زينب الكبري

- الشيخ جعفر النقدي المزيد...
156 /
101

فاجابوهم الى ذلك فكان لهم في تلك الليلة دوي كدوي النحل من الصلاة و التلاوة، قال و جلس الحسين (ع) فرقد ثم استيقظ و قال يا اختاه انى رأيت الساعة جدي محمدا (ص) و ابي عليا و أمي فاطمة و اخي الحسن و هم يقولون انك يا حسين رائح الينا عن قريب... قال فلطمت زينب وجهها و صاحت فقال لها الحسين عليه السّلام مهلا لا تشمتي القوم بنا.

(اقول) و في الارشاد إن عمر بن سعد زحف نحو خيام الحسين بعد العصر من يوم التاسع و كان الحسين (ع) جالسا أمام بيته محتبيا بسيفه اذ خفق برأسه على ركبتيه فسمعت اخته الضجة فدنت من اخيها فقالت يا أخي أما تسمع الاصوات قد اقتربت فرفع الحسين (ع) رأسه فقال اني رأيت رسول اللّه (ص) الساعة في المنام فقال لي انك تروح الينا فلطمت اخته وجهها و نادت بالويل فقال لها الحسين (ع) ليس لك الويل اسكتي رحمك اللّه، ثم ذكر ارسال الحسين (ع) اخاه العباس و اخده المهلة من القوم سواد ليلة العاشرة.

. « (4) » . تحويل الحسين رايته الى حبيب بن مظاهر

روي ذوي بعض الفضل ان الحسين لما نزل كربلاء ركز راية و لم يسلمها لاحد من اصحابه فسئل (ع) فقال سيأتي صاحبها فبينما هم ينتظرون و اذا هم بغبرة ثائرة، فقال الامام لاصحابه هذا صاحب الراية قد اقبل و اذا هم بحبيب بن مظاهر (1) فقاموا و تنادوا!جاء حبيب

____________

(1) هو حبيب بن مظاهر بن رئاب بن الاشتر بن جخوان بن فقعس ابن طريف بن عمرو بن قيس بن الحرث بن تعلبة بن دودان بن اسد، ابو القاسم الاسدي الفقعسي الصحابي، و اختلف علماء الرجال في ضبط والد حبيب، ففي رجال الشيخ الطوسي و رجال ابن داود و التحرير الطاوسي أنه (مظاهر) فيكون على وزن مفاعل كمقاتل، و حكى الشهيد-

102

فسمعت زينب بنت امير المؤمنين (ع) فقالت من هذا الرجل الذي قد أقبل فقيل لها حبيب بن مظاهر فقالت اقرأوه عني السّلام فبلغوه سلامها و لما كان اليوم العاشر من المحرم جاء حبيب و جلس ازاء خيمة النساء واضعا رأسه في حجره و هو يبكي ثم رفع رأسه و قال آه آه لوجدك يا زينب يوم تحملين على بعير ضالع يطاف بك البلدان و رأس أخيك الحسين امامك و كأني برأسي هذا معلق بلبان الفرس تضربه بركبتيها، فضربت زينب

____________

ق-الثاني في حاشيته على الخلاصة عن ابن طاوس انه وجده كذلك بخط عميد الرؤساء و صححه، و به حدث ابو مخنف الثقة الثبت و عليه سار ابن الاثير الجزري في الكامل (ج 4 ص 8) و عند ابن حجر في الاصابة (ج 1 ص 373) أنه (مظهر) فهو على وزن محمد، و مثله الدينوري في الاخبار الطوال (ص 254) و ابن نما في مثير الا حزان و ضبطه العلامة رحمه اللّه في الخلاصة بضم الميم و فتح الظاء المعجمة و تشديد الهاء بعدها الراء المهملة، و يشهد لهذا الرأي الرجز المنسوب له يوم الطف، فانه على رواية ابن نما في مثير الاحزان و غيره هكذا (أنا حبيب و أبي مظهر) و لعل مناسبة الروي تساعد هذه الرواية دون ما في الرواية الأخرى (أنا حبيب و أبي مظاهر) لمخالفتها لروي ما بعده، نعم شيخنا المامقاني في رجاله بعد أن اختار الرأي الاول حمل الرأي على الاغترار بما جرت به العادة من كتابة نظائره مثل اسماعيل و اسحق و القسم بغير الف حتى تخيل أنه الاصل، و كيف كان فالمترجم (و هو حبيب) أجل من أن يطريه الكاتب و ما عسى أن يقول فيه و هو ممن أودع عنده علم المنايا و البلايا، و إخباره ميثما التمار بقتله و صلبه شاهد عدل على هذه الدعوى المدعومة بالبرهان، كيف لا و قد هد مقتله الحسين (ع) و هو الذي لا توازن بصبره الجبال، و اذ قد وضح ذلك لزهير بن القين قال له ما هذا الانكسار يابن رسول اللّه (ص) فقال عند اللّه احتسب نفسي و حماة اصحابى، -

103

رأسها بعمود الخيمة و قالت بهذا اخبرني اخي البارحة.

. « (5) » . لما قتل علي الاكبر...

لما قتل علي الاكبر (1) على ما رواه المفيد و السيد و غيرهما-جاء الحسين عليه السّلام حتى وقف عليه فقال (قتل اللّه قوما قتلوك ما أجرأهم على الرحمن و على انتهاك حرمة الرسول «ص» ) و انهملت عيناه بالدموع قاوا و خرجت زينب اخت الحسين (ع) تنادي يا حبيباه و ابن اخاه و جاءت

____________

ق-و مما يؤسف عليه أن التاريخ لم يعين يوم ولادته لنعرف مقدار عمره، و يحدث صاحب كتاب ذخيرة الدارين (ص 192) عن دفنه حيث قبره الآن بان ابا نعيم قال في حلية الاولياء إن بني اسد دفنوا حبيبا عند رأس الحسين (ع) حيث قبره الان اعتناء بشأنه لانه منهم و رئيسهم، فليلاحظ و نسب العلامة الكبير السيد محسن الامين العاملي، ذلك في أعيان الشيعة (ج 4) الى قائل مجهول.

(1) لقد وقفنا على رسالة كتبها في ترجمة علي الاكبر العلامة البحاثة السيد عبد الرزاق المقرم فرأينا من المناسب النقل عنها و قد اختصرنا منها ما يلي و قد طبعت في المطبعة الحيدرية في النجف:

ولد علي الاكبر (و يكنى بابي الحسن) في حدود سنة ثلاث و ثلاثين فله يوم الطف سبع و عشرون سنة، و يلقب بالاكبر لانه اكبر من الامام السجاد الذي له يوم الطف ثلاث و عشرون سنة كما يلقب الامام بالاصغر، و على هذا بنى علماء النسب و التاريخ و السيرة، منهم ابن جرير الطبري في ذيل المذيل و هو الجزء 13 الملحق بجزء 12 من التاريخ الكبير، و كامل ابن الاثير ج 4 ص 34 و مقاتل الطالبيين ص 31، و مروج الذهب للمسعودي ج 2 ص 65، و التنبيه و الاشراف له ص 263، و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 219 طبع النجف و المعارف لابن قتيبة ص 93، -

104

حتى انكبت عليه فأخذ الحسين (ع) برأسها فردها الى الفسطاط و قال لفتيانه احملوا اخاكم فحملوه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه، و هناك تأمل ما جرى على زينب و بقية النساء (و في الايقاد) للعلامة الشاه عبد العظيمي طاب ثراه و روي ان زينب خرجت مسرعة تنادي بالويل و الثبور و تقول يا حبيباه يا ثمرة فؤاداه يا نور عيناه وا ولداه وا قتيلاه وا قلة ناصراه وا غربتاه وا مهجة قلباه ليتني كنت

____________

ق-و الاخبار الطوال للدينوري ص 254 و تاريخ الخميس ج 2 ص 319، و لواقح الانوار للشعراني ص 23 ج 1، و مرآة الجنان لليافعي ج 1 ص 131، و الروض الانف للسهيلي ج 2 ص 326، و شذرات الذهب لابن العماد ج 1 ص 66، و وفيات الاعيان لابن خلكان بترجمة السجاد، و غرر الخصائص للوطواط ص 274، و ذخائر العقبي للمحب الطبري ص 152 و تذكرة السبط ص 145، و مطالب السؤل لابن طلحة ص 143، و نور الابصار للشبلنجي ص 125، و اسعاف الراغبين بهامشه ص 194، و الفصول المهمة لابن الصباغ، و كشف الغمة ص 186 و مزار السرائر لابن ادريس الحلي، و النفحة العنبرية في النسب، و المجدى للعمري في النسب و منظومة الحر العاملي-و هذه الثلاثة مخطوطة، و شفاء الصدور في شرح زيارة عاشوراء بالفارسية، و الانوار النعمانية، و حكى العلامة الاستاذ الشيخ ميرزا محمد علي الاوردبادي ذلك عن جلاء العيون للمجلسي و تذكرة الائمة للمولى محمد باقر اللاهيجي، و مفتاح النجا للحارثي البدخشي و كفاية الاثر للخزاز الرازي، الى غيرها، و أما أمه ليلى فهي ابنة ابي مرة بن عروة الثقفي احد العظيمين المعني بقوله تعالى‏ (وَ قََالُوا لَوْ لاََ نُزِّلَ هََذَا اَلْقُرْآنُ عَلى‏ََ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) أسلم عروة سنة تسع من الهجرة و رجع الى قومه و بينا يؤذن للصلاة رماه احدهم بسهم فمات و خرج والده ابو مرة و ابو المليح الى النبي (ص) و اعلماه بقتله و اسلما و رجعا الى-

105

قبل اليوم عمياء و ليتني و سدت الثرى، فجاءت و انكبت عليه، فبكى الحسين (ع) رحمة لبكائها و قال إنا للّه و إنا اليه راجعون، و جاء و اخذ بيدها الى الفسطاط (قال) و روي ان سكينة لما رأت نعشه وقعت عليه و غشي عليها.

. « (6) » . شهادة ولد صغير للحسين ع‏

قال في اللهوف: و لما رأى الحسين (ع) مصارع فتيانه و احبته عزم على لقاء القوم بمهجته، و نادى هل من ذاب يذب عن حرم رسول للّه (ص) هل من موحد يخاف اللّه فينا، هل من مغيث يرجوا اللّه باغاثتنا، هل من معين يرجو اللّه في اعانتنا، فارتفعت اصوات النساء بالعويل فتقدم الى باب الخيمة و قال لزينب (ع) ناوليني ولدي الصغير حتى أودعه، فأخذه و أومأ اليه ليقبله فرماه حرملة بن كاهل الاسدي بسهم فوقع في نحره فذبحه، فقال لزينب خذيه ثم تلقى الدم بكفيه ثم قال هون علي ما نزل بي أنه بعين اللّه تعالى، قال الباقر عليه السّلام فلم يسقط من ذلك الدم

____________

ق-الطائف مسلمين، و اما فضل علي الاكبر فحدث عنه و لا حرج، و يكفينا في القناعة بذلك كلمة الحسين الذهبية (اللهم اشهد عليهم فقد برز اليهم غلاما اشبه الناس برسولك خلقا و خلقا و منطقا) فانها ترشدنا الى أن الاكبر كان في وقته مرآة الجمال النبوي و مثال كماله الاسمى، و انموذجا من منطقه البليغ الرائع، حتى ان اباه اذا اشتاق الى محيا الرسول (ص) الابهج عطف نظره اليه، او اراد سماع صوته المبهج أصاخ الى اقيله، او اراد تجديد العهد بتلكم الخلائق الكريمة توجه بكله اليه، أضف الى ذلك تخصيص الامام الصادق (ع) بزيارة خاصة له على أن لعامة الشهداء و فيهم ولد امير المؤمنين و الحسن و عقيل و جعفر زيارة تعمهم، و ليس ذلك إلا من جهة تبرز الاكبر الظاهر و منزلته العالية و أخذه بكل فضيلة انتهى.

106

قطرة الى الارض.

. « (7) » . وصية الحسين ع زينب بالعيال و الاطفال‏

لما بقي الحسين (ع) وحيدا بعد اصحابه الكرام جاء الى خيمة العيال و نادى يا زينب يا أم كلثوم يا فاطمة يا سكينة يا فلانة يا فلانة (يناديهن باسمائهن) عليكن مني السّلام، فقالت سكينة يا أبت استسلمت للموت، فقال يا بنية كيف لا يستسلم للموت من لا ناصر له و لا معين فقالت يا ابتاه ردنا الى حرم جدنا فقال (ع) هيهات لو ترك القطا لنام ليلا، فتصارخن النساء فسكتهن (ع) و قال البكاء امامكن، و أوصى اخته زينب (ع) بالعيال و الاطفال ثم قال (ع) آتوني بثوب لا يرغب فيه أحد أجعله تحت ثيابي، فانته بتبان فرماه من يده و قال هذا لباس من ضربت عليه الذلة فانته بثوب خلق فخرقه و جعله تحت ثيابه ثم استدعى بسراويل ففزرها و لبسها و توجه للقتال (الخبر) .

