زينب الكبري

- الشيخ جعفر النقدي المزيد...
156 /
51

احدوثتكم، (1) فقالت عليهاالسّلام انما يفتضح الفاجر و يكذب الفاسق و هو غيرنا، فقال كيف رأيت صنع اللّه باخيك و اهل بيتك. فقالت ما رأيت الا خيرا هؤلاء قوم كتب اللّه عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم و سيجمع اللّه بينك و بينهم فتحاج و تخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يابن مرجانة فغضب اللعين و همّ ان يضربها، فقال له عمرو بن حريث انها امرأة و المرأة لا تؤاخذ بشي‏ء من منطقها، فقال لها ابن زياد لعنة اللّه لقد شفي اللّه قلبي من طاغيتك الحسين و العصاة المردة من اهل بيتك فقالت لعمري لقد قتلت كهلي، و قطعت فرعى، و اجتئثت اصلي فان كان هذا شفاءك فلقد اشتفيت، فقال لعنة اللّه هذه سجاعة و لعمري لقد كان ابوها سجاعا شاعرا، فقالت يابن زياد ماللمرأة و السجاعة و ان لي عن السجاعة لشغلا.

(و من ذلك) خطبتها في مجلس يزيد بن معاوية في الشام‏ (2) رواها جماعة من العلماء في مصنفاتهم و هي من ابلغ الخطب و افصحها عليها انوار

____________

ق-رسول اللّه (ص) فاقبل عليها ابن زياد فقال لها (الحمد للّه الخ) .

(1) يريد بالاحدوثة دين جدها رسول اللّه (ص) و كانت في ابن زياد لكنة اعجمية يبدل الحاء هاء، قال الجاحظ كانت اللكنة فيه لانه نشأ بالاساورة مع امه مرجانة و كان زياد تزوجها من شيرويه الاسواري و قال مرة افتحوا سيوفكم يريد سلوا سيوفكم، فقال يزيد بن مفرغ.

و يوم فتحت سيفك من بعيد # اضعت و كل امرك للضياع‏

و في المعارف لابن قتيبة كانت في ابن زياد لكنة، و في كامل المبرد كان ابن زياد الكن يرتضخ لغة فارسية، و قال لرجل مرة و اتهمه برأي الخوارج أهروري منذ اليوم يريد أحروري.

(2) رواها ابو الفضل احمد بن ابي طاهر طيفور في كتابه بلاغات النساء و الخوارزمي في المقتل.

52

الخطب العلوية، و اسرار الخطبة الفاطمية، (1) و نحن ننقلها هنا من الاحتجاج للطبرسي (قال) روى شيخ صدوق من مشائخ بني هاشم و غيره من الناس أنه لما دخل علي بن الحسين «ع» و حرمه على يزيد و جيى‏ء برأس الحسين عليه السّلام و وضع بين يديه في طشت و جعل يضرب ثناياه بمخصرة كانت في يده و هو يقول:

ليت اشياخي ببدر شهدوا # جزع الخزرج من وقع الاسل‏

(الابيات) فقامت زينب بنت علي بن ابي طالب و امها فاطمة بنت رسول اللّه (ص) و قالت الحمد للّه رب العالمين، و صلّى اللّه على رسوله و آله اجمعين، صدق اللّه سبحانه حيث يقول‏ (ثُمَّ كََانَ عََاقِبَةَ اَلَّذِينَ أَسََاؤُا اَلسُّواى‏ََ أَنْ كَذَّبُوا بِآيََاتِ اَللََّهِ وَ كََانُوا بِهََا يَسْتَهْزِؤُنَ) اظننت يا يزيد حيث اخذت علينا اقطار الارض و آفاق السماء، فاصبحنا نساق كما تساق الاسراء أن بنا هو انا على اللّه و بك عليه كرامة و ان ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بانفك، و نظرت في عطفك تضرب أصدريك‏ (2) فرحا، و تنفض مذوريك مرحا، جذلان مسرورا حين رأيت الدنيا لك مستوسقة (3) و الامور متسقة و حين صفا لك ملكنا و سلطاننا، فمهلا (4) مهلا أنسيت قول اللّه تعالى‏ (وَ لاََ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمََا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمََا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدََادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذََابٌ مُهِينٌ) أمن العدل

____________

(1) المراد بها خطبة فدك التي قدمنا اسانيدها عنها.

(2) تضرب أصدريك اي منكبيك، و تنفض مذوريك، المذوران جانبا الاليتين و لا واحد لهما، و قيل هما طرفا كل شي‏ء، يقال جاء فلان ينفض مذوريه اذا جاء باغيا يتهدد، و كذلك اذا جاء فارغا في غير شغل.

(3) مستوسقة اي مجتمعة. و متسقة اي منتظمة.

(4) يقال مهلا يا رجل و كذا للانثى و الجمع بمعنى امهل، و المهلة بالضم السكينة و كذا المهل بالسكون و الحركة.

53

يابن الطلقاء (1) تخديرك حرائرك و امائك و سوقك بنات رسول اللّه سبايا قد هتكت ستورهن، و ابديت وجوههن، تحدو بهن الاعداء من بلد الى بلد و يستشر فهن اهل المناهل و المناقل، و يتصفح وجوههن القريب و البعيد، والدني و الشريف، ليس معهن من رجالهن ولي، و لا من حماتهن حمي، و كيف يرتجى مراقبة ابن من لفظ فوه اكباد الاذكياء و نبت لحمه من دماء الشهداء، و كيف يستبطأ في بغضنا اهل البيت من نظر الينا بالشنف و الشنئآن، و الاحن و الاضغان، ثم نقول غير متأثم و لا مستعظم.

لا هلوا و استهلوا فرحا # ثم قالوا يا يزيد لا تشل‏

منحنيا على ثنايا ابي عبد اللّه سيد شباب اهل الجنة تنكثها بمخصرتك (2) و كيف لا تقول ذلك و قد نكأت القرحة (3) و استأصلت الشافة (4) باراقتك دماء ذرية محمد (ص) و نجوم الارض من آل عبد المطلب، و تهتف باشياخك زعمت انك تناديهم، فلتردن وشيكا (5)

____________

(1) الطلقاء هم أبو سفيان و معوية و بقية الامويين الذين اطلقهم رسول اللّه (ص) يوم الفتح فقال اذهبوا فانتم الطلقاء، و بهذا صاروا عبيدا لرسول اللّه (ص) هم و ذريتهم الى يوم القيامة.

(2) المخصرة بكسر الميم كالسوط و كلما اختصره الانسان بيده فامسكه من عصى و نحوها، و كانت الخلفاء تحمل هذه المخصرة.

(3) نكأت الفرحة بالهمزة من باب منع كثر جراحها.

(4) استأصلت الشافة استأصل الشي‏ء اذا قطعه من أصله، قال في القاموس الشافة قرحة تخرج في اسفل القدم فتكوى و تذهب، و اذا قطعت مات صاحبها و الاصل استأصل اللّه شافته اذهبه كما تذهب تلك القرحة او ازاله من أصله.

(5) وشيكا أي سريعا.

54

موردهم، و لتودن أنك شللت و بكمت و لم تكن قلت ما قلت، و فعلت، ما فعلت، اللهم خذ لنا بحقنا، و انتقم ممن ظلمنا، و احلل غضبك بمن سفك دمائنا، و قتل حماتنا، فو اللّه يا يزيد ما فريت‏ (1) الا جلدك، و لا حززت الا لحمك، و لتردن على رسول اللّه (ص) بما تحملت من دماء ذريته و انتهكت من حرمته في عترته و لحمته، حيث يجمع اللّه تعالى شملهم و يلم شعثهم و يأخذ بحقهم‏ (وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) و حسبك بالله حاكما و بمحمد (ص) خصيما و بجبرائيل ظهيرا، و سيعلم من سول لك و امكنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلا، و ايكم شر مكانا و اضعف جندا، و لئن جرت علي الدواهى (2) مخاطبتك، اني لا ستصغر قدرك و استعظم تفريعك، و استكثر توبيخك، لكن العيون عبرى، و الصدور حرى ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب اللّه النجباء، بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الايدي تنطف (3) من دمائنا، و الافواه تتحلب‏ (4) من لحومنا، و تلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل‏ (5) و تعفرها امهات‏ (6) الفراعل،

____________

(1) القري القطع.

(2) الدواهي جمع داهية و هى النازلة بالانسان من بلاء و غيره، و مخاطبتك إما بالرفع فاعل جرت اي ان اوقعت مخاطبتك علي النوازل فلست ابالي بك و لا أعظم قدرك، او بالنصب مفعول و الفاعل الدواهى اي ان اوقعتني دواهى الزمان الى الاحتياج لمخاطبتك فلست معظمة لقدرك‏

(3) تنطف بكسر الطاء و ضمها اي تقطر.

(4) في القاموس تحلب عينه و فوه اي سالا.

(5) العواسل الذئاب السريعة العدو.

(6) امهات الفراعل الضباع جمع فرعل و هو ولد الضبع و التعفير معلوم.

55

و لئن اتخذتنا مغنما لتجدنا وشيكا مغرما حين لا تجد إلا ما قدمت يداك و ما ربّك بظلام للعبيد، و الى اللّه المشتكى، و عليه المعول، فكد كيدك، واسع سعيك، و ناصب جهدك فو اللّه لا تمحو ذكرنا، و لا تميت وحينا و لا تدرك امدنا و لا تدحض عنك عارها، و هل رأيك الا فند (1) و ايامك الا عدد، و جمعك الا بدد، يوم ينادي المنادي الا لعنة اللّه على الظالمين فالحمد لله رب العالمين، الذي ختم لاولنا بالسعادة و المغفرة، و لآخرنا بالشهادة و الرحمة، و نسأل اللّه ان يكمل لهم الثواب، و يوجب لهم المزيد و يحسن علينا الخلافة انه رحيم و دود، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

فقال يزيد.

يا صيحة تحمد من صوائح # ما اهون النوح على النوائح‏ (2)

و من شجاعتها الادبية في مجلس يزيد ما نقله ارباب المقاتل و غيرهم من رواة الاخبار أن يزيد لعنه اللّه دعا بنساء اهل البيت و الصبيان فاجلسوا بين يديه في مجلسه المشوم فنظر شامى الى فاطمة بنت الحسين فقام الى يزيد و قال يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية تكون خادمة عندي قالت فاطمة بنت الحسين (ع) فارتعدت فرائصي و ظننت ان ذلك جائز لهم، فاخذت بثياب عمتي زينب فقلت عمتاه أو تمت و أستخدم فقالت عمتي للشامي كذبت و اللّه و لؤمت ما جعل اللّه ذلك لك و لا لاميرك، فغضب

____________

(1) الفند الكذب، و هو بالتحريك «قيل» و يقال لضعف الرأي الفند أيضا.

(2) قوله يا صيحة تحمد «الخ» ليس هذا جواب مثل الخطبة الغراء الفريدة و مثل يزيد الذي يقال عنه إنه كان من رجال الفصاحة و البلاغة و إنه قال الشعر و هو ابن سبع سنوات لا يخفي عليه ذلك لكن الخطبة الكريمة ألجمته باسلوبها البليغ، و بيانها الآخذ بالالباب، فلم يكن قادرا على ان يجيبها بشي‏ء سوى هذا البيت الذي وصف الحالة ليس غير.

56

يزيد و قال كذبت و اللّه ان ذلك لي و لو شئت ان افعل لفعلت، قالت كلا و اللّه ما جعل اللّه ذلك لك الا ان تخرج من ملتنا و تدين بغير ديننا فاستطار يزيد غضبا و قال اياي تستقبلين بهذا الكلام، انما خرج من الدين ابوك و أخوك، فقالت زينب بدين ابي و اخي اهتديت انت و ابوك و جدك ان كنت مسلما، قال كذبت يا عدوة اللّه، قالت يا يزيد انت امير تشتم ظالما، و تقهر بسلطانك فكأنه استحيى و سكت، فاعاد الشامى كلامه، هب لي هذه الجارية فقال له يزيد اسكت وهب اللّه لك حتفا قاضيا (و روى) السيد ابن طاوس في اللهوف هذه الرواية كما يأتي، قال نظر رجل من اهل الشام الى فاطمة بنت الحسين (ع) فقال يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية، فقالت فاطمة لعمتها زينب (ع) أو تمت و أستخدم فقالت زينب (ع) لا و لا كرامة لهذا الفاسق، فقال الشامى من هذه الجارية فقال يزيد هذه فاطمة بنت الحسين (ع) (1) و تلك زينب بنت علي بن ابي طالب، فقال الشامي الحسين بن فاطمة و علي بن ابي طالب

____________

(1) فاطمة الصغرى بنت الحسين عليه السّلام هي من عالمات نساء اهل البيت عليهم السّلام، تروي الحديث عن ابيها و عن ام سلمه و ام هاني و عن عمتها زينب الكبرى و عن اخيها زين العابدين، و يروي عنها ولدها عبد اللّه و غيره، استودعها ابوها الحسين (ع) مواريث الانبياء و سلمتها الى السجاد بعد برئه من المرض، و كأن اللّه عز و جل صرف عن هذه المواريث ابصار الظالمين، و ام فاطمة هذه أم اسحق بنت طلحه، و في الخبر أن الحسن بن الحسن (ع) سأل عمه الحسين (ع) أن يزوجه إحدى ابنتيه فاختار له الحسين (ع) فاطمة هذه و قال له هي اكثر شبها بامي فاطمة بنت رسول اللّه (ع) و خطبتها (ع) في الكوفة تنبى‏ء أنها كانت على جانب عظيم من العلم و الفضل، و في بعض الاخبار انها كانت عندها اشياء من آثار رسول اللّه (ص) توفيت في المدينة على الاصح، و قيل بمصر

