البيان و التبيين - ج1

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
321 /
55

كأن فيه لففا إذا نطق # من طول تحبيس و هم و أرق‏

كأنه لما جلس وحده و لم يكن له من يكلمه، و طال عليه ذلك، أصابه لفف في لسانه.

و كان يزيد بن جابر، قاضي الأزارقة (1) بعد المقعطل، يقال له الصموت، لأنه لما طال صمته ثقل عليه الكلام، فكان لسانه يلتوي، و لا يكاد يبين.

و أخبرني محمد بن الجهم أن مثل ذلك اعتراه أيام محاربة الزط (2) ، من طول التفكر و لزوم الصمت.

قال: و أنشدني الأصمعي:

حديث بني قرط إذا ما لقيتهم # كنزو الدبا في العرفج المتقارب‏ (3)

قال ذلك حين كان في كلامهم عجلة. و قال سلمة بن عياش‏ (4) :

كأن بني رألان إذ جاء جمعهم # فراريج يلقى بينهن سويق‏

فقال ذلك لدقة أصواتهم و عجلة كلامهم.

[اللجلجة]

و قال اللهبي في اللجلاج:

ليس خطيب القوم باللجلاج # و لا الذي يزحل كالهلباج‏ (5)

و رب بيداء و ليل داج # هتكته بالنص و الإدلاج‏

____________

(1) فرقة من فرق الخوارج، نسبة إلى زعيمهم نافع بن الأزرق.

(2) الزط: قوم من الهند، استوطنوا جنوب العراق، و ثاروا في خلافة المأمون.

(3) بنو قرط: بطن من بني بكر بن كلاب. الدبا: الجراد قبل أن يطير.

(4) سلمة بن عياش: شاعر بصري أدرك الدولة العباسية و مدح أبناء سليمان بن علي.

(5) يزحل: يزل عن مقامه. الهلباج: الأحمق الشديد الحمق.

56

و قال محمد بن سلام الجمحي: كان عمر بن الخطاب، رحمه اللّه، إذا رأى رجلا يتلجج في كلامه، قال: «خالق هذا و خالق عمرو بن العاص واحد» .

[الحبسة و الحكلة]

و يقال في لسانه حبسة، إذا كان الكلام يثقل عليه و لم يبلغ حد الفأفاء و التمتام. و يقال في لسانه عقلة، إذا تعقل عليه الكلام. و يقال في لسانه لكنة، إذا أدخل بعض حروف العجم في حروف العرب، و جذبت لسانه العادة الأولى إلى المخرج الأول. فإذا قالوا في لسانه حكلة فإنما يذهبون إلى نقصان آلة المنطق، و عجز أداة اللفظ، حتى لا تعرف معانيه إلا بالاستدلال.

و قال رؤبة بن العجاج:

لو أنني أوتيت علم الحكل # علم سليمان كلام النمل‏

و قال محمد بن ذؤيب‏ (1) ، في مديح عبد الملك بن صالح:

و يفهم قول الحكل لو أن ذرة # تساود أخرى لم يفته سوادها

و قال التيمي في هجائه لبني تغلب:

و لكن حكلا لا تبين و دينها # عبادة أعلاج عليها البرانس‏

[النحنحة و السعلة]

قال: و أنشدني سحيم بن حفص، في الخطيب الذي تعرض له النحنحة و السعلة، و ذلك إذا انتفخ سحره، و كبا زنده، و نبا حده، فقال:

نعوذ باللّه من الإهمال # و من كلال الغرب في المقال

و من خطيب دائم السعال‏

____________

(1) محمد بن ذؤيب الفقيمي شاعر راجز من شعراء الدولة العباسية.

57

و أنشدني ابن الأعرابي:

إن زيادا ليس بالبكيّ # و لا بهياب كثير العيّ‏

و أنشدني بعض أصحابنا:

ناديت هيذان و الأبواب مغلقة # و مثل هيذان سنّى فتحة الباب‏ (1)

كالهندواني لم تفلل مضاربه # وجه جميل و قلب غير وجاب‏ (2)

و قال آخر:

إذا اللّه سنى عقد شي‏ء تيسرا

و قال بشر بن المعتمر (3) ، في مثل ذلك:

و من الكبائر مقول متتعتع # جم التنحنح متعب مبهور

و ذلك أنه شهد ريسان، أبا بحير بن ريسان، يخطب. و قد شهدت أنا هذه الخطبة و لم أر جبانا قط أجرأ منه، و لا جريئا قط أجبن منه.

[الخطباء الشعراء]

و قال الأشل الأزرقي-من بعض أخوال عمران بن حطان الصفري القعدي-في زيد بن جندب الإيادي خطيب الأزارقة، و قد اجتمعا في بعض المحافل، فقال بعد ذلك الأشل البكري:

نحنح زيد و سعل # لما رأى وقع الأسل

ويل أمه إذا ارتجل # ثم أطال و احتفل‏

____________

(1) سنى: فتح و سهل.

(2) الهندواني: السيف المطبوع من حديد الهند. تفلل: تثلم. الوجاب: الخفاق المضطرب من الخوف.

(3) بشر بن المعتمر: متكلم معتزلي من الطبقة السادسة، و رئيس معتزلة بغداد. و كان إلى ذلك شاعرا، له قصيدة تقع في أربعين ألف بيت يرد فيها على جميع الفرق. توفي سنة 226 هـ.

58

و قد ذكر الشاعر زيد بن جندب الإيادي، الخطيب الأزرقي، في مرثيته لأبي داود بن حريز الإيادي، حيث ذكره بالخطابة و ضرب المثل بخطباء إياد، فقال:

كقس إياد أو لقيط بن معبد # و عذرة و المنطيق زيد بن جندب‏

و زيد بن جندب هو الذي قال في الاختلاف الذي وقع بين الأزارقة:

قل للمحلين قد قرت عيونكم # بفرقة القوم و البغضاء و الهرب

كنا أناسا على دين ففرقنا # طول الجدال و خلط الجد باللعب

ما كان أغنى رجالا ضل سعيهم # عن الجدال و أغناهم عن الخطب

إني لأهونكم في الأرض مضطربا # ما لي سوى فرسي و الرمح من نشب‏

و أما عذرة المذكور في البيت الأول فهو عذرة بن حجيرة الخطيب الإيادي. و يدل على قدره فيهم، و على قدره في اللسن و في الخطب، قول شاعرهم:

و أي فتى صبر على الأين و الظما # إذ اعتصروا للوح ماء فظاظها (1)

إذا ضرجوها ساعة بدمائها # و حل عن الكوماء عقد شظاظها (2)

فإنك ضحاك إلى كل صاحب # و أنطق من قس غداة عكاظها

إذا شغب المولى مشاغب معشر # فعذرة فيها آخذ بكظاظها (3)

فلم يضرب هذا الشاعر الإيادي المثل لهذا الخطيب الإيادي، إلا برجل من خطباء إياد، و هو قس بن ساعدة. و لم يضرب صاحب مرثية أبي داود بن حريز الإيادي المثل إلا بخطباء إياد فقط، و لم يفتقر إلى غيرهم، حيث قال في عذرة بن حجيرة:

____________

(1) اللوح: العطش. الفظاظ: جمع فظ، و هو ماء الكرش.

(2) الكوماء: الناقة العظيمة السنام. الشظاظ: العود الذي يدخل في عروة الجوالق.

(3) الكظاظ: ممارسة الشدة و ملازمتها.

59

كقس إياد أو لقيط بن معبد # و عذرة و المنطيق زيد بن جندب‏

و أول هذه المرثية قوله:

نعى ابن حريز جاهل بمصابه # فعمّ نزارا بالبكا و التحوب‏ (1)

نعاه لنا كالليث يحمي عرينا # و كالبدر يعشي ضوؤه كل كوكب

و أصبر من عود و أهدى إذا سرى # من النجم في داج من الليل غيهب‏ (2)

و أذرب من حد السنان لسانه # و أمضى من السيف الحسام المشطب‏ (3)

زعيم نزار كلها و خطيبها # إذا قام طأطأ رأسه كل مشغب

سليل قروم سادة ثم قالة # يبذون يوم الجمع أهل المحصب

كقس إياد أو لقيط بن معبد # و عذرة و المنطيق زيد بن جندب‏

في كلمة له طويلة. و إياهم عنى الشاعر بقوله:

يرمون بالخطب الطوال و تارة # وحي الملاحظ خيفة الرقباء

قال: أخبرني محمد بن عباد بن كاسب، كاتب زهير و مولى بجيلة من سبي دابق، و كان شاعرا راوية، و طلابة للعلم علامة، قال: سمعت أبا داود ابن حريز يقول و قد جرى شي‏ء من ذكر الخطب و تحبير الكلام و اقتضابه، و صعوبة ذلك المقام و أهواله، فقال: «تلخيص المعاني رفق. و الاستعانة بالغريب عجز، و التشادق من غير أهل البادية بغض، و النظر في عيون الناس عي، و مس اللحية هلك، و الخروج مما بني عليه أول الكلام إسهاب» .

قال: و سمعته يقول: «رأس الخطابة الطبع، و عمودها الدربة، و جناحاها رواية الكلام، و حليها الإعراب، و بهاؤها تخير الألفاظ. و المحبة مقرونة بقلة الاستكراه» . و أنشدني بيتا له في صفة خطباء إياد:

____________

(1) التحوب: البكاء في جزع و صياح.

(2) العود، بالفتح: الجمل المسن و فيه بقية.

(3) الذرب: الحدة. الحسام: القاطع. المشطب: الذي فيه طرائق في متنه.

60

يرمون بالخطب الطوال و تارة # وحي الملاحظ خيفة الرقباء

فذكر المبسوط في موضعه، و المحذوف في موضعه، و الموجز، و الكناية و الوحي باللحظ و دلالة الإشارة. و أنشدني له الثقة في كلمة له معروفة:

الجود أخشن مسا يا بني مطر # من أن تبزّكموه كف مستلب

ما أعلم الناس إن الجود مدفعة # للذم لكنه يأتي على النشب‏

قال: ثم لم يحفل بها، فادعاها مسلم بن الوليد الأنصاري، أو ادعيت له. و كان أحد من يجيد قريض الشعر و تحبير الخطب.

و في الخطباء من يكون شاعرا و يكون إذا تحدث أو وصف أو احتج بليغا مفوها بينا، و ربما كان خطيبا فقط و بيّن اللسان فقط.

فمن الخطباء الشعراء، الأبيناء الحكماء: قس بن ساعدة الإيادي.

و الخطباء كثر، و الشعراء أكثر منهم، و من يجمع الشعر و الخطابة قليل.

و منهم: عمرو بن الأهتم المنقري، و هو المكحل، قالوا: كأن شعره في مجالس الملوك حلل منشورة. قيل لعمر بن الخطاب رحمه اللّه: «قيل للأوسية أي منظر أحسن؟فقالت: قصور بيض في حدائق خضر» ، فأنشد عند ذلك عمر بن الخطاب، بيت عدي بن زيد العبادي:

كدمى العاج في المحاريب أو كالـ # بيض في الروض زهره مستنير

قال: فقال قسامة بن زهير: «كلام عمرو بن الأهتم آنق، و شعره أحسن» . هذا، و قسامة أحد أبيناء العرب.

و من الخطباء الشعراء: البعيث المجاشعي، و اسمه خداش بن بشر بن بيبة.

و من الخطباء الشعراء: الكميت بن زيد الأسدي، و كنيته أبو المستهل.

و من الخطباء الشعراء: الطرماح بن حكيم الطائي، و كنيته أبو نفر. قال‏

61

القاسم بن معن: قال محمد بن سهل راوية الكميت: أنشدت الكميت قول الطرماح:

إذا قبضت نفس الطرماح أخلقت # عرى المجد و استرخى عنان القصائد

قال: فقال الكميت: أي و اللّه، و عنان الخطابة و الرواية.

قال أبو عثمان الجاحظ: و لم ير الناس أعجب حالا من الكميت و الطرماح. و كان الكميت عدنانيا عصبيا، و كان الطرماح قحطانيا عصبيا. و كان الكميت شيعيا من الغالية، و كان الطرماح خارجيا من الصفرية. و كان الكميت يتعصب لأهل الكوفة، و كان الطرماح يتعصب لأهل الشام. و بينهما مع ذلك من الخاصة و المخالطة ما لم يكن بين نفسين قط، ثم لم يجر بينهما صرم و لا جفوة و لا إعراض، و لا شي‏ء مما تدعو هذه الخصال إليه. و لم ير الناس مثلهما إلا ما ذكروا من حال عبد اللّه بن يزيد الإباضي، و هشام بن الحكم الرافضي‏ (1) ، فإنهما صارا إلى المشاركة بعد الخلطة و المصاحبة.

