسكين بآفة عظيمة، تاب اللّه علينا و عليه. و هو كاذب في ادعائه الحزن و الكآبة، و في إظهار الدعاء، إذ لو اغتم لأغتم بإظهار ما يكرهه أيضا، و لو قصد الدعاء لأخفاه في خلواته، فاظهار الحزن و الدعاء ناش عن خبث سريرته، و هو يظن أنه ناش عن صفاء طويته، هكذا يلعب الشيطان بمن ليس له قوة البصيرة بمكائد اللعين و تلبيساته، فيسخر بهم و يضحك عليهم، و يحبط أعمالهم بمكائده، و هم يحسبون انهم يحسنون صنعا. و ربما ذكر بعض المغتابين عيب مسلم و لم يتنبه له بعض الحاضرين، فيقول اسماعا له و اعلاما لما يقوله: «سبحان اللّه ما أعجب هذه!» حتى يتوجه إليه و يعلم ما يريد، فيستعمل اسم اللّه آلة لتحقيق خبثه.

307

ثم المستمع للغيبة أحد المغتابين، كما ورد به الخبر (1) . و قد دل ذلك أيضا ما تقدم من حديث الشيخين، و ما روى: «أنه صلى اللّه عليه و آله لما رجم ما عزا في الزنا، قال رجل لآخر: هذا أقعص كما يقعص الكلب.

فمر النبي صلى اللّه عليه و آله معهما بجيفة، فقال: انهشا من هذه الجيفة، فقالا: يا رسول اللّه ننهش جيفة!فقال: ما أصبتما من أخيكما أنتن من هذه» . فجمع بينهما، مع ان أحدهما كان قائلا و الآخر مستمعا.

و هو إما لا يسر باستماعها، إلا أنه لا ينكرها باللسان و لا يكرهها بالقلب، أو يسر و يفرح باستماعها، إلا أن النفاق و التزهد حملاه على عدم التصديق، و ربما منع منها رياء و تزهدا، مع كونه مشتهيا لها بقلبه، و ربما توصل بالحيل المرغبة للمغتاب في زيادة الغيبة. مع التباس الأمر عليه بأنه يشتهيها، مثل أن يظهر التعجب و يقول: عجبت منه ما علمت أنه كذلك و ما عرفته إلى الآن إلا بالخير، و كنت أحسب فيه غير هذا عافانا اللّه من بلائه. فان ذلك تصديق للمغتاب، و باعث لزيادة نشاطه في الغيبة، فكأنه يستخرج منه الغيبة بهذا الطريق.

و الحاصل أن المستمع لا يخرج عن اثم الغيبة إلا بأن ينكر بلسانه، أو يقطع الكلام بكلام آخر، أو يقوم من المجلس، و إن لم يقدر على شي‏ء من ذلك، فلينكر بقلبه، و إن قال بلسانه: اسكت، و هو يشتهيه بقلبه فذلك نفاق، و لا يخرجه من الإثم ما لم يكرهه بقلبه. و مع عدم الخوف لا يكفي أن يشير باليد أو حاجبه أو جبينه، أي اسكت، إذ ذلك استحقار للمذكور، مع أنه ينبغي أن يعظمه فيذب عنه صريحا. قال

____________

(1) إشارة إلى ما رواه الشيخ أبو الفتوح الرازي في تفسيره، عن رسول اللّه -صلى اللّه عليه و آله-أنه قال: «المستمع أحد المغتابين» . و إلى قول أمير المؤمنين -عليه السلام- «السامع للغيبة أحد المغتابين» . (بحار الأنوار) : 4 مج 15-179.

308

النبي صلى اللّه عليه و آله: «من أذل عنده مؤمن و هو يقدر على أن ينتصر له فلم ينصره، أذله اللّه يوم القيامة على رءوس الخلائق» . و قال «من رد عن عرض أخيه بالغيب، كان حقا على اللّه ان يرد عن عرضه يوم القيامة» . و قال صلى اللّه عليه و آله: «من ذب عن عرض أخيه بالغيب، كان حقا على اللّه أن يعتقه من النار» . و قال صلى اللّه عليه و آله-: «من رد عن عرض أخيه، كان له حجابا من النار» . و قال -صلى اللّه عليه و آله-: «ما من رجل ذكر عنده اخوه المسلم، و هو يستطيع نصره و لم بكلمة و لم ينصره، إلا أذله اللّه عز و جل في الدنيا و الآخرة. و من ذكر عنده اخوه المسلم فنصره، نصره اللّه في الدنيا و الآخرة» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من حمى عرض أخيه المسلم في الدنيا، بعث اللّه له ملكا يحميه يوم القيامة من النار» . و قال -صلى اللّه عليه و آله-: «من تطول على أخيه في غيبته، سمعها عنه في مجلس فردها، رد اللّه عنه الف الف باب من الشر في الدنيا و الآخرة و ان لم يردها و هو قادر على ردها، كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة» و قال الباقر عليه السلام «من اغتيب عنده اخوه المؤمن فنصره و اعانه، نصره اللّه في الدنيا و الآخرة، و من لم ينصره و لم يدفع عنه و هو يقدر على نصرته و عونه، إلا خفضه اللّه في الدنيا و الآخرة» . و بهذه المضامين أخبار كثيرة اخر.

فصل بواعث الغيبة

اعلم ان باعث الغيبة-غالبا-إما الغضب أو الحقد أو الحسد،

309

فيكون من نتائجها، و من رذائل قوة الغضب، و له بواعث أخر:

الأول-السخرية و الاستهزاء: فان ذلك كما يجرى في الحضور يجرى في الغيبة أيضا، و قد عرفت ان منشأهما ما ذا؟.

الثاني-اللعب و الهزل و المطايبة: فيذكر غيره بما يضحك الناس عليه على سبيل التعجب و المحاكاة. و يأتي ان باعث الهزل و المزاح ما ذا، و انه متعلق بالقوة الشهوية.

الثالث-إرادته الافتخار و المباهاة: بأن يرفع نفسه بتنقيص غيره، فيقول: فلان لا يعلم شيئا. و غرضه أن يثبت في ضمن ذلك فضل نفسه و أنه أفضل منه. و ظاهر أن منشأ ذلك التكبر أو الحسد، فيكون أيضا من رذائل القوة الغضبية.

الرابع-أن ينسب إلى شي‏ء من القبائح، فيريد أن يتبرأ منه بذكر الذي فعله، و كان اللازم عليه أن يبرئ نفسه منه، و لا يتعرض للغير الذي فعله، و قد يذكر غيره بأنه كان مشاركا له في الفعل، ليتمهد بذلك عذر نفسه في فعله، و ربما كان منشأ ذلك صغر النفس و خبثها.

الخامس-مرافقة الاقران و مساعدتهم على الكلام، حذرا عن تنفرهم و استثقالهم إياه لولاه، فيساعدهم على إظهار عيوب المسلمين و ذكر مساويهم، ظنا منه أنه مجاملة في الصحبة، فيهلك معهم. و باعث ذلك أيضا صغر النفس و ضعفها.

السادس-أن يستشعر من رجل أنه سيذكر مساويه، أو يقبح حاله عند محتشم، أو يشهد عليه بشهادة، فيبادره قبل ذلك بإظهار عداوته، أو تقبيح حاله، ليسقط أثر كلامه و شهادته. و ربما ذكره بما هو فيه قطعا، بحيث ثبت ذلك عند السامعين ليكذب عليه بعده، فيروج كذبه بالصدق الأول و يستشهد به و يقول: ليس الكذب من عادتي، فاني أخبرتكم قبل ذلك‏

310

من أحواله كذا و كذا، فكان كما قلت، فهذا أيضا صدق كسابقه.

و هذا أيضا منشأه الجبن و ضعف النفس.

السابع-الرحمة، و هو أن يحزن و يغتم بسبب ما ابتلى به غيره، فيقول: المسكين فلان قد غمنى ما ارتكبه من القبح، أو ما حدث به من الاهانة و الاستخفاف!فيكون صادقا في اغتمامه، إلا انه لما ذكر اسمه و اظهر عيبه صار مغتابا، و قد كان له الاغتمام بدون ذكر اسمه و عيبه ممكنا فاوقعه الشيطان فيه ليبطل ثواب حزنه و رحمته.

الثامن-التعجب من صدور المنكر و الغضب للّه عليه، بأن يرى منكرا من انسان أو سمعه، فيقول عند جماعة: ما اعجب من فلان أن يتعارف مثل هذا المنكر!أو يغضب منه، فيظهر غضبه و اسمه و منكره، فانه وإن كان صادقا في تعجبه من المنكر و غضبه عليه، لكن كان اللازم ان يتعجب منه و يغضب عليه، و لكنه لا يظهر اسمه عند من لم يطلع على ما صدر منه المنكر، بل يظهر غضبه عليه بالنهي عن المنكر و الأمر بالمعروف من غير أن يظهره لغيره، فلما أوقعه الشيطان في ذكره بالسوء صار مغتابا و بطل ثواب تعجبه و غضبه، و صار آثما من حيث لا يدرى.

و هذه الثلاثة الأخيرة مما يغمض دركها، لأن أكثر الناس يظنون أن الرحمة و التعجب و الغضب إذا كان للّه كان عذرا في ذكر الاسم، و هو خطأ محض، إذ المرخص في الغيبة حاجات مخصوصة لا مندوحة فيها عن ذكر الاسم دون غيرها، و قد روى: «أن رجلا مر على قوم في عصر النبي-صلى اللّه عليه و آله-، فلما جاوزهم، قال رجل منهم: إني أبغض هذا الرجل للّه، فقال القوم: و اللّه لبئس ما قلت!و إنا نخبره بذلك، فاخبروه به، فاتى الرجل رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله- و حكى له ما قال، و سأله أن يدعوه. فدعاه، و سأله عما قال في حقه‏

311

فقال: نعم!قد قلت ذلك. فقال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-:

و لم تبغضه؟فقال: أنا جاره و أنا به خبير، و اللّه ما رأيته يصلي صلاة قط إلا هذه المكتوبة!فقال: يا رسول اللّه، فاسأله هل رآني أخرتها عن وقتها أو أسأت الوضوء لها و الركوع و السجود؟فسأله، فقال: لا فقال: و اللّه ما رأيته يصوم شهرا قط إلا هذا الشهر الذي يصومه كل بر و فاجر!قال: فاسأله يا رسول اللّه هل رآني افطرت فيه أو نقصت من حقه شيئا؟فسأله، فقال: لا!فقال: و اللّه ما رأيته يعطى سائلا قط و لا مسكينا، و لا رأيته ينفق من ماله شيئا في سبيل الخير إلا هذه الزكاة التي يؤديها البر و الفاجر!قال: فاسأله هل رآني نقصت منها شيئا أو ما كست فيها طالبها الذي يسألها؟فسأله فقال: لا!فقال رسول اللّه -صلى اللّه عليه و آله-للرجل: قم، فلعله خير منك» . و لا ريب في أن إنكار القوم عليه بعد قوله أبغضه للّه يفيد عدم جواز إظهار المنكر الصادر من شخص لغيره، و إن كان في مقام الغضب و البغض للّه.

