جامع السعادات - ج2

- الشيخ محمد مهدي النراقي المزيد...
425 /
353

اللّه امرؤ على ما يقول» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من لم يحسب كلامه من عمله، كثرت خطاياه و حضر عذابه» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «يعذب اللّه اللسان بعذاب لا يعذبه به شيئا من الجوارح. فيقول أى رب!عذبتني بعذاب لم تعذب به شيئا من الجوارح. فيقال له:

خرجت منك كلمة بلغت مشارق الأرض و مغاربها، فسفك بها الدم الحرام، و انتهب بها المال الحرام، و انتهك بها الفرج الحرام. و عزتي و جلالي!لأعذبنك بعذاب لا أعذب به شيئا من جوارحك!» . و قال -صلى اللّه عليه و آله-: ان كان في شي‏ء شوم ففي اللسان» . و قال أمير المؤمنين-عليه السّلام-لرجل يتكلم بفضول الكلام: «يا هذا! إنك نملي على حافظيك كتابا إلى ربك، فتكلم بما يعنيك، و دع ما لا يعنيك» (1) و قال أمير المؤمنين عليه السلام: «المرء مخبوء تحت لسانه، فزن كلامك، و اعرضه على العقل و المعرفة، فان كان للّه و في اللّه فتكلم و ان كان غير ذلك فالسكوت خير منه، و ليس على الجوارح عبادة اخف مؤنة و أفضل منزلة و أعظم قدرا عند اللّه كلام فيه رضى اللّه عز و جل و لوجهه و نشر آلائه و نعمائه في عباده، ألا أن اللّه لم يجعل فيما بينه و بين رسله معنى يكشف ما أسر إليهم من مكنونات علمه و مخزونات وحيه غير الكلام، و كذلك بين الرسل و الأمم، فثبت بهذا أنه أفضل الوسائل (و الكلف و العبادة) (2) . و كذلك لا معصية أثقل على العبد و أسرع عقوبة عند اللّه و أشدها ملامة و اعجلها سآمة عند الخلق منه، و اللسان

____________

(1) صححنا الأحاديث الأربعة على (أصول الكافي) : باب الصمت و حفظ اللسان. و على (الوافي) : 2-340 و على (البحار) 3 مج 15-188، 189، باب السكوت و الصمت.

(2) و في نسخ (جامع السعادات) : «و الطف العبادة» .

354

ترجمان الضمير و صاحب خبر القلب، و به ينكشف ما في سر الباطن، و عليه يحاسب الخلق يوم القيامة، و الكلام خمر يسكر العقول ما كان منه لغير اللّه و ليس شي‏ء أحق بطول السجن من اللسان» (1) و قال السجاد-عليه السلام-: «إن لسان ابن آدم يشرف في كل يوم على جوارحه كل صباح فيقول: كيف اصبحتم؟فيقولون بخير ان تركتنا!و يقولون: اللّه اللّه فينا!و يناشدونه و يقولون: انما نثاب و نعاقب بك» . و قال الصادق عليه السلام: «ما من يوم إلا و كل عضو من اعضاء الجسد يكفر اللسان يقول: نشدتك اللّه أن نعذب فيك!» (2) .

تتميم الصمت‏

لما علمت كون اللسان شر الأعضاء و كثرة آفاته و ذمه، فاعلم أنه لا نجاة من خطره إلا بالصمت، و قد أشير فيما سبق: أن الصمت ضد لجميع آفات اللسان، و بالمواظبة عليه تزول كلها، و هو من فضائل قوة الغضب أو الشهوة، و فضيلته عظيمة و فوائده جسيمة، فان فيه جمع الهم و دوام الوقار، و الفراغ للعبادة و الفكر و الذكر، و للسلامة من تبعات القول في الدنيا و من حسناته في الآخرة. و لذا مدحه الشرع و حث عليه، قال

____________

(1) صححنا الحديث على (مصباح الشريعة) : الباب 46.

(2) الحديثان الأخيران مرويان في (الكافي) : باب الصمت. قال في (الوافي) 2-340: «يكفر اللسان: أى يذل و يخضع. و التكفير: هو ان ينحني الإنسان و يطأطئ رأسه قريبا من الركوع» .

355

رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «من صمت نجا» . و قال:

«الصمت حكم، و قليل فاعله» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من كف لسانه ستر اللّه عورته» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: ألا أخبركم بأيسر العبادة و أ هونها على البدن: الصمت و حسن الخلق» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «رحم اللّه عبدا تكلم خيرا فغنم، أو سكت عن سوء فسلم» . و جاء إليه-صلى اللّه عليه و آله-أعرابي و قال: «دلني على عمل يدخلني الجنة. قال: اطعم الجائع واسق الظمان، و أمر بالمعروف، و انه عن المنكر، فان لم تطق، فكف لسانك إلا من خير» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «اخزن لسانك إلا من خير، فانك بذلك تغلب الشيطان» و قال-صلى اللّه عليه و آله- «اذا رأيتم المؤمن صموتا وقورا فادنوا منه، فانه يلقن الحكمة» . و قال -صلى اللّه عليه و آله-: «الناس ثلاثة: غانم، و سالم، و شاحب، فالغانم: الذي يذكر اللّه، و السالم: الساكت، و الشاحب: الذي يخوض في الباطل» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إن لسان المؤمن وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم بشي‏ء تدبره بقلبه، ثم أمضاه بلسانه. و ان لسان المنافق امام قلبه، فإذا هم بشي‏ء امضاه بلسانه و لم يتدبره بقلبه» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «أمسك لسانك، فانها صدقة تصدق بها على نفسك» . ثم قال: «و لا يعرف عبد حقيقة الايمان حتى يخزن من لسانه» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-لرجل أتاه: «ألا أدلك على امر يدخلك اللّه به الجنة؟قال: بلى يا رسول اللّه!قال: أنل مما أنالك اللّه!قال: فان كنت احوج ممن انيله؟قال: فانصر المظلوم.

قال: فان كنت أضعف ممن أنصره، قال: فاصنع للاخرق-يعنى‏

356

أشر عليه-. قال: فان كنت اخرق ممن أصنع له. قال: فاصمت لسانك إلا من خير، أما يسرك أن تكون فيك خصلة من هذه الخصال تجرك إلى الجنة؟» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «نجاة المؤمن حفظ لسانه» . و جاء رجل إليه-صلى اللّه عليه و آله-فقال: «يا رسول اللّه أوصني!قال: احفظ لسانك. قال: يا رسول اللّه اوصني!قال احفظ لسانك. قال: يا رسول اللّه اوصني!قال: احفظ لسانك. ويحك و هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟» .

و قيل لعيسى بن مريم-عليه السلام-: «دلنا على عمل ندخل به الجنة. قال: لا تنطقوا أبدا. قالوا: لا نستطيع ذلك. قال: فلا تنطقوا إلا بخير» . و قال-عليه السّلام-أيضا: «العبادة عشرة اجزاء، تسعة منها في الصمت، و جزء في الفرار عن الناس» . و قال: «لا تكثروا الكلام في غير ذكر اللّه، فان الذين يكثرون الكلام في غير ذكر اللّه قاسية قلوبهم و لكن لا يعلمون» . و قال لقمان لابنه: «يا بني، إن كنت زعمت أن الكلام من فضة، فان السكوت من ذهب» .

و قال أبو جعفر الباقر-عليه السلام: «كان أبو ذر يقول:

يا مبتغي العلم، إن هذا اللسان مفتاح خير و مفتاح شر، فاختم على لسانك كما تختم على ذهبك و ورقك» . و قال-عليه السلام-: «إنما شيعتنا الخرس» . و قال الصادق-عليه السلام-لمولى له يقال له (سالم) -بعد أن وضع يده على شفتيه-: «يا سالم، احفظ لسانك تسلم، و لا تحمل الناس على رقابنا» . و قال-عليه السلام-: «في حكمة آل داود:

على العاقل أن يكون عارفا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه» .

و قال-عليه السلام-: «لا يزال العبد المؤمن يكتب محسنا ما دام ساكتا فإذا تكلم كتب محسنا أو مسيئا» . و قال-عليه السلام-: «النوم راحة

357

للجسد، و النطق راحة للروح، و السكوت راحة للعقل» . و قال-عليه السّلام- «الصمت كنز وافر، و زين الحليم، و ستر الجاهل» . و قال أبو الحسن الرضا-عليه السلام-: «احفظ لسانك تعز، و لا تمكن الناس من قيادك فتذل رقبتك» . و قال-عليه السلام-: «من علامات الفقه:

الحلم، و العلم، و الصمت، ان الصمت باب من أبواب الحكمة، إن الصمت يكسب المحبة، انه دليل على كل خير» . و قال-عليه السّلام-: «كان الرجل من بني أسرائيل إذا أراد العبادة صمت قبل ذلك بعشر سنين» (1)

و في (مصباح الشريعة) عن مولانا الصادق-عليه السلام-قال:

«الصمت شعار المحققين بحقائق ما سبق و جف القلم به، و هو مفتاح كل راحة من الدنيا و الآخرة، و فيه رضا الرب، و تخفيف الحساب و الصون من الخطايا و الزلل و قد جعله اللّه سترا على الجاهل و زينا للعالم، و معه عزل الهوى، و رياضة النفس، و حلاوة العبادة، و زوال قسوة القلب، و العفاف و المروة و الظرف. فاغلق باب لسانك عما لك منه بد، لا سيما إذا لم تجد أهلا للكلام و المساعد في المذاكرة للّه و في اللّه، و كان ربيع بن خيثم يضع قرطاسا بين يديه، فيكتب كل ما يتكلم به ثم يحاسب نفسه عشية، ماله و ما عليه، و يقول: آه آه!نجا الصامتون و بقينا. و كان بعض أصحاب رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-يضع الحصاة في فمه، فإذا أراد أن يتكلم بما علم أنه للّه و في اللّه و لوجه اللّه أخرجها. و ان كثيرا من الصحابة

____________

(1) صححنا الأحاديث هنا على (أصول الكافي) : باب الصمت، و على (الوسائل) كتاب الحج، الباب 117 من احكام العشرة. و على (المستدرك) 2- 88، 89. و على (سفينة البحار) : 2-50، 51. و على (البحار) 2 مج 15- 189 باب السكوت و الصمت. و على (احياء العلوم) : 3-93-95. و على (كنز العمال) : 2-72 و 111.

358

-رضوان اللّه عليهم-كانوا يتنفسون تنفس الغرقى، و يتكلمون شبه المرضى و انما سبب هلاك الخلق و نجاتهم الكلام و الصمت. فطوبى لمن رزق معرفة عيب الكلام و هوائه، و علم الصمت و فوئده!فان ذلك من أخلاق الأنبياء و شعار الاصفياء. و من علم قدر الكلام أحسن صحبة الصمت و من أشرف على ما في لطائف الصمت و اؤتمن على خزائنه كان كلامه و صمته كله عبادة و لا يطلع على عبادته هذه إلا الملك الجبار» (1) .

و قد ظهر من هذه الاخبار: أن الصمت مع سهولته أنفع للانسان من كل عمل، و كيف لا يكون كذلك، و خطر اللسان الذي هو أعظم الاخطار و آفاته التي هي أشد المهلكات لا ينسد إلا به؟و الكلام و ان كان في بعضه فوائد و عوائد، إلا أن الامتياز بين الممدوح و المذموم منه مشكل و مع الامتياز فالاقتصار على مجرد الممدوح عند إطلاق اللسان أشكل، و حينئذ فالصمت عما لا جزم بتضمنه للخير و الثواب من الكلام أولى و انفع و قد نقل: «أن أربعة من أذكياء الملوك-ملك الهند، و ملك الصين، و كسرى، و قيصر-تلاقوا في وقت، فاجتمعوا على ذم الكلام و مدح الصمت فقال أحدهم: أنا أندم على ما قلت و لا أندم على ما لم أقل و قال الآخر: إني إذا تكلمت بالكلمة ملكتني و لم أملكها، و إذا لم أتكلم بها ملكتها و لم تملكني. و قال الثالث: عجبت للمتكلم، ان رجعت عليه كلمته ضرته، و ان لم ترجع لم تنفعه. و قال الرابع: أنا على رد ما لم أقل أقدر منى على رد ما قلت» .

____________

(1) مصباح الشريعة: الباب 27.