. « (8) » . شهادة عبدالله بن الحسن‏

قال المفيد في الارشاد و السيد في اللهوف و اللفظ للثاني وقف الحسين يستريح ساعة و قد ضعف عن القتال فبينا هو واقف اذ اتاه حجر فوقع على جبهته فاخذ الثوب ليمسح الدم فاتاه سهم مسموم له ثلاث شعب فوقع على قلبه، فقال بسم اللّه و باللّه و على ملة رسول اللّه ثم رفع رأسه الى السماء و قال آلهي انت تعلم انهم يقتلون رجلا ليس على وجه الارض ابن نبي غيره، ثم اخذ السهم فاخرجه من وراء ظهره فانبعث الدم كالميزاب فضعف عن القتال و وقف فكلما اتاه رجل انصرف عنه كراهة ان يلقى اللّه بدمه حتى جاءه رجل من كندة يقال له مالك بن النسر فشتم الحسين (ع) و ضربه على رأسه الشريف بالسيف فقطع البرنس و وصل السيف الى رأسه فامتلأ

107

البرنس دما (قال) فاستدعى الحسين (ع) بخرقة فشد بها رأسه و استدعى بقلنسوة فلبسها و اعتم عليها فلبثوا هنيئة ثم عادوا اليه و احاطوا به فخرج عبد اللّه بن الحسن بن علي‏ (1) و هو غلام لم يراهق من عند النساء فلحقته زينب بنت علي لتحبسه فأبى و امتنع امتناعا شديدا و قال لا و اللّه لا افارق عمي فاهوى أبحر بن كعب (و قيل) حرملة بن كاهل الى الحسين عليه السّلام بالسيف، فقال له الغلام ويلك يا بن الخبيثة أتقتل عمى فضربه بالسيف فانقاه الغلام بيده فاطنها الى الجلد فاذا هي معلقة فنادى الغلام يا عماه فاخذه الحسين (ع) و ضمه اليه و قال يا بن اخي اصبر على ما نزل بك و احتسب في ذلك الخير فان اللّه يلحقك بآبائك الصالحين (قال) فرماه حرملة بن كاهل لعنه اللّه بسهم فذبحه و هو في حجر عمه الحسين (ع) .

. « (9) » . خروج زينب من الخيام وقت قتل الحسين‏

قال السيد: قال الراوي و لما اثخن الحسين عليه السّلام يا لجراح طعنه صالح بن وهب لعنه اللّه على خاصرته طعنة فسقط الحسين (ع) عن فرسه الى الارض على خده الايمن و هو يقول بسم اللّه و باللّه و على ملة رسول اللّه، ثم قام (ع) (قال الراوي) و خرجت زينب بنت علي من باب الفسطاط و هى تنادي وا اخاه وا سيداه وا أهل بيتاه ليت السماء اطبقت على الارض و ليت الجبال تدكدكت على السهل (قال) و صاح شمر لعنه اللّه باصحابه ما تنتظرون بالرجل قال فحملوا عليه من كل جانب (ثم ذكر مقتله عليه السّلام) (و قال المفيد رحمه اللّه) و خرجت اخته زينب الى

____________

(1) قال ابو الفرج امه بنت الشليل بن عبد اللّه اخي جرير بن عبد اللّه البجلي (و قيل) ان امه ام ولد، قال و كان ابو جعفر محمد بن علي (ع) فيما رويناه عنه يذكر ان حرملة قتله، و ذكر المدايني في اسناده عن هاني بن ثبيت القابضي ان رجلا منهم قتله.

108

باب الفسطاط فنادت عمر بن سعد بن ابي وقاص و يلك يا عمر أيقتل ابو عبد اللّه و انت تنظر اليه فلم يجبها عمر بشي‏ء فنادت و يحكم اما فيكم مسلم فلم يجبها احد (و في مقتل ابي مخنف) قال حميد بن مسلم (لع) و خرجت زينب بنت علي عليه السّلام و هي تقول ليت السماء انطبقت على الارض يا عمر بن سعد أيقتل ابو عبد اللّه و انت تنظر اليه و دموع عمر تسيل على خده و لحيته المشومة و هو يصرف وجهه عنها و الحسين عليه السّلام جالس و عليه جبة خز و قد تحاماه الناس فنادى شمر ويلكم ما تنتظرون به اقتلوه ثكلتكم امهاتكم ثم ذكر مقتله (ع) و في الدمعة الساكبة عن ابن رياح انه قال شهدت وقعة كربلاء فلما قتل الحسين (ع) اتته امرأة و هى تعثر باذيالها حتى سقطت على الارض ثم قامت تنادي وا حسيناه وا إماماه وا قتيلاه وا اخاه، ثم انها اتت الى جسده و هو جثة بلا رأس فلما رأته اعتنقته و شهقت شهقات متتابعات حتى ابكت كل من كان حاضرا فسألت عنها فقالوا هي زينب بنت امير المؤمنين عليه السّلام.

« (10) » مصائب زينب بعد قتل الحسين‏

قال المفيد رحمه اللّه لما قتل الحسين (ع) و انتهبوا رحله و ابله و اثقاله، قال حميد بن مسلم فو اللّه لقد كنت ارى المرأة من نسائه و بناته و اهله تنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه (و في الايقاد) اقبلوا حتى أحدقوا بالخيمة و معهم الشمر فقال ادخلوا فاسلبوا زينتهن فدخل القوم فاخذوا ما كان في الخيمة حتى افضوا الى قرط كان في اذن أم كلثوم اخت الحسين (ع) فاخذوه و خرموا اذنها (و فيه) لما ارتفع صياح النساء صاح ابن سعد ويلكم اكبسوا عليهن الخباء و اضرموها نارا فاحرقوها (و في الدمعة الساكبة) قال ابو مخنف قالت زينب بنت علي امير المؤمنين (ع) كنت في ذلك الوقت واقفة في الخيمة إذ دخل رجل‏

109

ازرق العينين فاخذ ما كان في الخيمة و نظر الى علي بن الحسين (ع) و هو على نطع من الاديم و كان مريضا فجذب النطع من تحته و رماه الى الارض و التفت الي و اخذ القناع من رأسي و نظر الى قرطين كانا في اذني فجعل يعالجهما و هو يبكي حتى نزعهما فقلت تسليني و انت تبكي، فقال اللعين ابكي لمصابكم اهل البيت فقلت له قطع اللّه يديك و رجليك و أحرقك اللّه بنار الدنيا قبل نار الآخرة (ثم ساق الكلام الى استجابة دعائها على يد المختار و قد تقدم عن نور العين) (و في معدن البكاء) و هم الشمر لعنه اللّه بقتل ابن الحسين (ع) و هو مريض فخرجت اليه زينب بنت علي بن ابى طالب (ع) فوقعت عليه و قالت و اللّه لا يقتل حتى اقتل فكف عنه (و في الايقاد) عن مقتل ابن العربي ما مضمونه ان الحسين (ع) عند وداعه اوصى الى اخته زينب بجمع العيال بعد ان يحرقوا الاعداء الخيام فبعد ان احرقوا الخيام و تفرقت الاطفال ذهبت زينب في جمعها ففقدت طفلين للحسين (ع) فذهبت في طلبهما فرأتهما معتنقين نائمين على الارض فلما حركتهما فاذا هما ميتين عطشا و لما سمع بذلك العسكر قالو لابن سعد رخص لنا في سقي العيال فلما جاؤا بالماء كان الاطفال يعرضون عن الماء و يقولون كيف نسقى و قد قتل ابن رسول اللّه عطشانا (و ها هنا خبر لابي مخنف) لا بأس بذكره قال لما سقط الحسين (ع) من ظهر جواده الى الارض اقبل فرسه الى الخيام فلما سمعت زينب صهيله اقبلت على سكينة و قالت لها جاء ابوك بالماء فخرجت سكينة فرأت الجواد عاريا و السرج خاليا فنادت وا قتيلاه وا أبتاه وا حسناه وا حسيناه وا غربتاه وا بعد سفراه وا كربتاه فلما سمع باقي الحرم خرجن فنظرن الفرس فجعلن يلطمن الخدود و يقلن وا محمداه وا علياه وا حسناه وا حسيناه اليوم مات محمد المصطفي و علي المرتضى و فاطمة الزهرا (الخ) .

110

تسييرها من كربلاء الى الكوفة و ما رأته من المصائب‏

. « (1) » . نداء زينب حين مروا بهن علي مصارع الشهداء

لما عزم ابن سعد على الرحيل من كربلاء امر بحمل النساء و الاطفال على اقتاب الجمال و مروا بهن على مصارع الشهداء فلما نظرن النسوة الى القتلى صحن و ضربن وجوههن و فيهن زينب بنت علي عليه السّلام تنادي بصوت حزين و قلب كئيب يا محمداه صلى عليك مليك السماء، هذا حسين مرمل بالدماء، مقطع الاعضاء و بناتك سبايا الى اللّه المشتكى، و الى محمد المصطفي، و الى علي المرتضى و الى فاطمة الزهراء، و الى حمزة سيد الشهداء، يا محمدا، هذا حسين بالعرا، تسفي عليه الصبا، قتيل اولاد البغايا، و احزناه وا كرباه عليك يا أبا عبد اللّه، اليوم مات جدي رسول اللّه، يا اصحاب محمداه هؤلاء ذرية المصطفي، يساقون سوق السبايا، و هذا حسين محزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة و الردى، بابي من اضحى معسكره يوم الاثنين نهبا، بابي من فسطاطه مقطع العرى بابي من لا غائب فيرجى، و لا جريح فيداوى، بابي من نفسي له الفدا، بابي المهموم حتى قضى، بابي العطشان حتى مضى، بابي من شيبه يقطر بالدما بابي من جده محمد المصطفي، بابي من جده رسول إله السماء، بابي من هو سبط نبي الهدى، بابي محمد المصطفي، بابي خديجة الكبرى، بابي علي المرتضى بابي فاطمة الزهراء، بابي من ردت عليه الشمس حتى صلى فابكت كل عدو و صديق.

. « (2) » . ورود أهل البيت الكوفة

(في البحار و العوالم) عن بعض الكتب المعتبرة روي مرسلا عن مسلم الجصاص، قال دعاني ابن زياد لعنه اللّه لاصلاح دار الامارة بالكوفة فبينما انا أجصص الابواب و اذا انا بالزعقات قد ارتفعت‏

111

من جنبات الكوفة، فاقبلت على خادم كان معنا فقلت مالي ارى الكوفة تضج، قال الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد، فقلت من هذا الخارجي، فقال الحسين بن علي، قال فتركت الخادم حتى خرج و لطمت وجهي حتى خشيت على عيني أن يذهبا و غسلت يدي من الجص و خرجت من ظهر القصر و اتيت الى الكناس فبينما انا واقف و الناس يتوقعون وصول السبايا و الرؤس اذ اقبلت نحو عشرين شقة يحملن على اربعين جملا فيها الحرم و النساء و اولاد فاطمة عليهاالسّلام، و اذا بعلي بن الحسين (ع) على بعير بغير غطاء و اوداجه تشخب دما و هو مع ذلك يبكي و يقول:

يا أمة السوء لا سقيا لريعكم # يا أمة لم تراع احمدا فينا

لو أننا و رسول اللّه يجمعنا # يوم القيامة ما كنتم تقولونا

تسيرونا على الاقتاب عارية # كاننا لم نشيد فيكم دينا

بني امية ما هذا الوقوف على # هذي المصائب لم تصغوا الداعينا

تصفقون علينا كفكم فرحا # و انتم في فجاج الارض تسبونا

أ ليس جدي رسول اللّه ويلكم # أهدى البرية من سبل المضلينا

يا وقعة الطف قد اورثتني حزنا # و اللّه يهتك استار المسيئينا

(قال) و صار اهل الكوفة يناولون الاطفال الذين هم على المحامل بعض النمر و الخبز و الجوز فصاحت بهم ام كلثوم و قالت يا اهل الكوفة إن الصدقة علينا حرام، و صارت تأخذ ذلك من ايدي الاطفال و افواههم و ترمي به إلى الارض (قال) كل ذلك و الناس يبكون على ما اصابهم، ثم ان ام كلثوم اطلعت رأسها من المحمل و قالت لهم صه يا اهل الكوفة يقتلنا رجالكم و تبكينا نساؤكم فالحاكم بيننا و بينكم اللّه يوم فصل القضاء، فبينما هي تخاطبهم و اذا بضجة قد ارتفعت و اذا هم اتوا برأس الحسين (ع) و هو رأس زهري قمري اشبه الخلق برسول اللّه (ص) و لحيته كسواد السبج قد اتصل بها الخضاب و وجهه دارة قمر طالع، و الريح تلعب بها

112

يمينا و شمالا، فالتفتت زينب فرأت رأس أخيها فنطحت جبينها بمقدم المحمل حتى رأينا الدم يخرج من تحت قناعها و أومت اليه بحرقة و جعلت تقول:

يا هلالا لما استتم كمالا # غاله خسفه فابدى غروبا

ما توهمت يا شقيق فؤادي # كان هذا مقدرا مكتوبا

(اقول) و هذا الخبر رواه الفاضل الطريحى في المنتخب ايضا و الظاهر انه هو المنقول عنه.

. « (3) » . خطبة زينب‏

خطبت خطبتها التي نقلناها في عنوان بلاغتها التي أولها بعد الحمد و الصلوة، أما بعد يا أهل الكوفة يا أهل الختر و الغدر أتبكون فلا رقأت الدمعة-الخ-.