فصل ذم الغيبة

لما علمت حقيقة الغيبة و بواعثها، فأعلم أنها أعظم المهلكات و أشد المعاصي، و قد نص اللّه سبحانه على ذمها في كتابه، و شبه صاحبها بآكل لحم الميتة، فقال: ـ وَ لاََ تَجَسَّسُوا وَ لاََ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ‏

312

أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ (1) . و قال: لاََ يُحِبُّ اَللََّهُ اَلْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ اَلْقَوْلِ إِلاََّ مَنْ ظُلِمَ وَ كََانَ اَللََّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (2) . و قال: مََا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاََّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (3) .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «المسلم على المسلم حرام دمه و ماله و عرضه» . و الغيبة تتناول العرض. و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إياكم و الغيبة، فان الغيبة أشد من الزنا، فان الرجل قد يزنى و يتوب فيتوب اللّه عليه، و إن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون وجوهم باظافيرهم، فقلت: يا جبرئيل، من هؤلاء؟قال الذين يغتابون الناس، و يقعون في اعراضهم» . و خطب-صلى اللّه عليه و آله يوما حتى أسمع العواتق في بيوتها، فقال: «يا معشر من آمن بلسانه و لم يؤمن بقلبه!لا تغتابوا المسلمين، و لا تتبعوا عوراتهم، فان من تتبع عورة أخيه يتتبّع اللّه عورته حتى يفضحه في جوف بيته» . و خطب صلى اللّه عليه و آله يوما فذكر الربا و عظم شأنه، فقال: «إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند اللّه في الخطيئة من ست و ثلاثين زنية يزنيها الرجل، و إن أربى الربا عرض الرجل المسلم» . و مر-صلى اللّه عليه و آله-على قبرين يعذب صاحباهما، فقال: «إنهما ليعذبان في كبيرة،

____________

(1) الحجرات، الآية: 12.

(2) النساء، الآية: 147.

(3) ق، الآية: 18.

313

أما أحدهما فكان يغتاب الناس، و اما الآخر فكان لا يستبرى من بوله» و دعا بجريدة رطبة أو جريدتين فكسرهما، ثم أمر بكل كسرة فغرست على قبره، و قال: «أما إنه يهون من عذابهما ما كانتا رطبتين» و روى «أنه-صلى اللّه عليه و آله-أمر الناس بصوم يوم، و قال: لا يفطرن أحد حتى آذن له. فصام الناس، حتى إذا أمسوا، جعل الرجل يجي‏ء فيقول: يا رسول اللّه، ظلت صائما فاذن لي لأفطر، فيأذن له، و الرجل و الرجل، حتى جاء رجل، فقال: يا رسول اللّه، فتاتان من أهلي ظلتا صائمتين، و انهما تستحيان أن تأتياك، فأذن لهما لتفطرا. فاعرض عنه ثم عاوده فاعرض عنه. ثم عاوده، فقال: انهما لم تصوما، و كيف صام من ظل هذا اليوم يأكل لحوم الناس، أذهب فمرهما إن كانتا صائمتين أن تستقيئا. فرجع إليهما، فاخبرهما، فاستقاءتا، فقاءت كل واحدة منهما حلقة من دم. فرجع إلى النبي صلى اللّه عليه و آله فاخبره، فقال: و الذي نفس محمد بيده!لو بقيتا في بطنيهما لاكلتهما النار» . و أوحى اللّه تعالى الى موسى عليه السلام: «من مات تائبا من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة، و من مات مصرا عليها فهو اول من يدخل النار» . و قال صلى اللّه عليه و آله: «من مشى في غيبة أخيه و كشف عورته كانت أول خطوة خطاها و ضعها في جهنم، فكشف اللّه عورته على رءوس الخلائق.

و من اغتاب مسلما، بطل صومه و نقض وضوءه، فان مات و هو كذلك مات و هو مستحل لما حرم اللّه» . و قال صلى اللّه عليه و آله: «الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الاكلة في جوفه» (1) . و قال-صلى اللّه

____________

(1) الرواية مذكورة في (البحار) : 4 مج 15-177. قال في الموضع المذكور: «بيان: الاكلة-كقرحة-داء في العضو يأتكل منه، و قد يقرأ بمد الهمزة على وزن فاعلة، أى العلة التي تأكل اللحم. و الأول أوفق باللغة. و قيل الاكلة-بالضم-اللقمة، و كلاهما محتملان إلى أن ذكر الجوف يؤيد الأول و إرادة الإضافة و الاذهاب يؤيد الثاني و الأول أقرب و أصوب، و تشبيه الغيبة بأكل اللقمة أنسب، لأن اللّه سبحانه شبهها بأكل اللحم» .

314

عليه و آله-: «الجلوس في المسجد انتظارا للصلاة عبادة، ما لم يحدث» ، فقيل: يا رسول اللّه، و ما الحدث؟قال: «الاغتياب» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من اغتاب مسلما أو مسلمة لم يقبل اللّه صلاته و لا صيامه أربعين يوما و ليلة، إلا أن يغفر له صاحبه» . و قال-صلى اللّه عليه و آله: «من اغتاب مسلما في شهر رمضان لم يؤجر على صيامه» و قال -صلى اللّه عليه و آله-: «من اغتاب مؤمنا بما فيه، لم يجمع اللّه بينهما في الجنة أبدا، و من اغتاب مؤمنا بما ليس فيه، انقطعت العصمة بينهما، و كان المغتاب في النار خالدا فيها و بئس المصير» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «كذب من زعم أنه ولد من حلال و هو يأكل لحوم الناس بالغيبة. فاجتنب الغيبة فانها إدام كلاب النار» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «ما عمر مجلس بالغيبة إلا خرب بالدين، فنزهوا أسماعكم من من استماع الغيبة، فان القائل و المستمع لها شريكان في الإثم» . و قال -صلى اللّه عليه و آله-: «ما النار في التبن بأسرع من الغيبة في حسنة العبد» (1) و قال الصادق عليه السلام: «من قال في مؤمن ما رأته عيناه و سمعته أذناه، فهو من الذين قال اللّه عز و جل: إِنَّ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اَلْفََاحِشَةُ فِي اَلَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ » . و قال عليه السلام:

«من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه و هدم مروته ليسقط من أعين

____________

(1) صححنا الأحاديث هنا على (الوسائل) : كتاب الحج، ابواب احكام العشرة، الباب 152. و على (البحار) : 4 مج 15-177. و على (المستدرك) :

2-106 و على (احياء العلوم) : 3-123.

315

الناس، اخرجه اللّه من ولايته إلى ولاية الشيطان، فلا يقبله الشيطان» .

و قال عليه السلام: «من اغتاب أخاه المؤمن من غير ترة بينهما فهو شرك شيطان» (1) . و قال عليه السلام: «الغيبة حرام على كل مسلم، و انها لتأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» .

و الأخبار الواردة في ذم الغيبة مما لا يكاد يمكن حصرها، و ما ذكرناه كاف لايقاظ الطالبين. و العقل أيضا حاكم بأنها أخبث الرذائل، و قد كان السلف لا يرون العبادة في الصوم و الصلاة، بل في الكف عن اعراض الناس، لأنه كان عندهم أفضل الأعمال، و يرون خلافه صفة المنافقين، و يعتقدون أن الوصول إلى المراتب العالية في الجنة يتوقف على ترك الغيبة، لما ورد عن رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-أنه قال: «من حسنت صلاته و كثرت عياله، و قل ماله، و لم يغتب المسلمين، كان معي في الجنة كهاتين» و ما أقبح بالرجل المسلم أن يغفل عن عيوب نفسه، و يتجسس على عيوب اخوانه، و يظهرها بين الناس، فما باله يبصر القذى في عين أخيه، و لا يبصر الجذع في عين نفسه.

فيا حبيبي، اذا أردت أن تذكر عيوب غيرك، فاذكر عيوبك، و تيقن بأنك لن تصيب حقيقة الايمان، حتى لا تعيب الناس بعيب هو فيك، و حتى تبدأ باصلاح ذلك العيب. و إذا كان شغلك إصلاح عيوب نفسك، كان شغلك في خاصة نفسك، و لم تكن لك فرصة للاشتغال بغيرك، و حينئذ كنت من أحب العباد إلى اللّه، لقول النبي-صلى اللّه عليه و آله-: «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس!» . و اعلم أن عجز غيرك في الاجتناب عن ذلك العيب و صعوبة ازالته عليه كعجزك عن الاجتناب عنه إن كان ذلك

____________

(1) صححنا الأحاديث الثلاثة على (الوسائل) في الموضع المتقدم. و على (أصول الكافي) باب الغيبة و البهت. و على (المستدرك) .

316

العيب فعلا اختياريا، و إن كان أمرا خلقيا، فالذم له ذم للخالق تعالى.

فإن من ذم صنعة فقد ذم صانعها. قيل لبعض الحكماء: يا قبيح الوجه! فقال: «ما كان خلق وجهي إلي فاحسنه» . و لو فرض براءتك عن جميع العيوب، فلتشكر اللّه، و لا تلوث نفسك بأعظم العيوب. إذا أكل لحوم الميتات أشد العيوب و أقبحها، مع انك لو ظننت خلوّك عن جميع العيوب لكنت أجهل الناس، و لا عيب أعظم من مثل هذا الجهل.

ثم ينبغي أن يعلم المغتاب ان الغيبة تحبط حسناته و تزيد في سيئاته. لما ثبت من الأخبار الكثيرة: ان الغيبة تنقل حسنات المغتاب يوم القيامة إلى من اغتابه، و ان لم تكن له حسنة نقل إليه من سيئاته. قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «يؤتى أحدكم يوم القيامة، فيوقف بين يدي اللّه تعالى و يدفع إليه كتابه، فلا يرى حسناته، فيقول: إلهي ليس هذا كتابي، فإني لا أرى فيه طاعتي، فيقول له: إن ربك لا يضل و لا ينسى، ذهب عملك باغتياب الناس. ثم يؤتى بآخر و يدفع إليه كتابه، فيرى فيه طاعات كثيرة، فيقول: إلهي ما هذا كتابي، فإني ما عملت هذه الطاعات، فيقول له: إن فلانا اغتابك فدفعت حسناته إليك» . و في معناه أخبار اخر.

و لا ريب في أن العبد يدخل النار بأن تترجح كفة سيئاته، و ربما تنقل إليه سيئة واحدة مما اغتاب به مسلما، فيحصل به الرجحان و يدخل لأجله النار.

و أقل ما في الباب أن ينقص من ثواب صالحات أعماله، و ذلك بعد المخاصمة و المطالبة و السؤال و الجواب و المناقشة في الحساب. و روى عن بعضهم:

«أن رجلا قيل له: ان فلانا قد اغتابك، فبعث إليه طبقا من الرطب، و قال: بلغني أنك قد أهديت الي من حسناتك، فأردت أن أكافيك عليها فاعذرني، فاني لا أقدر أن أكافيك على التمام» .

و الحاصل: أن العاقل ينبغي أن يتأمل في أن من يغتابه ان كان‏

317

صديقا و محبا له، فاظهار عيوبه و عثراته بعيد عن المروة و الإنصاف، و ان كان عدوا له، فتحمل خطاياه و معاصيه و نقل حسناته إلى ديوانه غاية الحماقة و الجهل.

فصل علاج الغيبة

الطريق في علاج الغيبة و تركها، أن يتذكر أولا ما تقدم من مفاسدها الأخروية، ثم يتذكر مفاسدها في الدنيا، فإنه قد تصل الغيبة إلى من اغتيب، فتصير منشأ لعداوته أو لزيادة عداوته، فيتعرض لايذاء المغتاب و اهانته، و ربما انجر الأمر بينهما إلى ما لا يمكن تداركه من الضرب و القتل و أمثال ذلك. ثم يتذكر فوائد أضدادها-كما نشير إليها-، و بعد ذلك فليراقب لسانه، و يقدم التروي في كل كلام يريد أن يتكلم به، فان تضمن غيبة سكت عنه، و كلف نفسه ذلك على الاستمرار، حتى يرتفع عن نفسه الميل الجلي و الخفي إلى الغيبة.

