البيان و التبيين - ج1

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
321 /
105

و من هؤلاء علي بن هشام، و كان لا يسكت، و لا أدري كيف كان كلامه.

قال: و حدّثني مهدي بن ميمون، قال: حدثنا غيلان بن جرير، قال:

كان مطرّف بن عبد اللّه يقول: «لا تطعم طعامك من لا يشتهيه» . يقول: لا تقبل بحديثك على ما لا يقبل عليه بوجهه.

و قال عبد اللّه بن مسعود: «حدّث الناس ما حدجوك بأبصارهم، و أذنوا لك بأسماعهم، و لحظوك بأبصارهم، و إذا رأيت منهم فترة فأمسك» .

[ابن السماك‏]

قال: و جعل ابن السماك‏ (1) يوما يتكلم، و جارية له حيث تسمع كلامه، فلما انصرف إليها قال لها: كيف سمعت كلامي؟قالت: ما أحسنه، لو لا أنك تكثر ترداده. قال: أردده حتى يفهمه من لم يفهمه. قالت: إلى أن يفهمه من لا يفهمه قد ملّه من فهمه.

عباد بن العوام، عن شعبة عن قتادة قال: مكتوب في التوراة: «لا يعاد الحديث مرتين» .

سفيان بن عيينة، عن الزهري قال: «إعادة الحديث أشد من نقل الصخر» .

و قال بعض الحكماء: «من لم ينشط لحديثك فارفع عنه مئونة الاستماع منك» .

و جملة القول في الترداد، أنه ليس فيه حد ينتهي إليه، و لا يؤتى على وصفه. و إنما ذلك على قدر المستمعين، و من يحضره من العوام و الخواص.

____________

(1) ابن السماك، هو محمد بن صبيح العجلي بالولاء، كوفي وفد على هارون الرشيد و وعظه فأبكاه، أخذ عنه أحمد بن حنبل، توفي سنة 183 هـ.

106

و قد رأينا اللّه عز و جل ردد ذكر قصة موسى و هود، و هارون و شعيب، و إبراهيم و لوط، و عاد و ثمود. و كذلك ذكر الجنة و النار و أمور كثيرة، لأنه خاطب جميع الأمم من العرب و أصناف العجم، و أكثرهم غبي غافل، أو معاند مشغول الفكر ساهي القلب.

و أما أحاديث القصص و الرقة فإني لم أر أحدا يعيب ذلك.

و ما سمعنا بأحد من الخطباء كان يرى إعادة بعض الألفاظ و ترداد المعاني عيّا، إلا ما كان من النخار بن أوس العذري، فإنه كان إذا تكلم في الحمالات‏ (1) و في الصفح و الاحتمال، و صلاح ذات البين، و تخويف الفريقين من التفاني و البوار-كان ربما ردد الكلام عن طريق التهويل و التخويف، و ربما حمى فنخر.

[جعفر بن يحيى‏]

و قال ثمامة بن أشرس‏ (2) : كان جعفر بن يحيى أنطق الناس، قد جمع الهدوء و التمهل، و الجزالة و الحلاوة، و افهاما يغنيه عن الإعادة. و لو كان في الأرض ناطق يستغني بمنطقه عن الإعادة.

و قال مرة: ما رأيت أحدا كان لا يتحبّس و لا يتوقّف، و لا يتلجلج و لا يتنحنح، و لا يرتقب لفظا قد استدعاه من بعد، و لا يلتمس التخلص إلى معنى قد تعصّى عليه طلبه، أشد اقتدارا، و لا أقلّ تكلفا، من جعفر بن يحيى.

و قال ثمامة: قلت لجعفر بن يحيى: ما البيان؟قال: أن يكون الاسم يحيط بمعناك، و يجلي عن مغزاك، و تخرجه عن الشركة، و لا تستعين عليه بالفكرة. و الذي لا بد له منه، أن يكون سليما من التكلف، بعيدا من الصنعة، بريئا من التعقد، غنيا عن التأويل.

____________

(1) الحمالة: الدية.

(2) ثمامة بن أشرس النميري (231 هـ) شيخ الطبقة السابعة في المعتزلة كان له دالة على المأمون الذي جعله مستشاره. قال إن الإنسان قادر على أعماله.

107

و هذا هو تأويل قول الأصمعيّ: «البليغ من طبق المفصل‏ (1) ، و أغناك عن المفسّر» .

و خبرني جعفر بن سعيد، رضيع أيوب بن جعفر و حاجبه، قال: ذكرت لعمرو بن مسعدة (2) ، توقيعات جعفر بن يحيى، فقال: قد قرأت لأم جعفر توقيعات في حواشي الكتب و أسافلها فوجدتها أجود اختصارا و أجمع للمعاني.

قال: و وصف أعرابي أعرابيا بالإيجاز و الإصابة فقل: «كان و اللّه يضع الهناء مواضع النقب‏ (3) » . يظنون أنه نقل قول دريد بن الصمة، في الخنساء بنت عمرو بن الشريد، إلى ذلك الموضع، و كان دريد قال فيها:

ما إن رأيت و لا سمعت به # في الناس طالي أينق جرب

متبذلا تبدو محاسنه # يضع الهناء مواضع النقب‏

و يقولون في إصابة عين المعنى بالكلام الموجز: «فلان يفل المحز، و يصيب المفصل» . و أخذوا ذلك من صفة الجزار الحاذق، فجعلوه مثلا للمصيب الموجز.

و أنشدني أبو قطن الغنويّ، و هو الذي يقال له شهيد الكرم، و كان أبين من رأيته من أهل البدو و الحضر:

فلو كنت مولى قيس عيلان لم تجد # عليّ لمخلوق من الناس درهما

و لكنني مولى قضاعة كلها # فلست أبالي أن أدين و تغرما

أولئك قوم بارك اللّه فيهم # على كلّ حال ما أعفّ و أكرما

جفاة المحز لا يصيبون مفصلا # و لا يأكلون اللحم إلا تخذما

____________

(1) طبق المفصل: أصابه إصابة محكمة فأبان العضو من العضو.

(2) عمرو بن مسعدة أحد كتاب المأمون، توفي سنة 217 هـ، أما جعفر بن سعيد و أيوب بن جعفر فمعتزليان معاصران للجاحظ كان الأول بخيلا، و الثاني عالما بأخبار الدولة العباسية و رجالها.

(3) الهناء: نوع من القطران تطلى به الإبل. النقب: أول ما يبدو من الجرب.

108

يقول: هم ملوك و أشباه الملوك، و لهم كفاة فهم لا يحسنون إصابة المفصل.

و أنشدني أبو عبيدة في مثل ذلك:

و صلع الرءوس عظام البطون # جفاة المحزّ غلاظ القصر

و لذلك قال الراجز:

ليس براعي إبل و لا غنم # و لا بجزّار على ظهر و ضم‏

و قال الآخر، و هو ابن الزبعري:

و فتيان صدق حسان الوجو # ه لا يجدون لشي‏ء ألم

من آل المغيرة لا يشهدو # ن عند المجازر لحم الوضم‏

و قال الراعي في المعنى الأول:

فطبقن عرض القفّ ثم جزعنه # كما طبقت في العظم مدية جازر (1)

و أنشد الأصمعي:

و كف فتى لم يعرف السلخ قبلها # تجور يداه في الأديم و تجرح‏

و أنشد الأصمعي:

لا يمسك العرف إلا ريث يرسله # و لا يلاطم عند اللحم في السوق‏

و قد فسر ذلك لبيد بن ربيعة، و بيّنه و ضرب به المثل، حيث قال في الحكم بين عامر بن الطفيل، و علقمة بن علاثة:

يا هرم بن الأكرمين منصبا # أنك قد أوتيت حكما معجبا

فطبّق المفصل و اغنم طيبا

____________

(1) عرض القف: وسطه. جزعنه: قطعنه.

109

يقول: احكم بين عامر بن الطفيل و علقمة بن علاثة بكلمة فصل، و بأمر قاطع، فتفصل بها بين الحق و الباطل، كما يفصل الجزار الحاذق مفصل العظمين.

و قد قال الشاعر في هرم:

قضى هرم يوم المريرة بينهم # قضاء امرئ بالأولية عالم

قضى ثم ولى الحكم من كان أهله # و ليس ذنابي الريش مثل القوادم‏

و يقال في الفحل إذا لم يحسن الضّراب: جمل عياياء، و جمل طباقاء.

و قالت امرأة في الجاهلية تشكو زوجها: «زوجي عياياء طباقاء، و كل داء له دواء» .

حتى جعلوا ذلك مثلا للعيي الفدم، و الذي لا يتجه للحجة. و قال الشاعر:

طباقاء لم يشهد خصوما و لم يقد # ركابا إلى أكوارها حين تعكف‏ (1)

و ذكر زهير بن أبي سلمى الخطل فعابه فقال:

و ذي خطل في القول يحسب أنه # مصيب فما يلمم به فهو قائله

عبأت له حلما و أكرمت غيره # و أعرضت عنه و هو باد مقاتله‏

و قال غيره:

شمس إذا خطل الحديث أوانس # يرقبن كل مجذّر تنبال‏

الشمس، مأخوذ من الخيل، و هي الخيل المرحة الضاربة بأذنابها من النشاط. و المجذّر: القصير-و التنبال: القصير الدني‏ء.

و قال أبو الأسود الدؤلي، و كان من المقدمين في العلم، و اسم أبي الأسود ظالم بن عمرو:

____________

(1) الكور، بالضم: الرحل بأداته. تعكف: تحبس.

110

و شاعر سوء يهضب القول ظالما # كما اقتمّ أعشى مظلم الليل حاطب‏

يهضب: يكثر. و الأهاضيب: المطر الكثير. اقتمّ: افتعل من القمامة.

و أنشد:

أعوذ باللّه الأعزّ الأكرم # من قولي الشي‏ء الذي لم أعلم

تخبّط الأعمى الضرير الأيهم‏

و قال إبراهيم بن هرمة (1) ، في تطبيق المفصل-و تلحق هذه المعاني بأخواتها قبل:

و عميمة قد سقت فيها عائرا # غفلا و منها عائر موسوم

طبّقت مفصلها بغير حديدة # فرأى العدو غناي حيث أقوم‏

[ثمامة بن أشرس‏]

و هذه الصفات التي ذكرها ثمامة بن أشرس، فوصف بها جعفر بن يحيى، كان ثمامة بن أشرس قد انتظمها لنفسه، و استولى عليها دون جميع أهل عصره و ما علمت أنه كان في زمانه قروي و لا بلدي، كان بلغ من حسن الأفهام مع قلة عدد الحروف، و لا من سهولة المخرج مع السلامة من التكلف، ما كان بلغه. و كان لفظه في وزن إشارته، و معناه في طبقة لفظه، و لم يكن لفظه إلى سمعك بأسرع من معناه إلى قلبك.

قال بعض الكتاب: معاني ثمامة الظاهرة في ألفاظه، الواضحة في مخارج كلامه، كما وصف الخريمي شعر نفسه في مديح أبي دلف، حيث يقول:

له كلم فيك معقولة # إزاء القلوب كركب وقوف‏

____________

(1) إبراهيم بن هرمة الفهري شاعر أموي أدرك الدولة العباسية و مدح المنصور و عمر طويلا.

111

و أول هذه القصيدة قوله:

أبا دلف دلفت حاجتي # إليك و ما خلتها بالدلوف‏

و يظنون أن الخريمي إنما احتذى في هذا البيت على كلام أيوب بن القريّة حين قال له بعض السلاطين: ما أعددت لهذا الموقف؟قال: «ثلاثة حروف كأنهن ركب وقوف: دنيا، و آخرة، و معروف» .

[شبيب بن شيبة]

و حدثني صالح بن خاقان، قال: قال شبيب بن شيبة: «الناس موكّلون بتفضيل جودة الابتداء، و بمدح صاحبه، و أنا موكل بتفضيل جودة القطع، و بمدح صاحبه. و حظ جودة القافية و إن كانت كلمة واحدة، أرفع من حظ سائر البيت» . ثم قال شبيب: «فإن ابتليت بمقام لا بد لك فيه من الإطالة، فقدم أحكام البلوغ في طلب السلامة من الخطل، قبل التقدم في أحكام البلوغ في شرف التجويد. و إياك أن تعدل بالسلامة شيئا، فإن قليلا كافيا خير من كثير غير شاف» .

