جامع السعادات - ج2

- الشيخ محمد مهدي النراقي المزيد...
425 /
403
فائدة شوائب الرياء مبطلة للعمل‏

لما كان المناط في الاعمال، صحة و فسادا، هو القصد و النية، إذ الاعمال بالنيات، و لكل امرئ ما نوى، فكل عمل تدخله شوائب الرياء فهو فاسد، سواء وقع سرا او علانية، و كل عمل كان خالصا للّه و أمن صاحبه من دخول الرياء فيه فلا بأس باسراره و لا بإظهاره. ثم لو تعلق قصد صحيح بإظهار نفس العمل أو التحدث به بعد الفراغ عنه، كترغيب الناس في الخير و تنبيههم على الاقتداء به فيه، كان إظهاره أفضل من اسراره بشرط عدم اشتماله على رياء أو فساد آخر، كاهانة الفقير في التصدق، و لو اشتمل على شي‏ء من ذلك، كان أسراره أفضل من اعلانه و بذلك يجمع بين الأقوال و الأخبار.

و الحاصل: أنه متى انفك القلب عن شوائب الرياء، بحيث يتم الإخلاص على وجه واحد في الحالتين، فما فيه القدوة و هو العلانية أفضل و مهما حصلت فيه شوائب الرياء لم ينفعه اقتداء غيره، لكونه مهلكا له، فالسر أفضل منه. فعلى من يظهر العمل أن يعلم أو يظن انه يقتدى به و ان يراقب قلبه لئلا يكون فيه حب الرياء الخفى، فربما اظهر العمل لعذر الاقتداء و كان في نفسه قصد التجمل بالعمل و كونه مقتدى به، و هذا حال كل من يظهر العمل، إلا من أيده اللّه بقوة النفس و خلوص النية، فلا ينبغي لضعيف النفس أن يخدع نفسه فيضل و يضل و يهلك من حيث لا يشعر. فان الضعيف مثاله مثال الغريق الذي يعلم سباحه ضعيفة فينظر إلى جماعة من الغرقي فيرحمهم، و أقبل عليهم لينجيهم فتشبثوا به،

404

و هلك و هلكوا. و هذه المواضع مزال أقدام العلماء و العباد، فانهم يتشبهون بالاقوياء في الإظهار و لا تقوى قلوبهم على الإخلاص، فتحبط أجورهم بالرياء. و درك ذلك غامض جدا لا يبلغه الا الخائضون في غمرات علم الأخلاق. و يعرف الخلوص في ذلك بألا يتفاوت حاله باقتداء الناس به و بغيره من اقرانه و أمثاله، فان كان قلبه أميل إلى أن يكون هو المقتدى به، فاظهاره العمل غير خال عن شوائب الرياء.

ايقاظ

لما عرفت أن المناط في صحة الأعمال و فسادها هو القصد و النية، تعلم أن كل عمل لم يكن خالصا لوجه اللّه و أريد به غيره سبحانه ينبغي أن يترك و يعرض عنه، و إن كان خالصا له تعالى مقصودا على قصد صحيح لا ينبغي تركه لمجرد بعض الوساوس و الخواطر الشيطانية. فان الشيطان يدعو أولا إلى ترك العمل فان لم يجب يدعو إلى الرياء، فإذا أيس منه يقول:

هذا العمل ليس خالصا، بل هو رياء، فأي فائدة منه؟!.

ثم الاعمال إما من الطاعات اللازمة التي لا تعلق لها بالغير، كالصلاة و الصوم و الحج و أمثالها، أو من الطاعات المتعدية التي لها تعلق بالخلق، كالامامة و القضاء و الحكومة و الافتاء و الوعظ و التذكير و التعليم و التدريس و إنفاق المال و غير ذلك.

و القسم الأول: إن دخله الرياء قبل الفعل، بأن يكون باعثه الرياء دون الخلوص و القربة، فينبغي أن يترك و لا يشرع فيه، و إن دخله بعد العقد أو معه، فلا ينبغي أن يترك، لأنه وجد له باعث ديني، و إنما طرأه باعث الرياء، فليجاهد في دفع الرياء و تحصيل الإخلاص، و يرد نفسه إليه قهرا بالمعالجات التي نذكرها. و مهما كان في المجاهدة مع نفسه‏

405

معاتبا لها قاهرا عليها في ميلها إلى الرياء، و وجد من طبعه كراهية هذا الميل، فالنجاة في حقه مرجوة، و لعل اللّه يسامحه بعظيم رحمته. و أما إذا لم يكن في مقام المجاهدة، و لم يكن كارها مما يجد في نفسه من الميل إلى الرياء بل أعطى زمام الاختيار إلى النفس الامارة، و هي تراءى في الاعمال، و هو يتبعها في ذلك من غير قهر عليها و كراهية لفعلها، فلا ريب في فساد أعماله و أولوية تركها، و ان كان باعثها ابتداء محض القربة و دخلها الرياء مع العقد أو بعده.

و أما القسم الثاني: المتعلق بالخلق-اعنى امامة الصلاة و القضاء و التدريس و الافتاء و الوعظ و الإرشاد و أمثال ذلك-فاخطارها عظيمة، و مثوبتها جسيمة. فمن له أهليه ذلك من حيث العلم-ان كان ذا نفس قوية لا يعتني بالناس و لا تزعجها وساوس الخناس و له معرفة تامة بعظمة ربه و قدرته و سائر صفاته الكمالية، بحيث شغله ذلك عن الالتفات إلى الخلق و ما في أيديهم حتى يرائي لأجلهم او يختار رضاهم على رضا ربه-فالأولى لمثله ألا يترك هذه المناصب ليفوز بمثوبتها العظيمة. و ان كان ذا نفس ضعيفة، كخيط مرسل في الهواء تفيئها (1) الريح مرة هكذا و مرة هكذا فهو لا يأمن الرياء و سائر اخطارها. فاللازم لمثله تركها. و لذلك كان أهل اليقين من السلف يتدافعون هذه المناصب ما وجدوا إليه سبيلا. و ورد ما ورد من الأخبار في عظم خطرها و كثرة آفاتها و لزوم التثبت و الاحتياط لمن يزاولها و ما ورد من الوعيد الشديد في حق العلماء السوء يكفي للزوم الحذر عن فتن العلم و غوائله. و مما يقصم ظهور أمثالنا من الذين يقولون ما لا يعلمون و يأمرون بما لا يفعلون، قول عيسى بن مريم-عليهما السلام-:

«يا علماء السوء!تصومون و تصلون و تتصدقون و لا تفعلون ما تؤمرون!