و قد كانت الحال بين خالد بن صفوان و شبيب بن شيبة، الحال التي تدعو إلى المفارقة بعد المنافسة و المحاسدة، للذي اجتمع فيهما من اتفاق الصناعة و القرابة و المجاورة، فكان يقال: لو لا أنهما أحكم تميم لتباينا تباين الأسد و النمر. و كذلك كانت حال هشام بن الحكم الرافضي، و عبد اللّه بن يزيد الإباضي، إلا أنهما أفضلا على سائر المتضادين، بما صارا إليه من الشركة في جميع تجارتهما. و ذكر خالد بن صفوان شبيب بن شيبة فقال: «ليس له صديق في السر، و لا عدو في العلانية» ، فلم يعارضه شبيب. و تدل كلمة خالد هذه على أنه يحسن أن يسب سب الأشراف.

و من الشعراء الخطباء: عمران بن حطان، و كنيته أبو شهاب، أحد بني عمرو بن شيبان أخوة سدوس.

____________

(1) هشام بن الحكم: متكلم شيعي كبير ولد في الكوفة و نشأ في واسط و التقل إلى بغداد و اتصل بجعفر الصادق و ابنه موسى الكاظم و توفي مستترا في الكوفة سنة 199 ه

62

فمن بني عمرو بن شيبان مع قلتهم من الخطباء و العلماء و الشعراء عمران ابن حطان رئيس القعد من الصفرية، و صاحب فتياهم، و مفزعهم عند اختلافهم.

و منهم: دغفل بن حنظلة النسابة، الخطيب العلامة. و منهم القعقاع بن شور. و سنذكر شأنهم إذا انتهينا إلى موضع ذكرهم إن شاء اللّه.

و من الخطباء الشعراء: نصر بن سيار، أحد بني ليث بن بكر، صاحب خراسان، و هو يعد في أصحاب الولايات و الحروب، في التدبير، و في العقل و شدة الرأي.

و من الخطباء الشعراء العلماء: زيد بن جندب الإيادي، و قد ذكرنا شأنه.

و من الخطباء الشعراء: عجلان بن سحبان الباهلي، و سحبان هذا هو سحبان وائل، و هو خطيب العرب.

و من الخطباء الشعراء العلماء، و ممن قد تنافر إليه الأشراف: أعشى همدان.

و من الشعراء الخطباء: عمران بن عصام العنزي، هو الذي أشار على عبد الملك بخلع عبد العزيز أخيه، و البيعة للوليد بن عبد الملك، في خطبته المشهورة و قصيدته المذكورة. و هو الذي لما بلغ عبد الملك بن مروان قتل الحجاج له قال: و لم قتله، ويله؟أ لا رعى له قوله فيه:

و بعثت من ولد الأغر معتب # صقرا يلوذ حمامه بالعرفج

فإذا طبخت بناره أنضجتها # و إذا طبخت بغيرها لم تنضج

و هو الهزبر إذا أراد فريسة # لم ينجها منه صياح مهجهج‏ (1)

و من خطباء الأمصار و شعرائهم و المولدين منهم: بشار الأعمى، و هو

____________

(1) هجهج بالسبع: صاح به و زجره.

63

بشار بن برد، و كنيته أبو معاذ، و كان من أحد موالي بني عقيل. فإن كان مولى أم الظباء على ما يقول بنو سدوس، و على ما ذكره حماد عجرد، فهو من موالي بني سدوس. و يقال إنه من أهل خراسان نازلا في بني عقيل. و له مديح كثير في فرسان أهل خراسان و رجالاتهم. و هو الذي يقول:

من خراسان و بيتي في الذرى # و لدى المسعاة فرعي قد بسق‏

و قال:

و إني لمن قوم خراسان دارهم # كرام و فرعي فيهم ناضر بسق‏

و كان شاعرا راجزا، و سجاعا خطيبا، و صاحب منثور و مزدوج. و له رسائل معروفة.

و أنشد عقبة بن رؤبة، عقبة بن سلم، رجزا يمتدحه به، و بشار حاضر، فأظهر بشار استحسان الأرجوزة، فقال له عقبة بن رؤبة هذا طراز يا أبا معاذ لا تحسنه. فقال بشار: أ لمثلي يقال هذا الكلام؟أنا و اللّه أرجز منك و من أبيك و من جدك. ثم غدا على عقبة بن سلم بأرجوزته التي أولها:

يا طلل الحيّ بذات الصمد # باللّه خبّر كيف كنت بعدي‏

و فيها يقول:

اسلم و حييت أبا الملد # للّه أيامك في معدّ

و فيها يقول:

الحر يلحى و العصا للعبد # و ليس للملحف مثل الرد

و فيها يقول:

و صاحب كالدمل الممد # حملته في رقعة من جلدي

و ما درى ما رغبتي من زهدي‏

64

أي لم أره زهدا فيه و لا رغبة. ذهب إلى قول الأغر الشاعر:

لقد كنت في قوم عليك أشحة # بنفسك، لو لا أن من طاح طائح

يودون لو خاطوا عليك جلودهم # و هل يدفع الموت النفوس الشحائح‏

و المطبوعون على الشعر من المولدين بشار العقيلي، و السيد الحميري، و أبو العتاهية، و ابن أبي عيينة. و قد ذكر الناس في هذا الباب يحيى بن نوفل و سلما الخاسر، و خلف بن خليفة (1) . و أبان بن عبد الحميد اللاحقي أولى بالطبع من هؤلاء، و بشار أطبعهم كلهم.

و من الخطباء الشعراء و من يؤلف الكلام الجيد، و يصنع المناقلات الحسان و يؤلف الشعر و القصائد الشريفة، مع بيان عجيب و رواية كثيرة، و حسن دل و إشارة: عيسى بن يزيد بن دأب، أحد بني ليث بن بكر، و كنيته أبو الوليد.

و من الخطباء الشعراء ممن كان يجمع الخطابة و الشعر الجيد و الرسائل الفاخرة مع البيان الحسن: كلثوم بن عمرو العتابي، و كنيته أبو عمرو، و على ألفاظه و حذوه و مثاله في البديع يقول جميع من يتكلف مثل ذلك من شعراء المولدين كنحو منصور النمري، و مسلم بن الوليد الأنصاري و أشباههما.

و كان العتابي يحتذي حذو بشار في البديع. و لم يكن في المولدين أصوب بديعا من بشار، و ابن هرمة.

و العتابي من ولد عمرو بن كلثوم، و لذلك قال:

إني امرؤ هدم الإقتار مأثرتي # و اجتاح ما بنت الأيام من خطري

أيام عمرو بن كلثوم يسوّده # حيا ربيعة و الأفناء من مضر

أرومة عطلتني من مكارمها # كالقوس عطلها الرامي من الوتر

____________

(1) من شعراء الحماسة، و كان يقال له «الأقطع» لأنه قطعت يده في سرقة، فاستعاض عنها بأصابع من جلود، و كان من معاصري جرير و الفرزدق.

65

و دل في هذه القصيدة على أنه كان قصيرا بقوله:

نهى ظراف الغواني عن مواصلتي # ما يفجأ العين من شيبي و من قصري‏

و من الخطباء الشعراء الذين قد جمعوا الشعر و الخطب، و الرسائل الطوال و القصار، و الكتب الكبار المخلدة، و السير الحسان المدونة، و الأخبار المولدة: سهل بن هارون بن راهيوني‏ (1) الكاتب، صاحب كتاب ثعلة و عفرة، في معارضة كتاب كليلة و دمنة، و كتاب الإخوان و كتاب المسائل، و كتاب المخزومي و الهذلية، و غير ذلك من الكتب.

و من الخطباء الشعراء علي بن إبراهيم بن جبلة بن مخرمة، و يكنى أبا الحسن و سنذكر كلام قس بن ساعدة و شأن لقيط بن معبد، و هند بنت الخس، و جمعة بنت حابس، و خطباء إياد، إذا صرنا إلى ذكر خطباء القبائل إن شاء.

اللّه.

و لإياد و تميم في الخطب خصلة ليست لأحد من العرب، لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله هو الذي روى كلام قس بن ساعدة و موقفه على جمله بعكاظ و موعظته، و هو الذي رواه لقريش و العرب، و هو الذي عجب من حسنه و أظهر من تصويبه. و هذا إسناد تعجز عنه الأماني و تنقطع دونه الآمال. و إنما وفق اللّه ذلك الكلام لقس بن ساعدة لاحتجاجه للتوحيد، و لإظهاره معنى الإخلاص و إيمانه بالبعث. و لذلك كان خطيب العرب قاطبة.

و كذلك ليس لأحد في ذلك مثل الذي لبني تميم، لأن النبي عليه السلام لما سأل عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر (2) قال: «مانع لحوزته، مطاع في أدنيه» . فقال الزبرقان: «أما إنه قد علم أكثر مما قال، و لكنه حسدني شرفي» . فقال عمرو: «أما لئن قال ما قال فو اللّه ما علمته إلا ضيق الصدر،

____________

(1) سهل بن هارون: أديب فارسي الأصل شعوبي المذهب اتصل بالمأمون و عمل في بيت الحكمة. و قد نسب إليه الجاحظ رسالة في مدح البخل ضمنها كتابه «البخلاء» .

(2) عمرو بن الأهتم و الزبرقان بن بدر من سادات تميم وفدا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كلماه من وراء الحجرات. عرفا باللسن و البلاغة و الخطابة و الشعر.

66

زمر المروءة لئيم الخال، حديث الغنى» ، فلما رأى أنه خالف قوله الآخر قوله الأول، و رأى الإنكار في عيني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: «يا رسول اللّه، رضيت فقلت أحسن ما علمت، و غضبت فقلت أقبح ما علمت، و ما كذبت في الأولى و لقد صدقت في الآخرة» . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عند ذلك: «إن من البيان لسحرا» .

فهاتان الخصلتان خصت بهما إياد و تميم، دون جميع القبائل.

و دخل الأحنف بن قيس على معاوية بن أبي سفيان، فأشار له إلى الوساد فقال له: اجلس. فجلس على الأرض، فقال له معاوية: و ما منعك يا أحنف من الجلوس على الوساد؟فقال يا أمير المؤمنين، إن فيما أوصى به قيس بن عاصم المنقري ولده أن قال: «لا تغش السلطان حتى يملك، و لا تقطعه حتى ينساك، و لا تجلس له على فراش و لا وساد، و اجعل بينك و بينه مجلس رجل أو رجلين، فإنه عسى أن يأتي من هو أولى بذلك المجلس منك فتقام له، فيكون قيامك زيادة له، و نقصانا عليك» . حسبي بهذا المجلس يا أمير المؤمنين، لعله إن يأتي من هو أولى بذلك المجلس مني، فقال معاوية:

«لقد أوتيت تميم الحكمة، مع رقة حواشي الكلم» . و أنشأ يقول:

يا أيها السائل عما مضى # و علم هذا الزمن العائب

إن كنت تبغي العلم أو أهله # أو شاهدا يخبر عن غائب

فاعتبر الأرض بسكانها # و اعتبر الصاحب بالصاحب‏

و ذهب الشاعر في مرثية أبي دؤاد في قوله:

و أصبر من عود و أهدى إذا سرى # من النجم في داج من الليل غيهب‏

إلى شبيه بقول جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر بن كلاب، حين وقف على قبر عامر بن الطفيل فقال: «كان و اللّه لا يضل حتى يضل النجم، و لا

67

يعطش حتى يعطش البعير، و لا يهاب حتى يهاب السيل، و كان و اللّه خير ما يكون حين لا تظن نفس بنفس خيرا» .

و كان زيد بن جندب أشغى أفلح‏ (1) و لو لا ذلك لكان أخطب العرب قاطبة.

و قال عبيدة بن هلال اليشكري في هجائه له:

أشغى عقبناة و ناب ذو عصل‏ (2) # و فلح باد و سن قد نصل‏

و قال عبيدة أيضا فيه:

و لفوك أشنع حين تنطق فاغرا # من في قريح قد أصاب بريرا (3)

و قد قال الكميت:

تشبه في الهام آثارها # مشافر قرحى أكلن البريرا

و قال النمر بن تولب في شنعة أشداق الجمل:

كم ضربة لك تحكي فاقراسية # من المصاعب في أشداقه شنع‏ (4)

القراسية: بعير أضجم‏ (5) . و الضجم اعوجاج في الفم، و الفقم مثله.

و الروق: ركوب السن الشفة.