359

و منها:

حب الجاه و الشهرة

و المراد بالشهرة: انتشار الصيت، و معنى الجاه: ملك القلوب و تسخيرها بالتعظيم و الاطاعة و الانقياد له. و بعبارة أخرى: قيام المنزلة في قلوب الناس، و انما تصير القلوب مملوكة مسخرة للشخص، باشتمالها على اعتقاد اتصافه بكمال حقيقي، او بما يظنه كمالا، من علم و عبادة، أو ورع و زهادة، أو قوة و شجاعة، أو بذل و سخاوة، أو سلطنة و ولاية أو منصب و رياسة، أو غنى و مال، او حسن و جمال، أو غير ذلك مما يعتقده الناس كمالا. و تسخير القلوب و انقيادها على قدر اعتقادها، و بحسب درجة ذلك الكمال عندها، فبقدر ما يعتقد أرباب القلوب تذعن له قلوبهم و بقدر إذعانها تكون قدرته عليهم، و بقدر قدرته يكون فرحه و حبه للجاه. ثم تلك القلوب تعبث أربابها على المدح و الثناء، فان المعتقد للكمال لا يسكت عن ذكر ما يعتقده فيثنى عليه، و على الخدمة و الإعانة، فانه لا يبخل ببذل نفسه في طاعته بقدر اعتقاده، و على الإيثار و ترك المنازعة و التعظيم و التوقير و الابتداء بالسلام و تسليم الصدر في المحافل و التقديم في جميع المقاصد.

(تنبيه) : حب الجاه و الشهرة إن كان من حيث ايجابهما الغلبة و الاستيلاء حتى ترجع حقيقة إلى حبهما و كان طالبهما طالبا لهما، فهو من رذائل قوة الغضب، و ان كان من حيث التوصل بهما إلى قضاء الشهوات و حظوظ النفس البهيمية، فهو من رذائل قوة الشهوة، و ان كان من الحيثيتين فهو من رذائلهما بالاشتراك، بمعنى مدخلية كل منهما في حدوث خصوص هذه الصفة. و الأصل اشتراك القوتين في حدوث حب الجاه‏

360

و الشهرة-كما ذكرناه في جملة ما يتعلق بهما معا-بخلاف حب المال، فان الغالب أن حبه من حيث التوصل به إلى قضاء حظوظ القوة الشهوية، و كونه لمجرد الاستيلاء عليه بالمالكية و التمكن على التصرف فيه نادر، و لذا ذكرناه فيما يتعلق بقوة الشهوة.

فصل ذم حب الجاه و الشهرة

اعلم أن حب الجاه و الشهرة من المهلكات العظيمة، و طالبهما طالب الآفات الدنيوية و الأخروية، و من اشتهر اسمه و انتشر صيته لا يكاد أن تسلم دنياه و عقباه، إلا من شهره اللّه لنشر دينه من غير تكلف طلب للشهرة منه. و لذا ورد في ذمهما ما لا يمكن احصاؤه من الآيات و الاخبار: قال اللّه سبحانه:

تِلْكَ اَلدََّارُ اَلْآخِرَةُ نَجْعَلُهََا لِلَّذِينَ لاََ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فَسََاداً (1) . و قال: مَنْ كََانَ يُرِيدُ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا وَ زِينَتَهََا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمََالَهُمْ فِيهََا وَ هُمْ فِيهََا لاََ يُبْخَسُونَ `أُولََئِكَ اَلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ إِلاَّ اَلنََّارُ وَ حَبِطَ مََا صَنَعُوا فِيهََا وَ بََاطِلٌ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ (2) .

____________

(1) القصص، الآية: 83.

(2) هود، الآية: 15-16.

361

و هذا بعمومه متناول لحب الجاه، لأنه أعظم لذة من لذات الحياة الدنيا و أكبر زينة من زينتها.

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «حب الجاه و المال ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-:

«ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم باكثر فسادا من حب الجاه و المال في دين الرجل المسلم» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «حسب امرئ من الشر إلا من عصمه اللّه أن يشير الناس إليه بالاصابع» . و قال أمير المؤمنين -عليه السلام-: «تبذل و لا تشتهر، و لا ترفع شخصك لتذكر، و تعلم و اكتم، و اصمت تسلم، تسر الأبرار و تغيظ الفجار» . و قال الباقر-عليه السلام-. «لا تطلبن الرياسة و لا تكن ذنبا، و لا تأكل الناس بنا فيفقرك اللّه» . و قال الصادق-عليه السلام-: «إياكم و هؤلاء الرؤساء الذين يترأسون، فو اللّه ما خفقت النعال خلف رجل إلا هلك و أهلك!» .

و قال-عليه السلام-: «ملعون من ترأس، ملعون من هم بها، ملعون من حدث بها نفسه!» و قال-عليه السلام-: «من أراد الرياسة هلك» . و قال-عليه السلام-: «أ ترى لا اعرف خياركم من شراركم بلى و اللّه!إن شراركم من أحب أن يوطأ عقبه، أنه لا بد من كذاب أو عاجز الرأي» (1) .

و الأخبار بهذه المضامين كثيرة، و لكثرة آفاتها لا يزال أكابر العلماء و أعاظم الاتقياء يفرون منهما فرار الرجل من الحية السوداء، حتى أن بعضهم اذا جلس إليه أكثر من ثلاثة قام من مجلسه، و بعضهم يبكى لأجل أن اسمه بلغ المسجد الجامع، و بعضهم إذا تبعه أناس من عقبه التفت إليهم

____________

(1) الأحاديث الخمسة الأخيرة صححناها على (أصول الكافي) : باب طلب الرياسة. و (الوسائل) : كتاب الجهاد، الباب 49 من ابواب جهاد النفس.

362

و قال: «على م تتبعوني، فو اللّه لو تعلمون ما اغلق عليه بابي ما تبعنى منكم رجلان» . و بعضهم يقول: «لا اعرف رجلا أحب أن يعرف إلا ذهب دينه و افتضح» . و آخر يقول: «لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس» . و آخر يقول: «و اللّه ما صدق اللّه عبد إلا سره ألا يشعر بمكانه» .

و من فساد حب الجاه: أن من غلب على قلبه حب الجاه، صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفا بالتودد إليهم و المراءاة لأجلهم، و لا يزال في أقواله و أفعاله متلفتا إلى ما يعظم منزلته عندهم، و ذلك بذر النفاق و أصل الفساد، و يجر لا محالة إلى التساهل في العبادات و المراآة بها و إلى اقتحام المحظورات للتوصل بها إلى اقتناص القلوب، و لذلك شبه رسول اللّه حب الشرف و المال و افسادهما للدين بذئبين ضاربين، و قال:

«إنه ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل» ، إذ النفاق هو مخالفة الظاهر للباطن بالقول و الفعل، و كل من طلب المنزلة في قلوب الناس يضطر إلى النفاق معهم، و إلى التظاهر بخصال حميدة هو خال عنها، و ذلك عين النفاق.

فصل الجاه أحب من المال‏

إن الملك القلوب ترجيح على ملك المال بوجوه:

الأول-أن المال معرض التلف و الزوال، لأنه يغصب و يسرق و تطمع فيه الملوك و الظلمة، و يحتاج فيه إلى الحفظ و الحراسة، و تتطرق اليه أخطار كثيرة. و أما القلوب إذا ملكت، فهي من هذه الآفات محفوظة

363

نعم انما يزول ملك القلوب بتغيير اعتقادها فيما صدقت به من الكمال الحقيقي أو الوهمي.

الثاني-ان التوصل بالجاه إلى المال أيسر من التوصل بالمال إلى الجاه فالعالم أو الزاهد الذي تقرر له جاه في القلوب، لو قصد اكتساب المال تيسر له بسهولة، لأن أموال أرباب القلوب مسخرة للقلوب، و مبذولة لمن أذعنت له بالانقياد و اعتقدت فيه أوصاف الكمال، و أما الخسيس العارى عن الكمال إذا ظفر بكثرة من المال و لم يكن له جاه يحفظ به ماله و أراد أن يتوصل به إلى الجاه، لم يتيسر له.

الثالث-أن ملك القلوب يسرى و ينمو و يتزايد من غير حاجة إلى تعب و مشقة، اذ القلوب إذا أذعنت بشخص و اعتقدت انصافه بعلم أو عمل أو غيره، أفصحت الالسنة بما فيها لا محالة، فيصف ما يعتقده لغيره و هو أيضا يذعن به و يصفه لآخر، فلا يزال يستطار في الاقطار، و يسرى من واحد إلى واحد، الى أن يجتمع معظم القلوب على التعظيم و القبول. و أما المال، فمن ملك شيئا منه فلا يقدر على استنمائه إلا بتعب و مقاساة. و لهذه الوجوه تستحقر الأموال في مقابلة عظم الجاه و انتشار الصيت و انطلاق الالسنة بالمدح و الثناء.

فصل لا بد للانسان من جاه‏

كما أنه لا بد من أدنى مال لضرورة المطعم و الملبس و المسكن و مثله ليس بمذموم، فكذلك لا بد من أدنى جاه لضرورة المعيشة مع الخلق، إذ الإنسان كما لا يستغنى عن طعام يتناوله فيجوز أن يحب الطعام و المال‏

364

الذي يباع به الطعام فكذلك لا يستغنى عن خادم بخدمه و رفيق يعينه و سلطان يحرسه و يدفع عنه ظلم الأشرار، فحبه لأن يكون له في قلب خادمه من المنزلة ما يدعوه إلى الخدمة و في قلب رفيقه من المحل ما يحسن به مرافقته، و في قلب السلطان من المحل ما يدفع به الشر عنه، ليس بمذموم. إذ الجاه كالمال وسيلة إلى الأغراض، فلا فرق بينهما، إلا أن هذا يقضي إلى ألا يكون المال و الجاه محبوبين باعيانهما بل من حيث التوصل بهما إلى غيرهما و لا ريب في أن كل ما يراد به التوصل إلى محبوب فالمحبوب هو المقصود المتوسل إليه دون الوسيلة.

و مثل هذا الحب مثل حب الإنسان أن يكون في داره بيت الخلاء لقضاء حاجته، و لو استغنى عن قضاء الحاجة و لم يضطر إليه، كره اشتمال داره على بيت الخلاء، و مثل أن يحب زوجته ليدفع بها فضلة الشهوة، و لو كفى مؤنة الشهوة لأحب مهاجرتها، و إذا كان حبهما لضرورة البدن و المعيشة لا لذاتهما، لم يكن مذموما، و المذموم أن يحبهما لذاتهما. و فيما يجاوز ضرورة البدن كحب زوجته لذاتها حب العشاق حتى لو كفى مؤنة الشهوة لبقى مستصحبا لحبها.

ثم حبهما باعيانهما و ان كان مذموما مرجوحا، لكنه لا يوصف صاحبه بالفسق و العصيان ما لم يحمله الحب على مباشرة معصية، و ما لم يتوصل إلى اكتسابهما بكذب و خداع و تلبيس، كأن يظهر للناس قولا أو فعلا اعتقدوا لأجله اتصافه بوصف ليس فيه، مثل العلم و الورع أو علو النسب، و بذلك يطلب قيام المنزلة في قلوبهم، و ما لم يتوصل إلى اكتسابهما بعبادة، إذ التوصل إلى المال و الجاه بالعبادة جناية على الدين و هو حرام، و إليه يرجع معنى الرياء المحظور، كما يأتي.

و أما طلبهما بصفة هو متصف بها، فهو مباح غير مذموم، و ذلك‏

365

كقول يوسف-عليه السلام-:

اِجْعَلْنِي عَلى‏ََ خَزََائِنِ اَلْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (1) .

حيث طلب المنزلة في قلب الملك بكونه حفظا عليما، و كان صادقا في قوله. و كذا طلبهما باخفاء عيب من عيوبه و معصية من معاصيه، حتى لا يعلمه فلا تزول به منزلته في قلبه، مباح غير مذموم، إذ حفظ الستر على القبائح جائز، بل لا يجوز هتك الستر و إظهار القبيح، و هذا ليس فيه كذب و تلبيس بل هو سد لطريق العلم بما لا فائدة للعلم به، كالذي يخفى عن السلطان أنه يشرب الخمر و لا يلقى إليه أنه ورع، فان قوله إنه ورع تلبيس، و عدم اقراره بالشرب لا يوجب اعتقاد الورع، بل يمنع العلم بالشرب، و هو جائز شرعا و عقلا.

فصل دفع اشكال في حب المال و الجاه‏

إن قيل: الوجه في حبهما بالعرض و في حب قدر ما يضطر إليهما في المعيشة و ضرورة البدن ظاهر، فما الوجه في حبهما باعيانهما و في حب الزائد عن قدر الضرورة منهما؟كحب جمع المال، و كنز الكنوز، و ادخار الذخائر، و استكثار الخزائن وراء جميع الحاجات، و حب اتساع الجاه و انتشار الصيت إلى اقاصي البلاد التي يعلم قطعا أنه قط لا يطؤها و لا يشاهد أهلها ليعظموه و يعينوه على غرض من اغراضه، فانه مع ذلك يلتذ به غاية الالتذاذ و يسر به غاية السرور، حتى لا يجد في نفسه لذة أقوى منه، و يراه فوق جميع لذاته و ابتهاجاته.