____________

(1) و في نسختنا الخطية (تعليها) .

406

و تدرسون ما لا تعلمون فيا سوء ما تحكمون!تتوبون بالقول و الاماني، و تعلمون بالهوى، و ما يغني عنكم أن تتقوا جلودكم و قلوبكم دنسة!بحق أقول لكم: لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب و تبقى فيه النخالة كذلك أنتم!تخرجون الحكم من أفواهكم و يبقى الغل في صدوركم!يا عبيد الدنيا!كيف يدرك الآخرة من لا تنقضي من الدنيا شهوته و لا تنقطع منها رغبته!بحق أقول لكم: إن قلوبكم تبكي من أعمالكم، جعلتم الدنيا تحت ألسنتكم و العمل تحت أقدامكم بحق أقول لكم: أفسدتم آخرتكم بصلاح دنياكم، فصلاح الدنيا أحب إليكم من صلاح الآخرة!فاى ناس أخس منكم لو تعلمون!و بلكم!حتى متى تصفون الطريق للمدلجين و تقيمون في محلة المتحيرين كأنكم تدعون أهل الدنيا ليتركوها لكم!مهلا مهلا! ويلكم!ما ذا يغنى عن البيت المظلم أن يوضع السراج فوق ظهره و جوفه وحش مظلم!كذلك لا يغني عنكم أن يكون نور العلم بافواهكم و اجوافكم منه وحشة معطلة. يا عبيد الدنيا!توشك الدنيا أن تقلعكم عن اصولكم فتلقيكم على وجوهكم، ثم تكبكم على مناخركم، ثم تأخذ خطاياكم بنواصيكم!يدفعكم العلم من خلفكم، ثم يسلمكم إلى الملك الديان حفاة عراة فرادى!فيوقفكم على سوآتكم، ثم يخزيكم بسوء أعمالكم!!» (1)

هذا و يعرف الصادق المخلص من أهل هذه المناصب بأنه إذا ظهر من هو أعدل و أحسن وعظا و أكثر علما منه و أشد قبولا للناس فرح به و لم يحسده و إذا حضر الأكابر و الأعاظم مجلسه أو اقتدوا به لم يتغير كلامه و لم يتفاوت حاله، بل يبقى على ما كان عليه، و ينظر إلى عباد اللّه بعين واحدة.

____________

(1) روى هذا الحديث في (احياء العلوم) : 3-281، فصححناه عليه و هو يرويه عن (الحارث المحاسبي) .

407
تنبيه‏

لما عرفت حقيقة الرياء، تعلم أنه إذا صار عمل بعض الصالحين أو قولهم محركا لغيرهم على الاشتغال بالطاعة لم تكن هذه الطاعة رياء إذا عقدت على الخلوص، و ان لم يكن هذا الغير ليفعل هذه الطاعة إذا لم يشاهدها من بعض الصالحين أو لم يسمعها منه. فمن لم تكن عادته التهجد و بات مع قوم متهجدين في موضع، فإذا قاموا للتهجد انبعث نشاطه للموافقة و وافقهم في التهجد، و لم يكن ذلك رياء بعد أن يكون قصده منه الثواب و التقرب إلى اللّه، إذ كل مؤمن راغب في عبادة اللّه و في قيام الليل، و لكن قد تعوقه العوائق و تمنعه الغفلة، فإذا شاهد قوما يتهجدون ربما صارت مشاهدة طاعتهم سببا لزوال غفلته، كما يصير قولهم و وعظهم سببا لذلك، فيتحرك باعث الدين دون الرياء و يدعوه إلى موافقتهم. و ربما كان الموضع مما ليس فيه عائق، فيغتنم الفرصة و يبعثه ما فيه من الايمان الى الطاعة. و قس على التهجد غيره: من الصوم، و التصدق، و القراءة و الذكر، و غيرها من أعمال البر.

فصل علاج الرياء

لما كانت الأسباب الباعثة على الرياء هي حب لذة المدح و الفرار من ألم الذم و الطمع بما في أيدي الناس، فالطريق في علاجه أن يقطع هذه الأسباب و قد تقدم طريق العلاج في قطع الأولين، و يأتي طريق إزالة الثالث. و ما نذكره هنا من العلاج العلمى للرياء، هو أن يعلم أن الشي‏ء إنما يرغب فيه لكونه نافعا، و إذا علم أنه ضار ليعرض عنه البتة، و حينئذ

408

فينبغي لكل مؤمن أن يتذكر مضرة الرياء و ما يفوته من صلاح قلبه و ما يحرم عنه في الحال من التوفيق و في الآخرة من المنزلة عند اللّه و ما يعترض له من المقت و العذاب و متى تذكر ذلك و قابل ما يحصل له في الدنيا من الناس الذين راءى لأجلهم بما يفوته في الآخرة من ثواب الاعمال، لترك الرياء لا محالة، مع ان العمل الواحد ربما تترجح به كفة حسناته لو خلص فإذا فسد بالرياء حول إلى كفة السيئات، فتترجح به و يهوى إلى النار.