و يقال إنهم لم يروا خطيبا قط بلديا إلا و هو في أول تكلفه لتلك المقامات كان مستثقلا مستصلفا أيام رياضته كلها، إلى أن يتوقح و تستجيب له المعاني، و يتمكن من الألفاظ، إلا شبيب بن شيبة، فإنه قد ابتدأ بحلاوة و رشاقة، و سهولة و عذوبة، فلم يزل يزداد منها حتى صار في كل موقف يبلغ بقليل الكلام ما لا يبلغه الخطباء المصاقع بكثيره.

قالوا: و لما مات شبيب بن شيبة أتاهم صالح المري‏ (1) ، في بعض من أتاهم للتعزية، فقال: «رحمة اللّه على أديب الملوك، و جليس الفقراء، و أخي المساكين» .

____________

(1) صالح المري أحد رواة الحديث البلغاء، توفي سنة 172 هـ.

112

و قال الراجز (1) :

إذا غدت سعد على شبيبها # على فتاها و على خطيبها

من مطلع الشمس إلى مغيبها # عجبت من كثرتها و طيبها

[عودة إلى مفهوم البلاغة عند العتابي و عمرو بن عبيد و ابن المقفع‏]

حدثني صديق لي قال: قلت للعتابيّ: ما البلاغة؟قال: كل من أفهمك حاجته من غير إعادة و لا حبسة و لا استعانة فهو بليغ، فإن أردت اللسان الذي يروق الألسنة، و يفوق كل خطيب، فإظهار ما غمض من الحق، و تصوير الباطل في صورة الحق. قال: فقلت له: قد عرفت الإعادة و الحبسة، فما الاستعانة؟قال: أ ما تراه إذا تحدث قال عند مقاطع كلامه: يا هناه، و يا هذا، و يا هيه، و اسمع مني و استمع إلي، و افهم عني، أ و لست تفهم، أ و لست تعقل. فهذا كله و ما أشبهه عيّ و فساد.

قال عبد الكريم بن روح الغفاري، حدثني عمر الشمري، قال: قيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟قال: ما بلغ بك الجنة، و عدل بك عن النار، و ما بصرك مواقع رشدك و عواقب غيك. قال السائل: ليس هذا أريد. قال:

من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يستمع، و من لم يحسن الاستماع لم يحسن القول. قال: ليس هذا أريد. قال: قال النبي صلّى اللّه عليه و آله: «أنا معشر الأنبياء بكاء» أي قليلو الكلام. و منه قيل رجل بكي‏ء. و كانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله. قال: قال السائل: ليس هذا أريد. قال: كانوا يخافون من فتنة القول، و من سقطات الكلام، ما لا يخافون من فتنة السكوت و من سقطات الصمت. قال السائل: ليس هذا أريد. قال عمرو: فكأنك إنما تريد تخير اللفظ، في حسن الإفهام، قال: نعم. قال: إنك إن أوتيت تقرير حجة اللّه في عقول المكلفين، و تخفيف المئونة على المستمعين و تزيين تلك المعاني

____________

(1) أبو نخلة الراجز شاعر عاصر شبيبا و مدحه بأرجوزة على بذلة خلعها عليه.

113

في قلوب المريدين، بالألفاظ المستحسنة في الآذان، المقبولة عند الأذهان، رغبة في سرعة استجابتهم، و نفي الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة، على الكتاب و السنة، كنت قد أوتيت فصل الخطاب و استوجبت على اللّه جزيل الثواب. قلت لعبد الكريم من هذا الذي صبر له عمرو هذا الصبر؟ قال: قد سألت عن ذلك أبا حفص فقال: و من كان يجترئ عليه هذه الجرأة إلا حفص بن سالم.

قال عمر الشمري: كان عمرو بن عبيد لا يكاد يتكلم، فإذا تكلم لم يكد يطيل. و كان يقول: لا خير في المتكلم إذا كان كلامه لمن شهده دون نفسه. و إذا طال الكلام عرضت للمتكلم أسباب التكلف، و لا خير في شي‏ء يأتيك به التكلف.

و قال بعضهم-و هو من أحسن ما اجتبيناه و دوّناه-لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، و لفظه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك.

و كان مويس بن عمران‏ (1) يقول: لم أر أنطق من أيوب بن جعفر، و يحيى بن خالد.

و كان ثمامة يقول: لم أر أنطق من جعفر بن يحيى بن خالد.

و كان سهل بن هارون يقول: لم أر أنطق من المأمون أمير المؤمنين.

و قال ثمامة: سمعت جعفر بن يحيى يقول لكتّابه: «إن استطعتم أن يكون كلامكم كله مثل التوقيع فافعلوا» .

و سمعت أبا العتاهية يقول: «لو شئت أن يكون حديثي كله شعرا موزونا لكان» .

____________

(1) مويس بن عمران متكلم معتزلي مرجئ، عده ابن المرتضى في الطبقة السابعة من المعتزلة، جعل من بيته ناديا للجدل الكلامي، و كان الجاحظ يرتاده، و يعجب في كرمه، وسعة صدره. توفي سنة 241 هـ.

114

و قال إسحاق بن حسان بن قوهيّ‏ (1) : لم يفسّر البلاغة تفسير ابن المقفع احد قط. سئل ما البلاغة؟قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة. فمنها ما يكون في السكوت، و منها ما يكون في الاستماع، و منها ما يكون في الإشارة، و منها ما يكون في الاحتجاج، و منها ما يكون جوابا، و منها ما يكون ابتداء، و منها ما يكون شعرا، و منها ما يكون سجعا و خطبا، و منها ما يكون رسائل. فعامة ما يكون من هذه الأبواب الوحي فيها، و الإشارة إلى المعنى، و الإيجاز، هو البلاغة. فأما الخطب بين السماطين، و في إصلاح ذات البين، فالإكثار في غير خطل، و الإطالة في غير إملال، و ليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته. كأنه يقول: فرّق بين صدر خطبة النكاح و بين صدر خطبة العيد، و خطبة الصلح و خطبة التواهب، حتى يكون لكل فن من ذلك صدر يدل على عجزه، فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناك، و لا يشير إلى مغزاك، و إلى العمود الذي إليه قصدت، و الغرض الذي إليه نزعت. قال: فقيل له:

فإن مل السامع الإطالة التي ذكرت أنها حق ذلك الموقف؟قال: إذا أعطيت كلّ مقام حقه، و قمت بالذي يجب من سياسة ذلك المقام، و أرضيت من يعرف حقوق الكلام، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد و العدو، فإنه لا يرضيهما شي‏ء. و أما الجاهل فلست منه و ليس منك. و رضا جميع الناس شي‏ء لا تناله. و قد كان يقال: «رضا الناس شي‏ء لا ينال» .

قال: و السنّة في خطبة النكاح أن يطيل الخاطب و يقصر المجيب. أ لا ترى أن قيس بن خارجة بن سنان، لما ضرب بصفيحة سيفه مؤخّرة راحلتي الحاملين في شأن حمالة داحس و الغبراء (2) ، و قال: ما لي فيها أيها العشمتان‏ (3) ؟قالا له: بل ما عندك؟قال: عندي قرى كلّ نازل، و رضا كل

____________

(1) إسحاق بن حسان بن قوهي: شاعر عباسي اتصل بيحيى بن خالد و مدحه.

(2) الحمالة: الدية يحملها قوم عن قوم. و داحس و الغبراء اسما حصان و فرس أدى الرهان عليهما إلى نشوب حرب في الجاهلية بين قبيلتي عبس و ذبيان.

(3) العشمة: الشيخ الهرم انحنى ظهره.

115

ساخط، و خطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتواصل و أنهى فيها عن التقاطع؟قالوا: فخطب يوما إلى الليل فما أعاد فيها كلمة و لا معنى فقيل لأبي يعقوب: هلا اكتفى بالأمر بالتواصل عن النهي عن التقاطع؟أ و ليس الأمر بالصه هو النهي عن القطيعة؟قال: أ و ما علمت أن الكناية و التعريض لا يعملان في العقول عمل الإفصاح و الكشف.

قال: و سئل ابن المقفع عن قول عمر رحمه اللّه: «ما يتصعدني كلام كما تتصعدني خطبة النكاح» قال: ما أعرفه إلا أن يكون أراد قرب الوجوه من الوجوه، و نظر الحداق من قرب في أجواف الحداق. و لأنه إذا كان جالسا معهم كانوا كأنهم نظراء و أكفاء، فإذا علا المنبر صاروا سوقة و رعية.

و قد ذهب ذاهبون إلى أن تأويل قول عمر يرجع إلى أن الخطيب لا يجد بدا من تزكية الخاطب، فلعله كره أن يمدحه بما ليس فيه، فيكون قد قال زورا و غرّ القوم من صاحبه. و لعمري إن هذا التأويل ليجوز إذا كان الخطيب موقوفا على الخطابة. فأما عمر بن الخطاب، رحمه اللّه، و أشباهه من الأئمة الراشدين، فلم يكونوا ليتكلفوا ذلك إلا فيمن يستحق المدح.

و روى أبو مخنف، عن الحارث الأعور (1) ، قال: «و اللّه لقد رأيت عليا و إنه ليخطب قاعدا كقائم، و محاربا كمسالم» . يريد بقوله: قاعدا، خطبة النكاح.

و قال الهيثم بن عديّ: لم تكن الخطباء تخطب قعودا إلا في خطبة النكاح.

[توشيح الخطب بآي القرآن و الأشعار]

و كانوا يستحسنون أن يكون في الخطب يوم الحفل، و في الكلام يوم الجمع آي من القرآن، فإن ذلك مما يورث الكلام البهاء و الوقار و الرقة، و سلس الموقع.

____________

(1) كان الحارث الأعور من رجال حرب صفين و أبو مخنف راوية أخباري كوفي مات نحو 170 ه

116

قال الهيثم بن عديّ: قال عمران بن حطّان: إن أول خطبة خطبتها، عند زياد-أو عند ابن زياد-فأعجب بها الناس، و شهدها عمي و أبي. ثم إني مررت ببعض المجالس، فسمعت رجلا يقول لبعضهم: هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شي‏ء من القرآن.

و أكثر الخطباء لا يتمثلون في خطبهم الطوال بشي‏ء من الشعر و لا يكرهونه في الرسائل، إلا أن تكون إلى الخلفاء.

و سمعت مؤمّل بن خاقان، و ذكر في خطبته تميم بن مرّ، فقال: «إن تميما لها الشرف العود، و العز الأقعس، و العدد الهيضل‏ (1) . و هي في الجاهلية القدام، و الذروة و السنام. و قد قال الشاعر:

فقلت له و أنكر بعض شأني # أ لم تعرف رقاب بني تميم‏

و كان المؤمّل و أهله يخالفون جمهور بني سعد في المقالة، فلشدة تحدّبه على سعد و شفقته عليهم، كان يناضل عند السلطان كل من سعى على أهل مقالتهم، و إن كان قوله خلاف قولهم، حدبا عليهم.

و كان صالح المريّ، القاص العابد، البليغ، كثيرا ما ينشد في قصصه و في مواعظه، هذا البيت:

فبات يروّي أصول الفسيل # فعاش الفسيل و مات الرجل‏

و أنشد الحسن في مجلسه، و في قصصه و في مواعظه:

ليس من مات فاستراح بميت # إنما الميت ميت الأحياء

و أنشد عبد الصمد بن الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي، الخطيب القاص السجاع، إما في قصصه، و إما في خطبة من خطبه، رحمه اللّه:

____________

(1) العز الأقعس: المنيع. الهيضل: الكثير.

117

أرض تخيّرها لطيب مقيلها # كعب بن مامة و ابن أمّ دواد

جرت الرياح على محلّ ديارهم # فكأنهم كانوا على ميعاد

فأرى النعيم و كلّ ما يلهى به # يوما يصير إلى بلى و نفاد

و قال أبو الحسن: خطب عبيد اللّه بن الحسن‏ (1) على منبر البصرة في العيد و أنشد في خطبته:

أين الملوك عن حظّها غفلت # حتى سقاها بكأس الموت ساقيها

تلك المدائن بالآفاق خالية # أمست خلاء و ذاق الموت بانيها

قال: و كان مالك بن دينار يقول في قصصه: «ما أشد فطام الكبير» .