. « (4) » . في مجلس ابن زياد

لما ادخلوا الاسارى مجلس ابن زياد لعنه اللّه و جرى بين ذلك الخبيث و بين زينب (ع) من الكلام ما نقلناه في عنوان بلاغتها و فصاحتها، غار علي بن الحسين (ع) على عمته فصاح يابن زياد الى كم تهتك عمتي بين من يعرفها و بين من لا يعرفها، فالتفت اليه و قال من انت قال انا علي بن الحسين فقال أ ليس اللّه قد قتل علي بن الحسين فقال (ع) قد كان لي أخ يسمى عليا (1) قتله الناس بأسيافهم فقال ابن زياد بل

____________

(1) في المنتخب من ذيل المذيل لابن جرير الطبري الملحق بالجزء 12 ص 88، قال السجاد (ع) لابن زياد كان لي اخ اكبر مني يقال له علي قتله الناس الخ، و مثله ابو الفرج في المقاتل ص 31، و كانت ولادة الامام السجاد (ع) بالمدينة سنة ثمان و ثلاثين من الهجرة ايام خلافة جده امير المؤمنين عليه السّلام و ذلك ان عامله عين على جانب من المشرق حريث ابن جابر الحنفي اصاب بنتي يزد جرد بن شهريار بن كسرى فنحل ابنه الحسين (ع) شاه زنان فاولدها زين العابدين (ع) و نحل الاخرى محمد بن ابي بكر فاولدها القاسم و هذا هو الصحيح الذي اثبته شيخنا المفيد رحمه اللّه-

113

اللّه قتله، فقال علي بن الحسين‏ (اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا وَ اَلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنََامِهََا) فقال ابن زياد أو لك جرأة على جوابي و فيك بقية للرد يا غلمان اذهبوا به و اضربوا عنقه، فأتته الجلاوزة فتعلقت به عمته زينب (ع) فقالت يا بن زياد حسبك من دمائنا و اعتنقته و قالت و اللّه لا افارقه فان قتلته فاقتلني معه، هذه رواية المفيد رحمه اللّه (و قال في اللهوف) فقالت يابن زياد انك لم تبق منا احدا فان كنت عزمت على قتله فاقتلني معه فقال علي (ع) لعمته اسكتي يا عمة حتى اكلمه ثم اقبل عليه و قال ابا لقتل تهددني يابن زياد اما علمت ان القتل لنا عادة و كرامتنا الشهادة (قال المفيد) فنظر ابن زياد اليها و اليه ساعة ثم قال عجبا للرحم و اللّه اني لاظنها ودت اني قتلتها معه دعوه فاني اراه لما به مشغولا.

. « (5) » . امر ابن زياد بأهل البيت فحملوا الي دار الي جنب المسجد الأعظم‏

«قال» رواة الوقعة (1) امر ابن زياد بعلي بن الحسين عليه السّلام و من معه من الاسارى فحملوا الى دار الى جنب المسجد الاعظم فقالت زينب بنت علي عليه السّلام لا تدخلن علينا عربية الا ام ولد او مملوكة فانهن سبين كما سبينا و اقمن المأتم تلك الليلة الى الصباح و في روضة الواعظين ان ابن زياد حبسهم في سجن و ضيق عليهم.

____________

ق-تعالى في الارشاد، و أما الرواية الاخرى الحاكية تزويج الحسين من شاه زنان ايام عمر بن الخطاب فليس لها نصيب من الصحة، كالقول بانها أتلفت نفسها بالفرات لما جيئ بها سبية مع آل الحسين (ع) فانها ماتت بالنفاس، فاين هي و يوم الطف، و بقي السجاد مع جده سنتين و شهورا، و مع عمه الحسن عشر سنين، و مع ابيه عشر سنين و بعد ابيه أربعا و ثلاثين سنة، و توفي بالمدينة لخمس بقين من المحرم سنة 95 عن ست و خمسين سنة و شهور.

(1) منهم السيد ابن طاوس في اللهوف و الخوارزمي في المقتل.

114

تسييرها من الكوفة الى الشام و ما جرى عليها هناك‏

المصائب التي جرت على زينب عليهاالسّلام في طريق الشام كثيرة جدا كالمصائب الجارية عليها في طريقها من كربلاء الى الكوفة و حيث اني التزمت ان لا اذكر من الاخبار إلا ما اشتمل على ذكرها عليهاالسّلام صريحا اعرضت عن تلك المصائب العامه التي لم يصرح فيها باسمها، سيما و ان اكثرها مما لا يمكن التعويل عليه لكثرة ما فيه من الاضطراب و التشويش.

. « (1) » . ورود أهل البيت علي يزيد

قال السيد ابن طاوس قال الراوي ثم ادخل ثقل الحسين عليه السّلام و نساؤه و من تخلف من اهل بيته على يزيد بن معوية و هم مقرنون في الحبال فلما وقفوا بين يديه و هم على تلك الحال، قال له علي ابن الحسين (ع) انشدك اللّه يا يزيد ما ظنك برسول اللّه (ص) لو رآنا على هذه الصفة، فامر يزيد بالحبال فقطعت، ثم وضع رأس الحسين (ع) بين يديه و اجلس النساء خلفه لئلا ينظرون اليه، و أما زينب (ع) فانها لما رأته أهوت الى جيبها فشقته ثم نادت بصوت حزين يقرح القلوب يا حسيناه، يا حبيب رسول اللّه، يا بن مكة و منى يابن فاطمة الزهراء سيدة النساء، يا بن بنت المصفي، فأبكت و اللّه كل من كان في المجلس و يزيد ساكت.

. « (2) » . جواب زينب علي قول بعض الاوغاد الطغام‏

عن مقتل ابن عصفور أن بعض الاوغاد الطغام قال في مجلس يزيد لعنه اللّه إن الحسين جاء في نفر من اصحابه و عترته فهجمنا عليهم و كان يلوذ بعضهم بالبعض فلم تمض ساعة الا و قتلناهم عن آخرهم، فقالت الصديقة الصغرى زينب سلام اللّه عليها ثكلتك الثواكل ايها

115

الكذاب إن سيف اخي الحسين لم يترك في الكوفة بيتا إلا و فيه باك و باكية و نائح و نائحة.

. « (3) » . قول زينب لما دعا يزيد بسبي الحسين‏

و في «المنتحب» نقل انه لما دعا يزيد بسبي الحسين (ع) و عرضوا عليه قالت زينب بنت علي (ع) يا يزيد أما تخاف اللّه سبحانه من قتل الحسين، و ما كفاك حتى تستحث حرم رسول اللّه من العراق الى الشام، و ما كفاك انتهاك حرمتهن حتى تسوقنا اليك كما تساق الاماء على المطايا بغير وطاء من بلد الى بلد، فقال يزيد إن اخاك الحسين قال انا خير من يزيد و أبي خير من ابيه و امي خير من امه وجدي خير من جده، فقد صدق في بعض و ألحن في بعض، اما جده رسول اللّه (ص) فهو خير البرية، و أما ان أمه خير من أمي و اباه خير من ابي، فكيف ذلك و قد حاكم ابوه ابى فغلبه ابي ثم قرأ (قُلِ اَللََّهُمَّ مََالِكَ اَلْمُلْكِ) الآية، فقالت‏ (وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ `فَرِحِينَ بِمََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ) ثم قالت يا يزيد ما قتل الحسين غيرك و لولاك لكان ابن مرجانة اقل و أذل أما خشيت من اللّه بقتله و قد قال رسول اللّه (ص) فيه و في اخيه الحسن و الحسين سيدا شباب اهل الجنة، فان قلت لا فقد كذبت، و ان قلت نعم فقد خصمت نفسك فقال يزيد ذرية بعضها من بعض وقي خجلا.

. « (4) » . لما رأت يزيد يضرب ثنايا اخيها عليه السّلام‏

لما رأت يزيد يضرب ثنايا اخيها عليه السّلام و هو ينشد ابيات ابن الزبعرى.

ليت اشياخي ببدر شهدوا # جزع الخزرج من وقع الاسل‏

قامت و قالت الحمد للّه، الى آخر الخطبة التي نقلناها تحت عنوان فصاحتها و بلاغتها.

. « (5) » . كلام زينب مع يزيد لعنه اللّه حين طلب الشامي الاحمر فاطمة بنت الحسين‏

كلامها مع يزيد لعنه اللّه حين طلب الشامي الاحمر فاطمة

116

بنت الحسين‏ (1) من يزيد بقوله هب لي هذه الجارية، و قد تقدم في عنوان فصاحتها عليهاالسّلام.

. « (6) » . ما قالت فاطمة بنت علي لزينب حين ارجاع أهل البيت إلي المدينة

قال ابن جرير الطبري في تاريخه ج 6 ص 266 و ابن الاثير في الكامل ج 4 ص 36 لما ارجعهم يزيد الى المدينة بصحبة رجل من اهل الشام و شاهد عيال الحسين منه الفعل الجميل في حلهم و ارتحالهم قالت فاطمة ابنة علي لاختها (زينب) يا أخية لقد أحسن هذا الرجل الشامي الينا في صحبتنا فهل لك أن نصله قالت زينب ما معنا الا حلينا فاخذت سواري و دملجي و اخذت سوارها و دملجها و بعثا به اليه.

و اعتذرنا من قلته فقال لهم الرسول إني لم أفعل معكم ذلك إلا لقرابتكم من النبي صلّى اللّه عليه و آله و ليس لي طمع في الدنيا،

رجوعها من الشام الى المدينة

قال المفيد في الارشاد ندب يزيد النعمان بن بشير و قال له تجهز لتخرج بهؤلاء النسوة الى المدينة و انفذ معهم في جملة النعمان بن بشير رسولا تقدم اليه ان يسير بهم في الليل و يكونوا أمامه حيث لا يفوتون طرفه، فاذا نزلوا انتحى عنهم. و تفرق هو و اصحابه حولهم كهيئة الحرس لهم، و ينزل منهم بحيث ان اراد إنسان من جماعتهم وضوء او قضاء حاجة لم يحتشم

____________

(1) هذا برواية الشيخ المفيد في الارشاد و الطبرسي في أعلام الورى و ابن نما في مثير الاحزان و ابن طاوس في اللهوف، و لكن عند ابن جرير في تاريخه ج 6 ص 265، و ابن الاثير في الكامل ج 4 ص 35 و الفتال في روضة الواعظين ص 164، و الصدوق في المجالس (ص 101) مجلس 31 انها فاطمة ابنة علي (ع) و عبارتهم (فاخذت بثياب اختي زينب) و كانت اكبر و اعقل (الخ) .

117

فسار معهم في جملة النعمان، و لم يزل ينازلهم في الطريق و برفق بهم كما وصاه يزيد حتى دخلوا المدينة (و قال السيد ابن طاوس) لما بلغوا العراق قالوا للدليل مر بنا على طريق كربلاء، فوصلوا الى موضع المصرع فوجدوا جابر (1) ابن عبد اللّه الانصاري رحمه اللّه و جماعة من بني هاشم و رجالا من آل الرسول (ص) قد ورد و الزيارة قبر الحسين (ع) فوافوا في وقت واحد و تلاقوا بالبكاء و الحزن و اللطم، و أقاموا الماتم المقرحة للاكباد، و اجتمع اليهم نساء ذلك السواد فاقاموا على ذلك اياما (قال) ثم انفصلوا من كربلا طالبين المدينة، قال بشر بن حذلم فلما قربنا منها نزل علي بن الحسين (ع) فحط رحله و ضرب فسطاطه و انزل نساءه و قال يا بشر رحم اللّه اباك لقد كان شاعرا فهل تقدر على شي‏ء منه، فقلت بلى يا بن رسول اللّه اني لشاعر، فقال (ع) ادخل المدينة وانع ابا عبد اللّه (ع) قال بشر فركبت فرسي و ركضت حتى دخلت المدينة، فلما لمغت مسجد النبي (ص) رفعت صوتي بالبكاء، و أنشأت أقول:

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها # قتل الحسين فأدمعي مدرار

الجسم منه بكربلا مضرج # و الرأس منه على القناة يدار

قال ثم قلت هذا علي بن الحسين مع عماته و اخواته قد حلوا بساحتكم و نزلوا بفنائكم، و انا رسوله اليكم، أعرفكم مكانه، قال فما بقيت

____________

(1) جابر بن عبد اللّه بن حزام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الانصاري السلمي، كنيته ابو عبد اللّه، من أجلاء الصحابة، وردت في فضله أخبار كثيرة عن اهل البيت عليهم السّلام، و كان من المنقطعين اليهم عاش الى ان رأى الباقر (ع) و ابلغه سلام النبي (ص) و هو أول من زار الحسين (ع) بعد قتله، و كان يقول غزا رسول اللّه (ص) احدى و عشرين غزوة شهدت منها تسع عشرة غزوة، مات سنة 78، و عاش اربعا و تسعين عاما.

118

في المدينة مخدرة و لا محجبة إلا برزن من خدورهن، مكشوفة شعورهن مخمشة وجوههن، ضاربات خدودهن، يدعين بالويل و الثبور، فلم ار باكيا و باكية اكثر من ذلك اليوم، و لا يوما أمر على المسلمين منه. و ساق الكلام الى خطبة السجاد (ع) .

و قال ابو مخنف في مقتله بعد نقله نظير ما نقله السيد (ره) ثم قام السجاد (ع) يمشي الى ان دخل المدينة، فلما دخلها زار جده رسول اللّه (ص) ثم دخل منزله (و في المنتخب) و أما أم كلثوم فحين توجهت الى المدينة جعلت نبكي و تقول:

مدينة جدنا لا تقبلينا # فبالحسرات و الاحزان جينا (1)

(قال) و أما زينب (ع) فاخذت بعضادتي باب المسجد و نادت يا جداه اني ناعية اليك اخي الحسين، و هي مع ذلك لا تجف لها عبرة و نقل مثل ذلك في البحار و العوالم. و لا تفتر من البكاء و النحيب و كلما نظرت الى علي بن الحسين (ع) تجدد حزنها و زاد وجدها.