هذا مع أن المرائي في الدنيا متشتت الهم متفرق الباب بسبب ملاحظة قلوب الناس، فان رضاهم غاية لا تدرك، و كلما يرضى به فريق يسخط به فريق و من طلب رضاهم في سخط اللّه سخط اللّه عليه و أسخطهم أيضا. ثم اى غرض له في مدحهم و ايثار ذم اللّه لأجل مدحهم و لا يزيده مدحهم رزقا و لا اجلالا و لا ينفعه يوم فقره و فاقته و هو يوم القيامة؟!و من كان رياؤه لأجل الطمع بما في أيدي الناس، ينبغي أن يعلم ان اللّه هو المسخر للقلوب بالمنع و الإعطاء، و ان الخلق مضطرون فيه، و لا رازق إلا اللّه، و من طمع في الخلق لم يخل عن الذل و الخسة، و ان وصل إلى المراد لم يخل عن المنة و المهانة، و إذا قرر ذلك في نفسه و لم يكن منكرا لأمسه، زالت غفلته و فترت عن الرياء رغبته و أقبل على اللّه بقلبه، و انقطع بشراشره الى جناب ربه. و يكفيه أن يعلم أن الناس لو علموا ما في باطنه من قصد الرياء و إظهار الإخلاص لمقتوه، و سيكشف اللّه عن سره حتى يبغضه إليهم و لو أخلص للّه لكشف اللّه لهم اخلاصه و حببه إليهم و سخرهم له، و أطلق ألسنتهم بمدحه و ثنائه، مع أنه لا يحصل له كمال بمدحهم و لا نقصان بذمهم ثم من تنور قلبه بنور الايمان و انشرح صدره باليقين و العرفان، و عرف معنى الواجب و حقيقة الممكن، و تيقن بأن الواجب-أى الحقيقة التي تقتضي بنفس ذاته التحقق و البقاء، و هو صرف الوجود-يجب أن‏

409

يكون تاما فوق التمام، و لا يتصور حقيقة أتم كمالا منه، و الحقيقة التي هذا شأنها يجب أن يكون ما سواها باسره مستندا إليها و صادرا عنها على أشرف أنحاء الصدور و أقواها. و هذا النحو الأشرف الأقوى الذي لا يتصور نحوه أقوى منه في الاختراع و أدل منه على كمال عظمة الموجد و قدرته، و هو كون ما سواه سبحانه من الموجودات، إما اعتبارات و شؤنات لدرجات ذاته و اشراقات لتجليات صفاته، كما ذهب إليه قوم، أو كونها ماهيات امكانية اختراعية علما و عينا، صادرة عن سبحانه بوجودات خاصة متعددة ارتباطية بمحض إرادته و مشيته، كما ذهب إليه آخرون‏ (1) و لو لم يكن غيره من الموجودات مستندا إليه على أقوى أنحاء الاستناد، لم يكن تاما فوق التمام، اذ تكون الذات التي يستند الكل إليها باحد النحوين اكمل منه و أشرف. و إذا عرف أنه سبحانه كذلك، يعرف أنه ليس في الوجود حقيقة أحد سواه و غيره حقيقته العدم و ما له من الوجود و الظهور منه سبحانه، و بعد هذه المعرفة لا يختار غيره تعالى عليه، و يعلم أن العباد كلهم

____________

(1) القول الأول مبني على اصالة الوجود، و الثاني على اصالة الماهية. و هذا البحث الذي ذكره المؤلف من دقائق الفلسفة الآلهية و اعلاها و لقد أحسن فيه البيان جدا.

فانه مبنى على فهم معنى واجب الوجود لذاته، و هو الذي يكون ذاته بذاته، مع قطع النظر عن كل ما عداه، و من حيث هو هو منشأ لانتزاع انه موجود، فلذلك يجب ان يكون صرف الوجود انه لا شي‏ء له الوجود إلا لكان ممكنا، و يجب أن يكون متصفا بجميع الكمالات بل اكمل الكمالات و من جملتها ان تكون الموجودات مستندة إليه على أقوى أنحاء الاستناد. و إذا لم يتصف بجميع الكمالات لا يتصف باعدامها، فيدخل في حقيقته العدم، فلم يكن صرف الوجود، فلم يكن واجب الوجود لذاته، و هذا خلاف الفرض، أو بهذه الطريقة يستدل على اتصافه بجميع صفات الجمال و الجلال.

410

عجزة لا يملكون لأنفسهم نفعا و لا ضررا، و لا يملكون موتا و لا حياة، فلا يتغير قلبه بمشاهدة الخلق، و لا يلتفت إليهم إلا بخطرات ضعيفة لا يشق عليه ازالتها، فيعمل عمل من لو كان على وجه الأرض وحده لكان يعمله و أما العلاج العملي، فهو أن يعود نفسه على إخفاء العبادات و اغلاق الابواب دونها، كما تغلق الابواب دون الفواحش، حتى يقنع قلبه بعلم اللّه و اطلاعه على عبادته، و لا تنازعه النفس إلى طلب علم غير اللّه به. و ذلك و إن شق في بداية المجاهدة، لكن إذا صبر عليه مدة بالتكلف سقط عنه ثقله و هان عليه بتواصل الطاف اللّه و ما يمده به عبادة من حسن التوفيق و التأييد:

إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُغَيِّرُ مََا بِقَوْمٍ حَتََّى يُغَيِّرُوا مََا بِأَنْفُسِهِمْ (1) .

فمن العبد المجاهدة و من اللّه الهداية:

إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ (2) .

تتميم‏

القالع مغارس الرياء من قلبه بقطع الطمع و استحقار مدح الناس و ذمهم ربما لا يتركه الشيطان، (لا) سيما في اثناء العبادة، فعارضه بخطرات الرياء و نزغاته، حتى أحدث في قلبه ميلا خفيا إلى الرياء و حبا له. و الحق أن ذلك ليس من الرياء المحرم، و لا تفسد به العبادة، مع كونه كارها

____________

(1) الرعد، الآية: 11.

(2) التوبة، الآية: 120.