57

قال نعم، فقال الشامي لعنك اللّه يا يزيد أتقتل عترة نبيك و نسبي ذريته و اللّه ما توهمت الا انهم سبي الروم، فقال يزيد لا لحقنك بهم ثم امر به فضربت عنقه، و الذي يظهر ان هاتين القضيتين كلتيهما وقعتا في ذلك المجلس المشوم (أقول) ان بلاغة زينب (ع) و شجاعتها الادبية ليس من الامور الخفية و قد اعترف بها كل من كتب في وقعة كربلاء، و نوه بجلالتها اكثر ارباب التأريخ، و لعمري ان من كان أبوها علي بن ابي طالب الذي ملأت خطبه العالم، و تصدى لجمعها و تدوينها اكابر العلماء و امها فاطمة الزهراء صاحبة خطبة فدك الكبرى، و صاحبة الخطبة الصغرى التي القتها على مسامع نساء قريش و نقلها النساء لرجالهن، نعم ان من كانت كذلك فحرية بان تكون بهذه الفصاحة و البلاغة، و ان تكون لها هذه الشجاعة الادبية، و الجسارة العلوية، و يزيد الطاغية يوم ذاك هو السلطان الاعظم و الخليفة الظاهري على عامة بلاد الاسلام تؤدي له الجزية الفرق المختلفة و الامم المتباينة في مجلسه الذي اظهر فيه ابهة الملك و ملأه بهيبة السلطان، و قد جردت على رأسه السيوف، و اصطفت حوله الجلاوزة و هو و اتباعه على كراسي الذهب و الفضة، و تحت ارجلهم الفرش من الديباج و الحرير، و هي صلوات اللّه عليها في ذلة الاسر دامية القلب باكية الطرف، حرى الفؤاد، من تلك الذكريات المؤلمة و الكوارث القاتلة، قد احاط بها اعداؤها من كل جهة و دار عليها حسادها من كل صوب، و مع ذلك كله ترمز للحق بالحق، و للفضيلة بالفضيلة فتقول ليزيد غير مكترثة بهيبة ملكه، و لا معتنية بابهة سلطانه (أمن العدل يا بن الطلقاء) و تقول له ايضا (و لئن جرت علي الدواهي مخاطبتك اني لاستصغر قدرك و استعظم تقريعك و استكثر توبيخك) فهذا الموقف الرهيب الذي وقفت به هذه السيدة الطاهرة مثل الحق تمثيلا و اضاء الى الحقيقة لطلابها سبيلا، و أفحمت يزيد و من حواه مجلسه المشوم بذلك

58

الاسلوب العالي من البلاغة، و ابهتت العارفين منهم بما اخذت به مجامع قلوبهم من الفصاحة، فحرست الالسن، و كمت الافواه، و صمت الآذان و كهربت تلك النفس النورانية القاهرة منها عليهاالسّلام تلك النفوس الخبيثة الرذيلة من يزيد و اتباعه بكهرباء الحق و الفضيلة حتى بلغ به الحال انه صبر على تكفيره و تكفير اتباعه و لم يتمكن من ان ينبس ببنت شفة، يقطع كلامها او يمنعها من الاستمرار في خطابتها، و هذا و هو التصرف الذي يتصرف به ارباب الولاية متى شاؤا و أرادوا بمعونة الباري تعالى لهم و اعطائهم القدرة على ذلك، و ما ابدع ما قاله الشاعر المفلق الجليل السيد مهدي ابن السيد داود الحلي عم الشاعر الشهير السيد حيدر الحلي رحمهما اللّه في وصف فصاحتها و بلاغتها من قصيدة.

قد اسروا من خصها بآية الـ # تطهير رب العرش في كتابه

إن ألبست في الاسر ثوب ذلة # تجملت للعز في اثوابه

ما خطبت إلا رأوا لسانها # أمضى من الصمصام في خطابه

و جلببت في أسرها آسرها # عارا رأى الصغار في جلبابه

و الفصحاء شاهدوا كلامها # مقال خير الرسل في صوابه‏

زهدها في الدنيا و نعيمها و قناعتها

الزهد في الشي‏ء خلاف الرغبة فيه، و زهد الانسان في الشي‏ء أي تركه فهو زاهد. (قال الصدوق «ره» ) في معاني الاخبار الزاهد من يحب ما يحب خالقه و يبغض ما يبغضه خالقه و يتحرج من حلال الدنيا و لا يلتفت الى حرامها (و قال بعض الاعلام) الزهد يحصل بترك ثلاثة اشياء، ترك الزينة، و ترك الهوى، و ترك الدنيا، فالزاء علامة الاول، و الهاء علامة الثاني، و الدال علامة الثالث، و القناعة الرضا بالقسمة فهي تلازم الزهد

59

دائما او هما واحد بلسان الاخبار.

الزهد من أعلى مقامات السالكين، و من اظهر صفات الانبياء و المرسلين و عباد اللّه الصالحين، به ينال الانسان الدرجات الرفيعة و به يصل الى المراتب العالية (و قد جاء) عن رسول اللّه (ص) انه قال من أراد أن يؤتيه اللّه علما بغير تعلم، و هدى بغير هداية فليزهد في الدنيا (و عنه) (ص) من زهد في الدنيا أدخل اللّه الحكمة في قلبه، فأنطق بها لسانه و عرفه داء الدنيا و دواءها، و أخرجه منها سالما الى دار السّلام (و عنه (ص) إزهد في الدنيا يحبك اللّه و ازهد فيما بايدي الناس يحبك الناس (و عنه (ص) إذا اراد اللّه بعبد خيرا زهده في الدنيا، و فقهه في الدين، و بصره عيوبها، و من أوتيهن فقد أوتي خير الدنيا و الاخرة، فالزهد من الصفات الكريمة التي خص اللّه بها المخلصين من عباده، و جعلها سببا للتقرب الى حوزة قدسه، و لذلك كان نبينا الهادى و الائمة المعصومون من اهل بيته عليهم السّلام على جانب عظيم من هذه الصفة الحميدة، اما النبي (ص) فقد اتاه جبرئيل (ع) بمفاتيح كنوز الدنيا و قال له خذها و لا ينقص من حظك عند ربك شي‏ء، فردها اليه و رفع رأسه الى السماء فقال، لا يا رب و لكن اجوع يوما و اشبع يوما، فاما اليوم الذي أجوع فيه فاتضرع اليك و أدعوك، و أما اليوم الذي أشبع فيه فاحمدك و أني عليك، و بلغ من زهده (ص) انه كان يشد حجر المجاعة على بطنه (و أما) أمير المؤمنين (ع) فكان و هو خليفة المسلمين يرقع مدرعته عند الخياط حتى احصي فيها سبعين رقعة، و قد قال (ع) و اللّه لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، و لقد قال لي قائل ألا تنبذها فقلت اغرب عنى فعند الصباح يحمد القوم السرى (و دخل) عليه سويد بن غفلة بعد ما بويع بالخلافة فوجده جالسا على حصير صغير ليس في البيت غيره، فقال يا أمير المؤمنين بيدك بيت المال و لا أرى في بيتك شيئا، فقال يا بن غفلة

60

ان البيت لا يتأثث في دار النقلة و لنا دار أمن نقلنا خير متاعنا اليها و انا عن قليل اليها صائرون (و أما) الزهراء (ع) فكان فراشها حصيرا افترش من سعف النخل، و جلد شاة، و كانت تلبس الكساء من صوف الابل و تطحن بيدها الشعير و تعجن و تخبز، و هكذا كان زهد الذرية الطاهرة (أما) زينب عليهاالسّلام فقد كانت في بيت زوجها عبد اللّه بن جعفر الجواد و هو من علمت في ثروته و يساره و كثرة امواله و خدمه و حشمه يوم ذاك و كانت تخدمها العبيد و الاماء و الاحرار و يطوف حول بيتها الهلاك من ذوي الحوائج و طالبين الاستجداء، و كان بيتها الرفيع و حرمها المنيع لا يضاهيه في العز و الشرف و بعد الصيت إلا بيوت الخلفاء و الملوك، فتركت ذلك كله لوجه اللّه و انقطعت عن علائق الدنيا بأسرها في سبيل اللّه و اعرضت عن زهرة الحياة من المال و البيت و الزوج و الولد و الخدم و الحشم، و صحبت اخاها الحسين (ع) ناصرة لدين اللّه و باذلة للنفس و النفيس لامامها ابن بنت رسول اللّه (ص) مع علمها بجميع ما جرى عليها من المصائب و النوائب كما سمعته في حديث ام ايمن مؤثرة الآخرة على الدنيا و الاخرة خير و ابقى. و من زهدها عليهاالسّلام بالدنيا و عدم ركونها الى نعيمها هو ما رواه البكري و غيره أن يزيد بن معاوية لعنه اللّه لما عزم على ارجاع سبايا النبوة من الشام الى المدينة بعد ان احس بغضب الرأي العام عليه في قتله الحسين عليه السّلام و سبيه بنات رسول اللّه (ص) يطاف بهن من بلد الى بلد خاف عاقبة أمره و اظهر ان هذه الاعمال لم تكن برضى منه و صار يلعن عبيد اللّه بن زياد على رؤس الاشهاد و من جملة اعماله التي كان يراها بزعمه تبرى‏ء افعاله أنه صب الاموال العظيمة على الانطاع و احضر أهل بيت النبوة و قال لزينب يا ام كلثوم خذي هذه الاموال عوضا عن الحسين و احسبي كأن قد مات، فقالت يا يزيد ما أقسى قلبك تقتل اخي و تعطيني المال، و اللّه لا كان ذلك ابدا

61

و خرجت مع اهل بيتها و لم تقبل منه شيئا و قد رد عليهن بعض ما كان اخذ منهن و في ذلك مغزل فاطمة بنت رسول اللّه (ص) و مقنعتها و قلادتها و قميصها عليهاالسّلام (و هذه الرواية) رويت عن ابي مخنف ايضا بتغيير يسير.

و من زهدها ما روي عن السجاد عليه السّلام من انها صلوات اللّه عليها ما ادخرت شيئا من يومها لغدها ابدا (و روي) المجلسي و غيره أن الرسول الذي ساير اهل البيت في طريقهم من الشام الى المدينة كان قد احسن صحبته لهم و لما قربوا من المدينة قالت فاطمة بنت امير المؤمنين (ع) لاختها زينب قد وجب علينا حق هذا لحسن صحبته لنا فهل لك ان تصليه، قالت و اللّه ما لنا ما نصله به إلا ان نعطيه حلينا قالت فاطمة فاخذت سواري و دملجي و سوار اختي و دملجها فبعثنا به اليه و اعتذرنا من قلتها و قلنا هذا بعض جزائك لحسن صحبتك إيانا، فقال لو كان الذي صنعت للدنيا كان في دون هذا رضاي و لكن و اللّه ما فعلته الا للّه و قرابتكم من رسول اللّه (ص) (اقول) و من هذه القصة يعرف المتأمل الكرم الجبلي الذي تلبس به اهل البيت (ع) و الزهد الفطري الذي لازمهم، لان تلك الحلي التي اكرمت بها زينب و اختها هذا الرجل هو جميع ما كان لهما من متاع الدنيا، و ذلك لكونهما لم يحصلا على غيرها من اموالهما المنهوبة يوم الطف و هذا نهاية الكرم و غاية الزهد.

عبادتها و انقطاعها الى اللّه تعالى‏

العبادة من العبودية و هي غاية الخضوع و التذلل. و لذلك كانت للّه تعالى و لا تحسن لغيره لانه جل و علا ولي كل نعمة و غاية كل رغبة و اكثر الناس عبادة هو اعرفهم باللّه عز و جل كالانبياء و الائمة صلوات‏

62

اللّه عليهم و كان رسول اللّه (ص) يصلي الليل كله، و لقد قام (ص) عشر سنين على أطراف اصابعه حتى تورمت قدماه و اصفر وجهه فانزل اللّه عليه‏ «طه `مََا أَنْزَلْنََا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لِتَشْقى‏ََ» فقال (ص) أولا اكون عبدا شكورا. و كان امير المؤمنين (ع) يصلي كل يوم و ليلة الف ركعة و لم يترك النافلة حتى في الحروب كما روي عنه ذلك في صلواته ليلة الهرير بصفين، و كذلك كانت الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء صلوات اللّه عليها تصلي عامة الليل فاذا اتضح عمود الصبح اخذت تدعو للمؤمنين و المؤمنات، و كان الائمة من ولدها (ص) يضرب بهم المثل في العبادة.

(أما زينب) صلوات اللّه عليها فلقد كانت في عبادتها ثانية امها الزهراء عليهاالسّلام، و كانت تقضي عامة لياليها بالتهجد و تلاوة القرآن قال بعض ذوي الفضل انها صلوات اللّه عليها ما تركت تهجدها للّه تعالى طول دهرها حتى ليلة الحادي عشر من المحرم (قال) و روى عن زين العابدين (ع) انه قال رأيتها تلك الليلة تصلي من جلوس و عن الفاضل القائيني البيرجندي عن بعض المقاتل المعتبرة عن مولانا السجاد (ع) انه قال ان عمتي زينب مع تلك المصائب و المحن النازلة بها في طريقنا الى الشام ما تركت نوافلها الليلية، عن الفاضل المذكور ان الحسين عليه السّلام لما ودع اخته زينب (ع) وداعه الاخير قال لها يا اختاه لا تنسيني في نافلة الليل، و هذا الخبر رواه هذا الفاضل عن بعض المقاتل المعتبرة ايضا و في مثير الاحزان للعلامة الشيخ شريف الجواهري قدس سره قالت فاطمة بنت الحسين (ع) و اما عمتي زينب فانها لم تزل قائمة في تلك الليلة (اي العاشرة من المحرم) في محرابها تستغيث الى ربها فما هدأت لنا عين و لا سكنت لنا رنة (و روى) بعض المتتبعين عن الامام زين العابدين (ع) انه قال ان عمتي زينب كانت تؤدي صلواتها من قيام الفرائض و النوافل عند سير القوم بنا من الكوفة الى الشام و في بعض المنازل كانت تصلى‏

63

من جلوس فسألتها عن سبب ذلك فقالت اصلي من جلوس لشدة الجوع و الضعف منذ ثلاث ليال، لانها كانت تقسم ما يصيبها من الطعام على الاطفال، لان القوم كانوا يدفعون لكل واحد منا رغيفا واحدا من الخبز في اليوم و الليلة (اقول) فاذا تأمل المتأمل الى ما كانت عليه هذه الطاهرة من العبادة للّه تعالى و الانقطاع اليه لم يشك في عصمتها صلوات اللّه عليها و انها كانت من القانتات اللواتي و قفن حركاتهن و سكناتهن و انفاسهن للباري تعالى، و بذلك حصلن على المنازل الرفيعة و الدرجات العالية التي حكت برفعتها منازل المرسلين و درجات الاوصياء عليهم الصلاة و السّلام.