____________

(1) يوسف، الآية: 55.

366

قلنا: الوجه في ذلك أمران:

الأول-دفع ألم الخوف الناشي‏ء من سوء الظن و طول الأمل.

فان الإنسان و إن كان له من المال ما يكفيه في الحال، إلا أنه لطول أمله قد يخطر بباله أن المال الذي فيه كفايته ربما يتلف فيحتاج إلى غيره، فإذا خطر ذلك بباله، هاج الخوف في قلبه، و لا يزول ألم الخوف إلا بالأمن الحاصل من وجود مال آخر يفزع إليه إن أصابت هذا المال آفة، فهو أبدا لحبه للحياة و شفقته على نفسه يقدر طول الحياة و هجوم الحاجات، و يقدر إمكان تطرق الآفات إلى الأموال و يستشعر الخوف من ذلك، فيطلب ما يدفع خوفه، و هو كثرة المال، حتى ان أصيب بطائفة من ماله يفزع الى الأخرى. و هذا خوف لا موقف له عند مقدار مخصوص من المال، و لذلك لم يكن لميله موقف إلى أن يملك جميع ما في الدنيا، و لذلك قال -صلى اللّه عليه و آله-: «منهومان لا يشبعان: منهوم العلم، و منهوم المال» و مثل هذه العلة تطرد في حب قيام المنزلة و الجاه في قلوب الاباعد عن وطنه و بلده، فانه لا يخلو عن تقدير سبب يزعجه عن الوطن، أو يزعج أولئك عن أوطانهم إلى وطنهم إلى وطنه، و يحتاج إلى الاستعانة بهم و مهما كان ذلك ممكنا، كان للنفس لذة و سرور بقيام المنزلة في قلوبهم، لما فيه من الأمن من هذا الخوف.

الثاني-أن الإنسان مركب من أصول مختلفة: هي القوة الشهوية، و القوة السبعية، و القوة الشيطانية، و الروح الذي هو أمر رباني، و لذلك له ميل إلى صفات بهيمية، كالأكل و الوقاع، و إلى صفات سبعية، كالقتل و الإيذاء، و إلى صفات شيطانية، كالمكر و الخديعة و الاغواء، و إلى صفات ربوبية، كالعلم و القدرة و الكبر و العز و الفخر و الاستعلاء. فهو لما فيه من الأمر الرباني يحب الربوبية بالطبع، و معنى الربوبية التوحد بالكمال، و التفرد

367

بالوجود على سبيل الاستقلال، و الاستيلاء على جميع الاشباء بالغلبة، و استناد الكل إليه بالصدور منه و المعلولية.

و بالجملة: مقتضى الربوبية التفرد بالوجود و الكمال و رجوع كل وجود و كمال إليه، إذ هو التام فوق التمام، و لا يتحقق ذلك إلا بالتفرد بالوجود و الكمال و القدرة و الاستيلاء على جميع ما عداه. إذ المشاركة في الوجود نقص لا محالة، فكمال الشمس في أنها موجودة وحدها. فلو كانت معها شمس أخرى كان ذلك نقصانا في حقها، إذ لم تكن متفردة بكمال معنى الشمسية فإذا كان معنى الربوبية هو التفرد بالوجود و الكمال، و كل انسان كان فيه أمر رباني، فالتفرد بالوجود و الكمال محبوب له بالطبع، و ضده -اعني العبودية-قهر على نفسه، لأنه علم أن المتفرد بالوجود و الكمال هو اللّه تعالى، اذ ليس معه موجود سواه، فان ما سواه أثر من آثار قدرته لا قوام له بذاته، بل هو قائم به، و ليس له معية بالوجود بالنسبة اليه تعالى، إذ المعية توجب المساواة في الرتبة، و هي نقصان في الكمال إذ الكامل الحقيقي من لا نظير له في الوجود، و الكمال بوجه من الوجوه و ان كان لغيره وجود و كمال بعد كونه صادرا منه معلولا له، إذ تحقق الموجودات و ذوات الممكنات لا يوجب نقصانا في ذاته سبحانه بعد استنادها جميعها إليه، و كونها أضعف منه بمراتب غير متناهية في الوجود و الكمال شدة و قوة، فكما ان اشراق نور الشمس في أقطار الآفاق ليس نقصانا في الشمس، بل هو من جملة كمالها، و انما نقصانها بوجود شمس أخرى مساوية لها في الرتبة مستغنية عنها، فكذلك وجود كل ما في العالم إذا كان من اشراق نور القدرة الإلهية تابعا لها، لم يكن ذلك نقصانا في الواجب سبحانه، بل كان كمالا له.

و لما علم ذلك، و تيقن بأن التفرد بالوجود و الكمال و الاستيلاء التام‏

368

على جميع الأشياء لا يليق به، لأنه عبد مملوك مقهور تحت القدرة الإلهية، عرف أنه عاجز عن درك منتهى الكمال الذي هو التفرد بالوجود و الاستيلاء أى كون وجود غيره منه. إلا أنه لم تسقط شهوته للكمال، بل هو محب له ملتذ به لذاته لا لمعنى آخر وراء الكمال، و طالب لتحصيل ما يتمكن منه. فمطلق الكمال محبوب عنده، إلا أن طلبه إنما يتعلق بالكمال الممكن في حقه و من الكمال الممكن في حقه أن يحصل له نوع استيلاء على كل الموجودات، فكان ذلك محبوبا عنده و مطلوبا له. و لما كانت الموجودات منقسمة إلى ما لا تحصى و لكن لا تستولى عليه قدرة الخلق بالتصرف، كالأفلاك و الكواكب و ملكوت السماوات و نفوس الملائكة و الجن و الشياطين و الجبال و البحار و غير ذلك، و إلى ما يقبل التغير و تستولى عليه قدرة العباد، كالأرض و أجزائها و ما عليها من المعادن و النبات و الحيوان، و من جملتها قلوب الآدميين و نفوسهم لكونها قابلة للتغيير و التأثير مثل أجسادهم و اجساد سائر الحيوانات-فلم يكن للانسان أن يتصور إمكان استيلائه على الكل بالتصرف فيه، فلم يتعرض لطلب ذلك، بل أحب في كل منها نوع الاستيلاء الذي يمكن في حقه و الاستيلاء الذي يمكنه في حقه بالنظر إلى القسمين الأولين هو الإحاطة عليه بالعلم و الاطلاع على أسراره، لأن ذلك نوع استيلاء.

اذ المحاط به تحت القدرة، و العالم كالمستولى عليه. و لذلك أحب الإنسان ان يعرف الواجب تعالى و الملائكة و الأفلاك و الكواكب و عائب الملك و الملكوت، لأن ذلك نوع استيلاء، و الاستيلاء نوع كمال.

و أما القسم الثالث، فيمكنه أن يستولى عليه بالتصرف فيه كيف يريد فيقدر على الأراضي و الاملاك بأن يتصرف فيها بالحيازة و الضبط و الزرع و الغرس، و على الأجساد الأرضية الحيوانية و النباتية و الجمادية بالركوب و الضبط و الحمل و الرفع و الوضع و التسليم و المنع، و على نفوس الآدميين‏

369

و قلوبهم بأن تكون مسخرة متصرفة تحت اشارته و إرادته و صيرورتها محبة له باعتقاد الكمال فيه. و لكون هذا النوع من الاستيلاء نوع كمال، أحب الإنسان هذا الاستيلاء على الأموال و القلوب، و إن كان لا يحتاج إليهما في ملبسه و مطعمه و في شهوات نفسه، و لذلك طلب استرقاق العبيد و استعباد الأحرار و لو بالقهر و الغلبة. و قد ظهر مما ذكر: أن محبوب النفس بذاتها هو الكمال بالعلم و القدرة، و المال و الجاه محبوب لكونه من أسباب القدرة و لما كانت المعلومات و المقدورات غير متناهية، فلا يكاد أن تقف النفس الى حد من العلم و القدرة، و لهما درجات غير متناهية، فسرور كل نفس و لذتها بقدر الدرجة التي تدركها.

فصل الكمال الحقيقي في العلم و القدرة لا المال و الجاه‏

لما عرفت أن المحبوب عند الإنسان هو العلم و القدرة و المال و الجاه لكونها كمالا، فاعلم أنه اشتبه الأمر عليه باغواء الشيطان، حيث التبس عليه الكمال الحقيقي بالوهمي، و تيقن بكون جميع ذلك كمالا و أحبه. إذ التحقيق أن بعضها كمال حقيقي و بعضها كمال وهمي لا أصل له، و السعي في طلبه جهل و خسران و تضييع وقت و خذلان.

بيان ذلك: أنه لا ريب في عدم كون المال و الجاه كمالا، لأن القدرة و الاستيلاء على أعيان الأموال بوجوه التصرف و على القلوب و الأبدان بالتسخير و الانقياد ينقطع بالموت، فمن ظن ذلك كمالا فقد جهل. فالخلق كلهم في غمرة هذا الجهل، فانهم يظنون أن القدرة على الأجساد بقهر الحشمة، و على أعيان الأموال بسعة الغنى، و على تعظيم القلوب بسعة الجاه‏

370

كمال، و لما اعتقدوا كون ذلك كمالا أحبوه، و لما احبوه طلبوه، و لما طلبوه شغلوا به و تهالكوا عليه، فنسوا الكمال الحقيقي الذي يوجب القرب من اللّه، اعنى العلم و الحرية كما يأتي. فهؤلاء هم الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، فلا يخفف عنهم العذاب و لا هم ينصرون، و هم الذين لم يفهموا قوله تعالى:

اَلْمََالُ وَ اَلْبَنُونَ زِينَةُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا، وَ اَلْبََاقِيََاتُ اَلصََّالِحََاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوََاباً (1) .

فالعلم و الحرية و فضائل الأخلاق هي الباقيات الصالحات التي تبقى كمالا للنفس بعد خراب البدن، و المال و الجاه هو الذي ينقضى على القرب و هو كما مثله اللّه تعالى، حيث قال:

إِنَّمََا مَثَلُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا كَمََاءٍ أَنْزَلْنََاهُ مِنَ اَلسَّمََاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبََاتُ اَلْأَرْضِ... (2) .

و كل ما تذروه رياح الموت فهو زهرة الحياة الدنيا، و كل ما لا يقطعه الموت فهو من الباقيات الصالحات.

فقد ظهر أن كمال القدرة بالمال و الجاه كمال وهمي لا أصل له، و أن من قصر الوقت على طلبه و ظنه مقصودا فهو جاهل، إلا قدر البلغة منها إلى الكمال الحقيقي.

و أما العلم، فلا ريب في كون ما هو حقيقة العلم كمالا حقيقيا، إذ

____________

(1) الكهف، الآية: 47.

(2) يونس، الآية: 24.

371

الكمال الحقيقي هو الذي يقرب من يتصف به من اللّه و يبقى كمالا للنفس بعد الموت. و لا شك في أن العلم باللّه و بصفاته و أفعاله و حكمته في ملكوت السماوات و الأرض و ترتيب الدنيا و الآخرة و ما يتعلق به هو المقرب للعبد الى اللّه، إذ هو علم ثابت لا يقبل التغيير و الانقلاب، اذ معلوماته أزلية أبدية و ليس لها تغيير و انقلاب، حتى يتغير العلم بتغيرها مثل التغيرات التي يتغير العلم بها بتغيرها و انقلابها، كالعلم بكون زيد في الدار.

فهو علم ثابت أزلا و أبدا من دون تغير و اختلاف، كالعلم بجواز الجائزات و وجوب الواجبات و استحالة المستحيلات. فهذا العلم-اعنى معرفة اللّه و معرفة صفاته و أفعاله-هو الكمال الحقيقي الذي يبقى بعد الموت و ينطوى فيه العلم بالنظام الجملي الأصلح و جميع المعارف المحيطة بالموجودات و حقائق الأشياء، اذ الموجودات كلها من أفعاله، فمن عرفها من حيث هي فعل اللّه و من حيث ارتباطها بالقدرة و الارادة و الحكمة، كانت هذه المعرفة من تكملة معرفة اللّه التي تبقى كمالا للنفس بعد الموت، و تكون نورا للعارفين بعد الموت يسعى بين أيديهم و أيمانهم: «يقولون ربنا أتمم لنا نورنا» ، و هي رأس ما يوصل إلى كشف ما لم ينكشف في الدنيا، كما أن من معه سراج خفى، فانه يجوز أن يصير ذلك سببا لزيادة النور بسراج آخر يقتبس منه، فيكمل النور بذلك النور الخفي على سبيل الاستتمام، و من ليس معه أصل السراج لا مطمع له في ذلك. فمن ليس له أصل معرفة اللّه لم يكن له مطمع في هذا النور، بل هو في «ظلمات في بحر لجى، يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض» .