411

لهذا الميل و الحب و قاهرا على نفسه ماقتا لها في تأثرها و تغيرها عن نزغات الشيطان و منازعا للشيطان و مجاهدا إياه لدفع خطراته، لأن اللّه لم يكلف عباده الا ما يطيقون، و ليس في وسعهم منع الشيطان عن نزغاته و لا قمع الطبع حتى لا يميل إلى شهواته، و غاية ما يقدرون عليه أن يقابلوا نزعاته و ميل الطبع بالكراهة و القهر على النفس في هذا الميل، مع المجاهدة في دفع ذلك بتذكر المعالجات المقررة لدفع الرياء و الوساوس، و إذا فعلوا ذلك أدوا ما يجب عليهم. و يدل على ذلك أيضا ما تقدم من الأخبار الدالة على عدم المؤاخذة بمجرد الوسوسة، و قول النبي-صلى اللّه عليه و آله-: «الحمد للّه الذي رد كيد الشيطان إلى الوسوسة» . فوسوسة الشيطان و ميل النفس لا يضران مع ردهما بالكراهة و الاباء، اذ الوساوس و الخواطر و التذكرات و التخيلات المهيجة للرياء من الشيطان، و الميل و الرغبة بعد تلك الخواطر من النفس، و الإباء و الكراهة من الايمان و من آثار العقل فلا يضر ما من النفس و الشيطان إذا قوبل بما من العقل و الايمان، و لذا قال بعض الأكابر «ما كان من نفسك فكرهته نفسك لنفسك، فلا يضرك ما هو من عدوك و ما كان من نفسك فرضيته نفسك لنفسك فعاتبها عليه» .

ثم الطرق المتصورة في دفع خطرات الرياء في اثناء العبادة مع كراهتها أربع:

الأولى-أن يشتغل بمجادلة الشيطان في رد نزغاته، و يطيل معه الجدال.

الثانية-أن يقتصر على تكذيب الشيطان و دفعه من غير اشتغال بمجادلته.

الثالثة-ألا يشتغل بتكذيبه أيضا، بل يكتفى بما قرر في عقد ضميره من كراهة الرياء و كذب الشيطان، فيستمر على ما كان عليه مستصحبا له

412

غير مشتغل بالمخاصمة و التكذيب.

الرابعة-أن يزيد فيما هو فيه من الإخلاص و الاشتغال باللّه، أو ما يؤدى إليهما، كاخفاء العبادة و الصدقة غيظا للشيطان، لأن ذلك يغيظ الشيطان و يوجب يأسه، و مهما عرف من العبد هذه العادة، كف عنه خوفا من أن يزيد في حسناته.

و لا ريب في أن الاشتغال بالمجادلة و التكذيب و اطالتهما يمنع الحضور و يصد عن التوجه إلى اللّه، و هو نقصان لأهل السلوك، فالصواب لكل مؤمن أن يقرر دائما في عقد ضميره كراهية الرياء و تكذيب الشيطان و يعزم أبدا على أنه إذا تهجم عليه الشيطان و عارضه بنزغات الرياء زاد ما هو فيه مما يغيظ الشيطان و يوجب يأسه، فإذا حدثت خطرات الشيطان في الاثناء اكتفى بما عقد عليه أولا مستصحبا له، و زاد في الإخلاص و ما يؤدى إليه فان ذلك يوجب قنوط الشيطان. و إذا عرف العبد بهذه الصفة لا يتعرض له لئلا يزيد فيما يغيظه. و ينبغي لكل مؤمن أن يكون هذا ديدنه في جميع الصفات و الملكات، مثلا إذا حصل اليقين و العقيدة الجازمة بالمبدإ و صفاته الكمالية، و قرر ذلك في نفسه، و أثبت في قلبه كراهية الشك و خطور الوساوس، فإذا حدث بعض الوساوس في اثناء عبادة أو غيرها، ينبغي ألا يشتغل بطول المجاهدة مع الشيطان، و يكفي بما تقرر في قلبه من اليقين و كراهية الشك و الوسوسة، معتقدا بأن هذه الوساوس لا أصل لها و لا عبرة بها. و كذا إذا قرر في نفسه النصيحة للمسلمين و كراهية الحسد، فإذا أوقع الشيطان نزغات الحسد في قلبه، ينبغي ألا يلتفت إليها، و يستصعب ما كان عليه من النصيحة و الكراهة، و قس عليها سائر الصفات و الأخلاق.

ثم مثل من يشتغل بطول المجاهدة مع الشيطان مثل من قصد مجلسا من مجالس العلم و الوعظ لينال فائدة و هداية فعارضه ضال فاسق و دعاه إلى‏

413

مجلس فسق فابى و أنكر عليه، فإذا عرف الضال إياه، اشتغل بالمجادلة معه، و هو أيضا يساعده على ذلك ليرد ضلاله، ظانا أن ذلك مصلحته مع أنه غرض الضال إذ قصده من المجادلة أن يؤخره عن نيل مقصوده.

و مثل من يشتغل بالتكذيب مثل من لا يشتغل بالقتال مع الضال بعد دعوته الى مجلس الضلال، بل وقف بقدر أن يدفع في منحره، و ذهب مستعجلا ففرح الضال بقدر توقفه للدفع. و مثل من يكتفى بعقد الضمير مثل من لم يلتفت إلى الضال بعد دعوته أصلا، و استمر على ما كان عليه من المشي و مثل من يزيد فيما كان له من الإخلاص أو ما يؤدى إليه مثل من يزيد في عجلته بعد دعوته ليغيظه. و لا ريب في أن الضال يمكن أن يعاود الجميع في الدعوة إلى الضلالة إذا مروا عليه مرة أخرى إلا الأخير، مخافة أن يزداد فائدة باستعجاله.