و قد عن لي ان اختم هذا العنوان بابيات تخص زينب من منظومة الحجة الكبير الشيخ هادي كاشف الغطاء رحمه اللّه يفصل فيها مصائب زينب (ع) قال رحمه اللّه:

للّه صبر زينب العقيلة # كم صابرت مصائبا مهولة

رأت من الخطوب و الرزايا # أمرا تهون دونه المنايا

رأت كرام قومها الاماجد # مجزرين في صعيد واحد

تسفي على جسومها الرياح # و هي لذؤنان الفلا تباح

رأت عزيز قومها صريعا # قد وزعوه بالضبا توزيعا

رأت رؤسا بالقنا تشال # و جثثا اكفانها الرمال‏

____________

(1) هذا البيت من قصيدة يغلب على ان اكثرها او كلها ليس من نظمها بل من نظم غيرها من المتأخرين فلاحظه.

119

رأت رضيعا بالسهام يفطم # و صبية بعد ابيهم أيتموا

رأت شماتة العدو فيها # وضعه ما شاء في اخيها

رأت عنا اسرا هوانا ذلا # ظلما جفا جورا سبابا ثكلا

و ان من ادهى الخطوب السود # وقوفها بين يدي يزيد

وفاتها و دفنها سلام اللّه عليها

ان من المأسوف عليه أن حملة التأريخ على توسعهم في سرد القصص و الاحوال في اشياء كثيرة ربما يكون القارئ في غنى عنها أهملوا حقائق من التاريخ تمس اليها حاجة المنقب، و تساق اليها طلبة الباحث، و لسنا الآن في صدد الاسباب الباعثة على ذلك و لعلها لا تخفي على الناقد البصير، غير ان المهم في هذا الكتاب هي ناحية واحدة اصبحت من مواضيعه و هو البحث عن وفاة (عقيلة بني هاشم زينب الكبرى) و تحري الوقوف على مدفنها، و ان كانت المصادر التي نستمد منها لا تخلو جملة منها من تشويش و اضطراب، و على العلات فنحن نتقدم الى القارئ الكريم ما قيل في ذلك و نحيل الحكم اليه.

(فقيل) انها توفيت و دفنت في المدينة المنورة، و كان ذلك بعد رجوعهم من الشام، ذكره صاحب الطراز عن بحر المصائب، و لو صح هذا لبقي لعظيمة بيت الوحي أثر خالد و مشهد يزار كما بقي لمن دونها في المرتبة من بني هاشم بل لمن يمت اليهم بالولاء من رجالات الامة.

(و قيل) انها توفيت حوالي الشام، نقله صاحب الطراز ايضا عن انوار الشهادة و بحر المصائب، في تفصيل لا مقيل له من ظل الحقيقة و هو بالروايات الخرافية أشبه فالاعراض عنه اجدر.

(و قيل) انها توفيت في الشام، نقله في الطراز ايضا عن كنز

120

الانساب، لكن قائله تفرد بروايته قصة في ذلك لم تتأكد.

(و قيل) انها توفيت في احدى قرى الشام، نسبه في الطراز ايضا الى بعض المتأخرين، و تلهج الالسن في سبب ذلك بحديث المجاعة التي اصابت اهل المدينة المنورة فهاجرت مع زوجها عبد اللّه الى الشام و توفيت هنالك.

و هو حديث لا أثر له في كتب التأريخ و السير و الانساب و التراجم و لم يذكره المنقبون في الآثار ممن كتب في اهل البيت، كالكليني و الصدوق، و الشيخ المفيد، و السيد المرتضى، و الشيخ الطوسي و ابن شهراشوب، و الطبرسي، و ابن الفتال، و العلامة الحلي، و ابن طاوس، و الوزير الاربلي، و المجلسي الذي جمع فأوعى، و قد احتوت مكتبته على ما لا يوجد في غيرها من آلاف الكتب، و تبرز هو في الاحاطة بالسير و الاثار و اخبار اهل البيت عليهم السّلام، الى غيرهم كسبط ابن الجوزى و ابن الصباغ المالكي، و ابن طلحة الشافعي، و الحافظ الكنجي، و ابن الصبان، و الشبلنجي، و المحب الطبري، و البدخشي، و السيد علي الهمداني الى نظرائهم، و ما ادرى (و لا المنجم يدري) من اين جاء القائل بحديث المجاعة و قد خلت عنه زير الاولين الذين هم اقرب عهدا بامثال هذه الوقائع من هذا القائل و ذويه و اغرب من ذلك ان بعض من (يدعي وصلا بليلى) عزاه الى كتاب لم نجده فيه بعد الفحص و التتبع.

و ذكر النسابة العبيدلي‏ (1) في (اخبار الزينبات) على ما حكاه

____________

(1) هو شيخ الشرف ابو الحسين يحيى بن الحسن العقيقي بن جعفر الحجة ابن عبيد اللّه الا عرج بن الحسين الاصغر ابن الامام السجاد عليه السّلام العبيدلي النسابة، تولد سنة 214 هـ و توفي سنة 277 هـ، أول من صنف في نسب الطالبيين كما في عمدة الطالب، و هو من مشاهير اصحاب القاسم الرسي كما في (مطلع البدور) و توفي الرسي سنة 246 هـ، و ينقل-

121

عنه مؤلف كتاب (السيدة زينب) ص 21 ان زينب الكبرى بعد رجوعها من اسر بني امية الى المدينة اخذت تؤلب الناس على يزيد بن معاوية فخاف (عمرو بن سعد الاشدق) انتقاض الامر فكتب الى يزيد بالحال فاتاه كتاب يزيد يأمره بان يفرق بينها و بين الناس فأمر الوالي باخراجها من المدينة الى حيث شاءت فأبت الخروج من المدينة و قالت قد علم اللّه ما صار الينا قتل خيرنا و سقنا كما تساق الانعام و حملنا على الاقتاب

____________

ق-عن المترجم السيد احمد العبيدلي في تذكرة النسب و جعل رمزه (يح) و يروى كتابه نسب آل ابي طالب شيخ الشرف ابو الحسين محمد بن ابي جعفر محمد العبيدلي بن علي الجواد بن الحسن بن علي بن ابراهيم بن علي الصالح بن عبيد اللّه الاعرج... النسابة المتوفي سنة 435، يروي الكتاب المذكور عن حفيد المؤلف ابي محمد الحسن بن ابي الحسن محمد الاكبر ابن ابي الحسين يحيى المؤلف، و يعرف ابو محمد هذا (بالدنداني) النسابة، و يعرف ايضا بابن اخي طاهر لان عمه طاهر بن يحيى المترجم من المشاهير و ينسب اليه جماعة، فالملقب بشيخ الشرف من النسابة العبيدليين رجلان (أحدهما) يحيى المترجم من أهل القرن الثالث (و ثانيهما) ابو الحسين محمد المذكور الراوى لكتاب الاول عن حفيده من أهل القرن الخامس، و هناك رجل ثالث من العبيدليين لم يعهد له هذا اللقب، و هو السيد احمد بن محمد بن المهنا بن علي بن المهنا الحسينى العبيدلي صاحب التذكرة في الانساب المشجرة، و ألحق بآخره نسب الصفويين السيد عز الدين اسحق بن ابراهيم بن اسحاق الحسني الحسيني الطباطبائي الشيرازي العبيدلي و هو معاصر للعلامة الحلي، و أما (أخبار الزينبات) فذكره ابن الاعرج الحسيني الواسطي النسابة في الثبت المصان و ابو يعقوب الازموري الامغارى في اقنوم الاثار و غيرهما (انتهى منقولا من خط العلامة المتتبع الشيخ ميرزا محمد علي الاوردبادي) .

122

فو اللّه لا اخرج و إن اهرقت دماؤنا فقالت لها زينب بنت عقيل يا ابنة عماه قد صدقنا اللّه وعده و اورثنا الارض نتبوء منها حيث نشاء، فطيبي نفسا و قري عينا و سيجزي اللّه الظالمين أتريدين بعد هذا هو انا ارحلي الى بلد آمن ثم اجتمع عليها نساء بني هاشم و تلطفن معها في الكلام فاختارت (مصر) و خرج معها من نساء بني هاشم فاطمة ابنة الحسين و سكينة فدخلت مصر لايام بقيت من ذي الحجة فاستقبلها (الوالي مسلمة ابن مخلد الانصاري) في جماعة معه فأنزلها داره بالحمراء فاقامت به أحد عشر شهرا و خمسة عشر يوما و توفيت عشية يوم الاحد لخمسة عشر يوما مضت من رجب سنة اثنتين و ستين هجرية و دفنت بمخدعها في دار مسلمة المستجدة بالحمراء القصوى‏ (1) حيث بساتين عبد اللّه بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، انتهى نص العبيدلي.

و نقل الموافقة له في الدفن الشريف ناشر كتاب الزينبات عن ابن عساكر الدمشقي في تاريخه الكبير، و المؤرخ ابن طولون الدمشقي في الرسالة الزينبية، و وجدنا الموافقة له ايضا في كتاب لواقح الانوار للشعراني ص 23 ج 1، و في كتاب اسعاف الراغبين للشيخ محمد صبان ص 196 بهامش نور الابصار، و في كتاب نور الابصار للشبلنجي ص 166، و في الاتحاف للشبراوي ص 93، و في مشارق الانوار للشيخ حسن العدوي (ص 100) نقلا عن الشعراني في الانوار القدسية و المنن

____________

(1) الحمراء القصوى هي احدى الحمراوات الثلاث (الحمراء الدنيا) خطة بلي بن عمر بن الحاف بن قضاعة، (و الحمراء الوسطى) خطة بني نبه و هم قوم من الروم حضر الفتح منهم مائة رجل (و الحمراء القصوى) و هي خطة بني الازرق و بني روبيل و هم من الروم، و هي من درب معاني الى القناطر الظاهرية يعني قناطر السباع و هي حد ولاية مصر من القاهرة و كانت هذه الحمراوات الثلاث جل عمارة مصر.

غ

123

و عن العلامة المناوي في طبقاته، و عن جلال الدين السيوطي في رسالته الزينبية، و عن العلامة الاجهوري في رسالته على مسلسل عاشوراء.

قال مؤلف كتاب (السيدة زينب) ص 60، ثم بعد مرور عام على وفاتها، و في نفس اليوم الذي توفيت فيه اجتمع اهل مصر قاطبة و فيهم الفقهاء و القراء و غير ذلك و اقاموا لها موسما عظيما برسم الذكرى على ما جرت به العادة و من ذلك الحين لم ينقطع هذا الموسم الى وقتنا هذا من يوم وفاتها الى الان و الى ما شاء اللّه و هذا الموسم المذكور هو المعبر عنه بالمولد الزينبي الذي يبتدئ من اول شهر رجب من كل سنة و ينتهي ليلة الختام و تحيا هذه الليالي بتلاوة آي القرآن الحكيم و الاذكار الشرعية و يكون لذلك مهر جان عظيم و تفد الناس من كل فج عميق الى زيارة ضريحها الشريف و كذلك تقصدها الناس بالزيارة بكثرة لا سيما في يوم الاحد و هي عادة قديمة ورثها الخلف عن السلف، قال و الاصل في ذلك ان افضل ما يزار فيه الولي من الايام هو اليوم الذي توفي فيه بل قالوا لا يزار إلا في هذا اليوم ان علم ذلك و إلا ففي اليوم المجمع عليه جريا على العادة و السيدة رضي اللّه عنها و ارضاها لا يقصدها الزائرون بكثرة إلا في هذا اليوم اقتداء بما تواتر عن اسلافهم و كان يزورها كافور الاخشيدي في ذلك اليوم كما كان يزور السيدة نفيسة بنت سيدى الحسن في يوم الخميس و كذلك كان يفعل احمد بن طولون و كان الظافر بنصر اللّه الفاطمي لا يزورها الا في نفس هذا اليوم و اذا اتى الى مقامها الشريف يأتي حاسر الرأس مترجلا و يتصدق عند قبرها و ينذر لها النذور و غير ذلك واقتفي اثر هؤلاء من جاء بعدهم من الملوك و السلاطين و الامراء و كان الظاهر جقمق احد ملوك مصر في القرن الثامن الهجري يوقد له في هذا اليوم الشموع و تنار ارجاء المشهد بالقناديل الملونة، و لازم زيارتها في هذا اليوم كثير من العلماء و الاولياء و اهل الفضل و لا زال ذلك جاريا الى الان‏