و في الخطباء من كان أشغى، و من كان أشدق، و من كان أروق، و من كان أضجم، و من كان أفقم. و في كل ذلك قد روينا الشاهد و المثل.

____________

(1) الشغا: اختلاف نبتة الأسنان بالطول و القصر، و الدخول و الخروج. و الفلح: شق في الشفة العليا، فإذا كان في العليا فهو علم.

(2) العقبناة: العقاب الحديدة المخالب. و العصل: الالتواء.

(3) القريح: المصاب بالقرحة، فيهدل لذلك مشفره. و البرير: الأول من ثمر الأراك.

(4) المصاعب: جمع مصعب، و هو الفحل.

(5) أضجم: البعير المعوج الفم.

68

و روى الهيثم بن عدي عن أبي يعقوب الثقفي، عن عبد الملك بن عمير، قال: قدم علينا الأحنف بن قيس الكوفة، مع المصعب بن الزبير، فما رأيت خصلة تذم في رجل إلا و قد رأيتها فيه: كان صعل الرأس أحجن الأنف، أغضف الأذن‏ (1) ، متراكب الأسنان، أشدق، مائل الذقن، ناتئ الوجنة، باخق العين‏ (2) ، خفيف العارضين، أحنف الرجلين، و لكنه كان إذا تكلم جلى عن نفسه.

و لو استطاع الهيثم أن يمنعه البيان أيضا لمنعه. و لو لا أنه لم يجد بدا من أن يجعل له شيئا على حال لما أقر بأنه إذا تكلم جلى عن نفسه.

و قوله في كلمته هذه كقول هند بنت عتبة، حين أتاها نعي يزيد بن أبي سفيان، فقال لها بعض المعزين: إنا لنرجو أن يكون معاوية خلف من يزيد، فقالت هند: «و مثل معاوية لا يكون خلفا من أحد، فو اللّه إن لو جمعت العرب من أقطارها ثم رمي به فيها، لخرج من أي أعراضها شاء» . و لكنا نقول:

المثل الأحنف يقال: «إلا أنه كان إذا تكلم جلى عن نفسه» ؟ ثم رجع بنا القول إلى الكلام الأول فيما يعتري اللسان من ضروب الآفات. قال ابن الأعرابي: طلق أبو رمادة امرأته حين وجدها لثغاء، و خاف أن تجيئه بولد ألثغ، فقال:

لثغاء تأتي بحيفس ألثغ # تميس في الموشيّ و المصبّغ‏

الحيفس: الولد القصير الصغير.

و أنشدني ابن الأعرابي كلمة جامعة لكثير من هذه المعاني، و هي قول الشاعر:

اسكت و لا تنطق فأنت حبحاب‏ (3) # كلّك ذو عيب و أنت عياب

____________

(1) صعل الرأس: دقيقه. أحجن: مقبل الروثة نحو الفم. أغضف: مسترخ.

(2) البخق: أن تخسف العين بعد العور.

(3) الحبحاب: الصغير الجسم المتداخل العظام.

69

إن صدق القوم فأنت كذاب # أو نطق القوم فأنت هياب

أو سكت القوم فأنت قبقاب‏ (1) # أو أقدموا يوما فأنت وجاب‏ (2)

و أنشدني في هذا المعنى أيضا:

و لست بدميجة في الفرا # ش وجابة يحتمي أن يجيبا

و لا ذي قلازم عند الحياض # إذا ما الشريب أراب الشريبا

الدميجة: الثقيل عن الحركة. و القلازم: كثرة الصياح. و أنشدني:

رب غريب ناصح الجيب # و ابن أب متهم الغيب

و رب عياب له منظر # مشتمل الثوب على العيب‏

و أنشدني أيضا:

و أجرأ من رأيت بظهر غيب # على عيب الرجال ذوو العيوب.

[أثر الأسنان في البيان‏]

و قال سهل بن هارون: «لو عرف الزنجي فرط حاجته إلى ثناياه في إقامة الحروف، و تكميل آلة البيان، لما نزع ثناياه» .

و قال عمر بن الخطاب رحمه اللّه في سهيل بن عمرو الخطيب: «يا رسول اللّه، انزع ثنيتيه السفليين حتى يدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا أبدا.

و إنما قال ذلك لأن سهيلا كان أعلم من شفته السفلى.

و قال خلاد بن يزيد الأرقط: خطب الجمحي خطبة نكاح أصاب فيها معاني الكلام، و كان في كلامه صفير يخرج في موضع ثناياه المنزوعة، فأجابه زيد بن علي بن الحسين بكلام في جودة كلامه، إلا أنه فضله بحسن المخرج

____________

(1) قبقاب: كثير الكلام.

(2) الوجاب: الجبان الفرق.

70

و السلامة من الصفير، فذكر عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر، سلامة لفظ زيد لسلامة أسنانه، فقال في كلمة له:

قلت قوادحها و تمّ عديدها # فله بذاك مزية لا تنكر

و يروى: «صحت مخارجها و تم حروفها» . المزية: الفضيلة.

و زعم يحيى بن نجيم بن معاوية بن زمعة، أحد رواة أهل البصرة.

قال: قال يونس بن حبيب، في تأويل قول الأحنف بن قيس:

أنا ابن الزافرية أرضعتني # بثدي لا أجد و لا وخيم

أتمتني فلم تنقص عظامي # و لا صوتي إذا جد الخصوم‏

قال: إنما عنى بقوله عظامي أسنانه التي في فمه، و هي التي إذا تمت تمت الحروف، و إذا نقصت نقصت الحروف.

و قال يونس: و كيف يقول مثله: «أتمتني فلم تنقص عظامي» و هو يريد بالعظام عظام اليدين و الرجلين و هو أحنف من رجليه جميعا. مع قول الحتات له: «و اللّه إنك لضئيل، و إن أمك لورهاء» . و كان أعرف بمواقع العيوب و أبصر بدقيقها و جليلها. و كيف يقول ذلك و هو نصب عيون الأعداء و الشعراء و الأكفاء، و هو أنف مضر الذي تعطس عنه، و أبين العرب و العجم قاطبة.

قالوا: و لم يتكلم معاوية على منبر جماعة منذ سقطت ثناياه في الطست.

قال أبو الحسن و غيره: لما شق على معاوية سقوط مقادم فيه قال له يزيد ابن معن السلمي: «و اللّه ما بلغ أحد سنك إلا أبغض بعضه بعضا، ففوك أهون علينا من سمعك و بصرك» . فطابت نفسه.

قال: و سألت مباركا الزنجي الفاشكار (1) ، و لا أعلم زنجيا بلغ في

____________

(1) الفاشكار: الفلاح. الفشكرة: الفلاحة.

71

الفشكرة مبلغه، فقلت له: لم تنزع الزنج ثناياها؟و لم يحدد ناس منهم أسنانهم؟فقال: أما أصحاب التحديد فللقتال و النهش، و لأنهم يأكلون لحوم الناس، و متى حارب ملك ملكا فأخذه أسيرا أو قتيلا أكله، و كذلك إذا قاتل بعضهم بعضا أكل الغالب منهم المغلوب. و أما أصحاب القلع فإنهم قالوا:

نظرنا إلى مقادم أفواه الغنم فكرهنا أن تشبه مقادم أفواهنا مقادم أفواه الغنم، فكم تظنهم-أكرمك اللّه-فقدوا من المنافع العظام بفقد تلك الثنايا.

و في هذا كلام يقع في كتاب الحيوان:

و قال أبو الهندي في اللثغ:

سقيت أبا المطرّح إذ أتاني # و ذو الرعثات منتصب يصيح

شرابا تهرب الذبان منه # و يلثغ حين يشربه الفصيح‏

و قال محمد بن عمرو الرومي، مولى أمير المؤمنين: قد صحت التجربة و قامت العبرة على أن سقوط جميع الأسنان أصلح في الإبانة عن الحروف، منه إذا سقط أكثرها، و خالف أحد شطريها الشطر الآخر.

و قد رأينا تصديق ذلك في أفواه قوم شاهدهم الناس بعد أن سقطت جميع أسنانهم، و بعد أن بقي منها الثلث أو الربع.

فمن سقطت جميع أسنانه و كان معنى كلامه مفهوما: الوليد بن هشام القحذمي صاحب الأخبار. و منهم أبو سفيان بن العلاء بن لبيد التغلبي، و كان ذا بيان و لسن.

و كان عبيد اللّه بن أبي غسان ظريفا يصرف لسانه كيف شاء، و كان الإلحاح على القي‏ء قد برد أسنانه، حتى لا يرى أحد منها شيئا إلا أن تطلع في لحم اللثة، أو في أصول منابت الأسنان.

و كان سفيان بن الأبرد الكلبي كثيرا ما يجمع بين الحار و القار، فتساقطت أسنانه جمع، و كان في ذلك كله خطيبا بينا.

72

و قال أهل التجربة: إذا كان في اللحم الذي فيه مغارز الأسنان تشمير و قصر سمك‏ (1) ذهبت الحروف و فسد البيان. و إذا وجد اللسان من جميع جهاته شيئا يفرعه و يصكه، و لم يمر في هواء واسع المجال، و كان لسانه يملأ جوبة فمه، لم يضره سقوط أسنانه إلا بالمقدار المغتفر، و الجزء المحتمل. و يؤكد ذلك قول صاحب المنطق‏ (2) ، فإنه زعم في كتاب الحيوان أن الطائر و السبع و البهيمة كلما كان لسان الواحد منها أعرض كان أفصح و أبين، و أحكى لما يلقن و لما يسمع، كنحو الببغاء و الغداف و غراب البين، و ما أشبه ذلك، و كالذي يتهيأ من أفواه السنانير إذا تجاوبت، من الحروف المقطعة المشاركة لمخارج حروف الناس. و أما الغنم فليس يمكنها أن تقول إلا «ما» . و الميم و الباء أول ما يتهيأ في أفواه الأطفال، كقولهم: ماما، و بابا، لأنهما خارجان من عمل اللسان، و إنما يظهران بالتقاء الشفتين. و ليس شي‏ء من الحروف أدخل في باب النقص و العجز من فم الأهتم، من الفاء و السين إذا كانا في وسط الكلمة فأما الضاد فليست تخرج إلا من الشدق الأيمن، إلا أن يكون المتكلم أعسر يسرا، مثل عمر بن الخطاب رحمه اللّه، فإنه كان يخرج الضاد من أي شدقيه شاء. فأما الأيمن و الأعسر و الأضبط، فليس يمكنهم ذلك إلا بالاستكراه الشديد.

و كذلك الأنفاس مقسومة على المنخرين، فحالا يكون في الاسترواح و دفع البخار من الجوف من الشق الأيمن، و حالا يكون من الشق الأيسر، و لا يجتمعان على ذلك في وقت إلا أن يستكره ذلك مستكره، أو يتكلفه متكلف، فأما إذا ترك أنفاسه على سجيتها لم تكن إلا كما قالوا.

و قالوا: الدليل على أن من سقط جميع أسنانه أن عظم اللسان نافع له، قول كعب بن جعيل ليزيد بن معاوية، حين أمره بهجاء الأنصار، فقال له:

____________

(1) التشمير: التقليص. و السمك، بالفتح: الارتفاع.

(2) صاحب المنطق يعني به الفيلسوف اليوناني أرسطو و قد لقب بصاحب المنطق لأنه هو الذي أرسى أصول هذا العلم و وضع فيه كتابا ضخما ذكره الجاحظ في الحيوان و قال إنه عسير الفهم. أما كتاب الحيوان لأرسطو فقد اطلع عليه الجاحظ و رجع إليه كثيرا عند ما ألف كتاب الحيوان.

73

«أ رادي أنت إلى الكفر بعد الإيمان، لا أهجو قوما نصروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و آووه، و لكني سأدلك على غلام في الحي، كافر كأن لسانه لسان ثور» . يعني الأخطل.

و جاء في الحديث: «إن اللّه تبارك و تعالى يبغض الرجل الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل الباقرة الخلا بلسانها» .

قالوا: و يدل على ذلك قول حسان بن ثابت، حين قال له النبي عليه السلام: «ما بقي من لسانك؟» . فأخرج لسانه حتى قرع بطرفه طرف أرنبته، ثم قال: «و اللّه إن لو وضعته على شعر لحلقه، أو على صخر لفلقه، و ما يسرني به مقول من معد» .

و أبو السمط مروان بن أبي الجنوب بن مروان بن أبي حفصة، و أبوه و ابنه في نسق واحد، يقرعون بأطراف ألسنتهم أطراف أنفهم.