بعض كراماتها الجارية مجرى المعجزات‏

الكرامات المروية عن زينب الكبرى بنت امير المؤمنين (ع) و المنقولة في الكتب العربية و الفارسية كثيرة و نحن اعتمدنا في كتابنا هذا على امور حصل عندنا القطع بصحتها (فمن ذلك) تسخير الاسد لها صلوات اللّه عليها (قال) الفاضل في الاسرار لما قتل الحسين (ع) روحي له الفداء أمر عمر بن سعد لعنه اللّه ان تطأ الخيل عليه غدا فسمعت جارية الحسين عليه السّلام فحكت لزينب اخته فقالت ما الحيلة قالت زينب إن سفينة (1) عبد رسول اللّه (ص) نجاه الاسد على ظهره لما قال له انا

____________

(1) سفينة مولى رسول اللّه (ص) اختلف في اسمه على احد و عشرين قولا تجدها في الاصابة لابن حجر، و الذي صححه أهل التحقيق أن اسمه مهران، و كان اصله من فارس فاشترته أم سلمه رضوان اللّه عليها ثم اعتقته و اشترطت عليه ان يخدم النبي (ص) (قال ابن حجر) و قد روى عن النبي (ص) و عن أم سلمه و علي، و عنه ولده عبد الرحمن و عمر و سالم-

64

عبد رسول اللّه، و سمعت ان في هذه الجزيرة أسدا فامضي اليه فقولي له إن عسكر ابن سعد يريدون غدا ان يطؤا بخيولهم ابن رسول اللّه (ص) فهل انت تاركهم، فلما مضت اليه الجارية و قالت ما قالته زينب إلى قولها فهل انت تاركهم أشار برأسه لا، فلما كان الغد أقبل الاسد يأز أزا و العسكر واقف فظن ابن سعد انه جاء يأكل من لحوم الموتى فقال دعوه نرى ما يصنع فاقبل يدور حول القتلى حتى وقف على جسد الحسين (ع) فوضع يده على صدره و جعل يمرغ خده بدمه و يبكي فلم يجسر احد أن يقربه فقال ابن سعد فتنة فلا تهيجوها فانصرفوا عنه (قال) هكذا ذكروا مجى‏ء الاسد الى المصرع في كتب جمع من اصحاب المقاتل (و في المنتخب) لما قتل الحسين عليه السّلام اراد القوم ان يوطؤه الخيل فقالت فضة (1) لزينب عليهاالسّلام يا سيدتي ان سفينة صاحب رسول اللّه

____________

ق-ابن عبد اللّه بن عمر و ابو ريحانة و غيرهم، قال حماد بن سلمه عن سعيد ابن جهمان عن سفينة كنت مع النبي (ص) في سفر فكان بعض القوم إذا أعيي ألقي علي ثوبه حتى حملت من ذلك شيئا كثيرا، فقال ما انت إلا سفينة و كان يسكن بطن نخلة، و أما قصته مع الأسد انه سافر بعد النبي (ص) في البحر فأنكسرت السفينة التي كان فيها باهلها فخرج سفينة الى جزيرة من جزائر البحر يمشي وحده فلما مشى ساعة لقي أسدا فقال له ايها الاسد أنا سفينة عبد رسول اللّه (ص) فأقبل الاسد نحوه و أشار اليه اركب فركب على ظهره فاسرع في المشي حتى أتى به بلده فرآه الناس على ظهر الاسد فانزله الاسد و رجع.

(1) فضة هي جارية الزهراء عليهاالسّلام اشتراها لها أمير المؤمنين عليه السّلام، قيل انها كانت من بنات الملوك ملك الهند، كما قال البرسي او ملك الحبشة كما قال غيره، كانت عندها ذخيرة من الاكسير صنعت النحاس ذهبا فأرته لامير المؤمنين عليه السّلام فأراها عليه السّلام كنوز-

65

كان بمركب فضربته الريح فتكسر فسبح فقذفه البحر الى جزيرة فاذا هو باسد فدنا منه فخشي سفينة ان يأكله، فقال يا ابا الحارث انا مولى رسول اللّه (ص) فهمهم بين يديه حتى اوقفه على الطريق فركب و نجا سالما و ارى أسدا في خلف مخيمنا فدعيني امضي اليه فأعلمه بما صانعون غدا، فقالت شأنك قالت: فمضيت اليه فقلت يا ابا الحارث فرفع رأسه، ثم قلت اتدري ما يريدون أن يعملوا غدا بابي عبد اللّه عليه السّلام يريدون ان توطي‏ء الخيل ظهره قالت: فقام الاسد فمشى حتى وضع يديه على جسد الحسين عليه السّلام و جعل يمرغ وجهه بدم الحسين (ع) و يبكي الى الصباح، فلما اصبح بنو امية اقبلت الخيل يقدمهم الاخنس لعنه اللّه فلما نظروا اليه قال لهم عمر بن سعد فتنة لا تثيروها انصرفوا فانصرفوا (قال) و يقرب مما في المنتخب ما ذكره ثقة الاسلام في الكافي.

____________

ق-الارض، ثم قال يا فضة انا ما خلقنا لهذا، و في البحار عن ابي القاسم القشيري في كتابه قال بعضهم انقطعت عن الطريق في البادية عن القافلة فوجدت امرأة فقلت لها من أنت فقالت‏ (وَ قُلْ سَلاََمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) فسلمت عليها و قلت ما تصنعين هاهنا قالت (من يهدي اللّه فلا مضل له) فقلت أمن الجن أنت أم من الانس قالت‏ (يََا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ) فقلت من اين اقبلت فقالت‏ (يُنََادَوْنَ مِنْ مَكََانٍ بَعِيدٍ) قلت أين تقصدين قالت (وَ لِلََّهِ عَلَى اَلنََّاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ) فقلت متى انقطعت عن القافلة قالت‏ (وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا فِي سِتَّةِ أَيََّامٍ) فقلت أتشتهين طعاما فقالت (وَ مََا جَعَلْنََاهُمْ جَسَداً لاََ يَأْكُلُونَ اَلطَّعََامَ) فاطعمتها ثم قلت هر ولي و استعجلي قالت‏ (لاََ يُكَلِّفُ اَللََّهُ نَفْساً إِلاََّ وُسْعَهََا) فقلت أردفك فقالت‏ (لَوْ كََانَ فِيهِمََا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللََّهُ لَفَسَدَتََا) فنزلت فأركبتها فقالت‏ (سُبْحََانَ اَلَّذِي سَخَّرَ لَنََا هََذََا) فلما أدركنا القافلة قلت ألك أحد فيها قالت ( يََا دََاوُدُ إِنََّا جَعَلْنََاكَ خَلِيفَةً فِي اَلْأَرْضِ ، وَ مََا مُحَمَّدٌ إِلاََّ رَسُولٌ ، يََا يَحْيى‏ََ خُذِ اَلْكِتََابَ ، يََا مُوسى‏ََ -

66

(اقول) و هذه الكرامة هي كرامة عظيمة لزينب صلوات اللّه عليها على الرواية الاولى و الثانية لان إطاعة الاسد لجاريتها إنما هي لاجلها عليهاالسّلام.

(و من ذلك) استجابة دعائها قال ابو اسحق الاسفرائيني في كتاب نور العين في مشهد الحسين، روي عن زينب اخت الحسين عليه السّلام عند هجوم القوم على الخيام انها قالت دخل علينا رجال و فيهم رجل ازرق العيون فأخذ كل ما كان في خيمتنا التي كنا مجتمعين فيها، الى ان قالت فقلت له قطع اللّه يديك و رجليك و اذاقك اللّه النار في الدنيا قبل الآخرة (قال) فما كان الا قليل حتى ظهر المختار الثقفي طالبا بثار الحسين (ع) فوقع في يده ذلك الرجل و هو خولي ابن يزيد الاصبحي فقال المختار ما فعلت بعد قتل الحسين فذكر افعاله التي فعلها و دعوتها عليه فقطع المختار يديه و رجليه و احرقه بالنار و سيأتي نظير هذا الخبر عند مصائب زينب عن الدمعة الساكبة عن ابي مخنف.

و من ذلك ما رواه ارباب المقاتل و غيرهم أن شاميا تعرض فاطمة بنت امير المؤمنين (ع) فدعت عليه زينب عليهاالسّلام بقولها قطع اللّه لسانك و اعمى عينيك و ايبس يديك فأجاب اللّه دعاءها في ذلك الرجل فقالت الحمد للّه الذي عجل لك العقوبة في الدنيا قبل الآخرة و من ذلك انها حين وقفت على اخيها الحسين عليه السّلام في مصرعه كشف عن بصرها

____________

ق- إِنِّي أَنَا اَللََّهُ ) فصحت بهذه الاسماء فاذا انا باربعة شباب متوجهين نحوها فقلت من هؤلاء منك قالت‏ (اَلْمََالُ وَ اَلْبَنُونَ زِينَةُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا) فلما أتوها قالت‏ (يََا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ اَلْقَوِيُّ اَلْأَمِينُ) فكافوني باشياء فقالت‏ (وَ اَللََّهُ يُضََاعِفُ لِمَنْ يَشََاءُ) فزادوا علي فسألتهم عنها فقالوا هذه امنا فضة جارية الزهراء عليهاالسّلام ما تكلمت منذ عشرين سنة الا بالقرآن.

67

فرأت رسول اللّه (ص) واقفا في المعركة و قد قبض على كريمته الشريفة و دموعه تجري على خديه فنادت يا جداه يا رسول اللّه هذا حسينك بالعراء (الخ) هكذا نقل بعض المتبحرين و لهذا الخبر مؤيدات (منها) ما في البحار عن الصادق عليه السّلام ان الحسين (ع) لما قتل اتاهم آت و هم في العسكر فصرخ فزبر فقال لهم و كيف لا اصرخ و رسول اللّه (ص) قائم ينظر الى الارض مرة و ينظر الى حزبكم مرة و انا اخاف ان يدعو اللّه على اهل الارض فأهلك فيهم، فقال بعضهم لبعض هذا انسان مجنون فقال التوابون تاللّه ما صنعنا بانفسنا قتلنا لابن سمية سيد شباب اهل الجنة فخرجوا على عبيد اللّه بن زياد فكان من امرهم ما كان، قلت جعلت فداك من هذا الصارخ، قال ما نراه إلا جبرئيل أما أنه لو أذن له فيهم لصاح صيحة نخطف منها ارواحهم من ابدانهم الى النار و لكن أمهل لهم ليزدادوا إثما و لهم عذاب اليم (و منها) خبر الطرماح المنقول عن ابي مخنف في المقتل، و نقله السيد الجزائري في الانوار النعمانية و الرضي القزويني في بيت الاحزان، و حاصله ان الطرماح بعد ما جرح و وقع في القتلى رأى رسول اللّه (ص) عند جسد الحسين عليه السّلام و هو ينادي يا ولدي قتلوك أتراهم ما عرفوك و من شرب الماء منعوك ما أجرأهم على اللّه، الخبر.

و من ذلك ما نقله جماعة من الناس ان امرأة في الكوفة تسمى ام هجام أهانت رأس الحسين (ع) عند المرور به على قصرها فدعت زينب على قصرها بالهجوم فوقع القصر في الحال و هلك من فيه و كانت هذه الامرأة الخبيثة من نساء الخوارج.

و من كراماتها الباهرة عليهاالسّلام ما نقله العلامة النوري (ره) في كتابه دار السّلام، قال حدثني السيد السند و الحبر المعتمد العالم العامل و قدوة ارباب الفضائل البحر الزاخر عمدة العلماء الراسخين السيد محمد

68

باقر السلطان آبادي، نفع اللّه به الحاضر و البادي، قال عرض لي في ايام اشتغالي ببروجرد مرض شديد فرجعت من بروجرد إلى سلطان آباد فاشتد بي المرض بسبب هذه الحركه و انصبت المواد في عيني اليسرى فرمدت رمدا شديدا و اعتراها بياض. كان الوجع يمنعني من النوم فاحضر والدي اطباء البلد للعلاج، و لما رأوا حالتي قال احدهم يلزمه ان يشرب الدواء مدة ستة اشهر، و قال الاخر مدة اربعين يوما، فضاق صدري و كثر همي من سماع كلماتهم لكثرة ما كنت شربت من الدواء في تلك المدة، و كان لي اخ صالح تقي أراد السفر الى المشاهد المعظمة و زيارة سادات البرية فقلت له انا ايضا اصاحبك للتشرف بتلك الاعتاب الطاهرة لعلي امسح عيني بترابها الذي هو دواء لكل داء و يأتيني ببركاتها الشفاء فقال لي كيف تطيق الحركه مع هذا المرض العضال و هذا الوجع القتال و لما بلغ الاطباء عزمي على السفر قالوا بلسان واحد إن بصره يذهب في اول منزل او ثاني منزل فتحرك اخي و انا جئت الى بيته بعنوان مشايعته في الظاهر و كان هناك رجل من الاخيار سمع قصتي فحرضني على الزيارة و قال لي لا يوجد لك شفاء الا لدى خلفاء اللّه و حججه فاني كنت مبتلى بوجع في القلب مدة تسع سنين و كلت الاطباء عن تداويه فزرت ابا عبد اللّه الحسين (ع) فشفاني بحمد اللّه من غير تعب و مشقة فلا تلتفت الى خرافات الاطباء و امض الى الزيارة متوكلا على اللّه تعالى، فعزمت من وقتي على السفر فلما كنا في المنزل الثاني من سفرنا اشتد بي المرض ليلا و لم استقر من وجع العين فاخذ من كان يمنعنى من السفر يلومني، و اتفق اصحابي كلهم على ان اعود الى بلدي الذي جئت منه، فلما كان وقت السحر و سكن الوجع قليلا رقدت فرأيت الصديقة الصغرى زينب بنت امام الاتقياء عليه آلاف التحية و الثناء فدخلت علي و اخذت بطرف مقنعة كانت في رأسها و ادخلته في عيني و مسحت عيني به فانتبهت من منامي‏

69

و انا لم أجد للوجع اثرا في عيني فلما اصبح الصباح قلت لاصحابي إني لم اجد اليوم ألما في عيني فلا تمنعوني من السفر، فما تيقنوا منى فحلفت لهم و سرنا فلما اخذنا في السير رفعت المنديل الذي كان على عيني المريضة و نظرت الى البيداء و الى الجبال فلم ار فرقا بين عيني اليمنى الصحيحة و اليسرى المريضة فناديت احد الرفقاء و قلت له تقرب منى و انظر في عيني فنظر و قال سبحان اللّه لا أرى في عينك رمدا و لا بياضا و لا أثرا من المرض و لا فرق بين عينك اليمنى و اليسرى فوقفت و ناديت الزائرين جميعا و قصصت لهم رؤياي و كرامة الصديقة الصغرى زينب سلام اللّه عليها ففرح الجميع و ارسلت البشائر الى والدي فاطمأن خاطره بذلك (قال العلامة النوري) و حدثني بتلك الكرامة شيخنا الجليل النبيل، و العالم الذي عدم له النظير و البديل، المولى فتح علي السلطان آبادي، قال انه شاهد هذه الحكاية بنفسه.

(اقول) نقلنا هذه الكرامة بتغيير في الالفاظ مع المحافظة على المعانى.