وصل الإخلاص و حقيقته‏

ضد الرياء: الإخلاص، و هو تجريد القصد عن الشوائب كلها. فمن عمل طاعة رياء فهو مراء مطلق، و من عملها و انضم إلى قصد القربة قصد غرض دنيوي انضماما غير مستقل فعمله مشوب غير خالص، كقصد الانتفاع بالحمية من الصوم، و قصد التخلص من مؤنة العبد أو سوء خلقه من عتقه، و قصد صحة المزاج أو التخلص من بعض الشرور و الاحزان من الحج، و قصد العزة بين الناس أو سهولة طلب المال من تعلم العلم، و قصد النظافة و التبرد و طيب الرائحة من الوضوء و الغسل، و التخلص عن إبرام السائل من التصدق عليه، و هكذا. فمتى كان باعث الطاعة هو التقرب و لكن انضافت إليه خطرة من هذه الخطرات، خرج عمله من الإخلاص‏

414

فالاخلاص تخليص العمل عن هذه الشوائب كلها، كثيرها و قليلها و المخلص من يكون عمله لمحض التقرب إلى اللّه سبحانه، من دون قصد شي‏ء آخر أصلا.

ثم أعلى مراتب الإخلاص-و هو الإخلاص المطلق و اخلاص الصديقين- إرادته محض وجه اللّه سبحانه من العمل، دون توقع غرض في الدارين و لا يتحقق إلا لمحب للّه تعالى مستهترا به، مستغرق الهم بعظمته و جلاله بحيث لم يكن ملتفتا إلى الدنيا مطلقا. و أدناها-و هو الإخلاص الاضافي- قصد الثواب و الاستخلاص من العذاب، و قد أشار سيد الرسل-صلى اللّه عليه و آله-الى حقيقة الإخلاص بقوله-: «هو أن تقول ربي اللّه ثم تستقيم كما أمرت‏ (1) تعمل اللّه، لا تحب أن تحمد عليه!اى لا تعبد هواك و نفسك، و لا تعبد إلا ربك، و تستقيم في عبادتك كما أمرت» .

و هذا إشارة إلى قطع ما سوى اللّه سبحانه عن مجرى النظر، و هو الإخلاص حقا. و يتوقف تحصيله على كسر حظوظ النفس و قطع الطمع عن الدنيا و التجرد في الآخرة، بحيث ما يغلب ذلك على القلب و التفكر في صفات اللّه تعالى و افعاله و الاشتغال بمناجاته حتى يغلب على قلبه نور جلاله و عظمته و يستولى عليه حبه و أنسه، و كم من اعمال يتعب الإنسان فيها و يظن انها خالصة لوجه اللّه تعالى، و يكون فيها مغرورا لعدم عثوره على وجه الآفة فيها، كما حكى عن بعضهم أنه قال: «قضيت صلاة ثلاثين سنة كنت صليتها في المسجد جماعة في الصف الأول، لأني تأخرت يوما لعذر و صليت في الصف الثاني، فاعترتني خجلة من الناس حيث رأونى في الصف الثاني فعرفت أن نظر الناس إلى في الصف الأول كان يسرني، و كان سبب

____________

(1) إشارة إلى قوله تعالى، مخاطبا لنبيه-صلى اللّه عليه و آله-: «فاستقم كما أمرت» .

415

استراحة قلبي من ذلك من حيث لا اشعر» . و هذا دقيق غامض، و قلما تسلم الأعمال من أمثاله، و قل من يتنبه له، و الغافلون عنه يرون حسناتهم في الآخرة كلها سيئات، و هم المرادون بقوله تعالى:

وَ بَدََا لَهُمْ سَيِّئََاتُ مََا عَمِلُوا (1) . وَ بَدََا لَهُمْ مِنَ اَللََّهِ مََا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (2) . و بقوله: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمََالاً؟`اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (3) .

فصل مدح الإخلاص‏

الإخلاص منزل من منازل الدين، و مقام من مقامات الموقنين. و هو الكبريت الأحمر، و توفيق الوصول إليه من اللّه الاكبر، و لذا ورد في فضيلته ما ورد من الآيات و الأخبار، قال اللّه تعالى:

وَ مََا أُمِرُوا إِلاََّ لِيَعْبُدُوا اَللََّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ (4) .

و قال: أَلاََ لِلََّهِ اَلدِّينُ اَلْخََالِصُ (5) . و قال: إِلاَّ اَلَّذِينَ

____________

(1) الجاثية، الآية: 33.

(2) الزمر، الآية: 47.

(3) الكهف، الآية: 103، 104.

(4) البينة، الآية: 5.

(5) الزمر، الآية: 3.

416

تََابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ اِعْتَصَمُوا بِاللََّهِ وَ أَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلََّهِ (1) و قال:

فَمَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صََالِحاً وَ لاََ يُشْرِكْ بِعِبََادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (2) .

نزل فيمن يعمل للّه و يحب أن يحمد عليه.

و في الخبر القدسي: «الإخلاص سر من أسراري، استودعته قلب من أحببت من عبادي» . و قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله- «أخلص العمل يجزك منه القليل» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «ما من عبد يخلص العمل للّه تعالى أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «ثلاث لا يغل عليهن» .

وعد منها قلب رجل مسلم أخلص العمل للّه عز و جل. و قال أمير المؤمنين عليه السلام: «لا تهتموا لقلة العمل، و اهتموا للقبول» . و قال أمير المؤمنين عليه السلام: «طوبى لمن أخلص للّه العبادة و الدعاء، و لم يشغل قلبه بما ترى عيناه، و لم ينس ذكر اللّه بما تسمع أذناه، و لم يحزن صدره بما أعطى غيره!» . و قال الباقر-عليه السلام-: «ما أخلص عبد الايمان باللّه أربعين يوما-أو قال: ما أجمل عبد ذكر اللّه أربعين يوما-الا زهده اللّه تعالى في الدنيا و بصره داءها و دواءها، و أثبت الحكمة في قلبه و انطق بها لسانه» . و قال الصادق عليه السلام في قول اللّه عز و جل.

لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً :

____________

(1) النساء، الآية: 146.

(2) الكهف، الآية: 110.

417

«ليس يعني أكثركم عملا، و لكن اصوبكم عملا. و انما الإصابة خشية اللّه و النية الصادقة» .. ثم قال: «الايفاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل، و العمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا اللّه عز و جل، و النية أفضل من العمل، ألا و ان النية هي العمل» .