و تقول الهند: لو لا أن الفيل مقلوب اللسان لكان أنطق من كل طائر يتهيأ في لسانه كثير من الحروف المقطعة المعروفة.

و قد ضرب الذين زعموا أن ذهاب جميع الأسنان أصلح في الإبانة عن الحروف من ذهاب الشطر أو الثلثين، في ذلك مثلا، فقالوا: الحمام المقصوص جناحاه جميعا أجدر أن يطير من الذي يكون جناحاه أحدهما وافرا و الآخر مقصوصا. قالوا: و علة ذلك التعديل و الاستواء، و إذا لم يكن ذلك كذلك ارتفع أحد شقيه و انخفض الآخر، فلم يجذف و لم يطر.

و القطا من الطير قد يتهيأ من أفواهها أن تقول: قطاقطا. و بذلك سميت و يتهيأ من أفواه الكلاب العينات و الفاءات و الواوات، كنحو قولها: وو وو، و كنحو قولها: عف عف.

قال الهيثم بن عدي: قيل لصبي: من أبوك؟فقال: وو وو، لأن أباه كان يسمى كلبا.

74

قال: و لكل لغة حروف تدور في أكثر كلامها كنحو استعمال الروم للسين، و استعمال الجرامقة للعين‏ (1) .

و قال الأصمعي: ليس للروم ضاد، و لا للفرس ثاء، و لا للسرياني ذال.

[تنافر الألفاظ و الحروف‏]

قال: و من ألفاظ العرب ألفاظ تتنافر، و إن كانت مجموعة في بيت شعر لم يستطع المنشد إنشادها إلا ببعض الاستكراه. فمن ذلك قول الشاعر:

و قبر حرب بمكان قفر # و ليس قرب قبر حرب قبر

و لما رأى من لا علم له أن أحدا لا يستطيع أن ينشد هذا البيت ثلاث مرات في نسق واحد فلا يتعتع و لا يتلجلج، و قيل لهم إن ذلك إنما اعتراه إذ كان من أشعار الجن، صدقوا بذلك.

و من ذلك قول ابن يسير في أحمد بن يوسف حين استبطأه:

هل معين على البكا و العويل # أم معز على المصاب الجليل

ميّت مات و هو في ورق العيش # مقيم به و ظل ظليل‏ (2)

في عداد الموتى و في عامري الدن # يا أبو جعفر أخي و خليلي

لم يمت ميتة الوفاة و لكن # مات عن كل صالح و جميل

لا أذيل الآمال بعدك إني # بعدها بالآمال حق بخيل

كم لها وقفة بباب كريم # رجعت من نداه بالتعطيل‏ (3)

ثم قال:

لم يضرها، و الحمد للّه، شي‏ء # و انثنت نحو عزف نفس ذهول‏

____________

(1) الجرامقة: طائفة من الكلدانيين، أي السريانيين.

(2) ورق العيش: نضرته و حداثته.

(3) التعطيل: الاخلاء و ترك الشي‏ء ضياعا.

75

فتفقد النصف الأخير من هذا البيت، فإنك ستجد بعض ألفاظه يتبرأ من بعض.

و أنشدني أبو العاصي قال: أنشدني خلف الأحمر في هذا المعنى:

و بعض قيض القوم أولاد علة # يكد لسان الناطق المتحفظ (1)

و قال أبو العاصي: و أنشدني في ذلك أبو البيداء الرياحي:

و شعر كبعر الكبش فرق بينه # لسان دعي في القريض دخيل‏

أما قول خلف:

و بعض قريض القوم أولاد علة

فإنه يقول: إذا كان الشعر مستكرها، و كانت ألفاظ البيت من الشعر لا يقع بعضها مماثلا لبعض، كان بينها من التنافر ما بين أولاد العلات. و إذا كانت الكلمة ليس موقعها إلى جنب أختها مرضيا موافقا، كان على اللسان عند إنشاد ذلك الشعر مئونة.

قال: و أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ واحدا، و سبك سبكا واحدا، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان.

و أما قوله «كبعر الكبش» ، فإنما ذهب إلى أن بعر الكبش يقع متفرقا غير مؤتلف و لا متجاور. و كذلك حروف الكلام و أجزاء البيت من الشعر، تراها متفقة ملسا و لينة المعاطف سهلة، و تراها مختلفة متباينة، و متنافرة مستكرهة، تشق على اللسان و تكده، و الأخرى تراها سهلة لينة، و رطبة مواتية، سلسة النظام، خفيفة على اللسان، حتى كأن البيت بأسره كلمة واحدة، و حتى كأن الكلمة بأسرها حرف واحد.

____________

(1) أولاد علة: بنو رجل واحد من أمهات شتى.

76

و قال سحيم بن حفص: قالت بنت الحطيئة للحطيئة: «تركت قوما كراما و نزلت في بني كليب بعر الكبش» . فعاتبهم بتفرق بيوتهم.

فقيل لهم: فأنشدونا بعض ما لا تتباين ألفاظه، و لا تتنافر أجزاؤه.

فقالوا: قال الثقفي:

من كان ذا عضد يدرك ظلامته # إن الدليل الذي ليست له عضد

تنبو يداه إذا ما قل ناصره # و يأنف الضيم إن أثرى له عدد

رمتني و ستر اللّه بيني و بينها # عشية آرام الكناس رميم‏ (1)

رميم التي قالت لجارات بيتها # ضمنت لكم ألا يزال يهيم

ألا رب يوم لو رمتني رميتها # و لكن عهدي بالنضال قديم‏

و أنشدوا:

و لست بدميجة في الفرا # ش وجّابة يحتمي أن يجيبا

و لا ذي قلازم عند الحياض # إذا ما الشريب أراب الشريبا

و قال أبو نوفل بن سالم لرؤبة بن العجاج: يا أبا الجحاف، مت إذا شئت. قال: و كيف ذلك؟قال: رأيت عقبة بن رؤبة ينشد رجزا أعجبني.

قال: إنه يقول، لو كان لقوله قران!و قال الشاعر:

مهاذبة مناجبة قران # منادبة كأنهم الأسود

و أنشد ابن الأعرابي:

و بات يدرس شعرا لا قران له # قد كان نقّحه حولا فما زادا

و قال الآخر، بشار:

فهذا بديه لا كتحبير قائل # إذا ما أراد القول زوره شهرا

____________

(1) ستر اللّه: الاسلام أو الشيب. آرام الكنائس: و هو اسم موضع. رميم: اسم خليلته.

77

فهذا في اقتران الألفاظ. فأما في اقتران الحروف فإن الجيم لا تقارن الظاء و لا القاف و لا الطاء و لا الغين، بتقديم و لا بتأخير. و الزاي لا تقارن الظاء و لا السين و لا الضاد و لا الذال، بتقديم و لا بتأخير. و هذا باب كبير. و قد يكتفي بذكر القليل حتى يستدل به على الغاية التي إليها يجري.

[اللكنة]

و قد يتكلم المغلاق الذي نشأ في سواد الكوفة بالعربية المعروفة، و يكون لفظه متخيرا فاخرا، و معناه شريفا كريما، و يعلم مع ذلك السامع لكلامه و مخارج حروفه أنه نبطي. و كذلك إذا تكلم الخراساني على هذه الصفة، فإنك تعلم مع إعرابه و تخير ألفاظه في مخرج كلامه، إنه خراساني. و كذلك إن كان من كتاب الأهواز.

و مع هذا إنا نجد الحاكية من الناس يحكي ألفاظ سكان اليمن مع مخارج كلامهم، لا يغادر من ذلك شيئا. و كذلك تكون حكايته للخراساني و الأهوازي و الزنجي و السندي و الأجناس و غير ذلك. نعم حتى تجده كأنه أطبع منهم، فإذا ما حكى كلام الفأفاء فكأنما قد جمعت كل طرفة في كل فأفاء في الأرض في لسان واحد. و تجده يحكي الأعمى بصور ينشئها لوجهه و عينيه و أعضائه، لا تكاد تجد من ألف أعمى واحدا يجمع ذلك كله، فكأنه قد جمع جميع طرف حركات العميان في أعمى واحد.

و لقد كان أبو دبوبة الزنجي، مولى آل زياد، يقف بباب الكرخ، بحضرة المكارين‏ (1) ، فينهق، فلا يبقى حمار مريض و لا هرم حسير، و لا متعب بهير إلا نهق. و قبل ذلك تسمع نهيق الحمار على الحقيقة، فلا تنبعث لذلك، و لا يتحرك منها متحرك حتى كان أبو دبوبة يحركه. و قد كان جمع جميع الصور التي تجمع نهيق الحمار فجعلها في نهيق واحد. و كذلك كان في نباح الكلاب. و لذلك زعمت الأوائل أن الإنسان إنما قيل له العالم الصغير سليل

____________

(1) المكارين: جمع مكار، و هو من يكريك دابته تنتفع بها بالكراء.

78

العالم الكبير، لأنه يصور بيديه كل صورة، و يحكي بفمه كل حكاية، و لأنه يأكل النبات كما تأكل البهائم، و يأكل الحيوان كما تأكل السباع و إن فيه من أخلاق جميع أجناس الحيوان أشكالا.

و إنما تهيأ و أمكن الحاكية لجميع مخارج الأمم، لما أعطى اللّه الإنسان من الاستطاعة و التمكين، و حين فضله على جمع الحيوان بالمنطق و العقل و الاستطاعة. بطول استعمال التكلف ذلت جوارحه لذلك. و متى ترك شمائله على حالها، و لسانه على سجيته، كان مقصورا بعادة المنشأ على الشكل الذي لم يزل فيه. و هذه القضية مقصورة على هذه الجملة من مخارج الألفاظ، و صور الحركات و السكون. فأما حروف الكلام فإن حكمها إذا تمكنت في الألسنة خلاف هذا الحكم. أ لا ترى أن السندي إذا جلب كبيرا فإنه لا يستطيع إلا أن يجعل الجيم زايا و لو أقام في عليا تميم، و في سفلى قيس، و بين عجز هوازن، خمسين عاما. و كذلك النبطي القح، خلاف المغلاق الذي نشأ في بلاد النبط، لأن النبطي القح يجعل الزاي سينا، فإذا أراد أن يقول زورق قال سورق، و يجعل العين همزة، فإذا أراد أن يقول مشمعل، قال مشمئل.

و النخاس يمتحن لسان الجارية إذا ظن أنها رومية و أهلها يزعمون أنها مولدة بأن تقول ناعمة، و تقول شمس، ثلاث مرات متواليات.

و الذي يعتري اللسان مما يمنع من البيان أمور: منها اللثغة التي تعتري الصبيان إلى أن ينشئوا، و هو خلاف ما يعتري الشيخ الهرم الماج‏ (1) ، المسترخي الحنك، المرتفع اللثة، و خلاف ما يعتري أصحاب اللكن من العجم، و من ينشأ من العرب مع العجم، فمن اللكن ممن كان خطيبا، أو شاعرا، أو كاتبا داهيا زياد بن سلمى أبو أمامة، و هو زياد الأعجم. قال أبو عبيدة: كان ينشد قوله:

فتى زاده السلطان في الود رفعة # إذا غير السلطان كل خليل‏

____________

(1) الماج: الهرم الذي يمج ريقه و لا يستطيع حبسه.

79

قال: فكان يجعل السين شيئا و الطاء تاء، فيقول: «فتى زاده الشلتان» .

و منهم سحيم عبد بني الحسحاس، قال له عمر بن الخطاب رحمه اللّه و أنشد قصيدته التي يقول أولها:

عميرة ودع إن تجهزت غاديا # كفى الشيب و الإسلام للمرء ناهيا

فقال له عمر: لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك. فقال له: ما سعرت. يريد ما شعرت، جعل الشين المعجمة سينا غير معجمة.

و منهم عبيد اللّه بن زياد والي العراق، قال لهانئ بن قبيصة: أهرري سائر اليوم!يريد أ حروري.

و منهم صهيب بن سنان النمري، صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان يقول: إنك لهائن، يريد إنك لخائن. و صهيب بن سنان يرتضخ لكنة رومية، و عبيد اللّه بن زياد يرتضخ لكنة فارسية، و قد اجتمعا على جعل الحاء هاء.

و ازدانقاذار لكنته لكنة نبطية، و كان مثلهما في جعل الحاء هاء. و بعضهم يروي أنه أملى على كاتب له فقال: اكتب: «الهاصل ألف كر (1) » فكتبها الكاتب بالهاء كاللفظ بها فأعاد عليه الكلام، فأعاد الكاتب. فلما فطن لاجتماعهما على الجهل قال: أنت لا تهسن أن تكتب، و أنا لا أهسن أن أملي، فاكتب: «الجاصل ألف كر» : فكتبها بالجيم معجمة.