و من كراماتها عليهاالسّلام انتقام الباري عز و جل من الكذابة التي ادعت انها زينب و افتضاحها، قال ابن شهراشوب في المناقب و المجلسي في البحار و غيرهما عن ابي الهلقام و عبد اللّه بن جعفر الحميري و الصقر الجبلي و ابي شعيب الحناط و علي بن مهزيار، قالوا كانت زينب الكذابه تزعم انها ابنة علي بن ابي طالب عليه السّلام فاحضرها المتوكل و قال اذكرى نسبك فقالت انا زينب ابنة علي و انها كانت حملت الى الشام فوقعت الى بادية من بني كلب فاقامت بين ظهرانيهم فقال لها المتوكل ان زينب بنت علي قديمة و انت شابة فقالت لحقتنى دعوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بان يرد شبابي في كل خمسين سنة، فدعا المتوكل وجوه آل ابي طالب، فقال: كيف يعلم كذبها فقال الفتح لا يخبرك بهذا الا ابن الرضا (يريد ابا الحسن عليا الهادي عليه السّلام) فامر باحضاره (ع) فقال إن في ولد

70

علي علامة قال و ما هي قال لا تتعرض لهم السباع فالقها الى السباع فان لم تتعرض لها السباع فهي صادقة، فقالت يا أمير المؤمنين اللّه اللّه في قائما اراد قتلي و ركبت الحمار و جعلت تنادي ألا انني زينب الكذابة (قال) و في رواية إنه عرض عليها ذلك فامتنعت فطرحت للسباع فاكلتها، قال علي بن مهزيار فقال علي بن الجهم جرب هذا على قائله فاجيعت السباع ثلاثة ايام ثم دعي بالامام (ع) و اخرجت السباع فلما رأته لاذت و تبصبصت بآذانها فلم يلتفت الامام اليها و صعد السقف و جلس عند المتوكل ثم نزل من عنده و السباع تلوذ به و تبصبص حتى خرج عليه السّلام، قال و قال النبي (ص) حرم لحوم اولادي على السباع (اقول) و نظير هذه الحكاية ما جرى للامام الرضا عليه السّلام: قال المجلسي في البحار كانت بخراسان امرأة تسمى زينب فادعت انها علوية من سلالة فاطمة عليهاالسّلام و صارت تصول على اهل خراسان بنسبها فسمع علي بن موسى الرضا عليهما السّلام فلم يعرف نسبها فاحضرت اليه فرد نسبها و قال (ع) هذه كذابة فسفهت عليه و قالت كما قدحت في نسبي فانا اقدح في نسبك فاخذته عليه السّلام العزة العلوية فقال (ع) لسلطان خراسان و كان لذلك السلطان بخراسان موضع واسع فيه سباع مسلسلة للانتقام من المفسدين يسمى ذلك الموضع بركة السباع، فأخذ الرضا (ع) بيد تلك المرأة و احضرها عليه السّلام عند ذلك السلطان، و قال هذه كذابة على علي و فاطمة عليهما السّلام و ليست من نسلهما و إن من كان حقا بضعة من علي و فاطمة عليهما السّلام فان لحمه حرام على السباع فالقوها في بركة السباع فان كانت صادقة فان السباع لا تضرها و ان كانت كاذبة فتفترسها السباع فلما سمعت المرأة ذلك منه (ع) قالت فانزل انت الى السباع فان كنت صادقا فانها لا تقربك و لا تفترسك فلم يكلمها و قام فقال له ذلك السلطان الى اين فقال (ع) الى بركة السباع و اللّه لا نزلن اليها، فقام السلطان‏

71

و الناس و الحاشية و جاؤا و فتحوا باب البركة فنزل الرضا (ع) و الناس ينظرون من اعلى البركة فلما حصل بين السباع اقعت جميعا الى الارض على اذنابها و صار يأتي الى واحد واحد يمسح وجهه و رأسه و ظهره و السبع يبصبص له و هكذا الى ان اتى على الجميع ثم طلع و الناس يبصرونه فقال لذلك السلطان انزل هذه الكذابة على علي و فاطمة عليهما السّلام ليتبين لك فامتنعت فالزمها ذلك السلطان و أمر اعوانه بالقائها فمذ رأتها السباع و ثبت اليها و أفترستها فاشتهر اسمها بخراسان بزينب الكذابة، و حديثها هناك مشهور (قلت) قبل سنوات قليلة في ايام العثمانيين كان لمحمد باشا الداغستاني اصطبل ببغداد و كان اسدان كبيران مسلسلان يتفرج الناس عليهما من وراء شباك في الاصطبل و انا من جملة من كان يذهب هناك للتفرج في ايام زياراتي من النجف الاشرف الى الكاظميين عليهما السّلام و كان من لطائف المتفرجين أن أحدهم اذا مد اصبعه في الشباك تحرك الاسد الاكبر و ربما قام و صرخ فحدثني بعض الثقات (و القضية متواترة لدى البغداديين و الكاظميين) أن بعض السادة العلويين من سكنة الكاظمية كان قد ذهب للتفرج على الاسدين المذكورين فقال له بعض الحاضرين تروون إن لحوم العلويين محرمة على السباع و انها لا تضرهم فاذا كنت علويا فادخل يدك في الشباك حتى نتحقق سيادتك فقرب ذلك السيد العلوي من الشباك و مد يده الى الاسدين فغمضا عينيهما المتذللين فابقى يده مدة طويلة ثم اخرجها و كان هناك احد من يدعى السيادة من اهل سامراء فقال له الحاضرون إن كنت من العلويين فاعمل كما عمل ذلك السيد فاراد ان يقرب من الشباك فقام الاسد و احمرت عيناه و صرخ صرخة رهيبة فانهزم السامرائي إلى ورائه فضحك الحاضرون منه و قرب السيد الكاظمي مرة اخرى فأخذ الاسدان بتغميض اعينهما و الخضوع و التذلل و هكذا تكررت العملية مرارا عديدة من السامرائي و الكاظمي.

72

صبرها و تحملها المشاق و تسليمها لأمر اللّه‏

الصبر الممدوح حبس النفس على تحمل المشاق تسليما لامر اللّه تعالى كحبسها عن الجزع و الهلع عند المصاب و فقد الاحبة و حبسها عن الشهوات نزولا على حكم الشريعة و حبسها على مشقة الطاعة تزلفا الى المبدأ الاعلى، و هو من افضل الاعمال و من اشرف الخصال الانسانية، و انما يكون من قوة الايمان و الثبات على المبدأ الحق، كما ان الجزع و الهلع و التكاسل عن العبادات تنبعث عن ضؤلة الايمان، و ضعف اليقين، و قد مدح اللّه تعالى الصابرين في كتابه الكريم فقال عز و جل‏ (وَ بَشِّرِ اَلْمُخْبِتِينَ `اَلَّذِينَ إِذََا ذُكِرَ اَللََّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ اَلصََّابِرِينَ عَلى‏ََ مََا أَصََابَهُمْ وَ اَلْمُقِيمِي اَلصَّلاََةِ وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ) و قال تعالى‏ (وَ اَلَّذِينَ صَبَرُوا اِبْتِغََاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَ أَقََامُوا اَلصَّلاََةَ وَ أَنْفَقُوا مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ سِرًّا وَ عَلاََنِيَةً وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ اَلسَّيِّئَةَ أُولََئِكَ لَهُمْ عُقْبَى اَلدََّارِ) و قال تعالى‏ (وَ اَلصََّابِرِينَ فِي اَلْبَأْسََاءِ وَ اَلضَّرََّاءِ وَ حِينَ اَلْبَأْسِ أُولََئِكَ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُتَّقُونَ) و الآيات كثيرة في الصبر و الاحاديث اكثر، قال النبي (ص) الايمان شطران شطر صبر و شطر شكر، و قال (ص) جائني جبرئيل (ع) فقال يا رسول اللّه ان اللّه ارسلني اليك بهدية لم يعطها احدا قبلك فقلت ما هى قال الصبر، قلت فما تفسير الصبر، قال يصبر في الضرآء كما يصبر في السرآء، و في الفاقة كما يصبر في الغنى، و في البلاء كما يصبر في العافية، فلا يشكو حاله عند المخلوق بما يصيبه، و قال (ص) ما من مسلم يصاب بمصيبة و ان قدم عهدها فاحدث لها استرجاعا (اي يقول‏ إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ) الا احدث اللّه له مثل اجره يوم اصيب بها، و لما كان الصبر بهذه المثابة عند اللّه كان الاقربون الى اللّه اكثر صبرا من غيرهم كالانبياء و اوصيائهم ثم الامثل‏

73

فالامثل و هذه الصديقة الطاهرة قد رأت من المصائب و النوائب ما لو نزلت على الجبال الراسيات لانفسخت و اندكت جوانبها، لكنها في كل ذلك كانت تصبر الصبر الجميل كما هو معلوم لكل من درس حياتها و اول مصيبة دهمتها هو فقدها جدها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ما لاقى اهلها بعده من المكاره، ثم فقدها أمها الكريمة بنت رسول اللّه (ص) بعد مرض شديد و كدر من العيش و الاعتكاف في بيت الاحزان، ثم فقدها اخاها المجتبى مسموما تنظر اليه و هو بتقيأ كبده في الطست قطعة قطعة و بعد موته ترشق جنازته بالسهام ثم رؤيتها اخاها الحسين عليه السلام تتقاذف به البلاد حتى نزل كربلاء و هناك دهمتها الكوارث العظام من قتله (ع) و قتل بقية إخوتها و أولادهم و أولاد عمومتها و خواص الامة من شيعة ابيها عطاشى ثم المحن التي لاقتها من هجوم اعداء اللّه على رحلها و ما فعلوه، من سلب و سبي و نهب و اهانة و ضرب لكرائم النبوة و ودائع الرسالة، و تكفلها حال النساء و الاطفال في ذلة الاسر، ثم سيرها معهم من بلد الى بلد و من منزل الى منزل و من مجلس الى مجلس، و غير ذلك من الززايا التي يعجز عنها البيان و يكل اللسان، و هى مع ذلك كله صابرة محتسبة و مفوضة امرها الى اللّه تعالى قائمة بوظائف شاقة من مداراة العيال و مراقبة الصغار و اليتامى من اولاد اخوتها و اهل بيتها رابطة الجأش بايمانها الثابت و عقيدتها الراسخة حتى كانت تسلي إمام زمانها زين العابدين عليه السّلام، أماما كان يظهر منها بعض الاحيان من البكاء و غيره فذلك ايضا كان لطلب الثواب او الرحمة التي اودعها اللّه عز و جل في المؤمنين، اما طلب الثواب فلعلمها بما اعده اللّه عز و جل للبكائين على الحسين (ع) قال الصادق (ع) من ذكرنا او ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح بعوضة غفر اللّه ذنوبه و لو كانت مثل زبد البحر و عنه (ع) كل الجزع و البكاء مكروه للعبد سوى الجزع و البكاء على الحسين (ع) فانه فيه مأجور و قال الباقر (ع) ايما مؤمن دمعت

74

عيناه لقتل الحسين (ع) دمعة حتى تسيل على خده بوأه اللّه بها في الجنة غرفا يسكنها احقابا كما ان السجاد (ع) كان يبكي اباه مدة حياته و هو الامام المقتدى به (قال المجلسي) (ره) بعد ان ذكر كثرة بكاء السجاد على ابيه و ذكر حكاية ملامة احد مواليه له (ع) ان بكاء المقربين بعضهم بعضا ليس لاجل المحبة البشرية بل لاغراض أخر، و هنا لما كان زين العابدين (ع) عالما باحوال والده مما يخفي على غيره و يعلم انه احب الخلق إلى اللّه و ان فقده سبب لضلالة الناس و ضياع و اندراس شريعة سيد المرسلين (ص) و ظهور البدع بكى عليه السّلام لذلك انتهى‏

(اقول) و زينب (ع) كان بكاؤها مضافا الى طلب الثواب لهذا الغرض ايضا، و اما الرحمة التي اودعها اللّه المؤمنين فمثل ما كان من النبي (ص) على ما رواه البخاري في صحيحه عن انس بن مالك عند ما دخل رسول اللّه (ص) و ولده ابراهيم يجود بنفسه، قال فجعلت عينا رسول اللّه (ص) تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف و انت يا رسول اللّه فقال يابن عوف انها رحمة ثم اتبعها باخرى فقال رسول اللّه (ص) ان العين تدمع و القلب يحزن و لا نقول الا ما يرضي ربنا و انا بفراقك يا ابراهيم لمحزونون (و عن ابن ماجة) باسناده عن انس ايضا قال لما قبض ابراهيم ابن النبي (ص) قال لهم النبي (ص) لا تدرجوه في اكفانه حتى انظر اليه فاتاه فانكب عليه و بكى (ص) (و عنه ايضا) باسناده عن اسماء بنت يزيد قالت لما توفي ابن رسول اللّه (ص) ابراهيم بكى رسول اللّه (ص) فقال له المعزي إما ابو بكر و إما عمر انت احق من عظم اللّه حقه، قال رسول اللّه (ص) تدمع العين و يحزن القلب و لا نقول ما يسخط الرب لو لا انه وعد صادق و موعود جامع و ان الآخر تابع للاول لوجدنا عليك يا ابراهيم ما وجدنا و انا بك لمحزونون (و عنه ايضا) باسناده عن اسامة ابن زيد قال كان ابن لبعض بنات رسول اللّه (ص) يقضي فقام رسول‏

75

اللّه (ص) و قمت معه و معاذ بن جبل و أبي بن كعب و عبادة بن الصامت فلما دخلنا ناولوا الصبي رسول اللّه (ص) و روحه تقلقل في صدره، قال فبكى رسول اللّه فقال له عبادة بن الصامت ما هذا يا رسول اللّه قال (ص) الرحمة التي جعلها اللّه في بني آدم و انما يرحم اللّه من عباده الرحماء

(اقول) يكفي في علو مقام هذه الدرة المكنونة و الجوهرة المصونة في الصبر و عظيم درجتها في التسليم لامر اللّه و الرضا بقضائه ما نقله في الطراز المذهب انها سلام اللّه عليها و على جدها و ابيها و امها و اخوانها لما وقفت على جسد اخيها الحسين (ع) قالت، اللهم تقبل منا هذا القليل من القربان، قال فقاربت امها في الكرامات و الصبر في النائبات بحيث خرقت العادات و لحقت بالمعجزات (قلت) و هذه الكلمات من هذه الحرة الطاهرة في تلك الوقفة التي رأت بها اخاها العزيز بتلك الحالة المفجعة التي كان فيها تكشف لنا قوة ايمانها و رسوخ عقيدتها و فنائها في جنب اللّه تعالى و غير ذلك مما لا يخفي على المتأمل.