و العمدة في العلاج أن يقطع أسبابها المذكورة، و قد تقدم علاج الغضب و الحقد و الحسد و الاستهزاء و السخرية، و يأتي طريق العلاج في الهزل و المطايبة و الافتخار و المباهاة. و أما تنزيه النفس بنسبة ما نسب إليه من الجناية إلى الغير، فمعالجته أن يعلم أن التعرض لمقت الخالق أشد من التعرض لمقت المخلوق، و من اغتاب تعرض لمقت اللّه و سخطه قطعا، و لا يدري أنه يتخلص من سخط الناس أم لا، فيحصل بعمله ذم اللّه و سخطه تقديرا، و ينتظر دفع ذم الناس نسيئة، و هذا غاية الجهل و الخذلان.

و أما تعرضه لمشاركة الغير في الفعل تمهيدا لعذر نفسه، كأن يقول إنى أكلت الحرام، لأن فلانا أيضا أكل، و قبلت مال السلطان، لأن فلانا

318

أيضا قبل، مع أنه أعلم مني، فلا ريب في أنه جهل و سفه، لأنه اعتذر بالاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به. فان من خالف اللّه لا يقتدى به كائنا من كان، فلو دخل غيره النار و هو يقدر على عدم الدخول فهل يقتدى به في الدخول، و لو دخل عد سفيا أحمق، ففعله معصية، و عذره غيبة و غباوة، فجمع بين المعصيتين و الحماقة، و مثله كمثل الشاة، اذا نظرت الى العنز تردى نفسها من الجبل فهي أيضا تردي نفسها، و لو كان لها لسان ناطق و اعتذرت عن فعلها بأن العنز اكيس مني و قد اهلكت نفسها فكذلك فعلت أنا، لكان هذا المغتاب المعتذر يضحك عليها، مع أن حاله مثل حالها و لا يضحك على نفسه.

و العجب أن بعض الأشقياء من العوام، لما صارت قلوبهم عش الشيطان و صرفوا أعمارهم في المعاصي، و اشتغلت ذممهم بمظالم الناس بحيث لا يرجى لهم الخلاص، مالت نفوسهم الخبيثة إلى ألا يكون معاد و حساب و حشر و عقاب، و لما وجد ذلك الميل منهم اللعين، خرج من الكمين، و وسوس في صدورهم بأنواع الشكوك و الشبهات، حتى ضعف بها عقائدهم أو افسدها، و دعاهم في مقام الاعتذار عن أعمالهم الخبيثة ألا يصرحوا بما ارتكز في قلوبهم و يشتهونه، خوفا من القتل و أجراء أحكام الكفار عليهم و لم يدعهم أيضا تلبيسهم و تزويرهم و غلبة الشيطنة عليهم أن يعترفوا بالنقص و سوء الحال فحملهم الشيطان باغوائه على أن يعتذروا من سوء فعالهم بأن بعض العلماء يفعلون ما نفعل و لا يجتنبون عن مثل أعمالنا، من طلب الرئاسة و أخذ الأموال المحرمة، و لم يدروا أن هذا القول ناش من جهلهم و خباثتهم.

إذ تقول لهم: إن فعل هذا البعض إن صار منشأ لزوال ايمانكم بالمعاد و الحساب، فأنتم كافرون، و باعث أعمالكم الخبيثة هو الكفر و عدم الاذعان بأحوال النشأة الآخرة. و إن لم يصر منشأ له، بل ايمانكم ثابت،

319

فاللازم عليكم العمل بمقتضاه، من غير تزلزل بعمل الغير كائنا من كان.

فما الحجة في عمل هذا البعض، مع اعتقادكم بأنه على باطل؟!.

و أيضا لو كان باعث أعمالكم الخبيثة فعل العلماء، فلم اقتديتم بهذا البعض مع عدم كونه من علماء الآخرة و عدم اطلاعه على حقيقة العلم؟ و لو كنتم صادقين فيما تنسبون إليه، فهو المتأكل بعلمه، و انما حصل نبذا من علوم الدنيا ليتوسل بها إلى حطامها، و لا يعد مثله عند أولي الألباب عالما، بل هو متشبه بالعلماء. و لم ما اقتديتم بعلماء الآخرة المتخلفين بشراشرهم عن الدنيا و حطامها؟و إنكار وجود مثلهم، و القدح في الكل مع كثرتهم في أقطار الأرض غاية اللجاج و العناد. و لو سلمنا منكم ذلك، فلم ما اقتديتم بطوائف الأنبياء و الأوصياء، مع أنهم أعلم الناس باتفاق الكل، و حقيقة العلم ليس إلا عندهم؟فان أنكروا أعلميتهم و عصمتهم من المعاصي، و احتملوا كونهم أمثالا لهم، ظهر ما في بواطنهم من الكفر الخفي.

و أما موافقة الاقران، فعلاجه أن يتذكر ان اللّه يسخط عليه و يبغضه اذا اختار رضا المخلوقين على رضاه، و كيف يرضى المؤمن ان يترك رضا ربه لرضا بعض أراذل الناس؟و هل هذا إلا كونه تعالى أهون عنده منهم؟ و هو ينافي الايمان.

و أما استشعاره من رجل انه يقبح عند محتشم حاله أو يشهد عليه بشهادة فيبادره بالغيبة اسقاطا لأثر كلامه، فعلاجه أن يعلم: (أولا) ان مجرد الاستشعار لا يستلزم الوقوع، فلعله لا يقبح حاله و لا يشهد عليه، فالمواخذة بمحض التوهم تنافي الديانة و الايمان. و (ثانيا) ان اقتضاء قوله سقوط أثر كلام من اغتابه في حقه مجرد توهم، و التعرض لمقت اللّه يقينا بمجرد توهم ترتب فائدة دنيويه عليه محض الجهل و الحماقة، و (ثالثا) أن تأدي فعل الغير-أعني تقبيح حاله عند محتشم مع فرض وقوعه-الى اضراره في حيز

320

الشك، إذ ربما لم يقبله المحتشم، و ربما لم تقبل شهادته شرعا، فتقبيح حاله و تحمل معاصيه بدون الجزم بصيرورته سببا لايذائه محض الجهل و الخذلان.

و أما الرحمة له على اثمه و التعجب منه و الغضب للّه عليه، و إن كان كل منها حسنا، الا أنه إذا لم تكن معه غيبة، و أما إذا كانت معه غيبة أحبط أجره و بقى اثمها، فالعلاج ان يتأمل باعث الرحمة و التعجب و الغضب هو الايمان و حماية الدين، و إذا كان معها غيبة أضرت بالدين و الايمان، و ليس شي‏ء من الأمور الثلاث ملزوما للغيبة لإمكان تحققه بدونها، فمقتضى الايمان و حماية الدين أن يترحم و يتعجب و يغضب للّه، مع ترك الغيبة و إظهار الإثم و العيب، ليكون مأجورا غير آثم.

فصل مسوغات الغيبة

لما عرفت ان الغيبة ذكر الغير بما يكرهه لو سمعه، فاعلم ان ذلك انما يحرم إذا قصد به هتك عرضه، و التفكه به، أو اضحاك الناس منه. و اما اذا كان ذلك لغرض صحيح لا يمكن التوصل إليه إلا به. فلا يحرم، و الأغراض الصحيحة المرخصة له أمور.

الأول-النظلم عند من له رتبة الحكم و احقاق الحقوق، كالقضاة و المفتين و السلاطين، فان نسبة الظلم و السوء إلى الغير عندهم لاستيفاء الحق جائز، لقول النبي صلى اللّه عليه و آله: «لصاحب الحق مقال» ، و قوله صلى اللّه عليه و آله «ليّ الواجد يحل عرضه و عقوبته» و عدم إنكاره صلى اللّه عليه و آله على قول هند بحضرته: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني إياي و ولدي، أ فآخذ من غير علمه؟و قوله-صلى اللّه عليه و آله-

321

لها: «خذى ما يكفيك و ولدك بالمعروف» .

الثاني-الاستعانة على رفع المنكر و رد المعاصي إلى الصلاح، و انما يستباح بها ذكر مساءته بالقصد الصحيح لا بدونه.

الثالث-نصح المستشير في التزويج، و ايداع الأمانة، و امثالهما.

كذلك جرح الشاهد و المفتي و القاضي إذا سئل عنهم، فله ان يذكر ما يعرفه من عدم العدالة و الأهلية للافتاء و القضاء، بشرط صحة القصد و إرادة الهداية و عدم باعث حسد أو تلبيس من الشيطان، و كذلك توقى المسلمين من الشر و الضرر أو سرايه الفسق و البدعة، فإن من رأى عالما أو غيره من المؤمنين يتردد إلى ذي شر أو فاسق أو مبتدع، و خاف أن يتضرر و يتعدى إليه الفسق و البدعة بمصاحبته. يجوز له أن يكشف له ما يعرفه من شره و فسقه و بدعته. بشرط كون الباعث مجرد خوف وصول الشر و الفساد أو سراية الفسق و البدعة إليه. قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «أ ترعوون عن ذكر الفاجر حتى لا يعرفه الناس؟اذكروه بما فيه يحذره الناس» .

و من جملة ما يدخل في تحذير المسلمين و توقيهم من الشر و الضرر، إظهار عيب يعلمه في مبيع، و إن كرهه البايع، حفظا للمشتري من الضرر. مثل أن يشتري عبدا، و قد عرفه بالسرقة أو الفسق أو عيب آخر، أو فرسا، و قد عرفه بكونه مال الغير، فله أن يظهر ذلك، لاستلزام سكوته ضررا على المشتري.

الرابع-رد من ادعى نسبا ليس له.

الخامس-القدح في مقالة أو دعوى باطلة في الدين.

السابع-ضرورة التعريف، فانه إذا كان أحد معروفا بلقب يعرب عن عيب، و توقف تعريفه عليه، و لم يكن اثم في ذكره، بشرط عدم إمكان التعريف بعبارة أخرى، لفعل الرواة و العلماء في الاعصار و الامصار

322

فانهم يقولون: روى الأعمش و الأعرج و غير ذلك، لأن الغالب صيرورته بحيث لا يكرهه صاحبه.

الثامن-كون المقول فيه مستحقا للاستخفاف، لتظاهره و تجاهره بفسق، كالظلم و الزنا و شرب الخمر و غير ذلك، بشرط عدم التعدى عما يتظاهر به، اذ لو ذكره بغير ما يتظاهر به لكان اثما، و أما إذا ذكر منه مجرد ما يتجاهر به فلا اثم عليه، اذ صاحبه لا يستنكف من ذكره، و ربما يتفاخر به و يقصد إظهاره. و مع قطع النظر عن ذلك، فالأخبار دالة عليه، كما تقدم جملة منها. و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «من القى جلباب الحياء من وجهه فلا غيبة له» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-:

«ليس لفاسق غيبة» .

و الظاهر أن ذكر ما يتجاهر به من العيوب ليس غيبة، لا شرعا و لا لغة، لا انه غيبة استثنى جوازها شرعا، قال الجوهري: «الغيبة أن يتكلم خلف انسان مستور بما يغمه لو سمعه، فان كان صدقا سمى غيبة و إن كان كذبا سمى بهتانا» .