و منهم أبو مسلم صاحب الدعوة، و كان حسن الألفاظ جيد المعاني، و كان إذا أراد أن يقول: قلت لك، قال: كلت لك. فشارك في تحويل القاف كافا عبيد اللّه بن زياد. كذلك خبرنا أبو عبيدة.

قال: و إنما أتي عبيد اللّه بن زياد في ذلك أنه نشأ في الأساورة عند شيرويه الاسواري، زوج أمه مرجانة.

____________

(1) الكر، بالضم مكيال لأهل العراق ستون قفيزا.

80

و قد كان في آل زياد غير واحد يسمى شيرويه. قال: و في دار شيرويه عاد علي بن أبي طالب زيادا من علة كانت به.

فهذا ما حضرنا من لكنة البلغاء و الخطباء و الشعراء و الرؤساء. فأما لكنة العامة و من لم يكن له حظ في المنطق فمثل فيل مولى زياد فإنه قال مرة لزياد «اهدوا لنا همار وهش» . يريد حمار وحش. فقال زياد: ما تقول ويلك! قال: «أهدوا إلينا أيرا» . يريد عيرا. فقال زياد: الأول أهون!و فهم ما أراد.

و قالت أم ولد لجرير بن الخطفي، لبعض ولدها: «وقع الجردان في عجان أمكم» (1) ، فأبدلت الذال من الجرذان دالا و ضمت الجيم، و جعلت العجين عجانا. و قال بعض الشعراء في أم ولد له، يذكر لكنتها:

أول ما أسمع منها في السحر # تذكيرها الأنثى و تأنيث الذكر

و السوءة السوآء في ذكر القمر

لأنها كانت إذا أرادت أن تقول القمر، قالت: الكمر.

و قال ابن عباد: ركبت عجوز سندية جملا، فلما مضى تحتها متخلعا اعتراها كهيئة حركة الجماع، فقالت: هذا الذمل يذكرنا بالسر. تريد أنه يذكرها بالوطء، فقلبت السين شينا و الجيم ذالا. و هذا كثير.

و باب آخر من اللكنة. قيل لنبطي: لم ابتعت هذه الأتان؟قال:

«أركبها و تلد لي» فجاء بالمعنى بعينه و لم يبدل الحروف بغيرها، و لا زاد فيها و لا نقص، و لكنه فتح المكسور حين قال و تلد لي، و لم يقل تلد لي.

قال: و الصقلبي يجعل الذال المعجمة دالا في الحروف.

____________

(1) الجردان، بالضم: قضيب ذوات الحوافر، أو هي عام. و العجان ما بين السوأتين.

81

باب البيان‏

[حد البيان‏]

قال بعض جهابذة الألفاظ و نقاد المعاني: المعاني القائمة في صدور الناس المتصورة في أذهانهم، و المتخلجة في نفوسهم، و المتصلة بخواطرهم، و الحادثة عن فكرهم، مستورة خفية، و بعيدة وحشية، و محجوبة مكنونة، و موجودة في معنى معدومة، لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، و لا حاجة أخيه و خليطه، و لا معنى شريكه و المعاون له على أموره، و على ما لا يبلغه من حاجات نفسه إلا بغيره. و إنما يحيي تلك المعاني ذكرهم لها، و أخبارهم عنها، و استعمالهم إياها. و هذه الخصال هي التي تقربها من الفهم، و تجليها للعقل، و تجعل الخفي منها ظاهرا، و الغائب شاهدا، و البعيد قريبا. و هي التي تلخص الملتبس، و تحل المنعقد، و تجعل المهمل مقيدا، و المقيد مطلقا، و المجهول معروفا، و الوحشي مجلوفا، و الغفل موسوما، و الموسوم معلوما.

و على قدر وضوح الدلالة و صواب الإشارة، و حسن الاختصار، و دقة المدخل، يكون إظهار المعنى. و كلما كانت الدلالة أوضح و أفصح، و كانت الإشارة أبين‏

82

و أنور، كان أنفع و أنجع. و الدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان الذي سمعت اللّه عز و جل يمدحه، و يدعو إليه و يحث عليه. بذلك نطق القرآن، و بذلك تفاخرت العرب، و تفاضلت أصناف العجم.

و البيان اسم جامع لكل شي‏ء كشف لك قناع المعنى، و هتك الحجاب دون الضمير، حتى يغضي السامع إلى حقيقته، و يهجم على محصوله كائنا ما كان ذلك البيان، و من أي جنس كان الدليل، لأن مدار الأمر و الغاية التي يجري القائل و السامع، إنما هو الفهم و الأفهام، فبأي شي‏ء بلغت الأفهام و أوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع.

ثم اعلم-حفظك اللّه-أن حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ، لأن المعاني مبسوطة إلى غير غاية، و ممتدة إلى غير نهاية، و أسماء المعاني مقصورة معدودة، و محصلة محدودة.

[أدوات البيان الخمس‏]

و جميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ و غير لفظ، خمسة أشياء لا تنقص و لا تزيد: أولها اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخط، ثم الحال التي تسمى نصبة. و النصبة هي الحال الدالة، التي تقوم مقام تلك الأصناف، و لا تقصر عن تلك الدلالات، و لكل واحد من هذه الخمسة صورة بائنة من صورة صاحبتها، و حلية مخالفة لحلية أختها، و هي التي تكشف لك عن أعيان المعاني في الجملة، ثم عن حقائقها في التفسير، و عن أجناسها و أقدارها، و عن خاصها و عامها، و عن طبقاتها في السار و الضار، و عما يكون منها لغوا بهرجا، و ساقطا مطرحا.

قال أبو عثمان: و كان في الحق أن يكون هذا الباب في أول هذا الكتاب، و لكنا أخّرناه لبعض التدبير.

و قالوا: البيان بصر و العي عمى، كما أن العلم بصر و الجهل عمى.

و البيان من نتاج العلم، و العي من نتاج الجهل.

83

و قال سهل بن هارون: العقل رائد الروح، و العلم رائد العقل، و البيان ترجمان العلم.

و قال صاحب المنطق: حد الإنسان: الحي الناطق المبين.

و قالوا: حياة المروءة الصدق، و حياة الروح العفاف، و حياة الحلم العلم، و حياة العلم البيان.

و قال يونس بن حبيب: ليس لعيي مروءة، و لا لمنقوص البيان بهاء، و لو حك بيافوخه أعنان السماء.

و قالوا: شعر الرجل قطعة من كلامه، و ظنه قطعة من علمه، و اختياره قطعة من عقله.

و قال ابن التوأم: الروح عماد البدن، و العلم عماد الروح، و البيان عماد العلم.

قد قلنا في الدلالة باللفظ. فأما الإشارة فباليد، و بالرأس، و بالعين و الحاجب و المنكب، إذا تباعد الشخصان، و بالثوب و بالسيف. و قد يتهدد رافع السيف و السوط، فيكون ذلك زاجرا، و مانعا رادعا، و يكون وعيدا و تحذيرا.

و الإشارة و اللفظ شريكان، و نعم العون هي له، و نعم الترجمان هي عنه. و ما أكثر ما تنوب عن اللفظ، و ما تغني عن الخط. و بعد فهل تعدو الإشارة أن تكون ذات صورة معروفة، و حلية موصوفة، على اختلافها في طبقاتها و دلالاتها. و في الإشارة بالطرف و الحاجب و غير ذلك من الجوارح، مرفق كبير و معونة حاضرة، في أمور يسترها بعض الناس من بعض، و يخفونها من الجليس و غير الجليس. و لو لا الإشارة لم يتفاهم الناس معنى خاص الخاص، و لجهلوا هذا الباب البتة. و لو لا أن تفسير هذه الكلمة يدخل في باب صناعة الكلام لفسرتها لكم. و قد قال الشاعر في دلالات الإشارة:

أشارت بطرف العين خيفة أهلها # إشارة مذعور و لم تتكلم

فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا # و أهلا و سهلا بالحبيب المتيم‏

84

و قال الآخر:

و للقلب على القلب # دليل حين يلقاه

و في الناس من الناس # مقاييس و أشباه

و في العين غنى للمر # ء أن تنطق أفواه‏

و قال الآخر في هذا المعنى:

و معشر صيد ذوي تجلّه # ترى عليهم للندى أدلّه‏

و قال الآخر:

ترى عينها عيني فتعرف وحيها # و تعرف عيني ما به الوحي يرجع‏

و قال آخر:

و عين الفتى تبدي الذي في ضميره # و تعرف بالنجوى الحديث المعمسا

و قال الآخر:

العين تبدي الذي في نفس صاحبها # من المحبة أو بغض إذا كانا

و العين تنطق و الأفواه صامته # حتى ترى من ضمير القلب تبيانا

هذا و مبلغ الإشارة أبعد من مبلغ الصوت. فهذا أيضا باب تتقدم فيه الإشارة الصوت.

و الصوت هو آلة اللفظ، و الجوهر الذي يقوم به التقطيع، و به يوجد التأليف. و لن تكون حركات اللسان لفظا و لا كلاما موزونا و لا منثورا إلا بظهور الصوت، و لا تكون الحروف كلاما إلا بالتقطيع و التأليف. و حسن الإشارة باليد و الرأس، من تمام حسن البيان باللسان، مع الذي يكون مع الإشارة من الدل و الشكل‏ (1) و التقتل و التثني‏ (2) ، و استدعاء الشهوة، و غير ذلك من الأمور.

____________

(1) الشكل، دل المرأة و غنجها و غزلها.

(2) التقتل: الاختيال.

85

قد قلنا في الدلالة بالإشارة. فأما الخط، فمما ذكر اللّه عز و جل في كتابه من فضيلة الخط و الإنعام بمنافع الكتاب، قوله لنبيه عليه السلام: اِقْرَأْ وَ رَبُّكَ اَلْأَكْرَمُ. `اَلَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. `عَلَّمَ اَلْإِنْسََانَ مََا لَمْ يَعْلَمْ . و أقسم به في كتابه المنزل، على نبيه المرسل، حيث قال: ن. وَ اَلْقَلَمِ وَ مََا يَسْطُرُونَ ، و لذلك قالوا: القلم أحد اللسانين. كما قالوا: قلة العيال أحد اليسارين.

و قالوا: القلم أبقى أثرا، و اللسان أكثر هذرا.

و قال عبد الرحمن بن كيسان: استعمال القلم أجدر أن يحض الذهن على تصحيح الكتاب، من استعمال اللسان على تصحيح الكلام.

و قالوا: اللسان مقصور على القريب الحاضر، و القلم مطلق في الشاهد و الغائب، و هو للغابر الحائن، مثله للقائم الراهن.

و الكتاب يقرأ بكل مكان، و يدرس في كل زمان، و اللسان لا يعدو سامعه، و لا يتجاوزه إلى غيره.

و أما القول في العقد، و هو الحساب دون اللفظ و الخط، فالدليل على فضيلته، و عظم قدر الانتفاع به قول اللّه عز و جل: فََالِقُ اَلْإِصْبََاحِ وَ جَعَلَ اَللَّيْلَ سَكَناً وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ حُسْبََاناً ذََلِكَ تَقْدِيرُ اَلْعَزِيزِ اَلْعَلِيمِ . و قال جل و تقدس: اَلرَّحْمََنُ `عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ. `خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ `عَلَّمَهُ اَلْبَيََانَ. `اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ بِحُسْبََانٍ . و قال جل و عز: هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَلشَّمْسَ ضِيََاءً وَ اَلْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنََازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَ اَلْحِسََابَ مََا خَلَقَ اَللََّهُ ذََلِكَ إِلاََّ بِالْحَقِّ . و قال:

وَ جَعَلْنَا اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنََا آيَةَ اَللَّيْلِ وَ جَعَلْنََا آيَةَ اَلنَّهََارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَ اَلْحِسََابَ .

و الحساب يشتمل على معان كثيرة و منافع جليلة، و لو لا معرفة العباد بمعنى الحساب في الدنيا لما فهموا عن اللّه عز و جل معنى الحساب في الآخرة. و في عدم اللفظ و فساد الخط و الجهل بالعقد فساد جل النعم، و فقدان جمهور المنافع، و اختلال كل ما جعله اللّه عز و جل لنا قواما، و مصلحة و نظاما.