و ما عدا هذه المعرفة من المعارف، إما لا فائدة فيه أصلا، كمعرفة الشعر و أنساب العرب و مثلها، أوله منفعة في معرفة اللّه، كمعرفة لغة

372

العرب و التفسير و الفقه و الاخبار، و معرفة طريق تزكية النفس التي تفيد استعدادا لقبول الهداية إلى معرفة اللّه، كما قال تعالى:

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكََّاهََا (1) . و قال: وَ اَلَّذِينَ جََاهَدُوا فِينََا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنََا (2) .

فهو من حيث إنه وسيلة إلى معرفة اللّه و إلى تحصيل الحرية مما لا بد منه بالعرض.

ثم إن المعرفة التي هي كمال حقيقي للانسان ليس كمال العلم و غايته، إذ لا يتصور كمال العلم و نهايته إلا للواجب تعالى، إذ كمال العلم انما يتحقق بامور ثلاثة:

الأول-أن يحيط بكل المعلومات، و لا يتحقق ذلك في علم البشر.

إذ ما أوتي من العلم إلا قليلا، بل العلم الذي يحيط بجميع المعلومات هو علم اللّه تعالى، و علم العبد انما يتحقق ببعض المعلومات، و كلما كانت معلوماته أكثر كان علمه أقرب إلى علم اللّه تعالى.

الثاني-ان يتعلق بالمعلوم على ما هو به، و يكون المعلوم منكشفا واضحا في غاية الانكشاف و الوضوح، بحيث لا يقبل انكشافا أتم منه.

و هذا أيضا غير ممكن التحقيق في حق الإنسان، إذ علمه لا يخلو عن كدرة و إبهام، بل الكشف التام الذي هو غاية الظهور و الانجلاء مختص بعلم اللّه تعالى، إذ معلوماته مكشوفة بأتم أنواع الكشف على ما هي عليها، و علم العبد له ببعض مراتب الانكشاف، فكلما كان اجلى و أوضح و أتقن و اوفق للمعلوم في تفاصيل صفاته، كان أقرب إلى علم اللّه.

____________

(1) الشمس، الآية: 9.

(2) العنكبوت، الآية: 69.

373

الثالث-أن يكون باقيا أبد الآباد، بحيث لا يتغير و لا يزول.

و هذا أيضا مختص بعلم اللّه تعالى، اذ علمه تعالى باق لا يتصور أن يختلف و يتغير و يزول، و علم الإنسان يتغير و يزول، فكلما كان علمه بمعلومات لا تقبل التغير و الانقلاب، كان أقرب إلى علم اللّه تعالى.

هذا، و من الكمالات للانسان: التحلى بفضائل الأخلاق و الصفات لا يجابها صفاء النفس المؤدى إلى البهجة الدائمية و الحرية، أعني الخلاص من أسر الشهوات و غموم الدنيا و الاستيلاء عليها بالقهر، تشبها بالملائكة الذين لا تستغرقهم الشهوة و لا يستهويهم الغضب، إذ رفع آثار الشهوة و الغضب من النفس كمال حقيقي، لأنه من صفات الملائكة. و من صفات الكمال للّه سبحانه عدم تطرق التغيير و التأثير على حريم كبريائه، فمن كان عن التغير و التأثر بالعوارض أبعد كان إلى اللّه أقرب.

و أما القدرة، فقد قال بعض العلماء: «أما القدرة فليس فيها كمال حقيقي للعبد، إذ القدرة الحقيقية للّه، و ما يحدث من الأشياء عقيب إرادة العبد و قدرته و حركته، فهي حادثة باحداث اللّه تعالى. نعم، له كمال من جهة القدرة بالإضافة إلى الحال، و هي وسيلة إلى كمال العلم، كسلامة أطرافه و قوة يده للبطش، و رجله للمشي، و حواسه للادراك، فان هذه القوى آلة للوصول به إلى حقيقة كمال العلم، و قد يحتاج في استيفاء هذه القوى إلى القدرة بالمال و الجاه للتوصل به إلى المطعم و الملبس، و ذلك إلى قدر معلوم، فان لم يستعمله للوصول به إلى معرفة اللّه فلا خير فيه البتة إلا من حيث اللذة الحالية التي تنقضي على القرب، و لا طريق للعبد إلى اكتساب كمال القدرة الباقية بعد موته، إذ قدرته على كل شي‏ء من الأرضيات كالمال و الأبدان و النفوس، تنقطع بالموت» .

و أنت خبير بأن تحقق نوع قدرة للعباد مما لا ريب فيه، و إن كانت‏

374

أسبابها و أصلها من اللّه سبحانه، إلا أن القدرة على الأمور الدنيوية الفانية كالمال و الأشخاص و غير ذلك، ليست كمالا حقيقيا، لزوالها بالموت. نعم الحق ثبوت القدرة النفسية للعبد-اعني تأثير نفسه في الغير من الكائنات تأثيرا روحانيا معنويا، كما هو ظاهر من تأثير بعض النفوس في الإنسان و الحيوان و النبات و الجماد بأنواع التأثيرات، و مثل هذه القدرة تبقى للنفوس بعد الموت و لذا ترى أن من يستغيث ببعض النفوس الكاملة من الأموات يرى منها عجائب التأثيرات و الاستفاضات، فما ذكره بعض العلماء من عدم بقاء قدرة للنفوس بعد الموت محل النظر.

و قد ظهر بما ذكر: أن الكمال الحقيقي للانسان هو العلم الحقيقي و فضائل الأخلاق و الحرية و القدرة.

فصل علاج حب الجاه‏

اعلم ان علاج حب الجاه مركب من علم و عمل. و علاجه العلمى:

أن يعلم أن السبب الذي لأجله أحب الجاه-و هو كمال القدرة على اشخاص الناس و على قلوبهم ان صفا و سلم-فآخره الموت، فليس هو من الباقيات الصالحات بل لو سجد له كل من على وجه الأرض إلى خمسين سنة او أكثر لا بد بالأخرة من موت الساجد و المسجود له، و يكون حاله كحال من مات قبله من ذوي الجاه مع المتواضعين له. و لا ينبغي للعاقل أن يترك بمثل ذلك الدين الذي هو الحياة الأبدية التي لا انقطاع لها. و من فهم الكمال الحقيقي و الكمال الوهمي-كما سبق-صغر الجاه في عينه، إلا أن ذلك انما يصغر في عين من ينظر إلى الآخرة كأنه يشاهدها و يستحقر

375

العاجلة و يكون الموت كالحاصل عنده، و أبصار أكثر الخلق ضعيفة مقصورة على العاجلة لا يمتد نورها إلى مشاهدة العواقب، كما قال اللّه تعالى:

بَلْ تُؤْثِرُونَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا `وَ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ََ (1) .

و قال: كَلاََّ بَلْ تُحِبُّونَ اَلْعََاجِلَةَ `وَ تَذَرُونَ اَلْآخِرَةَ (2) .

فمن هذه مرتبته، فينبغي ان يعالج قلبه من حب الجاه بمعرفة الآفات العاجلة، و هو يتفكر في الأخطار التي يستهدف لها أرباب الجاه في الدنيا فان كل ذي جاه محسود مقصود بالإيذاء، و خائف على الدوام على جاهه و لا يزال في الاضطراب و الخوف من أن يتغير منزلته في القلوب. مع أن قلوب الناس أشد تغيرا و انقلابا من القدر في غليانه، و هي مرددة بين الإقبال و الاعراض، فكلما يبني على قلوب الخلق يضاهي ما يبني على أمواج البحر فانه لإثبات له. و الاشتغال بمراعاة القلوب و حفظ الجاه و دفع كيد الحساد و منع أذى الأعداء اشتغال عن اللّه و تعرض لمقته في العاجل و الآجل كل ذلك غموم عاجلة مكدرة للذة الجاه، فلا يبقى في الدنيا أيضا مرجوها بمخوفها، فضلا عما يفوت في الآخرة. فبهذا ينبغي أن تعالج البصيرة الضعيفة و أما من نفذت بصيرته و قوى ايمانه فلا التفات له إلى الدنيا.

فهذا هو العلاج العلمي.

و أما العلاج العملي فاسقاط الجاه عن قلوب الخلق بالأنس بضد الجاه الذي هو الخمول و يقنع بالقبول من الخالق، و أقوى العلاج لقطع الجاه الاعتزال عن الناس و الهجرة إلى مواضع الخمول، لا مجرد الاعتزال في بيته في البلدة التي هو فيها مشهور، لأن المعتزل في بيته في البلدة التي هو فيها

____________

(1) الأعلى، الآية: 16-17.

(2) القيامة، الآية: 20-21.

376

مشهور عند أهلها لا يخلو بسبب عزلته عن حب المنزلة التي تترسخ له في القلوب، فربما يظن أنه ليس محبا لذلك الجاه و هو مغرور، و انما سكنت نفسه لأنها ظفرت بمقصودها، و لو تغير الناس عما اعتقدوا فيه و دموه أو نسبوه إلى امر غير لائق، ربما جزعت نفسه و تألمت و توصلت إلى الاعتذار من ذلك و اماطة ذلك الغبار عن قلوبهم، و ربما يحتاج في إزالة ذلك عن قلوبهم إلى كذب و تلبيس و لا يبالى به، و به يتبين انه بعد محب للجاه و المنزلة، و لا يمكنه ألا يحب المنزلة في قلوب الناس ما دام يطمع في الناس و لا يقطع الطمع عن الناس إلا بالقناعة. فمن قنع استغنى عن الناس، و إذا استغنى لم يشتغل قلبه بالناس و لم يكن لقيام منزلته في القلوب وزن عنده، بل من لم يطمع في الناس و كان من أهل المعرفة، كان الناس عنده كالبهائم، فكيف يكون طالبا لقيام منزلته في قلوبهم؟.

و الحاصل: أن الغالب و الباعث على قيام المنزلة في قلوب الناس هو الطمع منهم، و لذا ترى انك لا تطلب قيام منزلتك في قلوب من في أقصى لمشرق أو المغرب، لعدم طمع لك فيهم، ثم ينبغي أن يستعين على المعالجة بالأخبار الواردة في ذم الجاه-كما مر-و في مدح الخمول، كما يأتي.

فصل حب الخمول‏

ضد حب الجاه و الشهرة حب الخمول، و هو شعبة من الزهد، كما أن حب الجاه شعبة من حب الدنيا. فحب الدنيا و الزهد ضدان.

ثم الخمول من صفات المؤمنين و خصال الموقنين، و قد كانت طوائف العرفاء المتوحدين و من يماثلهم من سلفنا الصالحين محبين له طالبين إياه، و كل من عرف اللّه و أحبه و انس به، كان محبا للخمول متوحشا من الجاه‏

377

و انتشار الصيت، كما تنادي به كتب السير و التواريخ. و قد وردت بمدحه أخبار كثيرة، كقول رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «إن اليسير من الرياء شرك، و ان اللّه يحب الاتقياء الأخفياء، الذين إذا غابوا لم يفقدوا و إذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يتحول من كل غبراء مظلمة» . و قوله-صلى اللّه عليه و آله-: «رب ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على اللّه لأبره، لو قال: اللهم أسألك الجنة!لأعطاه الجنة و لم يعطه من الدنيا شيئا» . و قوله-صلى اللّه عليه و آله-: «ألا أدلكم على أهل الجنة؟كل ضعيف مستضعف، لو اقسم على اللّه لأبره» .

و قوله-صلى اللّه عليه و آله-: «إن أهل الجنة كل اشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، و إذا خطبوا النساء لم ينكحوا، و إذا قالوا لم ينصت لهم. حوائج أحدهم تتخلخل في صدره، لو قسم نوره يوم القيامة على الناس لوسعهم» . و قوله -صلى اللّه عليه و آله-: «إن من أمتي من لو أتى أحدكم يسأله دينارا لم يعطه إياه، أو يسأله درهما لم يعطه إياه و لو سأل اللّه تعالى الجنة لأعطاها إياه، و لو سأله الدنيا لم يعطها إياه، و ما منعها إياه لهوانه عليه» و قوله -صلى اللّه عليه و آله-: «قال اللّه عز و جل: ان من أغبط أوليائي عندي رجلا حفيف الحال، ذا حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه بالغيب و كان غامضا في الناس، جعل رزقه كفافا فصبر عليه، عجلت منيته فقل تراثه و قل بواكيه» (1) . و ورد: «أن اللّه تعالى يقول في مقام الامتنان على بعض عبيده: ألم أنعم عليك؟ألم استرك؟ألم أحمل ذكرك» .