و هو كما قال القائل:

و تروض عرسك بعد ما هرمت # و من العناء رياضة الهرم‏

و مثله أيضا قول صالح بن عبد القدوس:

و الشيخ لا يترك أخلاقه # حتى يوارى في ثرى رمسه

إذا ارعوى عاد إلى جهله # كذي الضنى عاد إلى نكسه‏

و قال كلثوم بن عمرو العتابيّ:

و كنت امرأ لو شئت أن تبلغ المدى # بلغت بأدنى نعمة تستديمها

و لكن فطام النفس أثقل محملا # من الصخرة الصماء حين ترومها

[جهارة الصوت و التشديق في الخطب‏]

و كانوا يمدحون الجهير الصوت، و يذمون الضئيل الصوت، و لذلك تشادقوا في الكلام، و مدحوا سعة الفم، و ذموا صغر الفم.

____________

(1) عبيد اللّه بن الحسن العنبري البصري قاضي و فقيه و محدث توفي في البصرة عام 168 هـ.

118

قال: و حدثني محمد بن يسير الشاعر قال: قيل لأعرابي: ما الجمال؟ قال: طول القامة و ضخم الهامة، و رحب الشدق، و بعد الصوت.

و سأل جعفر بن سليمان أبا المخش عن ابنه المخش، و كان جزع عليه جزعا شديدا، فقال: صف لي المخشّ. فقال: كان أشدق خرطمانيا (1) ، سائلا لعابه، كأنما ينظر من قلتين‏ (2) ، و كأن ترقوته بوان أو خالفة (3) ، و كأن منكبه كركرة جمل ثفال‏ (4) . فقأ اللّه عينيّ إن كنت رأيت قبله أو بعده مثله.

قال: و قلت لأعرابي: ما الجمال؟قال: «غئور العينين، و اشراف الحاجبين، و رحب الشدقين» .

و قال دغفل بن حنظلة النسابة، و الخطيب العلامة، حين سأله معاوية عن قبائل قريش، فلما انتهى إلى بني مخزوم قال: «معزى مطيرة، علتها قشعريرة، إلا بني المغيرة، فإن فيهم تشادق الكلام، و مصاهرة الكرام» .

و قال الشاعر في عمرو بن سعيد الأشدق:

تشادق حتى مال بالقول شدقه # و كل خطيب لا أبا لك أشدق‏

و أنشد أبو عبيدة:

و صلع الرءوس عظام البطون # رحاب الشداق غلاظ القصر (5)

قال: و تكلم يوما عند معاوية الخطباء فأحسنوا، فقال: و اللّه لأرمينهم بالخطيب الأشدق!قم يا يزيد فتكلم.

____________

(1) الخرطماني: الكبير الأنف.

(2) القلت: النقرة في الصخرة.

(3) البوان: عمود في الخباء. الخالفة: عمود من أعمدة البيت.

(4) الكركرة: الصدر. الثفال: البطي‏ء.

(5) القصر: أصول الأعناق.

119

و هذا القول و غيره من الأخبار و الأشعار، حجة لمن زعم أن عمرو بن سعيد لم يسم الأشدق للفقم و لا للفوه.

و قال يحيى بن نوفل، في خالد بن عبد اللّه القسري:

بلّ السراويل من خوف و من وهل # و استطعم الماء لما جدّ في الهرب

و ألحن الناس كلّ الناس قاطبة # و كان يولع بالتشديق في الخطب‏

و يدلّك على تفضيلهم سعة الأشداق، و هجائهم ضيق الأفواه، قول الشاعر:

لحى اللّه أفواه الدّبى من قبيلة # إذا ذكرت في النائبات أمورها

و قال آخر:

و أفواه الدبى حاموا قليلا # و ليس أخو الحماية كالضجور

و إنما شبه أفواههم بأفواه الدبى، لصغر أفواههم و ضيقها.

و على ذلك المعنى هجا عبدة بن الطبيب حيي بن هزّال و ابنيه، فقال:

تدعو بنييك عبّادا و حذيمة # فا فأرة شجها في الجحر محفار

و قد كان العباس بن عبد المطلب جهيرا (1) جهير الصوت. و قد مدح بذلك، و قد نفع اللّه المسلمين بجهارة صوته يوم حنين، حين ذهب الناس عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فنادى العباس: يا أصحاب سورة البقرة، هذا رسول اللّه.

فتراجع القوم، و أنزل اللّه عزّ و جلّ النصر و أتى بالفتح.

ابن الكلبيّ عن أبيه عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: كان قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، يمكو حول البيت، فيسمع ذلك من حراء.

قال اللّه عز و جل: وَ مََا كََانَ صَلاََتُهُمْ عِنْدَ اَلْبَيْتِ إِلاََّ مُكََاءً وَ تَصْدِيَةً ، فالتصدية: التصفيق. و المكاء: الصفير أو شبيه بالصفير. و لذلك قال عنترة:

____________

(1) الجهير: ذو الهيئة الحسنة.

120

و حليل غانية تركت مجدلا # تمكو فريصته كشدق الأعلم‏

و قال العجير السلولي في شدة الصوت:

و منهن قرعي كلّ باب كأنما # به القوم يرجون الأذين نسور

فجئت و خصمي يصرفون نيوبهم # كما قصّبت بين الشفار جزور

لدى كلّ موثوق به عند مثلها # له قدم في الناطقين خطير

فظل رداء العصب ملقى كأنه # سلى فرس تحت الرجال عقير (1)

لو ان الصخور الصم يسمعن صلقنا # لرحن و في أعراضهن فطور (2)

الصلق: شدة الصوت. و فطور: شقوق.

و قال مهلهل:

و لو لا الريح أسمع أهل حجر # صليل البيض تقرع بالذكور

و الصريف: صوت احتكاك الأنياب، و الصليل صوت الحديد هاهنا. و في شدة الصوت قال الأعشى في وصف الخطيب بذلك:

فيهم الخصب و السماحة و النج # دة جمعا و الخاطب الصلاّق‏ (3)

و قال بشار بن برد في ذلك يهجو بعض الخطباء:

و من عجب الأيام أن قمت ناطقا # و أنت ضئيل الصوت منتفخ السحر

و وقع بين فتى من النصارى و بين ابن فهريز المطران‏ (4) كلام، فقال له الفتى:

____________

(1) العصب: ضرب من البرود. السلى: الجلدة يكون فيها الولد.

(2) الأعراض: الجوانب و النواحي.

(3) الصلاق: الشديد الصوت.

(4) ابن فهريز هو عبد يشوع، كان مطران حران ثم الموصل، نقل بعض كتب المنطق و الفلسفة إلى العربية، أبطل وحدة الأقنوم التي قال بها اليعقوبية و الملكانية.

121

ما ينبغي أن يكون في الأرض رجل واحد أجهل منك!و كان ابن فهريز في نفسه أكثر الناس علما و أدبا، و كان حريصا على الجثلقة. فقال للفتى: و كيف حللت عندك هذا المحل؟قال: لأنك تعلم أنا لا نتخذ الجاثليق‏ (1) إلا مديد القامة، و أنت قصير القامة، و لا نتخذه إلا جهير الصوت جيد الحلق، و أنت دقيق الصوت ردي‏ء الحلق، و لا نتخذه إلا و هو وافر اللحية عظيمها و أنت خفيف اللحية صغيرها، و أنت تعلم أنا لا نختار للجثلقة إلا رجلا زاهدا في الرئاسة، و أنت أشد الناس عليها كلبا، و أظهرهم لها طلبا. فكيف لا تكون أجهل الناس و خصالك هذه كلها تمنع من الجثلقة، و أنت قد شغلت في طلبها بالك، و أسهرت فيها ليلك. و قال أبو الحجناء في شدة الصوت:

إني إذا ما زبّب الأشداق # و التجّ حولي النقع و اللقلاق‏ (2)

ثبت الجنان مرجم ودّاق المرجم: الحاذق بالمراجمة بالحجارة. و الودّاق الذي يسيل الحجارة كالودق من المطر.

و جاء في الحديث: « «من وقي شرّ لقلقه و قبقبه و ذبذبه وقي الشر» .

يعني لسانه و بطنه و فرجه.

و قال عمر بن الخطاب في بواكي خالد بن الوليد بن المغيرة: «و ما عليهن أن يرقن من دموعهن على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة» .

و جاء في الأثر: «ليس منا من حلق أو صلق، أو سلق، أو شق» .

و مما مدح به العماني هارون الرشيد، بالقصيد دون الرجز، قوله:

جهير العطاس شديد النّياط # جهير الرواء جهير النغم

و يخطو على الأين خطو الظليم # و يعلو الرجال بجسم عمم‏

____________

(1) (الجاثليق: القسيس الأكبر، و رتبته أسمى من رتبة المطران.

(2) زبب الأشداق: ظهر عليها الزبد. اللقلقة: الصوت و الجلبة.

122

النياط: معاليق القلب. و الأين: الاعياء. و الظليم: ذكر النعام. و يقال إنه لعمم الجسم، و إن جسمه لعمم، إذا كان تاما. و منه قيل نبت عمم و أعتم النبت، إذا تم.

و كان الرشيد إذا طاف بالبيت جعل لإزاره ذنبين عن يمين و شمال، ثم طاف بأوسع من خطو الظليم، و أسرع من رجع يد الذئب.

و قد أخبرني إبراهيم بن السندي بمحصول ذرع ذلك الخطو، إلا إني أحسبه فراسخ فيما رأيته يذهب إليه.

و قال إبراهيم: و نظر إليه أعرابي في تلك الحال و الهيئة فقال:

خطو الظليم ريع ممسى فانشمر

ريع: فزع. ممسى: حين المساء. انشمر: جد في الهرب.

و حدثني إبراهيم بن السندي قال: لما أتى عبد الملك بن صالح وفد الروم و هو في بلادهم، أقام على رأسه رجالا في السماطين لهم قصر و هام و مناكب و أجسام، و شوارب و شعور، فبينا هم قيام يكلمونه و منهم رجل وجهه في قفا البطريق إذ عطس عطسة ضئيلة، فلحظه عبد الملك، فلم يدر أي شي‏ء أنكر منه، فلما مضى الوفد قال له: ويلك، هلا إذ كنت ضيق المنخر كزّ الحيشوم، أتبعتها بصيحة تخلع بها قلب العلج؟! و في تفضيل الجهارة في الخطب يقول شبّة بن عقال بعقب خطبته عند سليمان بن علي بن عبد اللّه بن عباس:

ألا ليت أمّ الجهم و اللّه سامع # ترى، حيث كانت بالعراق، مقامي

عشية بذّ الناس جهري و منطقي # و بذّ كلام الناطقين كلامي‏

و قال طحلاء يمدح معاوية بالجهارة و بجودة الخطبة:

ركوب المنابر و ثابها # معنّ بخطبته مجهر

تريع إليه هوادي الكلام # إذا ضلّ خطبته المهذر

123

معن: تعن له الخطبة فيخطبها مقتضبا لها. تريع: ترجع إليه. هوادي الكلام: أوائله. فأراد أن معاوية يخطب في الوقت الذي يذهب كلام المهذر فيه. و المهذر: المكثار.

و زعموا أن أبا عطية عفيفا النصري، في الحرب التي كانت بين ثقيف و بين بني نصر، لما رأى الخيل بعقوته يومئذ دوائس نادى: يا صباحاه!أتيتم يا بني نصر. فألقت الحبالى أولادها من شدة صوته. قالوا: فقال ربيعة بن مسعود يصف تلك الحرب و صوت عفيف

عقاما ضروسا بين عوف و مالك # شديدا لظاها تترك الطفل أشيبا

و كانت جعيل يوم عمرو أراكة # أسود الغضى غادرن لحما مترّبا (1)

و يوم بمكروثاء شدت معتّب # بغاراتها قد كان يوما عصبصبا (2)

فأسقط أحبال النساء بصوته # عفيف و قد نادى بنصر فطرّبا

و كان أبو عروة، الذي يقال له أبو عروة السباع، يصيح بالسبع و قد احتمل الشاة، فيخليها و يذهب هاربا على وجهه. فضرب به الشاعر المثل-و هو النابغة الجعدي-فقال:

و أزجر الكاشح العدو إذا اغتا # بك عندي زجرا على أضم

زجر أبي عروة السباع إذا # أشفق أن يلتبسن بالغنم‏

و أنشد أبو عمرو الشيباني لرجل من الخوارج يصف صيحة شبيب بن يزيد ابن نعيم. قال أبو عبيدة و أبو الحسن: كان شبيب يصيح في جنبات الجيش إذا أتاه، فلا يلوي أحد على أحد. و قال الشاعر فيه:

إن صاح يوما حسبت الصخر منحدرا # و الريح عاصفة و الموج يلتطم‏

قال أبو العاصي: أنشدني أبو محرز خلف بن حيان، و هو خلف الأحمر مولى الأشعريين، في عيب التشادق:

____________

(1) عمرو و أراكة: موضعان.