ثم تلا قوله عز و جل «قل كل يعمل على شاكلته» : يعني على نيته» .

و قال الصادق-عليه السلام-: «الإخلاص‏ (1) يجمع فواضل الاعمال و هو معنى مفتاحه القبول و توفيقه الرضا، فمن تقبل اللّه منه و رضى عنه فهو المخلص و ان قل عمله، و من لا يتقبل اللّه منه فليس بمخلص و ان كثر عمله، اعتبارا بآدم-عليه السلام-و ابليس. و علامة القبول وجود الاستقامة ببذل كل المحاب مع اصابة علم كل حركة و سكون، و المخلص ذائب روحه باذل مهجته في تقويم ما به العلم و الأعمال و العامل و المعمول بالعمل، لأنه إذا أدرك ذلك فقد أدرك ذلك الكل، و إذا فاته ذلك فاته الكل، و هو تصفية معاني التنزيه في التوحيد كما قال الأول: هلك العاملون إلا العابدون، و هلك العابدون إلا العالمون و هلك العالمون إلا الصادقون، و هلك الصادقون إلا المخلصون، و هلك المخلصون إلا المتقون و هلك المتقون إلا الموقنون، و أن الموقنين لعلى خطر عظيم!قال اللّه لنبيه -صلى اللّه عليه و آله-: و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين. و أدنى حد الإخلاص بذل العبد طاقته، ثم لا يجعل لعمله عند اللّه قدرا فيوجب به على ربه مكافاة بعمله، لعلمه أنه لو طالبه بوفاء حق العبودية لعجز، و أدنى مقام المخلص في الدنيا السلامة في جميع الآثام، و في الآخرة النجاة

____________

(1) صححنا الاخبار المروية عن أهل البيت-عليهم السلام-على (الكافي) باب الإخلاص. و على (الوافي) : 3-328، 329 باب الإخلاص.

418

من النار و الفوز بالجنة» (1) .

و من تأمل في هذه الاخبار و في غيرها مما لم يذكر، يعلم أن الإخلاص رأس الفضائل و رئيسها، و هو المناط في قبول الأعمال و صحتها، و لا عبرة بعمل لا الإخلاص معه، و لا خلاص من الشيطان إلا بالإخلاص، لقوله:

إِلاََّ عِبََادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ (2) .

و ما ورد في الإسرائيليات من حكاية العابد و الشيطان و الشجرة المشهور و في الكتب مسطور (3) .

فصل آفات الإخلاص‏

الآفات التي تكدر الإخلاص و تشوشه لها درجات في الظهور و الخفاء اجلاها الرياء الظاهر، و هو ظاهر. ثم تحسين العبادة و السعي في الخشوع فيها في الملا دون الخلوة ليتأسى به الناس، و لو كان عمله هذا خالصا للّه لم يتركه في الخلوة، إذ من يرى الخشوع و حسن العبادة خيرا لا يرتضى لغيره تركه، فكيف يرتضى ذلك لنفسه في الخلوة، ثم تحسينها في الخلوة أيضا بقصد التسوية بين الخلوة و الملا، و هذا من الرياء الغامض، لأنه حسن عبادته في الخلوة ليحسنها في الملا، فلا يكون فرق بينهما في التفاته فيهما إلى الخلق، اذ الإخلاص الواقعي أن تكون مشاهدة الخلق لعبادته

____________

(1) صححنا الرواية على (مصباح الشريعة) : الباب 77 و على (البحار) :

مج 15: 2-86 باب الإخلاص عن (مصباح الشريعة) .

(2) الحجر، الآية 40.

(3) راجع (احياء العلوم) 4-322.

419

كمشاهدة البهائم لها، من دون تفاوت أصلا، فكأن نفسه لا تسمح باساءة العبادة بين اظهر الناس، ثم يستحى من نفسه أن يكون في صورة المرائين و يظن أن ذلك يزول باستواء عبادته في الخلوة و الملأ، و ليس كما ظنه، اذ زوال ذلك موقوف على عدم التفاته إلى الخلق في الملأ و الخلوة كما لا يلتفت الى الجمادات فيهما مع أنه مشغول الهم بالخلق فيهما جميعا. و اخفاها أن يقول له الشيطان-و هو في العبادة في الملأ بعد يأسه عن المكائد السابقة-:

«أنت واقف بين يدي اللّه سبحانه، فتفكر في جلاله و عظمته، و استحى من أن ينظر إلى قلبك و هو غافل عنه!فيحضر بذلك قلبه و تخشع جوارحه» و هذا أخفى مكائد الشيطان و خداعه، و لو كانت هذه الخطرة ناشئة عن الإخلاص لما انفكت عنه في الخلوة و لم يخص خطورها بحالة حضور غيره و علامة الأمن من هذه الآفة: أن يكون هذا الخاطر مما يألفه في الخلوة كما يألفه في الملأ، و لا يكون حضور الغير سببا لحضوره كما لا يكون حضور بهيمة سببا له، فما دام العبد يفرق في أحواله و أعماله بين مشاهدة انسان و مشاهدة بهيمة، فهو بعد خارج عن صفو الإخلاص مدنس الباطن بالشرك الخفي من الرياء، و هذا الشرك أخفى في قلب ابن آدم من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، كما ورد به الخبر و لا يسلم منه إلا من عصمه اللّه بخفي لطفه، اذ الشيطان ملازم للمتشمرين لعبادة اللّه، لا يغفل عنهم لحظة ليحملهم على الرياء في كل واحد من أفعالهم و أعمالهم.