هذا و قد صرح جماعة بجواز الغيبة في موضعين آخرين: أحدهما:

أن يكون اثنان أو أكثر مطلعين على عيب رجل، فيقع تحاكيه بينهم من غير أن يظهروه لغيرهم ممن لم يطلع عليه، و في بعض الأخبار المتقدمة دلالة على جوازه، كما لا يخفى. و ثانيهما: أن يكون متعلقها-اعني المقول فيه-غير محصور، كأن يقال: «قال قوم كذا، أو أهل البلد الفلاني كذا» . و مثله إذا قال: «بعض الناس يقول أو يفعل كذا، أو من مر بنا اليوم شأنه كذا» ، اذا لم يتعين البعض و المار عند المخاطب، و لو انتقل إلى شخص معين لقيام بعض القرائن، كانت غيبة محرمة، و كذا لو قال: «بعض من قدم من السفر، أو بعض من يدعى العلم» ، إن‏

323

كان معه قرينة يفهم عين الشخص فهو غيبة و إلا فلا. و كذا ذكر مصنف في كتابه فاضلا معينا، و تهجين كلامه بلا اقتران شي‏ء من الاعذار المحوجة الى ذكره غيبة، و أما لو ذكره بدون تعيينه، كأن يقول: «و من الفضلاء من صدر عنه في المقام هفوة أو عثرة» ، فليس غيبة. ثم السر في اشتراط الغيبة بكونه تعريضا لشخص معين، و عدم كون التعرض بالمبهم و غير المحصور غيبة، عدم حصول الكراهة مع الإبهام و عدم الانحصار، كما لا يخفى. و ربما كان في بعض الأخبار أيضا اشعار به، و قد كان رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-اذا كره من انسان شيئا يقول: «ما بال أقوام يفعلون كذا و كذا» من دون تعيين للفاعل.

تذنيب كفارة الغيبة

كفارة الغيبة-بعد التوبة و الندم للخروج عن حق اللّه-أن يخرج من حق من اغتابه. و طريق الخروج من حقه، إن كان ميتا أو غائبا لم يمكن الوصول إليه، أن يكثر له من الاستغفار و الدعاء، ليحسب ذلك يوم القيامة من حسناته و يقابل بها سيئة الغيبة، و إن حيا يمكن الوصول اليه و لم تبلغ إليه الغيبة، و كان في بلوغها إليه مظنة العداوة و الفتنة، فليكثر له أيضا من الدعاء و الاستغفار، من دون ان يخبره بها، و إن بلغت إليه أو لم تبلغه، و لم يكن في بلوغها ظن الفتنة و العداوة، فليستحله متعذرا متأسفا مبالغا في الثناء عليه و التودد إليه، و ليواظب على ذلك حتى يطيب قلبه و يحله فان لم يطب قلبه من ذلك و لم يحله، كان اعتذاره و تودده حسنة يقابل بها سيئة الغيبة في القيامة.

324

و الدليل على هذا التفصيل قول الصادق عليه السلام: «و إن اغتبت فبلغ المغتاب، فاستحل منه، فان لم تبلغه لم تلحقه، فاستغفر اللّه» (1)

و ذلك لأن في الاستحلال مع عدم البلوغ إليه إثارة للفتنة و جلب الضغائن و في حكم من لم يبلغه من لم يقدر على الوصول إليه بموت أو غيبة، و على هذا فقول النبي-صلى اللّه عليه و آله-: «كفارة من اغتبته أن تستغفر له» ، محمول على صورة عدم إمكان الوصول إليه، أو إمكانه مع إيجاب الاعلام و الاستحلال لإثارة الفتنة و العداوة. و قوله-صلى اللّه عليه و آله-:

«من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال، فليتحللها منه من قبل أن يأتي يوم ليس هناك دينار و لا درهم، إنما يؤخذ من حسناته، فان لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فزيدت على سيئاته» ، محمول على صورة البلوغ، مع عدم إيجاب الاعلام و الاستحلال فتنة و عداوة.

تتميم البهتان‏

قد ظهر مما تقدم أن البهتان أن تقول في مسلم ما يكرهه و لم يكن فيه، فان كان ذلك في غيبته كان كذبا و غيبة، و إن كان بحضوره كان أشد أنواع الكذب. و على اى تقدير، فهو أشد إثما من الغيبة و الكذب قال اللّه سبحانه:

وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ

____________

(1) هذا جزء من الحديث المتقدم عن مصباح (الشريعة) : 289، الباب 49 فصححناه عليه.

325

اِحْتَمَلَ بُهْتََاناً وَ إِثْماً مُبِيناً (1) .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «من بهت مؤمنا أو مؤمنة، أو قال فيه ما ليس فيه، أقامه اللّه على تل من نار، حتى يخرج مما قاله فيه» . و قال الصادق عليه السلام: «من بهت مؤمنا أو مؤمنة بما ليس فيه، بعثه اللّه عز و جل في طينة خبال، حتى يخرج مما قال» قلت: و ما طينة خبال؟قال: «صديد يخرج من فروج المومسات» (2)

ثم ما ورد في ذم اللسان و كونه شر الأعضاء و منبع أكثر المعاصي-كما يأتي في موضعه-يدل على ذم الغيبة و البهتان، كما يدل على ذم جميع آفات اللسان مما تقدم: من الفحش، و اللعن، و الطعن، و السخرية، و غير ذلك، و ما يأتي: من الكذب، و المزاح، و الخوض في الباطل. و فضول الكلام، و غير ذلك.

وصل المدح و مواضع حسنه و قبحه‏

الغيبة لما كانت راجعة إلى الذم، فضدها المدح و دفع الذم، و البهتان لما كان كذبا، فضده الصدق. و كما أن لكل واحدة من آفات اللسان مما مر و مما يأتي ضدا خاصا، فكذلك لجميعها ضد واحد عام هو الصمت -كما أشير إليه فيما سبق أيضا و ضد البهتان-أعني الصدق-يأتي في

____________

(1) النساء، الآية: 111.

(2) صححنا الأحاديث كلها على (أصول الكافي) : باب الغيبة و البهتان.

و على (الوسائل) : كتاب الحج، باب تحريم البهتان في المؤمن. و على (المستدرك) :

107، كتاب الحج، باب تحريم البهتان للمؤمن.

326

مقام بيان الكذب. و أما الضد العام لكل، فقد يأتي في موضعه مع ما يدل بعمومه على ذم جميع آفات اللسان، فهنا نشير إلى بيان المدح و ما يحمد منه، حتى يكون ضدا لها و فضيلة للقوة الغضبية أو الشهوية، و ما يذم منه حتى يكون رذيلة لاحدهما، فنقول:

لا ريب في أن مدح المؤمن في غيبته و حضوره ممدوح مندوب إليه لكونه ادخالا للسرور عليه، و قد علم مدحه و ثوابه، و لما ورد من أن رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-أثنى على أصحابه، و أنه قال لجماعة -لما اثنوا على بعض الموتى-: «وجبت لكم الجنة، و أنتم شهداء اللّه في الأرض» و لما ورد من «أن لبني آدم جلساء من الملائكة، فإذا ذكر أحد أخاه المسلم بخير، قالت الملائكة: و لك مثله، و إذا ذكره بسوء، قالت الملائكة:

يا ابن آدم المستور عورته، اربع على نفسك!و أحمد اللّه إذ ستر عورتك» و لكنه ليس راجحا مندوبا على الإطلاق، بل إذا سلم من آفاته، و هي أن يكون صدقا لا يفرط المادح فيه، بحيث ينتهي إلى الكذب، و ألا يكون المادح فيه مرائيا منافقا، بأن يكون غرضه إظهار الحب مع عدم كونه محبا في الواقع سواء كان صادقا فيما ينسبه إليه من المدح أم لا، و ألا يمدح الظالم و الفاسق و إن كان صادقا فيما يقول في حقه، لأنه يفرح بمدحه و إدخال الفرح على الظالم أو الفاسق غير جائز، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «إن اللّه ليغضب إذا مدح الفاسق» . فالظالم الفاسق ينبغي أن يذم ليغتم، و لا يمدح ليفرح، و ألا يقول ما لا يتحققه و لا سبيل له الى الاطلاع عليه.

و هذه الآفة إنما تتطرق في المدح بالأوصاف المطلقة و الخفية، كقولك إنه تقي ورع زاهد خير، أو قولك: إنه عدل رضى، و أمثال ذلك،

327

لتوقف الصدق في ذلك على قيام الأدلة و الخبرة الباطنة، و تحققهما في غاية الندرة. فالغالب أن المدح بامثال ذلك يكون من غير تحقق و تثبت، و ألا يحدث في الممدوح كبرا أو اعجابا يوجبان هلاكه، و لا رضى عن نفسه يوجب فتوره عن العمل، إذ من أطلقت الألسنة بالثناء عليه يرضى عن نفسه، و يظن أنه قد أدرك، و هذا يوجب فتوره عن العمل، إذ المتشمر له إنما هو من يرى نفسه مقصرا، و لذلك قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: لرجل مدح بحضرته رجلا آخر: «ويحك!قطعت عنق صاحبك، لو سمعها ما أفلح» و قال-صلى اللّه عليه و آله-:

«اذا مدحت أخاك في وجهه، فكأنما أمررت على حلقه الموسى» و قال أيضا لمن مدح رجلا: «عقرت الرجل عقرك اللّه!» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «لو مشى رجل إلى رجل بسكين مرهف، كان خيرا له من أن يثنى عليه في وجهه» .

و السر في هذه الأخبار: أن المدح يوجب الفتور عن العمل، أو الكبر أو العجب، و هو مهلك، كقطع العنق و العقر و إمرار الموسى أو السكين على الحلق، فان سلم المدح عن الآفات المذكورة المتعلقة بالمادح و الممدوح كان ممدوحا، و إلا كان مذموما. و بذلك يحصل الجمع بين ما ورد في مدحه-كما تقدم-و ما ورد في ذمه.

فاللازم على المادح أن يحترز عما تقدم من الآفات المتعلقة به، و على الممدوح أن يحترز من آفة الكبر و العجب و الفتور و الرياء، بأن يعرف نفسه و يتذكر خطر الخاتمة، و لا يغفل عن دقائق الرياء، و يظهر كراهة المدح، و إليه الإشارة بقوله-صلى اللّه عليه و آله-: «احثوا التراب في وجوه المداحين» . و بالجملة: اللازم على الممدوح ألا يتفاوت حاله بالمدح، و هذا فرع معرفة نفسه، و تذكر ما لا يعرفه المادح من عثراته‏

328

و ينبغي أن يظهر أنه ليس كما عرفوه، قال بعض الصالحين لما اثنى عليه «اللهم إن هؤلاء لا يعرفوني و أنت تعرفني» . و قال أمير المؤمنين عليه السلام لما أثنى عليه: «اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، و لا تؤاخذنى بما يقولون، و اجعلني خيرا مما يظنون» .

ثم الظاهر عدم المؤاخذة و الإثم بالانبساط و الارتياح بالمدح، لكون النفوس مجبولة على الفرح و السرور بنسبة الكمال إليها، و لكن بشرط أن يكره من نفسه ذلك الارتياح، و يقهر نفسه و يعاتبها على ذلك، و يجتهد في إزالة ذلك عنها، إذ مقتضى العقل الفرح بوجود الكمال فيه لا بنسبته اليه، فما ينسب إليه منه إن كان موجودا فيه، فينبغي أن يكون فرحه به لا بنسبته إليه، إذ الانبساط بتصريح رجل بأنك صاحب هذا الكمال حمق و سفه. و إن لم يكن موجودا فيه، فاللازم أن يحزن و يغضب، لكونه استهزاء لا مدحا. و الحاصل: أن العاقل ينبغي ألا يسر بمدح الغير و لا يحزن بذمه، إذ من ملك ياقوتة شريفة حمراء أي ضرر عليه إذا قال رجل إنها خرزة، و إذا ملك خرزة أي فائدة له إذا قال انها ياقوتة.

و منها:

الكذب‏

و هو إما في القول، أى الإخبار عن الأشياء على خلاف ما هي عليه و صدوره إما عن العداوة أو الحسد أو الغضب، فيكون من رذائل قوة الغضب، أو من حب المال و الطمع، أو الاعتياد الحاصل من مخالطة أهل الكذب، فيكون من رذائل قوة الشهوة.