تزويجها بعبد اللّه بن جعفر و شي‏ء من حياته‏

لما بلغت زينب صلوات اللّه عليها مبلغ النساء و دخلت من دور الطفولة الى دور الشباب خطبها الاشراف من العرب و رؤساء القبائل فكان امير المؤمنين عليه السّلام يردهم و لم يجب احدا منهم في امر زواجها، و ممن خطبها (ع) الاشعث بن قيس و كان من ملوك كندة (على ما في الاصابة) فزبره امير المؤمنين (ع) و قال يابن الحائك اغرك ابن ابي... حين زوجك اخته-و الحائك هنا المحتال او الكذاب‏ (1) و كان... زوج اخته ام

____________

(1) في المجمع ذكر حائك عند ابي عبد اللّه عليه السّلام و انه ملعون فقال عليه السّلام انما ذلك الذي يحوك الكذب على اللّه و رسوله (قلت) و مثله في قول البديع الهمداني. -

76

فروة بنت ابي... من الاشعث و ذلك ان الاشعث ارتد فيمن ارتد من الكنديين و اسر فاحضر الى ابي بكر فاسلم و اطلقه و زوجه اخته المذكورة فأولدها محمد بن الاشعث و هو احد قتلة الحسين (ع) إن الذي كان يدور في خلد امير المؤمنين (ع) ان يزوج بناته من ابناء اخوته ليس الا امتثالا لقول النبي صلّى اللّه عليه و آله‏ (1) حين نظر الى اولاد علي و جعفر و قال بناتنا لبنينا و بنونا لبناتنا و لذلك دعا بابن اخيه عبد اللّه بن جعفر و شرفه بتزويج تلك الحوراء الانسية اياه على صداق امها فاطمة (ع) اربعمائة و ثمانين درهما و وهبها اياه من خالص ماله (ع) و يجدر بنا ها هنا ان نذكر شيئا من حياة عبد اللّه بن جعفر رضي اللّه عنه (فنقول) هو عبد اللّه بن جعفر ابن ابي طالب بن هاشم بن عبد مناف، يلقب بالجواد و يكنى بابي محمد و اشهر كناه ابو جعفر، امه اسماء بنت عميس الخثعمية اخت ميمونة بنت الحرث ام المؤمنين لامها، و هى ام ولد جعفر ابن ابي طالب جميعا، و لما قتل عنها جعفر تزوجها ابو بكر فولدت له محمدا و لما توفي عنها تزوجها امير المؤمنين (ع) فولدت له يحيى بن علي توفي في حياة ابيه (ع) ، هذا قول ابي الفرج الاصبهاني في المقاتل، و قيل ولدت له يحيى و محمدا الاصغر (و في مناقب) ابن شهراشوب محمد الاصغر كان يكنى ابا بكر قتل يوم الطف، و قيل كانت أمه أم ولد، و قيل انه مات في حياة ابيه ايضا، و ابو بكر المقتول يوم الطف من ليلى بنت مسعود النهشلية و هو الصحيح (و قال) ابن عبد البر في الاستيعاب ذكر ابن

____________

ق-

يا دار منتجع الرسا # لة بيت مختلف الملائك

يابن الفواطم و العوا # تك و الترائك و الارائك

انا حائك ان لم اكن # مولى ولائك و ابن حائك‏

(1) في البحار عن الخزاز القمي نظر النبي (ص) الى اولاد علي و جعفر فقال (ص) بناتنا لبنينا و بنونا لبناتنا.

77

الكلبي ان عون بن علي امه اسماء بنت عميس و لم يقل ذلك غيره‏ (1) و هاجرت اسماء مع زوجها جعفر الى الحيشة فولدت له اولاده هناك، و كانت اسماء من القانتات العابدات روت الحديث عن النبي (ص) و عن علي و الزهراء عليهما السّلام و روي عنها كثيرون منهم ابنها عبد اللّه بن جعفر، و حفيدها القاسم بن محمد بن ابي بكر و هو جد امامنا الصادق (ع) لامه، و روي عنها عبد اللّه بن عباس (رض) و هو ابن اختها لبابة بنت الحارث، قيل و كان عمر يسألها عن تفسير المنام و نقل عنها اشياء من ذلك و من غيره (قال) في الاصابة و يقال انها لما بلغها قتل ولدها محمد بمصر قامت الى مسجد بيتها و كظمت غيظها حتى شخب ثدياها دما، و كان جعفر بن ابي طالب من احب الناس الى رسول اللّه (ص) هاجر الى الحبشة بامر النبي (ص) فاسلم النجاشي و من تبعه على يديه (قال الشعبي) و قدم المدينة عند فتح خيبر فالتزمه النبي (ص) و جعل يقبل بين عينيه و يقول ما أدري بابهما انا اشد فرحا بقدوم جعفر ام بفتح خيبر، و كان اسلام جعفر بامر ابيه ابي طالب في السنة التي بعث فيها النبي (ص) و كان يصلي مع النبي (ص) و امير المؤمنين (ع) و خديجة (ع) و الناس عاكفون على الاصنام هذا هو الصحيح، و عن ابن اسحق انه اسلم بعد خمسة و عشرين رجلا، و قيل بعد واحد و ثلاثين، و الذي يدل على صحة ما اخترناه ما نقله عامة اهل السير و رواه الرواة باسنادهم عن عمران بن حصين ان ابا طالب قال لابنه جعفر حين رأي النبي (ص) يصلي و خلفه علي (ع) صل جناح ابن عمك (و في الامالي) للصدوق باسناده عن محمد ابن عمر الجرجاني قال قال الصادق (ع) اول جماعة كانت ان رسول اللّه (ص) كان يصلي و امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السّلام معه

____________

(1) و يروى ان أسماء أول من تزوجها هو حمزة بن عبد المطلب و انها ولدت له بنتا تسمى امة اللّه و قيل امامة و اللّه أعلم.

78

اذ مر ابو طالب و معه ولده جعفر فقال يا بني صل جناح ابن عمك فلما احسه رسول اللّه (ص) تقدمهما و انصرف ابو طالب مسرورا و هو يقول‏

ان عليا و جعفرا ثقتي # عند ملم الزمان و النوب

و اللّه لا اخذل النبي و لا # يخذله من بني ذو حسب

لا تخذلا و انصرا ابن عمكما # اخي لامي من بينهم و ابي‏

قال فكانت اول جماعة جمعت ذلك اليوم.

(اقول) و في هذا المقام اخبار أخر اوردناها في كتابنا مواهب الواهب في فضائل ابي طالب و قد جاءت في جعفر (ع) اخبار كثيرة تدل على سمو قدره و عظم شأنه (قال ابن حجر) كان ابو هريرة يقول انه افضل الناس بعد النبي (ص) (قال) و في البخاري عنه كان جعفر خير الناس للمساكين، و قال خالد الحذاء عن عكرمة سمعت ابا هريرة يقول ما احتذى النعال و لا ركب المطايا و لا وطأ التراب بعد رسول اللّه (ص) افضل من جعفر بن ابي طالب (و عنه) كان جعفر يحب المساكين و يجلس اليهم و يخدمهم و يخدمونه و يحدثهم و يحدثونه فكان رسول اللّه (ص) يكنيه ابا المساكين (قال) و قال له النبي (ص) اشبهت خلقي و خلقي رواه البخاري (و في التذكرة) لسبط ابن الجوزي استشهد جعفر بموته في ارض البلقاء الى الحجاز و ذلك في جمادي الاولى سنة ثمان من الهجرة، قال ابن اسحق و سبب هذه الغزاة ان رسول اللّه (ص) بعث الحرث بن عمير الازدي الى ملك بصرى بكتاب فلما نزل موتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقتله و لم يقتل لرسول اللّه (ص) غيره فشق ذلك على رسول اللّه (ص) فندب الناس و عسكر بالحرب و هم ثلاثة آلاف و شيعهم رسول اللّه (ص) الى ثنية الوداع فساروا حتى نزلوا موتة فالتقاهم هر قل في اربعمائة الف منهم اربعون الفا مقرنين فالتقوا فثبت المسلمون ثم قتل زيد ابن حارثة و جعفر و ابن رواحة و كانوا امراء الجيش، قال ابن سعد في‏

79

الطبقات قال ابن عمر وجد فيما اقبل من بدن جعفر ما بين منكبيه تسعين ضربة بين طعنة رمح و ضربة سيف (قال) ان النبي (ص) نعى جعفرا و زيدا و ابن رواحة قبل ان يجي‏ء خبرهم نعاهم و عيناه تذرقان (قال) و في الطبقات بالاسناد الى عبد اللّه بن جعفر دخل رسول اللّه (ص) على امي فنعى اليها ابي و مسح على رأسي و رأس اخي و عيناه تذرقان بالدموع ثم قال اللهم ان جعفرا قد قدم الى احسن الثواب فاخلفه في ذريته باحسن ما خلفت احدا من عبادك في ذريته، ثم قال (ص) يا أسماء الا ابشرك ان اللّه قد جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة (و قال) امهل رسول اللّه (ص) آل جعفر ثلاثا بعد ما جاء نعيه ثم اتاهم وجيئ بحجام فحلق رؤس اولاده محمد و عون و عبد اللّه و قال اما محمد فشبيه عمنا ابي طالب و اما عون فشبيه خلقي و خلقي ثم اخذ بيد عبد اللّه و دعا له.

(اقول) كان عبد اللّه بن جعفر ممن صحب رسول اللّه (ص) و حفظ حديثه ثم لازم امير المؤمنين و الحسنين (ع) و اخذ منهم العلم الكثير (قال في الاستيعاب) و كان كريما جوادا ظريفا خليقا عفيفا سخيا يسمى بحر الجود (قال) و يقال انه لم يكن في الاسلام اسخى منه‏ (1) (و قال في الاصابة) قال ابن جريح انبأنا جعفر بن خالد ابن سارة أن اباه

____________

(1) ثم قال في الاستيعاب، و كان لا يرى بسماع الغناء بأسا، ثم نقل حكاية في ذلك ارسلها ارسالا.

(أقول) اتهام عبد اللّه بن جعفر بالغناء و اجتماع الشعراء عند سكينة بنت الحسين (ع) و محاكمتها بينهم، و طلاق عبد اللّه بن جعفر لزوجته زينب بنت أمير المؤمنين (ع) و اكثر الحكايات الطاعنة في بني هاشم بعد التتبع وجدناها من وضع الزبير بن بكار عدو اهل البيت و بلغت عداوته الى حد أن العلويين طلبوا الخلاص منه بقتله، (قال) ابن الاثير الجزري في الكامل قال احمد بن سليمان ابن ابي شيخ قدم الزبير بن بكار العراق-

80

أخبره عن عبد اللّه بن جعفر قال مسح رسول اللّه (ص) رأسي و قال اللهم اخلف جعفرا في ولده، و قال كنا نعلب فمر بنا على دابة فحملنى امامه، اخرجه احمد و غيره بسند قوي (قال) و من طريق محمد بن ابي يعقوب عن الحسن بن سعد عن عبد اللّه بن جعفر (الى ان قال) فقال رسول اللّه (ص) و اما عبد اللّه فيشبه خلقي و خلقي، ثم اخذ بيدي فقال اللهم اخلف جعفرا في اهله و بارك لعبد اللّه في صفقة يمينه قالها ثلاث مرات (و فيه) و انا وليهم في الدنيا و الآخرة (قال) و قال البغوي حدثنا

____________

ق-هاربا من العلويين لانه كان ينال منهم فتهددوه فهرب منهم و قدم على عمه مصعب بن عبد اللّه بن الزبير وشكا اليه حاله و خوفه من العلويين و سأله انهاء حاله الى المعتصم فلم يجد عنده ما اراد و أنكر عليه حاله و لامه، قال احمد فشكا ذلك الي و سألني مخاطبة عمه في أمره فقلت له في ذلك و انكرت عليه اعراضه عنه، فقال لي ان الزبير فيه جهل و تسرع فاشر عليه ان يستعطف العلويين و يزيل ما في نفوسهم منه أما رأيت المأمون و رفقه بهم و عفوه عنهم و ميله اليهم قلت بلى قال فهذا أمير المؤمنين و اللّه على مثل ذلك او فوقه و لا اقدر اذكرهم عنده لقبيح فقل له ذلك حتى يرجع عن الذي هو عليه من ذمهم.

(أقول) و لم ينفع معه القول لخبث ولادته و صار يضع المفتريات حتى على مشائخ العلويين (قال الذهبي) ان الحافظ ابا الفضل احمد بن علي السليماني عد الزبير بن بكار من الوضاعين للاحاديث و لم يقبل حديثه و لا يوجد لحديثه أثر في الصحيحين (و قال) الشيخ المفيد في محكي المسائل السروية ان الزبير بن بكار لم يوثق فيما ينقله و هو متهم و غير مأمون لما كان عليه من بغض أمير المؤمنين (ع) (قلت) و لما كان عليه من النصب قدمه النواصب من العباسيين فولوه القضاء بمكة المكرمة كما قدموا الناصبي مروان بن ابي حفصة على الشعراء، و كانت وفاته سنة 256 و هو ابن-

81

القواريري حدثنا عبد اللّه بن داود عن قطر بن خليفة عن ابيه عن عمرو ابن حريث ان رسول اللّه (ص) مر بعبد اللّه بن جعفر و هو يبيع مع الصبيان، فقال اللهم بارك في بيعه او صفقته (قال) و قال ابن حيان كان يقال لعبد اللّه بن جعفر قطب السخاء، و كان له عند موت النبي عشر سنين (و في التذكرة) عن صحيحي البخاري و مسلم عن عبد اللّه بن الزبير أنه قال لعبد اللّه بن جعفر اتذكر إذ لقينا رسول اللّه (ص) انا و انت و ابن عباس؟فقال له عبد اللّه بن جعفر نعم فحملنا و تركك.

(و روي) ابن سعد باسناده عنه قال كان رسول اللّه اذا قدم من سفر

____________

ق-ثمانين او اربع و ثمانين سنة و بينه و بين عبد اللّه بن الزبير اربعة اظهر ليس غير، فانه الزبير بن ابي بكر بكار بن عبد اللّه بن مصعب بن ثابت ابن عبد اللّه بن الزبير (قال الصدوق) طاب ثراه استحلف الزبير بن بكار رجل من الطالبيين على شي‏ء بين القبر و المنبر فحلف و برص، و أبوه بكار ظلم الرضا (ع) في شي‏ء فدعا عليه فسقط في وقت دعائة عليه من قصره فاندقت عنقه، و أبوه عبد اللّه بن مصعب هو الذي مزق عهد يحيى بن عبد اللّه بن الحسين بين يدي الرشيد و قال اقتله فانه لا أمان له، و هو الذي استحلفه يحيى بالبراءة و تعجيل العقوبة فحم من وقته و مات بعد ثلاث و انخسف قبره مرات كثيرة (قلت) و أول من آوى الزبير بن بكار و در عليه المعاش هو المتوكل و عداوته لعلي و اولاده معلومة ظاهرة (ففي تاريخ) الخطيب عن جحظة البرمكي قال استأذن الزبير بن بكار على محمد بن عبد اللّه بن طاهر و انا بحضرته فلما دخل اكرمه محمد و عظمه و قال لئن باعدت بيننا الانساب لقد قربت بيننا الآداب و ان أمير المؤمنين (يعني المتوكل) ذكرك فاختارك لتأديب ولده و امر لك بعشرة آلاف درهم و عشرة تخوت من الثياب و عشرة ابغل تحمل عليها رحلك الى حضرته بسر من رأى فشكره على ذلك و قبله.