و قال بعض خيار الصحابة: «كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، احلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب. تعرفون في أهل

____________

(1) تقدم الحديث في 2-59، و ذكرنا في التعليقة تفسير معنى (حفيف) .

378

السماء، و تخفون في أهل الأرض» . و من اطلع على أحوال أكابر الدين و السلف الصالحين من ايثارهم الخمول و الذل على الجاه و الشهوة و الغلبة، ثم في ما ورد في مدحهما من الأخبار، تيقن بأنهما من أوصاف المؤمنين، و لا بد للمؤمن من الاتصاف بهما، و لذا ورد: «أن المؤمن لا يخلو عن ذلة او علة أو قلة» .

و منها:

حب المدح‏

و كراهة الذم. و هما من نتائج حب الجاه، و من المهلكات العظيمة إذ كل محب للمدح و الثناء خائف من الذم، يجعل أفعاله و حركاته على ما يوافق رضا الناس، رجاء للمدح و خوفا من الذم. فيختار رضا المخلوق على رضا الخالق، فيرتكب المحظورات و يترك الواجبات، و يتهاون في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و يتعدى عن الإنصاف و الحق، و كل ذلك من المهلكات، و ليس للمؤمن أن يحوم حولها، بل المؤمن من لم يؤثر قط رضا المخلوق على رضا الخالق، و لا تأخذه في اللّه لومة لائم. و لعظم فساد حب المدح و بغض الذم ورد في ذمهما ما ورد في الأخبار، قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «إنما هلك الناس باتباع الهوى و حب الثناء» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «رأس التواضع أن تكره أن تذكر بالبر و التقوى» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-لرجل اثنى على آخر بحضرته: «لو كان صاحبك حاضرا فرضى بالذي قلت فمات على ذلك، دخل النار» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: لما مدح آخر:

«ويحك!قطعت ظهره!و لو سمعك ما أفلح إلى يوم القيامة» . و قال‏

379

-صلى اللّه عليه و آله-: «ألا لا تمادحوا!و إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «ويل للصائم! و ويل للقائم!و ويل لصاحب التصوف!إلا من... فقيل: يا رسول اللّه إلا من؟فقال: إلا من تنزهت نفسه عن الدنيا، و أبغض المدحة و استحب المذمة» .

فصل مراتب حب المدح و كراهة الذم‏

اعلم أن لحب المدح و كراهة الذم مرتبتين: أولاهما: أن يفرح بالمدح و يشكر المادح، و يغضب من الذم و يحقد على الذام، و يكافيه او يحب مكافاته. و هذا حال أكثر الخلق، و لا حد لاتمها. و اخراهما: أن يفرح باطنه و يرتاح للمادح، و لكن يحفظ ظاهره من إظهار السرور، و يتبغض في الباطن على الذام، و لكن يمسك لسانه و جوارحه عن مكافاته و هذه و ان كانت نقصانا، إلا أنها بالنظر إلى الأولى كمال.

و باعتبار آخر، لحب المدح درجات:

الأولى-أن يتمنى المدح و انتشار الصيت بحيث يتوصل إلى نيلهما بكل ممكن، حتى يرائي بالعبادات و لا يبالي بمفارقة المحظورات، لاستمالة قلوب الناس و استنطاق ألسنتهم بالمدح. و هذا من الهالكين.

الثانية-أن يريد ذلك و بطلبه بالمباحات لا بالعبادات و ارتكاب المحظورات، و هذا على شفا جرف الهلاك. اذ حدود الكلام و الأعمال التي يستميل بها القلوب لا يمكنه أن يضبطها، فيوشك أن يقع فيما لا يحل له ليتوصل به إلى نيل المدح. فهو قريب من الهالكين.

380

الثالثة-ألا يريد المدح و لا يسعى لطلبه، و لكن إذا مدح سر و ارتاح، من غير وجدان كراهة في نفسه لهذا السرور و الارتياح، و هذا أيضا نقصان، و إن كان أقل اثما بالإضافة إلى ما قبله.

الرابعة-أن يسر و يرتاح، و لكن كره هذا السرور و الارتياح، و كلف قلبه كراهة المدح و بغضه، و هو في مقام المجاهدة، و لعل اللّه يسامحه اذا بذل جهده. و مع ذلك لم يقدر على ربط نفسه على كراهة المدح دائما.

فصل أسباب حب المدح‏

حب المدح و الثناء له أسباب:

الأول-شعور النفس بكمالها، فان الكمال لما كان محبوبا فمهما شعرت النفس بكمالها ارتاحت و اهتزت و تلذذت، و المدح يشعر نفس الممدوح بكمالها، فان كان ما به المدح و صفا مشكوكا فيه صادر عن خبير بصير لا يجازف في القول، كالوصف بكمال العلم و الورع و بالحسن المطلق، فاللذة فيه عظيمة لأن الإنسان ربما كان شاكا في كمال علمه و كمال حسنه و يكون شائقا لزوال هذا الشك، فإذا ذكره غيره، (لا) سيما إذا كان من أهل البصيرة، أورث ذلك طمأنينة و ثقة بوجود ذلك الكمال، فعظمت لذته، و لو كان صادرا ممن لا بصيرة له، كانت لذته أقل لقلة الاطمئنان بقوله. و إن كان ما به المدح وصفا جليا، كاعتدال القامة و بياض اللون كانت لذته في غاية القلة، لأن ثناءه لا يورث ما ليس له من الطمأنينة و الثقة إلا أنه لا يخلو عن لذة ما، إذ النفس قد تغفل عنه فتخلو عن لذته، فتنبهها عليه بالمدح يورث لذة ما. و لضد هذه العلة ببغض الذم أيضا،

381

لأنه يشعر بنقصان في نفسه، و النقصان ضد الكمال.

الثاني-ان المدح يدل على أن قلب المادح ملك الممدوح، و انه مريد له معتقد فيه و مسخر تحت مشيته، و ملك القلوب محبوب، و الشعور بحصوله لذيذ، و لذلك تعظم اللذة مهما صدرت ممن تتسع قدرته و ينتفع باقتناص قلبه كالملوك و الأكابر، و لضد هذه العلة يكره الذم و يتألم القلب به.

الثالث-أن المدح سبب اصطياد قلب كل من يسمعه، لا سيما إذا كان المادح ممن يعتنى بقوله، و هذا يختص بمدح يقع على الملأ.

الرابع-أن المدح يدل على حشمة الممدوح و اضطرار المادح إلى إطلاق اللسان بالثناء عليه طوعا أو قهرا، و الحشمة محبوبة لما فيها من الغلبة و القدرة، فشعور النفس بها يورث لذة، و هذه اللذة تحصل و ان علم الممدوح ان المادح لا يعتقد بما يقوله، اذ ما يطلبه يحصل منه، و لضد هذه العلة يبغض الذم أيضا.

و هذه الأسباب قد تجتمع في مدح واحد فيعظم به الالتذاذ، و قد تفترق فينتقص و يندفع استشعار الكمال، بأن يعلم الممدوح أن المادح غير صادق في مدحه، فان كان يعلم أن المادح ليس يعتقد ما يقوله بطلت اللذة الثانية أيضا، و هو استيلاءه على قلبه، و بقيت لذة الاستيلاء بالحشمة على اضطرار لسانه إلى النطق بالمدح.

فصل علاج المدح و كراهة الذم‏

اذا علم أن حب المدح و كراهة الذم من المهلكات، فيجب أن يبادر الى العلاج. ـ

382

و علاج الأول: أن يلاحظ أسبابه، و يعلم أن شيئا منها لا يصلح حقيقة لأن يكون سببا له. أما استشعار الكمال بالمدح، فلأن المادح ان صدق فليكن الفرح من فضل اللّه حيث أعطاه هذه الصفات، و إن كذب فينبغي أن يغمه ذلك و لا يفرح به لأنه استهزاء به، مع أن الفرح مطلقا في صورة الصدق من السفاهة، اذ الوصف الذي مدح به إن كان مما لا يستحق الفرح به، كالثروة و الجاه و غيرهما من المطالب الدنيوية، فالفرح به من قلة العقل، لأنها كمالات و همية لا أصل لها، و ان كان مما يستحق الفرح به كالعلم و الورع، فالفرح إنما هو لكونه مقربا إلى اللّه، و هذا فرع حسن الخاتمة و هو غير معلوم. ففي الخوف من خطر الخاتمة شغل شاغل من الفرح بكل شي‏ء. و أما دلالة المدح على تسخير قلب المادح و كونه سببا لتسخير قلب من يسمعه، فحب ذلك يرجع إلى حب الجاه و المنزلة في القلوب، و قد سبق طريق معالجته. و أما دلالته على الحشمة، فانها ليست إلا قدرة عارضة ناقصة لإثبات لها، و العاقل لا يفرح بمثلها.

و أما علاج الثاني: -اعني كراهة الذم-فيعلم بالمقايسة على علاج حب المدح. و القول الوجيز فيه: ان من يذمك إن كان صادقا و قصده النصح و الإرشاد، فلا ينبغي أن تبغضه و تغضب عليه، بل ينبغي أن تفرح و تجتهد في إزالة الصفة المذمومة عن نفسك، و ما أقبح بالمؤمن أن يغضب على من يحسن إليه و يريد هدايته. و ان كان قصده الإيذاء و التعنت، فلا ينبغي لك أيضا أن تبغضه و تكره ذلك، لأنه أرشدك إلى عيبك إن كنت جاهلا به، و ذكرك إياه إن كنت غافلا عنه، و قبحه في عينك إن كنت متذكرا له، و على التقادير قد استفدت منه ما تنتفع به، و ينبغي لك أن تغتنمه و تبادر إلى إزالة عيبك. و إن كان كاذبا مفتريا عليك بما أنت منه بري‏ء، فينبغي لك أيضا ألا تكره ذلك و لا تشتغل بذمه، لأنك و إن‏

383

خلوت من ذلك العيب، إلا أنك لا تخلو من عيوب اخر مساوية له و افحش منها، فاشكر اللّه تعالى على أنه سترها و لم يطلع أحدا عليها، و دفعها بذكر ما أنت منه بري‏ء، مع أنه كفارة لبقية مساويك. و من ذمك أهدى إليك حسناته و جنى على دينه، حتى سقط من عين اللّه و أهلك نفسه بافترائه عليك، فما بالك تحزن بحط ذنوبك و إهداء الحسنات إليك؟و لم تغضب عليه، مع أن اللّه سبحانه غضب عليه و أبعده من رحمته؟فان ذلك كاف لانتقامك منه.

وصل ضد حب المدح‏

ضد حب المدح و كراهة الذم: إما كراهة المدح و حب الذم، أو مساواتهما عنده بحيث لا تسره المدحة و لا تغمه المذمة. و قد تقدم بعض الأخبار الدالة على ذم من لم يتصف بالحالة الأولى. و هي و إن كانت نادرة الوجود، إذ ما أقل على بسيط الأرض- (لا) سيما في هذه الاعصار- من تستوى عنده المدحة و المذمة، فضلا عمن يكره المدح و يسر بالذم، إلا أن تحصيلها ممكن إذ كل من عرف أن المدح مضر بدينه و قاصم لظهره فلا بد أن يكرهه و يبغض المادح، لو كان عاقلا مشفقا على نفسه. و كذا من عرف أن الذام له يرشده إلى عيوبه و يهدى إليه بعض حسناته، لا بد أن يحبه و يسر بذمه.

و أما الحالة الثانية، فهي أولى درجات الكمال، و من لم يتصف بها فهو ناقص. فالاتصاف بها لازم على كل مؤمن. و ربما ظن بعض الناس اتصافه بها، مع كونه فاقدا لها. فمن ظن ذلك من نفسه، فلا بد أن‏

384

يمتحن نفسه بعلاماتها، حتى يظهر له صدق ظنه و كذبه، و علاماته: ألا يكون سعيه و نشاطه في قضاء حوائج المادح أكثر منهما في قضاء حوائج الذام، و ألا يتفاوت همه و حزنه لأجل موتهما و ابتلائهما بمصيبة، و ألا تكون ذلة المادح أخف في قلبه و عينه من ذلة الذام، و ألا يكون جلوس الذام عنده اثقل و لا قيامه أهون من جلوس المادح و قيامه. و بالجملة: أن يستويا عنده من كل وجه. فمن وجد نفسه استواءهما في جميع الجهات، فهو ممن يتساوى عنده المدح و الذم.