86

و أما النصبة فهي الحال الناطقة بغير اللفظ، و المشيرة بغير اليد. و ذلك ظاهر في خلق السموات و الأرض، و في كل صامت و ناطق، و جامد و نام، و مقيم و ظاعن، و زائد و ناقص. فالدلالة التي في الموات الجامد، كالدلالة التي في الحيوان الناطق. فالصامت ناطق من جهة الدلالة، و العجماء معربة من جهة البرهان. و لذلك قال الأول:

«سل الأرض فقل: من شق أنهارك، و غرس أشجارك، و جنى ثمارك؟ فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا» .

و قال بعض الخطباء: «أشهد أن السموات و الأرض آيات و آلات و شواهد قائمات، كل يؤدي عنك الحجة و يشهد لك بالربوبية موسومة بآثار قدرتك، و معالم تدبيرك، التي تجليت بها لخلقك، فأوصلت إلى القلوب من معرفتك ما أنسها من وحشة الفكر، و رجم الظنون. فهي على اعترافها لك، و افتقارها إليك شاهدة بأنك لا تحيط بك الصفات و لا تحدك الأوهام، و إن حظ الفكر فيك، الاعتراف لك» .

و قال خطيب من الخطباء، حين قام على سرير الاسكندر و هو ميت:

«الاسكندر كان أمس أنطق منه اليوم، و هو اليوم أوعظ منه أمس» .

و متى دل الشي‏ء على معنى فقد أخبر عنه و إن كان صامتا، و أشار إليه و إن كان ساكتا. و هذا القول شائع في جميع اللغات، و متفق عليه مع إفراط الاختلافات.

و قال عنترة بن شداد العبسي جعل نعيب الغراب خبرا للزاجر:

حرق الجناح كأن لحيي رأسه # جلمان بالأخبار هش مولع‏

الحرق: الأسود. شبه لحييه بالجلمين، لأن الغراب يخبر بالفرقة و الغربة و يقطع كما يقطع الجلمان. و أنشدني أبو الرديني العكلي، في تنسم الذئب الريح و استنشائه و استرواحه:

يستخبر الريح إذا لم يسمع # بمثل مقراع الصفا الموقع‏

87

المقراع: الفأس التي يكسر بها الصخر. و الموقع. المحدد. يقال وقعت الحديدة إذا حددتها. و قال آخر، و هو الراعي:

إن السماء و إن الريح شاهدة # و الأرض تشهد و الأيام و البلد

لقد جزيت بني بدر ببغيهم # يوم الهباءة يوما ما له قود

و قال نصيب في هذا المعنى، يمدح سليمان بن عبد الملك:

أقول لركب صادرين لقيتهم # قفا ذات أوشال و مولاك قارب‏ (1)

قفوا خبرونا عن سليمان إنني # لمعروفه من أهل ودان طالب‏ (2)

فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله # و لو سكتوا أثنت عليك الحقائب‏

و هذا كثير جدا.

[أحسن الكلام‏]

و قال علي رحمه اللّه: «قيمة كل امرئ ما يحسن» . فلو لم نقف من هذا الكتاب إلا على هذه الكلمة لوجدناها شافية كافية، و مجزئة مغنية، بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية، و غير مقصرة عن الغاية. و أحسن الكلام ما كان قليلة يغنيك عن كثيره، و معناه في ظاهر لفظه، و كان اللّه عز و جل قد ألبسه من الجلالة، و غشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه، و تقوى قائله. فإذا كان المعنى شريفا و اللفظ بليغا، و كان صحيح الطبع، بعيدا من الاستكراه، و منزها عن الاختلال مصونا عن التكلف، صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة. و متى فصلت الكلمة على هذه الشريطة، و نفذت من قائلها على هذه الصفة، أصحبها اللّه من التوفيق و منحها من التأييد، ما لا يمتنع معه من تعظيمها صدور الجبابرة، و لا يذهل عن فهمها معه عقول الجهلة.

____________

(1) القارب: طالب الماء. و أراد بالمولى نفسه.

(2) ودان: موضع بين مكة و المدينة قريب من الجحفة.

88

و قد قال عامر بن عبد قيس: «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، و إذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان» .

و قال الحسن رحمه اللّه، و سمع رجلا يعظ، فلم تقع موعظته بموضع من قلبه، و لم يرق عندها، فقال له: «يا هذا، إن بقلبك لشر أو بقلبي» .

و قال علي بن الحسين بن علي رحمه اللّه: لو كان الناس يعرفون جملة الحال في فضل الاستبانة، و جملة الحال في صواب التبيين، لأعربوا عن كل ما تخلج في صدورهم، و لوجدوا من برد اليقين ما يغنيهم عن المنازعة إلى كل حال سوى حالهم. و على أن درك ذلك كان لا يعدمهم في الأيام القليلة العدة، و الفكرة القصيرة المدة، و لكنهم من بين مغمور بالجهل، و مفتون بالعجب و معدول بالهوى عن باب التثبت، و مصروف بسوء العادة عن فضل التعلم.

و قد جمع محمد بن علي بن الحسين صلاح شأن الدنيا بحذافيرها في كلمتين، فقال: «صلاح شأن جميع التعايش و التعاشر، مل‏ء مكيال ثلثاه فطنة، و ثلثه تغافل» . فلم يجعل لغير الفطنة نصيبا من الخير، و لا حظا في الصلاح لأن الإنسان لا يتغافل إلا عن شي‏ء قد فطن له و عرفه.

و ذكر هذه الثلاثة الأخبار إبراهيم بن داحة، عن محمد بن عمير. و ذكرها صالح بن علي الأفقم، عن محمد بن عمير. و هؤلاء جميعا من مشايخ الشيع، و كان ابن عمير أغلاهم.

و أخبرني إبراهيم بن السندي، عن علي بن صالح الحاجب، عن العباس ابن محمد قال: قيل لعبد اللّه بن عباس: أنّى لك هذا العلم؟قال: «قلب عقول، و لسان سئول» . و قد رووا هذا الكلام عن دغفل بن حنظلة العلامة.

و عبد اللّه أولى به منه. و الدليل على ذلك قول الحسن: إن أول من عرف بالبصرة ابن عباس، صعد المنبر فقرأ سورة البقرة، ففسرها حرفا حرفا، و كان مثجا يسيل غربا.

المثج: السائل الكثير، و هو من الثجاج. و الغرب، هاهنا: الدوام.

89

هشام بن حسان و غيره، قال: قيل للحسن: يا أبا سعيد، إن قوما زعموا أنك تذم ابن عباس. قالوا: فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال: إن ابن عباس كان من الإسلام بمكان، إن ابن عباس كان من القرآن بمكان، و كان و اللّه له لسان سئول، و قلب عقول، و كان و اللّه مثجا يسيل غربا.

قالوا: و قال علي بن عبد اللّه بن عباس: من لم يجد مس الجهل في عقله، و ذل المعصية في قلبه، و لم يستبن موضع الخلة في لسانه، عند كلال حده عن حد خصمه، فليس ممن ينزع عن ريبة، و لا يرغب عن حال معجزة، و لا يكترث لفصل ما بين حجة و شبهة.

قالوا: و ذكر محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس، بلاغة بعض أهله فقال: إني لأكره أن يكون مقدار لسانه فاضلا على مقدار علمه، كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلا على مقدار عقله.

و هذا كلام شريف نافع، فاحفظوا لفظه و تدبروا معناه، ثم اعلموا أن المعنى الحقير الفاسد، و الدني الساقط، يعشش في القلب ثم يبيض ثم يفرخ، فإذا ضرب بجرانه و مكن لعروقه، استفحل الفساد و بزل، و تمكن الجهل و قرح‏ (1) ، فعند ذلك يقوى داؤه، و يمتنع دواؤه، لأن اللفظ الهجين الردي، و المستكره الغبي، أعلق باللسان، و آلف للسمع، و أشد التحاما بالقلب من اللفظ النبيه الشريف، و المعنى الرفيع الكريم. و لو جالست الجهال و النوكى، و السخفاء و الحمقى، شهرا فقط، لم تنق من أوضار كلامهم، و خبال معانيهم، بمجالسة أهل البيان و العقل دهرا، لأن الفساد أسرع إلى الناس، و أشد التحاما بالطبائع. و الإنسان بالتعلم و التكلف، و بطول الاختلاف إلى العلماء، و مدارسة كتب الحكماء، يجود لفظه و يحسن أدبه، و هو لا يحتاج في الجهل إلى أكثر من ترك التعلم، و في فساد البيان إلى أكثر من ترك التخير.

____________

(1) بزل: بلغ سن البزول، و هو التاسعة. قرح: بلغ سن القروح و القارح من ذي الحافر بمنزلة البازل من الإبل.

90

و مما يؤكد قول محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس، قول بعض الحكماء حين قيل له: متى يكون الأدب شرا من عدمه؟قال: إذا كثر الأدب، و نقصت القريحة.

و قد قال بعض الأولين: «من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه في أغلب خصال الخير عليه» . و هذا كله قريب بعضه من بعض.

و ذكر المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب رحمه اللّه فقال: «كان و اللّه أفضل من أن يخدع، و أعقل من أن يخدع» .

و قال محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس: «كفاك من علم الدين أن تعرف ما لا يسع جهله، و كفاك من علم الأدب أن تروي الشاهد و المثل» .

و كان عبد الرحمن بن إسحاق القاضي يروي عن جده إبراهيم بن سلمة، قال: سمعت أبا مسلم يقول: سمعت الإمام إبراهيم بن محمد يقول: يكفي من حظ البلاغة أن لا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، و لا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع.

قال أبو عثمان: أما أنا فأستحسن هذا القول جدا.

91

باب البلاغة

[حد البلاغة]

الحمد للّه، و لا حول و لا قوة إلا باللّه، و صلّى اللّه على محمد خاصة، و على أنبيائه عامة.

خبرني أبو الزبير كاتب محمد بن حسان، و حدثني محمد بن أبان-و لا أدري كاتب من كان-قالا:

قيل للفارسي: ما البلاغة؟قال: معرفة الفصل من الوصل.

و قيل لليوناني: ما البلاغة؟قال: تصحيح الأقسام، و اختيار الكلام.

و قيل للرومي: ما البلاغة؟قال: حسن الاقتضاب عند البداهة، و الغزارة يوم الإطالة.

و قيل للهندي: ما البلاغة؟قال: وضوح الدلالة، و انتهاز الفرصة، و حسن الإشارة.

92

و قال بعض أهل الهند: جماع البلاغة البصر بالحجة، و المعرفة بمواضع الفرصة.

ثم قال: و من البصر بالحجة، و المعرفة بمواضع الفرصة، أن تدع الافصاح بها إلى الكناية عنها، إذا كان الإفصاح أوعر طريقة، و ربما كان الإضراب عنها صفحا أبلغ في الدرك، و أحق بالظفر.

قال: و قال مرة: جماع البلاغة التماس حسن الموقع، و المعرفة بساعات القول، و قلة الخرق بما التبس من المعاني أو غمض، و بما شرد عليك من اللفظ أو تعذر.

ثم قال: و زين ذلك كله، و بهاؤه و حلاوته و سناؤه، أن تكون الشمائل موزونة، و الألفاظ معدلة، و اللهجة نقية. فإن جامع ذلك السن و السمت و الجمال و طول الصمت، فقد تم كل التمام، و كمل كل الكمال.

[مفهوم البلاغة عند سهل بن هارون‏]

و خالف عليه سهل بن هارون في ذلك، و كان سهل في نفسه عتيق الوجه، حسن الشارة، بعيدا من الفدامة، معتدل القامة، مقبول الصورة، يقضى له بالحكمة قبل الخبرة، و برقة الذهن قبل المخاطبة، و بدقة المذهب قبل الامتحان و بالنبل قبل التكشف. فلم يمنعه ذلك أن يقول ما هو الحق عنده و إن أدخل ذلك على حالة النقص.

قال سهل بن هارون: لو أن رجلين خطبا أو تحدثا، أو احتجا أو وصفا و كان أحدهما جميلا جليلا بهيا، و لباسا نبيلا، و ذا حسب شريفا، و كان الآخر قليلا قميئا، و باذّ الهيئة دميما (1) ، و خامل الذكر مجهولا، ثم كان كلامهما في مقدار واحد من البلاغة، و في وزن واحد من الصواب، لتصدع عنهما الجمع و عامتهم تقضي للقليل الدميم على النبيل الجسيم، و للباذ الهيئة على ذي

____________

(1) باذ الهيئة: رث الهيئة.