غ

82

تلقى بصبيان اهل بيته، و انه صلّى اللّه عليه و آله جاء مرة فسبق بي اليه فحملني فجعلني بين يديه ثم جيئ باحد ابني فاطمة الحسن او الحسين عليهما السّلام فأردفه خلفه فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة (قال) حدثنا يزيد بن هرون حدثنا اسماعيل بن عامر قال كان عبد اللّه بن عمر اذا لقى عبد اللّه ابن جعفر يقول له السّلام عليك يابن ذي الجناحين (قلت) و اخبار عبد اللّه بن جعفر في الكرم كثيرة، و كان بدعوة النبي صلّى اللّه عليه و آله من أيسر بني هاشم و أغناهم، و له في المدينة و غيرها قرى و ضياع و متاجرة عدا ما كانت تصله من الخلفاء من الاموال، و كان بيته محط آمال المحتاجين، و كان لا يرد سائلا قصده، و كان يبدأ الفقير بالعطاء قبل ان يسأله فسئل عن ذلك فقال لا احب ان يريق ماء وجهه بالسؤال، حتى قال فقراء المدينة بعد موته ما كنا نعرف السؤال حتى مات عبد اللّه ابن جعفر (و يحكى) ان الفرزدق الشاعر اتى عبد الملك بن مروان يستميحه فأبى أن يعطيه شيئا فقال له عبد اللّه بن جعفر ما كنت تؤمل ان يعطيك فقال كنت أؤمل ان يعطيني الف دينار في كل سنة، قال فكم تؤمل أن تعيش في الدنيا يا أبا فراس، قال أؤمل ان اعيش في الدنيا اربعين سنه، فنادى عبد اللّه بن جعفر غلامه يا غلام علي بالوكيل فاتاه وكيله، فقال له خذ الفرزدق و اعطه اربعين الف دينار فقبضها و مضى. و حكايات عبد اللّه بن جعفر في الجود كثيرة ذكرنا شطرا منها في كتابنا خزائن الدرر.

(و مما) يدل على سؤدده و مجده و فصاحته و بلاغته ما رواه عز الدين ابن ابي الحديد في شرح النهج عن المداثني قال بينا معوية يوما جالس و عنده عمرو بن العاص اذ قال الآذن قد جاء عبد اللّه بن جعفر ابن ابي طالب فقال عمرو و اللّه لاسوأنه اليوم فقال معوية لا تفعل يا ابا عبد اللّه فانك لا تنتصف منه و لعلك ان تظهر لنا من مغبته ما هو خفي عنا و ما لا نحب ان نعلمه منه، و غشيهم عبد اللّه بن جعفر فادناه معوية و قربه‏

83

فمال عمرو الى بعض جلساء معاوية فنال من علي (ع) جهارا غير ساتر له و ثلبه ثلبا قبيحا فالتمع لون عبد اللّه و اعتراه إمكل حتى ارعدت خصائله ثم نزل عن السرير كالفنيق فقال عمرو مه يا ابا جعفر فقال له عبد اللّه مه لا ام لك ثم قال.

اظن الحلم دل علي قومي # و قد يتجهل الرجل الحليم‏

ثم حسر عن ذراعيه و قال يا معوية حتى م نتجرع غيظك و الى كم الصبر على مكروه قولك و سيئ ادبك و ذميم اخلاقك هبلتك الهبول اما يزجرك ذمام المجالسة من القذع لجليسك إذا لم يكن له حرمة من دينك تنهاك عما لا يجوز لك اما و اللّه لو عطفتك اواصر الارحام او حاميت على سهمك من الاسلام ما ارخيت لبنى الاماء المتك و العبيد المسك اعراض قومك و ما يجهل موضع الصفوة الا اهل نجوة و انك لتعرف رشايط قريش و صقوة عرايرها فلا يدعونك تصويب ما فرط من خطأك في سفك دماء المسلمين و محاربة امير المؤمنين الى التمادي فيما قد وضح لك الصواب في خلافه فاقصد لمنهج الحق فقد طال عمهك عن سبيل الرشد و خبطك في ديجور ظلمة الغي فان ابيت الا ان تتابعنا في قبح اختيارك لنفسك فاعفنا عن سوء القالة فينا اذا ضمنا و اياك الندي و شأنك و ما تريد اذا خلوت و اللّه حسيبك فو اللّه لو لا ما جعل اللّه لنا في يديك لما اتيناك (ثم قال) انك ان كلفتني ما لم اطق ساءك ما سرك منى من خلق، فقال معوية يا ابا جعفر لغير الخطأ اقسمت عليك لتجلسن لعن اللّه من اخرج ضب صدرك من و جاره محمول لك ما قلت و لك عندنا ما املت فلو لم يكن مجدك و منصبك لكان خلقك و خلقك شافعين لك الينا و انت ابن ذي الجناحين و سيد بني هاشم، فقال عبد اللّه كلا بل سيدا بنى هاشم حسن و حسين لا ينازعهما في ذلك احد، فقال ابا جعفر أقسمت عليك لما ذكرت حاجة لك قضيتها كائنة ما كانت و لو ذهبت بجميع ما املك، فقال اما

84

اما في هذا المجلس فلا. ثم انصرف فاتبعه معوية بصره فقال و اللّه لكأنه رسول اللّه (ص) مشيه و خلقه و خلقه و انه لمن شكله و لوددت انه ابني بنفيس ما املك، ثم التفت الى عمرو فقال ابا عبد اللّه ما تراه منعه من الكلام معك، قال ما لا خفاء به عنك قال اظنك تقول انه هاب جوابك لا و اللّه و لكنه ازدراك و استحقرك و لم يرك للكلام اهلا اما رأيت إقباله علي دونك زاهدا بنفسه عنك، فقال عمرو هل لك ان تسمع ما اعددته لجوابه قال معاوية اذهب اليك ابا عبد اللّه فلات حين جواب سائر اليوم و نهض معوية و تفرق الناس.

(و في كتاب المحاسن و المساوي) للبيهقي قال حضر مجلس معوية عبد اللّه بن عباس‏ (1) و ابن العاص فاقبل عبد اللّه بن جعفر فلما نظر اليه ابن العاص قال قد جائكم رجل كثير الخلوات بالتمني و الطربات بالتغني،

____________

(1) عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب ابن عم رسول اللّه (ص) امه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، كان من علماء الصحابة، و كان يقال له حبر العرب و حبر الامة، دعا له رسول اللّه و قال اللهم علمه الحكمة (قال ابن حجر) قال ابن مندة كان ابن عباس أبيض طويلا مشربا صفرة جسيما و سيما صبيح الوجه له وفرة يخضب بالحناء، و أسند عن أبى اسحق رأيت ابن عباس رجلا جسيما قد شاب مقدم رأسه، و عن ابن عمر انه كان يقرب ابن عباس و يقول اني رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دعاك و مسح رأسك و تفل في فيك و قال اللهم فقهه في الدين و علمه التأويل (و في ينابيع المودة) ان ابن عباس قال يوما لو وجدت احدا أعلم مني لأنيته و تعلمت منه، فقيل له ما تقول في علي بن ابي طالب فقال أو لم آته، و كان من الملازمين لامير المؤمنين بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثم لازم الحسنين عليهما السّلام، و العلة في عدم خروجه مع الحسين عليه السّلام هو ما روي ان بصره كان-

85

محب للقيان كثير مزاحه، شديد طماحه، صدوف عن السنان، ظاهر الطيش، لين العيش، اخاذ بالسلف، منفاق بالسرف، فقال ابن عباس و اللّه انت و ليس كما ذكرت، و لكنه للّه ذكور، و لنعمائه شكور، و عن الخنازجور، جواد كريم، سيد حليم، ماجد هميم، ان ابتدأ اصاب، و ان سئل اجاب، غير حصر و لا هياب و لا فحاش عياب، حل من قريش في كريم النصاب كالهزبر الضرغام، الجرئ المقدام، في الحسب القمقام ليس يدعى لدعي، و لا يدنو لدني، كمن اختصم فيه من قريش شرارها فغلب عليه جزارها، فاصبح الأمها حسبا، و ادناها منصبا ينوء منها بالذليل، و يأوي منها الى القليل، يتذبذب بين الحيين، كالساقط بين الفراشين، لا المضطر اليهم عرفوه، و لا الظاعن عنهم فقدوه و ليت شعري باي قدم نتعرض للرجال، و باي حسب تبارز عند النضال، أبنفسك فانت الوغد الزنيم، ام بمن تنتمي اليه فاهل السفه و الطيش و الدناءة في قريش لا بشرف في الجاهلية شهروا، و لا بقديم في الاسلام ذكروا، غير انك تتكلم بغير لسانك، و تنطق بغير اركانك و اللّه لكان أبين للفضل و اظهر للعدل، ان ينزلك معوية منزلة البعيد السحيق، فانه طالما سلس

____________

ق-مكفوفا يومئذ، و قد وردت في شأنه اخبار تنافي علمه و فضله و أكثرها من وضع الامويين و اشباههم، أما ما ورد من طرقنا فقد تعرض لها علماء الرجال بما لا مزيد عليه فليراجعها من شاء، أما قضية أموال البصرة و كتاب أمير المؤمنين عليه السّلام المذكور في نهج البلاغة و غيره، فقد قال المحققون ان لمخاطب هو عبيد اللّه بن عباس لا عبد اللّه و نزهوا عبد اللّه من ذلك الدنس، و التحقيق في شرح النهج لابن ابي الحديد فراجع، و قد كتب العلامة الشهير السيد هبة الدين الشهرستاني سلمه اللّه رسالة جيدة في تنزيه عبد اللّه بن عباس، و كانت وفاة ابن عباس في الطائف سنة ثمان و ستين و صلى عليه محمد ابن الحنفية.

86

داؤك، و طمح بك رجاؤك الى الغاية القصوى التي لم يخضر بها رعيك، و لم يورق بها غصنك. قال عبد اللّه بن جعفر اقسمت عليك لما امسكت، فانك عني ناضلت ولي فاوضت، قال ابن عباس دعني و العبد فانه قد كان يهدر خاليا اذ لم يجد مراميا، و قد اتيح له ضيغم شرس، و للاقران مفترس و للارواح مختلس، فقال ابن العاص دعني يا امير المؤمنين انتصف منه فو اللّه ما ترك شيئا، قال ابن عباس دعه فلا يبقي المبقي الا على نفسه فو اللّه ان قلبي لشديد، و ان جوابي لعتيد، و باللّه الثقة، فاني كما قال نابغة بني ذبيان:

و قبلك ما قذعت و قاذعوني # فما نزر الكلام و لا شجاني

يصد الشاعر العراف عني # صدور البكر من قرم هجان‏

(قال ابن حجر) في الاصابة اخرج ابن ابي الدنيا و الخرائطي بسند حسن الى محمد بن سيرين ان دهقانا من اهل السواد كلم ابن جعفر في ان يكلم عليا في حاجة فكلمه فيها فقضاها فبعث اليه الدهقان اربعين الفا فقالوا ارسل بها الدهقان فردها و قال إنا لا نبيع معروفا (و اخرج) الدارقطني في الافراد من طريق هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال جلب رجل من التجار سكرا الى المدينة فكسد عليه فبلغ عبد اللّه فامر قهرمانه ان يشتريه و ينهبه الناس (و اخرج) الطبري و البيهقي من طريق ابن اسحق المالكي قال وجه يزيد بن معاوية الى عبد اللّه بن جعفر مالا جليلا هدية ففرفه في اهل المدينة و لم يدخل منزله منه شيئا، و في ذلك يقول عبد اللّه بن قيس الرقيات:

و ما كنت الا كالاغر ابن جعفر # رأى المال لا يبقى له ذكرا

و قال ابو زرعة الدمشقي حدثنا محمد بن ابي اسامة عن علي بن ابي حملة قال كان يزيد امر لعبد اللّه بن جعفر بالفي الف درهم، قال الشماخ ابن ضرار بمدح عبد اللّه بن جعفر:

87

انك يابن جعفر نعم الفتى # و نعم مأوى طارق اذا اتى

و رب ضيف طارق الحي سرى # صادف زادا و حديثا ما اشتهى‏

و كان عبد اللّه بن جعفر منقطعا الى عمه امير المؤمنين عليه السّلام ثم الى الحسنين عليهما السّلام و له في الجمل و صفين و النهروان ذكر مشهور اما عدم خروجه مع الحسين (ع) الى كربلاء فقد قيل انه كان مكفوف البصر، و لما نعي اليه الحسين (ع) و بلغه قتل ولديه عون و محمد كان جالسا في بيته و دخل عليه الناس يعزونه، فقال غلامه ابو اللسلاس هذا ما لقينا من الحسين‏ (1) و كان الغلام قد ربى هذين الولدين فحذفه عبد اللّه بنعله و قال له يابن اللخناء أللحسين تقول هذا، و اللّه لو شهدته لما فارقته حتى اقتل معه، و اللّه انهما لمما يسخى بالنفس عنهما، و يهون علي المصاب بهما انهما اصيبا مع اخي و ابن عمي مواسيين له صابرين معه، ثم انه اقبل على الجلساء فقال الحمد للّه اعزز علي بمصرع الحسين ان لم اكن واسيت الحسين بيدي فقد واسيته بولدي (و من اخبار) عبد اللّه بن جعفر انه خرج هو و الحسنان عليهما السّلام و ابو دحية الانصاري من مكة الى المدينة فاصابتهم السماء بمطر فلجؤوا الى خباء اعرابي فاقاموا عنده ثلاثة ايام حتى سكنت السماء فذبح لهم الاعرابي شاة فلما ارتحلوا قال عبد اللّه للاعرابي ان قدمت المدينة فسل عنا فاحتاج الاعرابي بعد سنين فقالت له امرأته لو أتيت المدينة فلقيت اولئك الفتيان، فقال قد نسيت اسماءهم فقالت سل عن ابن الطيار فاتى المدينة فلقى الحسن (ع) فامر له بمائة ناقة بفحولها و رعاتها، ثم اتى الحسين (ع) فقال كفانا ابو محمد مؤنة الابل فامر له بالف شاة، ثم اتى عبد اللّه بن جعفر رضي اللّه عنه فقال كفانى اخوانى الابل و الشياء فامر له بمائة الف درهم، ثم اتى ابا دحية فقال و اللّه

____________

(1) ذكر هذه القصة ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة 60.