و منها:

الرياء

و هو طلب المنزلة في قلوب الناس بخصال الخير أو ما يدل عليها من الآثار. فهو من أصناف الجاه، إذ هو طلب المنزلة في القلوب بأي عمل اتفق، و الرياء طلب المنزلة بادائه خصال الخير أو ما يدل على الخير ثم خصال الخير يشمل أعمال البر بأسرها، و هي أعم من العادات إن خصت العبادة بمثل الصلاة و الصوم و الحج و الصدقة و أمثال ذلك و مساوقة لها إن أريد بالعبادة كل فعل يقصد به التقرب و يترتب عليه الثواب إذ على هذا كل عمل من أعمال الخير، سواء كان من الواجبات أو المندوبات او المباحات في الأصل إذا قصد به القربة كان طاعة و عبادة، و ان لم يقصد به ذلك لم يكن عبادة و لا عمل خير، و لو كان مثل الصلاة. و ربما خص الرياء عادة بطلب المنزلة في القلوب بالعبادة بالمعنى الأخص.

و المراد بالآثار الدالة على الخيرية هي كل فعل ليس في ذاته برا

385

و خيرا، و إنما يستدل به على الخيرية.

و هي إما متعلقة بالبدن، كاظهار النحول و الصفار ليستدل بهما على قلة الأكل أو الصوم و سهر الليل، و يوهم بذلك شدة الاجتهاد و عظم الحزن على امر الدين و غلبة الخوف من اللّه و من أهوال الآخرة، و كخفض الصوت ليستدل به على ان وقار الشرع قد خفض صوته... و قس عليها غيرها من الأمور المتعلقة بالبدن، الدالة على الخيرية قصدا إلى تحصيل المنزلة في قلوب الناس، و كل ذلك يضر بالدين و ينافي الورع و اليقين، و لذا قال عيسى-عليه السلام-: «اذا صام أحدكم، فليدهن رأسه، و يرجل شعره، و يكحل عينيه» ، خوفا من نزع الشيطان بالرياء. ثم هذه مراءاة أهل الدين بالبدن، و أما أهل الدنيا فيراؤن في البدن بإظهار السمن و صفاء اللون و نظافة البدن و حسن الوجه و أمثال ذلك.

أو متعلقة بالزى و الهيئة كحلق الشارب و إطراق الرأس في المشي، و الهدوء في الحركة، و إبقاء أثر السجود في الجبهة، و لبس الصوف أو الثوب الخشن أو الابيض و تعظيم العمامة و لبس الطيلسان و الدراعة، و أمثال ذلك مما يدل على العلم و التقوى او الانخلاع عن الدنيا.

و المراءون من أهل الدين بالزى و اللباس على طبقات: منهم من يرى طلب المنزلة بالثياب الخشة، و منهم من يرى بالثياب الفاخرة، و منهم من يرى بالوسخة، و منهم من يراه بالنظيفة، و للناس فيما يعشقون مذاهب و أما أهل الدنيا فلا ريب في أنهم يراؤن في اللباس بلبس الثياب النفيسة و ركوب المراكب الرفيعة و أمثال ذلك.

أو متعلقة بالقول و الحركات كاظهار الغضب و الاسف على المنكرات و مقارفة الناس للمعاصي، ليستدل بها على حمايته للدين و شدة اهتمامه على الامر بالمعروف و النهي عن المنكر، مع ان قلبه لم يكن متأثرا عن ذلك،

386

و كارخاء الجفون و تنكيس الرأس عند الكلام و إظهار الهدوء و السكون في المشي، ليستدل بذلك على وقاره، و ربما أسرع المرائي في المشي إلى حاجة فإذا اطلع عليه واحد رجع إلى الوقار خوفا من أن ينسب إلى عدم الوقار فإذا غاب الرجل عاد إلى عجلته.

أو متعلقة بغير ذلك كمن يتكلف ان يكثر الزائرون له و الواردون عليه (لا) سيما من العلماء و العباد و الأمراء ليقال إن أهل الدين و العظماء يتبركون بزيارته.

فصل ذم الرياء

الرياء من الكبائر الموبقة و المعاصي المهلكة و قد تعاضدت الآيات و الأخبار على ذمه، قال سبحانه:

فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ `اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاََتِهِمْ سََاهُونَ `اَلَّذِينَ هُمْ يُرََاؤُنَ `وَ يَمْنَعُونَ اَلْمََاعُونَ (1) . و قال سبحانه: فَمَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صََالِحاً وَ لاََ يُشْرِكْ بِعِبََادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (2) . و قال سبحانه: يُرََاؤُنَ اَلنََّاسَ وَ لاََ يَذْكُرُونَ اَللََّهَ إِلاََّ قَلِيلاً (3) . و قال: كَالَّذِي يُنْفِقُ مََالَهُ رِئََاءَ اَلنََّاسِ (4) .

____________

(1) الماعون، الآية: 4-7.

(2) الكهف، الآية: 110.

(3) النساء الآية: 142.

(4) البقرة، الآية: 264.

387

و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: و ما الشرك الأصغر؟قال: «الرياء، يقول اللّه عز و جل يوم القيامة للمرائين إذا جازى العباد باعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤن لهم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء» . و قال -صلى اللّه عليه و آله-: «استعيذوا باللّه من جب الحزن» قيل: و ما هو يا رسول اللّه؟قال: «واد في جهنم أعد للقراء المرائين» . و قال -صلى اللّه عليه و آله-: «يقول اللّه تعالى: من عمل لي عملا أشرك فيه غيري فهو له كله، و أنا منه بري‏ء، و أنا أغنى الأغنياء عن الشرك» و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «لا يقبل اللّه تعالى عملا فيه مثقال ذرة من رياء» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إن أدنى الرياء الشرك» و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «إن المرائي ينادى عليه يوم القيامة يا فاجر يا غادر يا مرائي ضل عملك و حبط أجرك اذهب فخذ أجرك ممن كنت تعمل له» . و كان-صلى اللّه عليه و آله-يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟قال «إني تخوفت على أمتي الشرك أما انهم لا يعبدون صنما و لا شمسا و لا قمرا و لا حجرا و لكنهم يراؤن باعمالهم» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-:

«سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم و تحسن فيه علانيتهم طمعا في الدنيا لا يريدون به ما عند ربهم، يكون دينهم رياء لا يخالطهم خوف يعمهم اللّه بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجيب لهم» و قال: «إن الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجا به فإذا صعد بحسناته يقول اللّه عز و جل:

اجعلوها في سجين إنه ليس إياي أراد به» (1) و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «ان الحفظة تصعد بعمل العبد إلى السماء السابعة من صوم و صلاة.

____________

(1) صححنا الحديث و كذا ما قبله على (أصول الكافي) . باب الرياء و باقي الأحاديث النبوية على (احياء العلوم) ج 3 ص 254.

388

و تفقه و اجتهاد و ورع، لها دوي كدوي الرعد و ضوء كضوء الشمس معه ثلاثة آلاف ملك، فيجاوزون به إلى السماء السابعة، فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا و اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه اضربوا به جوارحه، اقفلوا به على قلبه، إني أحجب عن ربي كل عمل لم يرد به وجه ربي، إنه أراد بعمله غير اللّه، إنه أراد رفعة عند الفقهاء و ذكرا عند العلماء و صيتا في المدائن، أمرني أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، و كل عمل لم يكن للّه خالصا فهو رياء، و لا يقبل اللّه عمل المرائي، قال-صلى اللّه عليه و آله-: و تصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة و زكاة و صيام و حج و عمرة و خلق حسن و صمت و ذكر اللّه تعالى و تشيعه ملائكة السماوات حتى يقطع الحجب كلها إلى اللّه فيقفون به بين يديه و يشهدون له بالعمل الصالح المخلص للّه، قال: فيقول اللّه تعالى لهم أنتم الحفظة على عمل عبدي و أنا الرقيب على نفسه، انه لم يردني بهذا العمل و أراد به غيري فعليه لعنتي فتقول الملائكة كلهم عليه لعنتك و لعنتنا، و تقول السماوات كلها عليه لعنة اللّه و لعنتنا، و تلعنه السماوات السبع و من فيهن» .

و قال أمير المؤمنين-عليه السلام-: «اخشوا اللّه خشية ليست بتعذير (1) و اعملوا بغير رياء و لا سمعة فانه من عمل لغير اللّه و كله اللّه الى عمله يوم القيامة» و قال الباقر-عليه السلام-: «الابقاء على العمل أشد من العمل» قيل: و ما الا بقاء على العمل؟قال: «يصل الرجل بصلة و ينفق نفقة للّه وحده لا شريك له فكتب له سرا ثم يذكرها فتمحى فتكتب له علانية ثم يذكرها فتمحى فتكتب له رياء» . و قال الصادق-عليه السلام-:

«قال اللّه تعالى انا خير شريك فمن عمل لي و لغيرى فهو لمن عمل له

____________

(1) قال في الوافي في باب الرياء 3-400: بيان (بتعذير) -بحذف المضاف- اى ذات تعذير، و هو بالعين المهملة و الذال المعجمة بمعنى التقصير.

389

غيري» . و قال-عليه السلام-: «قال اللّه تعالى: أنا أغنى الأغنياء عن الشريك فمن أشرك معي غيري في عمل لم أقبله إلا ما كان لي خالصا» و قال-عليه السلام-: «كل رياء شرك، إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس، و من عمل للّه كان ثوابه على اللّه» . و عن أبي عبد اللّه -عليه السلام-في قول اللّه عز و جل:

فَمَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صََالِحاً وَ لاََ يُشْرِكْ بِعِبََادَةِ رَبِّهِ أَحَداً .

قال: «الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه اللّه إنما يطلب تزكية الناس، يشتهى أن يسمع به الناس فهذا الذي أشرك بعبادة ربه» ثم قال: «ما من عبد أسر خيرا فذهبت الأيام أبدا حتى يظهر اللّه له خيرا، و ما من عبد يسر شرا فذهبت الأيام حتى يظهر اللّه له شرا» .

و قال-عليه السلام-: ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا و يسر سيئا أ ليس يرجع إلى نفسه فيعلم أن ذلك ليس كذلك و اللّه عز و جل يقول: «بل الإنسان على نفسه بصيرة» . ان السريرة إذا صحت قويت العلانية. و قال -عليه السلام-: «من أراد اللّه بالقليل من عمله اظهر اللّه له أكثر مما أراده به و من أراده الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه و سهر من ليله أبى اللّه إلا أن يقلله في عين من سمعه» . و قال-عليه السلام-لعباد البصرى: «ويلك يا عباد!إياك و الرياء فانه من عمل لغير اللّه و كله اللّه الى من عمل له» . و قال-عليه السلام-: «اجعلوا أمركم هذا للّه و لا تجعلوه للناس فانه ما كان للّه فهو للّه و ما كان للناس فهو لا يصعد الى اللّه» . و قال الرضا-عليه السلام-لمحمد بن عرفة: «ويحك يا بن‏

390

عرفة اعملوا لغير رياء و لا سمعة فانه من عمل لغير اللّه وكلّه اللّه إلى ما عمل ويحك ما عمل أحد عملا إلا أراده اللّه به إن خيرا فخيرا و إن شرا فشرا» (1) .

و كفى للرياء ذما انه يوجب الاستحقار للّه و جعله أهون من عباده الضعفاء الذين لا يقدرون نفعا و لا ضرا، اذ من قصد بعبادة اللّه عبدا من عبيده فلا ريب في أن ذلك لأجل ظنه بأن هذا العبد أقدر على تحصيل أغراضه من اللّه و أنه أولى بالتقرب إليه منه تعالى و أي استحقار بمالك الملوك أشد من ذلك.

فصل أقسام الرياء

الرياء إما في العبادات أو في غيرها (و الأول) حرام مطلقا و صاحبه ممقوت عند اللّه و هو يبطل أصل العبادة و لأن الأعمال بالنيات، و المرائي بالعبادة لم يقصد امتثال أمر اللّه بل قصد ادراك مال أو جاه أو غرض آخر من الأغراض فلا يكون ممتثلا لأمر اللّه خارجا عن عهدة التكليف، ثم مع بطلان عبادته و عدم خروجه عن عهدة التكليف يكون له اثم على حدة لأجل الرياء، كما دلت عليه الآيات و الأخبار، فيكون أسوأ حالا ممن ترك العبادة رأسا، كيف لا و المرائي بالعبادة جمع بين الاستهزاء باللّه و التلبيس و المكر لأنه خيل إلى الناس أنه مطيع للّه من أهل الدين و ليس كذلك.