أو في النية و الارادة، و هو عدم تمحيضها باللّه، بألا يكون اللّه‏

329

سبحانه بانفراده باعث طاعاته و حركاته، بل يمازجه شي‏ء من حظوظ النفس. و هذا يرجع إلى الرياء، و يأتي كونه من رذائل أيّ قوة.

و إما في العزم، أى الجزم على الخير، و ذلك بأن يعزم على شي‏ء من الخيرات و القربات، و يكون في عزمه نوع ميل و ضعف و تردد يضاد الصدق في العزيمة، و هذا أيضا من رداءة قوة الشهوة.

و إما في الوفاء بالعزم، فان النفس قد تسخو بالعزم في الحال، لعدم مشقة في الوعد، فإذا حقت الحقائق، و حصل التمكن، و هاجت الشهوات، انحلت العزيمة، و لم يتفق الوفاء بالعزم، و هذا أيضا من رذائل قوة الشهوة و من أنواع الشره.

و إما في الأعمال، و هو ان تدل أعماله الظاهرة على أمر في باطنه لا يتصف هو به، أى لا يكون باطنه مثل ظاهره و لا خيرا منه. و هذا غير الرياء، لأن المرائي هو الذي يقصد غير اللّه تعالى في أعماله، و رب واقف على هيئة الخشوع في صلاته ليس يقصد به مشاهدة غيره سبحانه و لكن قلبه غافل عن اللّه و عن الصلاة، فمن نظر إلى ما يصدر عن ظاهره من الخشوع و الاستكانة، يظن انه بشراشره منقطع إلى جناب ربه، و حذف ما سواه عن صحيفة قلبه، و هو بكليته عنه تعالى غافل، و إلى أمره من أمور الدنيا متوجه. و كذلك قد يمشي الرجل على هيئة الطمأنينة و الوقار، بحيث من يراه يجزم بأنه صاحب السكينة و الوقار، مع ان باطنه ليس موصوفا بذلك. فمثل ذلك كاذب في عمله، و ان لم يكن مرائيا ملتفتا إلى الخلق، و لا نجاة من هذا الكذب إلا باستواء السريرة و العلانية، أو كون الباطن أحسن من الظاهر. و هذا القسم من الكذب ربما كان من رذائل قوة الشهوة، و ربما كان من رذائل قوة الغضب، و ربما كان من رداءة القوة المدركة، بأن كان باعثه مجرد الوساوس.

330

و أما في مقامات الدين، كالكذب في الخوف و الرجاء، و الزهد و التقوى، و الحب و التعظيم، و التوكل و التسليم، و غير ذلك من الفضائل الخلقية، فان لها مبادئ يطلق الاسم بظهورها، ثم لها حقائق و لوازم و غايات و الصادق المحقق من نال حقائقها و لوازمها و غاياتها، فمن لم يبلغها كان كاذبا فيها. مثلا الخوف من اللّه تعالى له مبدأ هو الايمان به سبحانه و حقيقة هو تألم الباطن و احتراقه، و لوازم و آثار هي اصفرار اللون و ارتعاد الفرائض و تكدر العيش و تقسم الفكر و غير ذلك، و غايات هي الاجتناب عن المعاصي و السيئات و المواظبة على الطاعات و العبادات، فمن آمن باللّه تعالى صدق عليه كونه خائفا منه خوفا يطلق عليه الاسم، إلا أنه إن لم تكن معه حرقة القلب و تكدر العيش و التشمر للعمل كان خوفا كاذبا، و إن كان معه ذلك كان خوفا صادقا، أى بالغا درجة الحقيقة، قال أمير المؤمنين-صلوات اللّه عليه و آله-: «إياكم و الكذب، فان كل راج طالب، و كل خائف هارب» (1) : أي لا تكذبوا في ادعائكم الرجاء و الخوف من اللّه، و ذلك لأن كل راجع طالب لما يرجو، ساع في أسبابه، و أنتم لستم كذلك، و كل خائف هارب مما يخاف منه، مجتنب مما يقربه منه، و أنتم لستم كذلك، و هذا مثل قوله عليه السلام في نهج البلاغة: «كذب و اللّه العظيم ما باله لا يتبين رجاءه في عمله!و كل من رجا عرف رجاؤه إلا رجاء اللّه، فانه مدخول، و كل خوف محقق إلا خوف اللّه فانه معلول... » (2) .

____________

(1) صححنا الرواية على (أصول الكافي) : باب الكذب، و على (البحار) 3 مج 15-39، باب الكذب.

(2) هذا الكلام مروى في (الوافي) : 3-409 باب الكذب. و في (البحار) 3 مج 15-35. و هو مروى عن (نهج البلاغة) كما صرح به العلامة المجلسي.

-قدس سره-في الموضع المذكور.

331

ثم الكذب في كل مقام لما كان راجعا إلى عدمه، فيكون رذيلة متعلقة بالقوة التي في هذا المقام فضيلة متعلقة بها. و بما ذكر يظهر: أن من له مبدأ الايمان، اعني الإقرار بالشهادتين، و كان فاقدا لحقيقته، اعنى اليقين القطعي بالمبدإ و المعاد، أو للوازمه و غاياته، اعني الخوف الصادق منه تعالى و التعظيم الحقيقي له سبحانه و الاهتمام البالغ في امتثال أوامره و نواهيه، كان كاذبا في دعوى الايمان.

فصل ذم الكذب‏

الكذب أقبح الذنوب و أفحشها، و أخبث العيوب و أشنعها، قال اللّه سبحانه:

إِنَّمََا يَفْتَرِي اَلْكَذِبَ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ (1) .

فَأَعْقَبَهُمْ نِفََاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى‏ََ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمََا أَخْلَفُوا اَللََّهَ مََا وَعَدُوهُ وَ بِمََا كََانُوا يَكْذِبُونَ (2) .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «إياكم و الكذب، فان الكذب يهدى إلى الفجور، و الفجور يهدى إلى النار» . و قال صلى اللّه عليه و آله: «المؤمن إذا كذب من غير عذر لعنه سبعون الف ملك، و خرج من قلبه نتن حتى يبلغ العرش، فيلعنه حملة العرش، و كتب اللّه

____________

(1) النحل، الآية: 105.

(2) التوبة، الآية: 78.

332

عليه بتلك الكذبة سبعين زنية، أ هونها كمن زنى مع أمه» (1) . و سئل صلى اللّه عليه و آله-: «يكون المؤمن جبانا؟قال: نعم!قيل: و يكون بخيلا؟قال: نعم!قيل و يكون كذابا؟قال: لا!» و قال صلى اللّه عليه و آله: «كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق و أنت له به كاذب» . و قال صلى اللّه عليه و آله: «الكذب ينقص الرزق» . و قال صلى اللّه عليه و آله: «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم!ويل له ويل له!» . و قال صلى اللّه عليه و آله:

«رأيت كأن رجلا جاءنى، فقال لي: قم، فقمت معه، فإذا أنا برجلين أحدهما قائم و الآخر جالس، و بيد القائم كلوب من حديد يلقمه في شدق الجالس فيجذبه حتى يبلغ كاهله، ثم يجذبه فيلقمه الجانب الآخر فيمده، فإذا مده رجع الآخر كما كان، فقلت للذي أقامني: ما هذا؟فقال:

هذا رجل كذاب، يعذب في قبره إلى يوم القيامة» . و قال صلى اللّه عليه و آله: «ألا أخبركم باكبر الكبائر: الإشراك باللّه، و عقوق الوالدين، و قول الزور» : أى الكذب. و قال صلى اللّه عليه و آله-: «إن العبد ليكذب الكذبة فيتباعد الملك منه مسيرة ميل من نتن ما جاء به» . و قال صلى اللّه عليه و آله: «إن للشيطان كحلا و لعوقا و نشوقا. فاما لعوقه فالكذب، و أما نشوقه فالغضب، و أما كحله فالنوم» (2) . و قال روح اللّه لأصحابه: «من كثر كذبه ذهب بهاؤه» ، و قال أمير المؤمنين عليه

____________

(1) صححنا هذين الحديثين على (جامع الأخبار) : الباب 12 الفصل 7.

(2) مثل مضمون هذه الرواية ورد في (الوسائل) في الموضع الآتي الباب 138 و في (المستدرك) في الموضع الآتي و في (سفينة البحار) : 2: 473، و فيه اختلاف عما في نسخ (جامع السعادات) ، فان الموجود بهذه الكتب بهذا النص: «ان لا بليس كحلا و لعوقا و سعوطا، فكحله النعاس، و لعوقه الكذب، و سعوطه الكبر» .

333

السلام: «لا يجد العبد طعم الايمان حتى يترك الكذب، هزله وجده» .

و قال عليه السلام: «أعظم الخطايا عند اللّه اللسان و الكذب، و شر الندامة ندامة يوم القيامة» . و قال علي بن الحسين-عليهما السلام-: «اتقوا الكذب الصغير منه و الكبير في كل جد و هزل، فان الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير» . و قال أبو جعفر عليه السلام: «إن اللّه عز و جل جعل للشر أقفالا، و جعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، و الكذب شر من الشراب» . و قال عليه السلام: «الكذب هو خراب الايمان» و قال عليه السلام: «إن أول من يكذب الكذاب اللّه عز و جل، ثم الملكان اللذان معه، ثم هو يعلم أنه كاذب» . و قال الامام الزكي العسكري عليه السلام: «جعلت الخبائث كلها في بيت، و جعل مفتاحها الكذب» و الأخبار الواردة في ذم الكذب أكثر من أن تحصى. و أشد أنواع الكذب إثما و معصية الكذب على اللّه و على رسوله و على الأئمة، و كفاه ذما أنه يبطل الصوم، و يوجب القضاء و الكفارة على الاقوى. قال الصادق عليه السلام: «إن الكذبة لتفطر الصائم» ، قال الراوي: و أينا لا يكون ذلك منه، قال: «ليس حيث ذهبت، إنما الكذب على اللّه تعالى و على رسوله و على الأئمة-عليهم السلام-» . و قال عليه السلام: «الكذب على اللّه و على رسوله و على الأوصياء-عليهم السلام-من الكبائر» . و ذكر عنده عليه السلام الحائك، و كونه ملعونا، فقال: «إنما ذلك الذي يحوك الكذب على اللّه و على رسوله» . و قال الباقر عليه السلام: «لا تكذب علينا كذبة، فتسلب الحنيفية» (1) .

____________

(1) صححنا أكثر الأحاديث هنا على (الوسائل) : الباب 138-140 من ابواب أحكام العشرة، و على (المستدرك) : 2-100-102 و على (أصول الكافي) باب الكذب، و على (البحار) : 3 مج 15-35، باب الكذب.