(2) مكروثاء: موضع. العصبصب: الشديد.

124

له حنجر رحب و قول منقح # و فصل خطاب ليس فيه تشادق

إذا كان صوت المرء خلف لهاته # و أنحى بأشداق لهن شقاشق

و قبقب يحكي مقرما في هبابه # فليس بمسبوق و لا هو سابق‏ (1)

و قال الفرزدق:

شقاشق بين أشداق و هام‏

و أنشد خلف:

و ما في يديه غير شدق يميله # و شقشقة خرساء ليس لها نعب

متى رام قولا خالفته سجية # و ضرس كقعب القين ثلّمه الشعب‏

و أنشد أبو عمرو و ابن الأعرابي:

و جاءت قريش قريش البطاح # هي العصب الأوّل الداخلة

يقودهم الفيل و الزندبيل # و ذو الضرس و الشفة المائلة

ذو الضرس و ذو الشفة، هو خالد بن سلمة المخزومي الخطيب.

و الزندبيل أبان و الحكم ابنا عبد الملك بن بشر بن مروان. يعني دخولهم على ابن هبيرة. و الزندبيل: الأنثى من الفيلة، فيما ذكر أبو اليقظان بن حفص.

و قال غيره: هو الذكر. فلم يقفوا من ذلك على شي‏ء.

و قال الشاعر في خالد بن سلمة المخزومي:

فما كان قائلهم دغفل # و لا الحيقطان و لا ذو الشّفة

قوله «دغفل» يريد دغفل بن يزيد بن حنظلة الخطيب الناسب.

و الحيقطان: عبد أسود، و كان خطيبا لا يجارى.

____________

(1) المقرم: الفحل المكرم. الهباب: النشاط.

125

و أنشد بعض أصحابنا:

و قافية لجلجتها فرددتها # لذي الضرس لو أرسلتها قطرت دما

و قال الفرزدق: أنا عند الناس أشعر العرب، و لربما كان نزع ضرس أيسر عليّ من أن أقول بيت شعر.

قال: و أنشدنا منيع:

فجئت و وهب كالخلاة يضمّها # إلى الشدق أنياب لهن صريف‏ (1)

فقعقعت لحيي خالد و اهتضمته # بحجة خصم بالخصوم عنيف‏

أبو يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير، قال: سئل (الحارث) بن أبي ربيعة (2) عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقال: كم كان له ما شئت من ضرس قاطع في العلم بكتاب اللّه، و الفقه في السنة، و الهجرة إلى اللّه و رسوله، و البسطة في العشيرة، و النجدة في الحرب، و البذل للماعون.

و قال الآخر:

و لم تلفني فهّا و لم تلف حجتي # ملجلجة أبغي لها من يقيمها (3)

و لا بتّ أزجيها قضيبا و تلتوي # أراوغها طورا و طورا أضيمها (4)

و أنشدني أبو الرديني العكلي:

فتى كان يعلو مفرق الحق قوله # إذا الخطباء الصيد عضّل قيلها (5)

____________

(1) الخلاة: الرطب من النبات. الصريف: الصوت.

(2) هو أخو عمر بن أبي ربيعة المخزومي و لكنه كان رجلا وفيا صالحا حاول أن يصد أخاه عن غزله الإباحي.

(3) الفه: العي. الملجلجة: المضطربة.

(4) أزجيها: أسوقها. القضيب: المقتضبة ليس لها حسن. أضرمها: انتقصها.

(5) عضل: صعب خروجه.

126

و قال الخريمي في تشادق علي بن الهيثم:

يا علي بن هيثم يا سماقا # قد ملأت الدنيا علينا نفاقا

خل لحييك يسكنان و لا تضرب # على تغلب بلحييك طاقا

لا تشادق إذا تكلمت و اعلم # أن للناس كلهم أشداقا

و كان علي بن الهيثم جوادا، بليغ اللسان و القلم.

و قال أبو يعقوب الخريمي: ما رأيت كثلاثة رجال يأكلون الناس أكلا حتى إذا رأوا ثلاثة رجال ذابوا كما يذوب الملح في الماء، و الرصاص في النار: كان هشام بن محمد علامة نسابة، و راوية للمثالب عيابة، فإذا رأى الهيثم بن عدي ذاب كما يذوب الرصاص في النار. و كان علي بن الهيثم مفقعا نيا صاحب تفقيع و تقعير، و يستولي على كلام أهل المجلس لا يحفل بشاعر و لا بخطيب، فإذا رأى موسى الضبي ذاب كما يذوب الرصاص عند النار. و كان علويه المغني واحد الناس في الرواية و في الحكاية، و في صنعة الغناء و جودة الضرب، و في الإطراب و حسن الحلق، فإذا رأى مخارقا ذاب كما يذوب الرصاص عند النار.

ثم رجع بنا القول إلى ذكر التشديق و بعد الصوت.

قال أبو عبيدة: كان عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب، رديفا للملوك، و رحّالا إليهم، و كان يقال له عروة الرحال، فكان يوم أقبل مع ابن الجون، يريد بني عامر، فلما انتهى إلى واردات مع الصبح، قال له عروة: إنك قد عرفت طول صحبتي لك، و نصيحتي إياك، فأذن لي فأهتف بقومي هتفة.

قال: نعم، و ثلاثا. فقام فنادى: يا صباحاه!ثلاث مرات. قال: فسمعنا شيوخنا يزعمون أنه أسمع أهل الشعب، فتلببوا للحرب، و بعثوا الربايا، ينظرون من أين يأتي القوم.

قال: و تقول الروم: لو لا ضجة أهل رومية و أصواتهم، لسمع الناس جميعا صوت وجوب القرص في المغرب.

127

و أعيب عندهم من دقة الصوت و ضيق مخرجه و ضعف قوته، أن يعتري الخطيب البهر و الارتعاش، و الرعدة و العرق.

قال أبو الحسن: قال سفيان بن عيينة: تكلم صعصعة عند معاوية فعرق، فقال معاوية: بهرك القول!فقال صعصعة: «إن الجياد نضاحة بالماء» .

و الفرس إذا كان سريع العرق، و كان هشا، كان ذلك عيبا. و كذلك هو في الكثرة، فإذا أبطأ ذلك و كان قليلا قيل: قد كبا، و هو فرس كاب. و ذلك عيب أيضا.

و أنشدني ابن الأعرابي، لأبي مسمار العكلي، في شبيه بذلك قوله:

للّه در عامر إذا نطق # في حفل أملاك و في تلك الحلق‏ (1)

ليس كقوم يعرفون بالسرق # من خطب الناس و مما في الورق

يلفقون القول تلفيق الخلق # من كل نضاح الذفارى بالعرق

إذا رمته الخطباء بالحدق‏

(و الذفارى هنا: يعني بدن الخطيب. و الذفريان للبعير، و هما اللحمتان في قفاه) .

و إنما ذكر خطب الأملاك لأنهم يذكرون أنه يعرض للخطيب فيها من الحصر أكثر مما يعرض لصاحب المنبر. و لذلك قال عمر بن الخطاب رحمه اللّه: «ما يتصعدني كلام كما تتصعدني خطبة النكاح» .

و قال العماني:

لا ذفر هش و لا بكابي # و لا بلجلاج و لا هياب‏

الهش: الذي يجود بعرقه سريعا، و ذلك عيب. و الذفر: الكثير العرق.

____________

(1) الأملاك: التزويج و عقد النكاح.

128

و الكابي: الذي لا يكاد يعرق، كالزند الكابي الذي لا يكاد يوري. فجعل له العماني حالا بين حالين إذا خطب، و خبر أنه رابط الجأش، معاود لتلك المقامات.

و قال الكميت بن زيد-و كان خطيبا-: «إن للخطبة صعداء، و هي على ذي اللب أرمى» .

و قولهم: أرمى و أربى سواء يقال: فلان قد أرمى على المائة و أربى.

و لم أر الكميت أفصح عن هذا المعنى و لا تخلّص إلى خاصته. و إنما يجترئ على الخطبة الغر الجاهل الماضي، الذي لا يثنيه شي‏ء، أو المطبوع الحاذق، الواثق بغزارته و اقتداره، فالثقة تنفي عن قلبه كل خاطر يورث اللجلجة و النحنحة، و الانقطاع و البهر و العرق.

و قال عبيد اللّه بن زياد، و كان خطيبا، على لكنة كانت فيه: «نعم الشي‏ء الأمارة، لو لا قعقعة البرد، و التشزن للخطب» (1) .

و قيل لعبد الملك بن مروان: عجل عليك الشيب يا أمير المؤمنين! قال: «و كيف لا يعجل عليّ و أنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين» . يعني خطبة الجمعة و بعض ما يعرض من الأمور.

و قال بعض الكلبيين.

فإذا خطبت على الرجال فلا تكن # خطل الكلام تقوله مختالا

و اعلم بأن من السكوت إبانة # و من التكلم ما يكون خبالا

[بشر بن المعتمر يقنن أصول البلاغة]

مرّ بشر بن المعتمر بإبراهيم بن جبلة بن مخرمة السّكوني الخطيب، و هو

____________

(1) التشزن: التأهب و الاستعداد.

129

يعلم فتيانهم الخطابة، فوقف بشر فظن إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد أو ليكون رجلا من النظّارة، فقال بشر: اضربوا عما قال صفحا و اطووا عنه كشحا. ثم دفع إليهم صحيفة من تحبيره و تنميقه، و كان أول ذلك الكلام:

خذ من نفسك ساعة نشاطك و فراغ بالك و إجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعة أكرم جوهرا، و أشرف حسبا، و أحسن في الأسماع، و أحلى في الصدور، و أسلم من فاحش الخطاء، و أجلب لكلّ عين و غرّة، من لفظ شريف و معنى بديع. و أعلم ان ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول، بالكد و المطاولة و المجاهدة، و بالتكلف و المعاودة. و مهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولا قصدا، و خفيفا على اللسان سهلا، و كما خرج من ينبوعه و نجم من معدنه. و إياك و التوعّر، فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، و التعقيد هو الذي يستهلك معانيك، و يشين ألفاظك. و من أراغ معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما، فإن حقّ المعنى الشريف اللفظ الشريف، و من حقهما أن تصونهما عما يفسدهما و يهجنهما، و عما تعود من أجله أن تكون أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس إظهارهما، و ترتهن نفسك بملابستهما و قضاء حقهما. فكن في ثلاث منازل، فإن أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقا عذبا، و فخما سهلا، و يكون معناك ظاهرا مكشوفا، و قريبا معروفا، أما عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، و إما عند العامة إن كنت للعامة أردت. و المعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، و كذلك ليس يتّضع بأن يكون من معاني العامة.

و إنما مدار الشرف على الصواب و إحراز المنفعة، مع موافقة الحال، و ما يجب لكل مقام من المال. و كذلك اللفظ العامي و الخاصيّ. فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك، و بلاغة قلمك، و لطف مداخلك، و اقتدارك على نفسك، إلى أن تفعم العامة معاني الخاصة، و تكسوها الألفاظ الواسطة التي لا تلطف عن الدهماء، و لا تجفو عن الاكفاء، فأنت البليغ التام.

قال بشر: فلما قرئت على إبراهيم قال لي: أنا أحوج إلى هذا من هؤلاء الفتيان.