124

المشهد الزينبى في مصر

يتحدث في وصف هذا المشهد الرحالة ابو عبد اللّه محمد الكوهيني الفاسي الاندلسي و قد دخل القاهرة في 14 محرم سنة 369 و الخليفة يومئذ ابو النصر نزار بن المعز لدين اللّه ابو تميم معد الفاطمي فزار جملة من المشاهد من بينها هذا المشهد (قال) دخلنا مشهد زينب بنت علي فوجدناه داخل دار كبيرة و هو في طرفها البحري يشرف على الخليج فنزلنا اليه بدرج و عاينا الضريح فوجدنا عليه دربوزا قيل لنا انه من القمارى فاستبعدنا ذلك لكن شممنا منه رائحة طيبة و رأينا بأعلى الضريح قبة بناؤها من الجص و رأينا في صدر الحجرة ثلاثة محاريب أطوالها الذي في الوسط و على ذلك كله نقوش غاية في الاتقان و يعلو باب الحجرة زليجة قرأنا فيها بعد البسملة (ان المساجد للّه فلا تدعوا مع اللّه احدا) (هذا ما أمر به عبد اللّه و وليه ابو تميم امير المؤمنين الامام العزيز باللّه صلوات اللّه تعالى عليه و على آبائه الطاهرين و ابنائه المكرمين أمر بعمارة هذا المشهد على مقام السيدة الطاهرة بنت الزهراء البتول زينب بنت الامام علي بن ابي طالب صلوات اللّه تعالى عليها و على آبائها الطاهرين و ابنائها المكرمين) و في القرن السادس أيام الملك العادل سيف الدين ابي بكر بن ايوب أجرى في هذا المشهد عمارة امير مصر، و نقيب الاشراف الزينبيين بها الشريف فخر الدين ثعلب الجعفري الزينبي صاحب البساتين التي عرفت بمشاة ابن ثعلب و منشي‏ء المدرسة الشريفية التي تعرف الان بجامع العربي بالجودرية، و ما برح هذا المشهد على هذه العمارة الى ان كان في القرن العاشر الهجري فاهتم بعمارته و تشييده و جعل له مسجدا يتصل به الامير علي باشا الوزير والي مصر من قبل السلطان سليمان خان ابن السلطان سليم‏

125

الفاتح، و كان ذلك في شهور سنة 956 و في سنة 1174 اعاد بنيانه و شيد اركانه الامير عبد الرحمن كتخدا القازدوغلي و انشأ به ساقيه و حوضا للطهارة، و بنى ايضا مقام الشيخ محمد العتريس، و في سنة 1210 جددت المقصورة الشريفة من النحاس الاصفر و كتب فيه على بابها (يا سيدة زينب يا بنت فاطمة الزهراء مددك سنة 1210 (و في سنة 1212 ظهر الصدع في حوائط المسجد و بنائه فندبت حكومة المماليك عثمان بك المرادي لتجديده و انشائه فابتدأ بالبناء فيه و ما لبث أن توقف العملة لدخول الفرنسيين القطر المصري فاكمله بعد ذلك يوسف پاشا الوزير في شهور سنة 1216، و أرخ ذلك بابيات خطت على لوح من الرخام (و نصها) :

نور بنت النبي زينب يعلو # مسجدا فيه قبرها و المزار

قد بناه الوزير صدر المعالي # يوسف و هو للعلى مختار

زاد اجلاله كما قلت أرخ # (مسجد مشرق به انوار)

(قلت) هذا التاريخ كما تراه لا يوافق العدد المذكور و لعله كان متقدما على هذا الاكمال (قال) ثم حالت دون تمام عمارته موانع فاكملها المغفور له محمد علي پاشا الكبير جد الاسرة العلوية و اراد عباس پاشا أيام حكومته أن يجدد هذا المسجد و يوسعه و شرع في ذلك و وضع الاساس بيده سنة 1270، و لكنه عاجله الاجل فانقطع العمل فاتمه من بعده المرحوم سعيد پاشا و أمر بتجديد الواجهة الغربية و البحرية و مقام العتريس و العيدروس، و كان ذلك في سنة 1276 و بعد تمام هذه العمارة كتب على لوح من الرخام تاريخها في ابيات (و نصها) :

في ظل ايام السعيد محمد # رب الفخار مليك مصر الافخم

من فائض الاوقاف اتحف زينبا # عون الورى بنت النبي الاكرم

من يأت ينوي للوضوء مؤرخا # (يسعد فان وضوءه من زمزم)

و كتب على باب المقام هذا البيت:

126

يا زائريها قفوا بالباب و ابتهلوا # بنت الرسول لهذا القطر مصباح‏

و في سنة 1294 جدد الباب المقابل لباب القبة من المرمر المصري و الاستانبولي على الهيئة الموجودة الان بامر الخديوي محمد توفيق پاشا، و في سنة 1297 أمر بتجديد القبة و المسجد و المنارة فتم ذلك في شهور سنة 1302 و كتب على ابواب القبة الشريفة.

باب الشفاعة عند قبة زينب # يلقاه غاد للمقام و رائح

من يمن توفيق العزيز مؤرخ # (نور على باب الشفاعة لائح)

قف توسل بباب بنت علي # بخضوع وسل إله السماء

تحظ بالعز و القبول و أرخ # (باب اخت الحسين باب العلاء)

قلت يوافق العدد باسقاط الهمزة من علاء.

رفعوا لزينب بنت طه قبة # علياء محكمة البناء مشيده

نور القبول يقول في تاريخها # (باب الرضا و العدل باب السيدة)

(قلت) و هذا التاريخ كما تراه 1293 و هو ينقص واحدا عن تجديد الباب بامر الخديوي محمد توفيق سنة 1294، قال و في عصر هذا التاريخ نقشت القبة و المشهد بنقوش بديعة البستها ثوبا جديدا و انيرت ارجاء المسجد و المشهد بالانوار الكهربائية (انتهى) .

أولادها

ولدت العقيلة زينب الكبرى لعبد اللّه بن جعفر الطيار (و كما في تاريخ الخميس ج 2 ص 317) عليا و عونا الاكبر و عباسا و ام كلثوم (و ذكر) النووي في تهذيب الاسماء و اللغات جعفر الاكبر (و ذكر) السبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص ص 110 محمدا أما العباس و جعفر و محمد فلم نقف لهم على اثر و لا ذكرتهم النسابة من المعقبين.

127

و أما علي و هو المعروف (بالزينبي) ففيه الكثرة و العدد، و في ذريته الذيل الطويل و السلالة الباقيه (و هو كما في عمدة الطالب) احد ارحاء آل ابي طالب الثلاثة:

(الاولى) بنو موسى الجون بن عبد اللّه المحض بن الحسن المثنى بن الامام الحسن السبط عليه السّلام.

(الثانية) بنو الامام موسى الكاظم عليه السّلام.

(الثالثة) بنو جعفر السيد بن ابراهيم بن محمد بن علي الزينبي، و في تاج العروس بمادة (زنب) (و الزينبون بطن من ولد علي الزينبي بن عبد اللّه الجواد بن جعفر الطيار، نسبة الى امه زينب بنت سيدنا علي رضي اللّه عنه، و أمها فاطمة (رض) و ولد علي هذا أحد ارحاء آل ابي طالب الثلاثة، أعقب من ابنه محمد و الحسن و عيسى و يعقوب، و ابو الحسن علي بن طلحة بن علي بن محمد الزينبي تولى الخطابة و النقابة بعد ابيه في زمن المستنجد و توفي سنة 561) .

و أما عون الاكبر فهو من شهداء الطف قتل في حملة آل ابي طالب و هو مدفون مع آل ابي طالب في الحفيرة مما يلي رجلي الحسين (ع) كما نص عليه الشيخ المفيد في الاشاد و الطبرسي في اعلام الورى.

(و جاء) في المزار الكبير للشيخ الجليل محمد بن المشهدي بسند (هذا نصه) أخبرني الشريف الجليل العالم ابو الفتح محمد بن محمد الجعفري ادام اللّه عزه، قال اخبرنى الشيخ الفقيه عماد الدين محمد بن ابي القاسم الطبري عن الشيخ ابى علي الحسن بن محمد الطوسي و اخبرني عاليا الشيخ الفقيه ابو عبد اللّه الحسين بن هبة اللّه بن رطبة رضي اللّه عنه، قال اخبرني شيخي المفيد ابو علي الحسن بن محمد الطوسي، عن الشيخ ابى جعفر محمد الطوسي، قال حدثنا الشيخ ابو عبد اللّه محمد بن احمد بن عياش المعادي رحمه اللّه، قال خرج من الناحية على يد الشيخ محمد بن غالب الاصبهاني‏

128

حين وافاه ابي رحمه اللّه و كنت حدث السن فكنت استأذن في زيارة مولاي ابي عبد اللّه الحسين عليه السّلام و زيارة الشهداء رضوان اللّه عليهم فخرج الي منه (بسم اللّه الرحمن الرحيم اذا أردت زيارة الشهداء رضوان اللّه عليهم فقف عند رجلي علي بن الحسين عليه السّلام فان هناك حومة الشهداء و أوم و أشر الى علي بن الحسين (ع) و قل السّلام عليك يا اول قتيل (و ساق الزيارة الى ان قال) (السّلام على عون بن عبد اللّه بن جعفر الطيار في الجنان، حليف الايمان، و منازل الاقران الناصح للرحمن، التالي للمثان، لعن اللّه قاتله عبد اللّه بن قطبة النبهاني) .

و قال السيد ابن طاوس في مصباح الزائر عند ذكر زيارة الشهداء في يوم عاشوراء.

(فاذا أردت زيارة الشهداء رضوان اللّه عليهم فقف عند رجلي علي ابن الحسين (ع) فاستقبل القبلة بوجهك فان هناك حومة الشهداء و ساق الزيارة بعين ما ذكره محمد بن المشهدي (ثم قال) في زيارتهم اول يوم من رجب (امض وقف على ضريح علي بن الحسين (ع) مستقبل القبلة و قل السّلام من اللّه (الى ان قال) السّلام على عون بن عبد اللّه بن جعفر بن ابي طالب) ، من ها هنا لا يرتاب القارئ في ان عونا مقبور مع الشهداء في الحائر المقدس فما ذهبت اليه المزاعم من ان مشهده هي القبة الماثلة اليوم على يسار السابلة من كربلاء الى المسيب غير صحيح.

(نعم) ذكر النسابة السيد جعفر بن السيد محمد الاعرجي الكاظمي المتوفي سنة 1333 هـ في (بشت كوه) من قرى ايران في كتابه (مناهل الضرب في انساب العرب) ما نصه (ان عون بن عبد اللّه بن جعفر بن مرعى بن علي بن الحسن البنفسج بن ادريس بن داود بن احمد المسود ابن عبد اللّه بن موسى الجون بن عبد اللّه لمحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط ابن علي بن ابي طالب عليه السّلام كان في الحائر المقدس الحسيني‏

129

و كانت له ضيعة على ثلاثة فراسخ عن بلد كربلاء فخرج اليها و ادركه الموت فدفن في ضيعته فكان له مزار مشهور و قبة عالية و الناس يقصدونه بالنذور و قضاء الحاجات، و يظن الناس انه قبر عون بن علي بن ابي طالب عليه السّلام و بعض يزعم انه قبر عون بن عبد اللّه بن جعفر الطيار، و كلاهما و هم لانهما دفنا في حفيرة العلويين (انتهى) .

(اقول) ان السيد المؤلف و ان اصاب في حكمه بدفن عون بن عبد اللّه بن جعفر في حفيرة الهاشميين إلا انه اخطأ في زعمه دفن عون بن علي في الحفيرة ايضا لانه لم يحضر يوم الطف على التحقيق و ان وقع في كلام بعض أرباب المقاتل لكنه من دون روية و دراية.

و يتحدث بعض المؤرخين ان المقتول في الطف عون الاصغر ابن عبد اللّه بن الطيار الذي امه الخوصاء و هو خطأ واضح لانه قتل يوم (حرة بني واقم) كما صرح به ابو الفرج في المقاتل و غيره.

(و أما ام كلثوم) ابنة زينب فهي التي زوجها الحسين بن علي (ع) من ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر الطيار و انحلها (البغيبغات) كما نص عليه المبرد في الكامل (ج 3 ص 114) و السمهودي في تاريخ المدينة (ج 2 ص 263) و ياقوت الحموي في معجم البلدان (ج 2 ص 248) و هي ثلاث عيون في ينبع (عين) يقال لها خيف ليلى (و ثانية) خيف الاراك (و ثالثة) خيف بسطاس و ذكر ابن شهراشوب في المناقب (ج 2 ص 171) انه لما طلب معاوية بن ابي سفيان من مراون بن الحكم (و هو واليه على المدينة) ان يخطب ليزيد (ام كلثوم) هذه فقال ابوها عبد اللّه بن جعفر ان امرها ليس الي انما هو الى سيدنا الحسين عليه السّلام و هو خالها فأخبر الحسين عليه السّلام بذلك فقال أستخير اللّه تعالى اللهم وفق لهذه الجارية رضاك من آل محمد (ص) فلما اجتمع الناس في مسجد رسول اللّه (ص) أقبل مروان حتى جلس الى الحسين عليه السّلام و قال‏

130

ان امير المؤمنين (يعني معاوية) امرني بذلك و ان اجعل مهرها حكم ابيها بالغا ما بلغ مع صلح ما بين هذين الحيين مع قضاء دينه، و أعلم ان من يغبطكم بيزيد اكثر ممن يغبطه بكم، و العجب كيف يستمهر يزيد و هو كفؤ من لا كفؤ له و بوجهه يستسقى الغمام فرد خيرا يا أبا عبد اللّه، فقال الحسين (ع) الحمد للّه الذي اختارنا لنفسه، و ارتضانا لدينه، و اصطفانا على خلقه (الى آخر كلامه (ع) ثم قال يا مروان قد قلت فسمعنا.

(أما) قولك مهرها حكم ابيها بالغا ما بلغ فلعمري لو اردنا ذلك ما عدونا سنة رسول اللّه (ص) في بناته و نسائه و اهل بيته و هو اثنتا عشرة اوقية يكون اربعمائة و ثمانين درهما.