93

الهيئة، و لشغلهم التعجب منه عن مساواة صاحبه به، و لصار التعجب منه سببا للعجب به، و لصار الإكثار في شأنه علة للإكثار في مدحه، لأن النفوس كانت له أحقر، و من بيانه أيأس، و من حسده أبعد. فإذا هجموا منه على ما لم يكونوا يحتسبونه، و ظهر منه خلاف ما قدروه، تضاعف حسن كلامه في صدورهم، و كبر في عيونهم لأن الشي‏ء من غير معدنه أغرب، و كلما كان أغرب كان أبعد في الوهم و كلما كان أبعد في الوهم كان أطرف، و كلما كان أطرف كان أعجب، و كلما كان أعجب كان أبدع. و إنما ذلك كنوادر كلام الصبيان و ملح المجانين، فإن ضحك السامعين من ذلك أشد، و تعجبهم به أكثر. و الناس موكلون بتعظيم الغريب، و استطراف البعيد، و ليس لهم في الموجود الراهن، و فيما تحت قدرتهم من الرأي و الهوى، مثل الذي زهّد الجيران في عالمهم، و الاصحاب في الفائدة من صاحبهم. و على هذا السبيل يستطرفون القادم عليهم، و يرحلون إلى النازح عنهم، و يتركون من هو أعم نفعا و أكثر في وجوه العلم تصرفا، و أخف مئونة و أكثر فائدة و لذلك قدّم بعض الناس الخارجي‏ (1) على العريق، و الطارف على التلبد و كان يقول: إذا كان الخليفة بليغا و السيد خطيبا، فإنك تجد جمهور الناس و أكثر الخاصة فيهما على أمرين: إما رجلا يعطي كلامهما من التعظيم و التفضيل، و الإكبار و التبجيل، على قدر حالهما في نفسه، و موقعهما من قلبه، و إما رجلا تعرض له التهمة لنفسه فيهما، و الخوف من أن يكون تعظيمه لهما يوهمه من صواب قولهما، و بلاغة كلامهما، ما ليس عندهما حتى يفرط في الإشفاق، و يسرف في التهمة. فالأول يزيد في حقه للذي له في نفسه، و الآخر ينقصه من حقه لتهمته لنفسه، و لإشفاقه من أن يكون مخدوعا في أمره.

فإذا كان الحب يعمي عن المساوئ فالبغض أيضا يعمي عن المحاسن. و ليس يعرف حقائق مقادير المعاني، و محصول حدود لطائف الأمور، إلا عالم حكيم، و معتدل الأخلاط عليم، و إلا القويّ المنة، الوثيق العقدة، و الذي لا يميل مع ما يستميل الجمهور الأعظم، و السواد الأكبر.

____________

(1) الخارجي: العصامي، ضد العريق أو التليد.

94

و كان سهل بن هارون شديد الإطناب في وصف المأمون بالبلاغة و الجهارة، و بالحلاوة و الفخامة، و جودة اللهجة و الطلاوة.

و إذا صرنا إلى ذكر ما يحضرنا من تسمية خطباء بني هاشم، و بلغاء رجال القبائل، قلنا في وصفهما على حسب حالهما، و الفرق الذي بينهما و لأننا عسى أن نذكر جملة من خطباء الجاهليين و الإسلاميين، و البدويين و الحضريين، و بعض ما يحضرنا من صفاتهم و أقدارهم و مقاماتهم، و باللّه التوفيق.

ثم رجع القول بنا إلى ذكر الإشارة.

و روى أبو شمر (1) عن معمّر أبي الأشعث‏ (2) ، خلاف القول الأول في الإشارة و الحركة عند الخطبة، و عند منازعة الرجال و مناقلة الأكفاء.

و كان أبو شمر إذا نازع لم يحرّك يديه و لا منكبيه، و لم يقلب عينيه، و لم يحرّك رأسه، حتى كأن كلامه إنما يخرج من صدع صخرة. و كان يقضي على صاحب الإشارة بالافتقار إلى ذلك، و بالعجز عن بلوغ إرادته. و كان يقول:

ليس من حق المنطق أن تستعين عليه بغيره، حتى كلمه إبراهيم بن سيار النظام‏ (3) عند أيوب بن جعفر، فاضطره بالحجة، و بالزيادة في المسألة، حتى حرّك يديه و حل حبوته، و حبا إليه حتى أخذ بيديه. و في ذلك اليوم انتقل أيوب من قول أبي شمر إلى قول إبراهيم. و كان الذي غرّ أبا شمر و موّه له هذا الرأي، أن أصحابه كانوا يستمعون منه، و يسلمون له و يميلون إليه، و يقبلون كل ما يورده عليهم، و يثبته عندهم، فلما طال عليه توقيرهم له، و ترك مجاذبتهم إياه، و خفت مئونة الكلام عليه-نسي حال منازعة الأكفاء و مجاذبة

____________

(1) أبو شمر: مرجئ قدري يقول إن الإيمان هو المعرفة و الاقرار باللّه و بما جاء من عنده و ما عرف بالعقل من عدل و توحيد.

(2) معمر بن الأشعث: هو معمر بن عباد السلمي (215 هـ) معتزلي و صاحب فرقة المعمرية.

قال بالطبع و الكمون و نفى الصفات الأزلية عن اللّه.

(3) النظام: صاحب فرقة النظامية و شيخ الجاحظ (160-231 هـ) قال إن الاجسام تنقسم إلى ما لا نهاية، و أحدث القول بالطفرة، كما قال بالكمون.

95

الخصوم. و كان شيخا وقورا، و زمّيتا ركينا (1) ، و كان ذا تصرف في العلم، و مذكورا بالفهم و الحلم.

[مفهوم البلاغة عند الهند]

قال معمّر، أبو الأشعث: قلت لبهلة الهندي أيام اجتلب يحيى بن خالد أطباء الهند، مثل منكة و بازيكر و قلبرقل و سندباد و فلان و فلان: ما البلاغة عند الهند؟قال بهلة: عندنا في ذلك صحيفة مكتوبة، و لكن لا أحسن ترجمتها لك، و لم أعالج هذه الصناعة فأثق من نفسي بالقيام بخصائصها، و تلخيص لطائف معانيها.

قال أبو الأشعث: فلقيت بتلك الصحيفة التراجمة فإذا فيها:

أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة. و ذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش، ساكن الجوارح، قليل اللحظ، متخير اللفظ، لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة و لا الملوك بكلام السوقة. و يكون في قواه فضل التصرف في كل طبقة، و لا يدقق المعاني كلّ التدقيق، و لا ينقح الألفاظ كل التنقيح، و لا يصفها كل التصفية، و لا يهذبها غاية التهذيب، و لا يفعل ذلك حتى يصادف حكيما، أو فيلسوفا عليما، و من قد تعوّد حذف فضول الكلام، و إسقاط مشتركات الألفاظ، و قد نظر في صناعة المنطق على جهة الصناعة و المبالغة، لا على جهة الاعتراض و التصفح، و على وجه الاستطراف و التظرف. قال: و من علم حق المعنى أن يكون الاسم له طبقا، و تلك الحال له وفقا، و يكون الاسم له لا فاضلا و لا مفضولا، و لا مقصرا، و لا مشتركا، و لا مضمّنا، و يكون مع ذلك ذاكرا لما عقد عليه أول كلامه، و يكون تصفحه لمصادره، في وزن تصفحه لموارده، و يكون لفظه مونقا، و لهول تلك المقامات معاودا. و مدار الأمر على أفهام كل قوم بمقدار طاقتهم، و الحمل عليهم على أقدار منازلهم، و أن تواتيه آلاته، و تتصرف معه أداته، و يكون في التهمة لنفسه معتدلا، و في

____________

(1) الزميت: الحليم الساكن القليل الكلام. الركين: الرزين.

96

حسن الظن بها مقتصدا، فإنه إن تجاوز مقدار الحقّ في التهمة لنفسه ظلمها، فأودعها ذلة المظلومين، و إن تجاوز الحق في مقدار حسن الظن بها، آمنها فأودعها تهاون الآمنين. و لكل ذلك مقدار من الشغل، و لكل شغل مقدار من الوهن، و لكل وهن مقدار من الجهل.

و قال إبراهيم بن هانئ، و كان ماجنا خليعا، و كثير العبث متمردا. و لو لا أن كلامه هذا الذي أراد به الهزل يدخل في باب الجد، لما جعلته صلة الكلام الماضي. و ليس في الأرض لفظ يسقط البتة، و لا معنى يبور حتى لا يصلح لمكان من الأماكن.

قال إبراهيم بن هانئ: من تمام آلة القصص أن يكون القاص أعمى، و يكون شيخا بعيد مدى الصوت. و من تمام آلة الزّمر أن تكون الزامرة سوداء.

و من تمام آلة المغني أن يكون فاره البرذون. برّق الثياب عظيم الكبر، سيّئ الخلق. و من تمام آلة الخمار أن يكون ذميا، و يكون اسمه أذين أو شلوما، أو مازيار، أو ازدانقاذار، أو ميشا، و يكون أرقط الثياب، مختوم العنق. و من تمام آلة الشعر أن يكون الشاعر أعرابيا، و يكون الداعي إلى اللّه صوفيا. و من تمام آلة السؤدد أن يكون السيد ثقيل السمع، عظيم الرأس. و لذلك قال ابن سنان الجديدي، لراشد بن سلمة الهذلي: «ما أنت بعظيم الرأس و لا ثقيل السمع فتكون سيدا، و لا بأرسح فتكون فارسا» .

و قال شبيب بن شيبة الخطيب، لبعض فتيان بني منقر: «و اللّه ما مطلت مطل الفرسان، و لا فتقت فتق السادة» .

و قال الشاعر:

فقبّلت رأسا لم يكن رأس سيد # و كفا ككف الضبّ أو هي أحقر

فعاب صغر رأسه و صغر كفه، كما عاب الشاعر كف عبد اللّه بن مطيع‏ (1)

العدوي، حين وجدها غليظة جافية، فقال:

____________

(1) الشاعر هو فضالة بن شريك و قد هجا عبد اللّه بن مطيع بن الأسود والي عبد اللّه بن الزبير على الكوفة عند ما طرده المختار بن أبي عبيد الثقفي عنها.

97

دعا ابن مطيع للبياع فجئته # إلى بيعة قلبي لها غير آلف

فناولني خشناء لما لمستها # بكفي ليست من أكف الخلائف‏

و هذا الباب يقع (في كتاب الجوارح) (1) مع ذكر البرص و العرج و العسر و الأدر و الصلع و الحدب و القرع، و غير ذلك من علل الجوارح. و هو وارد عليكم إن شاء اللّه بعد هذا الكتاب.

و قال إبراهيم بن هانئ: من تمام آلة الشيعي أن يكون وافر الجمة، صاحب بازيكند (2) . و من تمام آلة صاحب الحرس أن يكون زمّيتا قطوبا أبيض اللحية، أقنى أجنى‏ (3) ، و يتكلم بالفارسية.

و أخبرني إبراهيم بن السندي قال: دخل العماني الراجز على الرشيد، لينشده شعرا، و عليه قلنسوة طويلة، و خف ساذج، فقال: إياك أن تنشدني إلا و عليك عمامة عظيمة الكور و خفان دمالقان‏ (4) .

قال إبراهيم: قال أبو نصر: فبكر عليه من الغد و قد تزيّا بزي الأعراب، فأنشده ثم دنا فقبّل يده، ثم قال: يا أمير المؤمنين، قد و اللّه أنشدت مروان و رأيت وجهه و قبلت يده و أخذت جائزته، و أنشدت المنصور و رأيت وجهه و قبلت يده و أخذت جائزته، و أنشدت المهدي و رأيت وجهه و قبلت يده و أخذت جائزته. و أنشدت الهادي و رأيت وجهه و قبلت يده و أخذت جائزته. هذا إلى كثير من أشباه الخلفاء و كبار الأمراء، و السادة الرؤساء، و لا اللّه إن رأيت فيهم أبهى منظرا، و لا أحسن وجها، و لا أنعم كفا، و لا أندى راحة منك يا أمير المؤمنين. و و اللّه لو ألقي في روعي أني أتحدث عنك ما قلت لك ما قلت.

____________

(1) أنظر حول هذا الكتاب: كشاف آثار الجاحظ الذي نشرناه ملحقا برسائل الجاحظ الكلامية.

طبعة دار و مكتبة الهلال.

(2) بازيكند: نوع من الثياب، فارسية.

(3) الأقنى: المرتفع أعلى الأنف المحدودب وسطه. الأجنى: تسهيل الأجنإ، و هو الأحدب الظهر.

(4) الدمالق: المستدير الأملس.

98

قال: فأعظم له الجائزة على شعره، و أضعف له على كلامه، و أقبل عليه فبسطه، حتى تمنى و اللّه جميع من حضر أنهم قاموا ذلك المقام.