تتميم‏

الحق-كما أشير إليه-أن الشوب الممزوج بالإخلاص إن كان من المقاصد الصحيحة الراجحة شرعا، لم يبطل العمل و الإخلاص و لم ينقص‏

420

الأجر و الثواب. اذ نية الخيرات المتعددة توجب تضاعف الثواب بحسبها و إن كان من الأغراض الدنيوية الراجعة إلى حب جاه أو طمع مال فهو مبطل للعمل و الثواب، سواء كان الباعث الديني أضعف من الباعث النفسي أو مساويا له أو أقوى منه، لظواهر الاخبار المتقدمة. و مع إبطاله العمل يترتب عليه عقاب على حدة أيضا، إذ الرياء في العبادة في نفسه منهي عنه محرم، سواء كان هو الباعث وحده او انضم إلى نية التقرب انضماما مستقلا أو غير مستقل، فمن ارتكبه كان آثما لأجل الرياء في نفسه و تاركا للعبادة من حيث دخول الرياء فيها، فان كانت واجبة ترتب اثم آخر على تركها إلا أن يسقطه بقضائها، و ان كانت مستحبة لم يلزم قضاؤها و لم يترتب اثم على تركها، بل كان اثمها منحصرا بما يترتب على الرياء في نفسه. ثم الإثم المترتب على الرياء المحض أشد و اغلط من المترتب على الرياء الممزوج بالقربة، و يتزايد اثم الممزوج بحسب ازدياد قوة باعث الرياء بالنظر إلى باعث الإخلاص، و ينقص بحسب نقصان ذلك.

و على ما ذكرناه، فما العقد عليه إجماع الأمة من أن من خرج حاجا و معه تجارة صح حجه و أثيب عليه، مع أن سفره ليس خالصا للحج، فالوجه فيه أن التجارة تعرض للرزق، و هو أيضا عبادة. و قد تقدم أن نية الخيرات المتعددة موجبة لتضاعف الثواب بحسبها، فلا حاجة إلى ما قيل «إن التاجر إنما يثاب على أعمال الحج عند انتهائه إلى مكة و تجارته غير موقوفة عليه فهو خالص، و إنما المشترك طول المسافة، و لا ثواب فيه مهما قصد تجارة» ، و لا إلى ما قيل: «مهما كان الحج هو المحرك الأصلي و كان غرض التجارة كالمعين و التابع، فلا ينفك نفس السفر عن الثواب» نعم، إذا كانت التجارة للجمع و الادخار من غير حاجة، فلا يبعد أن يقال ذلك، و كذا إذا انضم إلى قصد الحج قصد التفرج و دفع التوحش عن الأهل‏

421

انضماما غير مستقل، و مثله إذا انضم إلى نية الوضوء التبرد، و إلى نية الصوم قصد الحمية، و إلى نية العتق الخلاص من المؤنة و سوء الخلق، الى غير ذلك، اذا لم تكن المنضمات مستقلة.

و من العلماء من قال: «إن الباعثين إن تساويا تساقطا، و صار العمل لا له و لا عليه، و ان كان باعث الرياء أقوى لم يكن العمل نافعا، بل كان مضرا و موجبا للعقاب، و إن كان عقابه أخف من عقاب الذي تجرد للرياء و ان كان باعث التقرب أقوى فله ثواب بقدر ما فضل من قوته، لقوله تعالى:

فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. `وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (1) . و قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَظْلِمُ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ (2) .

فلا ينبغي أن يضيع قصد الخير، بل إن كان قصد التقرب غالبا على الرياء حبط منه القدر الذي يساويه و بقيت زيادة، و إن كان مغلوبا سقط بسببه شي‏ء من عقوبة القصد الفاسد. و السر: أن الأعمال تأثيرها في القلوب بتأكيد صفاتها، فداعية الرياء من المهلكات، و قوة هذا المهلك بالعمل على وفقه، و داعية الخير من المنجيات، و قوته بالعمل على وفقه، فإذا اجتمعت الصفات في القلب فهما متضادتان، فإذا عمل على وفق مقتضى الرياء قويت تلك الصفة، و ان عمل على وفق داعية الخير قويت أيضا تلك الصفة، و أحدهما مهلك و الآخر منج. فان كانت تقويته لهذا بقدر

____________

(1) الزلزال، الآية: 7، 8.

(2) النساء، الآية: 40.

422

تقويته للاخر فقد تقاوما، و ان كان أحدهما غالبا زاد تأثيرة بقدر الفاضل من قوته، كما في تأثير الأدوية و الأغذية المتضادة» انتهى‏ (1) .

و فيه: أن إطلاق الظواهر يفيد كون شوب الرياء محبطا للعمل و الثواب و قدم تقدم بعضها. و منها ما روى: «أن رجلا سأل النبي-صلى اللّه عليه و آله-: عمن يصطنع المعروف-أو قال-يتصدق-فيحب أن يحمد و يؤجر، فلم يدر ما يقول له، حتى نزل قوله تعالى:

فَمَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صََالِحاً وَ لاََ يُشْرِكْ بِعِبََادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (2) .

و لا ريب في أنه قصد الحمد و الأجر جميعا، و مع ذلك نزلت في حقه هذه الآية.

و منها ما روي: «أن اعرابيا أتاه-صلى اللّه عليه و آله-و قال:

يا رسول اللّه، الرجل يقاتل حمية، و الرجل يقاتل شجاعة، و الرجل يقاتل ليرى مكانه في سبيل اللّه!فقال-صلى اللّه عليه و آله-: من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه» . و حملها على صورة تساوى القصدين

____________

(1) ابو حامد الغزالي: (احياء العلوم) : 4-328. و نقله المؤلف باختصار و تصرف قليلين.

(2) هذه مروية في (البحار) : مج 15: 3-59، باب ذم السمعة و الاغترار بمدح الناس، عن عدة الداعي بمضمون يقارب ماهنا و نصه عن سعيد بن جبير قال: «جاء رجل إلى النبي-صلى اللّه عليه و آله-فقال: اني اتصدق و أصل الرحم و لا اصنع ذلك إلا للّه فيذكر عنى و أحمد عليه، فأسر في ذلك و اعجب به. فسكت رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله-و لم يقل شيئا، فنزل قوله تعالى: إنما أنا بشر.

الآية» .