و أما الرياء بغير العبادات، فقد يكون مذموما، و قد يكون مباحا،

____________

(1) صححنا الأحاديث عن آل البيت عليهم السلام (على أصول الكافي) باب الرياء و على (البحار) مج 15: 3-43. و على (الوسائل) -ج 1، الباب 11، 12 14 من أبواب مقدمة العبادات-.

391

و قد يكون مستحبا، و قد يكون واجبا، إذ يجب على المؤمن صيانة عرضه و ألا يفعل ما يعاب عليه، فلا يليق بذوى المروات أن يرتكبوا الأمور الخسيسة بانفسهم عند مشاهدة الناس و ان جاز لهم ذلك في الخلوة، و من زين نفسه باللباس او غيره في أعين الناس حذرا من لومهم و استثقالهم أو استقذارهم إياه كان ذلك مباحا له، إذ الحذر من ألم الذم غير مذموم إلا أن ذلك يختلف باختلاف الازمنة و البلاد و الأشخاص من العباد، فربما كان بعض أقسام الرياء بغير العبادات مذموما بالنظر إلى وقت او شخص أو بلد غير مذموم بالنظر إلى آخر. روى: «ان رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله و سلم-أراد يوما أن يخرج على أصحابه، فكان ينظر في حب من الماء و يسوى عمامته و شعره، فقيل له: أو تفعل ذلك يا رسول اللّه؟ فقال: نعم، إن اللّه تعالى يحب من العبد أن يتزين لإخوانه إذا خرج اليهم» . و قال أمير المؤمنين-عليه السلام-: «يتزين أحدكم لأخيه المسلم كما يتزين للغريب الذي يحب أن يراه في أحسن الهيئة» ، و قال الصادق -عليه السلام-: «الثوب النقي يكبت العدو» . و روى: «أنه -عليه السلام-نظر إلى رجل من أهل المدينة قد اشترى لعياله شيئا و هو يحمله، فلما رآه الرجل استحى منه، فقال-عليه السلام-: اشتريته لعيالك و حملته إليهم، أما و اللّه لو لا أهل المدينة لا حببت أن اشتري لعيالى الشي‏ء ثم احمله إليهم» (1) أراد-عليه السلام-لو لا مخافة ان يعيبوه على ذلك لفعل مثل فعله، إلا أنه لما كان في زمان يعاب عليه بمثله لم يجز له أن يرتكبه، و لما لم يكن ذلك مما يعاب عليه في زمن أمير المؤمنين -عليه السلام-كان يرتكبه و كان ذلك منقبة له و تعليما. فظهر أن ارتكاب

____________

(1) تقدم هذا الحديث في 1-358، و الأحاديث الثلاثة الأخيرة صححناها على (الوسائل) -كتاب الصلاة، ابواب احكام الملابس، الباب 4-6.

392

بعض الأمور و عدم ارتكاب بعض الافعال قد يكون رياء محبوبا و قد يكون رياء مذموما.

فصل تأثير الرياء على العبادة

الرياء إما أن يكون مجردا عن قصد القربة و الثواب بحيث لو لاه و الفرد صاحبه لترك العمل و هو أشد درجات الرياء و اعظمها اثما، أو يكون مع قصدهما فان كان قصدا ضعيفا مرجوحا بحيث لو كان خاليا عن قصد الرياء لم يبعثاه على العمل، و لو كان قصد الرياء خاليا عنهما بعثه عليه، كان قريبا من سابقه و ان كان مساويا لقصد الرياء بحيث لو كان كل واحد خاليا عن الآخر لم يبعثه على العمل، فالحق كونه مفسدا للعمل أيضا لظواهر الاخبار. و ان كان راجحا على قصد الرياء غالبا عليه بأن يكون قصد الرياء و اطلاع الناس مرجحا و مقويا لنشاطه بحيث لو لم يكن لم يترك العمل، و لو كان قصد الرياء وحده لما أقدم على العمل، (فبعض العلماء) على أنه لا يحبط أصل العمل و الثواب بل ينقص من الثواب أو يعاقب صاحبه على مقدار قصد الرياء، و يثاب على مقدار قصد الثواب و (فيه نظر) إذ ظواهر الأخبار تفيد إبطاله أصل العمل و الثواب لصدق الرياء عليه و صدق المرائي على صاحبه، لقول أمير المؤمنين-عليه السلام- «ثلاث علامات للمرائي: ينشط إذا رأى الناس، و يكسل إذا كان وحده و يحب أن يحمد في كل أموره» و ما تقدم من الأخبار الدالة على أن كل عمل أشرك مع اللّه تعالى غيره كان اللّه منه بريئا و لم يقبله، صريح في المطلوب. و حملها على ما إذا تساوى القصد أو كان قصد الرياء أرجح خلاف الظاهر. ثم الظاهر ان البطلان في هذه الصورة إنما هو إذا رجع قصده إلى حبه اطلاع الناس عليه لتقع منزلة له في قلوبهم، ليتوسل بها

393

إلى نيل غرض من الأغراض الدنيوية، و أما إذا كان سروره و قصده من اطلاع الناس لاحد المقاصد الصحيحة الآتية فلا بأس به و لا يبطل العمل.

تنبيه السرور بالاطلاع على العبادة

من كان قصده إخفاء الطاعة و الإخلاص للّه، فإذا اتفق اطلاع الناس على طاعته فلا بأس بالسرور به، من حيث علمه بأن اللّه اطلعهم عليه و اظهر الجميل من حاله، فيستدل به على حسن صنع اللّه به من حيث إنه ستر الطاعه و المعصية، و اللّه تعالى أبقى معصيته على الستر و أظهر طاعته، فيكون فرحه بجميل نظر اللّه و فضله له لا بمدح الناس و قيام المنزلة في قلوبهم، و قد قال اللّه تعالى:

قُلْ بِفَضْلِ اَللََّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذََلِكَ فَلْيَفْرَحُوا (1) .

و كأنه ظهر له بظهور طاعته أنه عند اللّه مقبول ففرح به أو من حيث استدلاله بإظهار اللّه الجميل و ستره القبيح في الدنيا أنه كذلك يفعل به في الآخرة، قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: «ما ستر اللّه على عبد في الدنيا إلا ستر اللّه عليه في الآخرة» . فالأول فرح بالقبول في الحال من غير ملاحظة المستقبل، و هذا التفات إلى المستقبل. أو من حيث ظنه رغبة المطلعين في الاقتداء في الطاعة، فيتضاعف بذلك أجره.

إذ يكون له أجره السر بما قصده أولا، و أجر العلانية بما اظهره آخرا و من اقتدى الناس به في طاعة فله أجر اعمال المقتدين به من غير أن ينقص

____________

(1) يونس، الآية: 58.

394

من أجورهم شي‏ء. أو من حيث فرحه بطاعة المطلعين للّه في مدحهم و حبهم للمطيع، و ميل قلوبهم إلى الطاعة، اذ من الناس من يمقت أهل الطاعة و يحسدهم أو يستهزئ بهم و ينسبهم إلى الرياء، فهذا فرح بحسن ايمان عباد اللّه، و علامة الإخلاص فيه: أن يكون سروره بمدحهم غيره مثل سروره بمدحهم إياه.

و يدل على عدم البأس بالسرور فيما ذكر ما روى: «أن رجلا قال لرسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-: اني أسر العمل لا أحب أن يطلع عليه أحد فيطلع عليه فيسرني!قال: لك أجران: أجر السر و أجر العلانية» و ما روي: «أنه سئل الباقر-عليه السلام-عن الرجل يعمل الشي‏ء من الخير فيراه انسان فيسره ذلك، قال: لا بأس، ما من أحد إلا و هو يحب أن يظهر اللّه له في الناس الخير إذا لم يكن صنع ذلك» . و هذان الخبران باطلاقهما يدلان على نفي البأس بالسرور لأجل المقاصد المذكورة و يخصص منهما ما هو المذوم من الفرح الحاصل من اطلاع الناس، و ان كان قصده الاخفاء أولا، و هو أن يكون فرحه لقيام منزلته في قلوب الناس حتى يمدحوه و يعظموه و يقوموا بحوائجه، و انما يخصص ذلك منهما مع شمول اطلاقهما له أيضا لمعارض أقوى.

هذا و قد تقدم أن قصده أولا-اى في حال عقد الطاعة-اطلاع الناس عليه و ارتياحه به لأحد المقاصد المذكورة لا بأس به أيضا، فعدم البأس لا يختص بطرو القصد و الارتياح بعد العقد او بعد تمام العمل.

ثم كما لا بأس بالسرور من ظهور الطاعات للمقاصد المذكورة، فكذلك لا بأس بكتمان المعاصي و اغتمامه باطلاع الناس عليها لاسباب نذكرها، بل الحق رجحان الكتمان و مزيته بعد ارتكابها، و ان كان الأصل في الإخلاص استواء السريرة و العلانية. و لذا قال بعض الأكابر: «عليك بعمل العلانية

395

و هو ما إذا ظهر لم تستح منه» . و قال بعضهم: «ما عملت عملا أبالي ان يطلع الناس عليه إلا اتياني أهلي و البول و الغائط» . إلا ان ذلك درجة عظيمة ليست شرعة لكل وارد، و لا يصل إليها إلا واحد بعد واحد. إذ كل انسان-إلا من عصمه اللّه-لا يخلو من ذنوب باطنة، (لا) سيما ما يختلج بباله من الاماني الباطلة و الأمور الشهوية، و اللّه مطلع عليها و هي مخفية عن الناس، و السعي في اخفائها و كراهة ظهورها جائز بل راجح، بشرط ألا يكون باعث اخفائها قصد أن يعتقدوا فيه الورع و الصلاح، بل كان الباعث:

1-إما كون السر مأمورا به.

2-أو كون الهتك و إظهار المعاصي منهيا عنه. قال رسول اللّه -صلى اللّه عليه و آله-: «من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فليستره بستر اللّه تعالى» . و يعرف صدق ذلك بكراهة ظهورها عن الغير، أو كون ستر اللّه عليه في الدنيا دليلا على ستره في الآخرة، لما ورد في الخبر:

«أن من ستر اللّه عليه في الدنيا ستر اللّه عليه في الآخرة» .

3-أو كون ظهور المعاصي موجبا لذم الناس، و الذم يؤلم القلب و يشغله عن طاعة اللّه، و يصده عن الاشتغال بتحصيل ما خلق لأجله، و لكون التألم بالذم جبليا غير ممكن الدفع بسهولة يكون إخفاء ما ظهوره يؤدى إلى حدوثه جائزا. نعم، كمال الصدق استواء المدح و الذم، إلا أن ذلك قليل جدا، و أكثر الطباع تألم بالذم، لما فيه من الشعور بالنقصان و ربما كان التألم بالذم ممدوحا إذا كان الذام من أهل البصيرة في الدين، فان ذمه يدل على وجود نقصان فيه، فينبغي أن يتألم منه و يتشمر لدفعه 4-أو كون الناس شهداءه يوم القيامة، كما ورد فيجوز الاخفاء لئلا يشهدوا عليه يوم القيامة.

396

5-أو خوف أن يقصد بشر او سوء إذا عرف ذنبه.

6-أو خوف صيرورة الذام عاصيا بذمه، و هذا من كمال الايمان و يعرف بتسوية ذمه و ذم غيره.

7-أو خوف سقوط وقع المعاصي من نفسه او اقتداء الغير به فيها و هذه العلة هي المبيحة لإظهار الطاعة، و يختص ذلك بمن يقتدى به من الأئمة و امثالهم، و لهذه العلة ينبغي أن يخفى العاصي معصيته من أهله و ولده أيضا، لئلا يقتدوا به فيها.

8-أو حبه محبة الناس له لا للتوسل بها إلى الأغراض الدنيوية، بل ليستدل بها على محبة اللّه تعالى له، لأن من أحبه اللّه تعالى جعله محبوبا في قلوب الناس.

9-أو مجرد الحياء من ظهور قبائحه، و هو غير خوف الذم و القصد بالشر، إذ هو من فضائل الأخلاق و من كريم الطبع، قال رسول اللّه -صلى اللّه عليه و آله-: «الحياء خير كله» . و قال الصادق-عليه السلام-: «الحياء شعبة من الايمان» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-:

«ان اللّه تعالى يحب الحيي الحليم» . و من صدر عنه فسق و لم يبال بظهوره للناس، فقد جمع إلى الفسق الهتك و عدم الحياء-أعني الوقاحة-، فهو أسوأ حالا ممن يفسق و يستحى فيستره.