130

قال أبو عثمان‏ (1) : أما أنا فلم أر قط أمثل طريقة في البلاغة من الكتّاب، فإنهم قد التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرا وحشيا، و لا ساقطا سوقيا. و إذا سمعتموني أذكر العوامّ فإني لست أعني الفلاحين و الحشوة (2) و الصناع و الباعة، و لست أعني أيضا الأكراد في الجبال. و سكان الجزائر في البحار، و لست أعني من الأمم مثل الببر و الطيلسان‏ (3) ، و مثل موقان و جيلان‏ (4) ، و مثل الزنج و أشباه الزنج. و إنما الأمم المذكورون من جميع الناس أربع: العرب، و فارس، و الهند، و الروم. و الباقون همج و أشباه الهمج. و أما العوام من أهل ملتنا و دعوتنا، و لغتنا و أدبنا و أخلاقنا، فالطبقة التي عقولها و أخلاقها فوق تلك الأمم و لم يبلغوا منزلة الخاصة منا. على أن الخاصة تتفاضل في طبقات أيضا.

ثم رجع بنا القول إلى بقية كلام بشر بن المعتمر، و إلى ما ذكر من الأقسام.

قال بشر: فإن كانت المنزلة الأولى لا تواتيك و لا تعتريك و لا تسمح لك عند أول نظرك و في أول تكلّفك، و تجد اللفظة لم تقع موقعها و لم تصر إلى قرارها و إلى حقها من أماكنها المقسومة لها، و القافية لم تحل في مركزها و في نصابها، و لم تتصل بشكلها، و كانت قلقة في مكانها، نافرة من موضعها، فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن، و النزول في غير أوطانها، فإنك إذا لم تتعاط قرض الشعر الموزون، و لم تتكلف اختيار الكلام المنثور، لم يعبك بترك ذلك أحد. فإن أنت تكلفتهما و لم تكن حاذقا مطبوعا و لا محكما لشأنك، بصيرا بما عليك و ما لك، عابك من أنت أقل عيبا منه، و رأى من هو دونك أنه فوقك.

فإن ابتليت بأن تتكلّف القول، و تتعاطى الصنعة، و لم تسمح لك الطباع في أول وهلة، و تعاصى عليك بعد إجالة الفكرة، فلا تعجل و لا تضجر، و دعه بياض يومك و سواد ليلتك، و عاوده عند نشاطك و فراغ بالك، فإنك لا تعدم الإجابة

____________

(1) قال أبو عثمان: عبارة مقحمة من الناسخ.

(2) الحشوة: أرذال الناس.

(3) الطيلسان: اقليم واسع في بلاد الخزر و الديلم.

(4) موقان و جيلان: أهل طبرستان و ما وراءها.

131

و المواتاة، إن كانت هناك طبيعة، أو جريت من الصناعة على عرق. فإن تمنّع عليك بعد ذلك من غير حادث شغل عرض، و من غير طول إهمال، فالمنزلة الثالثة أن تتحول من هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك، و أخفّها عليك، فإنك لم تشتهه و لم تنازع إليه إلا و بينكما نسب، و الشي‏ء لا يحنّ إلا إلى ما يشاكله، و إن كانت المشاكلة قد تكون في طبقات، لأن النفوس لا تجود بمكنونها مع الرغبة، و لا تسمح بمخزونها مع الرهبة، كما تجود به مع الشهوة و المحبة. فهذا هذا.

و قال: ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، و يوازن بينها و بين أقدار المستمعين و بين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما و لكل حالة من ذلك مقاما، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، و يقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، و أقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات.

فإن كان الخطيب متكلما تجنّب ألفاظ المتكلمين، كما أنه إن عبر عن شي‏ء من صناعة الكلام واصفا أو مجيبا أو سائلا، كان أولى الألفاظ به ألفاظ المتكلمين، إذ كانوا لتلك العبارات أفهم، و إلى تلك الألفاظ أميل، و إليها أحنّ و بها أشغف، و لأن كبار المتكلمين و رؤساء النظارين كانوا فوق أكثر الخطباء، و أبلغ من كثير من البلغاء. و هم تخيروا تلك الألفاظ لتلك المعاني، و هم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الأسماء، و هم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم، فصاروا في ذلك سلفا لكلّ خلف، و قدوة لكل تابع. و لذلك قالوا العرض و الجوهر، و أيس و ليس‏ (1) ، و فرقوا بين البطلان و التلاشي، و ذكروا الهذية و الهوية و الماهية و أشباه ذلك. و كما وضع الخليل بن أحمد (2) لأوزان القصيد و قصار الأرجاز ألقابا لم تكن العرب تتعارف تلك الأعاريض بتلك الألقاب، و تلك الأوزان بتلك الأسماء، كما ذكر الطويل، و البسيط، و المديد، و الوافر، و الكامل، و أشباه ذلك، و كما ذكر الأوتاد

____________

(1) أيس و ليس: الوجود و العدم، استعمل الكندي هاتين اللفظتين في رسائله الفلسفية و كان معاصرا للجاحظ.

(2) الخليل بن أحمد الفراهيدي عاش في القرن الثاني للهجرة و وضع علم العروض و علم الموسيقى و علم المعاجم. و قد ذكره الجاحظ في بعض رسائله.

132

و الأسباب، و الخرم و الزحاف. و قد ذكرت العرب في أشعارها السناد و الإقواء و الإكفاء، و لم أسمع بالإيطاء. و قالوا في القصيد و الرجز و السجع و الخطب، و ذكروا حروف الرويّ و القوافي، و قالوا هذا بيت و هذا مصراع. و قد قال جندل الطهوي حين مدح شعره:

لم أقو فيهن و لم أساند

و قال ذو الرمة:

و شعر قد أرقت له غريب # أجنبه المساند و المحالا

و قال أبو حزام العكليّ‏ (1) :

بيوتا نصبنا لتقويمها # جذول الربيئين في المربأة

بيوتا على الها لها سجعة # بغير السناد و لا المكفأة

و كما سمى النحويون، فذكروا الحال و الظروف و ما أشبه ذلك، لأنهم لو لم يضعوا هذه العلامات لم يستطيعوا تعريف القرويين و أبناء البلديين علم العروض و النحو. و كذلك أصحاب الحساب قد اجتلبوا أسماء جعلوها علامات للتفاهم.

قالوا: و قبيح بالخطيب أن يقوم بخطبة العيد أو يوم السماطين، أو على منبر جماعة، أو في سدة دار الخلافة، أو في يوم جمع و حفل، أما في إصلاح بين العشائر، و احتمال دماء القبائل، و استلال تلك الضغائن و السخائم، فيقول كما قال بعض من خطب على منبر ضخم الشأن، رفيع المكان: «ثم إن اللّه عز و جل بعد أن أنشأ الخلق و سوّاهم و مكّن لهم، لاشاهم فتلاشوا» . و لو لا أن المتكلم افتقر إلى أن يلفظ بالتلاشي لكان ينبغي أن يؤخذ فوق يده.

____________

(1) أبو حزام العكلي: هو غالب بن الحارث، عاش في العصر العباسي الأول، حفل شعره بالغريب.

133

و خطب آخر في وسط دار الخلافة، فقال في خطبته: «و أخرجه اللّه من باب الليسية، فأدخله في باب الأيسية» .

و قال مرة أخرى في خطبة له: «هذا فرق ما بين السارّ و الضارّ، و الدفاع و النفاع» .

و قال مرة أخرى: «فدلّ ساتره على غامره، و دل غامره على منحله» .

فكاد إبراهيم بن السّندي يطير شققا، و ينقد غيظا. هذا و إبراهيم من المتكلمين، و الخطيب لم يكن من المتكلمين.

و إنما جازت هذه الألفاظ في صناعة الكلام حين عجزت الأسماء عن اتساع المعاني. و قد تحسن أيضا ألفاظ المتكلمين في مثل شعر أبي نواس و في كل ما قالوه على وجه التظرّف و التملّح، كقول أبي نواس:

و ذات خد مورّد # قوهية المتجرد (1)

تأمّل العين منها # محاسنا ليس تنفد

فبعضها قد تناهى # و بعضها يتولد

و الحسن في كل عضو # منها معاد مردد

و كقوله:

يا عاقد القلب مني # هلا تذكّرت حلا

تركت مني قليلا # من القليل أقلا

يكاد لا يتجزا # أقلّ في اللفظ من لا

و قد يتملح الأعرابي بأن يدخل في شعره شيئا من كلام الفارسية، كقول العماني للرشيد، في قصيدته التي مدحه فيها:

____________

(1) قوهية: بيضاء.

134

من يلقه من بطل مسرند # في زغفة محكمة بالسرد (1)

تجول بين رأسه و الكرد

يعني العنق. و فيها يقول أيضا:

لما هوى بين غياض الأسد # و صار في كفّ الهزبر الورد

آلى يذوق الدهر آب سرد (2)

و كقول الآخر:

و دلهني وقع الأسنة و القنا # و كافر كوبات لها عجر قفد (3)

بأيدي رجال ما كلامي كلامهم # يسومونني مردا و ما أنا و المرد

و مثل هذا موجود في شعر (أبي) العذافر الكندي و غيره، [و يمكن‏] أيضا أن يكون الشعر مثل شعر بحر و شاذ، و أسود بن أبي كريمة. و كما قال يزيد ابن ربيعة بن مفرغ‏ (4) .

آب است نبيذ است # عصارات زبيب است

سميّه روسبيد است‏ (5)

و قال أسود بن أبي كريمة:

لزم الغرّام ثوبي # بكرة في يوم سبت‏ (6)

____________

(1) المسرند: من يغلب و يعلو. الزغفة: الدرع اللينة المحكمة. السرد: الزرد.

(2) آب سرد: ماء بارد.

(3) المدله: الساهي القلب، الذاهب العقل. العجر: العقدة في الخشب. قفد: الغليظ العنق.

(4) يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري: شاعر أموي هجا أبا سفيان و اتهمه بالزنا، فسقاه عبيد اللّه بن زياد نبيذا ممزوجا بالشبرم و طوفه في الأسواق فكان يسلح و الصبيان يتبعونه يسألونه عما به فكان يجيبهم بهذه الأبيات.

(5) آب: ماء. أي أن النبيذ ما هو إلا ماء، أو عصارات الزبيب. روسبيد: مشهورة. سمية:

أم زياد بن أبيه.

(6) الغرام: المطالبون بالدين.

135

فتمايلت عليهم # ميل زنكي بمستي‏ (1)

قد حسا الداذي صرفا # أو عقارا بايخست‏ (2)

ثم گفتم دور باد # ويحكم آن خر كفت‏ (3)

إن جلدي دبغته # أهل صنعاء بجفت‏ (4)

و أبو عمرة عندي # آن كوربد نمست‏ (5)

جالس!ندر مكناد # أيا عمد ببهشت‏ (6)

[طبقات الكلام‏]

و كما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميا، و ساقطا سوقيا، فكذلك لا ينبغي أن يكون غريبا وحشيا، إلا أن يكون المتكلم بدويا أعرابيا، فإن الوحشيّ من الكلام يفهمه الوحشي من الناس، كما يفهم السوقيّ رطانة السوقي. و كلام الناس في طبقات كما أن الناس أنفسهم في طبقات. فمن الكلام الجزل و السخيف، و المليح و الحسن، و القبيح و السمج، و الخفيف و الثقيل، و كله عربي، و بكلّ قد تكلموا، و بكلّ قد تمادحوا و تعايبوا. فإن زعم زاعم أنه لم يكن في كلامهم تفاضل، و لا بينهم في ذلك تفاوت، فلم ذكروا العييّ و البكي‏ء، و الحصر و المفحم، و الخطل و المسهب، و المتشدّق، و المتفيهق، و المهمار، و الثرثار، و المكثار و الهمار، و لم ذكروا الهجر و الهذر، و الهذيان و التخليط و قالوا: رجل تلقّاعة (7) ، و فلان يتلهيع في خطبته‏ (8) . و قالوا: فلان

____________

(1) «عليه مثل زنكي «تحريف. الزنكي: الزنجي. مستى السكر و إدمان الشراب.

(2) الداذي: نبت له عنقود مستطيل. العقار: الخمر. بايخست: الشراب على الريق بالفارسية.