423

أو غلبة قصد الرياء خلاف الظاهر. و ما ذكره من أن لكل قصد و فعل تأثيرا خاصا على حدة، ففيه أن ذلك إذا لم يبطله ضده. و نحن نقول:

إن مقتضى الاخبار كصريح العقل يدل على أن قصد الرياء يبطل قصد القربة إذا تواردا على فعل واحد، فلا يبقى لقصد التقرب تأثير حتى يتصف بالزيادة على تأثير قصد الرياء.

و منها:

النفاق‏

و هو مخالفة السر و العلن، سواء كان في الايمان أو في الطاعات أو في المعاشرات مع الناس، و سواء قصد به طلب الجاه و المال أم لا. و على هذا فهو أعم من الرياء مطلقا، و ان خص بمخالفة القلب و اللسان أو بمخالفة الظاهر و الباطن في معاملة الناس و مصاحبتهم، فبينهما عموم و خصوص من وجه. و على التقادير، إن كان باعثه الجبن فهو من رذائل قوة الغضب من جانب التفريط، و ان كان باعثه طلب الجاه فهو من رذائلها من جانب الإفراط و إن كان منشأه تحصيل مال أو منكح فهو من رداءة قوة الشهوة و لا ريب في أنه من المهلكات العظيمة، و قد تعاضدت الآيات و الأخبار على ذمه. و أشد أنواع النفاق-بعد كفر النفاق-كون الرجل ذا وجهين و لسانين، بأن يمدح أخاه المسلم في حضوره و يظهر له المحبة و النصيحة، و يذمه في غيبته و يؤذيه بالسب و السعاية إلى الظالمين و هتك عرضه و اتلاف ماله و غير ذلك، و بأن يتردد بين متعاديين و يتكلم لكل واحد بكلام يوافقه و يحسن لكل واحد منهما ما هو عليه من المعاداة مع صاحبه و يمدحه‏ (1) على

____________

(1) و في النسخ (اثناه) بدل (يمدحه) ، و لم نر لها وجها.

424

ذلك، أو يعد كل واحد منهما أنه ينصره، أو ينقل كلام كل واحد الى الآخر. و هذا شر من النميمة التي هي النقل من أحد الجانبين. و بالجملة هو بجميع أقسامه مذموم محرم، قال رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله- «من كان له وجهان في الدنيا، كان له لسانان من نار يوم القيامة» .

و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «تجدون من شر عباد اللّه يوم القيامة ذا الوجهين: الذي يأتي هؤلاء بوجه و هؤلاء بوجه» . و قال-صلى اللّه عليه و آله-: «يجي‏ء يوم القيامة ذو الوجهين دالعا لسانه في قفاه و آخر من قدامه يلتهبان نارا حتى يلتهبان خده، ثم يقال: هذا الذي كان في الدنيا ذا وجهين و ذا لسانين، يعرف بذلك يوم القيامة» . و ورد في التوراة «بطلت الأمانة و الرجل مع صاحبه بشفتين مختلفتين، يهلك اللّه يوم القيامة كل شفتين مختلفتين» . و عن علي بن اسباط، عن عبد الرحمن بن حماد، رفعه قال: قال اللّه تبارك و تعالى لعيسى: «يا عيسى، ليكن لسانك في السر و العلانية لسانا واحد، و كذلك قلبك، إني احذرك نفسك، و كفى بي خبيرا!لا يصلح لسانان في فم واحد، و لا سيفان في غمد واحد، و لا قلبان في صدر واحد، و كذلك الاذهان!» . و قال الباقر عليه السلام:

«لبئس العبد عبد يكون ذا وجهين و ذا لسانين، يطرى أخاه شاهدا و يأكله غائبا، إن أعطى حسده و ان ابتلى خذله» .

ثم لا يخفى أن الدخول على المعتاديين و المجاملة مع كل منهما قولا و فعلا لا يوجب كونه منافقا و لا ذا لسانين إذا كان صادقا، إذ الواحد قد يصادق متعاديين، و لكن صداقة ضعيفة، إذ الصداقة التامة تقتضى معاداة الأعداء و كذا من ابتلى بذي شر يخاف شره، يجوز أن يجامله و يتقيه و يظهر له في حضوره من المدح و المحبة ما لم يعتقد به قلبه، و هو معنى المداراة، و هو و ان كان نفاقا إلا أنه جائز شرعا للعذر، قال اللّه سبحانه:

425

اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ اَلسَّيِّئَةَ (1) .

و روى: «أنه استأذن رجل على رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله- فقال: ائذنوا له فبئس رجل العشيرة. فلما دخل ألان له القول، حتى ظن أن له عنده منزلة. فلما خرج، قيل له: لما دخل قلت الذي قلت ثم ألنت له القول؟!فقال: إن شر الناس منزلة عند اللّه يوم القيامة من اكرمه الناس اتقاء لشره» . و يدل على جواز ذلك جميع أخبار التقية و اخبار المداراة. و في خبر: «ما وقى المرء به عرضه فهو له صدقة» .

و قال بعض الصحابة: «كنا نبشر في وجوه أقوام نلعنهم بقلوبنا» . ثم جواز ذلك انما إذا اضطر إلى الدخول على ذي الشر و مدحه مظنة الضرر أما لو كان مستغنيا عن الدخول و الثناء أو عن أحدهما، و مع ذلك أبدى بلسانه ما ليس في قلبه من المدح، فهو نفاق محرم.

ثم ضد النفاق استواء السر و العلانية، أو كون الباطن خيرا من الظاهر، و هو من شرائف الصفات، و كان الاتصاف به و الاجتناب من النفاق أهم مقاصد المؤمنين من الصدر الأول. و من تأمل في ما ورد في ذم النفاق و في مدح موافقة الباطن مع الظاهر، و تقدم الروية في كل قول و فعل لم يصعب عليه أن يحافظ نفسه من رذيلة النفاق.

انتهى الجزء الثاني و يليه الجزء الثالث، و أوله (و منها: الغرور)

____________

(1) المؤمنون، الآية: 96.