ثم كثيرا ما يشتبه الحياء بالرياء، فيدعى من يرائي بأنه يستحى، و أن تركه السيئات أو إخفاءها أو تحسينه للعبادات إنما هو لأجل الحياء من الناس دون الرياء، و ذلك كذب، و بيان ذلك: أن الحياء خلق ينبعث من الطبع الكريم، و يمكن أن يهيج عقيبه داعية الرياء فيرائى معه و يمكن أن يهيج داعية الإخلاص فيجمعه إليه. مثلا من طلب صديقه قرضا، فان رده صريحا من غير مبالاة و من دون أن يتعلل ارتكب الوقاحة و عدم الحياء.

397

و ان أعطاه بمجرد انقباض نفسه من استشعار قبح رده مشافهة من دون رغبة في الثواب و لا خوف من ذمه أو حب إلى مدحه حتى لو طلبه مراسلة أو بتوسط غيره من الأجانب لرده، فإعطاؤه هذا صادر عن مجرد الحياء من دون ترتب رياء أو اخلاص عليه. و ان تعسر عليه الرد للحياء و كان ما في نفسه من البخل مانعا من الإعطاء فحدث خاطر الرياء، و يخاطب نفسه بأنه ينبغي أن تعطيه حتى يمدحك بالسخاء و لا يذمك بالبخل فاعطاه لذلك فهو مزج الرياء بالحياء، و المحرك للرياء هو هيجان الحياء. و ان تعسر عليه الرد للحياء و الإعطاء للبخل، فهيج باعث الإخلاص، و يقول له: ان الصدقة بواحدة و القرض بثمانية، ففيه أجر عظيم، و إدخال السرور على قلب مسلم صديق من أقرب القربات، فسخت نفسه بالاعطاء، فهو جمع بين الحياء و الإخلاص ثم الحياء لا يكون إلا في القبائح الشرعية أو العقلية أو العرفية، كالبخل و مقارفة الذنوب و الظلم و صدور بعض الحركات القبيحة عرفا في المحافل، و الرياء يكون في المباحات أيضا، حتى انه لو عاد الضاحك إلى الانقباض و المستعجل في المشي إلى الهدوء بعد اطلاع الناس كان مرائيا، و ربما ظن أن باعث ذلك هو الحياء و هو الجهل، إذ باعثه مجرد الرياء. و ما قيل: إن بعض الحياء ضعف، فالمراد أن الحياء مما ليس بقبيح ناش من ضعف النفس، كالحياء من وعظ الناس و اقامة الصلاة و من الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، الا إذا وجد عذر يحسن الحياء معه، كأن يشاهد معصية من شيخ فيستحى من شيبته أن ينكر عليه، لأن من إجلال اللّه إجلال ذي الشيبة المسلم، و لو استحيي من اللّه و لا يضيع الأمر بالمعروف لكان أحسن. و أقوياء النفوس من أهل الايمان يؤثرون الحياء من اللّه على الحياء من الخلق، و أما ضعفاء النفوس منهم فقد لا يقدرون على ذلك.

398
فصل متعلقات الرياء

الرياء إما باصل الايمان، و هو إظهار الشهادتين مع التكذيب باطنا و هذا هو كفر النفاق، و قد كان في صدر الإسلام كثيرا، و قل ما يوجد في أمثال زماننا، و ان كثر فيه إنكار بعض ضروريات الدين، كالجنة و النار و الثواب و العقاب و اعتقاد طي بساط احكام الشرع باطنا، ميلا الى قول الملاحدة و أهل الاباحة، مع إظهار الخلاف ظاهرا، و هذا أيضا معدود من كفر النفاق، و صاحبه ينسل عن الدين مخلد بالنار. و صاحب كفر النفاق مطلقا أسوأ حالا من الكافر المحارب، لأنه جمع بين الكفر الباطن و النفاق الظاهر. أو بأصول العبادات مع التصديق باصل الدين، كأن يصلي في الملأ دون الخلوة، و يصوم مع اطلاع الناس عليه و يفطر بدونه، و مثله و إن لم ينسل من أصل الدين، إلا أنه شر المسلمين، لترجيحه الخلق على الخالق، و كون التقرب إليهم أحب من التقرب لديه و كون خوفه من ذمهم أشد من خوفه من عقابه سبحانه. أو بالنوافل و السنن، و هذا أيضا مذموم مهلك، و لكنه دون ما قبله، لأن صاحبه و ان قدم مدح الخلق على مدح الخالق، إلا أنه لم يقدم خوف ذمهم على خوف عقابه، لعدم ترتب عقاب على ترك النافلة. أو بأوصاف العبادة الواجبة أو المستحبة، كفعل ما في تركه نقصان أو كراهة أو ترك ما في فعله أحدهما أو بزيادات خارجة عن نفس النوافل، كحضوره الجماعة قبل القوم و قصده الصف الأول، و أمثال ذلك. و كل ذلك مذموم، إلا أن بعضه أشد من بعض.

399
فصل بواعث الرياء

باعث الرياء إما التمكن من المعصية، كاظهار الورع و التقوى لتفوض اليه الحكومة و القضاء، لينال الجاه و الاستيلاء، و يحكم بالجور، و يأخذ الرشا، أو تسلم إليه الودائع و الصدقات و أموال اليتامى و أمثال ذلك فيأخذ لنفسه منها ما يقدر عليها، و كحضوره مجالس العلم و الوعظ و التعزية لملاحظة النسوان و الصبيان، و هذا أشد درجات الرياء اثما، و يقرب منه إظهار الديانة و التقوى ليدفع عن نفسه تهمة ما اقترفه من الجرائم، أو نيل حظ مباح من حظوظ الدنيا، كالاشتغال بالوعظ و التذكير و الإمامة و التدريس و إظهار الصلاح و الورع، لتستبذل له الأموال و ترغب في تزويجه النسوان أو خوف أن ينظر إليه بعين النقص و الحقارة، أو ينسب إلى الكسالة و البطالة كترك العجلة و الضحك بعد اطلاع الناس عليه، خوفا من أن يعرف باللهو و الهزل فيستحقر، و كالقيام للتهجد و أداء النوافل إذا وقع بين المتهجدين و المتنفلين لئلا ينسب إلى الكسالة، و لو خلى بنفسه لم يتنفل مطلقا، و كذا الامتناع من الأكل و الشرب في اليوم الذي يصام فيه تطوعا و تصريحه بأني صائم، خوفا من أن ينسب إلى البطالة، و ربما لم يصرح بكونه صائما، بل يقول: لي عذر، و حينئذ قد جمع بين رياءين بكونه صائما، و الرياء بكونه مخلصا غير مراء. ثم إن ألجأته الكسالة و الشهوة إلى عدم القيام إلى النوافل و عدم الصبر عن الأكل و الشرب، ذكر لنفسه عذرا تصريحا أو تعريضا، كأن يتعلل الترك بمرض أو ضعف أو شدة العطش أو تطييب خاطر فلان، و قس عليها غيرها من الكلمات و الاعذار، فانها لا تسبق إلى اللسان الا لرسوخ عرق الرياء في النفس، و المخلص لا يريد

400

غير اللّه و التقرب إليه، و لا يعتنى بالخلق و حصول المنزلة في قلوبهم، فان لم يصم لم يحب أن يعتقد غيره فيه ما يخالف علم اللّه ليكون ملبسا، و ان صام قنع بعلم اللّه و لم يشرك فيه غيره. ثم هذه البواعث لما كان بعضها صادرا من رداءة قوة الغضب و بعضها من رداءة قوة الشهوة، فيكون بعض أنواع الرياء من رذائل الأولى و بعضها من رذائل الثانية.

تنبيه الرياء الجلي و الخفى‏

الرياء جلى و خفى، و الجلي: ما يبعث على العمل لو لا قصد الثواب و الخفى: ما لا يبعثه بمجرده إلا أنه يخفف العمل الذي أريد به التقرب في الخلوة، و يعرف بالسرور إذا اطلع عليه الناس، لا للمقاصد المتقدمة، بل لطلب نوع منزلة في قلوب الناس، و يتوقع التعظيم و التوقير و قضاء الحوائج منهم و وجدان الاستبعاد من نفسه لو قصر في احترامه، كأن نفسه تتقاضى الإكرام و الاحترام على الطاعة التي اخفاها مع أنه لم يطلع عليه أحد. و لا شك أن هذا التقاضى لا ينفك عن شوب خفى من الرياء أخفى من دبيب النمل، و لو كان عنده وجود الطاعة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق و قنع بعلم اللّه فيها لم يكن لهذا التوقع وجه. فعلامة خلوص العمل من الرياء ألا يجد تفرقة بين أن يطلع على عبادته انسان أو بهيمة، و مهما وجد تفرقة في ذلك فلا يكون منفكا عن توقع ما (عن) (1) الناس في طاعته، و ذلك مما يحبط العمل. قال أمير المؤمنين-عليه السلام-:

«إن اللّه تعالى يقول للقراء يوم القيامة: ألم يكن يرخص عليكم السعر؟

____________

(1) كذا في النسخ، و لعل (عند) مكان (عن) .

401

أ لم تكونوا تبدءون بالسلام؟أ لم تكونوا تقضى لكم الحوائج؟فلا أجر لكم، قد استوفيتم اجوركم!» .

فصل كيف يفسد الرياء العمل‏

لو عقد العمل على الإخلاص و استمر إلى الفراغ، لم يحبطه السرور بظهوره بعده، لا من قبله كما دل عليه بعض الظواهر السالفة. و لا يعصى به أيضا إن كان لأجل أحد المقاصد السالفة، و يكتب له معصية إن كان لظنه حصول منزلة له في القلوب. و لو كان ظهوره بعده من نفسه بالتحدث مع الرغبة و السرور بذلك، فربما قيل باحباطه العمل، إذ حب التحدث به يدل على أن قلبه عند العبادة لم يخل عن عقد خفى من الرياء. و قد أيد ذلك بما روى: «أن رجلا قال للنبي صلى اللّه عليه و آله و سلم:

إنى صمت الدهر. فقال صلى اللّه عليه و آله و سلم: لا صمت و لا افطرت!» و ما روى: «أن ابن مسعود سمع رجلا يقول: قرأت البارحة سورة البقرة. فقال: ذلك حظه منها» .

و الظاهر أنه لا يحبط عمله، بل يثاب عليه، و ان عواقب على ما صدر منه بعد الفراغ من الرياء. و التعليل لو تم لا يفيد البطلان، إذ العقد الذي لم يشعر به صاحبه لا يؤاخذ به، و إلا لزم التكليف بالمحال. و الخبر لو صح فانكاره صلى اللّه عليه و آله و سلم لأجل كراهية صوم الدهر لا لإظهاره. و قول ابن مسعود لو ثبت لا حجية فيه.

و لو عقد العمل على الإخلاص، و ورد في اثنائه وارد السرور باطلاع بعض الناس عليه، فان لم يكن باعثا على العمل و مؤثرا فيه بحيث لو لم يحدث لأتم العمل على الإخلاص من غير فتور، و كان أيضا لأحد المقاصد

402

الصحيحة المتقدمة، فلا بطلان و لا اثم، لما تقدم من الأخبار. و إن لم يكن باعثا و لكن لم يكن لشي‏ء من المقاصد المذكورة، بل كان لظنه نيل الجاه أو المال بالظهور، فالحق بطلان العمل و كونه آثما للعمومات السالفة و ان كان باعثا و مؤثرا فهو الرياء المحرم، سواء كان غالبا على قصد التقرب أو مساويا له او مغلوبا عنه، فيحبط العمل و عليه الإعادة لو كان فريضة، لما تقدم من العمومات، و لقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم:

«العمل كالوعاء، اذا طاب آخره طاب أوله» . و قوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «من راءى بعلمه ساعة، حبط عمله الذي كان قبله» . ثم هذا في العمل المركب الذي له اجزاء، و يتوقف صحته على صحة كل واحد منها، كالصوم و الصلاة و الحج. و أما العمل الذي كل جزء منه منفرد، كالصدقة و القراءة، فما يطرأ من الرياء في اثنائه إنما يفسد الباقي دون الماضي فطروؤه فيه في الاثناء بالنسبة إلى الماضي كطروئه بعد الفراغ في الأول. و هذا حكم الرياء الطارئ بعد عقد الطاعة على الإخلاص أو قبله سواء لم يرجع عنه حتى يتمها، أو ندم بعده في الاثناء أيضا و رجع و استغفر و أما المقارن حال العقد، بأن يبتدى بالصلاة مثلا على قصد الرياء، فان اتمها عليه فلا خلاف في كونه إثما و عدم الاعتداد بها. و ان ندم عليه في الاثناء و رجع و استغفر، فان مجرد القصد إلى الغير الباعث إلى اطلاع الناس لبعض المقاصد المتقدمة و ارتياحه به فلا بأس به و لا يحبط العمل، و ان كان غير ذلك أفسده، سواء في ذلك جميع شقوقه المتقدمة، كما علم وجهه.