(3) كفتم: قلت. دور باد: معاذ اللّه. آن: اسم إشارة. خر: البليد الأحمق. كفت: قال.

(4) جفت: ثمرة.

(5) أبو عمرة: كنية الجوع. كور: أعمى أو أعور. معناه كان أعمى و ليس ثملا.

(6) أندر بمعنى في. مكناد بمعنى لا تجعل. ببهشت: في الجنة.

(7) التلقاعة: الكثير الكلام.

(8) تلهيع: أفرط.

136

يخطئ في جوابه، و يحيل في كلامه، و يناقض في خبره. و لو لا أن هذه الأمور قد كانت تكون في بعضهم دون بعض لما سمي ذلك البعض البعض الآخر بهذه الأسماء.

و أنا أقول: إنه ليس في الأرض كلام هو أمتع و لا آنق، و لا ألذ في الأسماع، و لا أشد اتصالا بالعقول السليمة، و لا أفتق للسان، و لا أجود تقويما للبيان، من طول استماع حديث الأعراب العقلاء الفصحاء، و العلماء البلغاء.

و قد أصاب القوم في عامة ما وصفوا، إلا أني أزعم أن سخيف الألفاظ مشاكل لسخيف المعاني. و قد يحتاج إلى السخيف في بعض المواضع، و ربما أمتع بأكثر من امتاع الجزل الفخم من الألفاظ، و الشريف الكريم من المعاني. كما أن النادرة الباردة جدا قد تكون أطيب من النادرة الحارة جدا. و إنما الكرب الذي يختم على القلوب، و يأخذ بالأنفاس، النادرة الفاترة التي لا هي حارة و لا باردة، و كذلك الشعر الوسط، و الغناء الوسط، و إنما الشأن في الحار جدا و البارد جدا.

و كان محمد بن عباد بن كاسب يقول: و اللّه لفلان أثقل من مغن وسط و أبغض من ظريف وسط.

و متى سمعت-حفظك اللّه-بنادرة من كلام الأعراب، فإياك أن تحكيها إلا مع إعرابها و مخارج ألفاظها، فإنك إن غيّرتها بأن تلحن في إعرابها و أخرجتها مخارج كلام المولدين و البلديين، خرجت من تلك الحكاية و عليك فضل كبير. و كذلك إذا سمعت بنادرة من نوادر العوام، و ملحة من ملح الحشوة و الطغام، فإياك و أن تستعمل فيها الإعراب، أو تتخير لها لفظا حسنا، أو تجعل لها من فيك مخرجا سريا، فإن ذلك يفسد الامتاع بها، و يخرجها من صورتها، و من الذي أريدت له، و يذهب استطابتهم إياها و استملاحهم لها.

ثم اعلم أن أقبح اللحن لحن أصحاب التقعير و التقعيب، و التشديق و التمطيط و الجهورة و التفخيم. و أقبح من ذلك لحن الأعاريب النازلين على طرق السابلة، و بقرب مجامع الأسواق.

137

و لأهل المدينة ألسن ذلقة، و ألفاظ حسنة، و عبارة جيدة. و اللحن في عوامهم فاش، و على من لم ينظر في النحو منهم غالب.

و اللحن من الجواري الظراف، و من الكواعب النواهد، و من الشواب الملاح، و من ذوات الخدور الغرائر، أيسر. و ربما استملح الرجل ذلك منهن ما لم تكن الجارية صاحبة تكلف، و لكن إذا كان اللحن على سجية سكان البلد. و كما يستملحون اللثغة إذا كانت حديثة السن، و مقدودة مجدولة، فإذا أسنت و اكتهلت تغير ذلك الاستملاح.

و ربما كان اسم الجارية غليّم أو صبيّة أو ما أشبه ذلك، فإذا صارت كهلة جزلة، و عجوزا شهلة، و حملت اللحم و تراكم عليها الشحم، و صار بنوها رجالا و بناتها نساء، فما أقبح حينئذ أن يقال لها: يا غليم كيف أصبحت؟و يا صبية كيف أمسيت.

و لأمر ما كنّت العرب البنات فقالوا: فعلت أم الفضل، و قالت أم عمرو و ذهبت أم حكيم. نعم حتى دعاهم ذلك إلى التقدم في تلك الكنى و قد فسرنا ذلك كله في كتاب الأسماء و الكنى، و الألقاب و الأنباز (1) :

و قد قال مالك بن أسماء (2) في استملاح اللحن من بعض نسائه:

أ مغطّى مني على بصر للـ # حب أم أمنت أكمل الناس حسنا

و حديث ألذه هو مما # ينعت الناعتون يوزن و زنا

منطق صائب و تلحن أحيا # نا و أحلى الحديث ما كان لحنا

[عيون المعاني‏]

و هم يمدحون الحذق و الرفق، و التخلص إلى حبات القلوب، و إلى

____________

(1) راجع كشاف آثار الجاحظ الذي نشرناه ملحقا برسائل الجاحظ الكلامية، طبعة دار و مكتبة الهلال، بيروت، سنة 1987.

(2) مالك بن أسماء شاعر أموي غزل، تزوج الحجاج أخته هندا.

138

إصابة عيون المعانى. و يقولون: أصاب الحق في الجملة. و يقولون: قرطس فلان، و أصاب القرطاس، إذا كان أجود إصابة من الأول. فإن قالوا: رمى فأصاب الغرّة، و أصاب عين القرطاس، فهو الذي ليس فوقه أحد.

و من ذلك قولهم: فلان يفلّ الحزّ، و يصيب المفصل، و يضع الهناء مواضع النقب.

و قال زرارة بن جزء، حين أتى عمر بن الخطاب رحمه اللّه فتكلم عنده و رفع حاجته إليه.

أتيت أبا حفص و لا يستطيعه # من الناس إلا كالسنان طرير

فوفقني الرحمن لما لقيته # و للباب من دون الخصوم صرير

قروم غيارى عند باب ممنّع # تنازع ملكا يهتدي و يجور

فقلت له قولا أصاب فؤاده # و بعض كلام الناطقين غرور

و في شبيه بذلك يقول عبد الرحمن بن حسان حيث يقول:

رجال أصحاء الجلود من الخنا # و ألسنة معروفة أين تذهب‏

و في إصابة فصّ الشي‏ء و عينه، يقول ذو الرمة في مديح بلال بن أبي بردة الأشعري:

تناخي عند خير فتى يمان # إذا النكباء عارضت الشمالا (1)

و خيرهم مآثر أهل بيت # و أكرمهم و إن كرموا فعالا

و أبعدهم مسافة غور عقل # إذا ما الأمر في الشبهات عالا (2)

و لبّس بين أقوام فكل # أعدّ له الشغازب و المحالا (3)

و كلهم ألدّ له كظاظ # أعدّ لكل حال القوم حالا (4)

فصلت بحكمة فأصبت منها # فصوص الحق فانفصل انفصالا

____________

(1) النكباء: كل ريح تهب بين ريحين.

(2) عال: عظم و تفاقم.

(3) الشغازب: ضرب من الحيلة في الصراع. المحال: الحيلة.

(4) الكظاظ: تجاوز الحد في العداوة.

139

و كان أبو سعيد الرأي، و هو شرشير المدني يعيب أبا حنيفة، فقال الشاعر:

عندي مسائل لا شرشير يحسنها # عند السؤال و لا أصحاب شرشير

و لا يصيب فصوص الحقّ نعلمه # إلا حنيفية كوفية الدور

و مما قالوا في الإيجاز، و بلوغ المعاني بالألفاظ اليسيرة، قول ثابت فطنة:

ما زلت بعدك في هم يجيش به # صدري و في نصب قد كاد يبليني

لا أكثر القول فيما يهضبون به # من الكلام، قليل منه يكفيني‏ (1)

إني تذكرت قتلى لو شهدتهم # في غمرة الموت لم يصلوا بها دوني‏

و قال رجل من طي و مدح كلام رجل فقال: «هذا كلام يكتفى بأولاه، و يشتفى بأخراه» .

و قال أبو و جزة السعدي، من سعد بن بكر، يصف كلام رجل:

يكفي قليل كلامه و كثيره # ثبت إذا طال النضال مصيب‏

و من كلامهم الموجز في أشعارهم العكلي، في صفة قوس:

في كفه معطية منوع # موثقة صابرة جزوع‏

و قال الآخر، و وصف سهم رام أصاب حمارا، فقال:

حتى نجا من جوفه و ما نجا (2)

و قال الآخر و هو يصف ذئبا:

____________

(1) يهضبون في الحديث: يخوضون فيه مع ارتفاع صوت.

(2) أي نجا السهم من جوف الحمار و لم ينج الحمار من الهلاك.

140

أطلس يخفي شخصه غباره # في شدقه شفرته و ناره‏ (1)

هو الخبيث عينه فراره # بهم بني محارب مزداره‏ (2)

و وصف الآخر ناقة فقال:

خرقاء إلا أنها صناع‏

يصف سرعة نقل يديها و رجليها، إنها تشبه المرأة الخرقاء، و هي الخرقاء في أمرها الطياشة. و قال الآخر و وصف سهما صاردا، فقال:

ألقى على مفطوحها مفطوحا # غادر داء و نجا صحيحا

المفطوح الأول للقوس، و هو العريض، و هو هاهنا موضع مقبض القوس. و المفطوح الثاني: السهم العريض. يعني أنه ألقى على مقبض القوس سهما عريضا.

و قال الآخر:

إنك يا ابن جعفر لا تفلح # الليل أخفى و النهار أفضح‏

و قالوا في المثل: «الليل أخفى للويل» . و قال رؤبة يصف حمارا:

حشرج في الجوف سحيلا و شهق # حتى يقال ناهق و ما نهق‏

الحشرجة: صوت الصدر. و السحيل: صوت الحمار إذا مدّه.

و الشهيق: أن يقطّع الصوت.

و قال بعض ولد العباس بن مرداس السّلمي، في فرس أبي الأعور السلمي:

____________

(1) أراد أنه يسرع العدو فيثير من الغبار ما يخفي ما هو. الشفرة: السكين العريضة. عنى أنه قد استغنى بأنيابه عن معالجة مطعمه بالشفرة ثم بالنار.

(2) يعني: تعرف خبثه في عينه إذا أبصرته. يضرب مثلا لمن يدل ظاهره على باطنه.

141

جاء كلمع البرق جاش ناظرة # يسبح أولاه و يطفو آخره

فما يمس الأرض منه حافره‏

قوله: جاش ناظره، أي جاش بمائه. و ناظر البرق: سحابه. يسبح، يعني يمد ضبعيه، فإذا مدهما علا كفله. و قال الآخر:

إن سرك الأهون فابدأ بالأشد

و قال العجّاج:

مكّن السيف إذا السيف انأطر # من هامة الليث إذا ما الليث هر

كجمل البحر إذا خاض جسر # غوارب اليمّ إذا اليم هدر

حتى يقال حاسر و ما حسر

قالوا: جمل البحر سمكة طولها ثلاثون ذراعا. يقول: هذا الرجل يبعد كما تبعد هذه السمكة بجسارة، لا يردها شي‏ء، حتى يقال كاشف و ما انكشف البحر.

يقال: البحر حاسر و جازر. يقول: حتى يحسب الناس من ضخم ما يبدو من هذا الجمل، أن الماء قد نضب عنه، و إن البحر حاسر. و قال آخر:

يا دار قد غيّرها بلاها # كأنما بقلم محاها

أخربها عمران من بناها # و كرّ ممساها على مغناها

و طفقت سحابة تغشاها # تبكي على عراصها عيناها

قوله: أخربها عمران من بناها، يقول: عمّرها بالخراب. و أصل العمران مأخوذ من العمر، و هو البقاء، فإذا بقي الرجل في داره فقد عمرها. فيقول:

إن مدة بقائه فيها و قام مقام العمران في غيرها، سمي بالعمران. و قال الشاعر:

يا عجّل الرحمن بالعذاب # لعامرات البيت بالخراب‏

يعني الفار. يقول: هذا عمرانها، كما يقول الرجل: «ما نرى من خيرك و رفدك، إلا ما يبلغنا من خطبك علينا، و فتّك في أعضادنا» .

142

و قال اللّه عز و جل: هََذََا نُزُلُهُمْ يَوْمَ اَلدِّينِ . و العذاب لا يكون نزلا، و لكن لما قام العذاب لهم في موضع النعيم لغيرهم، سمي باسمه.