[مفهوم البلاغة عند العرب‏]

ثم رجع بنا القول إلى الكلام الأول. قال ابن الأعرابي: قال معاوية بن أبي سفيان لصحّار بن عياش العبديّ‏ (1) . ما هذه البلاغة التي فيكم؟قال:

شي‏ء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا. فقال له رجل من عرض القوم:

يا أمير المؤمنين، هؤلاء بالبسر و الرطب، أبصر منهم بالخطب. فقال له صحار: أجل و اللّه، إنا لنعلم أن الريح لتلقحه، و أن البرد ليعقده، و أن القمر ليصبغه، و إن الحر لينضجه.

و قال له معاوية: ما تعدون البلاغة فيكم؟قال: الإيجاز. قال له معاوية: و ما الإيجاز؟قال صحار: أن تجيب فلا تبطئ، و تقول فلا تخطئ.

فقال له معاوية: أ و كذلك تقول يا صحار؟قال صحار: أقلني يا أمير المؤمنين، ألا تبطئ و لا تخطئ.

و شأن عبد القيس عجب، و ذلك أنهم بعد محاربة إياد تفرقوا فرقتين:

ففرقة وقعت بعمان و شقّ عمان، و هم خطباء العرب، و فرقة وقعت إلى البحرين و شقّ البحرين، و هم من أشعر قبيل في العرب، و لم يكونوا كذلك حين كانوا في سرّة البادية و في معدن الفصاحة. و هذا عجب.

و من خطبائهم المشهورين: صعصعة بن صوحان، و زيد بن صوحان، و سيحان بن صوحان. و منهم صحار بن عياش. و صحار من شيعة عثمان، و بنو صوحان من شيعة علي.

و منهم مصقلة بن رقبة، و رقبة بن مصقلة، و كرب بن رقبة.

____________

(1) صحار بن عياش العبدي (40 هـ) عالم بالأنساب و خطيب مصقع.

99

و إذا صرنا إلى ذكر الخطباء و النسابين، ذكرنا من كلام كل واحد منهم بقدر ما يحضرنا، و باللّه التوفيق.

قال لي ابن الأعرابي‏ (1) : قال لي المفضل بن محمد الضبي: قلت لأعرابي منا: ما البلاغة؟قال لي: الإيجاز في غير عجز، و الإطناب في غير خطل. قال ابن الأعرابي: فقلت للمفضل: ما الإيجاز عندك؟قال: حذف الفضول، و تقريب البعيد.

قال ابن الأعرابي، قيل لعبد اللّه بن عمر: لو دعوت اللّه لنا بدعوات.

فقال: اللهم ارحمنا و عافنا و ارزقنا!فقال له رجل: لو زدتنا يا أبا عبد الرحمن. فقال: نعوذ باللّه من الإسهاب.

____________

(1) ابن الأعرابي: محمد بن زياد، مولى بني هاشم في الكوفة (150-231 هـ) اجتمع به الجاحظ و روى عنه كثيرا من الأشعار و الأخبار.

100

تراجم البلغاء

[إياس بن معاوية]

ذكر ناس من البلغاء و الخطباء و الأبيناء و الفقهاء و الأمراء ممن كان لا يكاد يسكت مع قلة الخطأ و الزلل منهم: زيد بن صوحان. و منهم: أبو واثلة إياس ابن معاوية المزنيّ‏ (1) ، القاضي القائف، و صاحب الزّكن، و المعروف بجودة الفراسة. و لكثرة كلامه قال له عبد اللّه بن شبرمة (2) : «أنا و أنت لا نتفق. أنت لا تشتهي أن تسكت و أنا لا أشتهي أن أسمع» .

و أتى حلقة من حلق قريش في مسجد دمشق، فاستولى على المجلس، و رأوه أحمر دميما باذّ الهيئة، قشفا، فاستهانوا به فلما عرفوه اعتذروا إليه و قالوا له: الذنب مقسوم بيننا و بينك، أتيتنا في زيّ مسكين، تكلمنا بكلام الملوك.

____________

(1) عاش في العصر الأموي، و قد ولاه عمر بن عبد العزيز على قضاء الكوفة توفي عام 122 هـ.

(2) عبد اللّه بن شبرمة الضبي عاش في الدولة العباسية (72-144 هـ) و ولاه المنصور قضاء الكوفة.

101

و رأيت ناسا يستحسنون جواب إياس بن معاوية حين قيل له: ما فيك عيب غير أنك معجب بقولك. قال: أ فأعجبكم قولي؟قالوا: نعم. قال:

فأنا أحقّ بأن أعجب بما أقول، و بما يكون مني منكم.

و الناس، حفظك اللّه، لم يضعوا ذكر العجب في هذا الموضع.

و المعيب عند الناس ليس هو الذي لا يعرف ما يكون منه من الحسن. و المعرفة لا تدخل في باب التسمية بالعجب، و العجب مذموم. و قد جاء في الحديث:

«إن المؤمن من ساءته سيئته و سرّته حسنته» . و قيل لعمر: فلان لا يعرف الشر. قال: «ذاك أجدر أن يقع فيه» . و إنما العجب اسراف الرجل في السرور بما يكون منه و الإفراط في استحسانه، حتى يظهر ذلك في لفظه و في شمائله. و هو الذي وصف به صعصعة بن صوحان، المنذر بن الجارود، عند علي بن أبي طالب رحمه اللّه، فقال: «أما إنه مع ذلك لنظار في عطفيه، تفّال في شراكيه، تعجبه حمرة برديه» .

قال أبو الحسن: قيل لإياس: ما فيك عيب إلا كثرة الكلام. قال:

فتسمعون صوابا أم خطأ؟قالوا: لا، بل صوابا. قال: «فالزيادة من الخير خير» . و ليس كما قال، للكلام غاية، و لنشاط السامعين نهاية، و ما فضل عن قدر الاحتمال و دعا إلى الاستثقال و الملال، فذلك الفاضل هو الهذر، و هو الخطل، و هو الإسهاب الذي سمعت الحكماء يعيبونه.

و ذكر الأصمعي أن عمر بن هبيرة لما أراده على القضاء قال: إني لا أصلح له. قال: و كيف ذلك؟قال: لأنني عييّ، و لأني حديد. قال ابن هبيرة: أما الحدة فإن السوط يقوّمك، و أما الدمامة فإني لا أريد أن أحاسن بك أحدا، و أما العيّ فقد عبرت عما تريد.

فإن كان إياس عند نفسه عييا فذاك أجدر بأن يهجر الإكثار.

و بعد فما نعلم أحدا رمى إياسا بالعيّ، و إنما عابوه بالإكثار.

102

و ذكر صالح بن سليمان، عن عتبة بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث، قال ما رأيت عقول الناس إلا قريبا بعضها من بعض، إلا ما كان من الحجاج ابن يوسف، و إياس بن معاوية، فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس كثيرا.

و قال قائل لإياس: لم تعجل بالقضاء؟فقال إياس: كم لكفك من أصبع؟قال: خمس. قال: عجلت. قال: لم يعجل من قال بعد ما قتل الشي‏ء علما و يقينا. قال إياس: فهذا هو جوابي لك.

و كان كثيرا ما ينشد قول النابغة الجعدي:

أبى لي البلاء و أني امرؤ # إذا ما تبينت لم أرتب‏

قال: و مدح سلمة بن عياش، سوار بن عبد اللّه‏ (1) ، بمثل ما وصف به إياس نفسه حين قال:

و أوقف عند الأمر ما لم يضج له # و أمضى إذا ما شك من كان ماضيا

و كتب عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه، إلى عديّ بن أرطأة: إنّ قبلك رجلين من مزينة، فولّ أحدهما قضاء البصرة. يعني بكر بن عبد اللّه المزني و إياس بن معاوية. فقال بكر: و اللّه ما أحسن القضاء، فإن كنت صادقا فما يحل لك أن توليني، و إن كنت كاذبا إنها لأحراهما.

و كانوا إذا ذكروا البصرة قالوا: شيخها الحسن، و فتاها بكر.

و قال إياس بن معاوية: لست بخب و الخب لا يخدعني. و قال:

الخبّ‏ (2) لا يخدع ابن سيرين، و هو يخدع أبي و يخدع الحسن.

____________

(1) سوار بن عبد اللّه العنبري (245 هـ) فقيه قاض و أديب و شاعر وثقه أحمد بن حنبل.

(2) الخب: الخداع.

103

و دخل الشام و هو غلام، فتقدّم خصما له، و كان الخصم شيخا كبيرا، إلى بعض قضاة عبد الملك بن مروان، فقال له القاضي: أتقدم شيخا كبيرا؟ قال: الحق أكبر منه. قال: اسكت. قال: فمن ينطق بحجتي. قال: لا أظنك تقول حقا حتى تقوم. قال: لا إله إلا اللّه، (أ حقا أم باطلا؟) . فقام القاضي فدخل على عبد الملك من ساعته، فخبره بالخبر، فقال عبد الملك:

اقض حاجته الساعة و أخرجه من الشام، لا يفسد عليّ الناس.

فإذا كان إياس و هو غلام يخاف على جماعة أهل الشام، فما ظنك به و قد كبرت سنه، و عضّ على ناجذه.

و جملة القول في إياس أنه كان من مفاخر مضر، و من مقدمي القضاة، و كان فقيه البدن، دقيق المسلك في الفطن، و كان صادق الحدس نقابا (1) ، و كان عجيب الفراسة ملهما، و كان عفيف الطعم، كريم المداخل و الشيم، وجيها عند الخلفاء، مقدما عند الأكفاء. و في مزينة خير كثير.

ثم رجعنا إلى القول الأول.

و منهم ربيعة الرأي‏ (2) ، و كان لا يكاد يسكت. قالوا: و تكلّم يوما فأكثر و أعجب بالذي كان منه، فالتفت إلى أعرابي كان عنده فقال: يا أعرابيّ: ما تعدون العيّ فيكم؟قال: ما كنت فيه منذ اليوم.

و كان يقول: الساكت بين النائم و الأخرس.

[عبد اللّه بن حفص‏]

و منهم عبيد اللّه بن محمد بن حفص التيمي‏ (3) . و محمد بن حفص هو

____________

(1) الحدس: الظن و التخمين. النقاب: الرجل العلامة الفطن.

(2) ربيعة الرأي، أبو عثمان ربيعة بن فروح مولى تيم، عرض عليه أبو العباس السفاح القضاء فلم يقبل. توفي بالأنبار سنة 136 هـ.

(3) خطيب مفوه معاصر للجاحظ مات سنة 288 هـ.

104

ابن عائشة، ثم قيل لعبيد اللّه ابنه: ابن عائشة. و كان كثير العلم و السماع، متصرفا في الخبر و الأثر. و كان من أجواد قريش، و كان لا يكاد يسكت، و هو في ذلك كثير الفوائد. و كان أبوه محمد بن حفص عظيم الشأن، كثير العلم، بعث إليه ينخاب خليفته في بعض الأمر، فأتاه في حلقته في المسجد، فقال له في بعض كلامه: أبو من أصلحك اللّه؟فقال له: هلا عرفت هذا قبل مجيئك!و إن كان لا بد منه فاعترض من شئت فسله. فقال له: إني أريد أن تخليني. قال: أ في حاجة لك أم في حاجة لي؟قال: بل في حاجة لي.

قال: فألقني في المنزل قال: فإن الحاجة لك. قال: ما دون إخواني ستر.

[محمد بن مسعر]

و منهم محمد بن مسعر العقيليّ، و كان كريما كريم المجالسة، يذهب مذهب النساك، و كان جوادا. مرّ صديق له من بني هاشم بقصر له و بستان نفيس، فبلغه أنه استحسنه، فوهبه له.

و منهم أحمد بن المعذل بن غيلان، كان يذهب مذهب مالك رحمه اللّه، و كان ذا بيان و تبحر في المعاني، و تصرف في الألفاظ.

[الحسن بن سهل‏]

و ممن كان يكثر الكلام جدا الفضل بن سهل، ثم الحسن بن سهل في أيامه.

و حدثني محمد بن الجهم و داود بن أبي داود قالا: جلس الحسن بن سهل في مصلّى الجماعة، لنعيم بن خازم، فأقبل نعيم حافيا حاسرا و هو يقول: ذنبي أعظم من السماء، ذنبي أعظم من الهواء، ذنبي أعظم من الماء قالا: فقال له الحسن بن سهل: على رسلك، تقدمت منك طاعة، و كان آخر أمرك إلى توبة، و ليس للذنب بينهما مكان، و ليس ذنبك في الذنوب بأعظم من عفو أمير المؤمنين في العفو.