(م ص)

88

ما عندي مثل ما اعطوك و لكن ائتني بالك فاوقرها لك تمرا فلم يزل اليسار في عقب الاعرابي من ذلك اليوم (و منها) انه خرج يوما الى ضيعة له فنزل على حائط به نخيل لقوم و فيه غلام اسود يقوم عليه فاتى بقوته ثلاثة اقراص فدخل كلب فدنا من الغلام فرمى اليه بقرص فاكله ثم رمى اليه بالثاني و الثالث فاكلهما و عبد اللّه ينظر اليه، فقال يا غلام كم قوتك كل يوم قال ما رأيت قال فلم آثرت هذا الكلب قال ان ارضنا ما هي بارض كلاب و ان هذا الكلب جاء من مسافة بعيدة جائعا فكرهت ان ارده، قال فما انت صانع اليوم قال اطوي يومي هذا فقال عبد اللّه بن جعفر أألام على السخاء و هذا العبد اسخى مني، ثم اشترى الحائط و ما فيه من النخيل و الالات و اشترى الغلام ثم اعتقه و وهبه الحائط بما فيه من النخيل، فقال الغلام ان كان ذلك لي فهو في سبيل اللّه تعالى فاستعظم عبد اللّه ذلك منه، فقال يجود هذا و ابخل انالا كان ذلك ابدا (و قيل) ان الحسنين عليهما السّلام قالا يوما لعبد اللّه بن جعفر انك قد اسرفت في بذل هذه الاموال و كان عبد اللّه بذلها لغير مستحقيها، فقال بابي انتما ان اللّه عز و جل عودني على التفضل علي و عودته أن اتفضل على عباده فاخاف ان اقطع العادة فيقطع عني المادة (و لام الناس) بعض الخلفاء و كان ارسل الى عبد اللّه بن جعفر ثلاثة آلاف الف فقال و اللّه ما اعطيته هذا المال الا لجميع اهل المدينة، ثم لازم له من صحبه و هو لا يعلم لينظر ما يفعل فرآه فرق جميع ذلك المال على فقراء اهل المدينة و زاد عليه من امواله (قال ابن عبد البر في الاستيعاب) و يقولون إن اجواد العرب في الاسلام عشرة، (فأجواد اهل الحجاز عبد اللّه بن جعفر، و عبيد اللّه بن عباس ابن عبد المطلب، و سعيد بن العاص (و اجواد) اهل الكوفة عتاب بن ورقاء احد بني رياح بن يربوع، و اسماء بن خارجة بن حصن الفزارى، و عكرمة بن ربعي الفياض احد بني تيم اللّه بن ثعلبة (و اجواد) اهل‏

89

البصرة عمرو بن عبيد اللّه بن معمر، و طلحة بن عبد اللّه بن خلف الخزاعي ثم احد بني مليح و هو طلحة الطلحات، و عبيد اللّه بن ابي بكرة (و اجواد) اهل الشام خالد بن عبد اللّه بن خالد بن اسد بن ابي العاص بن امية ابن عبد شمس، و ليس في هؤلاء كلهم اجود من عبد اللّه بن جعفر و لم يكن مسلم يبلغ مبلغه في الجود (قال) و عوتب في ذلك فقال ان اللّه عودني عادة و عودت الناس عادة فاما اخاف ان قطعتها قطعت عنى (و مدحه) نصيب فاعطاه ابلا و خيلا و ثيابا و دنانير و دراهم، فقيل له تعطي لهذا الاسود مثل هذا، فقال ان كان اسود فشعره ابيض و لقد استحق بما قال اكثر مما نال و هل اعطيناه الا ما يبلى و يفنى و اعطانا مدحا يروى و ثناء يبقى (و قد قيل) ان هذا الخبر انما جرى له مع عبد اللّه بن قيس الرقيات (قال) روى عنه ابناه اسماعيل و معوية، و ابو جعفر محمد بن علي و القاسم ابن محمد و عروة بن الزبير و سعد بن ابراهيم الاكبر و الشعبي و مورق العجلي و عبد اللّه بن شداد و الحسن بن سعد و عباس بن سهل بن سعد و غيرهم (و قال بن حجر العسقلاني) في تهذيب، التهذيب، بعد ان ذكر اسماء الرواة عنه (ما نصه) و اخباره في الكرم شهيرة، قال ابن حبان كان يقال له قطب السخاء (و ذكر له ابن عساكر) في تاريخ الشام (ج-7) (ص-325-344) ترجمة طويلة اطنب في ذكر كرمه و شرفه و مما قال (ما نصه) روى الحافظ ان معوية كان يقول بنو هاشم رجلان رسول اللّه (ص) لكل خير ذكر، و عبد اللّه بن جعفر لكل شرف و اللّه لكأن المجد نازل منزلا لا يبلغه احد و عبد اللّه نازل وسطه، و قال: قال الشعبي دخل عبد اللّه بن جعفر على معوية و عنده يزيد ابنه فجعل يزيد يعرض بعبد اللّه في كلامه و ينسبه الى الاسراف في غير مرضات اللّه، فقال عبد اللّه ليزيد اني لا رفع نفسي عن جوابك و لو صاحب السرير لاجبته فقال معاوية كانك تظن انك اشرف منه؟قال اي و اللّه و منك و من ابيك

90

و جدك، فقال معوية ما كنت احسب ان احدا في عصر حرب بن امية اشرف من حرب بن امية، فقال عبد اللّه بلى و اللّه يا معوية إن اشرف من حرب (من اكفأ عليه إناءه و أجاره برداءه) قال صدقت يا أبا جعفر ثم ذكر الشعبي معنى قول عبد اللّه (من اكفأ عليه إناءه الخ) و انه عبد المطلب بن هاشم (لقصة طويلة) ، و جاء شاعر الى عبد اللّه بن جعفر فانشده:

رأيت ابا جعفر في المنام # كساني من الخز دراعه

شكوت الى صاحبي امرها # فقال ستؤتى بها ساعه

سيكسو كها الماجد الجعفري # و من كفه الدهر نفاعه

و من قال للجود لا تعدني # فقال لك السمع و الطاعه‏

فقال عبد اللّه لغلامه ادفع اليه جبتي الخز، ثم قال له و يحك كيف لم ترجبتي الوشي التي اشتريتها بثلاثمائه دينار منسوجة بالذهب فقال اغفي غفية اخرى فلعلي اراها في المنام فضحك منه عبد اللّه و قال لغلامه ادفع اليه جبتي الوشي ايضا (انتهى ما ذكره ابن عساكر) ملخصا.

(أما وفاة عبد اللّه) فكانت بالمدينة سنة ثمانين او اربع او خمس و ثمانين‏ (1) عام الجحاف (سيل كان ببطن مكة جحف بالناس فذهب

____________

(1) قال الداودي النسابة في عمدة الطالب ص 22 من طبع النجف الاشرف (ما نصه) مات عبد اللّه بالمدينة سنة ثمانين و صلى عليه أبان بن عثمان بن عفان و دفن بالبقيع (و قيل) مات بالابواء، و قال شيخنا أبو الحسن العمري مات عبد اللّه في زمان عبد الملك بن مروان و له تسعون سنة، و قال ابن عساكر (ج 7 ص 344) في تاريخ الشام (قال هشام المخزومي أجمع أهل الحجاز و أهل البصرة و أهل الكوفة على انهم لم يسمعوا بيتين أحسن من بيتين رأوهما على قبر عبد اللّه بن جعفر و هما: -

91

بالحاج و الجمال باحمالها و ذلك في خلافة عبد الملك بن مروان) و صلى عليه السجاد او الباقر عليهما السّلام، و امير المدينة يومئذ ابان بن عثمان (قال في اسد الغابة) عبد اللّه بن جعفر اول مولود ولد في الاسلام بارض الحبشة، و توفي سنة ثمانين عام الجحاف بالمدينة و اميرها ابان بن عثمان لعبد الملك بن مروان فحضر غسل عبد اللّه و كفنه و الولائد خلف سريره قد شققن الجيوب، و الناس يزدحمون على سريره، و أبان بن عثمان قد حمل السرير بين العمودين فما فارقه حتى وضعه بالبقيع و دموعه تسيل على خديه و هو يقول كنت و اللّه خيرا لا شر فيك و كنت و اللّه شريفا و اصلا برا.

و خلف عبد اللّه بن جعفر (1) عدة اولاد (قال سبط بن الجوزي) منهم جعفر الاكبر، و به كان يكنى و امه ام عمرو بنت خراش بن بغيض و علي، و عون الاكبر، و محمد، و عباس، و ام كلثوم و امهم زينب بنت علي (ع) و امها فاطمة بنت رسول اللّه (ص) و حسن درج، و عون الاصغر قتل مع الحسين عليه السّلام يوم الطفوف‏ (2) و لا بقية له، و امهما

____________

ق-

مقيم الى أن يبعث اللّه خلقه # لقاؤك لا يرجى و أنت قريب

تزيد بلى في كل يوم و ليلة # و تنسى كما تبلى و انت حبيب‏

(م ص)

(1) قال جمال الدين النسابة الداودي الحسني في عمدة الطالب (ص 22) طبع النجف الاشرف (ما نصه) ولد عبد اللّه عشرين ذكرا (و قيل) اربعة و عشرين (منهم) معاوية بن عبد اللّه كان وصي ابيه (و منهم) على الزينبي امه زينب بنت علي بن ابي طالب عليه السّلام (و منهم) إسحاق العريضي أمه أم ولد (و منهم) اسماعيل الزاهد قتيل بني أميه (او بني أخيه) و هؤلاء الاربعة هم المعقبون من ولد عبد اللّه بن جعفر رحمه اللّه تعالى.

(2) إن المقتول مع الحسين عليه السّلام يوم الطفوف هو عون الاكبر-

92

جمانة بنت المسيب بن نجبة الفزاري و ابو بكر، و عبيد اللّه، و محمد و امهم الخوصاء بنت حفصة من بني بكر بن وائل و صالح، و يحيى لا بقية لهما، و هرون و موسى لا بقية لهما ايضا، و جعفر و ام ابيها، و ام محمد و امهم ليلى بنت مسعود، و حميد، و ام الحسن لام ولد، و جعفر، و ابو سعيد و امهما ام الحسين بنت عمرو من بني صعصعة، و معاوية، و اسحق، و اسماعيل و قثم، و عباس، لامهات اولاد شتى.

أسفارها صلوات اللّه عليها

الاسفار التي سافرتها زينب صلوات اللّه عليها هي ثلاث و على قول النسابة العبيدلي هى اربع (السفرة الاولى) كانت مع والدها امير المؤمنين عليه السّلام لما هاجر من المدينة الى الكوفة، سافرت زينب (ع) هذه السفرة و هي في غاية العز، و نهاية الجلالة و الاحتشام، يسير بها موكب فخم رهيب من مواكب المعالي و المجد محفوف بابهة الخلافة، محاط بهيبة

____________

ق-الذي أمه زينب بنت علي عليه السّلام كما هو الصحيح الثابت و ذهب اليه جمع من المؤرخين و ارباب المقاتل منهم الشيخ المفيد في الارشاد، و أما عون الاصغر الذي أمه جمانة بنت المسيب بن نجبة الفزاري فانه قتل في وقعة الحرة كما ذكره جمع من المؤرخين و وقعة الحرة من الوقايع المشهوره في الاسلام و كانت في ذي الحجة سنة 63 من الهجرة أيام يزيد بن معاوية لعنه اللّه و ذلك حين انهب المدينة عسكره من أهل الشام الذين ندبهم لقتال أهل المدينة من صحابة النبي (ص) و القراء و التابعين و امر عليهم مسلم بن عقبه المري السفاك لعنه اللّه و عقيبها هلك يزيد الطاغية اخزاه اللّه.

(م ص)

93

النبوة، مشتمل على السكينة و الوقار فيه ابوها الكرار امير المؤمنين (ع) و اخوتها الحسنان سيدا شباب أهل الجنة، و حامل الراية العظمى محمد ابن الحنفية، و قمر بني هاشم العباس بن علي، و زوجها الجواد عبد اللّه ابن جعفر، و ابناء عمتها عبد اللّه بن عباس، و عبيد اللّه، و اخوتهما، و بقية ابناء جعفر الطيار، و عقيل بن ابي طالب، و غيرهم من فتيان بني هاشم، و اتباعهم من رؤساء القبائل، و سادات العرب، مدججين بالسلاح غاصين في الحديد، و الرايات ترفرف على رؤسهم، و تخفق على هاماتهم و هى في غبطة و فرح و سرور، و كان موكبها في رجوعها الى المدينة بعد صلح الحسن عليه السّلام مع معاوية لا يقل عن هذا الموكب فخامة.

(السفرة الثانية) سفرها مع أخيها الحسين عليه السّلام من المدينة الى كربلاء، سافرت زينب عليهاالسّلام في الموكب الحسيني المهيب من المدينة الى كربلاء، في عز و جلال و حشمة و وقار، تحملها المحامل المزركشة المزينة بالحرير و الديباج قد فرشت بالفرش الممهدة و وسدت بالوسائد المنضدة، تحت رعاية اخيها الحسين عليه السّلام تحف بها الابطال من عشيرتها، و تكتنفها الاسود الضارية من اخوتها و ابناء اخوتها و عمومتها، كابي الفضل العباس، و علي الاكبر، و القاسم ابن الحسن، و أبناء جعفر و عقيل، و غيرهم من الهاشميين، و العبيد و الاماء طوع امرها، و رهن اشارتها.

(السفرة الثالثة) سفرها من كربلاء الى الكوفة بعد قتل اخيها الحسين عليه السّلام و اصحابه الابرار، و من الكوفة الى الشام تحت رعاية الظالمين الفجار، سافرت و هي حزينة القلب، كسيرة الخاطر باكية الطرف، ناحلة الجسم، مرتعدة الاعضاء، قد فارقت أعز الناس عليها، و احبهم اليها، تحف بها النساء الارامل، و الايامى الثواكل و اطفال يستغيثون من الجوع و العطش، و تحيط بها القوم اللئام من قتلة اهل بيتها

94

و ظالمي اهلها، و ناهبي رحلها، كشمر بن ذي الجوشن، و زجر بن قيس و سنان بن انس، و خولي بن يزيد الاصبحي، و حرملة بن كاهل، و حجار بن ابحر، و امثالهم لعنهم اللّه و اخزاهم ممن لم يخلق اللّه في قلوبهم الرحمة، اذا دمعت عينها اهوت عليها السياط، و ان بكت اخاها لطمتها الايدي القاسية، و هكذا كانت سفرتها هذه (أما السفرة الرابعة) الى مصر على قول النسابة العبيدلي، فسيأتي تفصيلها عند تحقيق مدفنها ان شاء اللّه تعالى و اليك تفصيل سفرها الى كربلاء مع اخيها الحسين (ع) كما جاءت به الروايات المثبتة.