و قال الآخر:

فقلت أطعمني عمير تمرا # فكان تمري كهرة و زبرا (1)

و التمر لا يكون كهرة و لا زبرا، و لكنه على ذا. و قال اللّه عز و جل:

وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهََا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا ، و ليس في الجنة بكرة و لا عشي، و لكن على مقدار البكر و العشيات. و على هذا قول اللّه عز و جل: وَ قََالَ اَلَّذِينَ فِي اَلنََّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ . و الخزنة: الحفظة. و جهنم لا يضيع منها شي‏ء فيحفظ و لا يختار دخولها إنسان فيمنع منها، و لكن لما قامت الملائكة مقام الحافظ الخازن سميت به.

قوله: ممساها، يعني مساءها. و مغناها: موضعها الذي أقيم فيه.

و المغاني: المنازل التي كان بها أهلوها. و طفقت، يعني ظلت. تبكي على عراصها عيناها، عيناها هاهنا للسحاب. و جعل المطر بكاء من السحاب على طريق الاستعارة، و تسمية الشي‏ء باسم غيره إذا قام مقامه. و يقال لكل جوبة منفتقة ليس فيها بناء: عرصة.

و قال أبو عمرو بن العلاء: اجتمع ثلاثة من الرواة فقال لهم قائل: أي نصف بيت شعر أحكم و أوجز؟فقال أحدهم: قول حميد بن ثور الهلالي:

و حسبك داء أن تصح و تسلما

و لعل حميدا أن يكون أخذه عن النمر بن تولب، فإن النمر قال:

يحبّ الفتى طول السلامة و الغنى # فكيف ترى طول السلامة يفعل‏

و قال أبو العتاهية:

____________

(1) الكهرة: الانتهار. الزبر: الزجر و المنع.

143

أسرع في نقص امرئ تمامه‏

ذهب إلى كلام الأول: «كل ما أقام شخص، و كل ما ازداد نقص، و لو كان الناس يميتهم الداء، إذا لأعاشهم الدواء» .

و قال الثاني من الرواة الثلاثة: بل قول أبي خراش الهذلي‏ (1) :

نوكل بالأدنى و إن جل ما يمضي‏

و قال الثالث من الرواة: بل قول أبي ذؤيب الهذلي:

و إذا ترد إلى قليل تقنع‏

فقال قائل: هذا من مفاخر هذيل: أن يكون ثلاثة من الرواة لم يصيبوا في جميع أشعار العرب إلا ثلاثة أنصاف، اثنان منها لهذيل وحدها. فقيل لهذا القائل: إنما كان الشرط أن يأتوا بثلاثة أنصاف مستغنيات بأنفسها، و النصف الذي لأبي ذؤيب لا يستغنى بنفسه، و لا يفهم السامع معنى هذا النصف حتى يكون موصولا بالنصف الأول، لأنك إذا أنشدت رجلا لم يسمع بالنصف الأول و سمع:

و إذا ترد إلى قليل تقنع‏

قال: من هذه التي ترد إلى قليل فتقنع. و ليس المضمن كالمطلق.

و ليس هذا النصف مما رواه هذا العالم، و إنما الرواية قوله:

و الدهر ليس بمعتب من يجزع‏

و مما مدحوا به الإيجاز و الكلام الذي هو كالوحي و الإشارة، قول أبي دؤاد ابن حريز الإياديّ:

يرمون بالخطب الطوال و تارة # وحي الملاحظ خيفة الرقباء

____________

(1) أبو خراش الهذلي هو خويلد بن مرة، شاعر مخضرم مات في خلافة عمر بن الخطاب.

144

فمدح كما ترى الإطالة في موضعها، و الحذف في موضعه.

و مما يدل على شغفهم و كلفهم، و شدة حبهم للفهم و الإفهام، قول الأسدي في صفة كلام رجل نعت له موضعا من تلك السباسب التي لا أمارة فيها، بأقلّ اللفظ و أوجزه، فوصف إيجاز الناعت، و سرعة فهم المنعوت له، فقال:

بضربة نعت لم تعد غير أنني # عقول لأوصاف الرجال ذكورها

و هذا كقولهم لابن عباس: أنّى لك هذا العلم؟قال: «قلب عقول، و لسان سئول» . و قال الراجز:

و مهمهين قدفين مرتين # جبتهما بالنعت لا بالنعتين‏ (1)

ظهراهما مثل ظهور الترسين # قطعته بالأمّ لا بالسمتين‏

و قالوا في التحذير من ميسم الشعر، و من شدة وقع اللسان، و من بقاء أثره على الممدوح و المهجو، قال امرؤ القيس بن حجر:

و لو عن نثا غيره جاءني # و جرح اللسان كجرح اليد

و قال طرفة بن العبد:

بحسام سيفك أو لسانك و الكلم # الأصيل كأرغب الكلم‏

قال: و أنشدني محمد بن زياد (2) :

لحيت شماسا كما تلحى العصي # سبّا لو أن السب يدمي لدمي

____________

(1) المهمه: القفر المخوف. القذف: البعيد. المرت: التي لا ماء فيها و لا نبات. وصف نفسه بالحذق و المهارة.

(2) محمد بن زياد: هو الراوية المعروف بابن الأعرابي، عاصر الجاحظ و قد أخذ عنه الكثير من الشعر و اللغة، توفي سنة 231 هـ.

145

من نفر كلهم نكس دني # محامد الرذل مشاتيم السّري

مخابط العكم مواديع المطي # متارك الرفيق بالخرق النّطي‏ (1)

و أنشد محمد بن زياد:

تمنى أبو العفّاق عندي هجمة # تسهّل مأوى ليلها بالكلاكل

و لا عقل عندي غير طعن نوافذ # و ضرب كأشداق الفصال الهوادل

و سب يود المرء لو مات قبله # كصدع الصفا فلّقته بالمعاول‏

الهجمة: القطعة من النوق فيها فحل. و الكلكل: الصدر. و الفصال:

جمع فصيل، و هو ولد الناقة إذا فصل عنها. و الهوادل: العظام المشافر.

و العقل هاهنا الدية. و العاقلة: أهل القاتل الأدنون و الأبعدون. و الصفا: جمع صفاة و هي الصخرة. و قال طرفة:

رأيت القوافي يتّلجن موالجا # تضايق عنها إن تولّجها الأبر

و قال الأخطل:

حتى أقروا و هم مني على مضض # و القول ينفذ ما لا تنفذ الإبر

و قال العمانيّ:

إذ هن في الريط و في الموادع # ترمى إليهنّ كبذر الزارع‏

الريط: الثياب، واحدها ريطة، و الريطة: كل ملاءة لم تكن لفقين.

و الحلة لا تكون إلا ثوبين. و الموادع: الثياب التي تصون غيرها، واحدها ميدعة.

و قالوا: «الحرب أولها شكوى، و أوسطها نجوى، و آخرها بلوى» .

و كتب نصر بن سيار، إلى ابن هبيرة، أيام تحرك أمر السواد بخراسان:

____________

(1) العكم: العدل. المخابط: طلب المعروف. مواديع المطي: مطيهم مودوعة لا يجدونها الخرق: القفر. و النطي: البعيد.

146

أرى خلل الرماد وميض جمر # فيوشك أن يكون له اضطرام

فإن النار بالعودين تذكى # و إن الحرب أولها الكلام

فقلت من التعجب ليت شعري # أ أيقاظ أمية أم نيام

فإن كانوا لحينهم نياما # فقل قوموا فقد طال المنام‏

و قال بعض المولدين:

إذا نلت العطيّة بعد مطل # فلا كانت، و إن كانت جزيله

فسقيا للعطية ثم سقيا # إذا سهلت، و إن كانت قليله

و للشعراء ألسنة حداد # على العورات موفية دليله

و من عقل الكريم إذا اتقاهم # و داراهم مداراة جميله

إذا وضعوا مكاويهم عليه، # و إن كذبوا، فليس لهنّ حيله‏ (1)

و قالوا: «مذاكرة الرجال تلقيح لألبابها» .

و مما قالوا في صفة اللسان قول الأسدي، أنشدنيها ابن الأعرابي:

و أصبحت أعددت للنائبا # ت عرضا بريئا و عضبا صقيلا (2)

و وقع لسان كحد السنا # ن و رمحا طويل القناة عسولا (3)

و قال الأعشى:

و أدفع عن أعراضكم و أعيركم # لسانا كمقراض الخفاجيّ ملحبا

الملحب: القاطع.

الخفاجي: رجل اسكاف منسوب إلى خفاجة.

____________

(1) المكاوي: يعني لواذع الهجاء.

(2) العضب: السيف القاطع.

(3) العسول: المضطرب.

147

و قال ابن هرمة:

قل للذي ظل ذا لونين يأكلني # لقد خلوت بلحم عادم البشم

إياك لا ألزمن لحييك من لجمي # نكلا ينكل قرّاصا من اللجم‏ (1)

إني امرؤ لا أصوغ الحلي تعمله # كفّاي، لكن لساني صائغ الكلم‏

و قال الآخر:

إني بغيت الشعر و ابتغاني # حتى وجدت الشعر في مكاني

في عيبة مفتاحها لساني‏

و أنشد:

إني و إن كان ردائي خلقا # و برنكاني سملا قد أخلقا (2)

قد جعل اللّه لساني مطلقا

[الفصاحة و اللحن‏]

قال أبو عثمان‏ (3) : و العتّابيّ حين زعم أن كلّ من أفهمك حاجته فهو بليغ فلم يعن أن كل من أفهمنا من معاشر المولدين و البلديين قصده و معناه، بالكلام الملحون، و المعدول عن جهته، و المصروف عن حقه، إنه محكوم له بالبلاغة كيف كان بعد أن نكون قد فهمنا عنه. و نحن قد فهمنا معنى كلام النبطي الذي قيل له: لم اشتريت هذه الأتان؟قال: «اركبها و تلد لي» . و قد علمنا أن معناه كان صحيحا.

و قد فهمنا قول الشيخ الفارسي حين قال لأهل مجلسه: «ما من شر من دين» و إنه قال حين قيل له: و لم ذاك يا أبا فلان؟قال: «من جرّى يتعلقون» . و ما نشك أنه قد ذهب مذهبا، و أنه كما قال.

____________

(1) النكل: اللجام. القرص: القطع.

(2) البرنكان: كساء من صوف.

(3) قال أبو عثمان: عبارة مقحمة من الناسخ.

148

و قد فهمنا معنى قول أبي الجهير الخراساني النخاس، حين قال له الحجاج أ تبيع الدواب المعيبة من جند السلطان؟قال: «شريكاننا في هوازها، و شريكاننا في مداينها. و كما تجي‏ء نكون» . قال الحجاج: ما تقول، ويلك! فقال بعض من قد كان اعتاد سماع الخطأ و كلام العلوج بالعربية حتى صار يفهم مثل ذلك: يقول: شركاؤنا بالأهواز و بالمدائن يبعثون إلينا بهذه الدواب، فنحن نبيعها على وجوهها.

و قلت لخادم لي: في أي صناعة أسلموا هذا الغلام؟قال: «في أصحاب سند نعال» يريد: في أصحاب النعال السندية. و كذلك قول الكاتب المغلاق للكاتب الذي دونه: «اكتب لي قل خطين و ريحني منه» .

فمن زعم أن البلاغة أن يكون السامع يفهم معنى القائل، جعل الفصاحة و اللكنة، و الخطأ و الصواب، و الاغلاق و الإبانة، و الملحون و المعرب، كله سواء، و كله بيانا. و كيف يكون ذلك كله بيانا، و لو لا طول مخالطه السامع للعجم و سماعه للفاسد من الكلام، لما عرفه. و نحن لم نفهم عنه إلا للنقص الذي فينا. و أهل هذه اللغة و أرباب هذا البيان لا يستدلون على معاني هؤلاء بكلامهم كما لا يعرفون رطانة الرومي و الصقلبي، و إن كان هذا الاسم إنما يستحقونه بأنّا نفهم عنهم كثيرا من حوائجهم. فنحن قد نفهم بحمحمة الفرس كثيرا من إرادته. و كذلك الكلب، و الحمار، و الصبي الرضيع.