334
فصل مسوغات الكذب‏

الكذب حرام، لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره، أو لايجابه اعتقاد المخاطب خلاف الواقع، فيصير سببا لجهله. و هذا القسم مع كونه أهون الدرجات و أقلها إثما، محرم أيضا، إذ إلقاء خلاف الواقع على الغير و سببية جهله غير جائز، إلا أنه إذا كان مما يتوقف عليه تحصيل مصلحة مهمة، و لم يمكن التوصل إليها بالصدق، زالت حرمته و ارتفع اثمه فان كانت المصلحة مما يجب تحصيلها، كانقاذ مسلم من القتل و الاسر او حفظ عرضه او ماله المحترم، كان الكذب فيه واجبا. و ان كانت راجحة غير بالغة حد الوجوب، فالكذب لتحصيلها مباح أو راجح مثلها كالاصلاح بين الناس و الغلبة على العدو في الحرب، و تطييب خاطر امرأته و استرضائها و قد وردت الأخبار المتكثرة بجواز الكذب إذا توقف عليه تحصيل هذه المقاصد الثلاثة، كما روى: «ان رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-لم يرخص في شي‏ء من الكذب إلا في ثلاث: الرجل يقول القول يريد به الإصلاح، و الرجل يقول القول في الحرب، و الرجل يحدث امرأته و المرأة تحدث زوجها» ، و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-:

«كل الكذب يكتب على ابن آدم، إلا رجل كذب بين رجلين يصلح بينهما» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: كل الكذب مكتوب كذبا لا محالة إلا أن يكذب الرجل في الحرب، فان الحرب خدعة، أو يكون بين رجلين شحناء فيصلح بينهما، أو يحدث امرأته يرضيها» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «لا كذب على المصلح» . و قال الصادق-عليه السلام-

335

«كل كذب مسئول عنه صاحبه يوما، إلا كذبا في ثلاثة: رجل كايد في حروبه، فهو موضوع عنه. أو رجل اصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى به هذا، يريد بذلك الإصلاح ما بينهما. أو رجل وعد أهله شيئا و هو لا يريد أن يتم لهم» . و قال-عليه السلام-: «الكلام ثلاثة:

صدق و كذب، و إصلاح بين الناس» ، قيل له: ما الإصلاح بين الناس قال: «تسمع في الرجل كلاما يبلغه فيخبث نفسه، فتلقاه و تقول: قد سمعت من فلان فيك من الخير كذا و كذا، خلاف ما سمعت منه» (1)

و قد تقدمت اخبار اخر في هذا المعنى.

و هذه الأخبار و إن اختصت بالمقاصد الثلاثة، إلا أن غيرها من المقاصد الضرورية التي فوقها أو مثلها في المصلحة يلحقها من باب الأولوية أو اتحاد الطريق. و الأخبار التي وردت في ذم هتك السر و كشف العيوب و الفواحش تفيد وجوب القول بعدم الاطلاع، و إن كان مطلعا مع كونه كذبا، فلا اثم على أحد بصدور الكذب عنه إذا كان وسيلة إلى شي‏ء من المقاصد الصحيحة الضرورية له أو لغيره من المسلمين، فان أخذه ظالم و سأله عن ماله فله أن ينكر، و إن أخذه سلطان و سأله عن فاحشة ارتكبها بينه و بين اللّه فله أن ينكر، و إن سئل عما يعلمه عن عيب أخيه أو سره فله أن ينكره، و لو وقع بين اثنين فساد فله أن يكذب، توسلا إلى الإصلاح بينهما و كذا يجوز له للاصلاح بين الضرات من نسائه أن يظهر لكل واحدة أنها أحب إليه، و إن كانت امرأته لا تطيعه إلا بوعد ما لا يقدر عليه، يجوز أن يعدها في الحال تطييبا لقلبها، و إن لم يكن صادقا

____________

(1) صححنا هذه الأخبار على (أصول الكافي) : باب الكذب. و (الوسائل) :

كتاب الحج، الباب 141 من ابواب العشرة، و (كنز العمال) : 2-128. و (احياء العلوم) : 3-119.

336

في وعده. و يلحق بالنساء الصبيان، فان الصبي إذا لم يرغب فيما يؤمر به من الكتابة و غيرها إلا بوعد أو وعيد و تخويف، كان ذلك جائزا، و إن لم يكن في نيته الوفاء به. و كذا لو تكدر منه انسان، و كان لا يطيب قلبه إلا بالاعتذار إليه، بانكار ذنب و إظهار زيادة تودد، كان ذلك جائزا و إن لم يكن صدقا.

و الحاصل: أن الكذب لدفع ضرر أو شر أو فساد جائز، بشرط صحة القصد. و قد ورد: ان الكذب المباح يكتب و يحاسب عليه لتصحيح قصده، فان كان قصده صحيحا يعفى، و إلا يؤاخذ به. فينبغي ان يجهد في تصحيح قصده، و ان يحترز عنه ما لم يضطر إليه، و يقتصر فيه على حد الواجب، و لا يتعدى إلى ما يستغنى عنه.

و لا ريب في أن ما يجب و يضطر إليه هو الكذب لأمور في فواتها محذور و اضرار، و ليس كل الكذب لزيادة المال و الجاه و غيره ذلك مما يستغنى عنه، فانه محرم قطعا، إذ فواته لا يوجب ضررا و فسادا و اعداما للموجود بل إنما يوجب فوت حظ من حظوظ النفس. و كذلك فتوى العالم بما لا يحققه و فتوى من ليس له اهلية الافتاء، إظهارا للفضل أو طلبا للجاه و المال، بل هو أشد أنواع الكذب إثما و حرمة، لأنه مع كونه كذبا لا يستغنى عنه، كذب على اللّه و على رسوله.

فالكذب إذا كان وسيلة إلى ما يستغنى عنه حرام مطلقا، و إذا كان وسيلة إلى ما لا يستغنى عنه ينبغي أن يوازن‏ (1) محذور الكذب مع محذور

____________

(1) لم يثبت لهذه الموازنة على عمومها دليل من الشرع، و كل ما ثبت منه تلك المواضع المذكورة آنفا، التي جاز فيها الكذب، و هي: الإصلاح و الحرب و الزوجة، و في الحصر بالمواضع الثلاثة في الروايات المتقدمة دليل على عدم جواز الكذب في غيرها، لا سيما مثل قوله-عليه السلام-: «كل كذب مسئول عنه صاحبه يوما، إلا كذبا في ثلاثة... » و لكن ثبت استثناء بعض المواضع، كدفع الظلم، فلا يتعداها.

337

الصدق، فيترك أشدهما وقعا في نظر الشرع. و بيان ذلك: أن الكذب في نفسه محذور، و الصدق في المواضع المذكورة يوجب محذورا، فينبغي أن يقابل أحد المحذورين بالآخر، و يوازنا بالميزان القسط، فان كان محذور الكذب أهون من محذور الصدق فله الكذب، و ان كان محذور الصدق أهون وجب الصدق، و قد يتقابل المحذوران بحيث يتردد فيهما، و حينئذ فالميل إلى الصدق أولى، إذ الكذب أصله الحرمة، و إنما يباح بضرورة أو حاجة مهمة، و إذا شك في كون الحاجة مهمة، لزم الرجوع إلى أصل التحريم.

تنبيه التورية و المبالغة

كل موضع يجوز فيه الكذب، إن أمكن عدم التصريح به و العدول الى التعريض و التورية، كان الأولى ذلك. و ما قيل: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، و إن فيها ما يغني الرجل عن الكذب، ليس المراد به أنه يجوز التعريض بدون حاجة و اضطرار، إذ التعريض بالكذب يقوم مقام التصريح به، لأن المحذور من الكذب تفهيم الشي‏ء على خلاف ما هو عليه في نفسه، و هذا موجود في الكذب بالمعاريض. فالمراد أن التعريض يجوز إذا اضطر الإنسان إلى الكذب، و مست الحاجة إليه، و اقتضته المصلحة في بعض الأحوال في تأديب النساء و الصبيان و من يجرى مجراهم‏

338

و في الحذر عن الظلمة و الاشرار في قتال الأعداء. فمن اضطر إلى الكذب في شي‏ء من ذلك فهو جائز له، لأن نطقه فيه إنما هو على مقتضى الحق و الدين، فهو في الحقيقة صادق، و إن كان كلامه مفهما غير ما هو عليه لصدق نيته و صحة قصده و إرادته الخير و الصلاح، فمثل هذا النطق لا يكون خارجا عن حقيقة الصدق، إذ الصدق ليس مقصودا لذاته، بل للدلالة على الحق، فلا ينظر إلى قالبه و صورته، بل إلى معناه و حقيقته. نعم، ينبغي له في هذه المواضع أن يعدل إلى المعاريض ما وجد إليه سبيلا يصدق اللفظ حينئذ أيضا و إن كان متشاركا مع التصريح في تفهيم الشي‏ء على خلاف ما هو عليه في الواقع. و قد كان رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله- اذا توجه إلى سفر و راه بغيره، لئلا ينتهي الخبر إلى الأعداء فيقصدونه.

و مما يدل على جواز التعريض مع صحة النية، ما روى في الاحتجاج «أنه سئل الصادق-عليه السلام-عن قول اللّه تعالى في قصة إبراهيم -عليه السلام-:

قََالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هََذََا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كََانُوا يَنْطِقُونَ (1) .

قال: ما فعله كبيرهم و ما كذب إبراهيم. قيل: و كيف ذلك؟ فقال: إنما قال إبراهيم فاسألوهم إن كانوا ينطقون، أي إن نطقوا فكبيرهم فعل، و إن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا، فما نطقوا و ما كذب إبراهيم-عليه السلام-و سئل عن قوله تعالى:

أَيَّتُهَا اَلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسََارِقُونَ (2) .

____________

(1) الأنبياء، الآية: 63.

(2) يوسف، الآية: 70.

339

قال: انهم سرقوا يوسف من أبيه، ألا ترى أنه قال لهم حين قالوا: ما ذا تفقدون؟قالوا: نفقد صواع الملك، و لم يقولوا: سرقتم صواع الملك، انما سرقوا يوسف من أبيه» . «و سئل عن قول إبراهيم:

فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي اَلنُّجُومِ. `فَقََالَ إِنِّي سَقِيمٌ (1) .

قال: ما كان إبراهيم سقيما، و ما كذب، انما عنى سقيما في دينه، اى مرتادا» .

و طريق التعريض و التورية: أن يخبر المتكلم المخاطب بلفظ ذي احتمالين أحدهما غير مطابق للواقع و اظهر في المقام، فيحمله المخاطب عليه، و ثانيهما مطابق له يريده المتكلم، كما ظهر من خبر الاحتجاج. و من أمثلته: أنه اذا طلبك ظالم و أنت في دارك و لا تريد الخروج إليه، أن تقول لأحد أن يضع اصبعه في موضع و يقول: ليس ههنا. و إذا بلغ عنك شي‏ء إلى رجل، و أردت تطييب قلبه من غير أن تكذب، تقول له: ان اللّه ليعلم ما قلت من ذلك من شي‏ء، على أن يكون لفظة (ما) عندك للابهام، و عند المستمع للنفي. و قد ظهر مما ذكر: أن كل تعريض لغرض باطل كالتصريح في عدم الجواز، لأن فيه تقريرا للغير على ظن كاذب. نعم قد تباح المعاريض لغرض خفيف، كتطييب قلب الغير بالمزاح، كقول النبي-صلى اللّه عليه و آله-: «لا تدخل الجنة عجوز» و «في عين زوجك بياض» و «نحملك على ولد بعير» ... و قس عليه أمثال ذلك و من الكذب الذي يجوز و لا يوجب الفسق، ما جرت به العادة في المبالغة، كقولك: قلت لك كذا مائة مرة، و طلبتك مائة مرة. و أمثال ذلك لأنه لا يراد بذلك تفهيم المرات بعددها، بل تفهيم المبالغة. فان لم

____________

(1) الصافات، الآية: 88، 89.

340

يكن طلبه إلا مرة واحدة كان كاذبا، و ان طلبه مرات لا يعتاد مثلها في الكثرة فلا يأثم، و ان لم تبلغ مائة.

و من الكذب الذي لا اثم عليه ما يكون في أنواع المجاز و الاستعارات و التشبيهات، إذ الغرض تفهيم نوع من المناسبة و المبالغة، لا دعوى الحقيقة و المساواة من جميع الجهات.