(و أما قولك) مع قضاء دين ابيها فمتى كن نساؤنا يقضين عنا ديوننا

(و أما) صلح ما بين هذين الحيين فانا قوم عاديناكم في اللّه و لم نكن نصالحكم للدنيا فلعمري لقد أعيي النسب فكيف السبب.

(و أما) قولك و العجب كيف يستمهر يزيد فقد استمهر من هو خير من يزيد و من ابي يزيد و من جد يزيد و اما قولك ان يزيد كفؤ من لا كفؤ له فمن كان كفوه قبل اليوم فهو كفوه اليوم ما زادته إمارته في الكفاءة شيئا.

(و اما) قولك وجهه يستسقى به الغمام فانما كان ذلك وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

(و أما) قولك من يغبطنا به اكثر ممن يغبطه بنا فانما يغبطنا به اهل الجهل و يغبطه بنا اهل العقل (ثم قال «ع» ) بعد كلام فاشهدوا جميعا اني قد زوجت ام كلثوم بنت عبد اللّه بن جعفر من ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر على اربعمائة و ثمانين درهما و قد نحلتها ضيعتين بالمدينة (او قال ارضي بالعقيق) و ان غلتها بالسنة ثمانية آلاف دينار ففيها لهما غنى انشاء اللّه تعالى. غ

131

(قال) فتغير وجه مروان و قال أغدرا يا بني هاشم تأبون إلا العداوة، فذكره الحسين (ع) خطبة الحسن عاتشة و فعله (ثم قال) فاين موضع الغدر يا مروان، فقال مروان.

اردنا صهركم لنجد ودا # قد اخلقه به حدث الزمان

فلما جئتكم فجبهتموني # و بحتم بالضمير من الشنان‏

فاجابه ذكوان مولى بني هاشم:

أماط اللّه عنهم كل رجس # و طهرهم بذلك في المثاني

فما لهم سواهم من نظير # و لا كفؤ هناك و لا مداني

أ تجعل كل جبار عنيد # الى الاخيار من اهل الجنان‏

(و في كتاب) بلاغات النساء تأليف احمد بن ابي طاهر (ص 134) طبع مصر ان ام كلثوم هذه ولدت للقاسم فاطمة تزوجها طلحة بن عمر ابن عبيد اللّه بن مغمر، فولدت له رملة تزوجها هشام بن عبد الملك فلم تلد له، فقال لها هشام انت بغلة لا تلدين قالت له رملة (يأبى كرمي أن يدنسه لؤمك) .

مدحها و رثائها

من جلية الحقائق أن نظم القريض في أي أحد فيه اشادة بذكره و إقامة لامره فان المأثرة مهما عظمت فقد تنسى و يخمل ذكرها بمرور الحقب و الاعوام لكن الشعر الخالد الذي تسير به الركبان يؤبد ذلك الفضل البائد و يلفت الانظار الى جهته، و بما ان ذكرى أهل بيت العصمة صلوات اللّه عليهم هي اساس الدين و جذم الاصلاح لما يتبعها من اعتناق تعاليمهم و اقتفاء آثارهم تواتر الحث على سرد الشعر فيهم مدحا و رثاء و رتبت عليه المثوبات العظيمة في احاديث أئمة الهدى عليهم السّلام وعد ذلك من‏

132

افضل الطاعات، ففي عيون الاخبار لشيخنا الصدوق رحمه اللّه بالاسناد عن عبد اللّه بن الفضل الهاشمي قال قال ابو عبد اللّه الصادق عليه السّلام من قال فينا بيت شعر بنى اللّه له بيتا في الجنة (و فيه) عن علي بن سالم عن ابيه عن الصادق (ع) انه قال ما قال فينا قائل بيت شعر حتى يؤيد بروح القدس (و فيه) عن الحسن بن الجهم قال سمعت الرضا عليه السّلام يقول ما قال فينا مؤمن شعرا يمدحنا به الا بنى اللّه له مدينة في الجنة اوسع من الدنيا سبع مرات يزوره فيها كل ملك مقرب و كل نبي مرسل (و في رجال الكشي) دخل الكميت (الشاعر) علي ابي جعفر الباقر (ع) فانشده (من لقلب متيم مستهام) القصيدة، فلما فرغ منها قال (ع) للكميت (لا تزال مؤيدا بروح القدس ما دمت تقول فينا) (و فيه) أن عبد اللّه بن الصلت كتب الى ابي جعفر الجواد (ع) يستأذن في ان يرثي اباه ابا الحسن عليه السّلام فكتب اليه (اندبني و اندب ابي) (و فيه) أن ابا طالب القمي قال كتبت الى ابي جعفر عليه السّلام بابيات شعر و ذكرت فيها اباه و سألته ان يأذن لي في ان اقول فيه فقطع الشعر و حبسه و كتب في صدر ما بقي من القرطاس (قد احسنت جزاك اللّه خيرا) (و في كامل الزيارة) لابن قولويه عن الصادق (ع) في حديث طويل، و فيه (بلغني ان قوما يأتون (قبر الحسين) (ع) من نواحي الكوفة، و ناسا غيرهم و نساء يندبنه و ذلك في النصف من شعبان فبين قارئ يقرأ، وقاص يقص و نادب يندب، و قائل يقول المراثي، الحمد للّه الذي جعل في الناس من يفد الينا و يمدحنا و يرثي لنا، و جعل عدونا من يطعن عليهم و يهددونهم و يقبحون ما يصنعون) الى غير ذلك مما جاء من الاخبار الكثيرة في مدحهم و رثائهم.

و بما ان زينب العقيلة سلام اللّه عليها من اولئك الافراد الذين هم عمد الدين و اعضاد الشريعة و قد شاركت الحسين (ع) في نهضته المقدسة

133

و الذب عن شريعة جدها الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تبادر أفذاذ ممن يمتهم بالولاء الى تحري ذلك الاجر الجزيل بنظم مدايحها و مراثيها (ع) .

فمن اولئك:

1-حجة الاسلام آية اللّه الشيخ محمد حسين الاصفهاني رحمه اللّه‏ (1)

و ليت وجهي شطر قبلة الورى # و من بها تشرفت أم القرى

قطب محيط عالم الوجود # في قوسي النزول و الصعود

ففي النزول كعبة الرزايا # و في الصعود قبلة البرايا

بل هي باب حطة الخطايا # و موئل الهبات و العطايا

أم الكتاب في جوامع العلا # أم المصاب في مجامع البلا

رضيعة الوحي شقيقة الهدى # ربيبة الفضل حليفة الندى

ربة خدر القدس و الطهارة # في الصون و العفاف و الخفارة

فانها تمثل الكنز الخفي # بالسر و الحياء و التعفف

تمثل الغيب المصون ذاتها # تعرب عن صفاته صفاتها

مليكة الدنيا عقيلة النسا # عديلة الخامس من أهل الكسا

شريكة الشهيد في مصائبه # كفيلة السجاد في نوائبه

بل هي ناموس رواق العظمة # سيدة العقائل المعظمة

ما ورثته من نبي الرحمة # جوامع العلم أصول الحكمة

سر ابيها في علو الهمة # و الصبر في الشدائد الملمة

____________

(1) و لقد نظم ايده اللّه أراجيز في النبي (ص) و الائمة الاثني عشر و الزهراء (ع) و ابي طالب و حمزة و جعفر الطيار و العباس بن امير المؤمنين و مسلم بن عقيل و علي الاكبر و القاسم بن الحسن السبط و عبد اللّه الرضيع و السيد الجليل السيد محمد بن الامام الهادي (ع) المدفون في بلد. و سمي بـ (الانوار القدسية) و طبع في المطبعة الحيدرية في النجف‏

134

ثباتها ينبئ عن ثباته # كأن فيها كل مكرماته

لها من الصبر على المصائب # ما جل ان يعد في العجائب

بل كاد ان يلحق بالمعاجز # لانه حرفة كل عاجز

فانها سلالة الولاية # ولاية ليس لها نهاية

بيانها يفصح عن بيانه # كأنها تفرغ عن لسانه

ناهيك فيه الخطب المأثورة # فانها كالدرر المنثورة

بل هي لو لا الخط عن مقامها # كاللؤلؤ المنضود في نظامها

فانها وليدة الفصاحة # والدها فارس تلك الساحة

و ما أصاب أمها من البلا # فهو تراثها بطف كربلا

لكنها عظيمة بلواها # من الخطوب شاهدت أدهاها

رأت هجوم الخيل بالنار على # خيائها او محور السبع العلى

و استلبوا يا ويلها قرارها # مذ سلبوا ازارها خمارها

و سبيهم ودايع المختار # عار على الاسلام أي عار

يكاد أن يذهب بالعقول # سبي بنات الوحي و التنزيل

و ما رأت بالطف من أهوالها # جل عن الوصف بيان حالها

و من يطيق وصف سوء حالها # مذ رأت السبط على رمالها

معفر الخد مضرجا بدم # لهفي على جمال سلطان القدم

و حوله فتيانه على الثرى # كالشهب الزهر تحف القمرا

واها على كواكب السعود # عقد نظام الغيب و الشهود

كيف هوت و انتثرت اشلاؤها # بأي ذنب سفكت دماؤها

و شاهدت ريحانة الرسول # تدوسها حوافر الخيول

فاصبحت خزانة اللاهوت # حلبة خيل الجبت و الطاغوت

صدر تربى فوق صدر المصطفي # ترضها الخيل على الدنيا العفا

ترى العوالي مركز المعالي # مدرجة لذروة الكمال

135

أو هي عرش و عليه التاج # او انها البراق و المعراج

نال من العروج ما تمنى # كقاب قوسين دنا او ادنى

حتى تجلى قائلا (اني انا) # من سجر القناة في طور القنا

لسان حاله لسلطان القدم # سعيا على الرأس اليك لا القدم

و سوقها الى يزيد الطاغية # أشجى فجيعة و ادهى داهية

و ما رأته في دمشق الشام # يذهب بالعقول و الاحلام

أمامها رأس الامام الزاكي # و خلفها النوائح البواكي

او الكتاب الناطق المبين # حف به الحنين و الانين

و افظع الكل دخول الطاهرة # حاسرة على ابن هند العاهرة

و ما لها و مجلس الشراب # و هي ابنة السنة و الكتاب

أتوقف الحرة من آل العبا # بين يدي طليقها و اعجبا

يشتمها طاغية الالحاد # و هي سلالة النبي الهادي

بل سمعت من ذلك اللعين # سب ابيها و هو أصل الدين

أتنسب الطاهرة الصديقة # بالكذب و هي اصدق الخليقة

أصفوة الولي نخبة النبي # عدوة اللّه فيا للعجب

و احر قلباه لقلب الحرة # فما رأته لا أطيق ذكره

شلت يد مدت بقرع العود # إلى ثنايا العدل و التوحيد

تلك الثنايا مرشف الرسول # و ملثم الطاهرة البتول

و ما جناه باللسان أعظم # و كفره المكنون منه يعلم

و قد أبانت كفر ذاك الطاغي # باحسن البيان و البلاغ

حنت بقلب موجع محترق # على أخيها فأجابها الشقي

(يا صيحة تحمد من صوائح # ما أهون النوح على النوائح)

2-العالم الفاضل شاعر اهل البيت عليهم السّلام الشيخ محمد نصار:

هاج وجدي لزينب اذ عراها # فادح في الطفوف هد قواها

136

يوم اضحت رجالها غرضا للنبل # و السمر فيه هاج و غاها

و نعت بين نسوة ثاكلات # تصدع الهضب في حنين بكاها

آه وا لهفتاه ما ذا تقاسي # من خطوب تربو على ما سواها

و لمن تسكب المدامع من عين # جفا جفنها لذيذ كراها

ألنهب الخيام ام لعليل # ناحل الجسم ام على قتلاها

أم لأجسامهم على كثب الغبر # اء مخضوبة بفيض دماها

أم لرفع الرؤوس فوق عوالي السمر # أم رض صدر حامي حماها

أم لأطفالها تقاسي سياق الموت # أم عظم سيرها و سراها

أم لسير النساء بين الاعادي # ثاكلات يندبن يا آل طاها

و هي ما بينهن تندب من قد # ندبته الأملاك فوق سماها

و قال رحمه اللّه أيضا من قصيدة له:

و اتته زينب و المصاب يقودها # لشجى له بين الضلوع دبيب

و غدت لما قد نالها تدعو به # و لها بمحنى الضلوع و جيب

يا خير من هلت عليه مدامع # حزنا و من شقت عليه جيوب

فهوت عليه تضمه و تشمه # و الدمع مثل المرسلات يصوب

اللّه في كبد يمزقها الجوى # حزنا و قلب بالمصاب يصوب

اللّه في ايتامنا اللّه في # تلك النساء فما لهن رقيب

أأخى يا بحرا يسوغ لوارد # منه الروى كيف اعتراه نضوب

أأرى الشراب و أنت مشبوب الحشا # ظمأ و آلفه و أنت غريب

و أرى الثياب و أنت لا كفن ترى # ام كيف البسها و أنت سليب

و أرى الخضاب اذا لقيت منيتي # عجلا و جسمك بالدماء خضيب‏

3-العلامة الاستاذ الميرزا محمد علي الاوردبادي الغروي:

قد عاد مصر للحفيظة مغربا # فسنا ذكاها واضح لن يغربا

137

بمليكة حسبا زكت فيه و لم # يعقد عليه غير صنوبها الحبا

و من النبوة في أسرة وجهها # بلج كمثل الشمس يجلو الغيهبا

و تضوع منها للخلافة عبقة # تطوى بنفحتها الصحاصح و الربى

بجلال احمد في مهابة حيدر # قد انجبت أم الائمة زينبا

فبمجمع الشرفين بضعة فاطم # حصلت على اكرومة عظمت نبا

و سرت مع الدنيا مكارمها كما # يسري لها ارج الثناء مع الصبا

حشدت مناقبها جحافل فاغتدت # من كل منقبة تحشد مقنبا

و لها بمنقطع الفخار منصة # كرمت بها حسبا و فاقت منصبا

و ربيبة الخدر المقدس زانها # علم حوته حبوة لا مكسبا

و ندى كمثل البحر دون نفاده ال # يم الخضم و لجه ان ينضبا

و مئآثر كثر النجوم عدادها # زهوا على كر الليالي ما خبا

و رجاحة في اللب تهزأ بالنهى # تقفو وقارا يستخف الأخشبا

و باية التطهير و القربى لها # خطران قد خصا باصحاب العبا

و عن الوصي بلاغة خصت بها # اعيت برونقها البليغ الأخطبا

ما استرسلت الا و تحسب انها # تستل من غرر الخطابة مقضبا

او انها اليزنى في يد باسل # اخلى به ظهرا و او هى منكبا

او انها تقتاد منها فيلقا # و تسوق من زمر الحقائق موكبا

او ان في غاب الامامة لبوة # لزئيرها عنت الوجوه تهيبا

او انها البحر الخضم تلاطمت # امواجه علما حجى باسا ابا

او ان من غضب الا له صواعقا # لم تلف عنها آل حرب مهربا

او ان حيدرة على صهواتها # يفني كراديس الضلال ثبا ثبا

او انه ضمته ذروة منبر # فانار نهجا للشريعة الحبا

او ان في اللئوا عقيلة هاشم # قد فمرقت شمل العمى ايدي سبا

و بجاش ذي لبد و قلب اخي حجى # اولت صروف الدهر ثغرا اشنبا

138

و تشاطرت هي و الحسين بدعوة # حتم القضاء عليهما ان يندبا

هذا بمشتبك النصول و هذه # في حيث معترك المكاره في السبا

بدم الشهادة اذ اريق و مدمع # اذرى مذار القلب دمعا صيبا

نهضا باعباء الهدى ما بين # منحطم الوشيج و بين محترق الخبا

مضيا و لابن المصطفي زج القنا # عن باحة التذكير اصبح محتبى

و تلا الكتاب بموقف راموا به # اطفاء نور اللّه لكن قد ابى

و لزينب شهد الحزوم بمثله # اذ يممت قفرا و امت سبسبا

فبصدرها ثقل الامامة مودع # و بنطقها زهت الهداية مذهبا

و على الاسارى من بنات محمد # من باسها العلوي منصوب الخبا

و غداة جلق كم لها من وقفة # يزور عنها الغي مفلول الشبا

في حيث قد عقد الزعانف من بني # صخر و رهطهم لفيفا مرهبا

فرمتهم من لفظها بقوارع # قد اوقعت بهم البلا المكربا

فكان من جمل الكلام بوارقا # و كان منها في المرائر منهبا

هدأت لها الانفاس قل بفريسة # قد انشبت فيها الضياغم مخلبا

و دهوا بفاقرة تبلد حولا # ثبت الجنان لدى الهزايز قلبا

من عظم ما اجترحوا هناك فناحب # او حائر منع الشجا ان ينحبا

و بعين جبار السما عمل لها # املا لنوكى آل حرب خيبا

اذ زعزعت سلطانها بظلامة # لبني علي جمرها قد الهبا

و رأت الرجس في لفثاتها # ان الدعي عن الصراط تنكبا

هذا و لكن الصدور بما بها # حرى و صدع نالها لن يرئبا

و عيون آل محمد عبرى لما # غمزوا لهم من قبل عودا اصلبا

و نساء آل امية محبورة # و عقائل المختار ترسف في السبا

و اليكم آل النبي قصيدة # امضى على الخصماه من حد الضبا

و عليكم صلى المهيمن كلما # يشؤشذى علياكم نشر الكبا

139

و قال ايضا:

لزينب و الاسى يومان اضحت # بكل تلتقى دهرا كؤدا

فيوم المجتبى و الطشت فيه # رأت منه مقطعة كبودا

و في يوم الحسين غداة ألفت # يحلق بينه ثغرا و عودا

4-للعلامة الشيخ قاسم محيي الدين النجفي رحمه اللّه:

قلبي بسلمى مرتهن # و بحبها حلف المحن

و يكاد من شوق يطيـ # ر اذا له التذكار عن

و لقد وقفت بربعها # ابكي المساكن و السكن

و بقيت وقفا للشجو # د مفارقا طعم الوسن

انا لست ممن هاجني # ذكر المعاهد و الدمن

بل انما ابكي لرزء # طبق الدنيا شجن

رزء اذاب حشاشتي # مهما له قلبي فطن

مثل العقيلة زينب # يحدو بها حادي الظعن

ساروا بها فوق المطي # و بكتفها شدوا الشطن

و اذا بكت عين لها # في منكبيها السوط حن

ترنو بعينيها الجسو # م على البسيطة ترتهن

رأت الحسين مجدلا # ما بينها دامي البدن

رضت قراه سلاهب # عدوا بغارات تشن

طحنت قراه امية # برحى عداه بها طحن

و الجسم منه درية # لسهام عابدة الوثن

متلفعا بدمائه # بين الاسنة مرتهن

عريان تنسج في العرا # سافي الرياح له كفن

ملقى على وجه الثرى # ابكي الفرائض و السنن

دامي الوريد ملفعا # بالبيض رهنا للطعن‏

140

وغدت نعاتبه بصـ # وت طبق الدنيا محن

أ اخي كيف نساق اسـ # رى في السهول و في الحزن

أ اخي غادرت العليل # مصفدا بي ممتحن

مما يكابد من امية # اظهر الشكوى و ان

في الاسر لا يفدى و لا # بفكاكه ابدا يمن

قد غادروه مكبلا # لهفي له من ممتهن

أ اخي غادرت الفؤا # د عليك وقفا للشجن

أ اخي رأسك قد سروا # فيه على رمح علن

يتلو الكتاب مرتلا # آياته بين الظعن

أ اخي ان تخدري # هتكته عابدة الوثن

أ اخي قد شحذ العدو # علي صارمه وسن

أ اخي ان سحاب همي # من نواك قد ارجحن

أ اخي قد ارخصت قد # را لا يقوم به ثمن

أ اخي بعدك قد رأت # عيني مرنات المحن

أ اخي قد نالت عدا # ك اباك ذاك ابا الحسن

أ اخي لا يقوى الفؤا # د على الاقامة و الظعن

أ اخي تسمعني سباب # اجلها فضلا و من

أ اخي ان لم يأتني # العباس يحميني فمن

و على يزيد ادخلت # تبدي النياحة و الحزن

دخلت على حال لها # حتى العدو رثى وحن

موثوقة بالحبل اظ # هر من جفاها ما اجن

نثلت عليه سهامها # لما لها ابدى الضغن

و انصاع يقرع مرشف الـ # هادي النبي المؤتمن

و المسلمون بمنظر # مما جناه به علن‏

141

و السيد السجاد ما # بين العيال قد امتحن

راموا العزيزة عندهم # يستخدمون بها السكن

علمت بذلك زينب # نادته يا عبد الوثن

اقصر فلا تسطاع الا # بالخروج عن الشنن

فاجابها اني القدير # عليه ما بي من وهن

عجبا لحلم اللّه كيف # عن النواظر لم تصن

آل النبي المصطفي # آل الوصي ابي الحسن

و برمحه زجر اذا # حنت لها حقدا طعن

فالمتن مسود القنا # و الرأس مبيض الحزن‏

5-للفاضل الخطيب الشيخ قاسم بن الشيخ محمد الملا الحلي:

تجنى علي الحب و هو محبب # و امرضني و هو الطبيب المجرب

و جرعني مر التجني بهجره # و عذب و التعذيب في الحب يعذب

و كم لامني فيه العذول و اننى # اهيم على عذل العذول و اطرب

ادانيه بالشكوى فيعرض قسوة # و يبعد عنى كلما منه اقرب

اعامله بالصفح و الذنب ذنبه # بحيث يراني انني انا مذنب

كشفت له مني حجاب مودة # و لم يبد لي الا الجفا و التجنب

قلبت له ظهر المجن فلم يفد # و اني فيه حول الحب قلب

اطارحه عتبا و لا يرعوي له # فعدت و قلبي من جرى العتب متعب

و يقسو معي مهما النت خطابه # كأني و اياه يزيد و زينب

بنفسي ابنة الزهرا عقيلة حيدر # و جل قراباتي و قل التقرب

لقد اشبهت فخرا اباها و امها # لقد انجبت ام و انجبها اب

يناط الى بيت النبوة بيتها # و استاره بالنيرات تطنب

حصان باسرار الغيوب عليمة # من اللّه الهاما لها لا تكسب

فاين بنات العرب منها و انها # لا فصح ممن قد نماهن يعرب

ـ

142

فان خطبت فالسيف دون لسانها # و ان خاطبت فالسمهري المدرب

لقد البست كوفان عارا و وصمة # و كلهم جلباب خزي تجلببوا

و قد سكنت اجراس انعامهم لها # كما ارتدت الانفاس اذهي تخطب

و دان لها اهل الخطابة ناكسو # رؤس و ان لم يجد فيها المؤنب

و لكنها ابكت قلوبهم دما # بتقريعها و استاء كهل و اشيب

لخطبتها بالشام اكبر موقع # بها ثغر ابناء الضلال مقطب

لقد البست فيها ابن ميسون خزية # بها برد عار للقيامة يسحب

بها اشبهت آيات فرقان احمد # فان او جزت اغنت بما عنه تطنب

و لم يجر في الاوهام يوما خيالها # و ما مثلها الا المليك المحجب

و من فوقها ستر النبوة مسبل # عليه من النور الآلهي مضرب

لتربتها ان ام اعمى بصيرة # تبصر حتى ما عن الرشد يعزب

بصبر ابيها المرتضى تاه ذو الحجمى # و في صبرها الامثال للحشر تضرب

و قد و كل الرحمن في حفظ قلبها # ملائكة كيلا اسى يتشعب

و من حين عزت ما استذل اباءها # فراعن لا دين لديهم و مذهب

ففي جدها المختار شرف مشرق # و بالوالد الكرار قدس مغرب

حوت شرف الدارين بنت محمد # ففيها الى باري الورى نتقرب

فان وجبت يوما محبة مؤمن # فحبي بنص الذكر في اللّه اوجب

و ان كان للقربى المودة انزلت # فها هي من خير النبيين اقرب

فيا بنت فخر الانبياء و سيد # على الاوصيا من ذا بهذا يكذب

و من أمها الزهراء بنت محمد # و اخوانها السبطان كل مقرب

بجاهك عند اللّه نرجو شفاعة # بدهر عصيب بالبلا يتوثب

و ان تشفعي فينا فانت عزيزة # لدى اللّه يسمو في الدعا لك منصب

و اني ارجو ان ازورك قاصدا # فمنك و من آبائك الغر اطلب

عليكم سلام اللّه ما دام ذكركم # افوه به بين الانام و اخطب‏

143

6-الفاضل الاديب الطبيب الميرزا محمد الخليلي النجفي:

اذا نابك الدهر لا تعجب # فليس على الدهر من معتب

و لا تغترر بابتساماته # فبا لناب يغدر و المخلب

و كن جلدا عند دهم الخطوب # فمن يرتدي الصبر لم يغلب

و ان داهمتك صروف الزمان # تذكر عقيلة آل النبي

تذكر مصائبها سلوة # و حمر الدموع عليها اسكب

فكل النوائب تسلى لدا # نوائب خير النسا زينب

رضيعة در العلى و الابا # ربيبة بنت الهدى الطيب

حكت امها و اباها و قد # أنافت على امها و الاب

فكانت كتلك لدى النائبات و # كانت كهذا متى تخطب

رأت خطب طه نبي الهدى # بقلب بنار الأسى ملهب

و سقط البتولة بين الجدار # و الباب عصرا و لم ترقب

و غصب الوصي و سحب الولي # اذا حيث لا يرتضيه الابي

و شاهدت المجتبى قاذفا # حشاه بسم له معطب

و ناهيك ارزاؤها في الطفوف # فمهما تحدثت لم تكذب

اتتها تحاط بتلك الليوث # فمن اغلب لحمى اغلب

و باتت و اقمارها حرس # يزول بها حالك الغيهب

ليوث الكريهة من هاشم # نجيب تناسل عن انجب

و لكنها اصبحت لا ترى # حمى بعد انجمها الغيب

يباح حماها و لا من مجير # و ان فزعت في الفلا تسلب

يسار بها فوق عجف النياق # فمن سبسب ليدي سبسب

ترى رهطها صرعا في الثرى # ضحايا الحفاظ و لم تندب

و رأس الحسين و باقي الرؤس # تسير مقدمة الموكب

و لم تدر من فزع النائبات # تصب كهطل الحيا الصيب

144

اتلحلظ آسرها زاجرا # أم الطفل مهما بكى يضرب

أم القيد أثقل زين العباد # أم السوط يلوى على المنكب

أم السير اضعف ذات الخدور # بوخد المطى الهزل المتعب

أم الشتم تسمعه جهرة # يكود من شامت مطرب

رزايا يحار لديها الصبور # احتمالا و منها يشيب الصبي

و قد قابلتها بكظم الوصي # و صبر البتول و حلم النبي

الى ان قضت و هي حلف الاسى # بصبر مدى الدهر لم ينضب

فيا قلب ذب بعدها حسرة # و يا عين فيضي لها و اسكبي‏

7-الخطيب الاديب الشيخ كاظم الشيخ سلمان نوح الكاظمي:

في السفح ظبي باغم و ربرب # في السفح قناص هناك يرقب

كم شرك اخفي خلال رمله # قل لهما قولا فاين المهرب

عليكما عزت نجاة اذ غدا # مصعدا يعقبه التصوب

يا مرحبا بظبية و ربرب # من بكما ضاق الفضاء الارحب

لوزرتما ربعي لاودى بكما # عني همي و الجوى و الكرب

عوجا لربعي فالفخاخ نصبت # لتأمنا و في الفخاخ العطب

يا ظبية البان و يا ربربها # اليكما قد جد منه الطلب

اني اراه تعبا لا تخشيا # منه فقد اضر فيه التعب

فيمما ربعي و في فنائه # قد زال خوف عنهما و الريب

باتا ضجيعين سميري حلم # و الرقباء عنهما لغيب

و الورق في الاغصان باتت صدحا # تسمعنا هديرها فنطرب

و الافق صاح و النسيم منعش # و الطير سجاع و ربعي معشب

و اخصب الوادي حيال ربعنا # تاللّه ما حكاه ربع مخصب

فلم يفقه غير ربع فخم # بناؤه قد ملكته زينب

بنت علي المرتضى و امها # فاطمة من مثل حيدر أب

145

و جدها محمد النبي من # به نزار شرفت و يعرب

ما النسب الوضاح الا نسب # لزينب ذاك الشريف النسب

بنت حجاب و عفاف زينب # يفخر فيها الصون و التحجب

اعبد اهل عصرها بعصرها # لربها اخطبهم لو تخطب

تقية عالمة فقيهة # من ربها اخبتهم و اقرب

من انجبتها فاطم فتلك من # ان عدت النساء فهي انجب

من اهل بيت اشرف الخلق هم # انسابهم قد شرفت و الحسب

عم ابيها حمزة اعمامها # طالب جعفر عقيل المنجب

و خالها القاسم ابن احمد # خالتها اخت البتول زينب

وجدها عبد مناف كافل الـ # نبي من كان عليه يحدب

و كم على ظهر النبي صاعدا # صنو لها اذ يرتفي و يركب

ذاك حسين صنوها و سيد الـ # شباب و الشيوخ و هو اشيب

سيدة النساء كانت زينب # بعصرها و المرتضى لها اب

سيف ابيها حصد الكفر و ما # منه ابن ود قد نجا و مرحب

و كم به فل جموعا حاربت # محمدا عن الهدى قد نكبوا

قد نكبوا و جرعوها غصصا # تصدع القلب و يوهى المنكب

صابرة عند نزول حادث # و قارع بالطف و هو مكرب

من جدها من السماء انزلت # عليه بالوحي و منها الكتب

من جدها على البراق للسما # حتى دنا من ربه المقرب

و عند سدرة تسمى المنتهى # عرا لجبريل هناك الرهب

و قد عرا محمدا لما اتى الـ # نداء يا طاهرهم و الطيب

انت حبيبي و الوصي حيدر # بلغهم و قل لهم لا تغضبوا

قد ارتضاه اللّه من بعدي لكم # وزير حق و هو ليث اغلب

فجاءهم مبلغا وحيا اتى # له من اللّه و منه اضطربوا

146

و قد اطاعوا احمدا و بعده # عن الوصي و الوزير انقلبوا

و قد قضت فاطمة بكى لها # علي و الا بنا بكت و زينب

و قد غدت يتيمة من امها # و في الحشا منها يشب اللهب

و لم تزل واجدة من بعدها # و قد احاطت بحماها الكرب

و قد دهاها حادث مفاجئ # قتل ابيها و اباها تندب

ثم اصيبت بعده بحادث الـ # زكي و هو الحسن المنتجب

يوم قضى و شيع النعش الى # قبر النبي و العدى تألبوا

و صوبوا سهامهم لنعشه # هل علموا لنعش من تصوبوا

شكت سهام حقدهم قلب الهدى # بغيا و قد اعماهم التعصب

و الهاشميون ارادوا حربهم # اذ الحسين قام فيهم يخطب

يا اخوتي ابناء عمي حافظوا # وصية الزكي و هو الطيب

عوجوا الى البقيع في نعشكم # به يضم مجتبانا الترب

و بعدها حادثة الطف غدت # لعظم بلواها لتنسى النوب

بها اصيبت زينب بقارع # لبعض وقعه تهد الهضب

كم من شيوخ و شباب قتلوا # عطشى و من برد روى لم يشربوا

و اضرموا نارهم في خيم # فاخرج العيال منها اللهب

و زينب حائرة مرعوبة # و الادنيا خيامهم قد نهبوا

و كم رضيع ذبحوا و نسوة # قد ضربوا و بعد ضرب سلبوا

ثم انيخت للرحيل نيبهم # و قيل للنسوة هيا فاركبوا

اخذن قسر و السياط تلتوي # يقد فيها مهمه و سبسب

للشام يهدين وهن حسر # لا برقع وجوههن يحجب

صلى عليك اللّه يا سيدتي # ما طلعت شمس و هلت سحب‏

8-الفاضل الخطيب السيد حسن ابن السيد عباس البغدادي:

يا قلب زينب ما لاقيت من محن # فيك الرزايا و كل الصبر قد جمعا

147

لو كان ما فيك من صبر و من محن # في قلب أقوى جبال الارض لا نصدعا

يكفيك صبرا قلوب الناس كلهم # تفطرت للذي لا قيته جزعا

9-للمؤلف عفي عنه:

ما جف دمع المستهام المغرم # بعد الوقوف ضحى بتلك الا رسم

دار عفت آثارها و قضت على # اطلالها ايدي القضاء المبرم

غابت محاسنها غياب شموسها # و بدورها غربت غروب الانجم

يا ارسما شبت لهن جوانحي # نارا بجمر فؤادى المتضرم

حياك و كاف الدموع او الحيا # من صوب غادية السحاب المرزم

لا زال ذكراك القديم بخاطرى # باق يعللني و ذكرك في فمي

واحن من شوقي اليك بمقلة # تهمي مدامعها و قلب تيم

يا دهر كف سهام خطبك عن حشى # لم يبق فيها موضع للاسهم

في كل يوم للنوائب صارم # يسطو على قلبي و يقطر من دمي

و ابيت و الارزاء تنهش مهجتي # نهشا بهون لديه نهش الارقم

او كان ذنبي انني متمسك # بالعروة الوثقى التي لم تفصم

آل النبي المصطفي من مدحهم # وردي و فيهم لا يزال ترنمي

و الى العقيلة زينب الكبرى ابنة الـ # كرار حيدر بالولاية انتمي

هي ربة القدر الرفيع ربيبة الـ # خدر المنيع و عصمة المستعصم

من في ابيها اللّه شرف بيته # و بجدها شرف الحطيم و زمزم

من بيت نشأتها به نشأ الهدى # و به الهداية للصراط الاقوم

ضربت مضارب عزها فرق السها # و سمت فضائلها سمو المرزم

فضل كشمس الافق ضاء فلو يشا # اعداؤها كتمانه لم يكتم

كانت مهابتها مهابة جدها # خير البرية و الرسول الاعظم

كانت بلاغتها بلاغة حيدر الـ # كرار ان تخطب و ان تتكلم

قد شابهت خير النساء بهديها # و وقارها و تقى و حسن تكرم

148

و مقيمة الاسحار في محرابها # تدعو و في الليل البهيم المظلم

شهدت لها سور الكتاب بانها # من خير انصار الكتاب المحكم

زهدت بدنياها و طيب نعيمها # طلبا لمرضات الكريم المنعم

و تجرعت رنق الحياة و كابدت # من دهرها عيشا مرير المطعم

فاثابها رب السماء كرامة # فيها سوى امثالها لم يكرم

فلها كما للشافعين شفاعة # يوم الجزاء بها نجاة المجرم

بلغت من المجد الموثل موضعا # ما كان حتى للبتولة مريم

كلا و لا للطهر حوا او لآ # سية و ليس لاخت موسى كليم

هذي النساء الفضليات و في العلا # كل اقامت في مقام قيم

فاقت به كل النساء و ربها # في الخلد اكرمها عظيم المغنم

لكن زينب في علاها قد سمت # شرفا تأخر عنه كل مقدم

في علمها و جلالها و كمالها # و الفضل و النسب الصريح الافخم

من ارضعتها فاطم در العلى # من ثديها فعن العلى لم تفطم

عن امها اخذت علوم المصطفي # و علوم والدها الوصي الاكرم

حتى بها بلغت مقاما فيه لم # تحتج لتعليم و لا لمعلم

شهد الامام لها بذاك و انها # بعد الامام لها مقام الاعلم

و لها بيوم الغاضرية موقف # انسى الزمان ثبات كل غشمشم

حملت خطوبا لو تحمل بعضها # لانهار كاهل يذبل و يلملم

و رأت مصابا لو يلاقي شجوها الـ # ـعذب الفرات كمياه طعم العلقم

في الرزء شاركت الحسين و بعده # بقيت تكافح كل خطب مؤلم

كانت لنسوته الثواكل سلوة # عظمى و للايتام ارفق قيم

و مصابها في الاسر جدد كلما # كانت تقاسيه بعشر محرم

و دخول كوفان اباد فؤادها # لكن دخول الشام جاء شأم

لم انس خطبتها التي قلم القضا # في اللوح مثل بيانها لم يرقم

149

نزلت بها كالنار شب ضرامها # في السامعين من الفؤاد المضرم

جاءت بها علوية وقعت على # قلب ابن ميسون كرقع المخذم

اوداجه انتفخت بها فكأنما # فيها السيوف اصبنه في الغلصم

اشقيقة السبطين دونك مدحة # قس الفصاحة مثلها لم ينظم

تمتاز بالحق الصريح لو انها # قيست بشعر البحتري و مسلم

يسلو المحب بها و تطعن في حشا # اعداء اهل البيت طعن اللهذم

بيمين اخلاصي اليك رفعتها # ارجو خلاصي من عذاب جهنم

و عليك صلّى اللّه ما رفعت له # ايدي محل بالدماء و محرم‏

10-و قال ايضا:

اطلت على منازلهم سؤالي # متى اضحت مرابعها خوالي

مرابع كانت الايام تزهو # بهن و تستضي‏ء بها الليالي

و كانت تملأ الدنيا عبيرا # متى هبت بها ريح الشمال

مرابع كانت البيض المواضي # تحف بهن و السمر العوالي

مرابع كانت الآساد ذلا # تدين لمن حوته من رجال

مرابع كانت الاضياف فيها # تثاب على قراها بالنوال

مرابع لم يكن الا اليها # يليق من الورى شد الرحال

وقفت بهن و الاضلاع تطوى # على جمر و دمعي بانهمال

و رحت اسائل الاطفال عنهم # و كيف جواب اطلال بوالي

سقى صوب الحيا تلك الروابي # و حيا ارض هاتيك التلال

ففيها لم يزل قلبي مقيما # و جسمي بين حل و ارتحال

سلوت مصائب الدنيا و لكن # فؤادي عن هواها غير سالي

الا يا دهر قد اوهنت ركني # و غيرت النوائب منك حالي

جنيت علي بالارزاء ظلما # فما لك ايها الجاني و مالي

و بعد احبتي لم يبق مني # سوى جسم حكى عود الخلال

150

فليس يطيب لي عيش هنيئ # و لا التذ بالماء الزلال

قضيت بعلة الأشجان لو لا # بمدحي زينب الكبرى اعتلالي

عقيلة اهل بيت الوحي بنت الـ # وصي المرتضى مولى الموالي

شقيقة سبطي المختار من قد # سمت شرفا على هام الهلال

حكت خير الأنام علا و فخرا # و حيدر في الفصيح من المقال

و فاطم عفة و تقى و مجدا # و اخلاقا و في كرم الخلال

ربيبة عصمة طهرت و طابت # و فاقت في الصفات و في الفعال

فكانت كالائمة في هداها # و انقاذ الأنام من الضلال

و كان جهادها بالقول امضى # من البيض الصوارم و النصال

و كانت في المصلى اذ تناجى # و تدعو اللّه بالدمع المذال

ملائكة السماء على دعاها # تؤمن في خضوع و ابتهال

روت عن امها الزهرا علوما # بها وصلت الى حد الكمال

مقاما لم تكن تحتاج فيه # الى تعليم علم او سؤال

و نالت رتبة في الفخر عنها # تأخرت الاواخر و الاوالي

فلو لا امها الزهراء سادت # نساء العالمين بلا جدال

لها تنمى المكارم حيث كانت # و فيها ينتهي شرف الخصال

بانوار النبوة قد كساها # وقار الوحي هيبة ذي الجلال

و ابهة الامامة جلببتها # جلابيب الفضائل و المعالي

لها في هامة الجوزاء بيت # رفيع الشأن سامي القدر عالي

بناه المصطفي و حمى حماه # بانفسها الكريمة خير آل

محل مهبط الاملاك فيه # تنزه عن مثيل او مثال

به اللاجي يلوذ من الدواهي # على ما فيه من بعد المنال

و زاهدة لدار الخلد تاقت # و لم تركن الى دار الزوال

فعافت كلما ملكت يداها # لوجه اللّه من نشب و مال