لما عزم الحسين (ع) على السفر من الحجاز الى العراق استأذنت زينب (ع) من زوجها عبد اللّه بن جعفر ان تصاحب اخاها الحسين (ع) في سفرته هذه فاذن لها، و من حينها انتقلت الى بيت اخيها عليه السّلام، و تأهبت للخروج معه، و لما دخل عليه ابن عباس و اراد انصرافه عن المسير كان آخر ما تكلم به مع ابن عباس ان قال له، ما تقول في قوم اجرجوا ابن بنت نبيهم من وطنه و داره و قراره، و حرم جده، و تركوه خائفا مرعوبا، لا يستقر في قرار، و لا يأوي الى جوار، يريدون بذلك قتله، و سفك دمائه لم يشرك باللّه شيئا، و لم يرتكب منكرا و لا اثما، قال له ابن عباس جعلت فداك يا حسين ان كان لا بد من المسير الى الكوفة فلا تسر باهلك و نسائك، فقال يابن العم اني رأيت رسول اللّه (ص) في منامي و قد أمر بامر لا اقدر على خلافه، و انه امرني باخذهم معي فقال يابن العم انهن و دائع رسول اللّه (ص) و لا آمن عليهن احدا و هن ايضا لا يفارقنني، فسمع ابن عباس بكاء من ورائه و قائلة تقول يا بن عباس تشير على شيخنا و سيدنا ان يخلفنا هاهنا و يمضي وحده لا و اللّه بل نحيا معه و نموت معه، و هل ابقى الزمان لنا غيره، فبكى ابن عباس بكاء شديدا و جعل بقول يعز و اللّه على فراقك يابن العم (قال) في الكبريت الاحمر

95

فالتفت و اذا المتكلمة هي زينب (ع) كانت زينب (ع) تخص الحسين (ع) بالمحبة و المودة دون اخوتها، و كان (ع) يخصها كذلك (و قد روى) بعض الاجلاء ان هذه المحبة من زينب كانت للحسين (ع) من ايام طفولتها حتى انها كانت لا تستقر الا في جنبه (ع) و ان فاطمة اخبرت رسول اللّه (ص) بذلك فبكى (ص) و اخبر فاطمة بمصائبها و اشتراكها في النائبات (و ذكر) بعض حملة الآثار ان امير المؤمنين (ع) لما زوج ابنته زينب عليهاالسّلام من ابن اخيه عبد اللّه بن جعفر اشترط عليه في ضمن العقد ان لا يمنعها متى ارادت السفر مع اخيها الحسين عليه السّلام، و اراد عبد اللّه بن جعفر ان يصرف الحسين عن سفره فلم ينصرف (ع) فلما يئس منه امر ابنيه عونا و محمدا بالمسير معه، و الملازمة في خدمته، و الجهاد دونه عليه الصلوة و السّلام (و لما سار الحسين عليه السّلام) قاصدا الكوفة كان كل من يلقاه من الناس يحذره اهل الكوفة و غدرهم، و كان يقول (ع) أيم اللّه لتقتلني الفئة الباغية و ليسلطن عليهم من يذلهم (قال في المناقب) و لما نزل الخزيمية اقام بها يوما و ليلة، فلما اصبح أقبلت اليه اخته زينب (ع) فقالت يا اخي الا اخبرك بشي‏ء سمعته البارحة، فقال الحسين (ع) و ما ذاك يا اختاه، فقالت اني سمعت الليلة هاتفا يقول.

الا يا عين فاحتفظي بجهد # و من يبكي على الشهداء بعدي

على قوم تسوقهم المنايا # بمقدار الى انجاز وعد

فقال لها الحسين (ع) يا اختاه كل الذي قضى فهو كائن (و في غيره) من الكتب انها (ع) لما سمعت ذلك من اخيها ايقنت بنزول البلاء و اغرورقت عيناها بالدموع، و سكنت على نفسها مخافة ان يحس بذلك احد من العيال.

96

زينب و مصائب كربلاء

إن المصائب التي المت بالصديقة الصغرى زينب الكبرى ابنة علي في كربلاء مصائب متنوعة (منها) ما رأته اول ما نزلت في كربلاء من معارضة الحر و إجبار اخيها (ع) على النزول (و منها) ما شاهدته من القلة في اصحاب اخيها و كثرة جيوش الاعداء (و منها) ما شاهدته من تفرق من كان مع اخيها و ذهاب الاكثر ممن تبعه حين خطبهم بخطبته المشهورة بعد ما بلغه خبر قتل مسلم بن عقيل و هاني بن عروة رضي اللّه عنهما فتفرق الناس عنه يمينا و شمالا حتى لم يبق إلا الذين قتلوا معه (و منها) ما كانت تشاهده من اضطراب النساء و خوفهن حين نزلوا كربلاء (و منها) ما شاهدته من عطشها و عطش اهل بيتها عند ما منعهم القوم الماء (و منها) ما كانت تقوم به من مداراة الاطفال و النساء و هم في صراخ و عويل من العطش (و منها) ما كانت تنظر اليه من الانكسار في وجه اخيها (ع) (و منها) حين شاهدت اخواتها و بني اخواتها و بني عمومتها و شيعة اخيها يبارزون و يقتل الواحد منهم بعد الواحد (و منها) ما شاهدته من مقتل ولديها (و منها) حين شاهدت اخاها الحسين (ع) وحيدا فريدا لا ناصر له و لا معين و قد احاط به الاعداء من كل جانب و مكان (و منها) حين شاهدت رأس اخيها على الرمح دامي الوجه خضيب الشيبة (و منها) حين ازدحم القوم على رحل اخيها و مناديهم ينادي احرقوا بيوت الظالمين (و منها) حين احرق القوم الخيام و فرت النساء و الاطفال على وجوههم في البيداء (و منها) مرورها على مصرع اخيها و رؤيتها جسده الشريف ملقى على الارض تسفي عليه الرياح (و منها) لما اركبوها النياق المهزولة هي و العيال و الاطفال (و منها) مداراتها زين العابدين (ع) و هو من‏

97

شدة مرضه لا يطيق الركوب و قد قيدوه من تحت بطن الناقة، و هناك مصائب اخر اشدها انها كانت تنظر الى قتلة اخيها و اصحابه و هم يسرحون و يمرحون و السياط بايديهم يضربون الاطفال و النساء و هم في غاية الشماتة بها و بأهل بيتها (و بالجملة) فان مصائب هذه الحرة الطاهرة زادت على مصائب اخيها الحسين الشهيد (ع) اضعافا مضاعفة، فانها شاركته في جميع مصائبه و انفردت عنه عليهاالسّلام بالمصائب التي رأتها بعد قتله من النهب و السلب و الضرب و حرق الخيام و الاسر و شماتة الاعداء (أما) القتل فان الحسين (ع) قتل و مضى شهيدا الى روح و ريحان و جنة و رضوان، و كانت زينب في كل لحظة من لحظاتها تقتل قتلا معنويا بين اولئك الظالمين و تذري دماء القلب من جفونها القريحة، و نحن تحت هذا العنوان نذكر من اخبار الطف ما فيه اسم صريح لزينب عليها السّلام، و ان كانت ام كلثوم الواردة في اكثر الموارد المراد بها هذه الطاهرة ايضا بقرينة ان بعض الرواة يذكر اسم زينب في الخبر الذي يذكره غيره باسم ام كلثوم، و لانها هي الرئيسة المطلقة للحرم الحسيني و الكفيلة الوحيدة لعياله و اطفاله عليه السّلام.

. « (1) » . ورود أهل البيت بكربلاء

قال السيد الاجل رضي الدين ابن طاوس (قده) ورد الحسين عليه السّلام كربلاء في اليوم الثاني من المحرم فلما وصلها قال ما اسم هذه الارض فقيل كربلاء، فقال اللهم اني اعوذ بك من الكرب و البلاء، ثم قال هذا موضع كرب و بلاء انزلوا، ها هنا محط ركابنا و سفك دمائنا و هنا محل قبورنا، بهذا حدثني جدي رسول اللّه (ص) فنزلوا جميعا و نزل الحر و اصحابه ناحية و جلس الحسين (ع) يصلح سيفه و يقول:

يا دهر أف لك من خليل # كم لك بالاشراق و الاصيل

98

من طالب و صاحب قتيل # و الدهر لا يقنع بالبديل

و كل حي سالك سبيلي # ما اقرب الوعد من الرحيل

و إنما الامر الى الجليل‏

قال فسمعت زينب ابنة فاطمة (ع) ذلك فقالت يا اخي هذا كلام من أيقن بالقتل فقال نعم يا اختاه، فقالت زينب واثكلاه ينعى الحسين الى نفسه، قال و بكين النسوة و لطمن الخدود و شققن الجيوب و جعلت ام كلثوم تبادي وا محمداه وا علياه وا أماه وا أخاه وا حسيناه وا ضيعتنا بعدك أبا عبد اللّه، قال فعزاها الحسين (ع) و قال لها يا أختاه تعزي بعزاء اللّه فان سكان السموات يفنون و اهل الارض كلهم يموتون، و جميع البرية يهلكون، ثم قال يا أختاه يا أم كلثوم و انت يا زينب و انت يا فاطمة و انت يا رباب انظرن اذا انا قتلت فلا تشققن علي جيبا و لا تخمشن علي وجها و لا تقلن هجرا (ثم قال السيد) و روي من طريق آخر (و ذكر رواية المفيد التي سنذكرها بعد هذا) و قال رحمه اللّه بعد ان ذكر نزول الجيوش المقاتلة للحسين (ع) مع اميرهم عمر بن سعد كربلاء و تضييقهم على الحسين (ع) حتى نال منه العطش و من اصحابه، فقام الحسين (ع) و اتكأ على قائم سيفه و نادى يا على صوته، فقال انشدكم باللّه هل تعرفونني قالوا نعم انت ابن رسول اللّه و سبطه، قال انشدكم اللّه هل تعلمون ان جدي رسول اللّه، قالوا اللهم نعم، قال انشدكم اللّه هل تعلمون ان امي فاطمة بنت محمد (ص) قالوا اللهم نعم، قال انشدكم اللّه هل تعلمون ان ابي علي بن ابي طالب قالوا اللهم نعم، قال انشدكم اللّه هل تعلمون ان جدتي خديجة بنت خويلد أول نساء هذه الامة اسلاما قالوا اللهم نعم، قال انشدكم اللّه هل تعلمون ان سيد الشهداء حمزة عمى قالوا اللهم نعم، قال انشدكم اللّه هل تعلمون ان جعفر الطبار في الجنة عمي قالوا اللهم نعم، قال انشدكم اللّه هل تعلمون ان هذا سيف رسول للّه

99

انا متقلده قالوا اللهم نعم، قال انشدكم اللّه هل تعلمون ان هذه عمامة رسول اللّه (ص) انا لابسها قالوا اللهم نعم، قال انشدكم اللّه هل تعلمون ان عليا (ع) كان اول لقوم اسلاما و اعلمهم علما و اعظمهم حلما و انه ولي كل مؤمن و مؤمنة قالوا اللهم نعم، قال فبم تستحلون دمي و ابي الذائد على الحوض يذود عنه رجالا كما يذاد البعير الصادر عن الماء و لواء الحمد بيد ابي يوم القيامة، قالوا قد علمنا ذلك كله و نحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشا فلما خطب هذه الخطبة و سمع بناته و اخته زينب كلامه بكين و ندبن و لطمن و ارتفعت اصواتهن فوجه اليهن اخاه العباس عليه السّلام و عليا ابنه و قال لهما سكتاهن فلعمري ليكثرن بكاؤهن.

. « (2) » . رواية علي بن الحسين ع في العشية التي قتل الحسين ع في صبيحتها

قال المفيد طاب ثراه في الارشاد، قال علي بن الحسين (ع) انى جالس في تلك العشية التي قتل ابي في صبيحتها و عندي عمتي زينب تمرضني إذ اعتزل ابي في خباء له و عنده جون مولى ابي ذر الغفاري و هو يعالج سيفه و يصلحه و أبى يقول:

يا دهر اف لك من خليل # كم لك بالاشراق و الاصيل

من صاحب او طالب قتيل # و الدهر لا يقنع بالبديل

و انما الامر الى الجليل # و كل حي سالك سبيلي‏

فاعادها مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها، و عرفت ما اراد فخنقتني العبرة فرددتها و لزمت السكوت و علمت ان البلاء قد نزل، و أما عمتي فانها سمعت ما سمعت و هي امرأة و من شأن النساء الرقة و الجزع فلم تملك نفسها أن و ثبت تجر ثوبها و انها لحاسرة حتى انتهت اليه فقالت و انكلاه ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ماتت امي فاطمة و ابي علي و اخي الحسن عليهم السّلام يا خليفة الماضى و ثمال الباقى فنظر المها الحسين علمه السلاء فقال‏

100

لها يا اخية لا يذهبن بحلمك الشيطان، و ترقرقت عيناه بالدموع و قال لو ترك القطا لنام، فقالت يا ويلتاه أفتغتصب نفسك اغتصابا فذاك اقرح لقلبي و اشد على نفسي ثم لطمت وجهها و هوت الى جيبها فشقته خورت مغشيا عليها فقام اليها الحسين (ع) فصب على وجهها الماء، و قال لها اختاه اتقي اللّه و تعزي بعزاء اللّه و اعلمي ان اهل الارض يموتون و اهل السماء لا يبقون و ان كل شي‏ء هالك إلا وجه اللّه الذي خلق الخلق يقدرته و يبعث الخلق و يعيدهم و هو فرد وحده، جدي خير مني و ابي خير مني و امي خير مني و اخي خير مني ولي و لكل مسلم برسول اللّه (ص) اسوة فعزاها بهذا و نحوه، و قال لها يا أخية اني أقسمت عليك فابرى قسمي لا تشقي علي جيبا، و تخمشي علي وجها، و لا تدعي علي بالويل و الثبور اذا انا هلكت، ثم جاء بها حتى اجلسها عندي ثم خرج الى اصحابه فامرهم ان يقرب بعضهم بيوتهم من بعض، و أن يدخلوا الاطناب بعضها في بعض، و ان يكونوا بين البيوت فيستقبلوا القوم من وجه واحد و البيوت من ورائهم و عن ايمانهم و عن شمائلهم قد حفت بهم الا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم و رجع (ع) الى مكانه يصلي و يستغفر و يتضرع و قام اصحابه كذلك يصلون و يدعون و يستغفرون.

. « (3) » . الليلة العاشرة

قال في اللهوف و لما رأى الحسين (ع) حرص القوم على تعجيل القتال و قلة انتفاعهم بمواعظ الفعال و المقال، قال لاخيه العباس (ع) ان استطعت أن تصرفهم عنا في هذا اليوم فافعل لعلنا نصلي لربنا في هذه الليلة فانه يعلم اني احب الصلاة له و تلاوة كتابه، قال فسألهم العباس ذلك فتوقف عمر بن سعد و قال له عمرو بن الحجاج الزبيدي و اللّه لو انهم من الترك و الديلم و سألونا مثل ذلك لاجبناهم فكيف و هم آل محمد (ص)