و من الكذب الذي جرت العادة به، و يتساهل فيه، قول الرجل اذا قيل له: كل الطعام: (لا اشتهيه) ، مع كونه مشتهيا له. و هذا منهي عنه كما تدل عليه بعض الاخبار، إلا إذا كان فيه غرض صحيح، و ما جرت العادة به قول الرجل: (اللّه يعلم) فيما لا يعلمه، و هو أشد أنواع الكذب، قال عيسى-عليه السلام-: «إن من أعظم الذنوب عند اللّه ان يقول العبد: ان اللّه يعلم لما لا يعلم» . و من الكذب الذي عظم ذنبه و يتساهل فيه، الكذب في حكاية المنام، قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله- «إن من أعظم الفرية ان يدعى الرجل إلى غير أبيه، أو يرى عينيه في المنام ما لم ير، أو يقول على ما لم أقل» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من كذب في حلم، كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعرتين» .

تذنيب شهادة الزور، اليمين الكاذب، خلف الوعد

من أنواع الكذب و افحشها: شهادة الزور، و اليمين الكاذب، و خلف الوعد.

341

و يدل على ذم الأول قوله تعالى في صفة المؤمنين:

وَ اَلَّذِينَ لاََ يَشْهَدُونَ اَلزُّورَ وَ إِذََا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرََاماً (1) .

و قول النبي-صلى اللّه عليه و آله-: «شاهد الزور كعابد الوثن» و على ذم الثاني قول النبي-صلى اللّه عليه و آله-: «التجار هم الفجار!» فقيل: يا رسول اللّه، أ ليس اللّه قد أحل البيع؟فقال:

«نعم!و لكنهم يحلفون فيأثمون، و يحدثون فيكذبون» و قوله-صلى اللّه عليه و آله-: «ثلاث نفر لا يكلمهم اللّه يوم القيامة و لا ينظر إليهم و لا يزكيهم: المنان بعطيته، و المنفق سلعته بالحلف الفاجر، و المسبل إزاره» و قوله-صلى اللّه عليه و آله-: «ما حلف حالف باللّه فادخل فيها جناح بعوضة، إلا كانت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة» ، و قوله-صلى اللّه عليه و آله-: «ثلاث يشنأهم اللّه: التاجر او البايع الحلاف، و الفقير المختال، و البخيل المنان» .

و على ذم الثالث قول النبي-صلى اللّه عليه و آله-: «من كان يؤمن باللّه و باليوم الآخر فليف إذا وعد» . و قول الصادق-عليه السلام- «عدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له، فمن اخلف فبخلف اللّه تعالى بدأ و لمقته تعرض، و ذلك قوله تعالى:

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مََا لاََ تَفْعَلُونَ. `كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللََّهِ أَنْ تَقُولُوا مََا لاََ تَفْعَلُونَ (2) .

____________

(1) الفرقان، الآية: 72.

(2) الصف، الآية: 2-3.

342

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «أربع من كن فيه كان منافقا و من كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من النفاق، حتى يدعها: اذا حدث كذب، و إذا وعد اخلف، و إذا خاصم فجر» .

فمن وعد و كان عند الوعد عازما على ألا يفى، أو كان عازما على الوفاء و تركه بدون عذر، فهو منافق. و أما إن عن له عذر من الوفاء، لم يكن منافقا و آثما. و ان جرى عليه ما هو صورة النفاق، فالأولى أن يحترز عن صورة النفاق أيضا كما يحترز عن حقيقته، و ذلك بألا يجزم في الوعد، بل يعلقه على المشية و مثلها.

ايقاظ علاج الكذب‏

طريق معالجة الكذب: أولا: أن يتأمل في ما ورد في ذمه من الآيات و الاخبار، ليعلم أنه لو لم يتركه لادركه الهلاك الابدى. ثم يتذكر أن كل كاذب ساقط عن القلوب في الدنيا و لا يعتنى أحد بقوله، و كثيرا ما يفتضح عند الناس بظهور كذبه. و من أسباب افتضاحه أن اللّه سبحانه يسلط عليه النسيان، حتى أنه لو قال شيئا ينسى أنه قاله، فيقول خلاف ما قاله، فيفتضح، و إلى ذلك أشار الصادق-عليه السلام-بقوله: «إن مما أعان اللّه به على الكذابين النسيان» . ثم يتأمل في الآيات و الاخبار الواردة في مدح ضده، أعنى الصدق كما يأتي، و بعد ذلك ان لم يكن عدوا لنفسه، فليقدم التروى في كل كلام يريد أن يتكلم به، فان كان كذبا يتركه و ليجتنب مجالسة الفساق و أهل الكذب، و يجالس الصلحاء و أهل الصدق.

343
وصل الصدق و مدحه‏

ضد الكذب الصدق. و هو أشرف الصفات المرضية، و رئيس الفضائل النفسية، و ما ورد في مدحه و عظم فائدته من الآيات و الأخبار مما لا يمكن احصاؤه، قال اللّه سبحانه:

رِجََالٌ صَدَقُوا مََا عََاهَدُوا اَللََّهَ عَلَيْهِ (1) . و قال:

اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ كُونُوا مَعَ اَلصََّادِقِينَ (2) . و قال: اَلصََّابِرِينَ وَ اَلصََّادِقِينَ وَ اَلْقََانِتِينَ وَ اَلْمُنْفِقِينَ وَ اَلْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحََارِ (3)

و قال سبحانه: إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتََابُوا -الى قوله- أُولََئِكَ هُمُ اَلصََّادِقُونَ (4) . و قال عز و جل: وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ .

ثم قال: وَ اَلصََّابِرِينَ فِي اَلْبَأْسََاءِ وَ اَلضَّرََّاءِ وَ حِينَ اَلْبَأْسِ أُولََئِكَ اَلَّذِينَ صَدَقُوا (5) .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «تقبلوا الي بست أتقبل

____________

(1) الأحزاب، الآية 23.

(2) التوبة، الآية 120.

(3) آل عمران 17.

(4) الحجرات، الآية 15.

(5) البقرة الآية 177.

344

لكم بالجنة: اذا حدث أحدكم فلا يكذب، و إذا وعد فلا يخلف، و إذا ائتمن فلا يخن و غضوا أبصاركم، و كفوا أيديكم، و احفظوا فروجكم» و عن الصادقين-عليهما السلام-: «ان الرجل ليصدق حتى يكتبه اللّه صديقا» . و عن الصادق عليه السلام قال: «كونوا دعاة الناس بالخير بغير ألسنتكم، ليروا منكم الاجتهاد و الصدق و الورع» . و عنه عليه السلام «من صدق لسانه زكى عمله، و من حسنت نيته زيد في رزقه، و من حسن بره بأهل بيته مد له في عمره» . و عنه عليه السلام قال: «لا تنظروا الى طول ركوع الرجل و سجوده، فان ذلك شي‏ء اعتاده، و لو تركه لاستوحش لذلك، و لكن انظروا إلى صدق حديثه و أداء أمانته» . و قال عليه السلام لبعض أصحابه: «انظر إلى ما بلغ به على-عليه السلام-عند رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-فالزمه، فان عليا-عليه السلام-انما بلغ ما بلغ به عند رسول اللّه بصدق الحديث و أداء الأمانة» . و عنه-عليه السلام-قال: «إن اللّه لم يبعث نبيا إلا بصدق الحديث و أداء الأمانة الى البر و الفاجر» (1) و قال-عليه السلام-: «أربع من كن فيه كمل ايمانه و لو كان ما بين قرنه إلى قدمه ذنوب لم ينقصه ذلك-قال-هي الصدق، و أداء الأمانة، و الحياء، و حسن الخلق» . و قد وردت بهذه المضامين اخبار كثيرة اخر. و من أنواع الصدق في الشهادة، و هو ضد شهادة الزور و الصدق في اليمين، و هو ضد الكذب فيه، و الوفاء بالعهد و هو ضد خلف الوعد، و هذا القسم من الصدق، اعني الوفاء بالعهد،

____________

(1) صححنا اغلب الأحاديث على (أصول الكافي) : باب الصدق و أداء الأمانة. و على (الوسائل) : كتاب الحج، باب وجوب الصدق و على (المستدرك) 2-84-89.

345

أفضل أنواع الصدق القولى و أحبها، و لذا اثنى اللّه تعالى على نبيه إسماعيل به، و قال:

إِنَّهُ كََانَ صََادِقَ اَلْوَعْدِ وَ كََانَ رَسُولاً نَبِيًّا (1) .

قيل: انه واعد إنسانا في موضع فلم يرجع إليه، فبقى اثنين و عشرين يوما في انتظاره. و روي: «أنه بايع رجل رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-و وعده أن يأتيه في مكانه ذلك، فنسى وعده في يومه و غده، و أتاه في اليوم الثالث و هو في مكانه» و قال رسول اللّه: «العدة دين» و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «الوأى-أى الوعد-مثل الدين أو أفضل» .

تكميل أقسام الصدق‏

الصدق كالكذب له أنواع ستة:

الأول-الصدق في القول،
و هو الاخبار عن الأشياء على ما هي عليه، و كمال هذا النوع بترك المعاريض من دون ضرورة، حذرا من تفهيم الخلاف و كسب القلب صورة كاذبة، و رعاية معناه في الفاظه التي يناجي بها اللّه سبحانه، فمن قال: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات و الأرض» و في قلبه سواه، أو قال: «إياك نعبد» و هو يعبد الدنيا بتقيد قلبه بها، إذ كل من تقيد قلبه بشي‏ء فهو عبد له، كما دلت عليه الاخبار، فهو كاذب.

الثاني-الصدق في النية و الارادة،
و يرجع ذلك إلى الإخلاص،

____________

(1) مريم، الآية 54.

346

و هو تمحيض النية و تخليصها للّه، بألا يكون له باعث في طاعاته، بل في جميع حركاته و سكناته، إلا اللّه. فالشوب يبطله و يكذب صاحبه.

الثالث-الصدق في العزم،
أى الجزم على الخير: فان الإنسان قد يقدم العزم على العمل، و يقول في نفسه: إن رزقنى اللّه كذا تصدقت منه كذا، و إن خلصني اللّه من تلك البلية فعلت كذا. فان كان في باطنه جازما على هذا العزم، مصمما على العمل بمقتضاه، فعزمه صادق، و إن كان في عزمه نوع ميل و ضعف و تردد، كان عزمه كاذبا، إذ التردد في العزيمة يضاد الصدق فيها، و كان الصدق هنا بمعنى القوة و التمامية، كما يقال: لفلان شهوة صادقة، أى قوة تامة، أو شهوة كاذبة، أى ناقصة ضعيفة.

الرابع-الصدق في الوفاء بالعزم:
فان النفس قد تسخو بالعزم في الحال، إذ لا مشقة في الوعد، فإذا حان حين العمل بمقتضاه، هاجت الشهوات و تعارضت مع باعث الدين، و ربما غلبته بحيث انحلت العزيمة و لم يتفق الوفاء بمتعلق الوعد، و هذا يضاد الصدق فيه، و لذلك قال اللّه سبحانه:

رِجََالٌ صَدَقُوا مََا عََاهَدُوا اَللََّهَ عَلَيْهِ (1) .

الخامس-الصدق في الاعمال:
و هو تطابق الباطن و الظاهر و استواء السريرة و العلانية، أو كون الباطن خيرا من الظاهر، بألا تدل أعماله الظاهرة على أمر في باطنه لا يتصف هو به، لا بأن يترك الاعمال، بل بأن يستجر الباطن إلى تصديق الظاهر. و هذا أعلى مراتب الإخلاص، لإمكان تحقق نوع من الإخلاص بما دون ذلك، و هو أن يخالف الباطن

____________

(1) الأحزاب، الآية 23.

347

الظاهر من دون قصد، فان ذلك ليس رياء فلا يمتنع صدق اسم الإخلاص عليه.