و إنما عنى العتابي إفهامك العرب حاجتك على مجاري كلام العرب الفصحاء. و أصحاب هذه اللغة لا يفقهون قول القائل منا: «مكره أخاك لا بطل» . و: «إذا عز أخاك فهن» . و من لم يفهم هذا لم يفهم قولهم: ذهبت إلى أبو زيد، و رأيت أبي عمرو. و متى وجد النحويون أعرابيا يفهم هذا و أشباهه بهرجوه و لم يسمعوا منه، لأن ذلك يدل على طول إقامته في الدار التي تفسد اللغة و تنقص البيان. لأن تلك اللغة إنما انقادت و استوت، و اطردت و تكاملت، بالخصال التي اجتمعت لها في تلك الجزيرة، و في تلك الجيرة.

و لفقد الخطأ من جميع الأمم.

149

و لقد كان بين زيد بن كثوة يوم قدم علينا البصرة، و بينه يوم مات بون بعيد، على أنه قد كان وضع منزله في آخر موضع الفصاحة و أول موضع العجمة، و كان لا ينفك من رواة و مذاكرين.

و زعم أصحابنا البصريون عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: لم أر قرويين أفصح من الحسن و الحجاج، و كان-زعموا-لا يبرّئهما من اللحن.

و زعم أبو العاصي أنه لم ير قرويا قط لا يلحن في حديثه، و فيما يجري بينه و بين الناس، إلا ما تفقده من أبي زيد النحوي، و من أبي سعيد المعلم.

و قد روى أصحابنا أن رجلا من البلديين قال لأعرابي: «كيف أهلك» قالها بكسر اللام. قال الأعرابي: صلبا. لأنه أجابه على فهمه، و لم يعلم أنه أراد المسألة عن أهله و عياله.

و سمعت ابن بشير و قال له أبو الفضل العنبريّ: إني عثرت البارحة بكتاب، و قد التقطته، و هو عندي، و قد ذكروا أن فيه شعرا، فإن أردته وهبته لك. قال ابن بشير: أريده إن كان مقيّدا. قال: و اللّه ما أدري أ مقيّد هو أم مغلول. و لو عرف التقييد لم يلتفت إلى روايته.

و حكى الكسائي أنه قال لغلام بالبادية: من خلقك؟و جزم القاف، فلم يدر ما قال، و لم يجبه، فرد عليه السؤال فقال الغلام: لعلك تريد من خلقك.

و كان بعض الأعراب إذا سمع رجلا يقول نعم في الجواب، قال: «نعم و شاء؟» ، لأن لغته نعم. و قيل لعمر بن لجأ: قل «إنا من المجرمين منتقمين» . قال: (إنّا من المجرمين منتقمون) .

و أنشد الكسائي كلاما دار بينه و بين بعض فتيان البادية فقال:

عجب ما عجب أعجبني # من غلام حكمي أصلا

قلت هل أحسست ركبا نزلوا # حضنا ما دونه قال هلا (1)

____________

(1) حضن: جبل بنجد.

150

قلت بيّن ما هلا هل نزلوا # قال حوبا ثم ولى عجلا (1)

لست أدري عندها ما قال لي # أنعم ما قال لي أم قال لا

تلك منه لغة تعجبني # زادت القلب خبالا خبلا (2)

قال أبو الحسن: قال مولى زياد: أهدوا لنا همار وهش. قال: أي شي‏ء تقول ويلك؟قال: «أهدوا لنا أيرا» ، يريد: أهدوا لنا عيرا. قال زياد:

ويلك، الأول خير.

و قال الشاعر يذكر جارية له لكناء:

أكثر ما أسمع منها بالسحر # تذكيرها الأنثى و تأنيث الذكر

و السوأة السوآء في ذكر القمر

فزياد قد فهم عن مولاه، و الشاعر قد فهم عن جاريته و لكنهما لم يفهما عنهما من جهة افهامهما لهما، و لكنهما لما طال مقامهما في الموضع الذي يكثر فيه سماعهما لهذا الضرب، صارا يفهمان هذا الضرب من الكلام.

[مديح اللسان‏]

ذكر ما قالوا في مديح اللسان بالشعر الموزون و اللفظ المنثور، و ما جاء في الأثر و صح به الخبر.

قال الشاعر:

أرى الناس في الأخلاق أهل تخلق # و أخبارهم شتى فعرف و منكر

قريبا تدانيهم إذا ما رأيتهم # و مختلفا ما بينهم حين تخبر

فلا تحمدن الدهر ظاهر صفحة # من المرء ما لم تبل ما ليس يظهر

____________

(1) هلا هنا بمعنى نعم. حوب: زجر للبعير.

(2) هذا الشعر منسوب للشاعر الأموي عمر بن لجأ بن حدير الذي لجت المهاجاة بينه و بين جرير.

151

فما المرء إلا الأصغران: لسانه # و معقوله، و الجسم خلق مصور

و ما الزين في ثوب تراه و إنما # يزين الفتى مخبوره حين يخبر

فإن طرّة راقتك منه فربما # أمر مذاق العود و العود أخضر

و قال سويد بن أبي كاهل في ذلك:

ودعتني برقاها إنها # تنزل الأعصم من رأس اليفع‏ (1)

تسمع الحدّاث قولا حسنا # لو أرادوا مثله لم يستطع

و لسانا صيرفيا صارما # كذباب السيف ما مسّ قطع‏ (2)

و قال جرير:

و ليس لسيفي في العظام بقية # و للسيف أشوى وقعة من لسانيا

و قال آخر:

و جرح السيف تدمله فيبرا # و يبقى الدهر ما جرح اللسان‏

و قال آخر:

أبا ضبيعة لا تعجل بسيئة # إلى ابن عمك و اذكره بإحسان

أ ما تراني و أثوابي مقاربة # ليست بخز و لا من حر كتان‏ (3)

فإن في المجد همّاتي و في لغتي # علوية و لساني غير لحّان‏

و فيما مدحوا به الأعرابي إذا كان أديبا، أنشدني ابن أبي كريمة، أو ابن كريمة، و اسمه أسود:

ألا زعمت عفراء بالشام إنني # غلام جوار لا غلام حروب

____________

(1) الأعصم: الوغل الذي في يديه بياض. اليفع: المرتفع من الأرض.

(2) ذباب السيف: حده.

(3) المقارب: الرخيص.

152

و إني لأهذي بالأوانس كالدمى # و إني بأطراف القنا للعوب

و إني على ما كان من عنجهيتي # و لوثة أعرابيتي لأديب‏ (1)

و قال ابن هرمة:

للّه درّك من فتى فجعت به # يوم البقيع حوادث الأيام

هش إذا نزل الوفود ببابه # سهل الحجاب مؤدب الخدام

فإذا رأيت شقيقه و صديقه # لم تدر أيهما أخو الأرحام‏

و قال كعب بن سعد الغنوي:

حبيب إلى الزوار غشيان بيته # جميل المحيا شبّ و هو أديب

إذا ما تراءاه الرجال تحفظوا # فلم تنطق العوراء و هو قريب‏ (2)

و قال الحارثي.

و تعلم أني ماجد و تروعها # بقية أعرابية في مهاجر

و قال الآخر:

و إن امرأ في الناس يعطى ظلامة # و يمنع نصف الحق منه لرائع

أ الموت يخشى أثكل اللّه أمّه # أم العيش يرجو نفعه و هو ضائع

و يطعم ما لم يندفع في مريثه # و يمسح أعلى بطنه و هو جائع

و أن العقول فاعلمن أسنة # حداد النواحي أرهفتها المواقع‏ (3)

و يقولون: «كأن لسانه لسان ثور» .

و حدثني من سمع أعرابيا يمدح رجلا برقة اللسان فقال: «كأن و اللّه لسانه أرق من ورقة، و ألين من سرقة» (4) .

____________

(1) اللوثة: الحماقة.

(2) العوراء: الكلمة القبيحة.

(3) المواقع: جمع ميقعة: و هي المسن.

(4) السرق: قطعة من الحرير.

153

و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله لحسان بن ثابت: ما بقي من لسانك؟فأخرج لسانه حتى ضرب بطرفه أرنبته. ثم قال: «و اللّه ما يسرني به مقول من معد، و اللّه إن لو وضعته على حجر لفلقه، أو على شعر لحلقه» .

قال: و سمعت أعرابيا يصف بلسانه رجل، فقال: «كان يشول بلسانه شولان البروق، و يتخلل به تخلل الحية» . و أظن هذا الأعرابي أبا الوجيه العكليّ.

يشول: يرفع. البروق: الناقة إذا طلبت الفحل فإنها حينئذ ترفع ذنبها.

و إنما سمي شوّال شوّالا لأن النوق شالت بأذنابها فيه. فإن قال قائل: قد يتفق أن يكون شوّال في وقت لا تشول الناقة بذنبها فيه، فلم بقي هذا الاسم عليه، و قد ينتقل ما له لزم عنه، قيل له: إنما جعل هذا الاسم له سمة حيث اتفق أن شالت النوق بأذنابها فيه، فبقي عليه كالسمة، و كذلك رمضان إنما سمي لرمض الماء فيه و هو في شدة الحر، فبقي عليه في البرد. و كذلك ربيع، إنما سمي لرعيهم الربيع فيه، و إن كان قد يتفق هذا الاسم في وقت البرد و الحر.

قال: و وصف أعرابي رجلا فقال: أتيناه فأخرج لسانه كأنه مخراق لاعب‏ (1) .

قال و قال العباس بن عبد المطلب للنبي صلّى اللّه عليه و آله: يا رسول اللّه، فيم الجمال؟قال: في اللسان.

قال: و كان مجاشع بن دارم خطيبا سليطا، و كان نهشل بكيئا منزورا (2) ، فلما خرجا من عند بعض الملوك عذله مجاشع في تركه الكلام، فقال له نهشل: إني و اللّه لا أحسن تكذابك و لا تأثامك، تشول بلسانك شولان البروق، و تخلل تخلل الباقرة.

و قالوا: أعلى جميع الخلق مرتبة الملائكة، ثم الإنس، ثم الجن.

____________

(1) المخراق: منديل يطوى فيضرب به.

(2) المنزور: القليل الكلام.

154

و إنما صار لهؤلاء المزية على جميع الخلق بالعقل، و بالاستطاعة على التصرف، و بالمنطق.

قال: و قال خالد بن صفوان: ما الإنسان لو لا اللسان إلا صورة ممثلة، أو بهيمة مهملة.

قال: و قال رجل لخالد بن صفوان: ما لي إذا رأيتكم تتذاكرون الأخبار و تتدارسون الآثار، و تتناشدون الأشعار، وقع عليّ النوم؟قال: لأنك حمار في مسلاخ إنسان‏ (1) .

و قال صاحب المنطق‏ (2) : حد الإنسان الحي الناطق المبين.

و قال الأعور الشني‏ (3) :

و كائن ترى من صامت لك معجب # زيادته أو نقصه في التكلم

لسان الفتى نصف و نصف فؤاده # فلم يبق إلا صورة اللحم و الدم‏

و لما دخل ضمرة بن ضمرة، على النعمان بن المنذر، زرى عليه، للذي رأى من دمامته و قصره و قلته. فقال النعمان: «تسمع بالمعيديّ لا أن تراه» .

فقال: أبيت اللعن!إن الرجال لا تكال بالقفزان، و لا توزن بالميزان، و ليست بمسوك يستقى بها، و إنما المرء بأصغريه: قلبه و لسانه، إن صال صال بجنان، و إن قال قال ببيان» .

و اليمانية تجعل هذا للصقعب النهدي. فإن كان ذلك كذلك فقد أقروا بأن نهدا من معد (4) .

____________

(1) المسلاخ: الجلد.

(2) صاحب المنطق: هو الفيلسوف اليوناني أرسطو.

(3) الأعور الشني: هو بشر بن منقذ بن أسد، حضر يوم الجمل مع علي. و البيتان ليسا له بل هما وردا في معلقة زهير بن أبي سلمى الشاعر الجاهلي الحكيم.

(4) ضمرة بن ضمرة من سادات تميم في الجاهلية، و الصقعب النهدي من سادات بني نهد في الجاهلية و ممن وفد على النعمان بن المنذر.