توضيح ذلك: أن الرياء هو أن تقصد غير اللّه سبحانه في الاعمال و قد تصدر عن انسان اعمال ظاهرة تدل على أنه صاحب فضيلة باطنة، من التوجه إلى اللّه و الانس به، أو السكينة و الوقار، أو التسليم و الرضا و غير ذلك، مع أنه فاقد لها، لحصول الغلبة المانعة عن تحققها، أو اتفاق صدور الاعمال الظاهرة بهذه الهيئة من دون أن يقصد بها مشاهدة غيره سبحانه، فهذا غير صادق في عمله، كاذب في دلالة الظاهر على الباطن و إن لم يكن مرائيا و لا ملتفتا إلى الخلق، فاذن مخالفة الظاهر للباطن ان كانت من قصد سميت رياء، و يفوت بها الإخلاص، و ان كانت من غير قصد سميت كذبا و يفوت بها الصدق، و ربما لم يفت بها بعض مراتب الإخلاص. و هذا النوع من الصدق-اعني مساواة السر و العلانية أو كونه خيرا منها-أعز من الانواع السابقة عليه، و لذلك كرر طلبه من اللّه سيد الرسل-صلى اللّه عليه و آله-في دعواته بقوله: «اللهم اجعل سريرتي خيرا من علانيتي، و اجعل علانيتي صالحة» و ورد: «أنه إذا ساوت سريرة المؤمن علانيته، باهى اللّه به الملائكة، يقول: هذا عبدي حقا!» . و كان بعض الأكابر يقول: «من يدلني على بكاء بالليل بسام بالنهار؟» . و لنعم ما قيل:

اذا السر و الاعلان في المؤمن استوى # فقد عز في الدارين و استوجب الثنا

و ان خالف الاعلان سرا فما له # على سعيه فضل سوى الكد و العنا

كما خالص الدينار في السوق نافق # و مغشوشه المردود لا يقتضي المنى‏

و من جملة هذا الصدق: موافقة القول و الفعل، فلا يقول ما لا يفعل و لا يأمر بما لا يعمل. فمن وعظ و لم يتعظ في نفسه كان كاذبا. و من‏

348

هنا قال أمير المؤمنين-عليه السلام-: «انى و اللّه ما احثكم على طاعة إلا و اسبقكم إليها، و لا انهاكم عن معصية إلا و أتناهى قبلكم عنها» .

السادس-الصدق في مقامات الدين:
من الصبر، و الشكر، و التوكل و الحب، و الرجاء، و الخوف، و الزهد، و التعظيم، و الرضا، و التسليم، و غير ذلك. و هو أعلى درجات الصدق و أعزها، فمن اتصف بحقائق هذه المقامات و لوازمها و آثارها و غاياتها فهو الصديق الحق، و من كان له فيها مجرد ما يطلق عليه الاسم دون اتصافه بحقائقها و آثارها و غاياتها فهو كاذب فيها. أما ترى أن من خاف سلطانا أو غيره كيف يصفر لونه و يتعذر عليه أكله و نومه و يتنغص عليه عيشه و يتفرق عليه فكره و ترتعد فرائصه و تتزلزل اركانه و جوانبه؟و قد ينزح عن وطنه و يفترق عن أهله و ولده، فيستبدل بالأنس الوحشة، و بالراحة التعب و المشقة، فيعترض للاخطار و يختار مشقة الاسفار، كل ذلك من درك المحذور. فمثل هذا الخوف هو الخوف الصادق المحقق. ثم إن من يدعى الخوف من اللّه أو من النار و لا يظهر عليه شي‏ء من ذلك عند إرادة المعصية و صدورها عنه، فخوفه خوف كاذب، قال النبي-صلى اللّه عليه و آله-: «لم أر مثل النار نام هاربها، و لم ار مثل الجنة نام طالبها» .

ثم لا غاية لهذه المقدمات حتى يمكن لأحد أن ينال غايتها، بل لكل عبد منها حظ بحسب حاله و مرتبته، فمعرفة اللّه و تعظيمه و الخوف منه غير متناهية، فلذلك لما رأى النبي-صلى اللّه عليه و آله-جبرئيل على صورته الاصلية، خر مغشيا عليه، و قال-بعد عودته إلى صورته الأولى و افاقته- «ما ظننت أحدا من خلق اللّه هكذا!قال له: فكيف لو رأيت أسرافيل إن العرش على كاهله، و ان رجليه قد مرقتا تخوم الأرضين السفلى، و أنه ليتصاغر من عظمة اللّه حتى يصير كالوصع!» : أى كالعصفور الصغير

349

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «مررت ليلة أسرى بي-أنا و جبرئيل- بالملإ الأعلى كالحلس البالى من خشية اللّه» : اى كالكساء الذي يلقى على ظهر البعير.

فانظر إلى اعاظم الملائكة و النبين، كيف تصير حالهم من شدة الخشية و التعظيم، و هذا انما هو لقوة معرفتهم بعظمة اللّه و جلاله، و فوق ما لم يدركوه من عظمته و قدرته مراتب غير متناهية. فاختلاف الناس في مراتب الخوف و التعظيم و الحب و الانس إنما هو بحسب اختلافهم في معرفة اللّه، و ليس يمكن أن يوجد من بلغ غايتها، فاختلاف الناس إنما هو في القدر الذي يمكن أن يبلغ إليه، و البلوغ إليه في الجميع أيضا نادر، فالصادق في جميع المقامات عزيز جدا.

و من علامات هذا الصدق: كتمان المصائب و الطاعات جميعا، و كراهة اطلاع الخلق عليها. و قد روى: «ان اللّه تعالى أوحى إلى موسى-عليه السلام-: إني إذا أحببت عبدا ابتليته ببلايا لا تقوى لها الجبال، لأنظر كيف صدقه، فان وجدته صابرا اتخذته وليا و حبيبا، و ان وجدته جزوعا يشكوني إلى خلقي خذلته و لم أبال» . و قال الصادق-عليه السلام-:

«اذا أردت أن تعلم أ صادق أنت أم كاذب، فانظر في صدق معناك و عقد دعواك، و عيرهما بقسطاس من اللّه عز و جل كأنك في القيامة، قال عز و جل:

وَ اَلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ اَلْحَقُّ (1) .

فإذا اعتدل معناك بغور دعواك ثبت لك الصدق. و أدنى حد الصدق ألا يخالف اللسان القلب و لا القلب اللسان، و مثل الصادق الموصوف بما

____________

(1) الأعراف، الآية: 7.

350

ذكرنا كمثل النازع لروحه، إن لم ينزع فما ذا يصنع» (1) .

تنبيه اللسان أضر الجوارح‏

اعلم أن أكثر ما تقدم من الرذائل المذكورة في هذا المقام: من الكذب و الغيبة، و البهتان، و الشماتة، و السخرية، و المزاح و غيرها، و في المقام الثالث-اعني التكلم بما لا يعني و الفضول و الخوض في الباطل-من آفات اللسان و هو اضر الجوارح بالإنسان، و أعظمها إهلاكا له، و آفاته أكثر من آفات سائر الأعضاء، و هي و ان كانت من المعاصي الظاهرة، إلا أنها تؤدى إلى مساوئ الأخلاق و الملكات. إذ الأخلاق انما ترسخ في النفس بتكرير الأعمال، و الاعمال انما تصدر من القلب بتوسط الجوارح، و كل جارحة تصلح لأن تصدر منها الأعمال الحسنة الجالبة للأخلاق الجميلة، و أن تصدر منها الاعمال القبيحة المورثة للأخلاق السيئة، فلا بد من مراعاة القلب و الجوارح معا بصرفهما إلى الخيرات و منعهما من الشرور. و عمدة ما تصدر منه الذمائم الظاهرة المؤدية إلى الرذائل الباطنية هو اللسان، و هو أعظم آفة للشيطان في استغواء نوع الإنسان، فمراقبته أهم، و محافظته أوجب و ألزم. و السر فيه-كما قيل-: أنه من نعم اللّه العظيمة، و لطائف صنعه الغريبة، فانه و إن كان صغيرا جرمه، عظيم طاعته و جرمه، إذ لا يتبين الايمان و الكفر إلا بشهادته، و لا يهتدى إلى شي‏ء من أمور النشأتين إلا بدلالته، و ما من موجود او معدوم إلا و هو يتناوله و يتعرض له باثبات

____________

(1) هذا الحديث في (مصباح الشريعة) : الباب 75 فصححناه عليه.

351

أو نفي، اذ كل ما يتناوله العلم يعبر عنه اللسان اما بحق أو باطل، و لا شي‏ء إلا و العلم يتناوله.

و هذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء، اذ العين لا تصل إلى غير الالوان و الصور، و الاذن لا تصل إلى غير الأصوات، و اليد لا تصل إلى غير الأجسام، و كذا سائر الأعضاء، و اللسان رحب الميدان وسيع الجولان ليس له مرد، و لا لمجاله منتهى و لا حد، فله في الخير مجال رحب، و في الشر ذيل سحب، فمن أطلق عذبة اللسان و اهمله مرخى العنان سلك به الشيطان في كل ميدان، و أوقعه في أودية الضلالة و الخذلان، و ساقه اللّه شفا جرف هار، الى أن يضطره إلى الهلاك و البوار، و لذلك قال سيد الرسل-صلى اللّه عليه و آله-: «هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟» (1) . فلا ينجى من شر اللسان الا أن يقيد بلجام الشرع، و لا يطلق الا فيما ينفع في الدنيا و الآخرة، و يكف عن كل ما يخشى غائلته في العاجلة و الآجلة، و علم ما يحمد إطلاق اللسان فيه او يذم غامض عزيز، و العمل بمقتضاه على من عرفه ثقيل عسير، و هو اعصى الأعضاء على الإنسان، اذ لا تعب في تحريكه و لا مؤنة في إطلاقه فلا يجوز التساهل في الاحتراز عن آفاته و غوائله، و في الحذر عن مصائده و حبائله.

و الآيات و الأخبار الواردة في ذمه و في كثرة آفاته و في الأمر بمحافظته و التحذير عنه كثيرة، و هي بعمومها تدل على ذم جميع آفاته مما مر و مما يأتي. قال اللّه سبحانه:

مََا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاََّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (2) .

____________

(1) رواه في «أصول الكافي» : باب الصمت و حفظ اللسان، فصححناه عليه.

(2) ق، الآية: 18.

352

و قال: لاََ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوََاهُمْ، إِلاََّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاََحٍ بَيْنَ اَلنََّاسِ (1) .

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «من يتكفل لي بما بين لحييه و رجليه، اتكفل له بالجنة» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-:

«من وقى شر قبقبه و ذبذبه و لقلقه، فقد وقى» (2) : و القبقب: البطن و الذبذب الفرج، و اللقلق: اللسان. و قيل له-صلى اللّه عليه و آله-:

«ما النجاة؟قال: املك عليك لسانك» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-:

«أكبر ما يدخل الناس النار الاجوفان: الفم، و الفرج» ، و المراد بالفم اللسان. و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «و هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟» . و قال له رجل: «ما أخوف ما يخاف علي؟فاخذ بلسانه، و قال: هذا» . و قال-صلى اللّه عليه و آله- «لا يستقيم ايمان عبد حتى يستقيم قلبه، و لا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه» و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «اذا أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء كلها تكفر اللسان، فتقول: اتق اللّه فينا، فانما نحن بك، فان استقمت استقمنا، و إن اعوججت اعوججنا» (3) . «و قال له رجل: اوصني! فقال-صلى اللّه عليه و آله-: أعبد اللّه كأنك تراه وعد نفسك في الموتى و ان شئت أنبأتك بما هو أملك لك من هذا كله-و أشار بيده إلى لسانه» و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «ان اللّه عند لسان كل قائل، فليتق

____________

(1) النساء، الآية: 113.

(2) تقدم هذا الحديث في 2-4.

(3) صححنا الحديث على (كنز العمال) : 2-111.